قال الأوزاعي: إن كان تهيأ الفتح ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء؛ كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإِيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا، لا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا، وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك: حضرت عند [¬٢] مناهضة حصن تُسْتَر عند إضاءة الفجر، واشتدّ اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، قال أنس: ما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.
انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك [¬٣]، والله أعلم.
ولمن جنح إلى ذلك [له أن يحتج بصنيع] [¬٤] أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر [فإنه يشتهر] [¬٥] غالبًا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بيت الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم،
_________________
(١) - رواه الشافعي (١/ح ٥٥٣/ شفاء العي)، والنسائي، كتاب: الأذان، باب: الأذان للفائت من الصلوات (٢/ ١٧) ولم يروه من أصحاب السنن غيره!! - وأحمد (٣/ ٢٥، ٤٩، ٦٧) والطيالسي (٢٢٣١)، والدارمي (١٥٣٢)، وأبو يعلى (٢/ح ١٢٩٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١/ ٤٠٢، ٤٠٣) (٣/ ٢٥١) وصححه ابن خزيمة (٩٩٦)، وابن حبان (٧/ ٢٨٩٠) من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: "شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر، حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ فأمر رسول الله ﷺ بلالًا فأقام لصلاة الظهر، فصلاها كما كان يصليها في وقتها، ثم أذن للمغرب، فصلاها كما كان يصليها في وقتها".
(٢) - " فتح الباري" (٢/ ٤٣٤). [¬١]- في خ: "عليه". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "صنيع". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٤٩ ]
ولا أحد من الصحابة، والله أعلم.
قال هؤلاء: وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق؛ لأن غزوة [¬١] ذات الرقاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي، و[¬٢] ممن نص على ذلك محمد بن إسحاق وموسى بن عقبة، والواقدي، ومحمد بن سعد كاتبه وخليفة بن خياط، وغيرهم، وقال البخاري (٧٦٨) وغيره: كانت ذات الرقاع بعد الخندق، لحديث أبي موسى وما قدم إلا في خيبر [¬٣]، والله أعلم.
والعجب كل العجب أن المزني، وأبا يوسف القاضي، وإبراهيم بن إسماعيل بن علية ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره، ﵊، الصلاة يوم الخندق، وهذا غريب جدًّا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ أي: إذا صليت بهم إمامًا في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة، كما دل عليه الحديث - فرادي ورجالًا وركبانًا، مستقبلي القبلة: غير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد. وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما [¬٤] ساغ [¬٥] ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبيِّ، ﷺ، لقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة [¬٦]- فإنه استدلال ضعيف، ووود عليه مثل قول مانعي [¬٧] الزكاة، الذين احتجوا بقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالوا: فنحن لا ندفع زكاتنا [بعد رسول الله] [¬٨]، ﷺ، إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا [¬٩] على من نراه، ولا ندفعها [إِلا] [¬١٠]، إلى من صلاته - أي: دعاؤه - سكن لنا، ومع هذا ردّ عليهم الصحابة، وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء
_________________
(١) = (٧٦٨) - انظر صحيح البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة ذات الرقاع (٧/ ٤١٦). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢] سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "خبر". [¬٤]- في خ: "ما". [¬٥]- في ز، خ: "شاع". [¬٦]- في ز: "الصيغة". [¬٧]- في ز: "مانع". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: "بعده". [¬٩]- في ز: "من أيدينا". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من "ش".
[ ٤ / ٢٥٠ ]
الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم.
ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولًا قبل ذكر صفتها: قال ابن جرير (^٧٦٩): حدثنا ابن [¬١] المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف، عن أبي روق، عن أبي أيوب، عن علي، ﵁، قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله، ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا رسول الله، ﷺ، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم [¬٢] عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها، قال: فأنزل الله، ﷿، بين الصلاتين: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيتين، فنزلت صلاة الخوف.
وهذا سياق غريب جدًّا، ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزرقي، واسمه زيد بن الصامت ﵁[] [¬٣]، قال [¬٤] الإِمام أحمد (^٧٧٠):
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقي [¬٥] قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٣١٤) وأورده السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٢٧٣) ولم يعزه لغير ابن جرير، قال الشيخ الأديب محمود شاكر فى حاشيته على تفسير ابن جرير، "فى تفسير ابن كثير قال ابن جرير: حدثنى ابن المثنى، حدثنا إسحاق … " مخالفًا ما فى المطبوعة والمخطوطة فجعله "ابن المثنى" يعنى "محمد بن المثنى" والطبرى يروى عنهما جميعًا، عن "المثنى بن إبراهيم" وعن "محمد بن المثنى" ولكنى أرجح أن الصواب ما فى المطبوعة، لكثرة رواية المثنى عن إسحاق بن الحجاج الطاحونى .. ": وإسناده ضعيف وعلته، سيف هذا .. وهو ابن عمر التميمى - قال ابن حجر فى "التقريب": "ضعيف الحديث عمدة فى التاريخ، أفحش ابن حبان القول فيه".
(٢) - " المسند" (٤/ ٥٩)، والحديث فى "المصنف" لعبد الرزاق (٢/ ٤٢٣٧) ومن طريقه أيضًا الدارقطني فى "السنن" (٢/ ٥٩، ٦٠)، رواه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (٥/ ٥١٣٢) ورواه أحمد (٤/ ٦٠) من طريق مؤمل، وابن أبى حاتم (٤/ ٥٨٩٩، ٥٩٠١) من طريق أبى إسحاق الفزارى محمد ابن شعيب والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١/ ٣١٨) من طريق قبيصة، وابن أبى شيبة فى= [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- فى ز: "اشتديتم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: "عند الإمام أحمد وأهل السنن". [¬٤]- فى خ: "فقال". [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٢٥١ ]
خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلى بنا النبي، ﷺ، الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾، قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله، ﷺ، فأخذوا السلاح، قال [¬١]: فصفنا خلفه صفين، قال: [] [¬٢] ثم ركع، فركعنا جميعًا، ثم رفع فرفعنا جميعًا، ثم سجد النبي، ﷺ، بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم
_________________
(١) = "المصنف" (٢/ ٣٥٠) ومن طريقه ابن حبان (٧/ ٢٨٧٥/ إحسان) ثنا وكيع أربعتهم (مؤمل وأبو إسحاق وقبيصة ووكيع) ثنا سفيان به. ورواه الطيالسى فى "مسنده" (١٣٤٧) - ومن طريقه الطبرانى (٥/ ٥١٣٨) والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٣/ ٢٥٤، ٢٥٥) ثنا ورقاء رواه سعيد بن منصور ومن طريقه أبو داود (١٢٣٦) والدارقطنى (٣/ ٦٠) والطبرانى (٥/ ٥١٤٠) والحا كم فى "المستدرك" (١/ ٣٣٧، ٣٣٨)، والبيهقى (٣/ ٢٥٦، ٣٥٧) - ورواه البيهقى أيضًا من طريق يحيى بن يحيى، وعلقه من طريق قتيبة بن سعيد، ورواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٣٢٣) ثنا ابن حميد وابن حبان (٧/ ٢٨٧٦) نا أبو يعلى ثنا أبو خيثمة والدارقطنى (٢/ ٦٠) من طريق سعيد بن سليمان، ويوسف بن موسى سبعتهم (سعيد ويحيى وقتيبة وابن حميد وأبو خيثمة وابن سليمان ويوسف) ثنا جرير بن عبد الحميد، ورواه أحمد (٤/ ٩٠) ومن طريقه الطبرانى (٥/ ٥١٣٤) وابن أبى شيبة فى "مسنده" (٢/ ٨١٥) وفى "المصنف" (٢/ ٣٥١) ومن طريقه ابن أبى عاصم فى "الآحاد والمثانى" (٤/ ٢١٧٩) والطبرانى (٥/ ٥١٣٤) والنسائى (٣/ ١٧٦) من طريق محمد بن المثنى ومحمد بن بشار أربعتهم (أحمد وابن أبى شيبة والمحمدان) ثنا محمد ابن جعفر ثنا شعبة، ورواه النسائى أيضًا (٣/ ١٧٧) وابن جرير (٩/ ١٠٣٧٨) من طريق عبد العزيز ابن عبد الصمد، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٣٢٤) من طريق شيبان النحوى وإسرائيل والطبرانى (٥/ ٥١٣٣، ٥١٣٥، ٥١٣٦، ٥١٣٧، ٥١٣٩) من طريق زائدة بن قدامة، وداود بن عيسى الكوفى وعلى بن صالح وجعفر بن الحارث وإسرائيل. عشرتهم (ورقاء وجرير وشعبة وعبد العزيز وشيبان وإسرائيل وزائدة وداود وعلي وجعفر) ثنا منصور بن المعتمر به. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبى، مع أن أبا عياش الزرقى لم يخرجا له شيئًا!! فإسناده صحيح فحسب كما قال المصنف هنا وكذا صححه الدارقطنى، وقال ابن حجر فى "الإصابة" (٤/ ١٤٣): سنده جيد وقال البيهقى أيضًا: "إسناده صحيح، وقد رواه قتيبة بن سعيد عن جرير فذكر فيه سماع مجاهد من أبى عياش زيد بن الصامت الزرقى وكذا ذكر سماعه فى رواية أبى خيثمة عن جرير عند ابن حبان، وقد بوب لهذا الحديث بقوله: "ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن مجاهدًا لم يسمع هذا، الخبر من أبى عياش، ولا لأبى عياش الزرقى صحبة فيما زعم". والحديث أورده السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٣٧٤، ٣٧٥) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "نعم".
[ ٤ / ٢٥٢ ]
تقدم [¬١] هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، و[¬٢] هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعًا، ثم رفع فرفعوا جميعًا، ثم سجد رسول الله، ﷺ، والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلم عليهم، ثم انصرف. قال: فصلاها رسول الله، ﷺ، مرتين: مرة بعُسْفان، ومرة بأرض بني سليم.
ثم رواه أحمد عن غندر، عن شعبة، عن منصور، به نحوه، وهكذا رواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن جرير بن عبد الحميد، والنسائي من حديث شعبة وعبد العزيز بن عبد الصمد، كلهم عن منصور، به.
وهذا إسناد صحيح وله شواهد كثيرة، فمن ذلك ما رواه البخاري حيث قال (^٧٧١): حدثنا حيوة بن شريح، حدثنا محمد بن حرب، عن الزبيدي، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة، عن ابن عباس، ﵄، قال: قام النبي، ﷺ، وقام الناس معه، فكبر وكبروا معه، وركع وركع ناس منهم ثم سجد و[¬٣] سجدوا معه، ثم [قام للثانية] [¬٤]، فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم، وأتت الطائفة الأخرى، فركعوا وسجدوا معه، والناس كلهم في الصلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضًا.
وقال ابن جرير (^٧٧٢): حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن سليمان [¬٥] [بن قيس] [¬٦] اليشكري: أنه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصلاة، أي يوم أنزل؟ أو أي يوم هو؟ فقال جابر: انطلقنا [نتلقي] [¬٧] عير قريش آتية من الشام، حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله، ﷺ، فقال: يا محمد، قال: نعم. قال: هل تخافني؟ قال: "لا" قال: فما يمنعك مني؟ قال: " الله يمنعني منك "
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الخوف، باب: يَحرُسُ بعضهم بعضًا فى صلاة الخوف (٩٤٤) ورواه النسائى، كتاب: صلاة الخوف (٣/ ١٦٩) أخبرنى عمرو بن عثمان عن محمد به.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٣٢٥)، ورجاله ثقات غير أن فيه انقطاعًا، فقد نفى أبو عبد الله البخارى، وأبو زكريا يحيى بن معين سماع قتادة من سليمان اليشكرى، فقال البخارى: "يقال: إنه مات فى حياة جابر بن عبد الله، ولم يسمع منه قتادة، ولا أبو بشر، ولا يعرف لأحدٍ منهم سماعًا منه، إلا أن يكون عمرو بن دينار سمع منه فى حياة جابر" وانظر ما بعده. [¬١]- في ز: "تقدموا". [¬٢]- في ت: "وجاء". [¬٣]- في ت: "ثم". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "الثانية". [¬٥]- في خ: "سلمان". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ت: "نلتقي".
[ ٤ / ٢٥٣ ]
قال: فسل السيف ثم تهدّده وأوعده، ثم نادى بالترحل، وأخذ السلاح ثم نودي بالصلاة، فصلى رسول الله، ﷺ، بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرسهم، فصلى بالذت يلونه ركعتين، ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم، فقاموا في مصاف أصحابهم، ثم جاء الآخرون فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم ثم سلم، فكانت للنبي، ﷺ، أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين. فيومئذ انزل الله في إقصار الصلاة، وأمر المؤمنين بأخذ السلاح.
وقال الإمام أحمد (^٧٧٣): حدثنا سُريج، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس - هو [¬١] اليشكري - عن جابر بن عبد الله؛ قال: قاتل رسول الله، ﷺ، محارب خصَفَة [¬٢]، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث، حتى قام على رسول الله، ﷺ، بالسيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: " الله " فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله، ﷺ، فقال: "ومن يمنعك مني؟ " قال: كن خيرَ آخذ، قال: " أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ " قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك [¬٣] فخلى سبيله، [فأتى قومه] [¬٤] فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة صلى رسول الله، ﷺ، صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء العدوّ، وطائفة صلوا مع رسول الله، ﷺ، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين، وانصرفوا فكانوا مكان [¬٥] أولئك [¬٦] الذين [كانوا] [¬٧] بإزاء عدوهم [¬٨]، وانصرف الذين كانوا [¬٩] بإزاء عدوهم، فصلوا مع رسول الله، ﷺ، ركعتين، فكان
_________________
(١) - " المسند" (٣/ ٣٩٠)، ورواه أيضًا (٣/ ٣٦٤، ٣٦٥) ثنا عفان، وعبد بن حميد فى "المنتخب" (١٠٩٦) من طريق أبى الوليد، وأبو يعلى فى "مسنده" (٣/ ١٧٧٨) ثنا شيبان، والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١/ ٣١٥) من طريق محمد بن عبد الملك أربعتهم (عفان وأبى الوليد وشيبان ومحمد) ثنا أبو عوانة به. وعلقه البخارى فى صحيحه - كتاب: المغازى، باب: غزوة ذات الرقاع (٤١٣٦) مختصرًا فقال: "وقال مسدَّد عن أبى عوانة عن أبى بشر: اسم الرجل غَورَثُ بن الحارث، وقاتل فيها محارب خَصَفة". وقال الحافظ فى "الفتح" (٧/ ٤٢٨): "هكذا أورده مختصرًا من= [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- في ز، خ: "حفصة". [¬٣]- في خ: "أولئك". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٥]- في خ: "بمكان". [¬٦]- في ت: "الطائفة". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من ز. [¬٨]- فى ت: "العدو". [¬٩]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٥٤ ]
لرسول الله، ﷺ، أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين.
