هو الإمام الحافظ الحجة المحدّث المؤرخ الثقة، ذو الفضائل، عماد الدين، أبو الفداء: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشي، الدمشقي، الشافعي.
ولد ﵀ بقرية "مِجْدَل" من أعمال "بُصْرَى" وكان أبوه من أهل "بصرى"، وأمه من قرية "مجدل".
وقومه كانوا ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نِسَب. كما قال هو في ترجمة أبيه، في تاريخه "البداية والنهاية": "وقف على بعضها شيخنا المزي فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك: القرشي".
- وتاريخ مولده سنة ٧٠٠ هـ، كما ذكر أكثر من ترجم له "أو بعدها بقليل" كما قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة. وهو تاريخ تقريبي. الراجح أنَّه مستنبط من كلامه في ترجمة أبيه، حيث ذكر أن أباه "توفي سنة ٧٠٣ هـ: وكنت إذ ذاك صغيرًا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم".
و"ابن ثلاث سنين" لا يعرف تواريخ السنين - على اليقين - في تلك السن. فقد سمع إذن تحديد السنة التي مات فيها أبوه ممن حوله من إخوة أو أهل أو جيران. ولكنه يدرك أباه "كالحلم" فالذي هو في سن أقل من الثلاث ما أظنه يذكر شيئًا "كالحلم" ولا أبعد من الحلم ولا أقرب. فهو حين موت أبيه قد جاوز الثالثة - في أكبر ظني - ولذلك أرجح أن مولده كان في سنة ٧٠٠ أو قبلها بقليل. وهو أقرب إلى الصحة من قول الحافظ ابن حجر: "أو بعدها بقليل" لأنَّ الذي "بعدها" لا يكاد يبلغ الثالثة عند موت أبيه.
- وَكان أبوه "الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير" من العلماء الفقهاء الخطباء. ولد -كما قال ابنه- في حدود سنة ٦٤٠ وترجم له ابنه الحافظ في تاريخه الكبير "البداية والنهاية" ج ١٤ ص ٣١ - ٣٣ ومما قال في ترجمته: "اشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى. فقرأ البداية في مذهب أبي حنيفة. وحفظ جمل الزجاجي. وعُني بالنحو والعربية واللغة. وحفظ أشعار العرب، حتى
_________________
(١) - نقلنا هذه الترجمة من مقدمة الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- لكتابه عمدة التفسير.
[ المقدمة / ٩ ]
كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمرائي وقليل من الهجاء. وقرر بمدارس بصرى بمَبْرَك الناقة شمالي البلدة، حيث يزار، وهو المَبْرَك المشهور عند الناس! والله أعلم بصحة ذلك. ثمَّ انتقل إلى خطابة القرية شرقي بصرى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النووي والشيخ تقي الدين الفزاري، وكان يكرمه ويحترمه، فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزملكاني. فأقام بها نحوًا من ١٢ سنة، ثمَّ تحول إلى خطابة مجدل: القرية التي منها الوالدة. فأقام بها مدة طويلة، في خير وكفاية وتلاوة كثيرة. وكان يخطب جيدًا، وله مقول عند الناس، ولكلامه وقع؛ لديانته وفصاحته وحلاوته. وكان يؤثر الإقامة في البلاد، لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله. وقد ولد له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها. أكبرهم إسماعيل. ثمَّ يونس، وإدريس. ثمَّ من الوالدة: عبد الوهاب، وعبد العزيز، وأخوات عدة. ثمَّ أنا أصغرهم وسميت باسم الأخ إسماعيل - لأنه كان قد قدم دمشق، فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده، وقرأ مقدمة في النحو، وحفظ التنبيه، وشرحه على العلامة تاج الدين الفزاري، وحصل المتتخب في أصول الفقه، قاله لي شيخنا ابن الزملكاني.
