قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
فهذه ثلاث آيات ليس لهنّ رابعة في معناها، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدوّ الإنسي والإحسان إليه؛ ليردّه عنه [¬٣] طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة [¬٤] والمصافاة، ويأمر بالاستعاذة به من العدوّ الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحسانًا، ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم؛ لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل، كما قال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ وقال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ وقد أقسم للوالد آدم ﵇ أنه له [¬٥] لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
قالت طائفة من القرّاء وغيرهم: يتعوّذ [¬٦] بعد القراءة واعتمدوا على ظاهر سياق الآية ولدفع الإعجاب بعد فراغ العبادة، وممن ذهب إلى ذلك حمزة فيما ذكره ابن قلوقا [¬٧] عنه وأبو حاتم السجستاني، حكى ذلك أبو القاسم يوسف بن علي بن جُبارة الهذلي المغربي في كتابه "الكامل"، وروي عن أبي هريرة أيضًا وهو غريب، [ونقله محمد بن عمر الرازي في تفسيره عن ابن سيرين في رواية عنه قال: وهو قول إبراهيم النخعي وداود بن علي الأصبهاني الظاهري.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ر. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: الموادة. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز: نتعوذ. [¬٧]- في خ: "ملوما"، وفي ز: فلوفا.
[ ١ / ١٦٨ ]
وحكى القرطبي (^٥٣)، عن أبي بكر بن العربي، عن المجموعة، عن مالك ﵀ أنّ القارئ يتعوّذ بعد الفاتحة. واستغربه ابن العربي (^٥٤)!. وحكى قولًا ثالثا وهو الاستعاذة أوّلا وآخرًا جمعًا بين الدليلين، نقله الرازي] [¬١]. والمشهور الذي عليه الجمهور أنّ الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة لدفع الوساوس فيها، ومعنى الآية عندهم ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي إذا أردت القراءة كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ﴾. الآية] [¬٢]. أي إذا أردتم القيام، والدليل على ذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ بذلك.
قال الإمام أحمد بن حنبل (^٥٥) ﵀: حدثنا محمد بن الحسن [بن أتش] [¬٣]، حدثنا جعفر بن سليمان، عن علي بن علي الرفاعي اليشكري، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل فاستفتح صلاته وكبر قال: "سبحانك اللَّهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، ولا إله غيرك- ويقول: لا إله إلا الله -ثلاثًا- ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه [ويقول اللَّه أكبر ثلاثًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه] [¬٤] ".
_________________
(١) - تفسير القرطبي (١/ ٨٨).
(٢) - أحكام القرآن (٣/ ١١٧٦).
(٣) - المسند برقم ١١٤٨٩ - (٣/ ٥٠)، والحديث صحيح: محمد بن الحسن بن أَتَش اليَمَاني، قال أحمد: كان من القدرية الكبار، ووثقه أبو حاتم وأحمد بن صالح، وذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ٦٩)، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال مرة: متروك، قال ابن حجر في التهذيب (٩/ ١٠٠): كلام النسائي فيه غير مقبول، لأن أحمد، وعلي بن المديني لا يرويان إلا عن مقبول مع قول أحمد بن صالح فيه، وفي "التقريب" صدوق فيه لين رمي بالقدر. وجعفر بن سليمان هو الضبعي أبو سليمان البصري، صدوق زاهد. وعلي بن علي؛ قال أحمد: لم يكن به بأس؛ إلا أنه رفع أحاديث، ووثقه يحيى بن معين وأبو زرعة، وقال النسائي: لا بأس به، وتكلم فيه يحيى بن سعيد، وفي التقريب: لا بأس به رمي بالقدر. والحديث أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة، باب: من رأى الاستفتاح "بسبحانك اللهم وبحمدك" (٧٧٥)، والترمذي: كتاب الصلاة، باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة (٢٤٢)، والنسائي: كتاب الافتتاح، باب: نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة وبين القراءة (٢/ ١٣٢)، وفي الكبرى (٩٧٢، ٩٧٣) (١/ ٣١٣، ٣١٤). وابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الصلاة، باب: فيما يفتتح به الصلاة (١/ ٢٦٣)، وعنه ابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: افتتاح الصلاة (٨٠٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٥٥٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ١٩٧ - ١٩٨)، وابن خزيمة في صحيحه (٤٦٧)، وأبو يعلى في مسنده (١١٠٨) (٢/ ٣٥٨)، والبيهقي = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- زيادة من المسند.
[ ١ / ١٦٩ ]
وقد رواه أهل السنن الأربعة (^٥٦) من رواية جعفر بن سليمان، عن علي بن علي، وهو الرفاعي.
وقال الترمذي: هو أشهر حديث في هذا الباب، وقد فسر الهمز بالموتة وهي الخنق، والنفخ بالكبر، والنفث بالشعر.
كما رواه أبو داود وابن ماجة (^٥٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن عاصم العنزي، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه؛ قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه [وعلى آله] [¬١] وسلم حين دخل في الصلاة قال: "الله أكبر كبيرًا -ثلاثًا-[الحمد لله كثيرًا ثلاثًا] [¬٢]، سبحان الله بكرة وأصيلًا -ثلاثًا- اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه". قال عمرو: همزه الموتة، ونفخه الكبر، ونفثه الشعر.
