حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت " هكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك [به] (^٧). وقال الإمام أحمد (^٨) حدثنا عبد الرزاق، حدثنا (^٩) معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار، كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها، وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن ". أخرجاه، قاله (^١٠) ابن الجوزي في جامع المسانيد، وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به (^١١) وحدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل،
_________________
(١) في جـ: "النسائي".
(٢) في جـ: "بكر".
(٣) في ط: "المصحف أكثر".
(٤) في ط: "النواوي".
(٥) في ط: "بذكره".
(٦) قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٧٨) بعد أن ذكر كلام الحافظ ابن كثير هنا: "ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر؛ لأن المراد بقوله: باب القراءة عن ظهر قلب، مشروعيتها أو استحبابها، والحديث مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرا، وقد صرح كثير من العلماء أن القراءة من المصحف نظرا أفضل من القراءة عن ظهر قلب".
(٧) صحيح البخاري برقم (٠٣١ ٥) وصحيح مسلم برقم (٧٨٩) وسنن النسائي (٢/ ١٥٤).
(٨) المسند (٢/ ٣٥).
(٩) في ط: "أخبرنا".
(١٠) في جـ: "قال".
(١١) صحيح مسلم برقم (٧٨٩).
[ ١ / ٧٠ ]
عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: " بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل نُسِيَ، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النَّعم " (^١).
تابعه بشر. هو ابن محمد السختياني، عن ابن المبارك، عن شعبة.
وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به (^٢) وقال: حسن صحيح. وأخرجه النسائي من رواية شعبة (^٣).
وحدثنا عثمان، حدثنا جرير، عن منصور مثله. وتابعه ابن جريج عن عبدة، عن شقيق: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ (^٤) وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج به (^٥) ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث محمد بن جحادة، عن عبدة (^٦) وهو ابن أبي لُبَابة به (^٧). وهكذا رواه مسلم عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم عن جرير به (^٨) وستأتي رواية البخاري له عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن منصور به، والنسائي من رواية ابن عيينة عن منصور به، فقد رواه هؤلاء عن منصور به مرفوعا في رواية هؤلاء كلهم (^٩) وقد رواه النسائي عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفا (^١٠) وهذا غريب وفي مسند أبي يعلى (^١١) فإنما هو نَسِي بالتخفيف (^١٢).
حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: " تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تَفصِّيا من الإبل في عقلها ". وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد الله بن برادٍ (^١٣) الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة به (^١٤).
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا موسى بن علي:
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٥٠٣٢).
(٢) سنن الترمذي برقم (٤٩٢٢).
(٣) سنن النسائي (٢/ ١٥٤).
(٤) صحيح البخاري (٩/ ٧٩) "فتح".
(٥) صحيح مسلم برقم (٧٩٠).
(٦) في جـ: "عبيدة".
(٧) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٥٦٠).
(٨) صحيح مسلم برقم (٧٩٠).
(٩) صحيح البخاري برقم (٥٠٣٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٢).
(١٠) سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٥٦٤).
(١١) مسند أبي يعلى (٩/ ٦٩).
(١٢) قال القرطبي: معنى التثقيل: أنه عوقب بوقوع النسيان عليه التفريط في معاهدته واستذكاره. ومعنى التخفيف: أن الرجل ترك غير ملتفت إليه، وهو كقوله تعالى: (نسوا الله فنسيهم) [التوبة: ٦٧] أي: تركهم في العذاب أو تركهم من الرحمة.
(١٣) في جـ: "بردة".
(١٤) صحيح البخاري برقم (٥٠٣٣) وصحيح مسلم برقم (٧٩١).
[ ١ / ٧١ ]
سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: [قال رسول الله ﷺ] (^١) " تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل " (^٢).
ومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده؛ لئلا يعرضه حافظه للنسيان (^٣) فإن ذلك خطر كبير، نسأل الله العافية منه، فإنه قال الإمام أحمد:
حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ: " ما من أمير عشرة إلا ويؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه عن ذلك الغل إلا العدل، وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم القيامة يلقاه وهو أجذم " (^٤).
هكذا رواه جرير بن عبد الحميد، ومحمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، كما رواه خالد بن عبد الله (^٥). وقد أخرجه أبو داود عن محمد بن العلاء عن ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة عن النبي ﷺ بقصة نسيان القرآن، ولم يذكر الرجل المبهم (^٦).
وكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، وقد رواه شعبة عن يزيد فوهم في إسناده، ورواه وكيع عن أصحابه، عن يزيد، عن عيسى بن فائد، عن النبي ﷺ مرسلا. وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت فقال:
حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: " ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولا لا يفكه منها إلا عدله، وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقى الله يوم القيامة أجذم " (^٧).
وكذا رواه أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، ففيه اختلاف، لكن هذا في باب الترهيب مقبول -والله أعلم-لاسيما إذا كان له شاهد من وجه آخر، كما قال أبو عبيد.
حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: حُدثت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: " عرضت على أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها ". قال ابن جريج: وحُدّثت عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: " إن أكبر ذنب توافى به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها " (^٨).
_________________
(١) زيادة من ط، والمسند.
(٢) المسند (٤/ ١٤٦).
(٣) في ط: "إلى النسيان".
(٤) المسند (٥/ ٣٨٥).
(٥) رواه أبو عبيد في الفضائل (ص ١٠٣) من طريق جرير، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٧٨) من طريق ابن فضيل.
(٦) سنن أبي داود برقم (١٤٧٤).
(٧) المسند (٥/ ٣٢٣).
(٨) فضائل القرآن (ص ١٠٣).
[ ١ / ٧٢ ]
وقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: " عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها " (^١).
قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخاري فاستغربه، وحكى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك.
قلت: وقد رواه محمد بن يزيد الآدمي (^٢) عن ابن أبي رواد، عن ابن جريج عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ به. والله أعلم.
وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه: ١٢٤ - ١٢٦]، وهذا الذي قاله هذا -وإن لم يكن هو المراد جميعه-فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كثير وتفريط شديد، نعوذ بالله منه؛ ولهذا قال ﵇: "تعاهدوا القرآن"، وفي لفظ: " استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم ".
التَّفَصِّي: التخلص يقال: تَفَصَّى فلان من البلية: إذا تخلص منها، ومنه: تفصى النوى من التمرة: إذا تخلص منها، أي: إن القرآن أشد تفلتا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال.
وقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: إني لأمقت القارئ أن أراه سمينا نسيا للقرآن (^٣).
حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأن الله تعالى يقول: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ [الشورى: ٣٠]، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (^٤).
ولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يُكره لرجل أن يمر عليه أربعون يوما لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يُكره له أن يقرأ في أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي هذا، حيث يذكره البخاري بعد هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله: