لعل بعض من ينظر إلى هذا العنوان يلحق سيئ الظن بنا، ويرى أنَّا عمدنا للطعن على من تقدمنا، وإظهار العيب في علماء سلفنا. ومعاذ الله من هذا!!. وأنى يكون ذلك، وبهم ذُكرنا، وبشعاع ضيائهم تبصرنا، وباقتفائنا واضح رسومهم تميزنا، وبسلوك سبيلهم عن المنهج تحيزنا.
وما مثلهم ومثلنا إلا ما قال أبو عمرو بن العلاء: ما نحن فيمن مضى إلا كَبَقْلٍ في أصول نَخْلٍ طوال.
لكن لما جعل الله تعالى في الخلق أعلامًا، ونصب لكل قوم إمامًا، لزم المهتدين بمبين أنوارهم، والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم ممن رزق البحث والفهم، وإنعام النظر في العلم -ونسأل الله ﷿ أن نكون كذلك- بيان ما أهملوا، وتسديد ما أغفلوا إذ لم يكونوا معصومين من الزلل، ولا آمنين مغ مقارفة الخطأ والخطل، وذلك حق العالم على المتعلم، وواجب على التالي للمتقدم [١].
ومن هذا المبدأ استخرنا الله تعالى في كتابة مثل هذا العنصر في المقدمة، فرأينا أهميته لا سيما وأن الكتاب متداول بين عوام المسلمين قبل طلبة العلم منهم، وقد وقع فيه أغلاط وتصحيفات كثيرة نكتفي بذكر أمثلة منها هنا، والباقي تراه في حاشية الكتاب. لكن مما ينبغي التنبيه عليه، قبل ذكر هذه الأمثلة أن نقول: إن بعض الأغلاط والتصحيفات التي تم تعقيبها أو تقويمها، أعظمنا أن تكون غابت عن الحافظ ابن كثير، وأكثرنا جوازها عليه، وجوزنا أن يكون ذلك تصحيفًا أو تحريفًا من الناسخ؛ مع أنه لا يعرى بشر من السهو والغلط فسبحان من لا تأخذه سنة ولا نوم.
وقد فسمنا هذه الأوهام بحسب ما وقع لنا إلى أربعة أقسام وهي:
أولًا: (١) - الخطأ في العزو.
مثاله: ألّا يكون الحديث في الصحيحين أو في أحدهما، ومع هذا تراه يعزوه إليهما أو إلى واحد منها أو يكون فيهما أو في أحدهما لكنه من طريق غير الطريق الذي عزاه المصنف إليهما أو إلى أحدهما.
ومن ذلك:
١ - أنه ذكر حديثًا - (سورة آل عمران / آية رقم ١٨٥) - من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره بإسناده إلى أبي هريرة مرفوعًا: "موضع سوط في الجنة خير من
[ المقدمة / ٥٥ ]
الدنيا وما فيها، اقرءوا إن شئتم: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾.
وقال: "هذا حديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه، بدون هذه الزيادة. يعني قوله: "اقرءوا إن شئتم … " وهذا اللفظ إنما أخرجه البخاري (٢٨٩٢) بإسناده إلى سهل بن سعد الساعدي مرفوعًا: "رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها، وموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها، والروحة يروحها العبد في سبيل الله أو الغدوة خير من الدنيا وما عليها" واقتصر مسلم في صحيحه حديث (١٣) (١٨٨١) على إخراج الجزء الثالث من الحديث دون الأولين.
٢ - ومنه أيضًا أنه ذكر حديثًا - (سورة آل عمران / آية ١٦٩) - برواية الإمام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس مرفوعًا: "ما من نفس تموت لها عند الله خير … " الحديث وقال: تفرد به مسلم من طريق حماد.
وهذا إنما أخرجه مسلم من طريق، حميد وقتادة، عن أنس، ولم يخرجه مسلم من طريق ثابت، عن أنس، ومن المحتمل أن يكون الناسخ أو غيره تصرف في هذه العبارة وأصلها: تفرد به أحمد من طريق حماد. والله أعلم
٣ - ومنه قوله في (سورة آل عمران / آية ١٨٧): كما جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ: "من ادعى دعوة كاذبة ليتكثر بها، لم يزده الله إلا قلة".
وهذا إنما هو جزء من حديث رواه مسلم (١٧٦) (١١٠) من مسند ثابت، عن الضحاك، وأصله عند البخاري (١٣٦٣) دون هذه اللفظة، وقد أفاد أبو الفضل ابن حجر في "الفتح" (١١/ ٥٣٨): أنها من زيادات مسلم.
