وهي مدنية
قال العوفي عن ابن عباس: نزلت سورة النساء بالمدينة. وكذا روى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير وزيد بن ثابت. ورُويَ من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى: عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لا نزلت سورة النساء قال رسول الله ﷺ: "لا حبس" (^١) (*).
وقال الحاكم في مستدركه (^٢): حَدَّثَنَا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أبو البحتري عبد الله بن محمد بن شاكر، ثنا محمد بن بشر العبدي، ثنا مسعر بن كدام، عن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود [عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود ﵁] [¬١] قال: إن في سورة النساء لخمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ الآية، و﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، و﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [و] [¬٢] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ الآية و[﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾] [¬٣] ثم قال: هذا إسناد صحيح، إن كان
_________________
(١) - أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٩٦ - ٩٧)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٣/ ٣٩٧)، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٣٦٥)، والدارقطني في السنن (٤/ ٦٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٦٢) من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. كذا رواه عن ابن لهيعة عندهم: يحيى بن بكير وعمرو بن خالد وكامل بن طلحة وأسد بن موسى وسعيد بن أبي مريم وعبد الله بن يوسف الدمشقي. وقد خالفهم يحيى بن يحيى، فرواه عن ابن لهيعة، عمن سمع عكرمة يحدث عن ابن عباس به مرفوعًا. قال الإمام أحمد بن صالح المصري: هذا حديث صحيح، وبه أقول. ورمز السيوطي في الجامع الصغير إلى أنه حَسَنٌ. ولكن كثيرًا من الأئمة على غير هذا. فقد قال العقيلي عن الحديث في ترجمة عيسى بن لهيعة: لا يتابع عليه ولا يعرف إلا به. وقال الدارقطني: لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه، وهما ضعيفان. وقال البيهقي: وهذا اللفظ إنما يُعرف من قول شريح القاضي. (*) قوله (لا حَبْس) -بفتح الحاء المهملة ويجوز ضمُّها-: أراد أنه لا يوقف مال ولا يُزوى عن وارثه، وكأنه إشارة إلى ما كانوا يفعلونه في الجاهلية من حبس مال الميت ونسائه. كذا في النهاية لابن الأثير (١/ ٣٢٩).
(٢) الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٠٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٣١ ]
عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك.
وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن رجل، عن ابن مسعود قال في خمس آيات من النساء: لهن أحب إليَّ من الدنيا جميعًا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾] [¬١] رواه ابن جرير (^٣).
ثم روى من طريق صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي [¬٢] خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولهن [¬٣] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ والثانية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيلًا عَظِيمًا﴾ والثالثة: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾.
ثم ذكر قول ابن مسعود سواء -يعني في الخمسة الباقية (^٤) -.
وروى الحاكم) (^٥) من طريق أبي نعيم، عن سفيان بن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن ابن أبي مليكة: سمعت ابن عباس يقول: سلوني [¬٤] عن سورة النساء، فإني قرأت القرآن وأنا صغير.
ثم قال: [هذا حديث] [¬٥] صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ١٥٥)، ومن طريقه أخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٢٥٦) (٩٢٣٣).
(٢) تفسير ابن جرير (٨/ ٢٥٧) (٩٢٣٤)، وفي آخره: وزاد فيه: ثم أقبل يفسرها في آخر الآية: وكان الله للذين عملوا الذنوب غفورًا رحيمًا.
(٣) الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٠١). [¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- في ت: "أولاهن". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا (١)﴾
يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومنبهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم ﵇: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حوّاء ﵍، خلقت من ضلعه الأيسر [¬١]، من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها، فأعجبته، فأنس إليها، وأنست إليه.
قال ابن أبي حاتم (^٦): ثنا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن مقاتل، حَدَّثَنَا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس، قال: خلقت المرأة من الرجل، فجعلت نهمتها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعلت نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم.
وفي الحديث الصحيح (^٧): " إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج".
وقوله: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي: وذرأ منهما، أي: من آدم وحوّاء رجالًا كثيرًا ونساء، ونشرهم في أقطار العالم، على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد [¬٢] والمحشر.
ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ أي: واتقوا الله بطاعتكم إياه.
قال إبراهيم ومجاهد والحسن: ﴿الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ أي: كما يقال: أسألك بالله وبالرحم.
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٥٢) (٤٧١٨)، وفيه: مقاتل بن محمد، وهو تحريف.
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٣١) في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته وأطرافه (٥١٨٤) و(٥١٨٦)، ومسلم (١٤٨٦) كتاب الرضاع، والترمذي (١١٨٨) في كتاب الطلاق، باب باب ما جاء في مداراة النساء.- من طرق عن أبي هريرة ﵁ به. [¬١]- في خ: "الأقصر". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٣٣ ]
وقال الضحاك: واتقوا الله الذي تعاقدون [وتعاهدون به] [¬١]، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصلوها. قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن والضحاك والربيع وغير واحد.
وقرأ بعضهم (^٨): ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بالحفض، على العطف على الضمير في "به"، أي: تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره (^٩).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيكُمْ رَقِيبًا﴾ أي: هو مراقب لجميع أحوالكم وأعمالكم، كما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ﴾.
وفي الحديث الصحيح (^١٠): " اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب.
ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة؛ ليعطف بعضهم على بعض، ويحننهم على ضعفائهم.
_________________
(١) هذه قراءة إبراهيم النخعي وقتادة والأعمش وحمزة، وقد تكلم بعض النحاة في هذه القراءة حتى عدّها بعضهم لحنًا. قال الإمام أبو نصر القشيري: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين، لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ تواترًا يعرفه أهل الصنعة. وإذا ثبت شيء عن النبي ﷺ فمن رد ذلك فقد رد على النبي ﷺ واستقبح ما قرأ به، وهذا مقام محذور، ولا يُقلَّدُ فيه أئمة اللغة والنحو، فإن العربية تُتلقَّى من النبي ﷺ ولا يشك أحد في فصاحته. اهـ. انظر: تفسير القرطبي (٥/ ٤٠٢).
(٢) وكذا قال النخعي والحسن. انظر: تفسير ابن جرير (٧/ ٥١٨ - ٥١٩).
(٣) رواه مسلم (٨) في كتاب الإيمان، وأبو داود (٤٦٩٥) (٤٦٩٧) في كتاب السنة، باب في القدر، والترمذي (٢٦١٠) في كتاب الإيمان، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي الإسلام والإيمان، والنسائي (٨/ ٩٧) في كتاب الإيمان، وابن ماجة (٦٣) في المقدمة، باب في الإيمان من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أنه فسر الإحسان بقوله "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". - ورواه البخاري (٥٠) في كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام و(٤٧٧٧)، ومسلم (٩) في كتاب الإيمان، والنسائي (٨/ ١٠١)، وابن ماجة (٦٤) في المقدمة، باب في الإيمان- من حديث أبي هريرة ﵁، بمثل لفظه في حديث عمر. - وأما اللفظ الذي أورده ابن كثير: فقد رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي الدرداء، وفيه رجل مُبهَم. كذا في الترغيب للمنذري (٣٤٤١١) (٥٩٢)، ومجمع الزوائد (٢/ ٤٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "به وتعاهدون".
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وقد ثبت في صحيح مسلم (^١١) من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله ﷺ حين قدم عليه أولئك النفر من مضر -وهم مجتابو النمار -أي: من عريهم وفقرهم- قام، فخطب الناس بعد صلاة الظهر، فقال في خطبته: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ حتى ختم الآية. ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾. ثم حضهم على الصدقة فقال: "تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره" وذكر تمام الحديث.
وهكذا [روى الإمام] [¬١] أحمد وأهل السنن (^١٢)، عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات، هذه منها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الآية.
_________________
(١) رواه مسلم (١٠١٧) في كتاب الزكاة، والترمذي (٢٦٧٥) كتاب العلم، باب ما جاء فيمن دعا إلى هدى فاتبع، أو إلى ضلالة -وقال: حديث حسن صحيح-، والنسائي (٥/ ٧٥) كتاب الزكاة، باب التحريض على الصدقة، وابن ماجة (٢٠٣) في المقدمة، باب من سَنَّ سُنَّة حسنة أو سيئة.
(٢) رواه أحمد في السند (٣٧٢٠) (٣٧٢١) (٤١١٥) (٤١١٦) (٥/ ٢٧١ - ٦، ٢٧٢/ ٨١)، وأبو داود (٢١١٨) في كتاب النكاح، باب في خطبة النكاح، والترمذي (١١٠٥) في كتاب النكاح، باب ما جاء في خطبة النكاح، والنسائي (٦/ ٨٩) كتاب النكاح، باب ما يستحب من الكلام عند النكاح، وابن ماجة (١٨٩٢) كتاب النكاح باب خطبة النكاح- من طرقين عن عبد الله بن مسعود ﵁ به مرفوعًا. قال الترمذي: حديث عبد الله حديث حسن رواه الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ. ورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ. وكلا الحديثين صحيح؛ لأن إسرائيل جمعهما فقال: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص وأبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، عن اننبي ﷺ. ا هـ. وقد جمعهما شعبة أيضًا، من رواية عفان عنه، كما في مسند الإمام أحمد. (*) والآيتان الأخريان هما: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: آية ٧٠ - ٧١]. [¬١]- في ت: "رواه".
[ ٣ / ٣٣٥ ]
وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضمها إلى أموالهم، ولهذا قال: ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قال سفيان الثوري، عن أبي صالح: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك.
وقال سعيد بن جبير: لا تتبدّلوا [¬١] الحرام، عن أموال الناس بالحلال من أموالكم. يقول: لا تبذروا [¬٢] أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام.
وقال سعيد بن المسيب والزهري: ولا تعط مهزولًا وتأخذ سمينًا.
وقال إبراهيم النخعي والضحاك: لا تعط زائفًا وتأخذ جيدًا.
وقال السدي: كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غنم اليتيم، ويجعل فيها [¬٣] مكانها الشاة المهزولة، يقول [¬٤]: شاة بشاة. ويأخذ الدرهم الجيد، ويطرح مكانه الزيف، يقول [¬٥]: درهم بدرهم.
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ قال مجاهد وسعيد بن جبير [وابن سيرين] [¬٦] ومقاتل بن حيان والسدي وسفيان بن [¬٧] حسين: أي: لا تخلطوها فتأكلوها جميعًا.
_________________
(١) [¬١]- في خ: "تبدل" [¬٢]- في خ: "تبدلوا". [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- في ت: "ويقول". [¬٥]- في ت: "ويقول". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- بعده في خ: "ابن إسماعيل، أنا أحمد بن علي الحراني، ثنا شجاع بن أشرس، أنا حشرج بن نباتة الواسطي أبو مكرم، عن الكلبي هو أبو حباب الكلبي، عن عطاء قال: انطلقت أنا وابن عمر وعبيد بن عمير إلى عائشة ﵂، فدخلنا عليها وبيننا وبينها حجاب، فقالت: يا عبيد، ما يمنعك من زيارتنا؟ فقال: قول الشاعر: *زر غبًّا تزدد حبًّا* فقال ابن عمر: صرنا أخبرينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى =
[ ٣ / ٣٣٦ ]
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: أي: إثمًا كبيرًا عظيمًا.
وهكذا رُوِيَ عن مجاهد،: عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وأبي مالك، وزيد بن أسلم، وأبي سنان، مثل قول ابن عباس.
وقد رواه ابن مردويه، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿حُوبًا كَبِيرًا﴾. قال: "إثما كبيرًا" ولكن في إسناده محمد بن يونس الكُدَيمي، وهو ضعيف. (^١٣) وفي الحديث المروي في سنن أبي داود (^١٤): " اغفر لنا حوبنا وخطايانا".
_________________
(١) وقال ابن حاتم: سمعت أبي -وعُرِضَ عليه شيء عن حديثه- فقال: ليس هذا حديث أهل الصدق. وقال ابن حبان: كان يضع على الثقات الحديث وضعًا، ولعله قد وضع أكثر من ألف حديث. وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث وسرقته، وادعى رؤية قوم لم يرهم ورواية عن قوم لا يعرفونه، وترك عامة مشايخنا الرواية عنه. وقال الدارقطني: كان يُتهم بوضع الحديث، وما أحسن فيه القولَ إلا من لم يختبر حاله.
(٢) هذا الحديث رواه الليث بن سعد، عن زيادة بن محمد الأنصاري، واختلف عليه فيه: - فرواه يزيد بن خالد بن موهب، وسعيد بن أبي مريم، ويحيى بن بكير، وخالد بن قاسم: عن الليث، عن زيادة، عن محمد بن كعب القرظي، عن فضالة بن عبيد، عن أبي الدرداء مرفوعًا. (كذا رواه أبو داود في كتاب الطب، باب كيف الرقى (٣٨٩٢)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٨)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٤)، والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٤، ٤/ ٢١٨). - خالفهم عبد الله بن وهب، فرواه عن الليث وابن لهيعة، عن زيادة، عن القرظي عن أبي الدرداء به مرفوعًا، فأسقط فضالة بن عبيد (كذا رواه النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٧)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٠٥٤). قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال في موضع آخر: قد احتج الشيخان بجميع رواة هذا الحديث، غير زيادة بن محمد، وهو شيخ من أهل مصر قليل الحديث. غير أن زيادة بن محمد الأنصاري هذا قال فيه البخاري والنسائي وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يروي المناكير عن المشاهير فاستحق الترك. وقال ابن عدي: لا أعلم له إلا حديثين أو ثلاثة، ومقدار ما له لا يتابع عليه. - وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٤٠٦٦) (٦/ ٢١) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن = = الله عليه وسلم. فبكت وقالت: كان أمره كان عجبها، أتاني في ليلتى حتى مس جلده جلدي، ثم قال: "ذريني أتعبد لربي". قالت: فقلت: والله إني لأحب قربك". وكان فيها سفيان بن علي، وكتب الناسخ فوق على: خطأ. وكتب بعد نهاية هذه الفقرة: إلى هنا.
[ ٣ / ٣٣٧ ]
وروى ابن مردويه، بإسناده، إلى واصل مولى أبي عيينة، عن محمد [¬١] بن سيرين، عن ابن عباس: أن أبا أيوب طلق امرأته، فقال له النبي ﷺ: "يا أبا أيوب! إن طلاق أم أيوب كان حوبًا" (^١٥). قال ابن سيرين: الحوب: الإِثم.
ثم قال ابن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الباقي، حَدَّثَنَا بشر بن موسى، حَدَّثَنَا هوذة بن خليفة، حَدَّثَنَا عوف، عن أنس: أن أبا أيوب أراد طلاق أمّ أيوب، فاستأذن النبي ﷺ فقال: "إن طلاق أم أيوب لحوب". فأمسكها (^١٦)
ثم رواه ابن مردويه والحاكم (^١٧) في مستدركه من حديث علي بن عاصم، عن حميد الطويل، سمعت أنس بن مالك أيضًا يقول: أراد أبو طلحة أن يطلق أم سُليم امرأته [¬٢]،
_________________
(١) = الأشياخ، عن فضالة بن عبيد الأنصاري، عن النبي ﷺ. - ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة (١٠٣٥) (١٠٣٦) من وجهين عن طلق بن حبيب، واختلف عليه فيهما: فرواه منصور بن المعتمر، عن طلق، عن أبيه، عن رجل من الصحابة عن النبي ﷺ. ورواهُ شعبة، عن يونس بن خَبَّاب، عن طلق، عن رجل من أهل الشام، عن أبيه أن رجلا أتى النبي ﷺ، فذكره. قال عبدان: وهو أصح. الإصابة (٢/ ٢٠٩). ويونس بن خباب الأُسَيْدي مولاهم: قال ابن معين: رجل سوء وكان يشتم عثمان. وقال مرة أخرى: لا شيء. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالقوي، مختلف فيه. لكن قال أبو داود: رأيت أحاديث شعبة عنه مستقيمة. وهذا الحديث من رواية شعبة عنه.
(٢) وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، عن يحيى الحماني، عن حماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة به.
(٣) هذا الحديث من رواية هوذة بن خليفة عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي، وقد قال ابن معين في رواية ابن أبي خيثمة: هوذة عن عوف ضعيف، وقال في رواية ابن مُحرز: هوذة لم يكن بالمحمود، قيل له: لم؟ قال: لم يأت أحد بهذه الأحاديث عن عوف كما جاء بها: وكان أطروشًا أيضًا. مع أن ابن سعد ذكر أنه ذهبت كتبه ولم يبق عنده إلا كتاب عوف، وهذا يقتضي أن يكون حديثه عن عوف مستقيمًا. وقد رضيه أحمد، والنسائي، وصدقه أبو حاتم ووثقه ابن حبان.
(٤) وأخرجه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٨٣٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٠٢) - وعنه البيهقي = [¬١]- سقط س: ت. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
فقال النبي ﷺ: "إن طلاق أم سُليم لحوبٌ" فكف.
والمعنى: إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم: خطأ كبير، فاجتنبوه.
وقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى﴾ أي: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة، وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها، فليعدل [¬١] إلى ما سواها من النساء، فإنهنّ كثير، واسم يضيق الله [¬٢] عليه.
وقال البخاري (^١٨): حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام، عن ابن جريج، أخبرني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أن رجلًا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عذق، وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء، فنزلت فيه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾. أحسبه قال: كانت شريكته في ذلك العذق وفي ماله.
ثم قال البخاري: حَدَّثَنَا عبد العزيز بن عبد الله، حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير، أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ قالت: يا ابن أختي! هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله، ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن ينكحوهنّ إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغوا بهنّ أعلى سنتهنّ في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهُنَّ.
قال عروة: قالت عائشة: وإن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية، فأنزل الله: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾.