تفرد به [¬١] من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٧٤): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو قطن عمرو بن الهيثم، حدثنا المسعودي، عن يزيد الفقير، قال: سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما؟ فقال [¬٢]: الركعتان في السفر تمام، إنما القصر واحدة عند القتال، بينما نحن مع رسول الله، ﷺ، في قتال إذ [¬٣] أقيمت الصلاة، فقام رسول الله، ﷺ، فصف طائفة [¬٤]، وطائفة وجهها قِبَلَ العدو، فصلى بهم ركعة، وسجد بهم سجدتين، ثم الذين خلفوا انطلقوا إلى أولئك، فقاموا مقامهم ومكانهم نحو ذا، وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله، ﷺ، فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين، ثم إن رسول الله ﷺ، جلس وسلم، وسلم الذين خلفه، وسلم أولئك فكانت لرسول الله، ﷺ، ركعتين، وللقوم ركعة ركعة [¬٥]، ثم قرأ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية.
_________________
(١) = الإسناد ومن المتن، فأما الإسناد، فأبو عوانة هو الوضاح البصرى، وأما أبو بشر فهو جعفر بن أبى وحشية، وبقية الاسناد ظاهر فيما أخرجه مسدد فى مسنده رواية معاذ بن المثنى عنه - ومن طريقه رواه فى "تغليق التعليق" (٤/ ١٢١) - وكذلك أخرجها إبراهيم الحربى فى كتاب "غريب الحديث" له عن مسدد عن أبى عوانة عن أبى بشر عن سليمان بن قيس عن جابر، وأما المتن فتمامه … " وعلق رواية سليمان اليشكرى أبو داود (١٢٤٨) والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٣/ ٢٥٩) وأورده من هذا الوجه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٧٥) ولم يعزه لغير عبد بن حميد وابن جرير، ورواه مسلم بنحوه (٣١١) (٨٤٣) من طريق أبان بن يزيد ثنا يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر. وانظر ما قبله.
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٥٨٩٨) وهذا إسناد حسن، والمسعودى - واسمه عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ﵁ مختلط، لكن سماع أبو قطن منه قديم - كما فى "الكواكب النيرات" لابن الكيال (ص ٢٩٤) - وقد رواه عنه أيضًا أبو داود الطيالسى فى "مسنده" (١٧٨٩) - ومن طريقه الطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١/ ٣١٠) والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٣/ ٢٦٣) وابن حزم فى "المحلى" (٥/ ٣٥) معلقًا - ورواه النسائى (٣/ ١٧٥) وابن خزيمة (٣/ ١٣٦٤) من طريق يزيد بن زريع، وابن أبى شيبة (٢/ ٣٥٠) ثنا وكيع، وروايته مختصرة جدًّا، والبيهقى (٣/ ٢٦٣) من طريق جعفر بن عون ثلاثتهم (أبو داود ويزيد وجعفر) عن المسعودى به، وانظر ما بعده. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "قال". [¬٣]- في ز: "إذا". [¬٤]- في خ: "بطائفة". [¬٥]- سقط من: ت.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
وقال الإِمام أحمد (^٧٧٥): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن يزيد الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله، ﵌، صلى بهم صلاة الخوف، فقام صف بين يديه، وصف خلفه، فصلى [بالذي خلفه] [¬١] ركعة وسجدتين، ثم تقدم هؤلاء حتى قاموا في مقام أصحابهم، وجاء أولئك حتى قاموا في [¬٢] مقام هؤلاء، فصلى بهم رسول الله، ﵌، ركعة وسجدتين، ثم سلم، فكانت للنبي، ﵌، ركعتين ولهم ركعة. ورواه النسائي من حديث شعبة، ولهذا الحديث طرق عن جابر، وهو في صحيح مسلم (^٧٧٦) من وجه آخر بلفظ آخر، وقد رواه عن جابر جماعة (^٧٧٧) كثيرون في الصحيح والسنن والمسانيد [¬٣].
وقال ابن أبي حاتم (^٧٧٨): حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ قال هي صلاة الخوف، صلى رسول الله، ﷺ، بإحدى الطائفتين ركعة، وللطائفة الأخرى مقبلة على العدو، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو؛ فصلى بهم رسول الله، ﷺ، ركعة أخرى، ثم سلم بهم، ثم قامت كل طائفة منهم فصلت ركعة ركعة. [وقد روى هذا الحديث] [¬٤]
_________________
(١) - " المسند" (٣/ ٢٩٨) وهذا إسناد صحيح، وقد رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (٢/ ٣٤٩) ومن طريقه ابن حبان فى "صحيحه" (٧/ ٢٨٦٩/ إحسان) - وابن خزيمة فى "صحيحه" (٢/ ١٣٤٧)، وابن جرير (٩/ ١٠٣٤٠) من طريق أبى موسى العنزى محمد بن المثنى كلاهما (ابن أبى شيبة وأبو موسى) ثنا محمد بن جعفر به. ورواه النسائى (٣/ ١٧٤) من طريق حجاج بن محمد، وابن خزيمة (١٣٤٧) من طريق محمد بن بكر (١٣٤٨) من طريق روح ثلاثتهم (حجاج ومحمد وروح) ثنا شعبة به. ورواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (٢/ ٣٥٠) وابن خزيمة أيضًا (١٣٤٨) من طريق مسعر بن كدام عن يزيد به مختصرًا.
(٢) - رواه مسلم فى صحيحه، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف (٣٠٧) (٨٤٠) من طريق عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن جابر بن عبد الله ومن طريق - (٣٠٨) - أبى الزبير عن جابر .. ومن هذا الوجه علقه البخارى فى المغازى (٤١٣٠).
(٣) - منهم غير ما ذكر، الحسن البصرى كما عند النسائى (٣/ ١٧٨، ١٧٩) - وشرحبيل أبى سعد عند ابن خزيمة (٢/ ١٣٥١).
(٤) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٠٠) وإسناده صحيح، وانظر ما بعده. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- فى ز: "والمساند". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "هذا الحديث".
[ ٤ / ٢٥٦ ]
الجماعة في كتبهم من طريق معمر به (^٧٧٩)، ولهذا الحديث طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة. وقد أجاد الحافظ أبو بكر بن مردويه في سرد طرقه وألفاظه، وكذا ابن جرير ولنحرره في كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء الله، وبه الثقة.
وأما الأمر بحمل السلاح في صلاة الخوف، فمحمول عند طائفة من العلماء على الوجوب لظاهر الآية، وهو أحد قولى الشافعي، ويدل عليه [قول الله تعالى] [¬١]: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي: بحيث تكونون على أهبة؛ إذا احتجتم إليها لبستموها بلا كلفة، ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾
يأمر الله تعالى بكثرة الذكر عَقِيبَ صلاة الخوف؛ إن كان مشروعًا مرغبًا فيه أيضًا بعد غيرها؛ ولكن هاهنا آكد لا وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب وغير ذلك مما ليس يوجد في غيرها، [كما قال تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ وإن كان هذا منهيًّا عنه في غيرها] [¬٢]، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمتها [¬٣]، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: المغازى، باب: غزوة ذات الرقاع (٤١٣٣)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة الخوف (٣٠٥) (٨٣٩)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يصلى بكل طائفة ركعة (١٢٤٣)، والترمذى، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فى صلاة الخوف (٥٦٤)، والنسائى، كتاب: صلاة الخوف (٣/ ١٧١)، أحمد (٢/ ١٤٧) ولم يروه ابن ماجه - من طريق معمر، ورواه البخارى، فاتحة كتاب صلاة الخوف (٩٤٢)، وكتاب: المغازى (٤١٣٢) والنسائى (٣/ ١٧١)، وأحمد (٢/ ١٥٠) من طريق شعيب بن أبى حمزة، ومسلم من طريق فليح بن سليمان، وأحمد (٢/ ١٥٠) من طريق ابن جريج أربعتهم (معمر وشعيب وفليح وابن جريج) عن الزهرى به. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "قوله". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "وعظمها".
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ أي: في سائر أحوالكم [¬١].
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فإذا أمنتم وذهب الخوف، وحصلت الطمأنينة ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: فأتموها، وأقيموها كما أمرتم بحدودها، وخشوعها، وركوعها وسجودها، وجميع شئونها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن عباس: أي: مفروضًا، [وقال أيضًا: إن للصلاة وقتًا كوقت الحج] [¬٢]، وكذا روي عن مجاهد وسالم ابن عبد الله، وعلى بن الحسين، ومحمد بن علي، والحسن، ومقاتل والسدي وعطية العوفي.
قال عبد الرزاق (^٧٨٠)، عن معمر، عن قتادة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتًا [¬٣] كوقت الحج.
وقال زيد بن أسلم: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ فال: منجمًا كلما مضى نجم جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ﴾ أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جدوا فيهم، وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد، ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، [كما وعدكم إياه في كتابه، وعلى لسان رسوله وهو وعد حق، وخبر صدق] [¬٤]، وهم لا يرجون شيئًا من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشدّ رغبة [فيه، و] [¬٥] في إقامة كلمة الله وإعلائها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هو أعلم وأحكم فيما يقدره ويقضيه وينفذه ويمضيه من
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٢)، ومن طريقه رواه ابن جرير (٩/ ١٠٣٩٧) وابن أبى حاتم (٤/ ٥٩١٨)، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٨٠) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر. [¬١]- في ز، خ: "أحوالهم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- فى ز: "وقت". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٥٨ ]
أحكامه الكونية والشرعية، وهو المحمود على كل حال.
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩)﴾
يقول تعالى مخاطبًا لرسوله محمد، ﷺ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي: هو حق من الله، وهو يتضمن الحق فى خبره وطلبه.
وقوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ احتج به من ذهب من علماء الأصول إلى أنه كان ﵇ له أن يحكم بالاجتهاد بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين (^٧٨١) من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة أن رسول الله، ﷺ، سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: "ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له؛ فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من نار [¬١]، فليحملها أو ليذرها".
وقال الإِمام أحمد (^٧٨٢): حدثنا وكيع، حدثنا أسامة بن زيد، عن عبد الله بن رافع، عن أم
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الشهادات، باب: من أقام البينة بعد اليمين (٢٦٨٠) - وانظره بأطرافه عند رقم (٢٤٥٨)، ومسلم، كتاب: الأقضية، باب: الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (١٧١٣) وكذا رواه أحمد (٦/ ٢٠٣، ٢٩٠، ٣٠٧)، وأبو داود (٣٣٨٣)، والترمذى (١٣٣٩)، والنسائى (٨/ ٢٣٣)، وابن ماجه (٢٣١٧) من طريق هشام به، ورواه البخارى ومسلم أيضًا من طريق ابن شهاب الزهرى عن عروة به.
(٢) - " المسند" (٦/ ٣٢٠)، ورواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (٥/ ٣٥٦)، وإسحاق ابن راهويه فى "مسنده" (٤/ ح ١٨٢٣) وابن الجارود فى "المنتقى" (١٠٠٠) والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (٤/ ١٥٤، ١٥٥)، والطبرانى فى "المعجم الكبير" (٢٣/ ٦٦٣) من طريق وكيع به، ورواه أبو داود= [¬١]- في خ: "النار".
[ ٤ / ٢٥٩ ]
سلمة قالت: جاء رجلان من الأنصار، يختصمان إلى رسول الله، ﷺ [في مواريث بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما بينة] [¬١]، فقال [رسول الله، ﷺ] [¬٢]: "إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى بينكم على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطامًا [¬٣] في عنقه يوم القيامة". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله ﷺ: "أما إذ [¬٤] قلتما فاذهبا فاقتسما [¬٥]، ثم توخيا الحق، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه".
وقد رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد، به. وزاد: "إني إنما أقضي بينكما برأي، فيما لم ينزل على فيه".
_________________
(١) = كتاب: الأقضية، باب: فى قضاء القاضى إذا أخطأ (٣٥٨٤) والحاكم فى "المستدرك" (٤/ ٩٥) من طريق عبد الله بن المبارك، وأبو داود أيضًا (٣٥٨٥) وأبو يعلى (١٢/ ٦٨٩٧)، والدارقطنى (٤/ ٢٣٨، ٢٣٩) والبغوى فى "شرح السنة" (١٠/ ٢٥٠٨) من طريق صفوان بن عيسى، وأبو يعلى أيضًا (١٢/ ٧٠٢٧) والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٦/ ٦٦) من طريق زيد بن الحباب، والبيهقى (١٠/ ٢٦٠) من طريق جعفر بن عون، والطحاوى (٤/ ١٥٥) والدارقطنى (٤/ ٢٣٩) من طريق عثمان بن عمر، والطحاوى أيضًا من طريق عبد الله بن نافع الصائغ، والدارقطنى من طريق روح بن القاسم، والحاكم من طريق الفضل بن سليمان. ثمانيتهم (عبد الله وصفوان وزيد وجعفر وعثمان والصائغ، وروح والفضل) ثنا أسامة به. وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبى، وأقرهما أبو عبد الرحمن الألبانى فى "الإرواء" (٥/ ١٤٢٣) فقال: "وهو كما قالا، غير أن أسامة بن زيد، وهو الليثى أبو زيد المدنى فى حفظه ضعف يسير، فحديثه حسن" إلا أنه توقف فيه فى "الصحيحة" (١/ ح ٤٥٥/ ص ٧٣٩) فقال: "أسامة هذا هو الليثى لا العدوى، فالإسناد صحيح على شرط مسلم، إن كان العدوى - كذا فى الأصل، وصوابه الليثى كما هو من مفهوم كلامه - قد حفظ، فإن فى حفظه شيئًا، وقد قال فى "التقريب": "صدوق يهم" وأنت ترى أنه قد جاء بزيادات لم ترد فى شيء من روايات الثقات، وذلك مما يجعلنا نتوقف عن الاحتجاج بما تفرد به" لا سيما وقد خالفه هشام بن عروة وابن شهاب الزهرى فى الإسناد والمتن، وقد أشار لهذة العلة أبو الحسن الدارقطنى، فأخرج رواية هشام والزهرى، عقب هذه الرواية والله أعلم. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- الإسطام - وفى رواية: سطام -: هو الحديدة التي تحرك بها النار وتُسعر، أي: أقطع له ما يسعر به النار على نفسه ويشعلها. قال الأزهري: لا أدري أهى عربية أم عجمية عربت. [¬٤]- في خ: "إذا". [¬٥]- في ز، خ: "فاقسما".
[ ٤ / ٢٦٠ ]
وقد روى ابن مردويه (^٧٨٣) من طريق العوفي، عن ابن عباس قال: إن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله، ﷺ، في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فاظُّنَّ [¬١] بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله، ﷺ، فقال: إن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده، فانطقوا إلى نبي الله، ﷺ، ليلًا فقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء، وإن صاحب الدرع فلان، وقد أحطنا بذلك علمًا، فاعذر صاحبنا على رءوس الناس وجادل عنه، فإنه [إلا] [¬٢] يعصمه [¬٣] الله بك يهلك، فقام رسول الله ﷺ فبرأه وعذره على رءوس الناس، فأنزل [¬٤] الله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا﴾. ثم قال تعالى للذين أتوا رسول الله، ﷺ، مستخفين بالكذب: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ الآيتين. يعني الذين أتوا رسول الله، ﷺ، مستخفين يجادلون عن الخائنين، ثم قال ﷿: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، يعني الذين أتوا رسول الله ﷺ مستخفين بالكذب، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يعني السارق والذين جادلوا عن السارق. وهذا سياق غريب، وكذا ذكر مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم في هذه الآية، أنها [¬٥] أنزلت [¬٦] في سارق بني أبيرق على اختلاف سياقاتهم، وهي متقاربة.
وقد روى هذه القصة [¬٧] محمد بن إسحاق مطولة، فقال أبو عيسى الترمذي عند تفسير هذه الآية من جامعه وابن جرير في تفسيره (^٧٨٤):
_________________
(١) - وكذا رواه ابن جرير (٩/ ١٠٤١٣) وابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٤٣) من طريق العوفى به. وعطية العوفى ضعيف، والخبر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٨٤) ولم يعزه لغير ابن جرير وابن أبي حاتم.
(٢) - رواه أبو عيسى الترمذى فى "الجامع" (٣٠٣٦): وابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٤١١) وكذا = [¬١]- أي: اتُّهِمَ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "لا". [¬٣]- في خ: "لا يعصمه". [¬٤]- في ز: "وأنزل". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "نزلت". [¬٧]- في ز: "الصفة".
[ ٤ / ٢٦١ ]
حدثنا الحسن بن أحمد بن أبي شعيب أبو مسلم الحرّاني، حدثنا محمد بن سلمة الحراني، حدثنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، ﵁، قال: كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق بشر، وبشير، ومبشر، وكان بشير رجلًا منافقًا [فكان] [¬١] يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله ﷺ، ثم ينحله بعض العرب، ثم يقول: قال فلان كذا وكذا، و[¬٢] قال فلان كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله، ﷺ، ذلك [¬٣] الشعر [¬٤] قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، [فقال:
أَوَ كلَّما قال الرجال قصيدة … أَضِموا وقالوا: ابن الأبيرقِ قالها] [¬٥]
قالوا: وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة [¬٦] [¬٧] من الشام من الدّرْمَك [¬٨]
_________________
(١) = رواه من طريق الحسن بن أحمد ابن المنذر وأبو الشيخ فى تفسيريهما كما قال المصنف وعزاه لهما أيضًا السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٨٢) ورواه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (١٩ ح ١٥) ومن طريقه المزى فى "تهذيب الكمال" (٢١/ ٤٨٣) - ثنا أبو شعيب عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبى شعيب حدثنى أبى به. ورواه الخطيب البغدادى فى "التاريخ" (٧/ ٢٦٦) من طريق عبد الله بن الحسن به. غير أنه قال: حدثنى جدى وأبى جميعًا قالا: حدثنا محمد بن سلمة به، وفيه قال أبو شعيب، قال لى أبى: سمعه منى يحيى بن معين ببغداد فى مسجد الجامع وأحمد بن حنبل وعلى بن المدينى واسحاق بن أبي إسرائيل. ورواه ابن أبى عاصم فى "الآحاد والمثانى" (٤/ ١٩٥٨)، وابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٣٣) كلاهما حدثنا هاشم بن القاسم الحرانى ثنا محمد بن سلمة به. قال أبو عيسى: "هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير محمد بن سلمة الحرانى، وروى يونس بن بكير وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة مرسل لم يذكروا فيه عن أبيه عن جدّه وقتادة هو أخو أبى سعيد الخدرى لأمه، وأبو سعيد الخدرى، سعد بن مالك". كذا قال الترمذى: "لم يسنده غير محمد بن سلمة"!! وقد رواه الحاكم فى "المستدرك" (٤/ ٣٨٥، ٣٨٦) ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "أو كما قال الرجل، وقالوا ابن الأبيرق قالها" وهو تخليط وتحريف لا معنى له. وما أثبتناه من تفسير الطبري، وهو الصواب إن شاء الله. [¬٦]- في ز: "صافطة". [¬٧]- الضافط: الذي يجلب الميرة والمتاع إلى المدن، وكانوا يومئذٍ قومًا من الأنباط يحملون إلى المدينة الدقيق والزيت. [¬٨]- الدرمك: الدقيق النقي الأبيض.
[ ٤ / ٢٦٢ ]
ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأمّا العيال فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة [¬١] من الشام، فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملًا من الدرمك، فحطه، في مشرُبة له، وفي المشربة سلاح: درع وسيف فعدي عليه من تحت البيت، فنُقبت الشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال: يا ابن أخي؛ إنه قد عُدى علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال: فتجسسنا في الدار وسألنا، فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم.
قال: [وكان بنو] [¬٢] أبيرق قالوا - و[¬٣] نحن نسأل في الدار -: والله، ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل - رجلًا منا له صلاح وإسلام. فلما سمع لبيد اخترط سيفه، وقال: أنا أسرق؟! والله ليخالطنكم هذا السيف، أو لتبينن [¬٤] هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل، فما أنت بصاحبها. فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها.
فقال لي عمي: يا ابن أخي، لو أتيت رسول الله، ﷺ، فذكرت ذلك له، قال قتادة: فأتيت رسول الله، ﷺ، فقلت: إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأمّا الطمام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي، ﷺ: "سآمر في ذلك".
فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلًا منهم يقال له: أسيد بن عمرو فكلموه في ذلك، فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول الله، ﷺ: إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا، أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت، قال قتادة: فأتيت النبي، ﷺ، فكلمته فقال: "عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثَبَتٍ [¬٥] ولا [¬٦] بينة؟ ".
_________________
(١) = ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير حدثنى محمد بن إسحاق حدثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن جده قتادة، فذكره موصولًا، وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه" وسكت عنه الذهبى فأجاد، فإن عمر بن قتادة لم يخرج له غير الترمذى، وقال عنه ابن حجر فى "التقريب": "مقبول" يعنى إذا توبع، وهو لم يتابع هنا، فالإسناد ضعيف، والله أعلم. [¬١]- في ز: "صافطة". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "وكانوا بني". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "لتتبين". [¬٥]- الثبت؛ الحجة والبرهان. [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
قال: فرجعت، ولوددت أني خرجت من بعض مالي، ولم أكلم رسول الله، ﷺ، في ذلك، فأتاني عمي رفاعة [¬١] فقال: يا أبن أخى، ما صنعت؟ فأخبرته بما قال لي [¬٢] رسول الله، ﷺ، فقال: الله المستعان، فلم نلبث أن نزل القرآن ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ يعني [¬٣]: بني أبيرق ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أي [¬٤]: مما قلت لقتادة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿رَحِيمًا﴾ أي: لو استغفروا الله لغفر لهم ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ قولهم للبيد ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
فلما نزل القرآن أتى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، بالسلاح فردّه إلى رفاعة.
قال قتادة: لما أتيت عمي بالسلاح، وكان شيخًا قد عشا أو عسا [¬٥]- الشك من أبي عيسى (*) - في الجاهلية، وكنت أرى إسلامه مدخولًا، فلما أتيته بالسلاح قال: يا ابن أخي، هو [¬٦] في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحًا، فلما نزل القرآن لحق بشير بالمشركين، فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ فلما نزل على سلافة [بنت سعد] [¬٧] رماها حسان بن ثابت، [بأبيات من] [¬٨] شعر [¬٩] فأخذت رحله فوضعته [¬١٠] على رأسها، ثم خرجت به فرمته [¬١١] في الأبطح، ثم قالت: أهديت لي شعر حسان، ما كنت تأتيني بخير. لفظ الترمذي.
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- عسا (بالسين المهملة): أي كير وأسنَّ، من عسا القضيب إذا يبس، وبالمعجمة: أي: قلَّ بصره وضعف. [¬٦]- في ز: "هي". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: "في"، وسقط من: خ. [¬٩]- في خ: "بشعر". [¬١٠]- في ز: "وضعته". [¬١١]- في ز: "فرمت به".
[ ٤ / ٢٦٤ ]
ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعلم أحدًا أسنده غير [¬١] محمد بن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير وغير واحد، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر ابن قتادة مرسلًا لم يذكروا فيه عن أبيه عن جدّه.
ورواه ابن أبي حاتم، عن هاشم بن القاسم الحراني، عن محمد بن سلمة، به ببعضه.
ورواه ابن المنذر في تفسيره، حدثنا محمد بن إسماعيل - يعني الصائغ - حدثنا [الحسن ابن] [¬٢] أحمد بن ابي شعيب الحراني [¬٣]، حدثنا محمد بن سلمة … فذكره بطوله.
ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في تفسيره عن محمد بن العباس بن أيوب، والحسن بن يعقوب، كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحراني، عن محمد بن سلمة، به [¬٤]. ثم قال في آخره: قال محمد بن سلمة: سمع مني هذا الحديث يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق ابن إسرائيل.
وقد روى هذا الحديث الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، في كتابه "المستدرك" عن أبي العباس الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق بمعناه - أتم منه، وفيه الشعر، ثم قال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس؛ لئلا ينكروا [¬٥] عليهم ويجاهرون الله بها؛ لأنه مطلع على سرائرهم، وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا﴾ تهديد لهم ووعيد.
ثم قال تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾. أي: هب أن هؤلاء انتصروا في الدنيا بما أبدوه أو أبدى لهم عند الحكام الذين يحكمون [¬٦] بالظاهر وهم متعبدون [¬٧] بذلك، فماذا يكون صنيعهم يوم
_________________
(١) [¬١]- في ز: "عن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "الحياني". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: "ينكرون". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في ز، خ: "معبدون".
[ ٤ / ٢٦٥ ]
القيامة بين يدي الله تعالى الذي يعلم السر وأخفى، ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ [يوم القيامة] [¬١] في ترويج دعواهم. أي: لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلًا، ولهذا قال: ﴿أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾؟.
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾
يخبر تعالى عن كرمه وجوده أن كل من تاب إليه تاب عليه من أي ذنب كان، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إنه قال في هذه الآية: أخبر الله عباده بعفوه، وحلمه، وكرمه، وسعة رحمته، ومغفرته، فمن أذنب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال. رواه ابن جرير (^٧٨٥).
وقال ابن جرير أيضًا (^٧٨٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن عاصم، عن أبي وائل قال: قال عبد الله: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبًا، أصبح قد كتب كفارة ذلك الذنب على بابه، وإذا أصاب البول شيئًا منه قرضه بالمقراض [¬٢]، فقال
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٤٢٤) وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٨٧) وزاد عزوه إلى ابن المنذر.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٤٢٢) وإسناده صحيح، وعاصم هو ابن كليب، ورواه عبد الرزاق فى "المصنف" (١١/ ٢٠٢٧٤) - ومن طريقه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (٩/ ٨٧٩٤) والبيهقى فى= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "بالمقاريض".
[ ٤ / ٢٦٦ ]
رجل: لقد آتى الله بني اسرائيل خيرًا، فقال عبد الله ﵁: ما آتاكم الله [¬١] خير مما آتاهم، جعل الماء لكم طهورًا، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقال أيضًا (^٧٨٧): حدثني يعقوب، حدثنا هشيم، حدثنا ابن عون، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: جاءت امرأة إلى [¬٢] عبد الله بن مغفل، [فسألته عن امرأة فجرت فحبلت، فلما ولدت قتلت ولدها؟ قال عبد الله بن مغفل] [¬٣]: ما لها؟ لها النار!، فانصرفت وهي تبكي، فدعاها ثم قال: ما أرى [¬٤] أمرك إلا أحد أمرين: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال: فمسحت عينها، ثم مضت.
وقال الإِمام أحمد (^٧٨٨): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا شعبة، عن عثمان بن المغيرة؛ قال: سمعت على بن ربيعة من بني أسد يحدث عن أسماء، أو ابن أسماء من بي فزارة قال: قال على ﵁: كنت إذا سمعت من رسول الله، ﷺ، شيئًا نفعني الله فيه [¬٥] بما شاء أن ينفعني منه. وحدثني أبو بكر - وصدق أبو
_________________
(١) = "الشعب" (٢/ ١٤٠٦) - أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن ابن مسعود به. وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ١٤) وقال: "رجاله رجال الصحيح إلا أن ابن سيرين ما أظنه سمع من ابن مسعود والله أعلم" وله طريقان آخران عند الطبرانى (٩/ ٩٠٣٥، ٩٠٧٠) وإسنادهما صحيح. وزاد عزوه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٨٧) إلى عبد بن حميد.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٤٢٣) ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٨٧) لغيره وفيه انقطاع بين حبيب بن أبى ثابت وعبد الله بن مُغَفّل.
(٣) - " المسند" (١/ ٨، ٩) ورواه الطيالسى (ص ١)، وأبو يعلى (١/ رقم ١٣) - ومن طريقه المروزى فى "مسند أبى بكر" (رقم: ١٠) والضياء فى "المختارة" (١/ رقم ٩) - والبزار (١/ ٦ /البحر الزخار) وابن جرير فى "تفسيره" (٧/ ٧٨٥٣) من طريق محمد بن جعفر عن شعبة به. وتابع شعبة عليه هكذا: "مسعر بن كدام وسفيان الثورى، وأبو عوانة وشريك وقيس بن الربيع وإسرائيل والحسن بن عمارة، فاتفقوا فى إسناده إلا أن شعبة من بينهم شك فى أسماء بن الحكم فقال: عن أسماء أو أبى أسماء أو ابن أسماء .. " وقد روى الحديث من أوجه أخرى ذكرها أبو الحسن الدارقطني فى "الملل" (١/ ش ٨) = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- بعده في خ: "رسول الله ﷺ". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ. "أدري". [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
بكر - قال: قال رسول الله، ﷺ: "ما من مسلم يذنب ذنبًا، ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب إلا غفر له" وقرأ هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
وقد تكلمنا على هذا الحديث، وعزيناه إلى من رواه من أصحاب السنن، وذكرنا ما في سنده من مقال في مسند أبي بكر الصديق، ﵁، وقد تقدم بعض ذلك في سورة آل عمران أيضًا.
وقد رواه ابن مردويه في تفسيره (^٧٨٩) من وجه آخر عن علي، فقال: حدثنا أحمد بن محمد ابن زياد، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، حدثنا داود بن مهران الدباغ، حدثنا عمر بن يزيد، عن أبي إسحاق، عن عبد خير، عن علي؛ قال: سمعت أبا بكر - هو الصديق - يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "ما من عبد أذنب، فقام فتوضأ فأحسن وضوءه، ثم قام فصلى واستغفر من ذنبه، إلا كان حقًّا على الله أن يغفر
_________________
(١) = ثم قال: "وأحسنها إسنادًا وأصحها ما رواه الثورى ومسعر، ومن تابعهما عن عثمان بن المغيرة" ومن هذا الوجه صححه أبو حاتم بن حبان (٢/ ٦٢٣ / إحسان)، لكن أعله أبو عبد الله البخارى - "التاريخ الكبير" (١/ ٢/ ٥٥) - بأن "أسماء بن الحكم الفزارى، لم يُرو عنه إلَّا هذا الحديث، وحديث آخر، لم يتابع عليه، وقد روى أصحاب النبى ﷺ بعضهم عن بعض، ولم يُحَلِّف بعضهم بعضًا" - وذلك لأن فى بعض روايات الحديث أن عليًّا قال: "وإذا حدثنى رجلٌ من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لى صدقته" - وقد أجاب عن ذلك الحافظ أبو الحجاج المزى فى "تهذيب الكمال" (٢/ ٥٣٤/ ت أسماء) فقال: "ما ذكره البخارى ﵀ لا يقدح فى صحة هذا الحديث، ولا يوجب ضعفه، أما كونه لم يتابع عليه فليس شرطًا في صحة كل حديث صحيح أن يكون لراويه متابعٌ عليه، وفى الصحيح عدة أحاديث لا تُعرف إلَّا من وجه واحدٍ نحو حديث "الأعمال بالنيات" الذى أجمع أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول وغير ذلك وأمَّا ما أنكره من الاستحلاف، فليس فيه أن كل واحدٍ من الصحابة كان يستحلف من حدثه عن النبى ﷺ بل فيه أن عليًّا ﵁ كان يفعل ذلك، وليس ذلك بمنكر أن يحتاط فى حديث النبى ﷺ كما فعل عمر ﵁ فى سؤاله البينة بعض من كان يروى له شيئًا - يعنى حديث أبى موسى الأشعرى فى الاستئذان - عن النبى ﷺ كما هو مشهور عنه، والاستحلاف أيسر من سؤال البينة … " وانظر ما بعده.