٤ - قوله في (سورة النساء / آية ٣١): "وفي الصحيح شاهد لمعناه - وهو حديث أنس: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" وهو قوله ﷺ بعد ذكر الشفاعة: "أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا، ولكنها للخاطئين المتلوثين".
وهذا لا يوجد في أي من الصحيحين وإنما رواه ابن ماجة (٤٣١١) فحسب من بين أصحاب الكتب الستة.
هذا وقد بدا لي أن يكون ابن كثير يعني بقوله: "وفي الصحيح" أي: وفي الحديث الصحيح لأن مثل هذا ورد كثيرًا فيستبعد أن يكرر مثل هذا الوهم منه. والله أعلم. ومع هذا فإن الحديث مُعَلٍّ بالاضطراب كما تراه محققًا في الموضع المذكور.
[ المقدمة / ٥٦ ]
٥ - قوله في (سورة النساء / آية ٣٤) بعد ذكر حديث: "لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة": "رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه". وعزوه إلى البخاري من هذه الطريق خطأ؛ فإن البخاري رواه (٤٤٢٥، ٧٠٩٩) وكذا رواه الترمذي (٢٢٦٢) والنسائي (٨/ ٢٢٧) وأحمد (٥/ ٤٣، ٤٧، ٥١) من طرق، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة به، والحديث لم يذكره المصنف في كتابه "جامع المسانيد والسنن" المجلد (١٣) ومن قبله شيخه أبو الحجاج المزي في كتابه "تحفة الأشراف" (٩/ ٤٤) من رواية عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وقد استدرك ذلك المصنف نفسه فرواه على الجادة في كتابه "البداية والنهاية" (٢/ ٢٦).
٦ - قوله (سورة النساء / آية ٥٩): "وعن أبي هريرة ﵁ قال: أوصاني خليلي: أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًّا مجُدّع الأطراف" رواه مسلم.
ومسلم رواه (٣٦) (١٨٣٧) من حديث أبي ذر، ومن هذا الوجه رواه أحمد (٥/ ١٦١) وابن ماجة (٢٨٦٢) والبخاري في الأدب المفرد (١١٣)، وحديث أبي هريرة لم أهتد له.
٧ - قوله (سورة الأنعام / آية ١٢): "ثبت في الصحيحين من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "إن الله لما خلق الخلق كتب كتابًا عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي".
كذا عزاه للصحيحين من هذه الطريق، وإنما الذي أخرجه من هذا الوجه البخاري (٧٤٠٤) وحده، ورواه مسلم (١٤: ١٦) (٢٧٥١) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، ومن طريق الحارث بن عبد الرحمن بن ميناء، كلاهما (الأعرج وعطاء) عن أبي هريرة به - وانظر "تحفة الأشراف" (٩/ ٣٤٦، ٣٨٤).
٨ - ومنه قوله (سورة الأنعام / آية ١٠٣): ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام. . " الحديث وهذا وهم؛ لأن الحديث انفرد بروايته مسلم (٢٩٣، ٢٩٥) (١٧٩) دون البخاري، وقد ذكر المصنف نفسه ذلك في (سورة البقرة / آية ٢٥٥) وعزاه إلى الصحيح فقط.
[ المقدمة / ٥٧ ]
٩ - قوله (سورة الأعراف / آية ٨): " … ومن ذلك في الصحيح قصة القرآن وأنه يأتي صاحبه في صورة شاب شاحب اللون، فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا القرآن الذي أسهرت ليلك وأظمأت نهارك".
والحديث إنما أخرجه ابن ماجة فحسب من بين أصحاب الكتب الستة، ورواه أحمد (٥/ ٣٤٨) ضمن حديث طويل نقله المصنف في صدر تفسير سورة البقرة وعزاه إلى ابن ماجة.
١٠ - قوله (سورة الأعراف / آية ٩٥): ثبت في الصحيحين: "عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له".
كذا عزاه للصحيحين وهو وهم، استدركه هو نفسه عند (آية رقم ٥) من سورة إبراهيم، وعزاه للصحيح فقط، وهو في صحيح مسلم (٢٤) (٢٩٩٩) من حديث صهيب، وقد عزاه الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ١٠٩) إلى مسلم فحسب، وانظر (سورة يونس / آية ١٢).
١٠ - ذكر حديثًا (سورة الأعراف / آية ١٥٨) بإسناد الإمام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني فلم يؤمن بي لم يدخل الجنة".
وقال في (سورة هود / آية): "وفي صحيح مسلم من حديث شعبة عن أبي بشر … " فذكره.
