حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، حدثني سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل، ورجل أعطاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار" (^٢٦٨).
انفرد به البخاري من هذا الوجه، واتفقا على إخراجه من رواية سفيان عن الزهري (^٢٦٩).
ثم قال البخاري: حدثنا علي بن إبراهيم، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن سليمان: سمعت ذَكْوان، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل" (^٢٧٠).
ومضمون هذين الحديثين: أن صاحب القرآن في غبطة وهو حسن الحال، فينبغي أن يكون شديد الاغتباط بما هو فيه، ويستحب تغبيطه بذلك، يقال: غبطه يغبِطه -بكسر الباء- غبطًا: إذا تمنى مثل ما هو فيه من النعمة، وهذا بخلاف الحسد المذموم وهو تمني زوال نعمة المحسود عنه، سواء حصلت لذلك الحاسد أو لا وهذا مذموم شرعًا، مهلك، وهو أول معاصي إبليس حين حسد آدم، ﵇، على ما منحه الله تعالى من الكرامة والاحترام والإعظام. والحسد الشرعي الممدوح هو تمني مثل حال ذلك الذي هو على حالة سارة؛ ولهذا قال ﵇: "لا حسد إلا في اثنتين"، فذكر النعمة القاصرة وهي تلاوة القرآن آناء الليل والنهار، والنعمة المتعدية وهي إنفاق المال بالليل والنهار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (^٢٧١)، وقد روي نحو، هذا من وجه آخر، فقال عبد الله ابن الإِمام أحمد: وجدت في كتاب أبي بخط يده: كتب إليّ
_________________
(١) - مختصر زوائد البزار برقم ١٥٧٧، وكشف الأستار (٢٣٣٥)، ورواه الدولابي (١/ ٦٤ - ٦٥، ١٦٠)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠) وقال: فيه محمَّد بن ماهان، قال الدارقطني: ليس بالقوي وبقية رجاله ثقات.
(٢) - رواه البخاري في فضائل القرآن من صحيحه، باب: اغتباط صاحب القرآن، برقم (٥٠٢٥).
(٣) - رواه البخاري في التوحيد، باب: (٤٥)، برقم (٧٥٢٩) ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٦٦ - (٨١٥).
(٤) - رواه البخاري في فضائل القرآن من صحيحه، باب: اغتباط صاحب القرآن، برقم (٥٠٢٦).
(٥) -[فاطر: ٢٩].
[ ١ / ٩٣ ]
أبو توبة الربيع بن نافع، فكان في كتابه:
حدثنا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن سليمان بن موسى، عن كثير بن مرة، عن يزيد بن الأخنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تنافس بينكم إلا في اثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل والنهار، ويتبع ما فيه، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأقوم به كما يقوم به، ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفق ويتصدق، فيقول رجل: لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأتصدق به" (^٢٧٢).
وقريب من هذا ما قال الإمام أحمد:
حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبادة بن مسلم، حدثني يونس بن خباب، عن سعيد أبي البختري الطائي، عن أبي كبشة؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثًا فاحفظوه، فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فإنه ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فيصبر عليها إلا زاده الله بها عزا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله له باب فقر، وأما الذي أحدثكم حديثًا فاحفظوه، فإنه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه ويصل رحمه، ويعلم لله فيه حقه"، قال: "فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالًا فهو يقول: لو كان لي مال عملت بعمل فلان" قال: "فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالًا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مال لفعلت بعمل فلان" قال: "هي نيته فوزرهما فيه سواء" (^٢٧٣).
وقال أيضًا: حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن أبي كبشة الأنماري قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل هذه الأمة مثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل به في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا فهو يقول: لو كان لي مثل مال هذا عملت فيه مثل الذي يعمل". قال رسول الله ﷺ: "فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا ولم يؤته علما فهو يخبط فيه ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله مالا ولا علما فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل
_________________
(١) - إسناده حسن، والحديث في المسند ١٧٠١٦ - (٤/ ١٠٥)، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ٢٣٩١) حديث (٦٢٦)، قال الهيثمي في المجمع (٣/ ١٠٨): رواه أحمد كتابة، والطبراني في الكبير والأوسط، وفيه سليمان بن موسى، وفيه كلام، وقد وثقه جماعة. ا هـ.
(٢) - المسند ١٨٠٨٦ - (٤/ ٢٣١)، والترمذي (٢٣٢٠)، والطبراني (٢٢/ ٨٥٥، ٨٦٨)، والبغوي (١٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، ويوسف بن خباب: صدوق يخطئ، ورمي بالرفض، روى له البخاري في الأدب والأربعة.
[ ١ / ٩٤ ]
الذي يعمل". قال رسول الله ﷺ: "فهما في الوزر سواء". إسناد صحيح (^٢٧٤).