(٢) - ورواه الدارقطني فى "الأفراد" - كما فى حاشية "العلل" (١/ ش ٨) - من طريق داود بن مهران به. قال الدارقطني: "لم يروه عن عمر بن يزيد غير داود بن مهران، وهو غريب من حديث أبى إسحاق عن عبد خير" وداود بن مهران ثقة غير أن شيخه عمر بن يزيد هذا منكر الحديث - كما قال ابن عدى، وانظر السابق.
[ ٤ / ٢٦٨ ]
له" [لأنه] [¬١] يقول: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ثم رواه من طريق أبان بن أبي عياش عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي، عن الصديق بنحوه، وهذا إسناد لا يصح.
وقال ابن مردويه (^٧٩٠): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا موسى بن مروان الرقي، حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، حدثني كعب ابن ذهل [¬٢] الأزدي؛ قال: سمعت أبا الدرداء يحدث قال: كان رسول الله، ﷺ، إذا جلسنا حوله، وكانت له حاجة فقام إليها وأراد الرجوع، ترك نعليه في مجلسه أو بعض ما عليه، وأنه قام فترك نعليه، قال أبو الدرداء: فأخذ ركوة من ماء فأتبعته، فمضى ساعة ثم رجع، ولم يقض حاجته، فقال: "إنه أتاني آت من ربي فقال: إنه ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فأردت أن أبشر أصحابي" قال أبو الدرداء: وكانت قد شقت على الناس الآية التي قبلها ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقلت: يا رسول الله، ﷺ، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر ربه غفر له؟ قال: "نعم" ثم قلت الثانية، قال: "نعم" ثم قلت الثالثة، قال: "نعم، وإن زنى وإن سرق ثم استغفر الله غفر الله [¬٣] له، على رغم أنف عويمر". قال: فرأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه بأصبعه.
هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه بهذا السياق. وفي إسناده ضعف.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، كقوله
_________________
(١) - وعزاه إلى ابن مردويه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٨٨) وزاد عزوه السيوطى إلى أبى يعلى والطبرانى، و"مسند أبى الدرداء" لم يطبع فى "مسند أبى يعلى" و"المعجم الكبير" ومن طريق الطبرانى رواه المزى فى "تهذيب الكمال" (٢٤/ ت ٤٩٧١) من طريق أحمد بن خليد ثنا محمد بن أبى أسامة ثنا مبشر بن إسماعيل به. وفد رواه أبو داود فى "السنن"، كتاب: الأدب، باب: إذا قام من مجلس ثم رجع (٤٨٥٤) - ومن طريقه البيهقى فى "السنن الكبرى" (٦/ ١٥١) - ثنا إبراهيم بن موسى الرازى، ثنا مبشر بن إسماعيل به مختصرًا. وإسناده ضعيف لضعف تمام بن نجيح وشيخه فقد لين الأخير ابن حجر، وقال الذهبى فى "الميزان" (٣/ ٦٩٦١): "لا يعرف". [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "لأن الله". [¬٢]- في خ: "ذهيل". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٤ / ٢٦٩ ]
تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾، يعني أنه لا يجني أحد عن [¬١] أحد، وإنما على كل نفس ما عملت لا يحمل عنها غيرها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: من علمه وحكمته، وعدله ورحمته كان ذلك.
ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، يعني كما اتهم بنو [¬٢] أبيرق بصنيعهم القبيح ذلك الرجل الصالح، وهو لبيد بن سهل كما تقدم في الحديث، أو زيد بن السمين اليهودي على ما قاله الآخرون، وقد كان بريئًا وهم الظلمة الخونة، كما أطلع الله على ذلك رسوله، ﷺ، ثم هذا التقريع وهذا التوبيخ عام فيهم وفي غيرهم ممن اتصف بصفتهم [¬٣]، فارتكب مثل خطئتهم فعليه مثل عقوبتهم.
وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ قال الإِمام ابن أبي حاتم (^٧٩١): أنبأنا هاشم بن القاسم الحراني، في كتب إليّ، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن [¬٤] قتادة الأنصاري، عن أبيه، عن جده قتادة بن النعمان، وذكر قصة بني أبيرق، فأنزل الله: ﴿لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: أسير بن [¬٥] عروة وأصحابه، يعني بذلك لما أثنوا على بني أبيرق ولاموا قتادة بن النعمان في كونه اتهمهم وهم صلحاء برآء، ولم يكن الأمر كما أنهوه إلى رسول الله، ﷺ، ولهذا أنزل الله فصل القضية وجلاءها لرسول الله، ﷺ.
ثم امتن عليه بتأييده إياه في جميع الأحوال، وعصمته له، وما أنزل عليه من الكتاب، وهو القرآن والحكمة، وهى السنة: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ أي: قبل نزول ذلك عليك، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٥٥) وتقدم الكلام عليه (ح ٧٨٩). [¬١]- في ز: "على". [¬٢]- في ز: "بنى". [¬٣]- في خ: "مثل صفتهم". [¬٤]- في ز: "عن". [¬٥]- في خ: "بنى".
[ ٤ / ٢٧٠ ]
أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ ولهذا قال: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾.
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾
يقول تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ يعني كلام الناس، ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: إلا نجوى من قال ذلك، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه (^٧٩٢):
حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا محمد بن سليمان بن الحارث، حدثنا محمد ابن يزيد بن خنيس؛ قال: دخلنا على سفيان الثوري [نعوده - وأومأ إلى دار العطارين - فدخل علينا سعيد بن حسان المخزومي، فقال له الثوري] [¬١]: الحديث الذي كنت حدثتنيه [¬٢] عن أم صالح اردُدْه [¬٣]، عليّ فقال: حدثتني أم صالح، عن صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة قالت:
_________________
(١) - وعزاه لابن مردويه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٨٨) ورواه الحاكم فى "المستدرك" (٢/ ٥١٢، ٥١٣) - وعنه وعن غيره البيهقى فى "الشعب" (٤/ ٤٩٥٤) - والخطيب فى "تاريخه" (١٢/ ٣٢١) والمزى فى "تهذيب الكمال" (٣٥/ ٣٦٨ /ت: أم صالح بنت صالح) من طريق محمد بن سليمان - وهو الباغندى - به. ورواه عبد الله بن أحمد فى زوائده على "الزهد" (ص ٣٠) والخطيب (١٢/ ٣٢١) من طريق أبي عمرو نصر بن علي الجهضمى. وأبو يعلى فى "مسنده" (١٣/ ٧١٣٢) ثنا زهير أبو خيثمة، والطبرانى فى "المعجم الكبير" (٢٣/ ٤٨٤) من طريق أبي هارون موسى بن محمد ومحمد بن أبي يعقوب الكرمانى. والقضاعى فى"مسند الشهاب" (١/ ح ٣٠٥) من طريق محمد بن الجنيد، وابن أبي الدنيا فى "الصمت" (رقم ١٤) ثنا إسحاق بن إسماعيل وسعدويه وغيرهما. والبيهقى فى "الشعب" (١/ ح ٥١٤) من طريق عباس الدورى. ثمانيتهم (نصر وزهير وموسى والكرمانى وابن الجنيد وإسحاق وسعدويه والدوري) عن محمد بن يزيد بن خنيس به، ورواه البخارى فى "التاريخ الكبير" (١/ ٢٦١، ٢٦٢/ ت ابن خنيس) ثنا قتيبة، وعبد بن حميد فى "المنتخب" (١٥٥٤)، وأبو عيسى الترمذى فى "الجامع" (٢٤١٢)، وابن ماجه (٣٩٧٤) كلاهما ثنا محمد بن بشار،= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "حدثتني به". [¬٣]- في خ: "ردده".
[ ٤ / ٢٧١ ]
قال رسول الله، ﷺ: "كلام ابن آدم كله عليه لا له [إلا ذكر الله ﷿، أو أمر بمعروف، أو نهي عن منكر"] [¬١]، [فقال محمد بن يزيد: ما أشد هذا الحديث] [¬٢] فقال [¬٣] سفيان: [وما شدة] [¬٤] [هذا الحديث؟ إنما جاءت به امرأة عن امرأة، هذا في كتاب الله الذي أرسل به نبيكم، ﷺ، أوَ ما سمعت الله في كتابه يقول: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾؟ فهو هذا بعينه، أو ما سمعت الله يقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾؟ فهو هذا بعينه] [¬٥]، أو ما سمعت الله يقول في كتابه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ إلى آخر الآيات، فهو هذا بعينه، وقد روى هذا الحديث الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس، عن سعيد بن حسان، به، ولم يذكر أقوال الثوري إلى آخره [¬٦]، ثم قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه [¬٧] إلا من حديث [ابن خُنيس] [¬٨].
وقال الإمام أحمد (^٧٩٣): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا صالح بن كيسان، حدثنا
_________________
(١) = زاد الترمذى، وغير واحد، وأبو يعلى (١٣/ ٧١٣٤) ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، والخطيب (١٢/ ٤٣٣، ٤٣٤) من طريق القاسم بن المغيرة الجوهرى خمستهم (قتيبة وعبد بن حميد وابن بشار وابن نمير والجوهري) ثنا محمد بن يزيد به. دون ذكر سفيان الثورى وقصته. وسكت عنه الحاكم والذهبى، وقال الترمذى: "حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن يزيد بن خنيس" وهو ثقة، فقد قال أبو حاتم الرازى - "الجرح والتعديل" (٨/ ت ٥٧٣) - (كان شيخًا صالحًا، كتبنا عنه بمكة، وكان ممتنعًا من التحديث أدخلنى عليه ابنه. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم: فقيل لأبي فما قولك فيه؟ فقال: "ثقة")، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٩/ ٦١) وقال: "كان من خيار الناس، ربما أخطأ، يجب أن يعتبر بحديثه إذا بين السماع فى خبره" وهو هنا صرح بالسماع إلا أن أوَّ صالح بنت صالح، لم يرو عنها غير سعيد بن صالح، وجهلها الحافظان: الذهبى، وابن حجر، ومع هذا فقد رمز لصحته السيوطى فى "الجامع الصغير" وخالفه أبو عبد الرحمن الألبانى فرقم به (حديث ٤٢٨٨) من "ضعيف الجامع" والله المستعان.
(٢) - " المسند" (٦/ ٤٠٣) ورواه أيضًا (٦/ ٤٠٣، ٤٠٤)، والبخارى، كتاب: الصلح، باب: ليس الكاذب الذى يصلح بين الناس (٢٦٩٢)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآدب، باب:= [¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز، خ: "ما خلا أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكر الله ﷿". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "قال". [¬٤]- ما ببن المعكوفتين في ز: "وناشدته". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "آخرها". [¬٧]- في ت: "يعرف". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: "خنيش".
[ ٤ / ٢٧٢ ]
محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب: أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن أمه أم كلثوم بنت عقبة؛ أخبرته أنها سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا، أو يقول خيرًا" وقالت: لم أسمعه يرخص في شيء مما يقوله الناس إلا في ثلاث: في الحرب والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. قال: وكانت أم كلثوَم بنت عقبة من المهاجرات اللاتي بايعن رسول الله، ﷺ.
وقد رواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن الزهري، به نحوه.
قال الإمام أحمد (^٧٩٤): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة [¬١]، عن سالم ابن أبى الجَعد، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟ " قالوا: بلى. قال: "إصلاح ذات البين". قال: "وفساد ذات البين هي الحالقة".
ورواه أبو داود والترمذي من حديث أبي معاوية. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال الحافظ أبو بكر البزار (^٧٩٥): حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا سُريج بن يونس،
_________________
(١) = تحريم الكذب، وبيان المباح منه (١٠١) (٢٦٠٥)، وأبو داود، كتاب: الآداب، باب: فى إصلاح ذات البين (٤٩٢٠، ٤٩٢١)، والترمذى، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء فى إصلاح ذات البين (١٩٣٨)، والنسائى فى "الكبرى" كتاب: السير، باب: الرخصة فى الكذب (٢٧٣٨١) من طرق عن الزهرى به.
(٢) - " المسند" (٦/ ٤٤٤)، ورواه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: فى إصلاح ذات البين (٤٩١٩)، والترمذى، كتاب: صفة القيامة (٢٥٠٩)، والبخارى فى "الأدب المفرد" (٣٩١) وغيرهم من طريق أبي معاوية به، وقال الترمذى: "حديث صحيح" وصححه أبو حاتم بن حبان (١١/ ٥٠٩٢/ إحسان).
(٣) - رواه البزار (٣/ ٢٠٦٠/ كشف الأستار) و(٢/ ١٧٤١/ مختصر الزوائد لابن حجر)، وقال البزار: "لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن حميد إلا عبد الله بن عمر، ولا عنه إلا ابنه عبد الرحمن، وهو لين أحديث، حدَّث بأحاديث لا يتابع عليها" وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٨/ ٨٢، ٨٣) وقال: "رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمرى، وهو متروك" تركه أبو حاتم وأبو زرعة والنسائى والدارقطني، وقال البخارى: "ليس ممن يروى عنه"، وضعفه ابن معين، وقال أحمد: "أحاديثه مناكير، كان كذابًا"، وقال ابن عدى: "عامة ما يرويه مناكير إمَّا إسنادًا، وإما متنًا"، وهو مترجم فى "التهذيب". والحديث لم يعزه السيوطي فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٩٢) لغير البزار، وزاد عزوه المنذرى فى "الترغيب والترهيب" إلى الطبرانى. [¬١]- في خ: "محمد".
[ ٤ / ٢٧٣ ]
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، حدثنا أبي، عن حميد، عن أنس أن النبي، ﷺ، قال لأبي أيوب: "ألا أدلك على تجارة؟ " قال: بلي [يا رسول الله] [¬١]، قال: "تسعي في صلح بين الناس إذا تفاسدوا، وتقارب بينهم إذا تباعدوا" ثم قال البزار: وعبد الرحمن بن عبد الله العمري لين، وقد حدث بأحاديث [¬٢] لم يتابع عليها.
ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ أي: مخلصًا في ذلك محتسبًا ثواب ذلك عند الله ﷿، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا كثيرًا واسعًا.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾. أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول، ﷺ، فصار في شق، والشرع في شق وذلك عن عمد منه بعد ما ظهر له الحق وتبين له واتضح له. وقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما أجتمعت [¬٣] عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا [¬٤] لهم وتعظيمًا لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة [¬٥] كثيرة في ذلك قد ذكرنا منها طرفًا صالحًا، في كتاب "أحاديث الأصول" ومن العلماء من ادّعى تواتر معناها، والذي عوّل عليه الشافعي، ﵀، في الاحتجاج على كون الإِجماع حجة تحرم [¬٦] مخالفته - هذه الآية الكريمة بعد التروّي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد [¬٧] الدلالة منها على ذلك.
ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ونزينها له، استدراجًا له كما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وجعل النار مصيره في الآخرة؛ لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "أحاديث". [¬٣]- في خ، ز: "اجمع". [¬٤]- في ز: "تشريعا". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز: "تحريم". [¬٧]- في خ: "فاستبعد".
[ ٤ / ٢٧٤ ]
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾
قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وذكرنا ما يتعلق بها من الأحاديث في صدر هذه السورة.
وقد روى الترمذي (^٧٩٦) حديث ثوير بن أبي فاختة سعيد بن علاقة، عن أبيه، عن علي، ﵁، أنه قال: ما في القرآن آية أحب إلى من هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ثم قال: حسن غريب.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد سلك غير [¬١]، الطريق
_________________
(١) - رواه الترمذى فى "الجامع" (٣٠٣٧) ثنا خلاَّد بن أسلم، ثنا النضر بن شميل عن إسرائيل عن ثوير به. وقال الترمذى: "حديث حسن غريب، وأبو فاختة اسمه سعيد بن علاقة، وثوير يكنى أبا جهم، وهو كوفى رجل من التابعين، وقد سمع من ابن عمر وابن الزبير، وابن مهدى كان يغمزه قليلًا" وقال سفيان الثورى: كان ثوير من أركان الكذب وضعفه ابن معين والجوزجانى والعجلى وغيرهم وتركه الدارقطنى وابن الجنيد، وقال النسائى: "ليس بثقه"، وقال ابن عدى: "قد نسب إلى الرفض، ضعفه جماعة، وأثر الضعيف على رواياته بين، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى غيره". والخبر أورده السيوطى فى"الدر المنثور" (٢/ ٣٠٢) وعزاه إلى الفريابى والترمذى. [¬١]- في ز: "عن".
[ ٤ / ٢٧٥ ]
الحق، وضل عن الهدى، وبعد عن الصواب وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال ابن أبي حاتم (^٧٩٧): [حدثنا أبي] [¬١]، حدثنا محمود بن غيلان، أنبأنا الفضل بن موسى، أخبرنا الحسين [¬٢] بن واقد، عن الربيع ابن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال: مع كل صنم جِنِّية.
و[¬٣] حدثنا أبي (^٧٩٨)، حدثنا محمد بن سلمة الباهلي، عن عبد العزيز بن محمد، عن هشام - يعني ابن عروة - عن أبيه، عن عائشة: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ [قالت: أوثانًا.
وروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، ومجاهد، وأبى مالك، والسدّي، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال جويبر (^٧٩٩) عن الضحاك في] [¬٤] قوله: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفي. قال: اتخذوها [¬٥] أربابًا، وصوروهنّ [¬٦] صور الجواري فحكموا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده، يعنون الملائكة.
وهذا التفسير شبيه [بقوله] [¬٧] تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٥٩٧٠)، ورواه عبد الله بن أحمد فى زوائده على "المسند" (٥/ ١٣٥) - ومن طريقه اختاره الضياء فى "المختارة" (٣/ ١١٥٧) ثنا هدبة بن عبد الوهاب ومحمود بن غيلان قالا: نا الفضل بن موسى به. وإسناده حسن وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ١٥) وقال: "رواه عبد الله بن أحمد، ورجاله رجال الصحيح". وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٩٣) وراد عزوه إلى ابن المنذر.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٧٣) وإسناده حسن.
(٣) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٧٤)، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٤٣٧) مختصرًا، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٩٤) وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن المنذر. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ت: الحسن. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "فاتخذوهن". [¬٦]- في ز: "وصورهن". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: "بقول الله".
[ ٤ / ٢٧٦ ]
الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
وقال على بن أبي طلحة والضحاك، عن ابن عباس (^٨٠٠): ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال: يعني موتى.
وقال مبارك - يعني ابن فضالة - عن الحسن: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ قال الحسن: الإناث كل شيء ميت ليس فيه روح، إما خشبة يابسة وإمّا حجر يابس. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير وهو غريب (^٨٠١).
وقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ أي: هو الذى أمرهم بذلك وحسنه لهم وزينه، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾. وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة أنهم يقولون يوم القيامة عن المشركين الذين ادّعوا عبادتهم في الدنيا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾.
وقوله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ أي: طرده وأبعده من رحمته، وأخرجه من جواره.
وقال: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ أي: معينا مقدّرًا معلومًا، قال مقاتل بن حيان: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة.
﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ أي: عن الحق ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم.
قوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ [¬١] فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ قال قتادة والسدي وغيرهما: يعني تشقيقها [¬٢] وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة والوصيلة [¬٣].
_________________
(١) رواه ابن جرير (٩/ ١٠٤٣٤) من طريق على بن أبي طلحة، وابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٧١) من طريق الضحاك، كلاهما عن ابن عباس.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٧٢)، وابن جرير (٩/ ١٠٤٣٦) من طرق عن مبارك بن فضالة به. ومبارك ضعيف. [¬١]- في ز: "ولأمنينهم". [¬٢]- في ز: "يشفقنها". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: يعني بذلك خصي الدواب: وكذا روي عن ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب وعكرمة وأبي عياض [وقتادة وأبي صالح] [¬١] والثوري، وقد ورد في حديث النهي عن ذلك. وقال الحسن بن ًا بي الحسن البصري: يعني بذلك الوشم، وفي صحيح مسلم (^٨٠٢) النهى عن الوشم في الوجه، وفي لفظ: " [لعن الله] [¬٢] من فعل ذلك" (^٨٠٣)، وفي الصحيح، (^٨٠٤) عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ﷿. ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله، وهو في كتاب الله ﷿، يعني قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.
وقال ابن عباس في رواية عنه ومجاهد وعكرمة [] [¬٣] وابراهيم النخعي والحسن وقتادة والحكم والسدي والضحاك وعطاء الحراسانى فى قوله ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، يعني: دين الله ﷿ وهذا كقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، على قول من جعل ذلك أمرًا، أي: لا تبدلوا فطرة الله، ودعوا الناس على فطرتهم، كما ثبت في الصحيحين (^٨٠٥) عن ًا بي هرهة قال: قال رسول الله صلى الله على
yyy
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب: اللباس والزينة، باب: النهى عن ضرب الحيوان فى وجهه، ووسمه فيه (١٠٦) (٢١١٦) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن الضرب فى الوجه، وعن الوسم فى الوجه، وانظر ما بعده.
(٢) - رواه مسلم أيضًا (١٠٧) (٢١١٧) من طريق معقل عن أبي الزبير عن جابر، أن النبى ﷺ مَرَّ عليه حمارٌ قد وسم فى وجهه، فقال: "لعن الله الذى وسمه". قال النووى فى "شرح صحيح مسلم" (١٤/ ١٣٦): " … أما الوسم فالبسين المهملة، هذا هو الصحيح المعروف فى الروايات، وكتب الحديث، قال القاضى: ضبطناه بالمهملة، قال: وبعضهم يقوله بالمهملة، وبالمعجمة، وبعضهم فرق فقال: بالمهملة فى الوجه، وبالمعجمة فى سائر الجسد".
(٣) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٤٨٨٦)، ومسلم، كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم فعل الواصلة والمستوصلة (١٢٠) (٢١٢٥)، وأبو داود، كتاب: الترجل، باب: فى صلة الشعر (٤١٦٩)، والترمذى، كتاب: الأدب، باب: ما جاء فى الواصلة والمستوصلة (٢٧٨٢)، والنسائى، كتاب: الزينة، باب: المتنمصات (٨/ ١٤٦)، باب: لعن المتنمصات والمتفلجات (٨/ ١٨٨)، وابن ماجة، كتاب: النكاح، باب: الواصلة والواشمة (١٩٨٩). (^٨٠٥) - أخرجه البخارى، كتاب: الجنائز، باب: إذا أسلم الصبى فمات هل يُصلَّى عليه (١٣٥٨) ومسلم، كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة (٢٢) (٢٦٥٨)، وأبو داود= [¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز: "وأبي صالح وقتادة" [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "لعنة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "أيضًا".
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه، وينصرانه، ويمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة عجماء، هل يحسون فيها من جدعاء"، وفي صحيح مسلم (^٨٠٦)، عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ: (قال الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم [¬١]، عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللت [¬٢] لهم".
[ثم قال] [¬٣] تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾، أي: فقد خسر الدنيا والآخرة وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.
وقوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾، وهذا إخبار عن الواقع؛ فإن [¬٤] الشيطان يعد أولياءه ويمنيهم بأنهم هم الفائزون في الدنيا والآخرة، وقد كذب وافترى في ذلك. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ كما قال تعالى مخبرًا عن إبليس يوم المعاد: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المستحسنون [¬٥] له فيما وعدهم ومناهم ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾، أي: مصيرهم ومآلهم يوم حسابهم [¬٦] ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾ أي: ليس لهم عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص، ولا مناص.
ثم ذكر تعالى حال السعداء والأتقياء وما لهم في مآلهم من الكرامة التامة، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: صدقت قلوبهم وعملت جوارحهم بما أمروا به
_________________
(١) = كتاب: السنة، باب: فى ذرارى المشركين (٤٧١٤)، والترمذى، كتاب القدر، باب: ما جاء كل مولود يولد على الفطرة (٢١٣٨)، والنسائى (٤/ ٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٤٤ - وفى غير موضع) من حديث أبي هريرة بروايات مطولة ومختصرة.
(٢) - رواه مسلم فى صحيحه، كتاب: صفة الجنة ونعيمها وأهلها، باب: الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة، وأهل النار (٦٣) (٢٨٦٥) ضمن حديث طويل، وأخرجه أيضًا النسائى فى "الكبرى" (٥/ ٨٠٧٠، ٨٠٧١)، وابن ماجه (٤١٧٩) مختصرًا، وأحمد (٤/ ١٦٢). [¬١]- في ز: "فاختالتهم". [¬٢]- في ز: "حللت". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "وقوله". [¬٤]- في ز: "لإن". [¬٥]- في ز: "المستحسنين". [¬٦]- في ت: "القيامة".
[ ٤ / ٢٧٩ ]
من الخيرات، وتركوا ما نهوا عنه من المنكرات ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: يصرفونها حيث شاءوا وأين شاءوا، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: بلا زوال ولا انتقال، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة [أنه واقع لا محالة] [¬١]، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله: ﴿حَقًّا﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه قولًا أي: خبرًا [¬٢] لا إله إلا هو ولا رب سواه، وكان رسول الله، ﷺ، يقول في خطته (^٨٠٧): " إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، [وكل محدثة بدعة] [¬٣]، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار".
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)﴾
قال قتادة: ذكر لنا أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، [] [¬٤] نبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله. فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾. فأفلج [¬٥]، الله حجة المسلمين على من ناوأهم من أهل الأديان.
وكذا روي عن السدي ومسروق والضحاك وأبي صالح وغيرهم، وكذا روى العوفى عن ابن عباس، ﵁، أنه قال في هذه الآية: تخاصم أهل الأديان، فقال أهل التوراة: كتابنا
_________________
(١) - رواه النسائى، كتاب: الجمعة، باب: كيف الخطبة (٣/ ١٨٨) من حديث جابر بن عبد الله= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "وخبرا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: و. [¬٥]- فى ز: "ثم أفلج".
[ ٤ / ٢٨٠ ]
خير الكتب، ونبينا خير الأنبياء، وقال أهل الإنجيل مثل ذلك، وقال أهل الإِسلام: لا دين إلا الإسلام، وكتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا خاتَم النبيين، أمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم ونعمل بكتابنا. فقضى الله بينهم فقال: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية. وخير بين الأديان، فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [إلى قوله] [¬١]: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
وقال مجاهد: قالت [¬٢] العرب: لن نبعث ولن نعذب، وقالت اليهود والنصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾: وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
والمعنى في هذه الآية، أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، [ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال] [¬٣]، وليس كل من ادّعى شيئًا حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال: إنه هو المحق [¬٤]، سمع قوله بمجرد ذلك حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله سبحانه واتباع ما شرعه على ألسنة رسله [¬٥] الكرام، ولهذا قال بعده: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
وقد روي أن هذه الآية لما نزلت شق ذلك على كثير من الصحابة، قال الإِمام أحمد (^٨٠٨):
_________________
(١) = ورواه مسلم في صحيحه: كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة، بنحوه وفي الباب عن عبد الله بن مسعود لأبي تخريجه (سورة الأعراف/ آية ١٧٨).
(٢) - " المسند" (١/ ١١/ رقم ٦٨)، ورواه أيضًا (رقم ٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٧٤، ٧٥) - وعنه وعن غيره البيهقي فى "السنن الكبرى" (٣/ ٣٧٣) وفي "الشعب" (٧/ ٩٨٠٥٧) - وابن جرير (٩/ ١٨٠٢٤) من طريق سفيان بن عيينة، ورواه أحمد أيضًا (رقم ٧٠) ثنا يعلي بن عبيد، و(رقم ٧١)، وأبو يعلى فى "مسنده" (١/ رقم ٩٩)، وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٧) من طريق وكيع بن الجراح، وهناد فى "الزهد" (١/ح ٤٢٩) ثنا عبدة (٧/ ٢٩٢٦ / إحسان)، ورواه أبو يعلى (١/ ١٠٠) - ومن طريقه ابن حبان (٥/ ١٧٣٥/ موارد) والمروزى في مسند أبي بكر (١١١) والضياء في "المختارة" (١/ ح ٦٩) - وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٨) والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٩٨٠٥) من طريق يحيى بن سعيد القطان ورواه سعيد بن منصور من طريق خلف بن خليفة قاله المصنف انظر أعلاه، ورواه أبو يعلى = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "وقالت". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ت: "على الحق". [¬٥]- في خ: "الرسل".
[ ٤ / ٢٨١ ]
حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا إسماعيل، عن أبي بكر بن أبي زهير؛ قال: أخبرت أن أبا بكر، ﵁، قال: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية؟: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فكل [¬١] سوء عملناه [¬٢]، جزينا به؟ فقال النبي، ﷺ: "غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن، ألست تصيبك اللأواء؟ "، قال: بلى. قال: "فهو ما تجزون به".
ورواه سعيد بن منصور، عن خلف بن خليفة، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. ورواه [ابن حبان في صحيحه عن أبي يعلى، عن أبي خيثمة، عن يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، به. ورواه] [¬٣] الحاكم من طريق سفيان الثوري، عن إسماعيل، به.
وقال الإِمام أحمد (^٨٠٩): حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: سمعت أبا بكر يقول: قال رسول الله، ﷺ: "من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا".
وقال أبو بكر بن مردويه (^٨١٠): حدثنا أحمد بن هشيم بن جهيمة، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا زياد الجصاص، عن علي بن زيد، عن مجاهد؛ قال: قال عبد الله بن عمر: انظروا المكان الذي به [¬٤] عبد الله بن الزبير مصلوبًا، ولا تمُرُّن عليه. قال: فسها الغلام فإذا [عبد الله] [¬٥] بن عمر ينظر إلى ابن
_________________
(١) = (٩٨، ١٠١) من طريق عثمان بن علي والمعتمر بن سليمان، وكذا من طريق يزيد بن هارون - كما عند المروزى في "مسنده" (١١٢). وابن حبان (٥/ ١٧٣٤ موارد)، (٧/، ٢٩١) من طريق خالد بن عبد الله الواسطى، وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٣، ١٠٥٢٥، ١٠٥٢٦) من طريق حكام وهشيم وأبي مالك الجنبى، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ٥٩٩٢) من طريق عقبة بن خالد، والضياء (١/ح ٧٠) من طريق مروان بن معاوية. الخمسة عشر (سفيان ويعلى ووكيع وعبدة ويحيى وخلف وعثمان والمعتمر ويزيد وخالد وحكام وهشيم وأبو مالك وعقبة ومروان) عن إسماعيل بن أبي خالد به. وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي!! مع أنه بين الانقطاع أبي بكر بن أبي زهير، وأبي بكر الصديق، فإنه لم يسمع منه كما قال أبو زرعة. انظر "المراسيل" لابن أبي حاتم (ترجمة ٩٦٠) - وانظر ما بعده.
(٢) - " المسند" (١/ ١٦ رقم ٢٣)، وانظر ما بعده.
(٣) - وعزاه لابن مردويه أيضًا السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٠٠) ورواه أحمد - كما تقدم = [¬١]- في ز: "بكل". [¬٢]- في ز: "عملنا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٤]- في خ: "فيه". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٨٢ ]
الزبير، فقال: يغفر الله لك - ثلاثًا - أما والله ما علمتك إلا صوّامًا قوامًا وصالًا للرحم، أما والله إني لأرجو مع متساوى ما أصبت أن لا يعذبك الله بعدها، قال: ثم التفت إليّ فقال: سمعت أبا بكر الصدّيق يقول: قال رسول الله، ﷺ: "من يعمل سوءًا في الدنيا يجز به".
ورواه أبو بكر البزار في مسنده، عن الفضل بن سهل، عن عبد الوهاب بن عطاء، به مختصرًا. وقد [¬١] قال في مسند الزبير [¬٢] (^٨١١): حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي [¬٣]، حدثنا عبد الرحمن بن سليم بن حيان، حدثني أبي، عن جدي حيان بن بسطام، [] [¬٤]: قال: كنت مع ابن عمر، فمر بعبد الله بن الزبير، وهو مصلوب، فقال: [رحمك الله] [¬٥] أبا خُبَيْب، سمعتُ أباك - يعني الزبير - يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه
_________________
(١) = في السابق - والبزار في "مسنده" (١/ح ٢١/ البحر الزخار) وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٢)، وابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٣)، وأبو يعلى - وعنه المروزى في "مسند أبي بكر" (٢٢) - وأبو سعيد الأعرابي في "معجمه" ومن طريقه وطريق غيره أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ٢٨٧ / مخطوط) - وابن عدى فى "الكامل" (٣/ ١٠٤٥) والعقيلى في "الضعفاء" (٢/ ٧٩) والحاكم في "المستدرك" (٣/ ٥٥٢، ٥٥٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٣٤)، والخطيب البغدادى في "المتفق والمفترق" (٢/ ١٠٥٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء به. ورواه العقيلي من طريق أبي عاصم العبادانى عن زياد الجصاص عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن عمر عن النبي ﷺ وقال العقيلي: "وكلاهما غير محفوظين، وهذا يروى بإسناد صالح من غير هذا الوجه". وعلة هذا زياد الجصاص فقد تركه النسائي وابن علي والدارقطني، وقال ابن معين وابن المدينيّ: "ليس بشيء"، وقال أبو حاتم: "منكر الحديث"، وقال أبو زرعة: "واهى الحديث". وانظر ما بعده.
(٢) - " مسند البزار" (٣/ ٩٦٢/ البحر الزخار) (٣/ ٢٢٠٥ / كشف الأستار) (٢/ ١٤٦١/ زوائد ابن حجر) ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ٢٨٧/ ٢٨٨ / مخطوط) من طريق عبد الرحمن - وقيل عبد الرحيم - بن سليم بن حيان به. وقال البزار: (وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ولا نعلم روى ابن عمر عن الزبير إلا هذا الحديث". وقال ابن عساكر: "عبد الرحيم لم أسمع بذكره إلا في هذا الحديث" ونقل الذهبي في "الميزان" (٢/ ٦٠٦) - وعنه ابن حجر في "اللسان" (٤/ ٦) - عن الدارقطني بأنه قال: "ضعيف" وذكر الحديث الهيثمي في "المجمع" = [¬١]- في خ: "و". [¬٢]- في ز، خ: ابن الزبير. والصواب ما أثبتناه؛ لأن الحديث أورده البزار في مسند الزبير بن العوام. [¬٣]- في ز: "العووقي". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "قال بسطام". وهي زيادة مقحمة. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "رحمة الله عليك".
[ ٤ / ٢٨٣ ]
وسلم: (من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا والآخرة"، ثم قال: لا نعلمه يروى عن الزبير إلا من هذا الوجه.
وقال أبو بكر بن مردويه (^٨١٢): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمَّد بن سعد العوفى، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني مولى بن سباع، قال: سمعت ابن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق، قال: كنت عند النبي، ﷺ، فنزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ فقال رسول الله، ﷺ: "يا أبا بكر، ألا [¬١] أقرئك آية نزلت [¬٢] علىّ؟ " قال: قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها فلا أعلم إلا أني قد [¬٣] وجدت انفصامًا [¬٤] في ظهري حتى تمطأت [¬٥] لها، فقال رسول الله، ﷺ: "مالك يا أبا بكر"
_________________
(١) = (٧/ ١٥) وقال: (رواه البزار وفيه عبد الرحمن بن سليم بن حيان، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات"!! كذا قال مع أن حيان بن بسطام لم يوثقه غير ابن حبان "الثقات" ولذلك وسمه ابن حجر في "التقريب" بأنه مقبول. وسئل أبو الحسن الدارقطني عن هذا الحديث فقال: "العلل" (١/ س ٢٩): "هو حديث يرويه زياد الجصاص، واختلف عنه، فرواه عبد الوهاب الخفاف، عن زياد الجصاص عن علي بن زيد عن مجاهد، عن ابن عمر، عن أبي بكر، وخالفه أبو عاصم العبادانى فرواه عن زياد الجصاص، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر، ورواه سليم بن حيان عن أبيه عن ابن عمر، عن الزبير بن العوام، وقيل: عن سليم عن نافع عن ابن عمر، عن الزبير، وكلها ضعاف، قال ذلك عبد الرحيم بن سليم بن حيان، عن أبيه، وسليم ثقة، ويشبه أن يكون الوهم من ابنه" اهـ. وروى مسلم في صحيحه: كتاب: فضائل الصحابة (٢٢٩) (٢٥٤٥) من طريق الأسود بن شيبان عن أبي نوفل، رأيت عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة - وهي عقبة بمكة رآه وهو مصلوب عليها - قال فجعلت قريش تمُرُّ عليه والناسُ حتى مَرَّ عليه عبد الله بن عمر، فوقف عليه، فقال: السلامُ عليك أبا خبيب! السلامُ عليك، أبا خبيب! السلامُ عليك، أبا خبيب! أما والله! لقد كنتُ أنهاك عن هذا. أما والله، لقد كنت أنهاك عن هذا. أما والله! لقد كنت أنهاك عن هذا، أما والله إن كُنتَ، ما علمتُ، صوامًا قَوامًا. وصلا للرحم، أما والله لأمَّة أنت أشرُّها لأمَّةُ خَيرٍ.
(٢) - ورواه عبد بن حميد في "المنتخب" (رقم ٧) وعنه مقرونًا به يحيى بن موسى، أبو عيسى الترمذي في "الجامع" (٣٠٣٩) - ورواه البزار في "مسنده" (١/ ح ٢٠/ البحر الزخار) ثنا محمَّد بن المثنى، ورواه أبو يعلى في "مسنده" - وعنه المروزى في "مسند أبي بكر" (رقم ٢٠) - ثنا = [¬١]- في ز، خ: "هل". [¬٢]- في خ: "أنزلت". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "انقضامًا". [¬٥]- في خ: "تمطيت".
[ ٤ / ٢٨٤ ]
قلت: بأبي أنت [¬١] وأمي يا رسول الله، وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه، فقال رسول الله، ﷺ: "أما أنت وأصحابك يا أبا بكر المؤمنون، فإنكم [¬٢] تجزون [¬٣] بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة".
وهكذا رواه الترمذي عن يحيى بن موسى وعبد [¬٤] بن حميد، عن روح بن عبادة، به. ثم قال: وموسى بن عبيدة يضعف، ومولى ابن سباع مجهول.
[وقال ابن جرير (^٨١٣): حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء بن أبي رباح، قال: لما نزلت هذه الآية، قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر، فقال رسول الله، ﷺ: "إنما هي المصيبات في الدنيا] [¬٥] ".
(طريق [¬٦] أخرى عن الصديق) قال ابن مردويه (^٨١٤): حدثنا محمَّد بن أحمد بن إسحاق العسكري، حدثنا محمَّد بن عامر السعدي، حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا فضيل بن عياض، عن سليمان بن مهران، عن مسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: قال أبو بكر الصديق [¬٧]: يا
_________________
(١) = أبو خيثمة، وابن علي في "الكامل" (٧/ ٢٧٥٦) من طريق على بن عبد الله المديني، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ٥٩٩٤) ثنا أحمد بن سنان الواسطى ستتهم (عبد بن حميد ويحيى ومحمد وأبو خيثمة وعلى والواسطي) ثنا رَوح بن عبادة به. وقال أبو عيسى: "هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال. موسى بن عُبيدة يُضَعَّفُ في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وأحمد بن حنبل، ومولى ابن سَبَّاع مجهول، وقد رُوى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضًا لا. وقال البزار: "وهذا الحديث لا نعلم روى عن أبي بكر عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ومولى ابن سباع هذا فلا نعلم أحدًا سماه" وجهله يحيى بن معين، وقال ابن علي: "ومولى ابن سباع هذا لا أعرف له غير هذا الحديث ويروى عنه موسى بن عبيدة وهو مجهول ولا يعرف".
(٢) - تفسير ابن جرير (١٠٥٣٤) وهذا منقطع بين عطاء بن أبي رباح وأبي بكر.
(٣) - وعزاه لابن مردويه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٠٠) وقد رواه أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١١٩) ثنا أبو أحمد محمَّد بن أحمد به. وقال أبو نعيم: "عزيز من حديث فضيل ما كتبته إلا من هذا الوجه" ورجاله ثقات رجال الشيخين من الفضيل بن عياض إلى من هو فوقه، غير أن أبا معاوية = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "فيجزون". [¬٤]- في ز، خ: "وعبيد". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "طريقة". [¬٧]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
رسول الله، ما أشدّ هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال رسول الله، ﷺ: "المصائب والأمراض والأحزان في الدنيا، جزاء".
(طريق [¬١] أخرى) قال ابن جرير (^٨١٥): حدثني عبد الله بن أبي زياد، وأحمد بن منصور، قالا: أخبرنا زيد بن الحباب، حدثنا عبد الملك بن الحسن الحارثى، حدثنا محمَّد بن زيد بن قنفذ [¬٢]، عن عائشة، عن أبي بكر، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال أبو بكر: يا رسول الله، كل ما نعمل نؤاخذ به؟ فقال: "يا أبا بكر، أليس يصيبك كذا وكذا؟ فهو كفارة".
(حديث آخر) قال سعيد بن منصور (^٨١٦): أنبأنا عبد الله بن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن بكر بن سوادة، حدثه أن يزيد بن أبي يزيد، حدثه عن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رجلًا تلا هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: إنا لنُجزى بكل عمل [¬٣] هلكنا إذا. فبلغ ذلك رسول الله، ﷺ، فقال: "نعم، يُجزى به المؤمن في الدنيا في نفسه في جسده فيما يؤذيه".
_________________
(١) = محمَّد بن خازم الضرير - رواه عن الأعمش عن مسلم قال: قال أبو بكر: يا رسول الله ما أشد هذه الآية … الحديث، رواه من هذا الوجه هنا وفي "الزهد" (٢/ ٤٣٤) وابن جرير (٩/ ١٠٥٢٩) وهو هكذا منقطع بين مسلم وأبي بكر، وكأنه الأشبه، فإن أبا معاوية أثبت من الفضيل في الأعمش، بل إن عبد الرحمن بن مهدى، تكلم في حفظ الفضيل على الرغم من إمامته، راجع "التهذيب". والحديث أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٠٠) وزاد عزوه إلى سعيد بن منصور.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥٢١) ورجاله ثقات، غير أن فيه انقطاعًا بين ابن قنفذ، وعائشة. فإن ابن قنفذ رأى ابن عمر رؤية، وابن عمر مات سنة ٧٣ هـ وعائشة أم المؤمنين ماتت سنة ٥٨ هـ، فهو لم يرها بلا شك، فحديثه عنها منقطع. قاله أبو فهر محمود شاكر في حاشيته على تفسير ابن جرير. وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٠٠) من هذا الوجه، ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٣) - وعزاه لـ "سعيد بن منصور" السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٠١) ورواه أحمد في "المسند" (٦/ ٦٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٨/ ٤٦٧٥، ٤٨٣٩) ثنا هارون بن معروف، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٨/ ٣٧١) عن أصبغ بن الفرج، وابن حبان (٧/ ٢٩٢٣/ إحسان) (٥/ ١٧٣٦) من طريق حرملة بن يحيى، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٩٨٠٧) من طريق أحمد بن عيسى، وابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٥) ثنا يونس بن عبد الأعلى خمستهم: (هارون وأصبغ وحرملة وأحمد ويونس) ثنا أبي وهب به. وصحح إسناده السيوطي، وذكره الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٥) وقال: "رواه أحمد، وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح" كذا قال!! ويزيد بن أبي يزيد لم يرو له صاحبا الصحيح، = [¬١]- في خ: "طريقة". [¬٢]- في ز: "قنفد". [¬٣]- في ت: "ما عملناه".
[ ٤ / ٢٨٦ ]
(طريق [¬١] أخرى) قال ابن أبي حاتم (^٨١٧)، حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن بشير، حدثنا هشيم، عن أبي عامر، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، إني لأعلم أشد آية في القرآن، فقال: "ما هي يا عائشة؟ " قلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. فقال "هو ما يصيب العبد المؤمن حتى النكبة ينكبها".