- ثمَّ إنه سقط من سطح الشامية البرانية، فمكث أيامًا ومات. فوجد الوالد عليه وجدًا كثيرًا، ورثاه بأبياتٍ كثيرة. فلما ولدت أنا له بعد ذلك سمانى باسمه. فأكبر أولاده: إسماعيل، وأصغرهم وآخرهم: إسماعيل، فرحم الله من سلف، وختم بخير لمن بقي.
توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ٧٠٣ في قرية مجدل. ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتون. وكنت إذ ذاك صغيرًا، ابن ثلاث سنين أو نحوها. لا أدركه إلا كالحلم. ثمَّ تحولنا من بعده في سنة ٧٠٧ إلى دمشق، صحبة كمال الدين عبد الوهاب، وقد كان لنا شقيقًا، وبنا رفيقًا شفوقًا، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين -يعني سنة ٧٥٠. فاشتغلت على يديه في العلم، فيسر الله تعالى منه ما يسر، وسهل منه ما تعسر".
وقد بدأ الاشتغال بالعلم على يدي أخيه عبد الوهاب -كما قال آنفًا- ثمَّ اجتهد في تحصيل العلوم على العلماء الكبار في عصره. وحفظ القرآن الكريم، وختم حفظه سنة ٧١١، كما صرح بذلك في تاريخه ١٤: ٣١٢ وقرأ بالقراءات، حتى عدَّه الداودي من القراء، وترجم له في طبقاتهم التي ألفها. وسمع الحديث من كثير من أئمة الحفاظ في عصره. وعني بالسماع والإكثار منه. فمما ذكر في تاريخه ١٤: ١٤٩، أنَّه سمع صحيح مسلم في تسعة مجالس على الشيخ نجم الدين بن العسقلاني، بقراءة الوزير العالم أبي القاسم محمَّد بن محمَّد بن سهل الأزدي الغرناطي
[ المقدمة / ١٠ ]
الأندلسي، المتوفى بالقاهرة في ٢٢ محرم سنة ٧٣٠ - حين قدم دمشق في جمادى الأولى سنة ٧٢٤ عازمًا على الحج.
وذكر في ترجمة شيخه الكبير المعمر الرحلة شهاب الدين الحجار المعروف بابن الشحنة: أنه سمع عليه "بدار الحديث الأشرفية في أيام الشتويات نحوًا من خمسمائة جزء بالإجازات والسماع". وهذا الشيخ "عاش مائة سنة محققًا، وزاد عليها". وتوفي سنة ٧٣٠. (التاريخ ١٤: ١٥٠).
وتفقّه على الشيخين: برهان الدين الفزاري وكمال الدين بن قاضي شهبة. وحفظ التنبيه للشيرازي في فروع الشافعية، ومختصر ابن الحاجب في الأصول. ولزم الحافظ الكبير أبا الحجاج المزي، وقرأ عليه مؤلفه العظيم في الرجال "تهذيب الكمال" وصاهره على ابنته زينب. وكان من أعظم تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية. ولازمه وتخرج على يديه، وكانت له به خصوصية ومناضلة عنه، واتباع له في كثير من آرائه. وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق، وامتحن بسبب ذلك وأوذي.
وكان من أفذاذ العلماء في عصره. أثنى عليه معاصروه وتلاميذه ومن بعدهم- الثناء الجم.
- فذكره الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ [٤: ٢٩]، مع أن الذهبي يكاد يكون من طبقة شيوخه، لأنه مات سنة ٧٤٨، قبل ابن كثير بـ ٢٦ سنة. فقال في طبقات الحفاظ: "وسمعت من الفقيه المفتي المحدث، ذي الفضائل، عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البُصْرَوي الشافعي … سمع من ابن الشحنة وابن الرداد وطائفة، له عناية بالرجال والمتون والفقه. خرَّج وناظر وصنف وفسر وتقدم". وقال الذهبي في "المعجم المختص"- فيما نقل ابن حجر وغيره: "الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، مفسر نقال".