كذا عزاه من هذا الوجه إلى صحيح مسلم!! مع أنه أورده في "جامع المسانيد والسنن" (٥/ ٢٨٤ / مخطوط) ومن قبله شيخه المزي في "تحفة الأشراف" (٦/ ٨٩٩٥) ولم ينسباه إلا إلى النسائي، وقد أخرجه النسائي في التفسير من "السنن الكبرى" (٦/ ١١٢٤١) ولذلك اورده الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٦٤). وقد روى مسلم في صحيحه (٢٤٠) (١٥٣) من طريق عمرو بن الحارث أن أبا يونس حدثه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: … فذكر حديثًا بنحو السابق.
١٢ - وأورد في (سورة هود / آية ٧) حديث عمران بن حصين مرفوعًا: "اقبلوا البشرى يا بني تميم … " وقال: وهذا الحديث مخرج في صحيحي البخاري ومسلم بألفاظ كثيرة.
[ المقدمة / ٥٨ ]
والحديث أورده المزي في "تحفة الأشراف" (٦/ ١٠٨٢٩) والحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" ولم ينسباه إلا إلى البخاري والترمذي والنسائي دون مسلم، بل إن المصنف نفسه ذكره في "البداية والنهاية" (١/ ١٧)، (٥/ ٨٢) وعزاه للمذكورين دون مسلم.
١٣ - قوله (سورة هود / آية ١١٤): "وفي الصحيح عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "أرأيتم لو أن نهرًا غمرًا … ".
والحديث متفق عليه دون لفظة: "نهرًا غمرًا" فلم يخرجها إلا مسلم (٢٨٤) (٦٦٨) من حديث جابر بن عبد الله، ورواها أحمد (٢/ ٤٢٦) من حديث أبي هريرة.
ولم يقتصر الخطأ في العزو عند ابن كثير على الصحيحين بل قد تعدى إلى غيرهما، فمن ذلك:
أ - أنه ذكر حديثًا (سورة النساء / آية ٣١) رواه الحاكم بإسناده إلى معاذ بن هانئ، ثنا حرب بن شداد، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سنان، عن عبيد بن عمير، عن أبيه -يعني: عمير بن قتادة ﵁ أنه حدثه وكانت له صحبة: أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "ألا إن أولياء الله المصلون … " فذكر حديثًا طويلًا.
قال ابن كثير: "هكذا رواه الحاكم مطولًا، وقد أخرجه أبو داود والترمذي مختصرًا من حديث معاذ بن هانئ به".
كذا قال!! والذي رواه مع أبي داود هو النسائي، ولم يروه الترمذي، والمصنف نفسه ذكره في "جامع المسانيد والسنن" (١٠/ ١١٤) ومن قبله شيخه أبو الحجاج المزي في "تحفة الأشراف" (٨/ ١٠٨٩٥) والسيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٢٦٢) معزوًا إلى أبي داود والنسائي.
ب - وذكر (سورة النساء / آية ٤٣) ما رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى شعبة أخبرني سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت في أربع آيات … الحديث.
قال ابن كثير: "والحديث بطوله عند مسلم من رواية شعبة، ورواه أهل السنن إلا ابن ماجة من طرق عن سماك به".
كذا عزاه لأهل السنن -إلا ابن ماجة- من طريق سماك، والذي رواه من هذه
[ المقدمة / ٥٩ ]
الطريق هو الترمذي (٣١٨٩) فحسب، ورواه أبو داود (٢٧٤٠) والنسائي في "الكبرى" (٦/ ١١١٩٦) وكذا الترمذي (٣٠٧٩) من طرق عن أبي بكر بن عياش، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد به مختصرًا، وقد استدرك المصنف نفسه هذا الخطأ عند فاتحة سورة الأنفال، وانظر أيضًا "تحفة الأشراف" (٣/ ٣٩٣٠).
جـ- ومنه قوله (سورة النساء / آية ٤٣): " … ويستشهد لهذا القول بالحديث الذي رواه أحمد وأهل السنن من حديث أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "الصعيد طهور المسلم … ".
كذا عزاه هنا لأهل السنن ولم يخرجه من بينهم ابن ماجة، وقد استدرك هو نفسه ذلك بعد عدد من الصفحات (رقم ٤٩٥) فقال: "رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا ابن ماجة".
د- ومنه قوله (سورة الأنعام / آية ١٢١): "واحتج لهذا الذهب -وهو: إن ترك البسملة على الذبيحة نسيانًا لم يضر، وإن تركها عمدًا لم تحل- بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة عن ابن عباس وأبي هريرة وأبي ذر وعقبة بن عامر وعبد الله ابن عمر عن النبي ﷺ: "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
وابن ماجة لم يرو حديث عقبة بن عامر وحديث عبد الله بن عمر. انظر تخريجهما في الموضع المذكور.
