الحافظ ابن كثير، ﵀ له كلمات قوية في شأن الإسرائيليات وروايتها، وتفسيره يعد من الكتب الخالية من الإسرائيليات، اللهم إلا القليل الذي يحكيه ثم ينبه عليه، والنادر الذي يسكت عنه، وقد نبهت عليه في الحاشية.
ومن كلماته في الإسرائيليات (^١)
قال في مقدمة تفسيره -بعد أن ذَكر حديثَ "بلّغُوا عنِّي ولو آيةً، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرَجَ، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأْ مقعده من النار"-: "ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد، لا للاعتضاد. فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحتَه مما بأيدينا مما نشهدُ له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبَه بما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمِنُ به ولا نكذّبه، وتجوزُ حكايتُه لما تقدّم. وغالبُ ذلك مما لا فائدة فيه تعودُ إلى أمرٍ دينيّ. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسبب ذلك. كما يَذكرون في مثل أسماء أصحاب الكهف ولون كلبهم وعِدّتهم، وعصا موسى من أيِّ شجر كانت؟ وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيلُ من البقرة، ونوع الشجرة التي كلَّم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم. ولكن نقلُ الخلاف عنهم في ذلك جائز. كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ إلى آخر الآية [الكهف: ٢٢].
وقال عند تفسير الآية: (٥٠) من سورة الكهف-بعد أن ذكر أقوالا في "إبليس" واسمه ومن أيّ قبيلٍ هو؟! -: "وقد رُوى في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبُها من الإسرائيليات التي تُنقل ليُنْظَر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يُقْطَع بكذبه، لمخالفته للحقّ الذي بأيدينا.
_________________
(١) استفدت هذه الكلمات من عمدة التفسير للشيخ أحمد شاكر (١/ ١٤ - ١٨) ومن كتاب "ابن كثير وتفسيره" للدكتور إسماعيل عبد العال (ص ٢٢٨ - ٢٣٢).
[ المقدمة / ٣١ ]
وفي القرآن غُنْيَةٌ عن كلّ ما عداه من الأخبار المتقدمة؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان، وقد وُضِعَ فيها أشياء كثيرة. وليس لهم من الحفّاظ المُتْقِنين الذين يَنْفُون عنها تحريفَ الغَالِين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء، والسادة والأتقياء، والبررة والنجباء، من الجهابذة النقّاد، والحُفَّاظ الجياد، الذين دَوَّنوا الحديث وحَرَّرُوه، وبيَّنوا صحيحَه من حَسَنه من ضعيفه، من منكَره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضَّاعِين والكذّابين والمجهولين، وغير ذلك من أصناف الرجال. كلُّ ذلك صيانةً للجناب النبويّ والمقام المحمديّ، خاتم الرسل وسيد البشر، ﷺ -أن يُنْسَب إليه كذبٌ أو يُحَدَّثَ عنه بما ليس منه. فرضي الله عنهم وأرضاهم، وجَعَل جنّاتِ الفردوس مأواهم. وقد فَعَلَ".
وقال عند تفسير الآيات (٥١ - ٥٦) من سورة الأنبياء، بعد إشارته إلى حال إبراهيم، ﵇، مع أبيه، ونظره إلى الكواكب والمخلوقات -: "وما قَصَّه كثيرٌ من المفسّرين وغيرهم، فعَامّتُها أحاديثُ بني إسرائيل. فما وافقَ منها الحقّ مما بأيدينا عن المعصوم قَبِلْناه، لموافقته الصحيح، وما خالف منها شيئًا من ذلك ردَدْناه، وما ليس فيه موافقةٌ ولا مخالفةٌ، لا نصدّقه ولا نكذّبه، بل نجعله وَقْفًا. وما كان من هذا الضَّرْبِ منها فقد رخَّص كثير من السلف في روايته. وكثيرٌ من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصلَ له مما يُنْتَفَع به في الدّين. ولو كانت فائدتُه تعود على المكلَّفين في دينهم لبيَّنَتْه هذه الشريعةُ الكاملةُ الشاملةُ. والذي نَسْلُكُه في هذا التفسير الإعراضُ عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية، لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتَمل عليه كثيرٌ منها من الكذب المُرَوَّج عليهم. فإنهم لا تَفْرِقَةَ عندهم بين صحيحها وسقيمها. كما حَرّره الأئمةُ الحُفّاظ المُتْقِنُون من هذه الأمة".