رواه ابن جرير من حديث هشيم، به، ورواه أبو داود من حديث أبي عامر صالح بن رستم [الخراز] [¬٢]، به.
(طريق [¬٣] أخرى) قال أبو داود الطيالسي (^٨١٨): حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن [¬٤] زيد، عن أمية [¬٥] أنها سألت عائشة عن هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقالت: ما سألنى أحد عن هذه الآية منذ سألت عنها رسول الله، ﷺ، سألت رسول الله ﷺ فقال: "يا عائشة، هذه معاتبة الله للعبد مما يصيبه من الحُمَّى والنكبة والشوكة حتى البضاعة يضعها [¬٦] في كمه، فيفزع لها فيجدها في جيبه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير".
_________________
(١) = ثم إنه لم يوثقه غير ابن حبان "الثقات" (٧/ ٦٣٠)، لكن روى عنه جمع من الثقات انظر "تعجيل المنفعة" لابن حجر (٢/ ت ١١٨٩) فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى، وقد رواه البيهقي (٦/ ٩٨٠٧) من طريق محمَّد بن يعقوب الأصم نا بحر بن نصر نا ابن وهب به ليس فيه "يزيد" ورواية الجماعة أصح، وانظر ما بعده.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٦)، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٥٣٢) حدثنى يعقوب بن إبراهيم ثنا هشيم به، ورواه أيضًا (٩/ ١٠٥٣٠) من طريق روح بن عبادة، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (٣/ ٧٠٦) أخبرنا النضر بن شميل، وأبو داود في "السنن" (٣٠٩٣) من طريق يحيى بن سعيد، وعثمان ابن عمر، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٩٨١٠) من طريق يحيى بن سعيد أربعتهم: (روح والنضر ويحيى وعثمان) عن أبي عامر به، وأبو عامر هو صالح بن رستم ضعفه ابن معين، وقال الدارقطنى وأبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى، لكن قال أحمد بن حنبل: "صالح الحديث" ووثقه أبو داود الطيالسى والسجستانى والبزار، وفي "التقريب": "صدوق كثير الخطأ" ويحتمل هنا تحسين حديثه، حيث روى من طرق أخرى عن عائشة، انظر السابق والآتى.
(٣) - رواه الطيالسي في "مسنده" (١٥٨٤) ومن طريقه رواه البيهقي في "الشعب" (٧/ ٩٨٠٩) ورواه أحمد في "المسند" (٦/ ٢١٨) ثنا بهز، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" (٣/ ٨٧٠) والترمذي في "الجامع" (٢٩٩١) من طريق روح بن عبادة مقرونًا به الحسن بن موسى عند الترمذي، وابن = [¬١]- في خ: "طريقة". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "الحرار". [¬٣]- في خ: "طريقة". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- غير واضحة في: ز، وفي خ: "منية". [¬٦]- في خ: "فيضعها".
[ ٤ / ٢٨٧ ]
(طريق [¬١] أخرى) قال ابن مردويه: حدثنا محمَّد بن [¬٢] أحمد بن [¬٣] إبراهيم، حدثنا أبو القاسم، حدثنا سُريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، عن محمَّد بن إسماعيل، عن محمَّد بن زيد بن المهاجر، عن عائشة قالت: سئل رسول الله، ﷺ، عن هذه الآية ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، قال: "إن المؤمن يؤجر في كل شيء، حتى في الفيظ عند الموت".
وقال الإِمام أحمد (^٨١٩): حدثنا حسين، [عن زائدة] [¬٤]، عن ليث، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: قال رسول الله، ﷺ: "إذا كثرت ذنوب العبد، ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله بالحزن ليكفرها عنه [¬٥] ".
(حديث آخر) قال سعيد بن منصور (^٨٢٠)، عن سفيان بن عيينة، عن عمر بن عبد الرحمن بن محيصن، سمع محمَّد بن قيس بن مخرمة يخبر أن أبا هريرة، ﵁، قال: لما نزلت: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، شق ذلك على المسلمين، فقال لهم رسول الله، ﷺ: "سددوا وقاربوا؛ فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارةً حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها".
_________________
(١) = أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٣٠٦٢) وابن جرير (٩/ ١٠٥٣١) من طريق سليمان بن حرب، وابن جرير أيضًا (٦/ ٦٤٩٥) من طريق أسد بن موسى خمستهم: (بهز وروح والحسن وسليمان وأسد) عن حماد بن سلمة به وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب من حديث عائشة لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة "وهو ثقة إمام، غير أن شيخه ضعيف، وانفرد بالرواية عن "أمية بنت عبد الله" وذكر المصنف هذا الحديث فيما مضى (سورة البقرة/ آية ٢٨٤) وقال: "على بن زيد بن جدعان" ضعيف يغرب في رواياته. وهو يروى هذا الحديث عن امرأة أبيه، أم محمَّد أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه".
(٢) - " المسند" (٦/ ١٥٧) ورواه ابن أبي الدنيا في "الهم والحزن" (رقم ٣)، والبزار (٤/ ٣٢٦٠/ كشف الأستار)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ١٨٩)، من طريق حسين بن علي به، وعلقه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢٣١) من طريق زائدة به وإسناده ضعيف لضعف ليث وهو ابن أبي سليم، ثم إنه مدلس وقد عنعن، وقد أعله به الهيثمي، فقال في "المجمع" (٢/ ٢٩٤): "رواه أحمد، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات". ومع هذا فقد ذكره (١٠/ ١٩٥) وقال: "رواه أحمد والبزار وإسناده حسن"!! وأورده السيوطى في "الدر المنثور" (٢/ ٤٠١) ولم يعزه لغير أحمد.
(٣) - وعزاه إلى سعيد بن منصور السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٠١) وقد رواه مسلم، كتاب: البر [¬١] في خ: "طريقة". [¬٢]- في خ: "أبو". [¬٣]- في ز: "أبو". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "بن زيادة". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٨٨ ]
وهكذا رواه أحمد عن سفيان بن عيينة، ومسلم والترمذي والنسائي من حديث سفيان بن عيينة - به. ورواه ابن مردويه (^٨٢١) من حديث روح ومعتمر كلاهما، عن إبراهيم بن يزيد، عن عبد الله [¬١] بن إبراهيم، سمعت أبا هريرة يقول: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول الله، ما أبقت هذه الآية من شيء! قال: "أما والذي نفسي بيده، إنها لكما نزلت [¬٢] ولكن أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنَّه لا يصيب أحدًا منكم مصيبة في الدنيا إلا كفر الله بها من [¬٣] خظيئته، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه".
وقال عطاء بن يسار، عن أبي سعيد وأبي هريرة، أنهما سمعا رسول الله، ﷺ، يقول: "ما يصيب المسلم من نصب [¬٤] ولا وصب [¬٥] ولا سقم ولا حزن، حتى الهم يهمه إلا كفر به [¬٦] من سيئاته" أخرجاه (^٨٢٢).
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٨٢٣): حدثنا يحيى عن [¬٧] سعد [¬٨] بن إسحاق، حدثتني زينب بنت كعب بن عجرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء رجل إلى رسول الله، ﵌، فقال [¬٩]: أرأيت هذه الأمراض التي تصيبنا ما لنا بها؟ قال: "كفارات"،
_________________
(١) =والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن (٢٥٧٤)، والترمذي، كتاب: تفسير القرآن (٣٠٣٨)، والنسائي في التفسير من "الكبرى" (٦/ ١١١٢٢) وغيرهم من طرق عن سفيان بن عيينة له.
(٢) - وعزاه لابن مردويه من هذا الوجه، السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٠١) وإبراهيم بن يزيد هو الخوزى، متروك وشيخه - عبد الله أو عبيد الله - لم أجد له ترجمة ويشهد له اللفظ السابق.
(٣) - رواه البخاري، كتاب: الرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن (٥٢) (٢٥٧٣)، والترمذي، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في ثواب المريض (٩٦٦) وأحمد (٢/ ٣٠٣، ٣٣٥) (٣/ ٤، ١٨، ٢٤، ٤٨، ٨١) من طريقين عن عطاء به.
(٤) - " المسند" (٣/ ٢٣) - ومن طريقه أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٥٩٤/ مخطوط) ورواه النسائي في "الكبرى" (٤/ ٧٤٨٩)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢/ ٩٩٥) ومن طريقه = [¬١]- في ز، خ: "عبيد الله". [¬٢]- في خ: "أنزلت". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- النَّصبُ: التعب. [¬٥]- الوصب: دوام الوجع ولُزومُه. [¬٦]- في خ: "الله". [¬٧]- في ت: "بن". [¬٨]- في خ، ز: سيد. وهو تحريف. [¬٩]- سقط من: خ.
[ ٤ / ٢٨٩ ]
قال أبي: وإن قلَّتْ؟ قال: "حتى الشوكة فما فوقها" قالت: فدعا أبي على نفسه؛ أنه لا يفارقه الوعك [¬١] حتى يموت، في أن لا يشغله عن حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيل الله ولا صلاة مكتوبة في جماعة، فما مسه إنسان إلا وجد حره حتى مات، ﵁. تفرد به أحمد.
(وحديث آخر) روى ابن مردويه (^٨٢٤) من طريق حسين بن واقد، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قيل: يا رسول الله، ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: "نعم ومن يعمل حسنة يجز بها عشرًا". فهلك من [غلب واحدته] [¬٢] عشرًا.
وقال ابن جرير (^٨٢٥): حدثنا ابن وكيع، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قال: الكافر، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.
_________________
(١) = ابن حبان (٢/ح ٦٩٢/ موارد) (٧/ ٢٩٢٨/ إحسان) وابن عساكر - وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" كما في "الدر المثنور" (٢/ ٤٠١) - ومن طريقه البيهقي في "الشعب" (٧/ ٩٩٧١) - ومسدد في "مسنده" - كما في "الدر المنثور" - ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٠٨) - والطحاوي فى "مشكل الآثار" (٢٣٦١) كلهم من طريق يحيى بن سعيد القطان به. ورواه البيهقي أيضًا (٧/ ٩٩٧٠) ومن طريقه ابن عساكر من طريق محمَّد بن جعفر بن أبي كثير، والطحاوي (٣/ ٢٣٦٠) من طريق أنس بن عياض الليثى. كلاهما (محمَّد وأنس) عن سعد بن إسحاق به. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي!! ولم يخرجا بهذا الإسناد شيئًا، بل لم يخرجا أصلًا لـ "سعد بن إسحاق" وهو ثقة - وزينب بنت كعب والأخيرة وثقها ابن حبان "الثقات" وجود إسنادًا لها الحافظ ابن حجر راجع "التهذيب" وذكرها ابن الأثير وابن فتحون في "الصحابة" فالإسناد صحيح إن شاء الله تعالى وقد جوده الحافظ العراقى في "تخريج أحاديث الإحياء" (٦/ ٣٧١٤/ مستخرج) والحديث زاد نسبته السيوطي إلى الطبرانى في "الأوسط" ولم أجده فيه، بل لم يعزه الهيثمي في "المجمع" له فقد ذكره (٢/ ٣٠٤، ٣٠٥) وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات" قال أبو حاتم ابن حبان: "زينب هذه هي بنت كعب بن عجرة - وهي زوجة أبي سعيد الخدرى - والذي دعا على نفسه هو أبي بن كعب".
(٢) - لم أجده في غير هذا الموضع، والكلبى - هو محمَّد بن السائب - متهم بالكذب.
(٣) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥١١) ورواه ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٧) من طريقين عن حماد به وإسناده صحيح، وقد رواه ابن جرير أيضًا (٩/ ١٠٥١٢) من طريق سهل عن حميد به = [¬١]- الوعك: الحُمَّى. وقيل: أَلمُها. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "علب واحدًا".
[ ٤ / ٢٩٠ ]
وهكذا روي عن ابن عبَّاس وسعيد بن جبير (^٨٢٦) أنهما فسرا السوء هاهنا بالشرك أيضًا.
وقوله: ﴿وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: إلا أن يتوب، فيتوب الله عليه. رواه ابن أبي حاتم (^٨٢٧).
والصحيح أن ذلك عام في جميع الأعمال لما تقدم من الأحاديث، وهذا اختيار ابن جرير والله أعلم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾. لما ذكر الجزاء على السيئات، وأنه لابد أن يأخذ مستحقها من العبد، إما في الدنيا وهو الأجود له، وأما في الآخرة - والعياذ بالله من ذلك، ونسأله العافية في الدنيا والآخرة، والصفح والعفو والمسامحة - شرع في بيان إحسانه وكرمه ورحمته في قبول الأعمال الصالحة من عباده، ذكرانهم وإناثهم [¬١] بشرط الإِيمان، وأنَّه سيدخلهم الجنَّةَ ولا يظلمهم من حسناتهم ولا مقدار النقير، وهو: النقرة التي في ظهر نواة التمرة، [وقد تقدم الكلام على الفتيل، وهو الخيط الذي في شق النواة، وهذا النقير وهما في نواة التمرة] [¬٢]، وكذا القطمير: وهو اللفافة التي على نواة التمرة، والثلاثة في القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أي: أخلص العمل لربه ﷿ فعمل إيمانًا واحتسابًا ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: متبعًا [¬٣] في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق، وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما: أن [¬٤] يكون خالصًا صوابًا، والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون متابعًا [¬٥] للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد؛ فمن فقد الإِخلاص كان منافقًا، وهمَ الذين يراءون الناس. ومن فقد المتابعة كان ضالًا جاهلًا، ومتى جمعهما فهو [¬٦]، عمل المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ
_________________
(١) = (٩/ ١٠٥١٣، ١٠٥١٤) من طريقين عن الحسن به.
(٢) - انظر تفسير ابن جرير (٩/ ص ٢٣٩)، وتفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩١).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٥٩٩٨) وكذا رواه ابن جرير (٩/ ١٠٥١٨). [¬١]- في ز: "أناثيهم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٣]- في ت: "أتبع". [¬٤]- في ت: "أي". [¬٥]- في ز - "متبعًا". [¬٦]- في ت: "كان".
[ ٤ / ٢٩١ ]
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ وهم محمد وأتباعه إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. والحنيف هو المائل عن الشرك قصدًا، أي: تاركًا له عن بصيرة، ومقبل على الحق بكليته، لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد.
وقوله: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، وهذا من باب الترغيب في اتباعه؛ لأنه إمام يقتدى به حيث وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد له، فإنه انتهى إلى درجة الخلة التي هي أرفع مقامات المحبة، وما ذاك [¬١] إلا لكئرة طاعته لربه كما وصفه به في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ قال كثير من علماء السلف: أي قام بجميع ما أمر به، ووفى كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
وقال البخاري (^٨٢٨): حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن عمرو بن ميمون، قال: إن معاذًا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح، فقرأ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ فقال رجل من القوم: لقد قرت عين أم إبراهيم.