هـ- وذكر (سورة الأعراف / آية ٢٠٢) ما رواه أبو بكر بن مردويه بإسناده إلى محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ وبها طيف، فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني، فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك. . " الحديث.
قال ابن كثير: "رواه غير واحد من أهل السنن وعندهم … ".
والذي رواه من أهل السنن هو النسائي فحسب، فرواه في السنن الكبرى (٤/ ٧٤٩٠) من حديث ابن عباس، وكذا أخرج حديث ابن عباس البخاري (٥٦٥٢) ومسلم (٥٤) (٢٥٧٦).
و- ومنه قوله (سورة هود / آية ١٧): "وفي المسند والسنن: "كل مولود يولد على هذه الملة، حتى يُعرب عنه لسانه! وهذا لم يعزه المزي في التحفة (١/ ٧٠) إلا إلى النسائي في السير (٥/ ٨٦١٦) من الكبرى بلفظ آخر من حديث
[ المقدمة / ٦٠ ]
الأسود بن سريع.
ثانيًا: الخطأ في تسمية الصحابي الذي روى الحديث، أو نسبة الحديث إلى الصحابي ولم يكن له في الباب شيء.
فمن الأول:
قوله في (سورة يوسف / آية ٥، ٤١): "وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وبعض أهل السنن من رواية معاوية بن حَيدَة القشيري أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت".
كذا جعله من مسند معاوية بن حيدة وقد رواه أحمد (٤/ ١٠، ١٢، ١٣) وعنه أبو داود (٥٠٢٥) والترمذي (٢٢٧٩، ٢٢٨٠) وابن ماجة (٣٩١٤) وغيرهم من حديث أبي رزين العقيلي. وذكره المصنف نفسه في كتابه "جامع المسانيد" (٣ / ورقة - ١٧) في مسند أبي رزين ولم يذكره في مسند معاوية بن حيدة.
ومن الثاني:
قوله (سورة النساء / آية ٥٨): "وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك".
ولم أجد لسمرة رواية في هذا الباب، وإنما أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٨٥٠) بإسناد صحيح عن الحسن مرسلًا، ويحتمل أن المصنف أو الناسخ زاد: "سمرة" سهوًا لشهرة الخلاف الواقع في رواية الحسن عن سمرة، وفي الباب عن غير واحد من الصحابة. انظر حاشية الموضع المذكور.
ثالثًا: الخطأ الواقع في الأسانيد فمن ذلك:
١ - ما ذكره (سورة النساء / آية ٤٣) عن ابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٥٨١) حدثني حميد بن مسعدة، حدثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: ذكروا اللمس فقال ناس من الموالي: ليس بالجماع … " فذكر الخبر، ثم قال الحافظ ابن كثير: "ثم رواه عن ابن بشار، عن غندر، عن شعبة به نحوه … ".
والذي في تفسير ابن جرير من هذه الطريق أن شعبة رواه عن: "أبي قيس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به".
٢ - ومنه ما نقله (سورة الأنعام / آية ٥٩) عن ابن أبي حاتم بإسناده إلى مالك بن
[ المقدمة / ٦١ ]
سعير، ثنا الأعمش، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة ولا مغرز إبرة إلا عليها ملك موكل يأتي الله بعلمها … ".
قال ابن كثير: "وكذا رواه ابن جرير (١١/ ١٣٣٠٨): "زياد بن يحيى الحساني أبو الخطاب" وفي الحاشية للشيخ شاكر قال: جاء في المخطوطة وتفسير ابن كثير: "زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب" وهو خطأ لا شك فيه؛ فإن الذي يروي عن مالك بن سعير، هو زياد بن يحيى الحساني أبو الخطاب فضلًا عن أنه ليس في الرواة من يسمى: زياد بن عبد الله الحساني أبو الخطاب.
٣ - ومنه أنه ذكر (سورة الأنعام / آية ٦٥) حديثًا من رواية الإمام أحمد بإسناده إلى معاذ بن جبل قال: أتيت رسول الله ﷺ أطلبه. وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "إني صليت صلاة رغبة ورهبة … ".
قال ابن كثير: "ورواه ابن مردوية من حديث أبي عوانة، عن عبد الله بن عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل … ".
فقوله: "عن عبد الله بن عمير" خطأ وصوابه: "عبد الملك بن عمير" إذ ليس في الرواة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى من اسمه هكذا. وقد جاء الإسناد على الصواب في المسند (٥/ ٢٤٧، ٢٤٣).
٤ - ومنه ما نقله (سورة الأنعام / آية ١١٢) عن ابن جرير في تفسيره (١٢/ ١٣٧٦٩) ثنا المثنى، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالع، عن أبي عبد الله محمد بن أيوب وغيره من المشيخة، عن بن عائذ، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ في مجلس قد أطال فيه الجلوس … الحديث.
كذا كنى هنا "محمد بن أيوب" بـ" أبي عبد الله" وكذا هو في تفسير ابن جرير، قال الشيخ الأديب محمود شاكر في حاشيته على تفسير ابن جرير (١٢/ ٥٤): "أبو عبد الله محمد بن أيوب كأنه خطأ من الناسخ، وصوابه أبو عبد الملك محمد بن أيوب قال البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٩ / ١، ٣٠): "محمد بن أيوب أبو عبد الملك الأزدي، عن ابن عائذ، عن أبي ذر. . وترجمه ابن أبي حاتم (٣/ ٢ / ١٩٦، ١٩٧) فذكر مثله.
قلت: وجاء على الصواب في رواية ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٨/ ١٦٧ / مخطوط).
٥ - ومنه أنه ذكر (سورة الأعراف / آية ٧٠) حديثًا من رواية الإمام أحمد، ثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو المنذر سلَّام بن سليمان النحوي، ثنا عاصم بن أبي
[ المقدمة / ٦٢ ]
النجود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله ﷺ … فذكر حديثًا طويلًا.
قال الحافظ ابن كثير: "ورواه الترمذي، عن عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب به نحوه، ورواه النسائي من حديث سلَّام أبي المنذر، عن عاصم - وهو ابن بهدلة - ومن طريقه رواه ابن ماجة أيضًا عن أبي وائل، عن الحارث بن حسان البكري به" ا هـ.
ورواية ابن ماجة ليس فيها أبو وائل، وانظر "تحفة الأشراف" (٣ / رقم ٣٢٧٧).
٦ - ومنه ما نقله (سورة الأعراف / آية ١٤٣) عن ابن جرير في تفسيره (١٣/ ١٥٠٨٧) حدثني المثنى، ثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن ليث، عن أنس: أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال هكذا بأصبعه ووضع النبي ﷺ أصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل.
كذا نقل المصنف عن ابن جرير هذا الإسناد، والذي في تفسير ابن جرير: " … ثنا حماد، عن ثابت، عن أنس" ونقل الأديب محمود شاكر في الحاشية هذا الإسناد عن هذا الموضع ثم قال: "وليس ذلك كما نقل، فإن الثابت في المخطوطة والمطبوعة: حماد، عن ثابت، عن أنس" ليس فيها "ليث" فلا أدري كيف وقع هذا للحافظ ابن كثير ولا من أين".
ثالثًا: التقصير في العزو:
فمن ذلك:
* ما ذكره (سورة آل عمران / آية ١٨٠) من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "لا يأتي الرجل مولاه فيسأله من فضل ما له عنده فيمنعه إلا دعي له يوم القيامة شجاعًا، يتلمظ فضله الذي منع" واقتصر على عزوه لابن جرير وابن مردويه، مع أن الحديث رواه أحمد (٥/ ٢، ٣، ٥) وأبو داود (٥١٣٩) والنسائي (٥/ ٨٢) وغيرهم ممن هم أولى أن يعزى إليهم الحديث.
رابعًا: السهو في نقل بعض كلام الأئمة:
فمن ذلك:
١ - ما ذكره (سورة الأنعام / آية ١٠٣) أن الحاكم وغيره قد رووا من طريق الحكم بن أبان قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎.
[ المقدمة / ٦٣ ]
ثم نقل ابن كثير عن الحاكم قوله: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه".
والذي في جميع نسخ الحاكم أنه قال عقبه: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وهذا أشبه منه، وإن كان فيه تساهل بيِّن؛ حيث رواه الحاكم من طريق إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثني أبي به. وإبراهيم هذا ضعفه الجمهور، ولذا تعقب الحاكمَ الذهبي في حكمه السابق، فقال: بل إبراهيم متروك". قلت: ولم يخرج الشيخان له ولا لأبيه شيئًا.
٢ - ومن ذلك أنه ذكر (سورة الأعراف / آية ٨) حديث البطاقة المشهور ثم قال عقبه: "رواه الترمذي وصححه".
والثابت عند الترمذي في جامعه (٢٦٣٩) أنه قال: "حسن غريب" وكذا هو في "تحفة الأشراف" (٦/ ٢٥٠٣) وهو ما نقله المصنف نفسه في تفسيره (سورة الأنبياء / آية ٤٧).
[ المقدمة / ٦٤ ]