قالت عائشة: وقول الله في الآية الأخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رغبة أحدكم [¬٣] عن
_________________
(١) = في السنن الكبرى (٧/ ٣٢٣). من طريقين عن علي بن عاصم به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي بقوله: لا والله، عليٌّ واهٍ. وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في مناكير علي بن عاصم، ثم قال: والضعفَ بيِّنٌ على حديثه.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (٤٥٧٣) (٤٥٧٤). [¬١]- في خ: "فليعد". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٣٩ ]
يتيمته إذا كانت قليلة المال والجمال، فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في [مالها وجمالها من يتامى] [¬١] النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن إذا كن قليلات المال والجمال.
وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: انكحوا ما [¬٢] شئتم من النساء سواهنّ [¬٣]، إن شاء أحدكم ثنتين، وإن شاء ثلاثًا، وإن شاء أربعًا [¬٤]، كما قال الله [¬٥] تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على [أربع، فمِن] [¬٦] هذه الآية، كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء، لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره.
قال الشافعي: وقد دلت سنة رسول الله ﵌ المبينة عن الله [¬٧]، أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة (^١٩).
وهذا الذي قاله الشافعي ﵀ مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حكي عن طائفة من الشيعة، أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم: بلا حصر.
وقد يتمسك بعضهم بفعل رسول الله ﷺ في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع، كما ثبت في الصحيحين (^٢٠)، وإما إحدى عشرة، كما جاء في بعض ألفاظ البخاري.
وقد علَّقه [¬٨] البخاري (^٢١).
_________________
(١) انظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي (٥/ ٢٦٨).
(٢) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب كثرة النساء (٥٠٦٧)، ومسلم في كتاب الرضاع (١٤٦٥) كلاهما من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
(٣) هذه رواية معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس. وهي عند البخاري موصولة في كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد ومن دار على نسائه في غسل واحد (٢٦٨)، والنسائي في الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب طواف الرجل على نسائه في الليلة الواحدة (٥/ ٣٢٨) (٩٠٣٣). = [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "ماله وجماله من باقي". [¬٢]- في ت: "من". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "أربعة من". [¬٧]- في خ: "رسول الله ﷺ". [¬٨]- في خ: "علله".
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وقد روينا عن أنس (^٢٢): أن رسول الله ﷺ تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة، ومات عن تسع.
وهذا عند العلماء من [خصائص رسول الله ﷺ] [¬١] دون غيره من الأمة؛ لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع.
[ولنذكر] [¬٢] الأحاديث في ذلك.
قال الإمام أحمد (^٢٣): حَدَّثَنَا إسماعيل، ومحمد بن جعفر قالا: حَدَّثَنَا معمر، عن الزهري -قال ابن جعفر في حديثه- أنبأنا ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، فقال [له النبي ﷺ] [¬٣]: "اختر منهن أربعًا". فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال: إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك [¬٤]، ولعلك لا تمكث إلا قليلًا، وايم الله لتراجعن نساءك،
_________________
(١) = وقد خولف معاذ بن هشام عن أبيه في ذلك: فرواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، وقال فيه: "تسع نسوة" كما هو عند البخاري برقم (٢٨٤) (٥٠٦٨) (٥٢١٥)، والنسائي في الكبرى برقم (٩٠٣٤): وقد علق البخاري رواية سعيد إثر رواية معاذ عن أبيه معللًا لرواية معاذ، وهذا هو الذي فهمه ابن كثير من صنيع البخاري هنا. وقال ابن خزيمة: تفرد بذلك معاذ بن هشام عن أبيه، ورواه سعيد بن أبي عروبة وغيره عن قتادة فقالوا: "تسع نسوة". وقد وجه ابن كثير في البداية والنهاية هذه الرواية بقوله: المراد بالإحدى عشرة اللاتي كان يطوف عليهن: التسع المذكورات والجاريتان مارية وريحانة (٥/ ٣١٣).
(٢) رواه ابن عدي في الكامل من طريق بحر بن كُنَيْز، عن قتادة عن أنس - في مناكير بَحْرٍ هذا (٢/ ٤٨٤). وقد خالفه سعيد بن أبي عروبة، فرواه عن قتادة من قوله، كما رواه البيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٨٩) من طريق عبد الوهاب بن عطاء الخفاف عن سعيد. وقد رواه سيف بن عمر عن سعيد، فخالف عبد الوهاب وأسنده عن أنس. والصحيح من ذلك: رواية الخفاف عن سعيد عن قتادة من قوله، كما رجحه ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٣١٣).
(٣) المسند (٢/ ١٤) (٤٦٣١)، وقد رواه مختصرًا أيضًا (٢/ ١٣) (٤٦٠٩) من طريق إسماعيل بن علية و(٢/ ٤٤) (٥٠٢٧) من طريق غندر وعبد الأعلى بن الأعلى و(٢/ ٨٣) (٨٥٥٥) من طريق سعيد بن أبي عروبة. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "خصائصه". [¬٢]- ما بين المكوفتين في ت: "ذكر". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "نيتك".
[ ٣ / ٣٤١ ]
[ولترجعن في] [¬١] مالك، [أو لأورثهن منك] [¬٢]، ولآمرنّ بقبرك فيرجم، كما رجم قبر أبي رغال.
وهكذا رواه الشافعي (^٢٤) والترمذي (^٢٥) وابن ماجه (^٢٦) والدارقطني (^٢٧) والبيهقي (^٢٨) وغيرهم (^٢٩) من طرق، عن إسماعيل بن علية، وغندر، ويزيد بن زريع، وسعيد بن أبي عروبة، وسفيان الثوري، وعيسى ابن يونس، وعبد الرحمن بن محمَّد المحاربي، والفضل بن موسى، وغيرهم من الحفاظ (^٣٠)، عن معمر بإسناده مثله إلى قوله: "اختر مهن أربعًا".
وباقي الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد؛ وهي زيادة حسنة، وهي مضعفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي، حيث قال بعد روايته له: سمعت البخاري
_________________
(١) شفاء العي (٢/ ٢٩) (٤٣): أخبرنا الثقة -أحسبه إسماعيل بن إبراهيم- عن معمر، ومن طرقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٨١) وصرح بأن القائل: (أحسبه إسماعيل بن إبراهيم) هو الربيع بن سليمان الراوي عن الشافعي.
(٢) جامع الترمذي، كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسلم وعنده عشر نسوة (١١٢٨) - من طريق سعيد بن أبي عروبة عن معمر.
(٣) سنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة (١٩٥٣) - من طريق محمَّد بن جعفر غندر عن معمر.
(٤) سنن الدارقطني (٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠) - من طرق مروان بن معاوية الفزاري وسعيد بن أبي عروبة عن معمر. وفي آخره: قال الرمادي: هكذا يقول أهل البصرة.
(٥) السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ١٨١ - ١٨٢) - من طرق عن إسماعيل بن عليه وغندر وسعيد بن أبي عروبة ويزيد بن زريع وسفيان الثوري، عن معمر.
(٦) كابن أبي شيبة في المصنف، كتاب النكاح، ما قالوا فيما إذا أسلم وعنده عشر نسوة (٣/ ٤٠٥) - عن إسماعيل بن عليه ومروان بن معاوية الفزاري، وأبي يعلى في مسنده (٩/ ٣٢٥) (٥٤٣٧) - من طريق إسماعيل بن علية، ورواه ابن حبان عن أبي يعلى ثم رواه أيضًا من طريق الفضل بن موسى وعيسى بن يونس: الإحسان (٩/ ٤٦٣ - ٤٦٦) (٤١٥٦) (٤١٥٧) (٤١٥٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٢ - ١٩٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة وعبد الرحمن بن محمَّد المحاربي وعيسى بن يونس ويحيى بن أبي كثير والفضل بن موسى، - كل هؤلاء رووه عن معمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه عبد الله بن عمر به موصولًا.
(٧) كمروان بن معاوية الفزاري عند ابن أبي شيبة والدارقطني، وعبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي عند أحمد، ويحيى بن أبي كثير عند الحاكم في المستدرك. [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "ولتجرعن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "أولانهن".
[ ٣ / ٣٤٢ ]
يقول: هذا الحديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شعيب وغيره عن الزهريّ، حُدّثت عن محمَّد بن سويد الثقفي، أن غيلان بن سلمة … فذكره.
قال البخاري: وإنما حديث الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، أن رجلًا من ثقيف طلق نساءه فقال له عمر: لتراجعن نساءك أو لأرجمنّ قبرك كما رجم قبر أبي رغال.
وهذا التعليل فيه نظر (^٣١)، والله أعلم.
وقد رواه [عبد الرزاق] [¬١]، عن معمر، عن الزهريّ، مرسلًا (^٣٢)، وهكذا رواه مالك عن
_________________
(١) لم ينفرد الإِمام البخاري بتعليله؛ بل المتقدمون من أئمة الحديث كالمجمعين على ذلك، وهاك بعض كلامهم في تصحيح إرساله وتعليل وصله: - قال الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني: لم يسند لنا معمر حديث غيلان بن سلمة أنه أسلم وعنده عشر نسوة. - وقال الإمام أحمد بن حنبل -في رواية الأثرم عنه-: هذا الحديث ليس بصحيح، والعمل عليه به. وأعله بتفرد معمر بوصله وتحديثه به في غير بلده هكذا. - وقال أبو زرعة: المرسل أصح. - وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه يزيد بن زريع ومروان بن معاوية وابن عليه وعيسى بن يونس، عن عمر، عن الزهريّ، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ في قصة غيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره أنُ يمسك أربعًا. وذكر الحديث. قال أبي: هو وهم؛ إنما هو الزهريّ عن ابن أبي سويد قال: بلغنا أن النبي ﷺ. - وقال الإِمام مسلم: أهل اليمن أعرف بحديث معمر من غيرهم؛ فإنه حدث بهذا الحديث عن الزهريّ، عن سالم، عن أنس بالبصرة، وقد تفرد بروايته عنه البصريون، فإن حدث به ثقة من غير أهل البصرة صار الحديث حديثًا، وإلا فالإرسال أولى. - وقال الإِمام أبو بكر أحمد بن منصور الرمادي -بعد أن روى حديث معمر موصولًا من طريق سعيد بن أبي عروبة-: هكذا يقول أهل البصرة. ثم رواه مرسلًا على الصواب. - وقال الإمام البزار: جوده معمر بالبصرة، وأفسده باليمن فأرسله. - وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر: وصله معمر؛ فرواه عن ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر. ويقولون: إنه من خطأ عمر ومما حدّث له بالعراق من حفظه، وصحيحُ حديثه: ما حدث له باليمن من كتبه. وقال أيضًا: طرق هذا الحديث كلها معلولة. * وقد خالف ذلك ابن حبانُ والحاكمُ والبيهقي ومن تبعهم قلت جاء بعدهم، فأخرجه من طرق عن معمر من حديث أهل الكوفة وأهل خرامان وأهل اليمامة عنه: = قال ابن حبان: ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن هذا الخبر حدث به معمر بالبصرة، ثم ساقه من طريق الفضل بن موسى وهو مروزي خراساني. - وقال الحاكم: هكذا رواه المتقدمون من أصحاب معمر، كسعيد بن أبي عروبة ويزيد بن زريع وإسماعيل بن علية وغندر وغيرهم والأئمة الحفاظ من أهل البصرة، وقد حكم الإِمام مسلم بن الحجاج أن هذا الحديث مما وهم فيه معمر بالبصرة، فإنه رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا بالصحة: فوجدت سفيان الثوري، وعبد الرحمن بن محمَّد المحاربي، وعيسى بن يونس -وثلاثتهم كوفيون- حدثوا عن معمر عن الزهريّ عن سالم عن أبيه. ثم خرج رواياتهم. ثم قال: وهكذا وجدت الحديث عند أهل اليمامة عن معمر؛ ثم خرجه من طريق يحيى بن أبي كثير عن معمر. ثم قال: وهكذا وجدت الحديث عند الأئمة الخراسانيين عن معمر؛ ثم خرجه من طريق الفضل بن موسى السفياني عن معمر. ثم قال: والذي يؤدى إليه اجتهادي: أن معمر بن راشد حدث به على الوجهين؛ أرسله مرة ووصله مرة، والدليل عليه: أن الذين وصلوه عنه من أهل البصرة قد وصلوه أيضًا، والوصل أولى من الإرسال؛ فإن الزيادة من الثقة مقبولة، والله أعلم. وبنحوه قال البيهقي ﵀. قال الحافظ ابن حجر ﵀ معقبًا على ذلك: ولا يفيد ذلك شيئًا، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن كانوا من غير أهلها. وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي حدث به في غير بلده مضطرب، لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما إذا رحل فحدث من حفظه بأشياء وهم فيها، اتفق على ذلك أهل العلم به كابن المدينيّ والبخاري وأبي حاتم ويعقوب بن شيبة وغيرهم. ا هـ. ومما يقوي ذلك: أن ابن أبي حاتم ذكر لأبيه رواية عيسى بن يونس عن معمر في جملة من رواه عنه موصولًا وليس عيسى من أهل البصرة، وقد أعل أبو حاتم -مع ذلك- الحديث، وصحح إرساله. قال ابن حجر: والموقوف على عمر هو الذي حكم البخاري بصحته عن الزهريّ عن سالم عن أبيه، بخلاف أول القصة. ا هـ. انظر: العلل (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)، تلخيص الحبير (٣/ ١٩٢ - ١٩٤).
(٢) المصنف لعبد الرزاق (٧/ ١٦٢) (١٢٦٢١). [¬١]- في خ: "عبد الرحمن".
[ ٣ / ٣٤٣ ]
الزهري مرسلًا (^٣٣)، وقال أبو زرعة: هو أصح (^٣٤).
قال البيهقي: ورواه عقيل، عن الزهريّ: بلغنا عن عثمان بن محمَّد بن أبي سويد (^٣٥).
قال أبو حاتم: وهذا وهم، إنما هو الزهريّ، عن [¬١] محمَّد بن أبي سويد، بلغنا أن رسول الله ﷺ، فذكره.
_________________
(١) الموطأ للإمام مالك، كتاب الطلاق، باب جامع الطلاق.
(٢) العلل لابن أبي حاتم (١/ ٤٠١).
(٣) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٨٢). [¬١]- بعده في خ: "عثمان بن". وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
قال البيهقي: ورواه يونس وابن عيينة (^٣٦) عن الزهريّ عن محمَّد بن أبي سويد.
وهذا كما علَّله البخاري.
وهذا [¬١] الإِسناد الذي قدّمناه من مسند الإِمام أحمد رجاله ثقات على شرط الشيخين.
ثم رُوي من غير طريق معمر بل والزهري.
[وقال الحافظ أبو بكر] [¬٢] البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حَدَّثَنَا أبو علي الحافظ، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن النسائي، حَدَّثَنَا أبو بُريد عمرو [¬٣] بن يزيد الجرمي، أخبرنا سيف بن عبيد الله، حَدَّثَنَا سرَّار بن مُجشِّر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر: أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة، فأسلم وأسلمن معه، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهنّ أربعًا.
هكذا أخرجه النسائي في سننه (^٣٧).
قال أبو علي بن السكن: تفرد به سرار بن مجشر وهو ثقة (^٣٨). وكذا وثقه ابن معين (^٣٩).
قال أبو علي: وكذلك رواه السَّميدعُ بن واهب [¬٤]، عن سرار.
قال البيهقي: وروينا من حديث [قيس بن الحارث، أو الحارث بن قيس] [¬٥]، وعروة بن مسعود الثقفي، وصفوان بن أمية -يعني حديث غيلان بن سلمة-.
فوجه الدلالة أنه لو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربعٍ لسوّغ له رسول الله ﷺ سائرهنّ في
_________________
(١) الذي ذكره البيهقي أن رواية ابن عيينة كرواية مالك عن الزهري أن رسول الله ﷺ. بخلاف رواية يونس بن يزيد فإنها عن الزهريّ عن محمَّد بن أبي سويد أن رسول الله ﷺ.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٧/ ١٨٣)، ورواه الطبراني في الأوسط (٢/ ١٩٠) (١٦٨٠)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢٧١ - ٢٧٢) - كلاهما من طريق سيف بن عبيد الله الجرمي به.
(٣) وكذا قال أبو علي النيسابوري، فيما أسند عنه البيهقي. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أيوب إلا سَرَّارٌ، تفرد به سيف. ا هـ. وقد توبع سيف كما ذكر ابن السكن.
(٤) وكذا وثقه أبو داود والنسائي والدارقطني وابن حبان وقال: ربما خالف. [¬١]- في ت: "و". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "قال". [¬٣]- في خ: "عمر". [¬٤]- في خ: "وهب". [¬٥]- في خ: "قيس بن الحارث بن قيس".
[ ٣ / ٣٤٥ ]
بقاء العشرة، وقد أسلمن، فلما أمره بإمساك أربع، وفراق سائرهنّ، دل على أنه لا يجوز الجمع بين أكثر من أربع بحال، فإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولين والأحرى، والله ﷾ أعلم بالصواب.
(حديث آخر في ذلك) روى أبو داود وابن ماجه في سننهما، من طريق محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن حُميضة بن الشمردل -وعند ابن ماجه بنت الشمردل، وحكى أبو داود أن منهم من يقول: الشمرذل بالذال المعجمة -عن قيس بن الحارث- وعند أبي داود في رواية: الحارث بن قيس بن عميرة الأسدي قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرتُ للنبي ﷺ فقال: "اختر منهنّ أربعًا" (^٤٠).
وهذا الإِسناد حسن. ومجرد [¬١] هذا الاختلاف لا يضر مثله، لما للحديث من الشواهد.
(حديث آخر في ذلك) قال [الإِمام محمَّد بن إدريس الشافعي ﵀، في مسنده: أخبرني من سمع ابن أبي الزناد، يقول: أخبرني عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن، عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي ﵁ قال: أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله ﷺ: "اختر أربعًا أيتهن شئت، وفارق الأخرى". فعمدت إلى أقدمهنّ صحبة، عجوز عاقر معي منذ ستين سنة فطلقتها (^٤١).
فهذه كلها شواهد [بصحة ما تقدم من حديث] [¬٢] غيلان كما قاله [الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀].
وقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ أي: فإن خشيتم [¬٣] من تعداد النساء أن لا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَينَ النِّسَاءِ وَلَوْ
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب في من أسلم وعنده نساء أكثر من أربع (٢٢٤١) (٢٢٤٢)، وسنن ابن ماجه، كتاب النكاح، باب الرجل يسلم عنده أكثر من أربع نسوة (١٩٥٢)، ورواه سعيد بن منصور في سننه، باب ما جاء في الرجال يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة أو أختان (١٨٦٣)، والطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٣٥٩) (٩٢٢)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ٢٩٩) - من طريق ابن أبي ليلى عن حميضة بن الشمردل، قال البخاري: لم يصح إسناده، وقال في موضع آخر: فيه نظر. وضعف أبو علي بن السكن حديثه. وذكره العقيلي وابن الجارود وابن عدي في الضعفاء.
(٢) شفاء العي (٢/ ٣١) (٤٤)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٨٤) والبغوي في شرح السنة (٢٢٨٩). [¬١]- في ت: "و". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "لحديث". [¬٣]- في ت: "خفتم".
[ ٣ / ٣٤٦ ]
حَرَصْتُمْ﴾ فمن خاف من ذلك فليقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قسم بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال بعضهم: أدنى أن لا تكثر عائلتكم [¬١]. قاله زيد بن أسلم، وسفيان بن عيينة، والشافعي ﵏ وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيلَةً﴾ أي: فقرًا ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ﴾.
وقال الشاعر (^٤٢):
فما يدري الفقير متى غناه … وما يدري الغني متى يعيل
وتقول العرب: عال الرجل، يعيل عيلة: إذا افتقر.
ولكن في هذا التفسير هاهنا نظر، فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضًا، والصحيح قول الجمهور. ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي: لا تجوروا.
يقال: عال في الحكم إذا قسط [¬٢] وظلم وجار
وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة:
بميزان قسط لا يخيس شعيرة … له شاهد من نفسه غير عائل
وقال هشيم، عن أبي إسحاق [¬٣]: كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير (^٤٣).
وقد روى ابن أبي حاتم (^٤٤)، وابن مردويه، [وأبو حاتم] [¬٤]، بن حبان في صحيحه (^٤٥)، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم [¬٥]، حَدَّثَنَا محمد بن شعيب، عن عمر بن محمَّد بن زيد ابن [¬٦] عبد الله بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ ﴿ذَلِكَ
_________________
(١) هو أحيحة بن الجلاح الأوسي. انظر تفسير الطبري (٧/ ٥٤٩).
(٢) في تفسيره (٧/ ٥٥١).
(٣) في تفسيره (٣/ ٨٦٠) (٤٧٦١).
(٤) الإحسان (٩/ ٣٣٨ - ٣٣٩) (٤٠٢٩)، وفي كلا الكتابين (أَلَّا تجوروا). [¬١]- في ت: "عيائلتكم". [¬٢]- في خ: "سقط". [¬٣]- سقط من ت. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "و". [¬٥]- في خ: "وخثيم". [¬٦]- في ت: "عن". وهو خطأ.
[ ٣ / ٣٤٧ ]
أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ قال: "لا تجوروا".
قال ابن أبي حاتم: قال أبي: هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف.
و[¬١] قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وأبي مالك، وأبي رزين، والنخعي، والشعبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي، ومقاتل بن حيان، أنهم قالوا: لا تميلوا (^٤٦).
وقد استشهد عكرمة [﵀] ببيت أبي طالب الذي قدّمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة (^٤٧).
وقد رواه ابن جرير ثم أنشده جيدًا واختار ذلك (^٤٨).
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: [يعني بالنحلة] [¬٢]: المهر.
وقال محمَّد بن إسحاق، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: نحلة: فريضة (^٤٩).
[وقال مقاتل وقتادة وابن جريج: نحلة أي، فريضة] [¬٣]. زاد ابن جريج [¬٤]: مسماة.
وقال ابن زيد: النحلة في كلام العرب: الواجب. يقول: لا تنكحها إلا بشيء واجب لها [¬٥]، وليس ينبغي لأحد بعد النبي ﷺ أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، و[¬٦] لا ينبغي أن يكون تسمية الصداق كذبًا بغير حق.
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٦٠).
(٢) فإنه قال فيه: بميزانٍ قِسْطٍ لا يُخِسُّ شَعِيرةً … ووازِنِ صِدْقٍ وَزنُه غَيرُ عائِلِ
(٣) رواية ابن جرير للبيت. بميزان صِدْقٍ لا يُغَلُّ شَعِيرةً … له شاهدٌ من نفسه غيرُ عائلِ انظر تفسيره (٧/ ٥٥٠)
(٤) الذي في تفسير ابن أبي حاتم أنها قالت: واجبة. (٣/ ٨٦١). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "النحلة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "جرير". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٤٨ ]
ومضمون كلامهم: أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبًا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته، أو عن شيء منه، فليأكله حلالًا طيبًا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٠): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، [عن سفيان] [¬١]، عن السدي، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن علي قال: إذا اشتكى أحدكم شيئًا فليسأل امرأته ثلاثة دراهمٍ أو نحو ذلك، فليبتع بها [¬٢] عسلًا، ثم ليأخذ ماء السماء، فيجتمع هنيئًا مريئًا شفاءً مباركًا.
وقال هشيم، عن سيّار، عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزل: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. رواه ابن أبي حاتم (^٥١) وابن جرير (^٥٢).
وقال ابن أبي حاتم (^٥٣): حَدَّثَنَا محمَّد بن إسماعيل الأحمسي، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان عن عمير الخثعمي، عن [عبد الملك] [¬٣] بن المغيرة الطائفي، عن عبد الرحمن بي البَيلَماني قال: قال رسول الله ﷺ: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. قالوا: يا رسول الله، فما العلائق بينهم. قال: "ما تراضى [¬٤] عليه أهلوهم".
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٦٢).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٨٦٢).
(٣) في تفسيره (٧/ ٥٥٣).
(٤) في تفسيره (٣/ ٨٦١). وهذا الحديث قد اختلف فيه على عبد الرحمن بن البيلماني: - فرواه عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن مرسلًا كذا رواه عمير الخثعمي: أبي داود في المراسيل (٢١٥) وابن أبي حاتم في تفسيره والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٩). وكذا رواه أيضًا حجاج بن أرطأة - من رواية حفص بن غياث وأبي معاوية وهشيم وأبي شهاب عند سعيد بن منصور في سننه (٦١٩)، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الرد على أبي حنيفة، مسألة المهر (٨/ ٣٨٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٩)، وقد خالفهما. -أعني حفصًا وأبا معاوية- هارونُ بن المغيرة عن حجاج؛ فرواه عنه، عن عبد الملك، عن = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "عبد الله". [¬٤]- في خ: "ترضى".
[ ٣ / ٣٤٩ ]
وقد روى ابن مردويه (^٥٤)، من طريق حجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمر بن الخطاب قال: خطبنا [¬١] رسول الله ﷺ فقال: "أنكحوا الأيامى" -ثلاثًا- فقام إليه رجل، فقال: يا رسول الله! فما العلائق بينهم؟ قال: "ما تراضى [¬٢] عليه أهلوهم". ابن البيلماني ضعيف، ثم فيه انقطاع أيضًا.
﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾
ينهى [سبحانه و] [¬٣] تعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قيامًا، أي: تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها.
ومن هاهنا يؤخذ الحجر على السفهاء، وهم أقسام: فتارة يكون الحجر للصغر، فإن الصغير مسلوب العبارة، وتارة يكون الحجر للجنون، وتارة لسوء التصرف؛ لنقص العقل أو الدين،
_________________
(١) = ابن البيلماني، عن عمر، عن النبي ﷺ: عند ابن مردويه -كما سيذكره ابن كثير - والبيهقي (٧/ ٢٣٩) وقال: وليس بمحفوظ). - ورواه محمَّد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن أبيه، واختلف عنه: فرواه صالح بن عبد الجبار عنه عن أبيه عن ابن عباس مرفوعًا (كما عند ابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٨٩) والدارقطني في السنن (٣/ ٢٤٤) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٩). ورواه محمَّد بن الحارث البصري عنه عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا (كما عند ابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٨٨) والبيهقي (٧/ ٢٣٩). قال ابن عدي: وهذه الأحاديث مع غيرها التي يرويها ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر وابن عباس وكل ما روي عن ابن البيلماني: فالبلاء فيه من ابن البيلماني. وإذا روى عن ابن البيلماني محمَّد بن الحارث هذا فجميعًا ضعيفان، والضعف على حديثهما بيِّنٌ. وقال ابن حجر: إسناده ضعيفٌ جدًّا. وحكى عبد الحق أن المرسل أصح.
(٢) انظر الحديث السابق. [¬١]- في خ: "خطب". [¬٢]- في خ: "تراضيا". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
[وتارة للفلس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاق ما له عن وفائها] [¬١] فإذا سأل الغرماء الحاكم الحَجْرَ عليه، حجر عليه.
وقد [¬٢] قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ قال: هم بَنُوكَ والنساء، وكذا قال ابن مسعود والحكم بن عتيبة، والحسن [¬٣] والضحاك: هم النساء والصبيان.
و[¬٤] قال سعيد بن جبير: هم [¬٥] اليتامى.
وقال مجاهد وعكرمة وقتادة: هم النساء.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٥): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا هشام بن عمار، حَدَّثَنَا صدقة بن خالد، حَدَّثَنَا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن النساء سفهاء، إلا التي أطاعت قيِّمها".
ورواه ابن مردُويه مطولًا.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حَدَّثَنَا حرب بن سُرَيج، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ قال: هم [¬٦] الخدم، وهم شياطين الإِنس وهم الخدم.
وقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول: لا تعمد إلى مالك وما خولك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنيك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسوتهم ومؤنتهم ورزقهم.
_________________
(١) في تفسيره (٣/ ٨٦٢) وفيه (هُنَّ السفهاءُ). وعثمان بن أبي العاتكة القاصُّ مقرئ أهل دمشق، قال ابن معين: ليس بشيء. وقد ذكر ابن عدي أن هشام بن عمار حدّث عن صدقة بن خالد عن عثمان هذا عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة ثلاثين حديثًا عامتها ليست بمستقيمة. وقد نسبه دحيم للصدق، إلا أنه أنكر حديثه عن علي بن يزيد. وبنحو ذلك قال أبو حاتم. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "و". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من خ.
[ ٣ / ٣٥١ ]
وقال ابن جرير (^٥٦): حَدَّثَنَا ابن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن فراس، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم، رجل كانت له امرأة سيئة الحلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا، وقد قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾. ورجل كان له على رجل دين فلم يُشهد عليه.
وقال مجاهد: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ يعني في البر والصلة.
وهذه الآية الكريمة انتظمت الإحسان إلى العائلة [¬١]، ومن تحت الحَجْر بالفعل، من الإِنفاق في الكساوى والكلام الطيب وتحسين الأخلاق.
وقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قال ابن عباس ومجاهد والحسن والسدي ومقاتل [بن حيان] [¬٢]: أي: اختبروهم. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال مجاهد يعني: الحلم. قال الجمهور من العلماء: البلوغ في الغلام تارة يكون بالحلم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد.
وقد روى أبو داود (^٥٧) في سننه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: حفظت من رسول الله ﷺ: "لا يُتْم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل".
_________________
(١) في تفسيره (٧/ ٥٦٤). وهذا الحديث رواه الحاكم في مستدركه (٢/ ٢٠٣) من طريق أبي المثنى معاذ بن معاذ العنبري، ثنا أبي، ثنا شعبة سقط يبين من رواية البيهقي عن الحاكم في السنن الكبرى (١٠/ ١٤٦) فساق إسناده لكنه رفعه إلى النبي ﷺ مخالفًا في ذلك أصحاب شعبة. قال الحاكم: لم يخرجاه لتوقيف أصحاب شعبة هذا الحديث على أبي موسى.
(٢) سنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب متى ينقطع اليتم (٢٨٧٣). ورواه أيضًا العقيلي في الضعفاء (٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩). والطبراني في الأوسط (١/ ٩٥) (٢٩٠) - من طريق أحمد بن صالح، عن يحيى بن محمد المديني الجاري، عن عبد الله بن خالد بن سعيد بن أبي مريم، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيْش، أنه سمع شيوخا من بني عمرو بن عوف، ومن خالد عبد الله بن أبي أحمد بن جحش قال: قال علي. فذكره مرفوعًا. قال العقيلي: وهذا الحدث لا يتابَعُ عليه يحيى، وهذا يرويه معمر عن جويبر عن الضحاك عن النزال بن سبرة عن علي مرفوعًا، ورواه الثوري وغيره عن جويبر موقوفًا. وهو الصواب. وقال الطبراني: لا يروي هذا الحديث عن عبد الله بن أبي أحمد إلا بهذا الإسناد، تفرد به أحمد بن صالح. [¬١]- في خ: "الغالبة" [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
وفي الحديث الآخر عن عائشة (^٥٨) وغيرها (^٥٩) من الصحابة ﵃، عن النبي ﷺ قال: "رفع القلم عن ثلاثة؛ عن [¬١] الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" أو يستكمل خمس عشرة سنة. وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن [عبد الله بن] [¬٢] عمر، قال: عرضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة [سنة] [¬٣] فأجازني. فقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزير لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير (^٦٠).
واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهي الشعرة، هل تدل على بلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال. يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين، فلا يدل على ذلك؛ لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة، فيكون بلوغًا في حقهم؛ لأنه [¬٤] لا يتعجل بها إلّا ضرب الجزية عليه [¬٥]، فلا يعالجها.
والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع [¬٦]؛ لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس، واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك، في الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٦١)، عن
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند (٦/ ١٠٠، ١٠١، ١٤٤) (٢٤٨٠٦) (٢٤٨١٤) (٢٥٢٢٥)، وأبو داود في كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب أحدًا (٤٣٥٨)، والنسائي في كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج (٦/ ١٥٦)، وابن ماجة في كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم (٢٠٤١)، والدارمي في سننه (١٧١/ ٢)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٣٥٥) (١٤٢)، وابن الجارود في المنتقى (١٤٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٥٩). كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ مرفوعًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم وله يخرجاه.
(٢) كابن عباس، وأبي هريرة، وأبي قتادة وغيرهم. وانظر في ذلك: نصب الراية (٤/ ١٦١ - ١٦٥).
(٣) صحيح البخاري، كتاب الشهادات، باب ما يكره عن الإطناب في المدح وَلْيَقُلْ ما يعليل (٢٦٦٤)، وصحيح مسلم، كتاب الإمارة (١٨٦٨)، وفي آخره قوت عمر بن عبد العزيز: إن هذا لحَدٌّ بين الصغير والكبير.
(٤) المسند (٤/ ٣١٠، ٥/ ٣١١ - ٣١٢) (١٨٨٣٠) (٢٢٧٦٢) (٢٢٧٦٣)، من طرق عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي به. [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- في ت: "ابن" [¬٣]- سقط من ت. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "الكل".
[ ٣ / ٣٥٣ ]
عطية القرظي ﵁، قال: عرضنا على النبي ﷺ يوم قريظة، [] [¬١] فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خُلي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخُلي سبيلي.
وقد أخرجه أهل السنن الأربعة (^٦٢) بنحوه، وقال الترمذي: حسن صحيح، وإنما كان كذلك؛ لأن سعد بن معاذ ﵁ كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية.
وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب (^٦٣): حَدَّثَنَا ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، في محمد بن يحيى بن حبان، عن عمر، أن غلامًا ابتهر جارية في شعره، فقال: عمر ﵁ انظروا إليه. فلم يوجد أنبت، فدرأ عنه الحد. قال أبو عبيد: ابتهرها، أي: قذفها. والابتهار أن يقول: فعلتُ بها. وهو كاذب. فإن كان صادقا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره:
قبيح بمثلي نعت الفتاة … إما ابتهارًا واما ابتيارًا
وقوله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ قال سعيد بن جبير: يعني صلاحًا في دينهم، وحفظا لأموالهم.
وكذا روي عن ابن عباس والحسن البصري وغير واحد من الأئمة، وهكذا قال الفقهاء: متى [¬٢] بلغ الغلام مصلحًا لدينه وماله انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه [¬٣].
وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية ﴿إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ أي: إسرافًا مبادرة قبل بلوغهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ أي: [من كان في غنية عن مال اليتيم] [¬٤]
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد (٤٤٠٤) (٤٤٠٥)، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في النزول على الحاكم (١٥٨٤)، والنسائي في كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي، وابن ماجة في كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد (٢٥٤١) (٢٥٤٢)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٢٣، ٤/ ٣٨٩).- من طُرُق عن عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي به. قال الحاكم: هذا حديث غريب صحيح ولم يخرجاه.
(٢) غريب الحديث لأبي عبيد (٣/ ٢٨٩). [¬١]- في خ: [فأمر من ينظروا]. [¬٢]- في ت: "إذا". [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٥٤ ]
فليستعفف عنه، ولا يأكل منه شيئًا. وقال الشعبي: هو عليه كالميتة والدم.
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٦٤): حَدَّثَنَا الأشج، حَدَّثَنَا عبد الله بن سليمان، حَدَّثَنَا هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ نزلت في مال اليتيم.
وحَدَّثَنَا الأشج، وهارون بن إسحاق قالا: حَدْثَنَا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قالت [¬١]: نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه، إذا كان محتاجًا أن يأكل منه (^٦٥).
وحَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا محمد بن سعيد الأصبهاني، حَدَّثَنَا علي بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه (^٦٦).
ورواه [¬٢] البخاري عن إسحاق عن [¬٣] [عبد الله] [¬٤] بن نمير، عن هشام به (^٦٧).
فقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين، أجرة مثله، أو قدر حاجته.
واختلفوا هل يرد إذا أيسر؟ على قولين: (أحدهما) لا [¬٥]؛ لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرًا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل.
[وقال الإمام] [¬٦] أحمد (^٦٨): حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا سأل رسول الله ﷺ فقال: ليس لي مال ولي يتيم؟ فقال: "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر، ولا متأثل مالًا، ومن غير أن تقي مالك، أو قال -تفدي
_________________
(١) في تفسيره (٣/ ٨٦٧).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٨٦٨).
(٣) المصدر السابق (٣/ ٨٦٩).
(٤) صحيح البخاري (٤٥٧٥) في كتاب التفسير، باب " ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ".
(٥) المسند (٢/ ١٨٦، ٢١٥ - ٢١٦) (٦٧٤٧) (٧٠٢٢). [¬١]- في خ: "قال". [¬٢]- في خ: "وروى". [¬٣]- في ت: "بن". خطأ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "عبد الرحمن". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: "قال".
[ ٣ / ٣٥٥ ]
مالك- بماله". شك حسين.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٩): حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، حَدَّثَنَا حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن عندي يتيمًا عنده مال وليس عندي شيء، فما آكل من ماله؟ قال: "كل بالمعروف غير مسرف".
ورواه [¬١] أبو داود (^٧٠) والنسائي (^٧١) وابن ماجة (^٧٢) من حديث حسين المعلم به.
وروى [¬٢] أبو حاتم بن حبان في صحيحه (^٧٣) وابن مردويه في تفسيره، [من حديث] [¬٣] يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخزاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر، أن رجلًا قال: يا رسول الله، فيم أضرب يتيمي؟ قال: "مما كنت ضاربا منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالا".
_________________
(١) في تفسيره (٣/ ٨٦٨).
(٢) في سننه، كتاب الوصايا، باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم (٢٨٧٢).
(٣) سنن النسائي، كتاب الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه (٦/ ٢٥٦).
(٤) سنن ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب قوله: "ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف" (٢٧١٨).
(٥) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (١٠/ ٥٤ - ٥٥) (٤٢٤٤) وكان فيه: يعلى بن مهدي، وصوبها مصححه من التقاسيم إلى مُعَلَّى بن مهدي. وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير (١/ ٨٩) وابن عدي في الكامل (٤/ ١٣٩٠) ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٤) - كلهم من طريق إبراهيم بن علي العمري، عن مُعلي بن مهدي به. قال الطبراني: لم يروه عن عمرو بن دينار عن جابر إلا أبو عامر الخزاز، ولا عنه إلا جعفر بن سليمان. تفرد به معلى بن مهدي. وقال ابن عدي -بعد أن ذكر الحديث في مناكير صالح بن رستم أبي عامر الخزاز-: لا أعرفه إلا من هذا الطريق، وهو غريب، ولا أعلم هويه عن أبي عامر غير جعفر بن سليمان. ا هـ. - وقد خولف أبو عامر في روايته عن عمرو بن دينار؛ فقد رواه حماد بن زيد وسفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن عبد الله العُرَني به مرسلًا. كذا رواه البيهقي (٦/ ٢٤) قال البيهقي: وهو المحفوظ. لكن قال ابن المغربي: وإن لم يثبت مُسَنَدًا فليس يجد أحدٌ عنه مُلْتَحَدًا. تفسير القرطبي (٥/ ٤٥). [¬١]- في خ: "وقال". [¬٢]- في خ: "وقال". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وقال ابن جرير (^٧٤): حَدَّثَنَا الحسن [¬١] بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، قال: جاء أعرابي إلى ابن عباس، فقال: إن في حجري أيتامًا، وإن لهم إبلا، ولي إبل، وأنا أمنح في إبلي وأفقر، فماذا يحل لي من ألبانها؟ فقال: "إن كنت تبغي ضالتها، وتهنأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقي عطشها [¬٢]، فاشرب غير مضر بنسل، ولا نَاهِك [¬٣] في الحلب".
ورواه مالك (^٧٥) في موطئه، عن يحيى بن سعيد، به.
وبهذا القول، وهو عدم أداء البدل يقول عطاء بن أبي رباح وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطية العوفي والحسن البصري.
(والثاني) نعم؛ لأن مال اليتيم على الحظر، وإنما أبيح للحاجة، فيردّ بدله، كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة.
وقد قال [أبو بكر] [¬٤] ابن أبي الدنيا: حَدَّثَنَا ابن (^٧٦) خيثمة، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرت قضيت.
(طريق أخرى): قال سعيد بن منصور: حَدَّثَنَا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق عن البراء قال: قال لي عمر ﵁: إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والى اليتيم، إن احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت (^٧٧). إسناد صحيح.
وروى [¬٥] البيهقي عن ابن عباس نحو ذلك (^٧٨): هكذا رواه ابن أبي حاتم، من طريق علي
_________________
(١) في تفسيره (٧/ ٥٨٨ - ٥٨٩)،
(٢) الموطأ، كتاب صفة النبي ﷺ، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب.
(٣) كذا في الأصل، والمعروف أن ابن أبي الدنيا يروي عن أبي خيثمة زهير بن حرب.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٤ - ٥) من طريق سعيد بن منصور به.
(٥) المصدر السابق (٦/ ٥). [¬١]- في خ: "الحسين". [¬٢]- في ت: "عليها". [¬٣]- في ت: "ولا ناهك". [¬٤]- سقط من ت. [¬٥]- في خ: "وقال".
[ ٣ / ٣٥٧ ]
ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يعني القرض.
قال: وروي عن عبيدة وأبي العالية وأبي وائل وسعيد بن جبير في إحدى الروايات ومجاهد والضحاك والسدي نحو ذلك (^٧٩).
وروى من طريق السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل بثلاث أصابع.
ثم قال (^٨٠): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا ابن مهدي، حَدَّثَنَا سفيان، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قال: يأكل من ماله، يقوت على يتيمه، حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم.
قال: وروي عن مجاهد وميمون بن مهران في إحدى الروايات والحكم [¬١] نحو ذلك.
وقال عامر الشعبي: لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه كما يضطر إلى الميتة، فإن أكل منه قضاه. رواه ابن أبي حاتم (^٨١).
وقال ابن وهب: حَدَّثَنَا نافع بن أبي نعيم القارئ، قال: سألت يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، عن قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؟ الآية. فقالا: ذلك في اليتيم، إن كان فقيرًا أنفق عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء (^٨٢).
وهذا بعيد من السياق لأنه قال: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ يعني: من الأولياء ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا﴾ أي: منهم. ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بالتي هي أحسن. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: لا تقربوه إلا مصلحين له، فإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف.
وقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾ يعني: بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد منهم [¬٢]،
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٦٩).
(٢) المصدر السابق.
(٣) المصدر السابق (٣/ ٨٧٠).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٨٧١). [¬١]- في خ: "والحاكم". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
فحينئذ سلموهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيهِمْ﴾ وهذا أمر من [¬١] الله تعالى للأولياء أن يشهدوا [¬٢] على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم؛ لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه.
ثم قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أي: وكفى بالله محاسئا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم لأموالهم [¬٣]، هل هي كاملة موفورة [¬٤]، أو منقوصة مبخوسة، مدخلة مروج حسابها، مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله.
ولهذا ثبت في صحيح مسلم، أن رسول الله ﷺ قال: "يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تلين مال يتيم" (^٨٣).
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾
قال سعيد بن جبير وقتادة: كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئًا، فأنزل الله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية [¬٥] أي: الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم بما يدلى به إلى الميت من قرابة، أو زوجية [¬٦]، أو ولاء، فإنه لُحمة كلُحمة النسب.
وروى ابن مردويه من طريق ابن هراسة، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن
_________________
(١) صحيح مسلم، باب الإمارة (١٨٢٦). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "للأموال". [¬٤]- في خ: "موفرة". [¬٥]- الآية كاملة في: خ. [¬٦]- في خ: "زوجة".
[ ٣ / ٣٥٩ ]
عقيل، عن جابر قال: جاءت أم كُجَّة إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله! إن لي ابنتين وقد مات أبوهما، وليس لهما شيء. فأنزل الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية (^٨٤).
وسيأتي هذا الحديث عند آيتي الميراث بسياق آخر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية. قيل: المراد إذا حضر قسمة الميراث ذَوُو القربى، ممن ليس بوارث واليتامى والمساكين فليرضخ لهم من التركة نصيب، وأن ذلك كان واجبًا في ابتداء الإِسلام، وقيل: مستحب. واختلفوا: هل هو منسوخ أم لا؟ على قولين.
فقال البخاري (^٨٥): حَدَّثَنَا أحمد بن حميد، أخبرنا عبيد الله الأشجعي، عن سفيان، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قال: هي محكمة، وليست بمنسوخة. تابعه سعيد، عن ابن عباس.
وقال ابن جرير (^٨٦): حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا الحسين، حَدَّثَنَا عباد بن العوام، عن الحجاج، عن [¬١] الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، قال: هي قائمة يعمل بها.
وقال الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في هذه الآية، قال: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم.
وهكذا روي [¬٢] عن ابن مسعود وأبي موسى وعبد الرحمن بن أبي بكر وأبي العالية والشعبي
_________________
(١) وأخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة، ومن طريقه أبو موسى المديني (كما في الإصابة ٣/ ٢٧٢) من طريق إبراهيم بن هَرَاسةَ، عن سفيان الثوري به. وإبراهيم بن هَرَاسة أبو إسحاق الشيباني الكوفي: قال البخاري، والنسائي: متروك الحديث، وكذبه أبو عبيد والعجلي. وقال ابن عدي: يغرب عن الثوري بأحاديث صالحة. - وقد خولف ابنُ هَرَاسة في سياقة هذا الحديث عن الثوري عن ابن عقيل، وسيأتي ذلك. انظر هامش (١١٣).
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ (٤٥٧٦).
(٣) في تفسيره (٨/ ٨) (٨٦٦٩). [¬١]- في خ: "بن". [¬٢]- في خ: "رواه".
[ ٣ / ٣٦٠ ]
والحسن.
وقال [¬١] ابن سيرين وسعيد بن جبير ومكحول وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح والزهري ويحيى بن يعمر: إنها واجبة.
وروى ابن أبي حاتم (^٨٧)، عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن محمد بن سيرين، قال: ولي عبيدة وصية، فأمر بشاة فذبحت، فأطعم أصحاب هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.
وقال مالك فيما يروى عنه في التفسير في جزء مجموع عن الزهري: أن عروة أعطى من مال مصعب حين قسم ماله.
وقال الزهري: وهي محكمة.
وقال مالك، عن عبد الكريم، عن مجاهد، قال: هي حق واجب ما طابت به الأنفس.
(ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم)
قال عبد الرزاق (^٨٨): أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة، أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق والقاسم بن محمد أخبراه، أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن، وعائشة حية، قالا: فلم يدع في الدار مسكينًا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه، قالا: وتلا ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ قال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس، فقال: ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية، وإنما هذه الآية في الوصية. يريد الميت [أن] يوصي لهم.
رواه ابن أبي حاتم (^٨٩).
_________________
(١) في تفسيره (٣/ ٨٧٤).
(٢) في تفسيره (١/ ١٤٩ - ١٥٠).
(٣) في تفسيره (٣/ ٨٧٥). [¬١]- في خ: "و".
[ ٣ / ٣٦١ ]
(ذكر من قال إن هذه الآية منسوخة بالكلية)
قال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ قال: منسوخة.
قال إسماعيل بن مسلم المكي، عن قتادة، عن عكرمه، عن ابن عباس، قال -في هذه الآية- ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾: نسختها الآية التي بعدها. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
وروى العوفي، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في هذه الآية- ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾: كان ذلك من قبل أن تنزل الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض، فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سمى المتوفى.
رواهن ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم (^٩٠): حَدَّثَنَا الحسن بن محمد بن الصباح، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾: نسختها آية الميراث فجعل لكل إنسان نصيبه مما ترك الوالدان والأقربون، مما قل منه أو كثر.
وحَدَّثَنَا أسيد بن عاصم، حَدَّثَنَا سعيد بن عامر، عن همام، حَدَّثَنَا قتادة، عن سعيد بن المسيب، أنه قال: إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض، كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوو القربى إذا حضروا القسمة، ثم [نُسخ بعد ذلك] [¬١] نسختها المواريث، فألحق الله بكل ذي حق حقه، وصارت الوصية من [¬٢] ماله، يوصي بها لذوي قرابته حيث شاء.
وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب: هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية.
وهكذا روي عن عكرمة وأبي الشعثاء والقاسم بن محمد، وأبي صالح، وأبي مالك وزيد بن أسلم والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وربيعة بن أبي عبد الرحمن، أنهم قالوا: إنها
_________________
(١) المصدر السابق. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "مما".
[ ٣ / ٣٦٢ ]
منسوخة.
وهذا مذهب جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم.
وقد اختار ابن جرير هاهنا قولًا غريبًا جدًّا، وحاصله أن معنى الآية عنده، وإذا حضر القسمة -أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولوا قرابة الميت فارزقوهم منه، وقولوا لليتامى والمساكين إذا حضروا قولًا معروفًا. هذا معنى ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار (^٩١)، وفيه نظر، والله أعلم.
وقال [¬١]: العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ هي قسمة اليراث. وهكذا قال غير واحد. والمعنى على هذا، لا على ما سلكه [أبو جعفر] [¬٢] ابن جرير ﵀ بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا، هذا يأخذ، وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطونه [¬٣]، فأمر الله تعالى -وهو الرءوف الرحيم- أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برًّا بهم، وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم، وجبرًا لكسرهم. كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وذم الذين ينقلون [¬٤] المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي: بليل. وقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ﴾ فـ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ فمن جحد حق الله عليه عاقبه الله في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث: "ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته" (^٩٢).
أي: منعها يكون سبب محاق [¬٥] ذلك المال بالكلية.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه، ويسدّده للصواب، ولينظر [¬٦] لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشى عليهم الضيعة.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٨/ ١٢).
(٢) رواه الإمام الشافعي في مسنده (شفاء العي (١/ ٤٠٥) (٦٠٧) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٥٩) والبغوي في شرح السنة (١٥٦٣)، ورواه الحميدي في مسنده (٢٣٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢١٤) وعنه البيهقي (٤/ ١٥٩). - كلهم من طريق محمد بن عثمان بن صفوان بن أمية القرشي الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ به مرفوعًا. ومحمد بن عثمان هذا، قال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، ووثقه ابن حبان. قال ابن عدي: ومحمد بن عثمان بن صفوان يُعرف بهذا الحديث، ولا أعلم أنه رواه عن هشام بن عروة غيرُه. [¬١]- في خ: قال، وقال. [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- في خ: "يعطون". [¬٤]- في خ: "يستقلون". [¬٥]- في ت: "محق". [¬٦]- في ت: "فينظر".
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت [¬١] في الصحيحين (^٩٣) أن رسول الله ﷺ، لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال: يا رسول الله، إني ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". قال: فالشطر. قال: "لا". قال: فالثلث. قال: "الثلث، والثلث كثير". ثم قال رسول الله ﷺ: "إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس".
وفي الصحيح (^٩٤)، عن ابن عباس، قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله ﵌ قال: "الثلث، والثلث كثير".
قال الفقهاء: إن كان ورثة الميت أغنياء، استحب للميت أن يستوفى الثلث في وصيته، وإن كانوا فقراء استحب أن ينقص الثلث. وقيل: المراد بقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي [¬٢] في مباشرة أموال اليتامى. ﴿وَلَا
_________________
(١) (*) قال الحافظ المنذري: وهذا الحديث يحتمل معنيين: أحدهما: أن الصدقة ما تُركَتْ في مال ولم تُخْرَجْ منه إلا أهلكته. والثاني: أن الرجل يأخذ الزكاة وهو غني عنها، فيضعُها مع ماله فتهلكه، وبهذا فسره الإمام أحمد. الترغيب والترهيب (١/ ٥٤٣).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (٢٧٤٢)، وصحيح مسلم، كتاب الوصية (١٦٢٨).
(٣) صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث (٢٧٤٣)، وصحيح مسلم، كتاب الوصية (١٦٢٩). [¬١]- في خ: "وورد". [¬٢]- سقط من: ت.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا [أَنْ يَكْبَرُوا] [¬١]﴾.
حكاه ابن جرير من طريق العوفي، عن ابن عباس (^٩٥)، وهو قول حسن، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلما [ولا ترعبهم] [¬٢]، أي كما تحب أن تعامل ذرّيتك من بعدك، فعامل الناس في ذرّياتهم إذا وليتهم، ثم أعلمهم أن من أكل أموال اليتامى ظلمًا، فإنما يأكل في بطنه نارًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أي: إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارًا تتأجج في بطونهم يوم القيامة. وروي [¬٣] في الصحيحين (^٩٦)، من حديث سليمان بن بلال، عن ثور بن يزيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"- قيل: يا رسول الله؛ وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات".
و[¬٤] قال ابن أبي حاتم (^٩٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا عبيدة، أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمي، حَدَّثَنَا أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، ما رأيت ليلة أسري بك؟ قال: "انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال كل رجل منهم له مشفران كمشفر البعير، وهو موكل بهم رجال يفكون [¬٥] لحي [¬٦] أحدهم، ثم يجاء بصخرة من نار فتقذف في في أحدهم، حتى تخرج من أسفله، وله [¬٧] خوار وصراخ، قلت: يا جبريل؛ من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا".
_________________
(١) تفسير ابن جرير (٨/ ٢٣).
(٢) صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا إنما يأكلون في بطونهم نارًا وسيصلون سعيرًا" (٢٧٦٦) (٥٧٦٤) (٦٨٥٧) وصحيح مسلم، كتاب الإيمان (٨٩).
(٣) في تفسيره (٣/ ٨٧٩). وهو جزء من حديث المعراج الذي رواه أبو هارون العبدي، عن أبي سعيد. وسيأتي بطوله في سورة الإسراء. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٣]- في ت: "و". [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- في خ: "يكفون". [¬٦]- في ت: "لحاء". [¬٧]- في ت: "لهم".
[ ٣ / ٣٦٥ ]
وقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة، ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، وأنفه، وعينيه، يعرفه كل من رآه بآكل مال اليتيم.
وقال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حَدَّثَنَا أحمد بن عمرو، حَدَّثَنَا عقبة بن مكرم، حَدَّثَنَا يونس بن بكير، حدثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث، [عن أبي برزة] [¬١]، أن رسول الله ﷺ قال: ["يبعث يوم القيامة القوم من قبورهم، تأجج أفواههم نارًا". قيل: يا رسول الله، من هم؟ قال] [¬٢]: "ألم تر أن الله قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية.
رواه [¬٣] ابن أبي حاتم (^٩٨)، عن أبي زرعة، عن عقبة بن مكرم، وأخرجه أبو حاتم بن حبان في صحيحه (^٩٩)، عن أحمد بن علي بن المثنى (^١٠٠)، عن عقبة بن مكرم.
وقال ابن مردويه: حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر، حَدَّثَنَا أحمد بن عصام، حَدَّثَنَا أبو عامر العبدي (^١٠١)، حَدَّثَنَا عبد الله بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أحرج مال الضعيفين المرأة واليتيم" (^١٠٢) أي:
_________________
(١) في تفسيره (٣/ ٨٧٩).
(٢) الإحسان (١٢/ ٣٧٧) (٥٥٦٦).
(٣) هو أبو يعلى الموصلي، والحديث في مسنده (١٣/ ٤٣٤) (٧٤٤٠). وقد رواه عنه أيضًا أبو أحمد بن عدي في الكامل (٣/ ١٠٤٧)، وقد ذكر ابن عدي هذا الحديث في مناكير زياد بن المنذر، ثم قال: وعامة أحاديثه غير محفوظة. وزياد بن المنذر هذا كذبه ابن معين، وقال أحمد والنسائي وغيرهما: متروك الحديث.
(٤) كذا في الأصل، والأظهر أنه أبو عامر العَقدي: عبد الملك بن عمرو القيسي. فهو يروي عن عبد الله بن جعفر الزهري المخرمي، وروى عنه أحمد بن عصام الأنصاري. انظر: الجرح والتعديل (٢/ ٦٦)، وتهذيب التهذيب.
(٥) أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٩) (٩٦٦٤)، والنسائي في الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب حق المرأة على زوجها (٩١٤٩)، وابن ماجة في كتاب الأدب، باب حق اليتيم (٣٦٧٨)، وابن حبان (الإحسان ١٢/ ٣٧٦) والحاكم في المستدرك (١/ ٦٣، ١٢٨) والبيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٣٤). - كلهم من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: ﵁ به مرفوعًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ت.
[ ٣ / ٣٦٦ ]
أوصيكم باجتناب مالهما.
وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء، فيحبس له، حتى يأكله أو يفسد، فاشتدّ ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ الآية، فخلطوا طعامهم بطعامهم، وشرابهه بشرابهم (^١٠٣).
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾
هذه الآية الكريمة والتي بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة، هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك، مما هي كالتفسير لذلك. ولنذكر منها ما هو متعلق بتفسير ذلك. وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتب الأحكام، والله المستعان.
وقد ررد الترغيب في تعلم الفرائض، وهذه الفرائض الخاصة من أهم ذلك، وقد روى أبو داود (^١٠٤) وابن ماجة (^١٠٥) من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإِفريقي، عن
_________________
(١) تقدم تخريجه في سورة البقرة، آية رقم ٢٢٠.
(٢) سنن أبي داود، كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض (٢٨٨٥).
(٣) سنن ابن ماجه، المقدمة، من اجتناب الرأي والقياس (٥٤). ورواه أيضًا: الدارقطني في سننه (٤/ ٦٨)، والحاكم في مستدركه (٤/ ٢٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠٦)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١/ ٧٥١) (١٣٨٤)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢٩١). - كلهم من طرق عن عبد الرحمن بن زياد بن أَنْعُم الإِفريقي به مرفوعًا. - وعبد الرحمن بن زياد: ضعفه أحمد وابن معين والترمذي والنسائي وابن خزيمة وغيرهم، وقال =
[ ٣ / ٣٦٧ ]
عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو [﵄ أن رسول الله ﷺ قال:] [¬١] "العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل، آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة".
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أبا هريرة، تعلموا الفرائض، وعلموه الناس [¬٢]، فإنه نصف العلم، وهو ينسى، وهو أول شيء ينتزع من أمتي".
رواه ابن ماجة (^١٠٦)، وفي إسناده ضعف. وقد روي من حديث عبد الله بن مسعود (^١٠٧)
_________________
(١) = ابن عدي: عامة حديثه لا يتابع عليه. وقد وثقه أحمد بن صالح، وقوى البخاري أمره وقال: هو مقارب الحديث.- وشيخه عبد الرحمن بن رافع التنوخي: قال البخاري: في حديثه مناكير، وقال أبو حاتم: حديثه منكر. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لا يحتج بخبره إذا كان من رواية ابن أَنْعُم، وإنما وقع المناكير في حديثه من أجله.
(٢) في سننه، كتاب الفرائض، باب الحث على تعليم الفرائض (٢٧١٩). ورواه العقيلي في الضعفاء (١/ ٢٧١)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٧٢) (٥٢٩٣)، وابن عدي في الكامل (٧٩١/ ٢)، والدارقطني في السنن (٤/ ٦٧)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٠٨)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٩٠). - كلهم من طريق حفص بن عمر بن أبي العَطَّاف، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعًا. وحفص بن عمر بن أبي العَطَّاف المدني: وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به بحال. قال البخاري: منكر الحديث، روى عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في تعليم الفرائض. وقال مرة: عن أبي الزناد عن المقبري عن أبي هريرة. ولا يصح. وقال العقيلي: لا يُتابَع عليه ولا يعرف إلا به. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن أبي الزناد إلا حفص بن عمر بن أبي العَطّاف. وقال ابن عدي بعد أن روى له هذا الحديث وآخر في مناكيره: وهذان الحديثان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. لا يرويهما عنه - مع تَلَوُّنِ حفص بن عمر في إسناديهما - غير حفص بن عمر بن أبي العَطاف. قال: وحديثه -كما قال البخاري- منكر الحديث. وقال البيهقي: تفرد به حفص بن عمر، وليس بالقوي.
(٣) حديث ابن مسعود يرويه عوف ابن أبي جميلة عن الأعرابي عن سليمان بن جابر، عن ابن مسعود. وقد اختلف فيه على عوف: - فرواه عبد الله بن المبارك (عند النسائي في الكبرى، كتاب الفرائض، باب الأمر بتعليم الفرائض (٤/ ٦٣ - ٦٤) (٦٣٠٦)، وأبو أسامة حماد بن أسامة (عند الترمذي، كتاب الفرائض، باب ما جاء = [¬١]- في ت: "مرفوعًا". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
وأبي سعيد (^١٠٨)، وفي كل منهما نظر. قال ابن عيينة: إنما سمى الفرائض نصف العلم، لأنه يبتلى الناس كلهم.
وقال البخاري (^١٠٩)، عند تفسير هذه الآية: حَدَّثَنَا إبراهيم بن موسى، حَدَّثَنَا هشام، أن ابن جريج أخبرهم، قال: أخبرني ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: عادني رسول الله ﷺ وأبو بكر في بني سلمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا أعقل شيئًا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش علي، فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله؟ فنزلت: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾.
وكذا رواه مسلم (^١١٠) والنسائي (^١١١) من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج
_________________
(١) = في تعليم الفرائض (٢٠٩٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٠٨). وهَوْذة بن خليفة (عند الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٣». ثلاثتهم (عبد الله وأبو أسامة وهوذة) عن عوف، عمن حدثه عن سليمان بن جابر، عن ابن مسعود. - ورواه شريك بن عبد الله (عند النسائي في الكبرى، كتاب الفرائض، باب الأمر بتعليم الفرائض (٤/ ٦٣) (٦٣٠٥). وعثمان بن الهيثم (عند الدارمي في سننه (١/ ٧٢ - ٧٣». وعمرو بن حمران البصري (عند الدارقطني في سننه (٤/ ٨١ - ٨٢». والنضر بن شميل (عند الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٣» أربعتهم (شريك وعثمان وعمرو والنضر) عن عوف، عن سليمان بن جابر، عن ابن مسعود مرفوعًا متصلًا. - ورواه المثنى بن بكر العبدي عن عوف، عن سليمان بن جابر، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود (عند البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٠٨». - ورواه الفضل بن دلهم القصاب عن عوف، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة (عند الترمذي في السنن، كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض (٢٠٩٢). (*) قال الإمام أبو الحسن الدارقطني ﵁: والقولُ قولُ ابن المبارك ومن تابعه. العلل (٥/ ٧٨ - ٧٩) (٧٢٦).
(٢) حديث أبي سعيد الخدري رواه الدارقطني في سننه (٤/ ٨٢)، قال الحافظ في الفتح (٥/ ١٢): أخرجه الدارقطني من طريق عطية، وهو ضعيف: (وقع في إسناد المطبوع من الدارقطني: زكريا بن عطية؛ وهو تصحيف، وإنما هو: زكريا، عن عطية).
(٣) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب "يوصيكم الله في أولادكم" (٤٥٧٧).
(٤) صحيح مسلم، كتاب الفرائض (١٦١٦).
(٥) سنن النسائي الكبرى، كتاب الفرائض، باب ذكر الكلالة (٦٣٢٣).
[ ٣ / ٣٦٩ ]
به. ورواه الجماعة كلهم من حديث سفيان بن عيينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر (^١١٢).
(حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية). قال الإمام أحمد (^١١٣): حَدَّثَنَا زكريا بن عدي، حَدَّثَنَا عبيد الله -هو ابن عمرو الرقي- عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى [¬١] رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في يوم أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال. قال: فقال: "يقضي الله في ذلك". قال فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقى فهو لك".
وقد رواه أبو داود (^١١٤) والترمذي (^١١٥) وابن ماجة (^١١٦) من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل، به. قال الترمذي: ولا يعرف إلا من حديثه.
والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة، كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا، تبعًا للبخاري ﵀؛ فإنه ذكره هاهنا، والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم.
فقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ أي: يأمركم بالعدل
_________________
(١) البخاري في صحيحه، كتاب المرضى، باب عيادة المغمى عليه (٥٦٥١)، ومسلم في كتاب الفرائض (١٦١٦)، وأبو داود في كتاب الفرائض، باب في الكلالة (٢٨٨٦)، والترمذي في كتاب الفرائض، باب ميراث البنين مع البنات (٢٠٩٧)، والنسائي في سننه، كتاب الطهارة، باب الانتفاع بفضل الوضوء (١/ ٨٧)، وابن ماجة في كتاب الفرائض، باب الكلالة (٢٧٢٨).
(٢) في مسنده (٣/ ٣٥٢) (١٤٨٤١).
(٣) سنن أبي داود، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الصلب (٢٨٩١) (٢٨٩٢). وجاء في الرواية الأولى عنده من طريق بشر بن المفضل عن ابن عقيل: (هاتان بنت ثابت بن قيس). قال أبو داود: أخطأ بشر فيه؛ إنما هما ابنة سعد بن الربيع، وثابت بن قيس قتل دوم اليمامة.
(٤) جامع الترمذي، كتاب الفرائض، باب ميراث البنات (٢٠٩٣)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل.
(٥) سنن ابن ماجه، كتاب الفرائض، باب فرائض الصلب (٢٧٢٠). [¬١]- سقط من: ت.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث المذكور دون الإِناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت [¬١] بين الصنفين [¬٢]، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة، ومعاناة التجارة، والتكسب، وتحمل المشاق [¬٣]، فناسب أن يعطى ضعفي ما تأخذه الأنثى.
وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالدة بولدها، حيث وصَّى [¬٤] الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح، وقد رأى امرأة من السبي [فرّق بينها وبين ولدها، فجعلت] [¬٥] تدور على ولدها، فلما وجدته [من السبي] [¬٦] أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته، فقال رسول الله ﵌ لأصحابه: "أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟! " قالوا: لا يا رسول الله. فقال: "فوالله، لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (^١١٧).
وقال البخاري هاهنا (^١١٨): حَدَّثَنَا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع.
وروى [¬٧] العوفي عن ابن عباس قوله [¬٨]: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾: وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فرض الله فيها ما فرض للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم، وقالوا: تعطى المرأة الربع أو الثمن، وتعطى البنت النصف، ويعطى الغلام الصغير، وليس من هؤلاء أحد يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة! اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله ﷺ ينساه، أو نقول له فيغير،
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الأدب، (٥٩٩٩)، ومسلم في كتاب التوبة (٢٧٥٤) - كلاهما من حديث زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب ﵁ مرفوعًا.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب "ولكم نصف ما ترك أزواجكم" (٤٥٧٨). [¬١]- في خ: "وفوت". [¬٢]- في خ: "الصفتين". [¬٣]- في خ: "المشقة". [¬٤]- في ت: "أوصى". [¬٥]- ما بين المعكوفتين من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين من: خ. [¬٧]- في ت: "وقال". [¬٨]- سقط من: ت.
[ ٣ / ٣٧١ ]
فقال [¬١] بعضهم: يا رسول الله، تعطى الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفرس ولا تقاتل القوم، ويعطى الصبي الميراث وليس يغني شيئًا. وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا من قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر.
رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضًا (^١١٩).
وقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ قال بعض الناس: قوله فوق، زائدة، وتقديره: فإن كن نساء اثنتين، كما في قوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ وهذا غير مسلم لا هنا ولا هناك، فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه، وهذا ممتنع. ثم قوله: ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال: فلهما ثلثا ما ترك، وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين، وإذا ورث الأختان الثلثين، فلأن ورث البنتان الثلثين بطريق الأولى والأحرى [¬٢] وقد تقدم في حديث جابر، أن النبي ﷺ حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضًا فإنه قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف﴾ فلو كان للبنتين النصف لنص عليه أيضًا، فلما حكم به للواحدة على انفرادها، دل على أن البنتين في حكم الثلاث، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ إلى آخره، الأبوان لهما في الميراث [¬٣] أحوال (أحدهما): أن يجتمعا مع الأولاد فيفرض لكل واحد منهما السدس، فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض [¬٤] لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع [¬٥] له والحالة هذه بين الفرض والتعصيب.
(الحال الثاني): أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم الثلث والحالة هذه، ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، فيكون قد أخذ ضعفي ما [¬٦] للأم وهو الثلثان، فلو كان معهما -والحالة هذه- زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف، والزوجة الربع. ثم اختلف العلماء، [ما
_________________
(١) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٨٨٢)، وتفسير الطبري (٨/ ٣٢). [¬١]- في خ: "فقالوا". [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- في ت: "الإرث". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "فيجتمع". [¬٦]- في ت: "ما حصل".
[ ٣ / ٣٧٢ ]
تأخذ الأم بعد فرض الزوج أو الزوجة] [¬١] على ثلاثة أقوال: (أحدها): أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين؛ لأن الباقي كأنه جميع الميراث بالنسبة إليهما، وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب، فتأخذ ثلث الباقي، ويأخذ الأب الباقي ثلثيه، وهو [¬٢] قول عمر وعثمان، وأصح الروايتين عن علي، وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور العلماء ﵏.
(والقول الثاني): أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا، وهو قول ابن عباس. وروي عن علي ومعاذ بن جبل نحوه. وبه يقول شريح وداود الظاهرى. واختاره [¬٣] أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري (^١٢٠) في كتابه "الإِيجاز في علم الفرائض".
وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف؛ لأن ظاهر الآية إنما هو إذا استبد بجميع التركة، [فأما في هذه المسألة [¬٤] فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض، ويبقى الباقي كأنه جميع التركة، فتأخذ ثلثه كما تقدم.
(والقول الثالث) أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة خاصة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة من اثني عشر، وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة، فيبقى خمسة للأب. وأما في مسألة الزوج، فتأخذ ثلث الباقي؛ لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة: للزوج النصف ثلاثة، وللأم ثلث الباقي [بعد ذلك] [¬٥] وهو سهم، وللأب الباقي [بعد ذلك] [¬٦] وهو سهمان. ويحكى هذا عن محمد بن سيرين ﵀، وهو قول مركب من القولين الأولين وهو [¬٧] موافق [لكل منهما] [¬٨] في صورة وهو ضعيف أيضًا، والصحيح الأول، والله أعلم.
_________________
(١) هو إمام الفرضيين في الآفاق، محمد بن عبد الله بن الحسن أبو الحسين البصري الفرضي الشافعي. قال أبو إسحاق الشيرازي: كان ابن اللبان إمامًا في الفقه والفرائض، صنف فيها كتبًا ليس لأحد مثلها. وقال الخطيب البغدادي: انتهى إليه علم الفرائض. توفي سنة ٤٠٢ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "ماذا تأخذ الأم بعد ذلك". [¬٢]- في ت: "وهذا". [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "وأما هنا". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: "بعد الباقي". [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ: "كلاهما".
[ ٣ / ٣٧٣ ]
(الحال الثالث من أحوال الأبوين) وهو اجتماعهما مع الأخوة، وسواء كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي.
وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد ررى البيهقي (^١٢١) من طريق شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس، أَنه دخل على عثمان فقال: إن الأخوين لا يردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة. فقال عثمان: لا أستطع تغيير [¬١] ما كان قبلي، ومضى في الأمصار وتوارث به الناس. وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شعبة هذا تكلم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحًا عن ابن عباس، لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه (^١٢٢).
وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، أنه قال: الأخوان تسمى إخوة. وقد أفردت لهذه المسألة جزءًا على حدة.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢٣): حَدَّثَنَا أبي، حَدْثَنَا عبد العزيز بن المغيرة، حَدَّثَنَا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد عن [¬٢] الثلث، ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يرون أنهم إنما حجبوا أمهم عن [¬٣] الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم، ونفقته عليهم دون أمهم.
_________________
(١) السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٢٧). وشعبة هو ابن دينار الهاشمي مولى ابن عباس، قال عنه مالك: ليس بثقة. وقال ابن معين في رواية: لا يكتب حديثه. وقال أبو حاتم والجوزجاني والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة بن الساجي: ضعيف، وقال البخاري: يتكلم فيه مالك ويُحتملُ منه. قال ابن القطان الفاسي: قوله: (ويُتَحمَّل منه): يعني من شعبة، وليس هو ممن يُترك حديثه. قال: ومالك لم يضعفه، وإنما شح عليه بلفظة ثقة. قال ابن حجر: قلت: هذا التأويل غير سائغ، بل لفظة (ليس بثقة) في الاصطلاح توجب الضعف الشديد. وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر.
(٢) ومن ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير أنه قال في قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾: أخوان فصاعدًا، أو أختان، أو أخ وأخت. (٣/ ٨٨٣).
(٣) في تفسيره (٣/ ٨٨٣). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ "من". [¬٣]- في خ: "من".
[ ٣ / ٣٧٤ ]
وهذا كلام حسن. لكن روي عن ابن عباس، بإسناد صحيح، أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم. وهذا قول شاذ. رواه ابن جرير في تفسيره (^١٢٤)، فقال: حَدَّثَنَا الحسن بن يحيى، حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: السدس [¬١] الذي حجبته الإخوة الأم لهم، إنما حجبوا أمهم عنه ليكون لهم دون أبيهم.
ثم قال ابن جرير: وهذا قول مخالف لجميع الأمّة، وقد حدّثني يونس، [أخبرنا سفيان] [¬٢]، أخبرنا عمرو، عن الحسن بن محمد، عن ابن عباس أنه قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ أجمع العلماء [من السلف والخلف] [¬٣]، على أن الدين مقدم على الوصية، وذلك عند إمعان النظر يفهم من فحوى الآية الكريمة. [وقد روى الإمام] [¬٤] أحمد (^١٢٥) والترمذي (^١٢٦) وابن ماجة (^١٢٧) وأصحاب التفاسير (^١٢٨) من حديث أبي إسحاق عن الحارث بن عبد الله الأعور، عن علي بن أبي طالب قال: إنكم تقرءون ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ وإن رسول الله ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات، يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه. ثم قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث الأعور، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم.
_________________
(١) (٨/ ٤٥) وفيه: ليكون لهم دون أمهم.
(٢) في مسنده (١/ ٧٩، ١٣١، ١٤٤) (٥٩٥) (١٠٩١) (١٢٢١).
(٣) جامع الترمذي، كتاب الفرائض، كتاب مما جماء في ميراث الإخوة من الأب والأم (٢٠٩٥) (٢٠٩٦) وأيضًا (٢١٢٢٣). قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. وقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث. والحمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم.
(٤) سنن ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب الدين قبل الوصية (٢٧١٥)، وكتاب الفرائض، باب ميراث العصبة (٢٧٣٩).
(٥) كابن جرير في تفسيره (٨/ ٤٦ - ٤٧)، وابن أبي حاتم في تفسيره ص ٣/ ٨٨٣). [¬١]- في خ: "السدي". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "سلفا وخلفا". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "وروى".
[ ٣ / ٣٧٥ ]
(قلت): لكن كان حافظًا للفرائض، معتنيًا [¬١] بها وبالحساب (^١٢٩)، فالله أعلم.
وقوله: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: إنما فرضنا للآباء وللأبناء، وساوينا بين الكل في أصل الميراث على خلاف ما كان عليه الأمر في الجاهلية، وعلى خلاف ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، من كون المال للولد وللأبوين الوصية كما تقدم عن ابن عباس، إنما نسخ الله ذلك إلى هذا، ففرض لهؤلاء ولهؤلاء بحسبهم، لأن الإِنسان قد يأتيه النفع الدنيوي أو الأخروي أو هما من أبيه ما لا يأتيه من ابنه، وقد يكون بالعكس، فلذا قال: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ أي: [كما أن] [¬٢] النفع متوقع ومرجو من هذا، كما هو متوقع ومرجو من الآخر، فلهذا فرضنا لهذا ولهذا، وساوينا بين القسمين في أصل الميراث، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ أي [¬٣]: هذا الذي ذكرناه من تفصيل الميراث، وإعطاء بعض الورثة أكثر من بعض، هو فرض من الله، حكم به وقضاه ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ الذي يضع الأشياء في محالها، ويعطي كلا ما يستحقه بحسبه، ولهذا قال ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.
* ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَينٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَينٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ
_________________
(١) ومن ذلك: قال مجالد: قيل للشعبي: كنت تختلف إلى الحارث؟ قال: نعم؛ أختلف إليه أتعلم منه الحساب، كان أحسب الناس. وقال أبو بكر بن أبي داود: كان الحارث أفقه الناس: وأحسب الناس، وأفرض الناس؛ تعلم الفرائض من علي. [¬١]- في خ: "متعينًا". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "كأن". [¬٣]- في خ: أي من.
[ ٣ / ٣٧٦ ]
مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾
يقول تعالى: ولكم أيها الرجال نصف ما ترك أزواجكم إذا مُتْن عن غير ولد، فإن كان لهنّ ولد فلكم الربع مما تركن من بعد [وصية يوصين بها أو دين] [¬١]. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية، ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب.
ثم قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ إلى آخره، وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان [¬٢] والثلاث والأربع، يشتركن فيه.
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ إلخ الكلام عليه كما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً﴾ الكلالة [¬٣] مشتقة من الإِكليل، وهو [¬٤] الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا من يرثه من حواشيه، [لا أصل ولا فرعه] [¬٥]، كما روى الشعبي، عن أبي بكر الصديق، أنه سئل عن الكلالة؟ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن [¬٦] صوابًا فمن الله، وإن يكن [¬٧] خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه [¬٨]: الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما ولي عمر قال: إني لأستحيي أن أخالف أبا بكر في رأي رآه.
كذا [¬٩] رواه ابن جرير (^١٣٠) وغيره، وقال ابن أبي حاتم في تفسيره (^١٣١): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله بن يزيد [¬١٠]، حَدَّثَنَا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، قال: سمعت [عبد الله] [¬١١] بن عباس يقول: كنت آخر الناس عهدًا بعمر، فسمعته يقول: القول ما قلت، وما قلت، وما قلت، قال: الكلالة من لا ولد له ولا والد.
_________________
(١) في تفسيره (٨/ ٥٣ - ٥٤).
(٢) (٣/ ٨٨٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "الوصية أو الدين". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ت: "لا أصوله ولا فروعه". [¬٦]- في خ: "كان". [¬٧]- في خ: "كان". [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- سقط من: خ. [¬١٠]- في خ: "زيد". [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
وهكذا قال علي بن أبي طالب وابن مسعود، وصح من غير وجه، عن [عبد الله] [¬١] بن عباس وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي والحسن [البصري] [¬٢] وقتادة وجابر بن زيد والحكم، وبه يقول أهل [¬٣] المدينة وأهل الكوفة والبصرة، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور السلف والخلف، بل جميعهم، وقد حكى الإجماع [على ذلك] [¬٤] غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع (^١٣٢)، قال أبو الحسين بن اللبان: وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه من لا ولد له. والصحيح عنه الأوّل، ولعل الراوي ما فهم عنه ما أراد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ أي: من أم. كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه قتادة عنه ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه؛ أحدها: أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم.
(والثاني): أن ذكورهم وإناثهم في الميراث [¬٥] سواء.
(والثالث): [أنهم لا يرثون إلا إن كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب ولا جد ولا ولد ولا] [¬٦] ولد ابن.
(الرابع): أنهم لا يزادون على الثلث، وإن كثر ذكورهم وإناثهم.
وقال ابن أبي حاتم (^١٣٣): حَدَّثَنَا يونس، حَدَّثَنَا ابن وهب، أخبرنا يونس، عن الزهري قال: قضى عمر بن الخطاب ﵁ أن ميراث الأخوة من الأم بينهم الذكر مثل حظ [¬٧] الأنثى، قال محمد بن شهاب الزهري: ولا أرى [¬٨] عمر قضى بذلك حتى علم
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٣٦)، من حديث أبي هريرة.
(٢) في تفسيره (٣/ ٨٨٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "عليه". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- في خ: "أدرى".
[ ٣ / ٣٧٨ ]
ذلك من رسول الله ﷺ. ولهذه الآية التي قال الله تعالى فيها: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
واختلف العلماء في المسألة المثشركة وهي زوج وأم أو جدة، واثنان من ولد الأم، وواحد أو أكثر من ولد الأبوين، فعلى قول الجمهور: للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث، ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المثشرك وهو إخوة الأم.
وقد وقعت هذه المسألة في زمن [¬١] أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأعطى الزوج النصف والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين: يا أمير المؤمنين؛ هب أن أبانا كان حمارًا ألسنا من أم واحدة؟ فشرك بينهم.
وصح التشريك عنه وعن [¬٢] أمير المؤمنين عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃، وبه يقول سعيد بن المسيب وشريح القاضي ومسروق وطاووس ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز والثوري وشريك، وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه.
وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه لأنهم عصبة. وقال وكيع بن الجراح: لم يختلف عنه في ذلك. وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري، وهو المشهور عن ابن عباس، وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد وزفر بن الهذيل والإِمام أحمد [بن حنبل] [¬٣] ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد وأبي ثور وداود بن علي الظاهري، واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي ﵀ في كتابه "الإِيجاز".
وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ ي: لتكن [¬٤] وصيته على العدل، لا على الإضرار والجور والحيف، بأن يحرم بعض الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما فرض [¬٥] الله له من الفريضة، فمتى سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في [حكمته وقسمته] [¬٦]. ولهذا قال ابن أبي حاتم (^١٣٤): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حَدَّثَنَا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس،
_________________
(١) المصدر السابق. [¬١]- في ت: "زمان". [¬٢]- في خ: "وقال". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٤]- في خ: "لتكون". [¬٥]- في خ: "قدر". [¬٦]- في ت: "حكمه وشرعه".
[ ٣ / ٣٧٩ ]
عن النبي ﷺ قال: "الإِصرار في الوصية من الكبائر".
وكذا رواه ابن جرير (^١٣٥) من طريق عمر بن المغيرة هذا، وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، وقال [أبو القاسم] [¬١] بن عساكر: ويعرف بمفتى المساكين، وروى عنه غير واحد من الأئمة، وقال فيه أبو حاتم الرازي: شيخ [¬٢]. وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه (^١٣٦). ولكن رواه النسائي في سننه (^١٣٧) عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا "الإضرار في الوصية من الكبائر". وكذا رواه ابن أبي حاتم (^١٣٨)، عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند، ورواه ابن جرير (^١٣٩) من حديث جماعة من الحفاظ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا، وفي بعضها ويقرأ ابن عباس ﴿غَيرَ مُضَارٍّ﴾.
_________________
(١) في تفسيره (٨/ ٦٦)، ورواه أيضًا العقيلي في الضعفاء (٣/ ١٨٩)، والدارقطني في السنن (٤/ ١٥١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١) من طريق عبد الله بن يوسف التنيسيي عن عمر بن المغيرة عن داود به.
(٢) وقال البخاري: عمر بن المغيرة منكر الحديث مجهول.
(٣) سنن النسائي الكبرى، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٦/ ٣٢٠) (١١٠٩٢).
(٤) في تفسيره (٣/ ٨٨٩).
(٥) تفسير الطبري (٨/ ٦٥) من حديث عبيدة بن حميد، وابن علية ويزيد بن زريع وبشر بن المفضل وعبد الوهاب بن عبد المجيد وابن أبي عدي وعبد الأعلى بن عبد الأعلى -كلهم عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا. وكذا رواه سعيد بن منصور في سننه (٣٤٢) -وسقط من إسناده ابن عباس- وعنه البيهقي في السنن الكبرى على الصواب (٦/ ٢٧١) عن هشيم بن بشير. ورواه أيضًا عن خالد بن عبد الله وسفيان بن عيينة، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه عن أبي خالد الأحمر، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٨٨) (١٦٤٥٦) عن الثوري- كلهم (خالد وابن عيينة وهشيم وأبو خالد والثوري) عن داود عن عكرمة عن ابن عباس موقوفًا. قال العقيلي: هذا رواه الناس عن داود موقوفًا، لا نعلم رفعه غير عمر بن المغيرة. وقال البيهقي: هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفًا، وروى من وجه آخر مرفوعًا، ورفعه ضعيف. [¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: ت. [¬٢]- في خ: هو شيخ.
[ ٣ / ٣٨٠ ]
قال ابن جريج (^١٤٠): والصحيح الموقوف.
ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث هل هو صحيح أم لا؟ على قولين؛ (أحدهما): لا يصح؛ لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار. وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (^١٤١). وهذا مذهب مالك وأحمد بن حنبل وأبي حنيفة، والقول القديم للشافعي ﵏، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإِقرار. وهو مذهب طاوس وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز، وهو اختيار أبي عبد الله البخاري في صحيحه (^١٤٢)، واحتج بأن رافع بن خديج أوصى أن لا تكشف الفزارية
_________________
(١) كذا في الأصل، ولعله ابن جرير؛ فإن ابن جريج لا يذكر عنه كلام في العلل، ثم هو من أقران ابن أبي هند. والكلام ليس في تفسير ابن جرير.
(٢) أخرجه أبو داود، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث (٢٨٧٠). والترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث (٢١٢٠) وقال: حديث حسن صحيح. وابن ماجة في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٢٦٧) (٢٢٣٩٤). - كلهم من طريق إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أمامة الباهلي ﵁ به. (*) وأخرجه من حديث عمرو بن خارجة: الترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث (٢١٢١). وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية للوارث (٦/ ٢٤٧)، وابن ماجة في كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث (٢٧١٢)، وأبو داود الطيالسي في مسنده (١٣١٧). - كلهم من طريق قتادة عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة ﵁ به مرفوعًا. وأما حديث أبي أمامة ففيه إسماعيل بن عياش، وهو مستقيم الرواية إذا روى عن الشاميين، كما ذكر غير واحد من الحفاظ، وقد روي عن شامي هنا، ولذلك صححه الترمذي. وأما حديث عمرو بن خارجة: فقد اختلف فيه على قتادة؛ فرواه جماعة عن قتادة كما سبق، رواه همام والحجاج بن أرطأة وعبد الرحمن المسعودي والحسن بن دينار، عن قتادة، فلم يذكروا فيه ابن غنم، وكذلك رواه ليث بن أبي سليم، وأبو بكر الهذلي ومطر، عن شهر بن حوشب. قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: وروى بعض الشاميين حديثًا ليس مما يثبته أهل الحديث؛ فإن بعض رجاله مجهولون، فرويناه عن النبي ﷺ منقطعًا. واعتمدنا على حديث أهل المغازي عامة أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوارث" وإجماع العامة على القول به. السنن الكبرى للبيهقي (٦/ ٢٦٥).
(٣) - صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب: قول الله ﷿: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾.
[ ٣ / ٣٨١ ]
عما أغلق عليه بابها. قال: وقال بعض الناس: لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة. وقد قال النبي ﷺ "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث". وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فلم يخص وارثا ولا غيره. انتهى ما ذكره.
فمتى كان الإقرار صحيحًا مطابقًا لما في نفس الأمر، جرى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم فهو حرام بالإجماع، وبنص هذه الآية الكريمة ﴿غَيرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾.
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾
أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله، فلا تعتدوها، ولا تجاوزوها. ولهذا قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: فيها فلم يزد بعض الورثة، [ولم ينقص بعضها] [¬١] بحيلة ووسيلة، بل تركهم علي حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ أي: لكونه غيَّر ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإِهانة في العذاب الأليم المقيم.
قال الإمام أحمد (^١٤٣): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، [عن أيوب] [¬٢] عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة [¬٣] سبعين سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيته فيختم له بشر
_________________
(١) - المسند (٢/ ٢٧٨) (٧٧٢٨) من طريق عبد الرزاق، وهو في مصنفه (٩/ ٨٨) (١٦٤٥٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "ولا ينقص بعضًا". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ت: "الخير".
[ ٣ / ٣٨٢ ]
عمله، فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة". قال: ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
قال أبو داود، في باب الإضرار في الوصية من سننه (^١٤٤): حَدَّثَنَا عَبدَةُ [¬١] بن عبد الله، أخبرنا عبد الصمد، حدثنا نصر بن علي الحُداني، حَدَّثَنَا الأشعث [بن عبد الله] [¬٢] بن جابر الحدّاني، حدثني شهر بن حوشب، أن أبا هريرة حدثه، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرجل ليعمل -أو المرأة- بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضارّان في الوصية فتجب لهما النار". وقال: قرأ علي أبو هريرة من هاهنا ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ غَيرَ مُضَارٍّ﴾ حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وهكذا رواه الترمذي (^١٤٥) وابن ماجة (^١٤٦) من حديث أشعث [¬٣] ابن عبد الله بن جابر الحُدّاني به، وقال الترمذي: حسن غريب (^١٤٧). وسياق الإِمام أحمد أتم وأكمل.
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا
_________________
(١) - سنن أبي داود، كتاب الوصايا، باب: ما جاء في كراهية الإضرار بالوصية (٢٨٦٧)، ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٧١).
(٢) - جامع الترمذي، كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الضرار بالوصية (٢١١٨).
(٣) - سنن ابن ماجة، كتاب الوصايا، باب: الحيف في الوصية (٢٧٠٤) من طريق عبد الرزاق. ورواه أيضًا من طريق عبد الرزاق: الطبراني في الأوسط (٣/ ٢٢٩) (٣٠٠٢)، والخطيب البغدادي في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (٢/ ٢٣٠) - عن الأشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ به. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن شهر بن حوشب إلا أشعث بن عبد الله، ولا يروى عن النبي ﷺ إلا من حديث أشعث بن عبد الله، وأشعث بن عبد الله بن جابر الحُدّاني: وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، وقال أحمد والبزار: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الدارقطني: يعتبر به، وذكر العقيلي أن في حديثه وهمًا. أما شهر بن حوشب فهو مختلف فيه؛ فقد ضعفه غير واحد من الأئمة، ووثقه غير واحد أيضًا.
(٤) - في المطبوع من الترمذي زيادة "صحيح" وهي خطأ، فإن ما نقله المزي والمنذري وابن كثير وغيرهم عن الترمذي هو التحسين فقط. [¬١]- في خ: "عبيدة". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ت.
[ ٣ / ٣٨٣ ]
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾
كان الحكم في ابتداء الإِسلام، أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت، فلا تمكن من الخررج منه إلى أن تموت، ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا. ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك.
قال ابن عباس ﵁: كان الحكم كذلك حتى أنزل الله سورة النور، فنسخها بالجلد أو الرجم.
وكذا روي عن عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطاء الخراساني وأبي صالح وقتادة وزيد بن أسلم والضحاك أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه.
وقال الإِمام أحمد (^١٤٨): حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي أثر عليه وكرب لذلك وتربَّد [¬١] وجهه، فأنزل الله -عز رجل- عليه ذات يوم، فلما سرى عنه قال: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر؛ الثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نفي سنة".
وقد رواه مسلم (^١٤٩) وأصحاب السنن (^١٥٠) من طرق، عن قتادة، [عن الحسن] [¬٢]، عن
_________________
(١) - في مسنده (٥/ ٣١٨، ٣٢٠، ٣٢١) (٢٢٨١٨، ٢٢٨٠٦، ٢٢٨٣٤، ٢٢٨٣٥، ٢٢٨٣٩).
(٢) - في صحيحه، كتاب الحدود (١٦٩٠) وكتاب الفضائل (٢٣٣٤) (٢٤٤٥).
(٣) - سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب: في الرجم (٤٤١٥) والنسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب: عقوبة الزاني الثيب (٤/ ٢٧٠) (٧١٤٣)، وابن ماجة في كتاب الحدود، باب: حد الزنا (٢٥٥٠) - من طرق عن قتادة به. وقد جاء عند ابن ماجة "يونس بن جبير" بدل الحسن، قال= [¬١]- في خ: "وتزايد". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
حطَّان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ، ولفظه: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وهكذا رواه "أبو داود الطيالسي" [¬١] (^١٥١)، عن مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة، أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل [¬٢] عليه الوحي عرف ذلك في وجهه، فلما أنزلت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ فلما ارتفع الوحي قال رسول الله ﷺ "خذوا عني [¬٣] خذوا، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم [¬٤]، بالحجارة".
وقد روى الإمام أحمد أيضًا هذا الحديث، عن وكيع بن الجراح، [] [¬٥]، حَدَّثَنَا الفضل بن
_________________
(١) = المزى: وهو وهم -والله أعلم- فإن المحفوظ بهذا الإسناد حديث حطان، عن أبي موسى في التشهد.
(٢) - في مسنده برقم (٥٨٤)، غير أنه علقه عنه، فقال: وذكره ابن فضالة، عن الحسن، عن حطان. ورواه أيضًا أحمد في مسنده (٥/ ٣١٣) (٢٢٧٦٩)، ومسلم في صحيحه (١٦٩٠)، وأبو داود (٤٤١٦)، والترمذي (١٤٣٤)، والنسائي في الكبرى (٤/ ٢٧٠) (٧١٤٤)، وابن حبان في صحيحه "الإحسان" (١٠/ ٢٧١ - ٢٧٢) (٤٤٢٥، ٤٤٢٦) - من طريق منصور بن زاذان، ورواه أحمد في المسند (٥/ ٣١٧) (٢٢٨٠٦) من طريق حميد بن أبي حميد الطويل. ورواه النسائي في الكبرى (٤/ ٢٧٠) (٧١٤٢) من طريق يونس بن عبيد- خمستهم (قتادة، والمبارك، ومنصور، وحميد، ويونس) عن الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت ﵁ به. وقد رواه غير واحد عن الحسن عن عبادة مرسلًا؛ فرواه الإمام الشافعي في مسنده، عن عبد الوهاب عن يونس عن الحسن عن عبادة، ثم قال: وقد حدثني الثقة أن الحسن كان يدخل بينه وبين عبادة: حطان الرقاشي، ولا أدرى أدخله عبد الوهاب بينهما فترك من كتابي حين حولته وهو في الأصل أو لا؟ والأصل يوم كتبت هذا الكتاب غائب عني. شفاء العي (٢/ ١٥٣) (٢٥٢). ورواه أحمد في مسنده (٥/ ٣٢٧) من طريق جرير بن حازم، ورواه الطبري في تفسيره (٨/ ٨٩) من طريق إسماعيل بن مسلم البصري عن الحسن عن عبادة، وثَمَّ اختلافٌ آخرُ فيه على الحسن يُذكر في الحديث التالي. [¬١]- في خ: "أبو داود والطيالسي". [¬٢]- في خ: "أنزل". [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- في خ: "ورمى". [¬٥]- في خ: عن الحسن.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، قال: قال رسول الله ﷺ: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل اللَّه لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (^١٥٢).
وكذا رواه أبو داود مطولًا (^١٥٣) من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال: وليس هو بالحافظ، كان قصابا بواسط.
(حديث آخر): قال أبو بكر بن مردويه: حدَّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا عباس بن حمدان، حَدَّثَنَا أحمد بن داود [¬١]، حَدَّثَنَا عمرو بن عبد الغفار، حَدَّثَنَا إسماعيل بن [أبي خالد] [¬٢]، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: "البكران يجلدان وينفيان، والثيبان يجلدان ويرجمان، والشيخان "يرجمان" (^١٥٤).
_________________
(١) - السند (٣/ ٤٧٦) (١٥٩٥٥).
(٢) - سنن أبي داود في كتاب الحدود، باب: في الرجم (٤٤١٧) ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٣٤) من طريق الفضل بن دلهم، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق، عن النبي ﷺ. قال أبو داود: إنما هذا إسناد حديث ابن المحبق: أن رجلًا وقع على جارية امرأته، والفضل بن دلهم ليس بالحافظ، كان قصّابا بواسط. وقال أبو حاتم: هذا خطأ؛ إنما أراه الحسن، عن حطان، عن عبادة بن الصامت، عن النبي ﷺ العلل (١/ ٤٥٦). وقال البزار، بعد أن ذكر حديث الفضل هذا: والفضل بن دلهم لم يكن بالحافظ. والحديث: حديث قتادة.
(٣) - فيه عمرو بن عبد الغفار الفُقَيْمى، قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال العقيلي: منكر الحديث، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث. وقد خولف عمرو هذا في رفع الحديث عن إسماعيل عن الشعبي: فرواه حفص بن غياث، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن أبي بن كعب قوله، رواه ابن أبي شيبة عن حفص: المصنف، كتاب الحدود، في البكر والثيب ما يصنع بهما إذا فجرا (٦/ ٥٥٥). وكذا رواه فراس بن يحيى، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بن كعب موقوفًا، رواه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٥٥) عن شريك عن فراس، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٢٣) عن أبي عوانة عن فراس. وكذا رواه عبيد بن نضلة، عن مسروق، عن أبي بن كعب موقوفًا، رواه النسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب: نسخ الجلد عن الثيب (٤/ ٢٧١) (٧١٤٩) بنحوه. [¬١]- في خ: "يزداد". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "خليد".
[ ٣ / ٣٨٦ ]
هذا حديث غريب من هذا الوجه. وروى الطبراني (^١٥٥) من طريق [¬١] ابن لهيعة، عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما نزلت سورة النساء قال رسول الله ﵌: "لا حبس بعد سورة النساء".
وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني. وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا: لأن النبي ﷺ رجم ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك فدل على أن الجلد [¬٢] ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ أي: واللذان يفعلان [¬٣] الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس ﵄ وسعيد بن جبيبر وغيرهما: أي: بالشتم والتعيير [¬٤] والضرب بالنعال. وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم.
وقال عكرمة وعطاء والحسن وعبد الله بن كثير: نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا.
وقال السدي: نزلت في [الفتيان من] [¬٥] قبل أن يتزوجوا.
وقال مجاهد: نزلت في الرجلين إذا فعلا -لا يكنى- وكأنه يريد اللواط [¬٦] والله أعلم.
وقد روى أهل السنن من حديث عمرو بن [أبي عمرو، عن] [¬٧] عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ: "من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به" (^١٥٦).
_________________
(١) - في معجمه الكبير (١١/ ٣٦٥)، وقد سبق تخريجه والكلام عليه في أول السورة حاشية (١).
(٢) - سنن أبي داود، كتاب الحدود، باب: فيمن عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط (٤٤٦٢)، والترمذي، كتاب الحدود، باب: ما جاء في حد اللوطي (١٤٥٦)، وابن ماجة، كتاب الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط (٢٥٦١)، والنسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب: من عمل عمل قوم لوط (٤/ ٣٢٢) (٧٣٣٧) ولكن بلفظ: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاثًا". ورواه أحمد في المسند (١/ ٣٠٠) (٢٧٣٢)، وابن الجارود في المنتقى (٨٢٠)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٧٦٨)، والدارقطني في السنن (٣/ ١٢٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٥٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٢) -= [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "الرجم". [¬٣]- في خ: "يأتيان". [¬٤]- في خ: "والتعزيز". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "النساء". [¬٦]- في خ: "اللياط". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. وفي ت: "عمرو بن أبي عمر".
[ ٣ / ٣٨٧ ]
وقوله: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا﴾ أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالهما [¬١] وحسنت ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾ أي: لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد ثبت في الصحيحين (^١٥٧): " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرب عليها". أي: ثم لا يعيرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾
يقول ﷾: إنما يتقبل اللَّه التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب، ولو قبل
_________________
(١) = كلهم من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي المدني، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به مرفوعًا. وعمرو بن أبي عمرو: ضعفه ابن معين والدارمي والنسائي وأبو داود وغيرهم، وقال ابن حبان: ربما أخطأ. وهو -وإن وثقه ابن معين في رواية وأبو زرعة والعجلي وابن حبان ومشّاه غير واحد- إلا أن أئمة الحديث كالمجمعين على أن هذا الحديث من مناكيره. قال ابن معين في رواية ابن أبي مريم: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب ثقة ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به". وقال البخاري: روى عن عكرمة في قصة البهيمة، فلا أدري: سمع أم لا؟ ا هـ. وحديث البهيمة وعمل قوم لوط حديث واحد جمعه بعض الرواة وفرقه آخرون. وقال أبو داود: ليس هو بذاك. ثم استنكر له هذا الحديث وضعفه. وقال الترمذي: إنما يعرف هذا الحديث عن ابن عباس عن النبي ﷺ من هذا الوجه. ولما روى النسائي هذا الحديث في سننه الكبرى استنكره وقال: عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي. وقال العجلي: ثقة ينكر عليه حديث البهيمة.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى (٦٨٣٩)، ومسلم في كتاب الحدود (١٧٠٣) من حديث الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. [¬١]- في ت: "أعمالهم".
[ ٣ / ٣٨٨ ]
[معاينته الملك لقبض] [¬١] روحه قبل الغرغرة. قال مجاهد وغير واحد: كل من عصى اللَّه خطأ أو عمدًا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب.
وقال قتادة، عن أبي العالية، أنه كان يحدّث أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يقولون: كل [¬٢] ذنب أصابه عبد فهو بجهالة. رواه ابن جرير (^١٥٨).
وقال عبد الرزاق (^١٥٩): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله [¬٣] به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره.
وقال ابن جريج: أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد، قال: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها. قال ابن جرير: وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوه.
وقال أبو صالح، [عن ابن عباس] [¬٤]: من جهالته عمل السوء.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ثم يتوبون من قريب، قال: ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت. وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي: ما دام في صحته. وهو مروي عن ابن عباس. وقال الحسن البصري: ثم يتوبون من قريب، ما لم يغرغر. وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب.
_________________
(١) - في تفسيره (٨/ ٨٩).
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥١)، وعنه الطبري في تفسيره (٨/ ٨٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "معاينة الملك يقبض". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٨٩ ]
(ذكر الأحاديث في ذلك)
قال الإمام أحمد (^١٦٠): حَدَّثَنَا علي بن عياش [¬١]، وعصام بن خالد [¬٢]، قالا: حَدَّثَنَا ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
رواه [¬٣] الترمذي وابن ماجة (^١٦١) من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به. وقال الترمذي: حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجة: عن عبد الله بن عمرو. وهو وهم، إنما هو عبد الله بن عمر بن الخطاب.
(حديث آخر عن ابن عمر) قال أبو بكر ابن مردُويه: حَدَّثَنَا محمد بن معمر، حَدَّثَنَا عبد الله بن الحسن الخراساني، حَدَّثَنَا يحيى بن عبد الله [البابلتي، حَدَّثنَا أيوب بن نهيك الحلبي، سمعت عطاء بن أبي رباح قال: سمعت عبد الله] [¬٤] بن عمر، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل الله منه وأدنى من ذلك، وقبل موته بيوم وساعة يعلم الله منه التوبة والإِخلاص إليه إلا قبل منه" (^١٦٢).
_________________
(١) - في مسند (٢/ ١٣٢، ١٥٣) (٦١٦٠) (٦٤٠٨).
(٢) - جامع الترمذي، كتاب الدعوات، باب: باب التوبة مفتوح قبل الغرغرة (٣٥٣١)، وتن ابن ماجة) كتاب الزهد، باب: ذكر التوبة (٤٢٥٣). وأخرجه أيضًا: أبو القاسم البغوي في الجعديات (٢/ ١١٧٣) (٣٥٢٩)، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٤٦٢) (٥٦٠٩)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥) (٦٢٨)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٥٩٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٥٧)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٩٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٩٥ - ٣٩٦) - كلهم من طريق عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن ابن عمر ﵄ به مرفوعًا. وقد صححه ابن حبان والحاكم. ولكن في الحديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العنْسي، قال أحمد: أحاديثه مناكير. وضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، ووثقه أبو حاتم ودُحَيْم وابن حبان، ومشاه غير واحد، إلا أنهم -مع ذلك- أنكروا عليه بعض حديثه؛ قال صالح جزرة: شامي صدوق، إلا أن مذهبه القدر، وأنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول. وقد استغرب الترمذي هذا الحديث، وذكره ابن عدي في مناكير عبد الرحمن، وكذا الذهبي في الميزان، وخرجه أبو نعيم في الحلية في غرائب حديث مكحول.
(٣) - ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/ ٣٢٠) من طريق يحيى بن عبد الله، عن أيوب بن نهيك به. قال أبو نعيم: هذا حديث غريب من حديث عطاء، تفرد به أيوب بن نهيك. = [¬١]- في خ: "عباس". [¬٢]- في خ: "خليد". [¬٣]- في خ: "وروى". [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
(حديث آخر) قال أبو داود الطالسي (^١٦٣): حدثنا شعبة، أخبرنا إبراهيم بن ميمون، وأخبرني رجل من بلحارث (*) -يقال له: أيوب- قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: "من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه". فقلت له: إنما قال الله: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ فقال: إنما أحدثك ما سمعته من رسول الله ﷺ.
وهكذا رواه أبو داود الطيالسي، وأبو عمر الحوضي (^١٦٤)، وأبو عامر العقدي، عن شعبة (^١٦٥).
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٦٦): حدَّثنا حسين بن محمد، حَدَّثَنَا محمد بن
_________________
(١) = وأيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال: يخطئ. والراوى عنه: يحيى بن عبد الله البابلتي، ضعفه غير واحد، وقال ابن حبان: يأتي عن الثقات بأشياء معضلة يهم فيها، فهو ساقط الاحتجاج فيما انفرد به.
(٢) - في مسنده برقم (٢٢٨٤)، ومن طريقه رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٨٩٩)، وقد وقع سقط في المطبوع من مسند الطيالسي وتفسير ابن أبي حاتم، فإن تمام الإسناد: أخبرني رجل من بلحارث "أنه سمع رجلًا منا" يقال له: أيوب. وكان في الأصل عند ابن كثير: عبد الله بن عمر، وإنما هو عبد الله بن عمرو، كما هو في مسند الطيالسي وغيره. (*) - في ز، خ، ث: ملحان.
(٣) - وعنه البخاري في تاريخه الكبير (١/ ٤٢٧) (١٣٧٤).
(٤) - ورواه أيضًا عن شعبة: محمد بن جعفر غندر، عند ابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٩) (٨٨٦٣)، وعفان بن مسلم: عند أحمد في مسنده (٢/ ٢٠٦) (٦٩٢٠)، ووهب بن جرير: عند ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٠٠)، والبيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٩٧) (٧٠٦٧) - كلهم عن شعبة، عن إبراهيم بن ميمون، عن رجل من بني الحارث، قال: حدثني رجل منا يقال له: أيوب … فذكره.
