حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا مالك بن مِغْول، حدثنا طلحة بن مُصَرِّف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى النبي ﷺ؟ قال: لا. فقلْت: فكيف كتب على الناس الوصية، أمروا بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله، ﷿ (^٢٢٤).
وقد رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة، إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به (^٢٢٥)، وهذا نظير ما تقدم عن ابن عباس: "ما ترك إلا ما بين الدفتين"، وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية في أموالهم كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَينِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (^٢٢٦). وأما هو ﷺ فلم يترك شيئًا يورث عنه، وإنما ترك ماله صدقة جَارية من بعده، فلم يحتج إلى وصية في ذلك ولم يوصِ إلى خليفة يكون بعده على التنصيص؛ لأن الأمر كان ظاهرًا من إشارته وإيمائه إلى الصديق؛ ولهذا لما هم بالوصية إلى أبي بكر ثم عدل عن ذلك فقال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (^٢٢٧)، وكان كذلك، وإنما أوصى الناس باتباع كتاب الله تعالى.
من لم يتغنَّ بالقرآن وقول الله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ (^٢٢٨).
_________________
(١) -[الحديد: ٢٩، ٢٨].
(٢) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: فضل القرآن على سائر الكلام، برقم (٥٠٢٢).
(٣) - رواه البخاري في الوصايا، باب: الوصايا …، وفي المغازي، باب: مرض النبي، ﷺ، ووفاته برقم (٤٤٦٠، ٢٧٤٠)، ومسلم في الوصايا برقم ١٦ - (١٦٣٤)، والترمذي في الوصايا، باب: ما أن النبي، ﷺ، لم يوص برقم (٢١١٩)، والنسائي في الوصايا، باب: بل أوصى النبي، ﷺ (٦/ ٢٤٠)، وابن ماجة في الوصايا، باب: هل أوصى رسول الله، ﷺ برقم (٢٦٩٦).
(٤) -[البقرة: ١٨٠].
(٥) - رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٢١٧)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٣٨٧) من حديث عائشة، ﵂.
(٦) -[العنكبوت: ٥١].
[ ١ / ٨١ ]
حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، حدثنا عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، ﵁، أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ: "لم يأذن الله لشيء، ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن"، وقال صاحب له: يزيد يجهر به فرد من هذا الوجه.
ثم رواه عن علي بن عبد الله بن المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به (^٢٢٩).
قال سفيان: تفسيره: يستغني به، وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة (^٢٣٠)، ومعناه: أن الله ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك.
وهو، ﷾، يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم، كما قالت عائشة، ﵂: سبحان الله الذي وسع سمعه الأصوات (^٢٣١).
ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية (^٢٣٢)، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم، ومنهم من فسر الأذن هاهنا بالأمر، والأول أولى لقوله: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن" أي: يجهر به، والإذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (^٢٣٣) أي استمعت لربها وحقت أي: وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالإذن هاهنا هو الاستماع؛ ولهذا جاء في حديث روااه ابن ماجة بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ: "لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته" (^٢٣٤).
_________________
(١) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: من لم يتغن بالقرآن بقم (٥٠٢٣)، (٥٠٢٤).
(٢) - رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم ٢٣٢ - (٧٩٢)، والنسائي في كتاب الافتتاح، باب: تزيين القرآن بالصوت ١٠١٨ - (٢/ ١٨٠).
(٣) - رواه البخاري في صحيحه عقب حديث (٧٣٨٥) معلقًا، ورواه النسائي بلفظ: "الحمد لله … " في كتاب الطلاق، باب: الظهار ٣٤٦٠ - (٦/ ١٦٨)، وفي التفسير من الكبرى، وابن ماجه في المقدمة (١٨٨)، ورواه في الطلاق بلفظ: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، حديث (٢٠٦٣).
(٤) -[يونس: ٦١].
(٥) -[الانشقاق: ١ - ٥].
(٦) - رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في حسن الصوت بالقرآن برقم (١٣٤٠)، من طريق رائد بن سعيد الرملي، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثنا إسماعيل بن عبيد الله، =
[ ١ / ٨٢ ]
وقول سفيان بن عيينة: إن المراد بالتغني: يستغني به، فإن أراد: أنه يستغني به عن الدنيا، وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره، فخلاف الظاهر من مراد الحديث؛ لأنه قد فسره بعض رواته بالجهر، وهو تحسين القراءة والتحزين بها.
قال حرملة: سمعت ابن عيينة يقول: معناه: يستغني به، فقال لي الشافعي: ليس هو هكذا، ولو كان هكذا لكان يتغانى به، وإنما هو يتحزن ويترنم به، ثم قال حرملة: وسمعت ابن وهب يقول: يترنم به، وهكذا نقل المزني والربيع عن الشافعي، ﵀.
وعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢٣٥)، فيه نظر؛ لأن هذه الآية الكريمة ذكرَت ردًّا عَلي الذين سألوا عن آيات تدل عِلى صدقه، حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ الآية (^٢٣٦). ومعنى ذلك: أولم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (^٢٣٧) أي: وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين فأين هذا من التغني بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا، فعلى كل تقدير تصدير الباب بهذه الآية الكريمة فيه نظر.
_________________
(١) = عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة بن عبيد به. وقال البوصيري: (١/ ٤٣٦) هذا إسنادٌ حسن لقصور درجة ميسرة مولى فضالة، وراشد بن سعيد عن درجة أهل الحفظ والضبط، ورواه الإمام أحمد في مسنده ٢٤٠٥٥، ٢٤٠٦٥ - (٦/ ١٩، ٢٠)، ورواه ابن حبان في صحيحه (٦٥٩) عن عبد الله بن محمد بن سالم، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، عن الأوزاعي، به، ورواه الطبراني في الكبير ٧٧٢ - (١٨/ ٣٠١)، والحاكم في مستدركه (١/ ٥٧٠ - ٥٧١) إلا أنه أسقط من السند ميسرة مولى فضالة- وقال: صحيح على شرطهما. ا هـ. قال الذهبي: بل هو منقطع. ورواه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٣٠) من طريق محمد بن عقبة بن كثير، عن الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي فذكره. وميسرة مولى فضالة: ترجمه البخاري في التاريخ (٧/ ٣٧٥ - ٣٧٦) ولم وورد فيه جرحًا ولا تعديلًا، وتبعه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٣) ووثقه ابن حبان، ولكن في سماع إسماعيل منه نظر كما قال ابن حجر.
(٢) -[العنكبوت: ٥١].
(٣) -[العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
(٤) -[العنكبوت: ٤٨].
[ ١ / ٨٣ ]