وقال تلميذه شهاب الدين بن حجي: "كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث. وأعرفهم بتخريجها ورجالها، وصحيحها وسقيمها. وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك. وكان يستحضر كثيرًا من التفسير والتاريخ، قليل النسيان. وكان فقيهًا جيد الفهم صحيح الذهن، ويحفظ التنبيه إلى آخر وقت. ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر. وما أعرف أني اجتمعت به -على كثرة ترددي عليه- إلا واستفدت منه". (عن النعيمي في كتاب الدارس).
وقال تلميذه الحافظ أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ (ص ٥٨):
[ المقدمة / ١١ ]
"وصاهر شيخنا أبا الحجاج المزي فأكثر عنه. وأفتى ودرس وناظر، وبرع في الفقه والتفسير والنحو. وأمعن النظر في الرجال والعلل".
وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "ولازم المزي، وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته وأخذ عن ابن تيمية ففتن بحبه، وامتحن بسببه. وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة، سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته. ولم يكن على طريقة المحدثين في تحصيل العوالي، وتمييز العالي من النازل ونحو ذلك من فنونهم، وإنما هو من محدثي الفقهاء. وقد اختصر مع ذلك كتاب ابن الصلاح، وله فيه فوائد".
- ونقل السيوطي في ذيل طبقات الحفاظ كلام الحافظ ابن حجر في أنه "لم يكن على طريقة المحدثين … " ثم تعقبه بقوله: "العمدة في علم الحديث؛ معرفة صحيح الحديث وسقيمه، وعللَّه واختلاف طرقه، ورجاله جرحًا وتعديلًا، وأما العالي والنازل ونحو ذلك- فهو من الفضلات، لا من الأصول المهمة". وهذا حق.
وقال السيوطي أيضًا: "له التفسير الذي لم يؤلف على نمطه مثله". يشير إلى هذا التفسير العظيم الذي بين أيدينا.
وقال العلامة العيني- فيما نقل عنه ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة: "كان قدوة العلماء والحفاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ، وسمع وجمع، وصنف ودرس، وحدث وألف. وكان له اطلاع عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهى إليه علم التاريخ والحديث والتفسير. وله مصنفات عديدة مفيدة".
ووصفه الحافظ العلامة شمس الدين بن ناصر، في كتاب "الرد الوافر"- بأنه "الشيخ الإمام العلامة الحافظ، عماد الدين، ثقة المحدثين، عمدة المؤرخين، علم المفسرين".
وقال فيه ابن حبيب -فيما نقل الداودي في طبقات القراء، وابن العماد في "الشذرات": "إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل، سمع وجمع وصنف، وأطرب الأسماع بأقواله وشنف، وحدَّث وأفاد، وطارت فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير".
وروى له الحافظ ابن حجر في "إنباء الغمر"، وابن العماد في "الشذرات"- البيتين المشهورين، الذائعين على الألسنة:
[ المقدمة / ١٢ ]
تمُرُّ بنا الأيامُ تَتْرَى وإنما … نُسَاقُ إلى الآجال والعينُ تَنْظُرُ
فلا عائدٌ ذاك الشبابُ الذي مَضَى … ولا زَائلٌ هذا المشَيبُ المُكَدِّرُ
وصحبته وملازمته لشيخ الإسلام ابن تيمية أفادته أعظم الفوائد، في علمه ودينه، وتقوية خلقه، وتربية شخصيته المستقلة الممتازة.
فهو مستقل الرأي، يدور مع الدليل حيث دار، لا يتعصب لمذهبه ولا لغيره. وكتبه العظيمة، وخاصة هذا التفسير الجليل -فيها الدلائل الوافرة. ونجده- مع أنه شافعي المذهب- يفتى في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، بما رجحته الدلائل الثابتة الصحاح، أنه يقع طلقة واحدة. ثم يمتحن ويلقى الأذى، فيثبت على قوله، ويصبر على ما يلقى في سبيل اللَّه.