وقال عند تفسير الآية: (١٠٢) من سورة البقرة: "وقد رُوي في قصة هاروتَ وماروتَ عن جماعة من التابعين، كمجاهد والسُّدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية والزهري والرَّبيع بن أنس ومقاتل ابن حيّان وغيرهم، وقصَّها خلقٌ من المفسّرين، من المتقدّمين والمتأخرين. وحاصلُها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديثٌ مرفوع صحيح متّصلُ الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. وظاهرُ سياق القرآن إجمالُ القصة من غير بسْطٍ ولا إطنابٍ فيها، فنحن نؤمِن بما ورد في القرآن على ما أراده الله تعالى، والله أعلم بحقيقة الحال".
وقال في أول سورة ق: "وقد رُوي عن بعض السلف أنهم قالوا: ق، جبل مُحيطٌ بجميع الأرض، يقال له جبل قاف!!! وكأنّ هذا -والله أعلم-من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعضُ الناس، لِمَا رأَى من جواز الرواية عنهم مما لا يصدَّق ولا يُكَذَّب. وعندي أن هذا وأمثالَه وأشباهَه من اختلاقِ بعض زنادقتهم، يَلْبِسُون به على الناس أمرَ دينهم. كما افْتُريَ في هذه الأمة -مع جلالة قدر علمائها وحُفّاظها وأئمتها-أحاديثُ عن النبي ﷺ، وما بالعَهْدِ من قِدَمٍ. فكيف بأمةِ بني إسرائيل، مع طول المَدَى، وقلة الحُفَّاظ النُّقَّاد فيهم، وشربهم الخمور، وتحريف علمائِهم الكلمَ عن مَوَاضعه وتبديلِ كُتُب الله وآياتِه. وإنما أباح الشارعُ الروايةَ عنهم في قوله: "وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" فيما قد يُجَوِّزُه العقل. فأما فيما تحِيلُه العقول، ويُحْكَم فيه بالبُطلان، ويَغْلبُ على الظنون كذبُه، فليس من هذا القبيل".
[ المقدمة / ٣٢ ]
وقال عند تفسير الآيات (٤١ - ٤٤) من سورة النمل -وقد ذكر في قصة ملكة سبأ أثرًا طويلا عن ابن عباس، وَصَفَه بأنه "منكر غريب جدًا"-ثم قال: "والأقربُ في مثل هذه السياقات أنها متلقَّاةٌ عن أهل الكتاب، مما وُجد في صُحُفهم، كروايات كعب ووَهْب، سامحهما الله فيما نقلاه إلى هذه الأمة من أخبار بني إسرائيل، من الأوابد والغرائب والعجائب، مما كان وما لم يكن، ومما حُرِف وبدِّل ونُسِخَ. وقد أغنانا الله سبحانه عن ذلك بما هو أصحُّ منه وأنفعُ وأوضحُ وأبلغُ. ولله الحمد والمنة".
وقال عند تفسير الآية: (٤٦) من سورة العنكبوت-بعد أن رَوَى الحديث: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم"-قال: "ثم ليُعلم أن أكثر ما يتحدثون به غالبه كذب وبهتان لأنه قد دخله تحريف وتبديل وتغيير وتأويل وما أقل الصدق فيه، ثم ما أقل فائدته".
وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]: "أي مصالح ومنافع وحاجات أخرى غير ذلك، وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمته، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت كذلك لما استنكر موسى، ﵊، صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية".