حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقَّلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت" هكذا رواه مسلم والنسائي من حديث مالك به (^٢٩٢). وقال الإمام أحمد (^٢٩٣): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "مثل القرآن إذا عاهد عليه صاحبه فقرأه بالليل والنهار، كمثل رجل له إبل، فإن عقلها حفظها، وإن أطلق عقالها ذهبت، فكذلك صاحب القرآن". أخرجاه، قاله ابن الجوزي في جامع المسانيد، وإنما هو من أفراد مسلم من حديث عبد الرزاق به (^٢٩٤).
وحدثنا محمد بن عرعرة، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: "بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت آية. كيت وكيت، بل نُسِّيَ، واستذكروا القرآن فإنه أشد تفصِّيًا من صدور الرجال من النعم" (^٢٩٥).
تابعه بشر. هو ابن محمد السختياني- عن ابن المبارك، عن شعبة.
_________________
(١) - قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٩/ ٧٨) بعد أن ذكر كلام الحافظ ابن كثير هنا: (ولا يرد على البخاري شيء مما ذكر؛ لأن المراد بقوله: باب القراءة عن ظهر قلب، مشروعيتها أو استحبابها، والحديث مطابق لما ترجم به، ولم يتعرض لكونها أفضل من القراءة نظرًا، وقد صرح كثير من العلماء أن القراءة من المصحف نظرًا أفضل من القراءة عن ظهر قلب".
(٢) - البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده برقم (٥٠٣١)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٢٦ - (٧٨٩)، والنسائي في الافتتاح باب: جامع ما جاء في القرآن ٩٤٢ - (٢/ ١٥٤).
(٣) - المسند (٢/ ٣٥)، وعبد الرزاق (٣/ ٥٩٧١).
(٤) - مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٢٧ - (٧٨٩).
(٥) - البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده برقم (٥٠٣١)، برقم (٥٠٣٢).
[ ١ / ١٠٠ ]
وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة به (^٢٩٦)، وقال: حسن صحيح.
وأخرجه النسائي من رواية شعبة (^٢٩٧).
وحدثنا عثمان، حدثنا جرير، عن منصور مثله. وتابعه ابن جريج عن عبدة، عن شقيق: سمعت عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ (^٢٩٨).
وهكذا أسنده مسلم من حديث ابن جريج، به (^٢٩٩).
ورواه النسائي في اليوم والليلة من حديث محمد بن جحادة، عن عبدة وهو ابن أبي لُبَابة، به (^٣٠٠).
وهكذا رواه مسلم عن عثمان وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم عن جريج، به (^٣٠١)، وستأتي رواية البخاري له عن أبي نعيم، عن سفيان الثوري، عن منصور، به.
والنسائي من رواية ابن عيينة عن منصور، به، فقد رواه هؤلاء عن منصور، به مرفوعًا في رواية هؤلاء كلهم (^٣٠٢).
وقد رواه النسائي عن قتيبة، عن حماد بن زيد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله موقوفًا (^٣٠٣).
وهذا غريب وفي مسند أبي يعلى (^٣٠٤)، فإنما هو نَسِي بالتخفيف.
حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن
_________________
(١) - الترمذي في أبواب القراءات، باب: ومن سورة الحج برقم (٢٩٤).
(٢) - النسائي في الافتتاح وباب: جامع ما جاء في القرآن رقم ٩٤٣ - (٢/ ١٥٤).
(٣) - البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده برقم (٥٠٣٢).
(٤) - مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٣٠ - (٧٩٠).
(٥) - النسائي في الكبرى برقم (١٠٥٦٠).
(٦) - مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٢٨ - (٧٩٠).
(٧) - البخاري في فضائل القرآن، باب: نسيان القرآن برقم (٥٠٣٩)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٤٢).
(٨) - النسائي في الكبرى برقم (١٠٥٦٤).
(٩) - مسند أبي يعلى ٥١٣٦ - (٩/ ٦٩).
[ ١ / ١٠١ ]
النبي ﷺ قال: "تعاهدوا القرآن، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تَفصيًّا من الإبل في عقلها" وهكذا رواه مسلم عن أبي كريب محمد بن العلاء وعبد اللَّه بن برادٍ الأشعري، كلاهما عن أبي أسامة حماد بن أسامة، به (^٣٠٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا موسى بن علي: سمعت أبي يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول: قال رسول الله ﷺ: "تعلموا كتاب الله، وتعاهدوه وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض في العقل" (^٣٠٦).
ومضمون هذه الأحاديث الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعاهده؛ لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطر كبير، نسأل اللَّه العافية منه، فإنه قال الإمام أحمد:
حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن رجل، عن سعد بن عبادة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أمير عشرة إلا ويؤتى به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه من ذلك الغل إلا العدل، وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم القيامة [¬١] يلقاه وهو أجذم" (^٣٠٧).
_________________
(١) - البخاري في فضائل القرآن، باب: استذكار القرآن وتعاهده برقم (٥٠٣٣)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٣١ - (٧٩١).
(٢) - المسند ١٧٣٦٥ - (٤/ ١٤٦)، ورواه النسائي في الكبرى ٨٠٤٩ - (٥/ ٢١)، وأخرجه الدارمي (٢/ ٤٣٩) كتاب فضائل القرآن، باب: في تعاهد القرآن، حديث (٣٣٥١)، وأبو يعلى في مسنده (٣/ ٢٨١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٧٧) حديث (١٠٠٤٠)، وابن نصر (١٤٠)، وابن حبان (١٧٨٨)، والفريابي (١٦٢، ١٦٣)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٨٠١)، والبيهقي في الشعب (١٨١٩ هـ) وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٩): رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: "لهو أشد تفصيًا من المخاض في العقل". ورجال أحمد رجال الصحيح، ا هـ. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٢٩٦١).
(٣) - عيسى بن فائد: قال الذهبي في الميزان: لا يدرى من هو، عن سعد بن عبادة ..، فذكر الحديث وقال: رواه ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، فأدخلوا رجلًا بين ابن فائد وبين سعد، وقيل غير ذلك. (الميزان ٣/ ٣١٩) وقال ابن عبد البر: هذا إسناد رديء في هذا المعنى، وعيسى بن فائد لم يسمع من سعد بن عبادة ولا أدركه وقال ابن المديني: مجهول- لم يرو عنه غير يزيد بن أبي زياد (التهذيب ٨/ ٢٢٧). والحديث في المسند رقم ٢٢٥٦٤، ٢٢٥٥٧ - (٥/ ٢٨٥، ٢٨٤). وأخرج طرفه الأول وهو "ما من أمير عشرة إلا … إلخ". البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢٥٤ / رقم: ١٦٤٢). والطبراني في الكبير (٦/ ٢٢، ٢٣ / رقم: ٥٣٨٨، ٥٣٨٩). من طرق عن يزيد بن أبي زياد به. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٠٥) وعزاه لأحمد والبزار والطبراني وقال: "وفيه رجل لم يسم، وبقية أحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح". [¬١]- سقط من المسند.
[ ١ / ١٠٢ ]
هكذا رواه جرير بن عبد الحميد، ومحمد بن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، كما رواه خالد بن عبد الله (^٣٠٨).
وقد أخرجه أبو داود عن محمد بن العلاء عن ابن إدريس، عن يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن سعد بن عبادة، عن النبي ﷺ بقصة نسيان القرآن، ولم يذكر الرجل المبهم (^٣٠٩).
وكذا رواه أبو بكر بن عياش، عن يزيد بن أبي زياد، وقد رواه شعبة، عن يزيد فوهم في إسناده، ورواه وَكِيع عن أصحابه، عن يزيد، عن عيسى بن فائد، عن النبي ﷺ مرسلًا.
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبادة بن الصامت فقال:
حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عيسى بن فائد، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أمير عشرة إلا يؤتي به يوم القيامة مغلولًا لا يفكه منها إلا عدله، وما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة أجذم" (^٣١٠).
وكذا رواه أبو عوانة، عن يزيد بن أبي زياد، ففيه اختلاف، لكن هذا في باب الترهيب مقبول والله أعلم- لاسيما إذا كان له شاهد من وجه آخر، كما قال أبو عبيد:
حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: حُدثت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "عرضت عليُّ أجور أمتي حتى القذاة والبعرة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليُّ ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها". قال ابن جريج: وحُدّثت عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكبر ذنب توافى به أمتي يوم القيامة سورة من كتاب الله كانت مع أحدهم فنسيها" (^٣١١).