- وهو -وهو تلميذ شيخ الإسلام ومن خاصة أنصاره- يعرف ما كان بين شيخه شيخ الإسلام وبين قاضي القضاة تقي الدين السبكي- ومع ذلك فإنه لا يعين عليه في محنة لحقته، بل يعلن عن غبطته بأن تزول عنه المحنة. فيذكر في التاريخ- في حوادث سنة ٧٤٣ (١٤: ٢٠٤) أنه أرجف الناس كثيرًا بقاضي القضاة -في دمشق- "واشتهر أنه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الأيتام إلى الطنبغا وإلى الفخري. وكتبت فتوى عليه بذلك في تغريمه، وداروا بها على المفتين، فلم يكتب لهم أحد فيها غير القاضي جلال الدين بن حسام الدين الحنفي، رأيت خطه عليها وحده بعد الصلاة. وسئلت في الإفتاء عليها فامتنعت، لما فيها من التشويش على الحكام". ثم يقول: "وكانوا له في نية عجيبة، ففرج اللَّه عنه بطلبه إلى الديار المصرية.
فهذا خُلق أهل العلم النبلاء الأتقياء.
وقد طار ذكره في الأقطار الإسلامية، حتى إنه ليذكر في حوادث سنة ٧٦٣ (١٤: ٢٩٤ - ٢٩٥) أن شابًّا أعجميًّا حضر من بلاد تبريز وخراسان، "يزعم أنه يحفظ البخاري ومسلمًا "وجامع المسانيد" و"الكشاف" للزمخشري وغير ذلك"، وأنه امتحنه بقراءة مجالس من البخاري وغيره، بحضرة قاضي القضاة الشافعي، وجماعة من الفضلاء، ثم قال: "وفرح بكتابتي له بالسماع على الإجازة. وقال: أنا ما خرجت من بلادي إلا إلى القصد إليك، وأن تجيزني. وذكرك في بلادنا مشهور".
وهذا الخبر يدل على أن كتابه "جامع المسانيد" وصل إلى أقصى الشرق، في بلاد تبريز وخراسان، حتى يحفظه هذا الشاب الأعجمي أو يحفظ شيئًا منه. في حين أن الحافظ ابن كثير لم يتم تأليف "جامع المسانيد" كما هو معروف، فكأن العلماء
[ المقدمة / ١٣ ]
وطلاب العلم كانوا ينسخون ما يخرج منه، ويتداولونه بينهم، حتى يصل من دمشق إلى تلك النواحي النائية.
ولم يكن ممن يخدع في الفتاوى التي ظاهرها قصد الاستفتاء، ووراءها ألاعيب سياسية، أو أغراض شخصية غير سليمة، وإن كان المستفتي من الأمراء أو ممن يخشى بأسه، فهو يقول في حوادث سنة ٧٦٢: "وجاءتنى فتيا صورتها: ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلامًا، فأحسن إليه وأعطاه وقدمه، ثم إنه وثب على سيده فقتله، وأخذ ماله ومنع ورثته منه، وتصرف في المملكة، وأرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدم عليه ليقتله؟ فهل له الامتناع منه؟ وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى يقتل يكون شهيدًا؟ وهل يثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص والمال؟ أفتونا مأجورين.
فهذا استفتاء صيغ في صورة توحي بالجواب. وباطنه أن ذاك الأمير السائل يريد أن يمتنع على الملك الذي دعاه للحضور عنده، ويريد أن يثير فتنة وقتالًا على صاحب الأمر، لعله يصل إلى ما وصل إليه ذاك من المُلْك، كعادة الأمراء من المماليك في ذلك العهد. ولكن ابن كثير يجيبه جوابًا حكيمًا يكشف عن بعض مقصده، ويضمن جوابه النصيحة الواجبة في مثل هذه الحال، فيقول: "فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير: إن كان مراده خلاص ذمته فيما بينه وبين الله تعالى فهو أعلم بنيته في الذي يقصده! ولا يسعى في تحصيل حق معين إذا ترتب على ذلك مفسدة راجحة في ذلك، فيؤخر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه! وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة، والأمراء عليه- فلا بد أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولًا، ثم بعد ذلك بقية المفتين بطريقه" (التاريخ ١٤: ٢٨١ - ٢٨٢).