_________________
(١) = في الكبرى (٢/ ٣٤، ٣٥) والمزي في تهذيب الكلمال (٢١/ ٧٦) ترجمة علي بن علي. وقال الترمذي: "حديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب. وقد تُكلم في إسناد حديث أبي سعيد، كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي الرفاعي، وقال أحمد: لا يصح الحديث. وأجاب الشيخ الألباني عن ذلك في الإرواء (١/ ٥١ - ٥٢) فقال: ولعل هذا لا ينفي أن يكون حسنًا؛ فإن رجاله كلهم ثقات، وعلي هذا وإن تكلم فيه يحيى بن سعيد فقد وثقه يحيى بن معين ووكيع وأبو زرعة. . قلت "أي الألباني": وهذا لا يوجب إهدار حديثه، بل يحتج به حتى يظهر خطؤه، وهنا ما روى شيئًا منكرًا". قلت: وهناك علة أخرى للحديث أشار إليها أبو داود بعد إخراجه الحديث فقال: "وهذا الحديث يقولون: هو عن علي بن علي، عن الحسن مرسلًا، الوهم من جعفر". لكن يشهد لبعضه حديث جبير بن مطعم الآتي وهو عند أبي داود (٧٦٤)، وابن ماجه (٨٠٧). وصححه ابن خزيمة (٤٦٨)، وابن حبان (١٧٧٨)، والحاكم (١/ ٢٣٥)، ووافقه الذهبي. وحديث عبد الله بن مسعود عند ابن ماجه (٨٠٨)، والطيالسي (٣٩٦)، وأبي يعلى (٤٩٩٤) وصححه ابن خزيمة (٤٧٢)، وفي الباب أيضًا عن ابن عمر عند مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، باب: ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (١٥٠) (٦٠١)، وعن عائشة عند أبي داود (٧٧٦)، والترمذي (٢٤٣)، وابن ماجه (٨٠٦)، وصححه الشيخ الألباني في الإرواء (٣٤١).
(٢) - انظر الحديث السابق.
(٣) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء برقم (٧٦٤)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: الاستعاذة في الصلاة برقم (٨٠٧)، ورواه أحمد (٤/ ٨٥)، وابن خزيمة (٤٦٨)، والبخاري في التاريخ (٣/ ٢ / ٤٨٨ - ٤٨٩)، والطيالسي (٩٤٧)، وأبو يعلى (١٣/ ٧٣٩٨)، وابن الجارود (١٨٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٥٦٨)، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٤٣)، والحاكم (١/ ٢٣٥)، والبيهقي (٢/ ٣٥) من طريق شعبة، به، ورواه المزي في تهذيبه في ترجمة عاصم العنزي. قال الحاكم: صحيح الإسناد، وعاصم العنزي: مجهول، ما وثقه إلا ابن حبان. قال ابن حبان: عاصم العنزي يروي عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: كان النبي، ﷺ، = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ١٧٠ ]
وقال ابن ماجة (^٥٨): حدَّثنا علي بن المنذر، حدَّثنا ابن فضيل، حدثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ، قال: "اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه".
قال: همزه الموتة، [ونفخه الكبر، ونفثه الشعر] [¬١].
وقال الإمام أحمد (^٥٩): حدَّثنا إسحاق بن يوسف، حدَّثنا شريك، عن يعلى بن عطاء، عن
_________________
(١) = إذا دخل في الصلاة قال: … فذكره. كذا قال شعبة عن عمرو بن مرة، عن عاصم العنزي، وقال مسعر: عن عمرو ابن مرة، عن رجل من عنزة، رواه أبو داود (٧٦٥)، وأحمد (٤/ ٨٠ - ٨١)، والطبراني (١٥٦٩)، والخطيب في تاريخه (٣١/ ٤٣٦ - ٤٣٧). وقال ابن إدريس: عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن عباد بن عاصم، عن نافع بن جبير، رواه ابن أبي شيبة (١/ ٢٣١، ٢٣٨، ١٠/ ١٩٢)، وأحمد (٤/ ٨٣)، وابن خزيمة (٤٦٩)، والطبراني (٢/ ٥٧٠)، وقال عباد بن العوام: عن حصين، عن عمرو بن مرة، عن عمار بن عاصم، عن نافع بن جبير، ذكره البخاري، وهو عند ابن عياش، عن عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب، عن عبد الرحمن بن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه بطوله. وقال البخاري: وهذا لا يصح. قال الحافظ في التهذيب: قلت: وقال البزار: اختلفوا في اسم العنزي، رواه وهو غير معروف. وقال ابن خزيمة: وعاصم العنزي، وعباد بن عاصم مجهولان، لا يدرى من هما ولا يعلم الصحيح ما روى حصين، أو شعبة - هكذا فرق بينهما ابن خزيمة، وكذا البخاري، وابن أبي حاتم، وابن حبان (التاريخ الكبير ٦/ ٤٨٨، الثقات ٥/ ٤٣٨، ٧/ ٢٥٨، تهذيب التهذيب ٥/ ٤٨، تهذيب الكمال ١٣/ ٥٣٤).
(٢) - رواه ابن ماجة برقم (٨٠٨)، ورواه أحمد ٣٨٣٠ - (٤/ ٤٠١)، وابن أبي شيبة (١٠/ ١٥٨ - ١٨٦)، وأبو يعلى (٨/ ٤٩٩٤، ٩/ ٥٠٧٧) والحاكم (١/ ٢٠٧)، والبيهقي (٢/ ٢٦)، وابن خزيمة في صحيحه برقم (٤٧٢)، من طريق محمد بن فضيل به، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٨٥): في إسناده مقال؛ فإن عطاء بن السائب اختلط بآخر عمره، وسمع منه محمد بن فضيل بعد الاختلاط، وفي سماع أبي عبد الرحمن السلمي من ابن مسعرد كلام. قال شعبة: لم يسمع. وقال أحمد: أرى قول شعبة وهمًا، وقال البخاري في الكبير (٣/ ١ / ٧٣)، وفي الصغير (١/ ٢٠١) سمع عليًّا وعثمان وابن مسعود. وقال أبو عمرو الداني: أخذ أبو عبد الرحمن القراءة عرضًا عن عثمان وعلي وابن مسعود ا هـ. وقال الحاكم: صحيح وقد استشهد البخاري بعطاء بن السائب. وقد تابع ابن فضيل ورقاء بن عمر، وعمرو بن رزيق، فروياه عن عطاء بن السائب، رواه أحمد ٣٨٢٨ - (١/ ٤٠٣) من طرق عمرو، وأبو يعلى (٩/ ٥٣٨٠) من طريق عمرو، والبيهقي (٢/ ٣٦) من طرق عمرو، وورقاء، وقد سمعا منه بعد الاختلاط أيضًا. وخالفهم حماد بن سلمة فرواه عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود أنه كان يتعوذ في الصلاة من الشيطان الرجيم من نفخه ونفثه وهمزه، رواه الطيالسي (٣٧١ ص ٤٩) وعنه البيهقي (٢/ ٣٦)، ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٩٣٠٢) وحماد روى عن عطاء قبل الاختلاط وبعده.
(٣) - المسند برقم ٢٢٢٧٥ - (٥/ ٢٥٣). = [¬١]- في ز، خ: "نفثه: الشعر، ونفخه: الكبر".
[ ١ / ١٧١ ]
رجل حدثه؛ أنه سمع أبا أمامة الباهلي؛ يقول: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثلاثًا ثم قال: "لا إله إلا الله". ثلاث مرات و"وسبحان الله وبحمده" ثلاث مرات. ثم قال: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه".
وقال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده (^٦٠): حدثنا عبد الله بن عُمر بن أبان الكوفي، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن يزيد بن زياد، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي بن كعب ﵁ قال: تلاحى رجلان عند النبي ﷺ فتمزع أنف أحدهما غضبًا، فقال رسول الله ﷺ: "إني لأعلم شيئًا لو قاله لذهب [¬١] عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة (^٦١)، عن يوسف بن عيسى المروزي، عن الفضل بن موسى، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، به.
وقد روى هذا الحديث أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد، عن زائدة، وأبو داود عن يوسف بن موسى، عن جرير بن عبد الحميد، والترمذي والنسائي في اليوم والليلة عن بندار، عن ابن مهدي، عن الثوري، والنسائي أيضًا من حديث زائدة بن قدامة - ثلاثتهم، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: استب رجلان عند النبي ﷺ، فغضب أحدهما غضبًا شديدًا حتى خيل إليّ أنّ أحدهما يتمزع أنفه من شدّة غضبه، فقال النبي ﷺ: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد من الغضب". فقال: ما هي يا رسول الله؟ قال: "يقول: اللَّهم؛ إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم". قال: فجعل معاذ يأمره فأبى وجعل يزداد غضبًا. وهذا لفظ أبي داود (^٦٢).
_________________
(١) = والحديث إسناده ضعيف، لجهالة شيخ يعلى بن عطاء، وشريك القاضي -رحمه الله تعالى-: تُكلم فيه لسوء حفظه، لكن تابعه حماد بن سلمة عند أحمد (٥/ ٢٥٣). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٦٥) وعزاه لأحمد وقال: "وفيه من لم يسم".
(٢) - لم نعثر على هذا الحديث في مسند أبي يعلى، ولا في المطالب العالية، ولا في مجمع الزوائد، وقد أورده الضياء في المختارة من طريق أبي يعلى ١٢٣٦ - (٣/ ٤٣٦).
(٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (١٠٢٢٣).
(٤) - المسند (٥/ ٢٤٠، ٢٤٤)، ورواه أبو داود في الأدب، ما يقال عند الغضب برقم (٤٧٨٠) والترمذي في الدعوات برقم (٣٤٥٢)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٢٢١، ١٠٢٢٢)، وابن السني في اليوم والليلة (٤٥٤)، والضياء في المختارة (١٢٣٧) وعزاه في الدر المنثور (٥/ ٣٦٥) لابن مردويه. وأعله الترمذي بالإرسال لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يدرك معاذًا. [¬١]- في ز، خ: "ذهب".
[ ١ / ١٧٢ ]
وقال الترمذي: مرسل، يعني أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق معاذ بن جبل فإنه مات قبل سنة عشرين.
(قلت): وقد يكون عبد الرحمن بن أبي ليلى سمعه من أبي بن كعب كما تقدّم، وبلغه عن معاذ بن جبل، فإنّ هذه القصة شهدها غير واحد من الصحابة ﵃.
قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عدي بن ثابت؛ قال: قال سليمان بن صرد ﵁: استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، فأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمرّ وجهه، فقال النبي ﷺ: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجده، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم". فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول رسول الله ﷺ؟! قال: إني لست بمجنون (^٦٣).
وقد رواه أيضًا مع مسلم وأبي داود والنسائي من طرق متعددة عن الأعمش، به (^٦٤).
وقد جاء في الاستعاذة أحاديث كثيرة يطول ذكرها هاهنا، وموطنها كتاب الأذكار وفضائل الأعمال، والله أعلم.
وقد روي أن جبريل ﵇ -أوّل ما نزل بالقرآن على رسول الله ﷺ أمره بالاستعاذة، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٦٥):
حدَّثنا أبو كريب، حدثنا [¬١] عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن عبد الله بن عباس؛ قال: أوّل ما نزل جبريل على محمد ﷺ؛ قال: "يا محمد؛ استعذ" قال: "أستعيذ [باللَّه السميع] [¬٢] العليم من الشيطان الرجيم" ثم
_________________
(١) - رواه البخاري في الأدب، باب: الحذر من الغضب برقم (٦١١٥).
(٢) - رواه مسلم في البر والصلة، والآداب برقم (٢٦١٠)، وأبو داود في الأدب، باب: ما يقال عند الغضب برقم (٤٧٨١)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٢٢٤، ١٠٢٢٥).
(٣) - تفسير ابن جرير ١٣٧ - (١/ ١١٣). وبشر بن عمارة: قال أبو حاتم: ليس بالقوي في الحديث. وقال البخاري تعرف وتنكر. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حبان: كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد. وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا وهو عندي حديثه إلى الاستقامة أقرب. قلت: وقال البرقاني عن الدارقطني: متروك. وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. وقال الساجي مثل البخاري. وأما أبو روق واسمه عطية بن الحارث: فثقة. وأما الانقطاع الذي أشار إليه ابن كثير، فهو لين الضحاك وابن عباس. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: بالسميع.
[ ١ / ١٧٣ ]
قال: "قل: بسم الله الرحمن الرحيم" ثم قال ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ قال عبد الله: وهي أوّل سورة أنزلها الله على محمد ﷺ بلسان جبريل.
وهذا الأثر غريب، وإنما ذكرناه ليُعرف فإنّ في إسناده ضعفًا وانقطاعًا، والله أعلم.
[مسألة
وجمهور العلماء على أنّ الاستعاذة مستحبة ليست بمتحتمة يأثم تاركها، وحكى الرازي عن عطاء بن أبي رباح وجوبها في الصلاة وخارجها كلما أراد القراءة، قال: وقال ابن سيرين: إذا تعوّذ مرّة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب، واحتج الرازي لعطاء بظاهر الآية ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ وهو أمر ظاهره الوجوب، وبمواظبة النبي ﷺ عليها؛ ولأنها تدرأ شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولأن الاستعاذة أحوط، وهو أحد مسالك الوجوب.
وقال بعضهم: كانت واجبة على النبي ﷺ دون أمّته، وحكي عن مالك أنه لا يتعوّذ في المكتوبة ويتعوّذ لقيام رمضان في أوّل ليلة منه.
مسألة
وقال الشافعي في الإملاء: يجهر بالتعوّذ وإن أسرّ فلا يضر، وقال في الأمّ بالتخيير؛ لأنه أسر ابن عمر وجهر أبو هريرة، واختلف قول الشافعي فيما عدا الركعة الأولى، هل يستحب التعوّذ فيها على قولين، ورجح عدم الاستحباب، والله أعلم.
فإذا قال المستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كفى ذلك عند الشافعي وأبي حنيفة، وزاد بعضهم: أعوذ بالله السميع العليم، وقال آخرون: بل يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم، قاله الثوري والأوزاعي، وحُكي عن بعضهم أنه يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لمطابقة أمر الآية؛ ولحديث الضحاك عن ابن عباس المذكور، والأحاديث الصحيحة كما تقدّم أولى بالاتباع من هذا، والله أعلم.
مسألة
ثم الاستعاذة في الصلاة إنما هي للتلاوة وهو قول أبي حنيفة ومحمد. وقال أبو يوسف: بل للصلاة فعلى هذا يتعوذ المأموم، وإن كان لا يقرأ ويتعوذ في العيد بعد الإحرام، وقبل تكبيرات العيد، والجمهور بعدها قبل القراءة. ومن لطائف الاستعاذة أنها طهارة للفم مما كان يتعاطاه من اللغو والرفث وتطيب له، وتهيؤ لتلاوة كلام الله، وهي استعانة بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد
[ ١ / ١٧٤ ]
بالضعف والعجز عن مقاومة هذا العدوّ المبين الباطني الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا اللَّه الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان كما دلت على ذلك آيات من القرآن في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾. وقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري، فمن قتله العدو الظاهري البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطني كان طريدًا، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطني كان مفتونًا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان.
فصل
والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب جلب الخير، كما قال المتنبي:
يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به ممن أحاذره
[لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره … ولا يهيضون عظمًا أنت جابره] (^٦٦) [¬١]
ومعنى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أي: أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم [¬٢] أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه، فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله؛ ولهذا أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه ليردّه طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجنّ؛ لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن لا أعلم لهن رابعة، قوله تعالى في الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى في سورة حم السجدة: ﴿وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَينَكَ وَبَينَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إلا الَّذِينَ صَبَرُوا
_________________
(١) - ذكر البيتين الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ٢٧٥)، وقال: "وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله ﷾ وأخبرني العلامة شمس الدين ابن القيم ﵀ أنه سمع الشيخ تقي الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعو الله بما تضمناه من الذل والخضوع". [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز.
[ ١ / ١٧٥ ]
وَمَا يُلَقَّاهَا إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
والشيطان في لغة العرب مشتق من شطن إذا بعُد، فهو بعيد بطبعه عن طباع البشر، وبعيد بفسقه عن كل خير، وقيل: مشتق من شاط؛ لأنه مخلوق من نار، ومنهم من يقول: كلاهما صحيح في المعنى، ولكن الأول أصح، وعليه يدل كلام العرب، قال أمية بن أبي الصلت في ذكر ما أوتي سليمان ﵊:
أيما شاطن عصاه عكاه … ثم يُلقى [¬١] في السجن والأغلال [¬٢]
فقال: أيما شاطن، ولم يقل: أيما شائط. وقال النابغة الذبياني، وهو زياد بن عمرو بن معاوية بن جابر بن ضباب [¬٣] بن يربوع بن مرة بن سعد بن ذبيان:
نأتْ بسعاد عنك نوى شطون … فبانت والفؤاد بها رهين
يقول: بعدت بها طريق بعيدة. و[قال سيبويه: العرب تقول: تشيطن فلان، إذا فَعَلَ فِعْلَ الشياطين، ولو كان من شاط، لقالوا: تشيط] [¬٤] فالشيطان [¬٥] مشتق من البعد على الصحيح؛ ولهذا يسمون كل ما تمرّد من جني وإنسي وحيوان شيطانًا، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
وفي مسند الإمام أحمد (^٦٧) عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) - رواه أحمد في المسند برقم ٢١٦٢٩، ٢١٦٣٥ - (٥/ ١٧٨، ١٧٩) في حديث طويل. ورواه النسائي (٨/ ٢٧٥)، والطيالسي (٤٧٨)، والبزار كما في كشف الأستار (١٦٠)، والبيهقي في الشعب (٣٥٧٦ هـ)، رووه مطولًا ومختصرًا من طرقٍ عن المسعودي، عن أبي عمر، ويقال: أبو عمرو - عن عبيد بن الخشخاش، ويقال: الحسحاس - عن أبي ذر، وأبو عمر هذا تركه الدارقطني، وكذا عبيد أيضًا، ووثقه ابن حبان، وقال البخاري: عبيد بن الخشخاش لم يذكر سماعًا من أبي ذر. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩، ١٦٠) وقال "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي، وهو ثقة، ولكنه اختلط. ورواه أحمد من حديث أبي أمامة ٢٢٣٣٨ - (٥/ ٢٦٥) ثنا أبو المغيرة، ثنا معان بن رفاعة، حدثني عليّ بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة … فذكره في حديثٍ طويل. وأخرجه الطبراني في الكبير (٨/ ٢٥٨، ٢٥٩ / رقم: ٧٨٧١) من نفس طريق أحمد، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩) وقال: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، ومداره على علي بن يزيد، وهو ضعيف". [¬١]- في ز: يلقي بي. [¬٢]- في حاشية ز: في نسخة: والأكبال. [¬٣]- في ز، خ: "صباب". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "والشيطان".
[ ١ / ١٧٦ ]
وسلم: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شياطين الإنس والجن" نقلت: أو للإنس شياطين؟ قال: "نعم".
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: "يقطع الصلاةَ المرأة، والحمار، والكلب الأسود". فقلت: يا رسول الله؛ ما بال الكلب الأسود من الأحمر من [¬١] الأصفر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان" (^٦٨).
وقال ابن وهب: أخبرني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ ركب برذونًا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي. إسناده صحيح (^٦٩).
والرجيم فعيل بمعنى مفعول، أي: إنه مرجوم مطرود عن الخير كله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، [وقيل: رجيم بمعنى راجم؛ لأنه يرجم الناس بالوساوس والربائث (^٧٠)، والأول أشهر وأصح] [¬٢].
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾
افتتح بها الصحابة كتاب الله، واتفق العلماء على أنها بعض آية من سورة النمل، ثم اختلفوا هل هي آية مستقلة في أول كل سورة، أو من [أول] كل سورة كتبت في أوّلها، أو أنها بعض آية من أول [¬٣] كل سورة، أو أنها [¬٤] كذلك في الفاتحة دون غيرها، أو أنها إنما [¬٥] كتبت للفصل لا أنها آية على أقوال للعلماء سلفًا وخلفًا وذلك مبسوط في غير هذا الموضع.
_________________
(١) - رواه مسلم في الصلاة برقم ٢٦٥ - (٥١٠).
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٣٦ - (١/ ١١١) من طريق يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، به.
(٣) - يقال: ربثته عن الأمر: إذا حبسته وثبطته، والربائث: جمع ربيثة، وهي الأمر يحبس الإنسان عن مهامِّه. النهاية (٢/ ١٨٢). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- زيادة من ز، خ. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- سقط من: خ.
[ ١ / ١٧٧ ]
وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس (^٧١) ﵄ أن رسول الله ﷺ كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه [¬١] ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.
وأخرجه الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في مستدركه أيضًا، ورُوي مرسلًا عن سعيد بن جبير.
وفي صحيح ابن خزيمة عن أم سلمة (^٧٢) ﵂ أن رسول الله ﷺ قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدّها آية لكنه من رواية عمر بن هارون البلخي، وفيه ضعف، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عنها.
وروى له الدارقطني (^٧٣) متابعًا [¬٢] عن أبي هريرة مرفوعًا، وروى مثله (^٧٤) عن علي وابن عباس وغيرهما، وممن حُكي عنه أنها آية من كل سورة إلا براءة: ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو هريرة، وعلي. ومن التابعين: عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومكحول، والزهري، وبه يقول
_________________
(١) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: من جهر بها برقم (٧٨٨)، ورواه البيهقي في الكبرى (٢/ ٤٢)، وفي الشعب (٢١٢٥ هـ) من طريق أبي داود، ورواه ابن عبد البر في التمهيد (٢٠/ ٢١٠) من طريق أبي داود، عن قتيبة بسنده موصولًا، والبزار (٢١٨٧)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، والحاكم (١/ ٢٣١)، وعنه البيهقي في المعرفة (٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦)، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك بعد أن ذكر الحديث عن ابن عباس: أما هذا فثابت. وقال الهيثمي: رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح. وقد رواه أبو داود في المراسيل (٣٦) عن سعيد بن جبير، وقال: المرسل أصح، ورواه الحميدي مرسلًا (٥٢٨)، وكذا الطحاوي في المشكل (١٣٧٦)، وعبد الرزاق (٢٦١٧).
(٢) - إسناده ضعيف، عمر بن هارون: قال ابن حبان: كان ممن يروي عن الثقات المعضلات، ويدعى شيوخًا لم يرهم، وكان ابن مهدي حسن الرأي فيه. قال ابن الجنيد: سمعت يحيى بن معين يقول: عمر بن هارون كذاب، وعن يحيى بن معين قال: عمر بن هارون البلخي ليس بشيء. قال أبو حاتم: كان عمر بن هارون صاحب سنة وفضل وسخاء، وكان أهل بلده يبغضونه لتعصبه في السنة وذبه عنها، ولكن كان شأنه في الحديث ما وصفت، وفي التعديل ما ذكرت، والمناكير في روايته تدل على صحة ما قال يحيى بن معين فيه. وقد حسن القول فيه جماعة من شيوخنا، كان يصلهم في كل سنة بصلات كثيرة من الدراهم والثياب وغيرها، يبعث إليهم من بلخ إلى بغداد. والحديث في صحيح ابن خزيمة برقم (٤٩٣). ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٣)، ورواه البيهقي (٢/ ٤٤) وقال الحاكم: عمر بن هارون أصل في السنة. ولم يخرجاه وإنما خرجته شاهدًا.
(٣) - سنن الدارقطني ١٧ - (١/ ٣٠٦).
(٤) - سنن الدارقطني (١/ ٣٠٢) عن علي بن أبي طالب، وطرقه كلها ضعيفة، (١/ ٣٠٣) عن ابن عباس من طريقين ضعيفين، وسيأتي كلام العلماء على الجهر بالبسملة. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "متابعة".
[ ١ / ١٧٨ ]
عبد الله بن المبارك، والشافعي، وأحمد بن حنبل في رواية عنه، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام ﵏.
وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما: ليست آية من الفاتحة، ولا من غيرها من السور.
وقال الشافعي في قول في [¬١] بعض طرق مذهبه: هي آية من الفاتحة وليست من غيرها، وعنه أنها بعض آية من أول كل سورة وهما غريبان.
وقال داود: هي آية مستقلة في أول كل سورة لا منها، وهذا رواية عن الإمام أحمد [بن حنبل] [¬٢] وحكاه أبو بكر الرازي عن أبي الحسن الكرخي، وهما من أكابر أصحاب أبي حنيفة ﵏ (^٧٥).
هذا ما يتعلق بكونها آية [¬٣] من الفاتحة أم لا.
فأما [¬٤] ما يتعلق بالجهر بها فمفرعٌ على هذا، فمن رأى أنها ليست [من الفاتحة] [¬٥] فلا يجهر بها، وكذا من قال: إنها آية من أولها، وأما من قال: بأنها من أوائل السور فاختلفوا، فذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفًا وخلفًا، فجهر بها من الصحابة أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، ومعاوية؛ وحكاه ابن عبد البر والبيهقي عن عُمر وعلي، ونقله الخطيب عن الخلفاء الأربعة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهو غريب. ومن التابعين عن سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبي قلابة، والزهري، وعلي بن الحسين وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي، [ومحمد بن عبيد] [¬٦]، وأبي بكر ابن [¬٧] محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنكدر، وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه محمد، ونافع مولى ابن عمر، وزيد بن أسلم، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، ومكحول، وعبد الله بن معقل ابن مقرن. زاد البيهقي: وعبد الله بن صفوان، ومحمد بن الحنفية. زاد ابن عبد البر: وعمرو بن دينار.
والحجة في ذلك أنها بعض الفاتحة، فيجهر بها كسائر أبعاضها. وأيضًا فقد روى النسائي في
_________________
(١) - ولشيخ الإسلام ابن تيمية تفصيل في هذه المسألة، فراجعه في الفتاوى (٢٢/ ٤٣٨ - ٤٤٣). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في خ: "وأما". [¬٥]- في ز: منها. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: خ.
[ ١ / ١٧٩ ]
سننه، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما [¬١] (^٧٦)، والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة، أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة، وقال بعد أن فرغ: إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ. وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي وغيرهم.
وروى أبو داود والترمذي، عن ابن عباس (^٧٧)؛ أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال الترمذي: وليس إسناده [¬٢] بذاك.
وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن ابن عباس (^٧٨)؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) - صحيح، رواه النسائي في كتاب الافتتاح، باب: قراءة بسم الله الرحمن الرحيم برقم ٩٠٥ - (٢/ ١٣٤)، وابن الجارود (١٨٤)، وابن خزيمة برقم (٤٩٩)، وابن حبان برقم (٤٥٠ موارد)، والحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٢)، والبيهقي (٢/ ٤٦، ٥٨).
(٢) - ضعيف، وكذا عزاه المزي في التحفة (٥/ ٢٦٥)، ورواه الترمذي في الصلاة، باب: من رأى الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم برقم (٢٤٥)، والدارقطني (١/ ٣٠٤)، والبيهقي (٢/ ٤٧)، ورواه العقيلي (١/ ٨٠ - ٨١)، وابن عدي (١/ ٣٠٥) - جميعًا من حديث معتمر بن سليمان؛ قال: حدثني إسماعيل بن حماد، عن أبي خالد، عن ابن عباس، به. أما العقيلي فرواه في ترجمة إسماعيل بن حماد بن أبي سليمان وقال: حديثه غير محفوظ ويحكيه عن مجهول ثم ذكر الحديث. وأما ابن عدي فرواه في ترجمة إسماعيل من طريق إسماعيل، عن أبي خالد، عن ابن عباس، ومن طريق إسماعيل، عن عمران، عن ابن عباس، وقال: وهذا الحديث لا يرويه إلا معتمر وهو غير محفوظ، سواء قال: عن أبي خالد، أو عن عمران بن خالد جميعًا مجهولين. أما الزيلعي فقال (١/ ٣٤٦، ٣٤٧): أبو خالد هو الوالبي. واسمه هرمز. وقال المارديني في الجوهر النقي (١/ ٤٧): مجهول. وأما ابن حجر فقال (في التلخيص): قال البزار، وابن حبان: هو الوالبي، وقيل: لا يصح ذلك. ويقال: هرم؛ قال عنه ابن حجر في التقريب: مقبول. وقال الذهبي في الكاشف: صدوق. وقال الخزرجي في الخلاصة: قال ابن عدي: في حديثه لين. وقال أبو حاتم: صالح الحديث.