_________________
(١) - رواه أبو عبيد في الفضائل (ص ١٠٣) من طريق جرير، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٤٧٨)، والبزار (٢/ ١٦٤٢)، والطبراني (٦/ ٥٣٨٨، ٥٣٩١) من طريق ابن فضيل.
(٢) - أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: التشديد فيمن حفظ القرآن ثم نسيه (رقم: ١٤٧٤)، ومن طريقه الخطيب في الجامع (١/ ١١٠).
(٣) - المسند ٢٢٨٦١ - (٥/ ٣٢٣). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد في موضعين الأول (٥/ ٢٠٥) وقال: "رواه أحمد وابنه" والثاني في (٧/ ١٦٧) وعزاه لعبد الله بن أحمد وقال: "ورجاله ثقات، وفي بعضهم خلاف".
(٤) - فضائل القرآن (ص ٢٠١).
[ ١ / ١٠٣ ]
وقد روى أبو داود والترمذي وأبو يعلى والبزار وغيرهم من حديث ابن أبي رواد، عن ابن جريج، عن المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "عرضت عليّ أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت عليّ ذنوب أمتي، فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها" (^٣١٢).
قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وذاكرت به البخاري فاستغربه، وحكى البخاري عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أنه أنكر سماع المطلب من أنس بن مالك.
قلت: وقد رواه محمد بن يزيد الآدمي، عن ابن أبي رواد، عن ابن جريج عن الزهري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ، به. والله أعلم.
وقد أدخل بعض المفسرين هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَال رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٥] (^٣١٣)، وهذا الذي قاله هذا -وإن لم يكن هو المراد جميعه- فهو بعضه، فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد، نعوذ بالله منه؛ ولهذا قال ﵇: "تعاهدوا القرآن"، وفي لفظ "استذكروا القرآن، فإنه أشد تفصيًا من صدور الرجال من النعم".
التَّفَصِّي: التخلص يقال: تَفَصَّى فلان من البلية: إذا تخلص منها، ومنه: تفصَّى النوى من التمرة: إذا تخلص منها، أي: إن القرآن أشد تفلتا من الصدور من النعم إذا أرسلت من غير عقال:
وقال أبو عبيد: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: إني لأمقت القارئ أن أراه سمينًا نسيًّا للقرآن (^٣١٤).
_________________
(١) - إسناده ضعيف، المطلب: كثير الإرسال والتدليس وقد عنعن، وأنكر ابن المديني أن يكون سمع من أنس، لكن ابن أبي حاتم قال في المراسيل (٢١٠): سمعت أبي يقول: المطلب بن عبد الله بن حنطب عامة حديثه مراسيل، لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي، ﷺ، إلا سهل بن سعد وأنسًا وسلمة بن الأكوع ومن كان قريبًا منهم. والحديث رواه أبو داود في الصلاة، باب: في كنس المسجد برقم (٤٦١)، والترمذي في فضائل القرآن برقم (٢٩١٦) وأبو يعلى ١٥١٠ - (٧/ ٢٥٣)، ورواه البيهقي (٢/ ٤٤٠)، والطبراني في الأوسط (٦٤٨٩)، وأخرجه عبد الرزاق ٥٩٧٧ - (٣/ ٣٦١).
(٢) -[طه: ١٢٤ - ١٢٦].
(٣) - فضائل القرآن (ص ٢٠٢)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٢٧)، وفيه انقطاع بين النخعي وابن مسعود.
[ ١ / ١٠٤ ]
وحدثنا عبد الله بن المبارك، عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] (^٣١٥)، وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب (^٣١٦).
ولهذا قال إسحاق بن راهويه وغيره: يُكره لرجل أن يمر عليه أربعون يومًا لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يُكره له أن يقرأ في أقل من ثلاثة أيام، كما سيأتي هذا، حيث يذكره البخاري بعد هذا، وكان الأليق أن يتبعه هذا الباب، ولكن ذكر بعد هذا قوله: