وهل يقول: نسيت آية كذا وكذا، وقول الله تعالى:
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى * إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦، ٧]
حدثنا الربيع بن يحيى، حدثنا زائدة، حدثنا هشام، عن عروة، عن عائشة قالت: لقد سمع النبي ﷺ رجلا يقرأ في المسجد فقال: " يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا من سورة كذا ".
وحدثني محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام وقال: أسقطتهن من سورة كذا وكذا. انفرد به أيضا. تابعه علي بن مسهر وعبدة عن هشام (^٢).
وقد أسندهما البخاري في موضع آخر، ومسلم معه في عبدة (^٣).
وحدثنا أحمد بن أبي رجاء، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت: سمع رسول الله ﷺ رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال: "يرحمه الله، فقد (^٤) أذكرني آية كذا وكذا كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا ". ورواه مسلم من حديث أبي أسامة حماد بن أسامة (^٥)
.
الحديث الثاني: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: " بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّى " ورواه مسلم والنسائي، من حديث منصور به (^٦). وقد تقدم. وفي مسند أبي يعلى: "فإنما هو نُسِيَ "، بالتخفيف، هذا لفظه.
وفي هذا الحديث -والذي قبله-دليل على أن حصول النسيان للشخص ليس بنقصٍ له إذا كان
_________________
(١) مسند الفاروق للمؤلف (١/ ١٧٠).
(٢) صحيح البخاري برقم (٥٠٣٧).
(٣) صحيح البخاري برقم (٦٣٣٥) وصحيح مسلم برقم (٧٨٨).
(٤) في جـ، ط: "قد".
(٥) صحيح البخاري برقم (٥٠٣٨) وصحيح مسلم برقم (٧٨٨).
(٦) صحيح البخاري برقم (٥٠٣٩) وصحيح مسلم برقم (٧٩٠) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٤٢).
[ ١ / ٧٥ ]
بعد الاجتهاد والحرص، وفي حديث ابن مسعود أدب في التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول: نسيت آية كذا، فإن النسيان ليس من فعل العبد، وقد يصدر عنه أسبابه من التناسي والتغافل والتهاون المفضي إلى ذلك، فأما النسيان نفسه فليس بفعله؛ ولهذا قال: "بل هو نُسِيَ"، مبني لما لم يسم فاعله، وأدب -أيضا-في ترك إضافة ذلك إلى الله تعالى، وقد أسند النسيان إلى العبد في قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف: ٢٤] وهو، والله أعلم، من باب المجاز السائغ بذكر المسبب وإرادة السبب؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب قد يكون ذنبا، كما تقدم عن الضحاك بن مزاحم، فأمر الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب كما يذهب عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب السيئة، فإذا زال السبب للنسيان انزاح، فحصل الذكر لشيء بسبب ذكر الله تعالى، والله أعلم.