إنما أفرد البخاري في هذه الترجمة حديث أبي حازم عن سهل بن سعد، الحديث الذي تقدم الآن، وفيه أنه، ﵇، قال لرجل: "فما معك من القرآن؟ ". قال: معي سورة كذا وكذا، لسور عددها. قال: "أتقرؤهن عن ظهر قلبك؟ ". قال: نعم. قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن" (^٢٨٣).
وهذه الترجمة من البخاري، ﵀، مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل، والله أعلم. ولكن الذي صرح به كثيرون من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل؛ لأنه يشتمل على التلاوة والنظر في المصحف وهو عبادة، كما صرح به غير واحد من السلف، وكرهوا أن يمضي على الرجل يوم لا ينظر في مصحفه، واستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإِمام العلم أبو عبيد ﵀ في كتاب "فضائل القرآن" حيث قال:
حدثنا نعيم بن حماد، عن بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى، عن سليمان بن مسلم، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: "فضل قراءة القرآن نظرًا على من يقرأه ظهرًا، كفضل الفريضة على النافلة" (^٢٨٤) وهذا الإسناد ضعيف، فإن معاوية بن يحيى هو الصدفي أو الأطرابلسي، وأيهما كان فهو ضعيف.
وقال الثوري: عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: أديموا النظر في المصحف (^٢٨٥).
وقال حماد بن سلمة (^٢٨٦)، عن علي بن زيد، عن يوسف بن ماهك [¬١]، عن ابن عباس، عن عمر: أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرأ فيه.
وقال حماد أيضًا (^٢٨٧): عن ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ابن مسعود: أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف، فقرءوا، وفسر لهم. إسناد صحيح.
_________________
(١) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراءة عن ظهر قلب برقم (٥٠٣٠).
(٢) - فضائل القرآن (ص ١٠٤)، ورواه ابن شاهين (١٩٤)، وبقية: مدلس، وقد عنعن. وأورده في ضعيف الجامع (٣٩٨٤). وسليمان بن مسلم: ضعيف.
(٣) - فضائل القرآن (ص ١٠٤) وقال ابن حجر: "إسناده صحيح". ورواه أبو الحسين بن بشران في فوائده، وعبد الرزاق (٣/ ٥٩٧٩)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣١)، والطبراني (٩/ ٨٦٨٧، ٨٦٩٦).
(٤) - فضائل القرآن (ص ١٠٥).
(٥) - فضائل القرآن (ص ١٠٥). [¬١]- في الفضائل: مهران.
[ ١ / ٩٨ ]
وقال حماد بن سلمة: عن حجاج بن أرطأة، عن ثوير بن أبي فاختة، عن ابن عمر قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ (^٢٨٨).
وقال الأعمش عن خَيثَمة: دخلت على ابن عمر وهو يقرأ في المصحف، فقال: هذا جزئي الذي أقرأ به الليلة (^٢٨٩).
فهذه الآثار تدل على أن هذا أمر مطلوب لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه، ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستذكر منه، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير، فالاستثبات أولى، والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال، فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن؛ لأن الكتابة لا تدل على كمال الأداء، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط يكثر تصحيفه وغلطه، وإذا أدى الحال إلى هذا منع منه إذا وجد شيخا يوقفه على لفظ القرآن، فأما عند العجز عمن يلقن فلا كلف الله نفسًا إلا وسعها، فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية، فإذا قرأ في المصحف -والحالة هذه- فلا حرج عليه، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات عن لفظها على لغته ولفظه، فقد قال الإِمام أبو عبيد:
حدثنا هشام بن إسماعيل الدمشقي، عن محمَّد بن شعيب، عن الأوزاعي؛ أن رجلًا صحبهم في سفر قال: فحدثنا حديثًا ما أعلمه إلا رفعه إلى رسول الله ﷺ قال: "إن العبد إذا قرأ فحرف أو أخطأ كتبه الملك كما أنزل" (^٢٩٠).
وحدثنا حفص بن غياث، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس قال: كان يقال: إذا قرأ الأعجمي والذي لا يقيم القرآن كتبه الملك كما أنزل. وقال بعض العلماء: المدار في هذه المسألة على الخشوع في القراءة، فإن كان الخشوع عند القراءة على ظهر القلب فهو أفضل، وإن كان عند النظر في المصحف فهو أفضل فإن استويا فالقراءة نظرا أولى؛ لأنها أثبت وتمتاز بالنظر في المصحف، قال الشيخ أبو زكريا النووي، ﵀، في "التبيان": والظاهر أن كلام السلف وفعلهم محمول على هذا التفصيل.
تنبيه:
إن كان البخاري، ﵀، أراد بذكر حديث سهل الدلالة على أن تلاوة القرآن عن ظهر قلب أفضل منها في المصحف، ففيه نظر؛ لأنها قضية عين، فيحتمل أن ذلك الرجل كان لا يحسن الكتابة ويعلم ذلك رسول الله ﷺ منه، فلا يدل على أن التلاوة عن ظهر
_________________
(١) - فضائل القرآن (ص ١٠٥)، وحجاج، وثوير ضعيفان.
(٢) - فضائل القرآن (ص ١٠٥)، ورواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٠، ٥٣١).
(٣) - فضائل القرآن (ص ١٠٦)، وسنده ضعيف لإعضاله.
[ ١ / ٩٩ ]
قلب أفضل مطلقا في حق من يحسن ومن لا يحسن، إذ لو دل هذا لكان ذكر حال رسول الله ﷺ وتلاوته عن ظهر قلب -لأنه أمي لا يدري الكتابة- أولى من ذكر هذا الحديث بمفرده.
الثاني: أن سياق الحديث إنما هو لأجل استثبات أنه يحفظ تلك السور عن ظهر قلب؛ ليمكنه تعليمها لزوجته، وليس المراد هاهنا: أن هذا أفضل من التلاوة نظرا، ولا عدمه (^٢٩١)، والله ﷾ أعلم.