وقد ذكر ابن جرير في تفسيره (^٨٢٩) عن بعضهم أنَّه إنما سماه الله خليلًا من أجل أنَّه أصاب أهل ناحيته جدب، فارتحل إلى خليل له من أهل الموصل - وقال بعضهم: من أهل مصر - ليمتار طعامًا لأهله من قبله، فلم يصب عنده حاجته، فلما قرب من أهله مرّ بمفازة ذات رمل فقال: لو ملأت غرائري من هذا الرمل لئلا أغم [¬٢] أهلي برجوعي اليهم بغير ميرة، وليظنوا أني أتيتهم بما يحبون، ففعل ذلك، فتحول ما في غرائره من الرمل دقيقًا، فلما صار إلى منزله نام، وقام أهله ففتحوا الغرائر فوجدوا دقيقًا فعجنوا منه وخبزوا، فاستيقظ فسألهم عن الدقيق الذي منه خبزوا، فقالوا: من الدقيق الذي جئت به من عند خليلك، فقال: نعم، هو من عند [¬٣] خليلي الله، فسماه الله بذلك خليلًا. وفي صحة هذا ووقوعه نظر، وغايته أن يكون خبرًا إسرائيليًّا لا يصدق
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: المغازى، باب: بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع (٤٣٤٨).
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ص ٢٥١، ٢٥٢). [¬١]- في ز: "ذا". [¬٢]- في ز: "أرغم". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
ولا يكذب، وإنما سمي خليل الله لشدة محبة ربه، ﷿، له، لما قام له به [¬١] من الطاعة التي يحبها ويرضاها، ولهذا ثبت في الصحيحين (^٨٣٠) من حديث [¬٢] أبي سعيد الخدري أن رسول الله، ﷺ، لما خطبهم في آخر خطبة خطبها، قال: "أما بعد أيها الناس فلو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا؛ لاتخذت أبا بكر بن أبي قحافة خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله".
وجاء من طريق جندب بن عبد الله البجلى (^٨٣١)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (^٨٣٢)، وعبد الله بن مسعود (^٨٣٣)، عن النبي؛ قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلًا".
وقال أَبو بكر بن مردويه (^٨٣٤): حدَّثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدَّثنا إسماعيل بن
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الصلاة، باب: الخَوْخَة والمَمَرِّ فى المسجد (٤٦٦)، ومسلم: كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ (٢٣٨١) وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدرى، مخالفا فى بحض الأحرف اللفظ الذى أورده المصنف.
(٢) - رواه مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: النهى عن بناء المساجد على القبور (٢٣) (٥٣٢)، والنسائى فى التفسير من "الكبرى" (٦/ ١١١٢٣) وغيرهما من حديث جندب وصححه ابن حبان (١٤/ ٦٤٢٥ / إحسان)، وقصر فى عزوه جدًا السيوطى، فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٠٧) فلم يعزه لغير الحاكم (٢/ ٥٥٠)!!.
(٣) - رواه ابن ماجة فى "المقدمة" (رقم ١٤١)، والعقيلى فى "الضعفاء" (٣/ ٧٧)، وابن حبان فى "المجروحين" (٢/ ١٤٨) وابن عدى فى "الكامل" (٥/ ١٩٣٣)، والخطيب فى "تاريخ بغداد" (٥/ ٢٢٧) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك ثنا إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن كثير بن مُرَّة عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا، ولفظه: "إن الله اتخذنى خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، فمنزلى ومنزل إبراهيم فى الجنَّةَ يوم القيامة تجاهين، والعباس بيننا مؤمن بين خليلين"، قال العقيلى: "عبد الوهاب بن الضحاك الحمصى، شامى، متروك الحديث لا يتابعه إلَّا من هو دونه أو مثله، وليس للحديث أصل عن ثقة"، وقال أَبو حاتم ابن حبان: "كان عبد الوهاب يسرق الحديث، ولا يحل الاحتجاج به"، وبه أعله ابن الجوزى، فكان من نصيب "موضوعاته" (٢/ ٣٢)، وحكم عليه بالوضع أيضًا ابن رجب الحنبلى - كما فى حاشية "سنن ابن ماجة" - وكذا أَبو عبد الرحمن الألبانى، فسود به حديث رقم (٢٦) من "ضعيف سنن ابن ماجة". وسرقه أحمد بن معاوية بن بكر الباهلى، فرواه عن إسماعيل بن عياش به، استنكره ابن عدى لأحمد هذا فى "الكامل" (١/ ١٧٧)، ومن طريقه رواه ابن الجوزى (٢/ ٣٢).
(٤) - صحيح مسلم، كتاب: فضائل الصحابة (٣، ٧) (٢٣٨٣).
(٥) - وذكره المصنف كما هنا فى "قصص الأنبياء" (رقم ٢٤٩/ بتحقيقى) وعزاه أيضًا لابن مردويه = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "رواية".
[ ٤ / ٢٩٣ ]
أحمد بن أسيد، حدَّثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة، حدَّثنا عبيد الله [¬١] الحنفي، حدَّثنا زمعة [¬٢] بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله، ﷺ، ينتظرونه، فخرج حتَّى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، وإذا بعضهم يقول: عجبًا [¬٣] إن الله اتخذ من خلقه خليلًا! فإبراهيم خليله. وقال آخر: ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليمًا! وقال آخر: فعيسى روح الله وكلمته!، وقال آخر: آدم اصطفاه الله! فخرج عليهم فسلم، وقال: "قد سمعت كلامكم وتعجبكم أن إبراهيم خليل الله، وهو كذلك، وموسى كليمه، وعيسى روحه وكلمته، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، وكذلك [محمد قال] [¬٤]: ألا وإني حبيب الله ولا فخر، [وأنا حامل لواء الحمد ويوم القيامة ولا فخر] [¬٥] وأنا أول شافع، وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول هن يحرك حلقة [¬٦] الجنَّةَ، فيفتح [¬٧] الله فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ولبعضه شواهد في الصحاح وغيرها.
وقال قَتَادة: عن عكرمة، عن ابن عباس أنَّه قال: أتعجبون من أن تكون الخلة لإِبراهيم، والكلام لوسى، والرؤية لمحمد، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؟!
رواه الحاكم في المستدرك (^٨٣٥)، وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، وكذا
_________________
(١) = السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٠٧). وقد رواه الترمذى، كتاب: المناقب (٣٦١٦) والدارمى (رقم ٤٨) من طريق عبيد الله الحنفى به، وقال الترمذى: "حديث غريب" وعلته زمعة بن صالح، فقد ضعفه أحمد وابن معين وأَبو حاتم والنسائى وغيرهم غير أن ابن عدى قواه فقال: "ربما يهم فى بعض ما يرويه، وأرجو أن حديثه صالح لا بأس به"، واعتمد ذلك أَبو عبد الرحمن الألبانى فقال فى "الصحيحة" (٤/ ٩٨/ رقم ١٥٧٠): "إسناده لا بأس به فى الشواهد، فإن زمعة، قرنه مسلم بغيره، وسلمة وهو ابن وهرام مثله، أو أحسن حالًا منه" وراجع شواهد للحديث فى المصدر المذكور آنفا والله الموفق.
(٢) - " المستدرك" (١/ ٦٥) (٢/ ٤٦٩)، ورواه أيضًا النسائى فى التفسير من "الكبرى" (٦/ ١١٥٣٩)، وابن أبي عاصم فى "السنة" (٤٣٦، ٤٤٢) عن قَتَادة به وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ووافقه الذهبى، وكذا صححه ابن خزيمة فى "التوحيد" (٢/ ٢٧٦، ٢٧٧)، وابن حجر فى "الفتح" (٨/ ٦٠٨). [¬١]- في ز: "عبد الله". [¬٢]- في ز: "جمعة". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ت: "حلق". [¬٧]- في ز: "فيفتحه".
[ ٤ / ٢٩٤ ]
روي عن أنس بن مالك وغير واحد من الصحابة والتابعين والأئمة من السلف والخلف.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٣٦): حدَّثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدَّثنا محمد - يعني ابن سعيد ابن سابق - حدَّثنا عمرو - يعني ابن أبي قيس - عن عاصم، عن أبي راشد، عن عبيد بن عمير، قال: كان إبراهيم، ﵇، يُضَيِّف الناس، فخرج يومًا يلتمس إنسانًا [¬١] يضيفه، فلم يجد أحدًا يضيفه، فرجع إلى داره فوجد فيها رجلًا قائمًا، فقال: يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني؟ قال: دخلتها بإذن ربها، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ملك الموت، أرسلني ربي إلى عبد من عباده أبشره بأن [¬٢] الله قد اتخذه خليلًا. قال: من هو؟ فوالله ان أخبرتني به ثم كان بأقصى البلاد لآتينه، ثم لا أبرح له جارًا حتَّى يفرق بيننا الموت، قال: ذاك [¬٣] العبد أنت. قال: أنا؟ قال: نعم. قال [¬٤]: فبم اتخذني ربي خليلًا؟ قال: إنك تعطي الناس ولا تسألهم.
[وحدثنا أبي] [¬٥] (^٨٣٧)، حدَّثنا محمود بن خالد السلمي، حدَّثنا الوليد، عن إسحاق بن يسار، قال: لما اتخذ الله إبراهيم خليلًا ألقي في قلبه الوجل، حتَّى إنْ [كان] [¬٦] خفقان قلبه ليسمع من بعيد، كما يسمع خفقان الطير في الهواء. وهكذا جاء في صفة رسول الله، ﷺ، أنَّه كان يسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، [إذا اشتدّ غليانها] [¬٧]، من البكاء (^٨٣٨).
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: الجميع ملكه وعبيده وخلقه، وهو المتصرف في جميع ذلك، لا رادَّ لما قضى، ولا معقب لما حكم، ولا يسأل عما يفعل
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠١٦)، ونقله المصنف كما هنا فى "قصص الأنبياء" (رقم ٢٥٢/ بتحقيقي)، وإسناده حسن إلى عبيد بن عمير.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠١٥)، ونقله المصنف كما هنا فى "قصص الأنبياء" (رقم ٢٥/ بتحقيقي) ورجاله ثقات، غير أن الوليد وهو ابن مسلم - مدلس، وقد عنعن، ولم يذكروا له رواية عن إسحاق بن يسار، والله أعلم.
(٣) - رواه أحمد (٤/ ٢٥، ٢٦)، وأَبو داود (٩٠٤)، والترمذى (٣٢٢)، والنسائى (٣/ ١٣) وغيرهم من حديث عبد الله بن الشخير وصححه ابن خزيمة (٩٠٠)، وابن حبان (٢/ ٦٦٥ / إحسان). [¬١]- في خ: "أحدًا". [¬٢]- في ز: "أن". [¬٣]- في خ: "ذلك". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٧]- ما بين المعكرفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٢٩٥ ]
لعظمته وقدرته وعدله وحكمته ولطفه ورحمته.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أي: علمه نافذ في جميع ذلك، لا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر ولا تخفى عليه الذرة [¬١] لما تراءى للناظر [¬٢] وما توارى.
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)﴾
قال البخاري (^٨٣٩): حدَّثنا عبيد بن إسماعيل، حدَّثنا أَبو أسامة، قال: حدثنا هشام بن عروة، أخبرني عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ إلى قوله، [¬٣] ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالت عائشة [¬٤]: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها، [قد شركته] [¬٥] في ماله حتَّى في العذق، فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوِّجها رجلًا، فيشركه في ماله بما شركته، فيعضلها فنزلت هذه الآية.
وكذلك [¬٦] رواه مسلم عن أبي كريب وعن [¬٧] أبي بكر بن أبي شيبة، كلاهما عن أبي أسامة.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٤٠): قرأت على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير، قالت عائشة: ثم إن الناس استفتوا رسول الله، ﷺ، بعد هذه الآية فيهن، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ …﴾ (٤٦٠٠)، ومسلم، كتاب: التفسير (٧) (٣٠١٧).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠١٧، ٦٠٢٠) وإسناده صحيح، وانظر ما بعده. [¬١]- في خ: "ذرة". [¬٢]- في خ: "للناظرين". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: "فأشركته". [¬٦]- في ز: "وكذا". [¬٧]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٩٦ ]
قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ الآية، قالت: والذي ذكر الله أنَّه يتلى عليهم في الكتاب، الآية الأولى التي قال الله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾.
وبهذا الإسناد (^٨٤١) عن عائشة قال: وقول الله ﷿: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، رغبة أحدكم عن يتيمته التى تكون في حجره، حين تكون قليلة المال والجمال، فَنُهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهنّ.
وأصله ثابت في الصحيحين من طريق يونس بن يزيد الأيلي، به.
والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوّجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسَّع الله ﷿، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة.
وتارة لا يكون للرجل [¬١] فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله، ﷿، أن يعضلها عن الأزواج خشية أن يشركوه في ماله الذي بينه وبينها، كما قال على ابن أبي طلحة (^٨٤٢)، عن ابن عبَّاس [في الآية وهي] [¬٢] قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: كان [¬٣] الرجل في الجاهلية تكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فاٍ ذا فعل ذلك لم يقدر أحد أن يتزوّجها أبدًا، فإن كانت جميلة وهويها تزوِّجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدًا حتَّى تموت، فإذا ماتت ورثها. فحرم الله ذلك ونهى عنه.
وقال في قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ﴾: كانوا في الجاهلية لا يورثون الصغار ولا البنات، وذلك كقوله [¬٤]: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فنهى الله عن ذلك، وبين لكل
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٢٥)، ورواه البخارى، كتاب: الشَّرِكةَ، باب: شركة اليتيم وأهل الميراث (٢٤٩٤)، ومسلم، كتاب: التفسير (٦) (٣٠١٨) وكذا رواه أَبو داود (٢٠٦٨) والنسائى (٦/ ١١٥).
(٢) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٥٦٥)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٢٦) وزاد نسبته السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٠٩) إلى ابن المنذر. [¬١]- في ز خ: "له". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "فكان". [¬٤]- في ز: "قوله".
[ ٤ / ٢٩٧ ]
ذي سهم سهمه فقال: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ صغيرًا أو كبيرًا.
وكذا قال سعيد بن جبير وغيره. وقال [¬١] سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾: كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها، واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات مال ولا جمال فأنكحها واستأثر بها.
وقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ تهييجًا على فعل الخيرات، وامتثالًا للأوامر، وأن الله، ﷿، عالم بجميع ذلك، ولم [¬٢] سيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه.
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا ومشرعًا عن حال [¬٣] الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة في حال اتفاقه معها، وتارة [عند] [¬٤] فراقه لها. فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها؛ فلها أن تسقط عنه حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت، أو غير ذلك من الحقوق [¬٥] عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح [¬٦] عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [¬٧] بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أي: من الفراق. وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أي: الصلح عند المشاحة خير من الفراق، ولهذا لما كبرت سودة بنت زمعة عزم رسول الله، صلى الله
_________________
(١) [¬١]- في خ: "قال". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "في حال". [¬٥]- في خ: "حقوقها" [¬٦]- في ت: "حرج". [¬٧]- كذا، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، ابن عامر، وأبي عمرو. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: ﴿يُصْلحا﴾.
[ ٤ / ٢٩٨ ]
عليه وسلم، على فراقها، [فصالحته على] [¬١] أن يمسكها وتترك يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، وأبقاها على ذلك.