وكان الإفرنج قد غدروا بمدينة الإسكندرية، وأشاعوا فيها الرعب، وارتكبوا الفظائع غدرًا، وذلك: أنهم وصلوا إليها من البحر يوم الأربعاء ٢٢ محرم سنة ٧٦٧ "فلم يجدوا بها نائبًا ولا جيشًا، ولا حافظًا للبحر ولا ناصرًا، فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار، بعدما حرقوا أبوابًا كثيرة منها. وعاثوا في أهلها فسادًا، يقتلون الرجال، ويأخذون الأموال، ويأسرون النساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير المتعال. وأقاموا يوم الجمعة والسبت والأحد والاثنين والثلاثاء. فلما كان صبيحة الأربعاء قدم الشاليش المصري، فأقلعت الفرنج -لعنهم الله- عنها، وقد أسروا خلقًا كثيرًا يقاربون الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهبًا وحريرًا وبهارًا وغير ذلك. ما لا يحد ولا يوصف. وقدم السلطان والأمير الكبير يلبغا ظهر يومئذ وقد تفارط الحال، وتحولت الغنائم كلها إلى الشوائن بالبحر، فسمع للأسارى من العويل
[ المقدمة / ١٤ ]
والبكاء والشكوى والجار إلى الله، والاستغاثة به وبالمسلمين- ما قطع الأكباد، وذرفت به العيون وأصم الأسماع. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شق طيهم ذلك جدًّا، وذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر، فتباكى الناس كثيرًا. فإنا لله وإنا إليه راجعون".
فهذه وقعة شنيعة غادرة من الإفرنج -كعادتهم- والنفوس تتقزز من مثلها، وتثور من أجلها. والملوك والأمراء الظالمون ينتهزون فرصة تعبئة الرأي العام الإسلامي -وثورته من أجل هذا الغدر، وغضبًا لهذه الفظائع- ليأكلوا أموال الناس بالباطل، وظاهر أمرهم الانتقام وباطنه السلب والنهب. ولكن الحافظ ابن كثير يلزم جانب الحق والعدل، ولا يرضى بالظلم، ولو كان ظاهره الانتقام والثأر للمسلمين، فيقول: "وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية، إلى نائب السلطنة، بمَسْك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم، لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الإفرنج. فأهانوا النصارى، وطلبوا من بيوتهم بعُنْف. وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب. ولم تكن هذه الحركة شرعية ولا يجوز اعتمادها شرعًا.
وقد طلبت يوم السبت السادس عشر من صفر أي سنة ٧٦٧ إلى الميدان الأخضر، للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ، بعد الفراغ من لعب الكرة. فرأيت منه أنسًا كبيرًا، ورأيته كامل الفهم، حسن العبارة كريم المجالسة. فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى، يعني المرسوم بالمصادرة. فقال: إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك! فقلت له: هذا مما لا يسوغ شرعًا، ولا يجوز لأحد أن يفتي بهذا. ومتى كانوا باقين على الذمة، يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة- لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد الفرد فوق ما يبذلونه من الجزية. ومثل هذا لا يخفى على الأمير! فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك؟ ولا يمكنني أن أخالفه؟! ".
ثم ذكر أن نائب السلطنة كتب بذلك إلى الديار المصرية. ولكن هذا النائب لم يكن عند قوله، فنفذ المرسوم، وطلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه، وهم قريب من أربعمائة، فحلفهم: كم أموالكم؟ وألزمهم بأداء الربع من أموالهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون"، وكانت هذه المصادرة الظالمة في شهر ربيع الأول سنة ٧٦٧. ثم قال الحافظ -في حوادث شهر ربيع الآخر: "وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني، بالرد على نساء النصارى ما كان أخذ منهم مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهم، وإن كان الجميع ظلمًا، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم". (التاريخ ١٤: ٣١٤ - ٣١٥، ٣١٨).
[ المقدمة / ١٥ ]
فانظر إلى هذا الإمام العظيم، الذي يقف عند حدود الشريعة المطهرة، يقيم ميزان العدل الصحيح كما عرفه من دينه الحنيف، ويألم ويسترجع لما ناب النصارى من مصادرة ظالمة من أمراء طغاة جائرين. كما ألم واسترجع من قبل لما أصاب المسلمين من غدر النصارى وبغيهم، وشتان هذا وذاك، ولكنه لا يرضى إلا أن يقيم ميزان العدل.
فكان هذا العقل المستقل العظيم الثابت على الحق، والذي لا تغلبه العواطف والأهواء، مما يجعل للرجل منزلة عند الناس كبيرة. يثق به أنصاره وغير أنصاره، وموافقوه ومخالفوه. بل جعله موضع الثقة والاستشارة عند الذميين، حتى ليستشيره بعض رؤسائهم، في أخص شئونهم الكنيسية، فإنه يذكر قصة طريفة، في استشارة أحد البتاركة إياه في ذلك. يحسن أن نذكرها بعبارته بحروفها:
فقال- في حوادث سنة ٧٦٧: "وحضر عندي يوم الثلاثاء تاسع شوال، البَتْرَك بشارة، الملقب بميخائيل، وأخبرني أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركا بدمشق عوضًا عن البترك بأنطاكية. فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم، فإنه لا تكون البتاركة إلا أربعة: بالإسكندرية، وبالقدس، وبأنطاكية، وبرومية، فنقل رومية إلى إسطنبول، وهي القسسطنطينية، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك. لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن أنطاكية. وإنما أذن له في المقام بالشام الشريف، لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص، يذكر له ما حل بهم من الخزي والنكال والجناية بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الإسكندرية. وأحضر لي الكتب إليه وإلى ملك إسطنبول، وقرأها في من لفظه -لعنه الله- ولعن المكتوب إليهم أيضًا!! وقد تكلمت معه في دينهم، ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة وهم: الملكية، واليعقوبية -ومنهم الإفرنج والقبط- والنسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشيء. ولكن حاصله أنه حمار، من أكفر الكفار! لعنه الله".
(التاريخ ١٤: ٣١٩ - ٣٢٠).
ولا يعجبن القارئ من أن يكون ابن كثير أعلم بعقائد طوائف النصارى من أحد بتاركتهم. أستغفر الله، بل إنه يذكر عن ذاك البترك ميخائيل الذي تكلم معه "أنه يفهم بعض الشيء"- لأن ابن كثير ﵀ من أوسع العلماء اطلاعًا على أقوال أهل الملل والنحل، خاصة مذاهب المسيحيين. كما يدل عليه كلامه في مواضع كثيرة في التفسير والتاريخ. بل يكفي في الدلالة على سعة اطلاعه في ذلك أن يكون تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي ألف موسوعته النفيسة في ذلك: "كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". وهو مطبوع معروف.
[ المقدمة / ١٦ ]
وكان ﵀ قد أضر في آخر عمره. ثم مات يوم الخميس ٢٦ شعبان سنة ٧٧٤. وقال ابن ناصر: "وكانت له جنازة حافلة مشهورة. ودفن بوصية منه في تربة شيخ الإسلام ابن تيمية، بمقبرة الصوفية، خارج باب النصر من دمشق".
* * * *
[ المقدمة / ١٧ ]