(٣) - ضعيف جدًّا، والحديث في المستدرك (١/ ٢٠٨) وفي إسناده عبد الله بن عمرو بن حسان، كذبه الدارقطني، وقال علي بن المديني: يضع الحديث. وقال العقيلي: أحاديثه مقلوبة. وقال أبو حاتم: ليس بشيء، ضعيف الحديث، كان لا يصدق (الميزان ٢/ ٤٦٨) (الجرح ٥/ ١١٩) لذلك تعقب الذهبي الحاكم على تصحيحه فقال: "عبد الله بن عمرو بن حسان المذكور في إسناده كذبه غير واحد، ومثل هذا لا يخفى على المصنف" -أي الحاكم. وقال الزيلعي: هذا الحديث غير صريح، ولا صحيح. فأما كونه غير صريح فإنه ليس فيه أنه في الصلاة، وأما غير صريح فإن فيه عبد الله بن عمرو الواقعي ثم ذكر أقوال العلماء فيه. وقد روى الطحاوي في المشكل (١٣٧٥) بإسناد جيد عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان جبريل ﵇ إذا نزل على رسول، الله ﷺ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ علم أن السورة قد انقضت. [¬١]- في ت: "صحيحهما". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ١ / ١٨٠ ]
وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. ثم قال: صحيح.
وفي صحيح البخاري، عن أنس بن مالك (^٧٩)؛ أنه سئل عن قراءة رسول الله ﷺ. فقال: كانت قراءته مدًّا، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمدّ بسم الله، ويمدّ الرحمن، ويمدّ الرحيم.
وفي مسند الإمام أحمد، وسنن أبي داود، وصحيح ابني خزيمة، ومستدرك الحاكم، عن أمّ سلمة (^٨٠) ﵂ أنها [¬١] قالت: كان رسول الله ﷺ يقطع قراءته ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. وقال الدارقطني إسناده صحيح.
وروى [الإمام أبو عبد الله] [¬٢] الشافعي ﵀ والحاكم في مستدركه عن أنس (^٨١)، أن معاوية صلى بالمدينة فترك البسملة فأنكر عليه من حضره [¬٣] من المهاجرين ذلك، فلما صلى المرة الثانية بسمل.
وفي هذه الأحاديث والآثار التي أوردناها كفاية ومقنع في الاحتجاج لهذا القول عما عداها. فأمّا المعارضات والروايات الغربية وتطريقها وتعليلها وتضعيفها وتقريرها فله موضع آخر.
وذهب آخرون إلى أنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة، وهذا هو الثابت عن الخلفاء الأربعة وعبد الله بن مغفل وطوائف من سلف التابعين والخلف، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل. وعند الإمام مالك أنه لا يقرأ البسملة بالكلية لا جهزا ولا سرًّا، واحتجوا بما في صحيح
_________________
(١) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: مد القراءة برقم (٥٠٤٦).
(٢) - رواه أحمد في المسند ٢٦٦٩٢ - (٦/ ٣٠٢)، وأبو داود في سننه في كتاب الحروف والقراءات- أول الكتاب (٤٠١). والترمذي في جامعه في كتاب القراءات، باب: في فاتحة الكتاب (٢٩٢٧). والحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٢).
(٣) - رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٣٣)، من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن عثمان بن خثيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر أخبر أن أنس بن مالك قال: صلى معاوية … فذكر الحديث بطوله. ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بعبد المجيد بن عبد العزيز، وسائر الرواة متفق على عدالتهم، وهو علة لحديث شعبة وغيره عن قتادة -على علو قدره- يدلس ويأخذ عن كل أحد، وإن كان قد أدخل في الصحيح حديث قتادة فإن في ضده شواهد أحدها ما ذكرنا، ورواه الدارقطني (١/ ٣١١). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: حضر.
[ ١ / ١٨١ ]
مسلم عن عائشة (^٨٢) ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وبما في الصحيحين عن أنس بن مالك (^٨٣)؛ قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون [¬١] بالحمد لله رب العالمين. ولمسلم: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في [¬٢] آخرها، ونحوه في السنن [] [¬٣] عن عبد الله بن مغفل (^٨٤) ﵁ فهذه مآخذ الأئمة ﵏ في هذه المسألة [¬٤]، وهي قريبة؛ لأنهم أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة ومن أسرَّ، ولله الحمدُ والمنَّة.
_________________
(١) - رواه مسلم في الصلاة برقم ٢٤٠ - (٤٩٨).
(٢) - رواه البخاري في الأذان، باب: ما يقول بعد التكبير برقم (٧٤٣)، ومسلم في الصلاة برقم ٥٠ - (٣٩٩). وليس عند البخاري: "وعثمان".
(٣) - رواه الترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم برقم (٢٤٤)، والنسائي في الافتتاح، باب: ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب ٩٠٨ - (٢/ ١٣٥) وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: افتتاح القراءة برقم (٨١٥)، ورواه أحمد (٤/ ٨٥، ٥/ ٥٤ - ٥٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٠٢)، والبيهقي (٢/ ٥٠). قال الزيلعي في نصب الراية (١/ ٣٣٢): حديث آخر: رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أبي نعامة الحنفي واسمه قيس بن عباية، ثنا بن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقول: بسم الله الرحمن الرحيم فقال: أي بني إياك والحدث قال: ولم أر أحدًا من أصحاب رسول الله، ﷺ، كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني منه قال: وصليت مع النبي، ﷺ، ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدًا منهم يقولها فلا تقلها أنت، إذا صليت فقل: الحمد لله رب العالمين انتهى. قال الترمذي: حديث حسن والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي، ﷺ، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق: لا يرون الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة، ويقولها في نفسه، انتهى. قال النووي في الخلاصة: وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث وأنكروا على الترمذي تحسينه كابن خزيمة وابن عبد البر والخطيب وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل وهو مجهول، انتهى. ورواه أحمد في مسنده من حديث أبي نعامة، عن بني عبد الله بن مغفل قالوا: كان أبونا إذا سمع أحدًا منا يقول: بسم الله الرحمن الرحيم يقول: أي بني، صليت مع النبي، ﷺ، وأبي بكر وعمر فلم أسمع أحدًا منهم يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، انتهى. ورواه الطبراني في معجمه عن عبد الله بن بريدة عن ابن عبد الله بن مغفل عن أبيه مثله. ثم أخرجه عن أبي سفيان طريف بن شهاب، عن يزيد بن عبد الله بن مغفل، عن أبيه قال: صليت= [¬١]- في ت: يفتتحون. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: [و]. [¬٤]- في ز: البسملة.
[ ١ / ١٨٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = خلف إمام فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، فلما فرغ من صلاته قلت: ما هذا؟! غُيِّب عنا هذه التي أراك تجهر بها فإني قد صليت مع النبي، ﷺ، ومع أبي بكر وعمر فلم يجهروا بها انتهى. فهؤلاء ثلاثة رووا هذا الحديث عن ابن عبد الله بن مغفل، عن أبيه، وهم أبو نعامة الحنفي قيس بن عباية وقد وثقه ابن معين وغيره، وقال ابن عبد البر: هو ثقة عند جميعهم. وقال الخطيب: لا أعلم أحدًا رماه ببدعة في دينه، ولا كذب في روايته، وعبد الله بن بريدة، وهو أشهر من أن يثنى عليه، وأبو سفيان السعدي وهو إن تكلم فيه ولكنه يعتبر به، ما تابعه عليه غيره من الثقات، وهو الذي سمى ابن عبد الله بن مغفل: يزيد، كما هو عند الطبراني فقط، فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه. وقد تقدم في مسند الإمام أحمد، عن أبي نعامة، عن بني عبد الله بن مغفل، وبنوه الذي يروي عنهم يزيد وزياد ومحمد، والنسائي وابن حبان وغيرهما يحتجون بمثل هؤلاء مع أنهم ليسوا مشهورين بالرواية، ولم يرو واحد منهم حديثًا منكرًا، ليس له شاهد ولا متابع، حتى يجرح بسببه، وإنما رووا ما رواه غيرهم من الثقات، فأما يزيد فهو الذي سُمي في هذا الحديث، وأما محمد فروى له الطبراني عنه عن أبيه؛ قال: سمعت النبي، ﷺ، يقول: "ما من إمام يبيت غاشًّا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة" وزياد أيضًا روى له الطبراني عنه، عن أبيه، مرفوعًا: "لا تحذفوا فإنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ العدو ولكنه يكسر السن ويفقأ العين" انتهى. وبالجملة فهذا حديث صريح في عدم الجهر بالتسمية، وهو وإن لم يكن من أقسام الصحيح فلا ينزل عن درجة الحسن، وقد حسنه الترمذي، والحديث الحسن يحتج به، لا سيما إذا تعددت شواهده، وكثرت متابعاته، والذين تكلموا فيه وتركوا الاحتجاج به لجهالة ابن عبد الله بن مغفل قد احتجوا في هذه المسألة بما هو أضعف منه، بل احتج الخطيب بما يعلم هو أنه موضوع، ولم يحسن البيهقي في تضعيف هذا الحديث، إذ قال بعد أن رواه في كتاب المعرفة من حديث أبي نعامة بسنده المتقدم ومتن السنن: هذا حديث تفرد به أبو نعامة قيس بن عباية، وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح. فقوله: "تفرد به أبو نعامة"، ليس بصحيح، فقد تابعه عبد الله بن بريدة وأبو سفيان كما قدمناه، وقوله: "وأبو نعامة وابن عبد الله بن مغفل لم يحتج بهما صاحبا الصحيح" ليس هذا لازمًا في صحة الإسناد، ولئن سلمنا فقد قلنا: إنه حسن، والحسن يحتج به، وهذا الحديث مما يدل على أن ترك الجهر عندهم كان ميراثًا عن نبيهم، ﷺ، يتوارثه خلفهم عن سلفهم، وهذا وحده كاف في المسألة لأن الصلوات الجهرية دائمة صباحًا ومساءًا، فلو كان ﵇ يجهر بها دائمًا لما وقع فيه اختلاف، ولا اشتباه، ولكان معلومًا بالاضطرار، ولما قال أنس: لم يجهر بها، ﵇، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا قال عبد الله بن مغفل ذلك أيضًا، وسماه حدثًا، ولما استمر عمل أهل المدينة في محراب النبي، ﷺ، ومقامه على ترك الجهر يتوارثه آخرهم عن أولهم، وذلك جار عندهم مجرى الصاع والمد، بل أبلغ من ذلك؛ لاشتراك جميع المسلمين في الصلاة، ولان الصلاة تتكرر كل يوم وليلة، وكم من إنسان لا يحتاج إلى صاع ولا مد، ومن يحتاجه يمكث مدة لا يحتاج إليه، ولا يظن عاقل أن أكابر الصحابة والتابعين وأكثر أهل العلم كانوا يواظبون على خلاف ما كان رسول الله، ﷺ يفعله.
[ ١ / ١٨٣ ]