(٥) - في مسنده (٣/ ٤٢٥) (١٥٥٤١). ورواه الحاكم- في المستدرك (٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨)، وعنه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٣٩٧ - ٣٩٨) من طريق هشام بن سعد، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، كلاهما عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ … فذكره. ثم أخرجه الحاكم من طريق سفيان الثوري قال: كتبت إلى عبد الرحمن بن البيلماني (لعله: إلى ابن عبد الرحمن) أسأله عن حديث يحدث به عن أبيه، فكتب إليّ: أن أباه حدثه: أنه جلس إلى نفر من أصحاب النبي ﷺ … فذكره. ثم قال: سفيان بن سعيد ﵁ وإن كان أحفظ من الدراوردي وهشام بن سعد- فإنه =
[ ٣ / ٣٩١ ]
مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ، فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم". فقال الآخر: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم". فقال الثالث: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد في أن يموت بضحوة". قال الرابع: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه". وقد رواه سعيد بن منصور، عن الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، فذكر قريبًا منه.
(حديث آخر)؛ قال أبو بكر بن مردُويه: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حَدَّثَنَا عمران بن عبد الرحيم، حَدَّثَنَا عثمان بن الهيثم، حَدَّثَنَا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر" (^١٦٧).
_________________
(١) = لم يذكر سماعه في هذا الحديث من ابن البيلماني ولا زيد بن أسلم، إنما ذكر إجازة ومكاتبة، فالقول فيه قول من قال: عن زيد بن أسلم، عن ابن البيلماني، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ. وقد شفى عبد الله بن نافع المدني؛ فبين في روايته عن هشام بن سعد أن الصحابي: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، ثم أخرجه من طريق ابن نافع على الوجه الذي ذكره.
(٢) - في إسناده: عمران بن عبد الرحيم بن أبي الورد الأصبهاني، قال السليماني: فيه نظر، هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك. وقال أبو الشيخ: كان يرمي بالرفض. حدث عن عمر بن حفص بعجائب. وشيخه: عثمان بن الهيثم البصري، من رجال البخاري، قال أبو حاتم: كان صدوقًا، غير أنه بآخِره كان يتلقن ما يُلَقَّنُ. ووثقه ابن حبان، وقال الساجي: صدوق، ذكر عند أحمد بن حنبل فأومأ إلى أنه ليس بثبت، وهو من الأصاغر الذين حدثوا عن ابن جريج وعوف، ولم يحدث عنه. وقال الدارقطني: صدوق كثير الخطأ. وقد روى الثقات هذا الحديث عن عوف الأعرابي، عن الحسن مرسلًا ولم يسندوه (انظر الحديث التالي) وهو الأوْلى.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
(أحاديث في ذلك مرسلة)
قال ابن جرير (^١٦٨): حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
هذا مرسل حسن عن الحسن البصري رحمه الله تعالى.
وقد قال ابن جربر أيضًا (^١٦٩) ﵀: حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب، أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر".
وحَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله ﷺ قال: … فذكر مثله (^١٧٠).
(أثر [¬١] آخر) قال ابن جرير (^١٧١): حَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا أبو داود، حَدَّثَنَا عمران، عن قتادة، قال: كنا عند أنس بن مالك وثم أبي قلابة، فحدث أبو قلابة، فقال: إن الله تعالى لما لعن [¬٢] إبليس سأله [¬٣] النظرة، فقال: وعزتك وجلالك لا أخرج من قلب ابن آدم ما دام فيه الروح. فقال الله ﷿: وعزتي لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح.
وقد ورد هذا في [¬٤] حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده، من طريق عمرو بن أبي عمرو، وأبي الهيثم العتواري، كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: "قال إبليس: يا رب وعزتك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله ﷿:
_________________
(١) - في تفسيره (٨/ ٩٦) (٨٨٥٩)، وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٨/ ٢٣٩) كتاب الزهد، باب: في كثرة الاستغفار والتوبة، عن أبي خالد الأحمر، عن عوف، عن الحسن مرسلًا.
(٢) - في تفسيره (٨/ ٩٦) (٨٨٥٧)، وهذا حديث مرسل، فإن بُشَيرًا تابعي يروى عن أبي الدرداء وأبي ذر وأبي هريرة.
(٣) - المصدر السابق، برقم (٨٨٥٨)، وقد قال الحاكم في علوم الحدث: لم يسمع قتادة من صحابي غير أنس.
(٤) - المصدر السابق (٨/ ٩٥) (٨٨٥٤)، ورواه أيضًا من طرق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي قلابة (٨٨٥٣)، ومن طريق أيوب السختياني، عن أبي قلابة. [¬١]- في خ: "حديث". [¬٢]- في خ: "أمر". [¬٣]- في خ: "فسأله". [¬٤]- في خ: "من".
[ ٣ / ٣٩٣ ]
وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفروني" (^١٧٢).
فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى اللَّه ﷿ وهو يرجو الحياة فإن توبته مقبولة، ولهذا قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ وأمّا متى وقع الإِياس من الحياة، وعاين الملك، وحشرجت الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وغرغرت النفس صاعدة في الغلاصم، فلا توبة مقبولة [¬١] حينئذ، ولات حين مناص؛
_________________
(١) - أما حديث عمرو بن أبي عمرو عن أبي سعيد: فهو عند أحمد في المسند (٣/ ٢٩، ٤١) (١١٢٦٠) (١١٣٨٣)، ورواه أبو يعلى في مسنده (٢/ ٤٥٨) (١٢٧٣)، والطبراني في الأوسط (٨/ ٣٣٣) (٨٧٨٨)، وعنه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣٣٢) - كلهم من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا. قال الطبراني: لا يُروى هذا الحديث عن أبي سعيد إلا بهذا الإسناد، تفرد به الليث. وعمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن حنطب المخزومي: سبق ذكر كلام الأئمة فيه. انظر حاشية (١٥٦)، وسماعه من أبي سعيد الخدري بعيد. وأما حديث أبي الهيثم، عن أبي سعيد: فهو عند أحمد في المسند (٣/ ٢٩، ٧٦) (١١٢٥٣) (١١٧٤٦). ورواه عبد بن حميد في المنتخب (٩٣٢)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٢٣٠) (١٣٩٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ٣٣٥) (٢٦٥)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٧٦) (١٢٩٣) - كلهم من طريق عبد الله بن لهيعة. وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٢٦١) من طريق عمرو بن الحارث - كلاهما (أعني ابن لهيعة وعَمْرًا) عن أبي السمح دَرّاج بن سمعان عن أبي الهيثم سليمان بن عمرو العُتْواري المصري عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ودَراجٌ أبو السمح: وثقه ابن معين وابن حبان وابن شاهين، وقال أحمد والنسائي: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: في حديثه ضعف، وضعفه الدارقطني وغيره. وأحاديثه التي يرويها عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد فيها بعض مناكير، وعامتُها لا بأس بها، قال أحمد بن حنبل: أحاديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد: فيها ضعف. وقال أبو داود: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد. بينما قال ابن معين: ما كان هكذا بهذا الإسناد فليس به بأس. وبمثل ذلك قال ابن شاهين في الثقات، وقد أدخله ابن حبان والحاكم في صحيحيهما. وهذا كله يوضحه ما رواه عباس الدوري عن ابن معين، فإنه قال -بعد أن ذكر مقالته السالفة-: فقلت له: إن درَّاجًا حدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ "أصدق الرؤيا بالأسحار" ويروى أيضًا: "اذكر الله حتى يقولوا مجنون"؟ قال: هما ثقة درَّاج وأبو الهيثم، وقد روى بعض هذه الأحاديث عمرو بن الحارث. = [¬١]- في خ: "متقبلة".
[ ٣ / ٣٩٤ ]
ولهذا قال: ﴿وَلَيسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَال إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وهذا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية. وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيرًا﴾. الآية. وقوله ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ يعني: أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه [¬١] فدية ولو بملء الأرض.
قال ابن عباس، وأبو العالية، والربيع بن أنس: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، قالوا: نزلت في أهل الشرك. وقال الإمام أحمد (^١٧٣): حَدَّثَنَا سليمان بن داود، قال: حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، حدثني أبي، عن مكحول، أن عمر بن نعيم حدثه، عن [أسامة بن سلمان] [¬٢] "أن أبا ذر حدثهم، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة
_________________
(١) = ولذلك قال ابن عدي -بعد أن ذكر ذلك وشيئًا من مناكير درّاج-: وسائر أخبار درّاج غير ما ذكرتُ من هذه الأحاديث يتابعه الناس عليها، وأرجو -إذا أخرجتُ درّاجًا وبَرَّأتُه من هذه الأحاديث التي أنكرتْ عليه- أن سائر أحاديثه لا بأس بها، وتَقْرُبُ صورَتُه مما قال فيه يحيى بن معين. ا هـ. الكامل (٣/ ٩٨٢) ويشهد لذلك: أن ابن حبان نقل في صحيحه عن الإمام أحمد أنه قال لِمَوْهَب بن يزيدَ: أيش كتبت بالشام؟ فذكر له حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا: "لا حليم إلا ذو عثرة". فقال أحمد: لو لم تسمع إلا هذا لم تذهب رحلتُك. الإحسان (١/ ٤٢٢). مع أنه هو الذي قال عنها: فيها ضعف. فهو يريد إذن: ما أنكر فيها من الأحاديث. وعلى ذلك: فهذا الحديث لا بأس به؛ إذ ليس هو من مناكير درَّاج. أضِف إلى ذلك: أن ابن معين قد استشهد برواية عمرو بن الحارث لبعض أحاديث درّاج عن أبي الهيثم على صحتها، وهذا الحديث قد رواه عمرو بن الحارث عن درّاج (كما عند الحاكم فيما مر). والله أعلم.
(٢) - في مسنده (٥/ ١٧٤) (٢١٦٠٥) عن أبي داود الطيالسي، وأخرجه أيضًا عن زيد بن الحباب: (٢١٦٠٦)، وعلي بن عياش وعصام بن خالد (٢١٦٠٧) - أربعتهم عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه به. وأخرجه أيضًا: البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢١) (١٥٥٦) عن عاصم بن علي، والبزار في مسنده (البحر الزخار (٩/ ٤٤٤) من طريق أبي داود الطيالسي والهيثم بن جميل (٤٠٥٥، ٤٠٥٦) عن ابن ثوبان عن أبيه به. وفي إسناده سقط. قال البزار: وهذا الكلام لا نعلمه يُروى عن أبي ذر إلا بهذا الإسناد. وقد تقدم الكلام على عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقول جزرة في أنهم أنكروا عليه أحاديث يرويها عن أبيه عن مكحول. انظر حاشية (١٦١). [¬١]- في خ: "منها". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٩٥ ]
عبده، أو يغفر لعبده، ما لم يقع الحجاب". قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: "أن تخرج النفس وهي مشركة"؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: موجعًا شديدًا مقيمًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (١٩) وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١) وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (٢٢)﴾
قال البخاري (^١٧٤): حَدَّثَنَا محمد بن مقاتل، حَدَّثَنَا أسباط بن محمد، حَدَّثَنَا الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال الشيباني: وذكره أبو الحسن السوائي، ولا أظنه ذكره إلا عن ابن عباس ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، أن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، [وإن شاءوا لم يزوجوها] [¬١] فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك.
هكذا رواه [¬٢] البخاري وأبو داود والنسائي وابن مردُويه وابن أبي حاتم (^١٧٥) من حديث أبي
_________________
(١) - في صحيحه، كتاب التفسير، باب: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا …﴾ (٤٥٧٩) وطرفه في (٦٩٤٨).
(٢) - سنن أبي داود، كتاب النكاح، باب: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٢٠٨٩)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ (٦/ ٣٢١) (١١٠٩٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٠٢) (٥٠٢٩) - كلهم من طريق أسباط بن محمد، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن عباس به. [¬١]- ما بين المعكوفين من: خ. [¬٢]- في ت: "ذكره".
[ ٣ / ٣٩٦ ]
إسحاق الشيباني واسمه سليمان بن أبي سليمان، عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي، واسمه عطاء -كوفي أعمى- كلاهما عن ابن عباس بما تقدم.
وقال أبو داود (^١٧٦): حَدَّثَنَا أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، حدثني علي بن حسين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله تعالى عن ذلك، أي: نهى عن ذلك.
تفرد به أبو داود، وقد رواه غير واحد، عن ابن عباس بنحو ذلك. فقال وكيع، عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مقسم، عن ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا كان أحق بها فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل إذا مات وترك جارية ألقى عليها حَميُّه [¬١] ثوبه، فمنعها من الناس، فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
وروى العوفي، عنه، كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميم أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فورث نكاحها ولم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده [¬٢] حتى تفتدي منه بفدية. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ كان أهل يثرب، إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من ورث ماله، وكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد، حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. رواه ابن أبي حاتم (^١٧٧).
_________________
(١) - في سننه، كتاب النكاح: باب: قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٢٠٩٠).
(٢) - في تفسيره (٣/ ٩٠٣) (٥٠٣٣). [¬١]- في ت: "حميمه". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
وقال أبو بكر بن مردُويه: حَدَّثَنَا محمد [¬١] بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا موسى بن إسحاق، حَدَّثَنَا علي بن المنذر، حَدَّثَنَا محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
ورواه ابن جرير (^١٧٨) من حديث محمد بن فضيل به. ثم روى من طريق ابن جريج قال: أخبرني عطاء، أن أهل الجاهلية كانوا إذا هلك الرجل وترك امرأة حبسها أهله [¬٢] على الصبي يكون فيهم، فنزلت: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية.
وقال ابن جريج: قال مجاهد: كان الرجل إذا توفي كان ابنه أحق بامرأته، ينكحها إن شاء إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه، أو ابن اخيه.
وقال ابن جريج: قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم من [¬٣] الأوس، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، فجنح عليها ابنه، فجاءت رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا أنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل الله [¬٤] هذه الآية.
وقال السدي، عن أبي مالك: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها جاء وليه فألقى عليها ثوبًا، فإن كان له ابن صغير، أو أخ حبسها حتى يشب أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها ولم يلق عليها ثوبًا نجت، فأنزل الله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾.
وقال مجاهد في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ قال: كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته فيتزوجها، أو يزوجها ابنه. رواه ابن أبي حاتم (^١٧٩)، ثم قال: وروي عن الشعبي وعطاء بن أبي رباح، وأبي مجلز، والضحاك، والزهري، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
قلت: فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما ذكره مجاهد ومن وافقه، فكل ما كان فيه نوع من ذلك. والله أعلم.
_________________
(١) - في تفسيره (٨/ ١٠٥) (٨٨٧٠)، وكذا رواه النسائي في الكبرى (٦/ ٣٢١) (١١٠٩٥) عن علي بن المنذر، عن ابن فضيل، وكذا ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٩٠٢) عن ابن فضيل به.
(٢) - في تفسيره (٢/ ٩٠٢ - ٩٠٣) (٥٠٣٢). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "أهلها". [¬٣]- في خ: "ابن". [¬٤]- في خ: "فنزلت".
[ ٣ / ٣٩٨ ]
وقوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾ أي: لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه، أو حقًّا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يقول: ولا تقهروهن ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾ يعني: الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر، فيضرها لتفتدي به [¬١]
وكذا قال الضحاك وقتادة [وغير واحد] [¬٢]، واختاره ابن جرير (^١٨٠).
وقال ابن المبارك وعبد الرزاق (^١٨١): أخبرنا معمر، أخبرني سماك بن الفضل، عن ابن البيلماني قال: نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام.
قال عبد الله بن المبارك: يعني قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ في الجاهلية ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ في الإِسلام.
وقوله: ﴿إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والضحاك، وأبو قلابة، وأبو صالح، والسدي، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال: يعني بذلك الزنا -يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك: الفاحشة المبينة: النشوز والعصيان. واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله؛ الزنا، والعصيان، والنشوز، وبذاء اللسان، وغير ذلك (^١٨٢).
يعني أن هذا كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله
_________________
(١) - انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ١١٣).
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٥٢) وعنه ابن جرير في تفسيره (١/ ١١٨) (٨٨٨٥).
(٣) - انظر: تفسير ابن جرير (٨/ ١١٨). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود، منفردًا من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، أي: نهى عن ذلك.
قال عكرمة، والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية، ولكن نُهِيَ المسلمون عن فعله في الإِسلام.
وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب، فإن أعطته وأرضته [¬١] أذن لها، وإلا عضلها. قال: فهذا قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾. الآية.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾: هو كالعضل في سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم، بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال رسول الله ﷺ: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله" (^١٨٣).
_________________
(١) - أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب: في فضل أزواج النبي ﷺ (٣٨٩٢)، والدارمي في سننه (٢/ ١٥٩)، وابن حبان في صحيحه: الإحسان (٩/ ٤٨٤) (٤١٧٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٦٨) - كلهم من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقَلَّ من رواه عن الثوري! وروى هذا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسل. وقال أبو نعيم: تفرد به عن الثوريِّ الفريابيّ. ومحمد بن يوسف الفريابي: إمام من أصحاب الثوري، وثقه الأئمة، ولكن نقل العجلي عن بعض البغداديين قوله: أخطأ محمد بن يوسف في مائة وخمسين حديثًا من حديث سفيان. وقال ابن عدي: له إفرادات عن الثوري، وله حديث كثير عن الثوري، وقد تقدم الفريابي في الثوري على جماعة مثل عبد الرزاق ونظرائه، وقالوا: الفريابي أعلم بالثوري منهم ا هـ. وللحديث طرق أخرى لا نطيل بذكرها. [¬١]- بعده في خ: "فإن".
[ ٣ / ٤٠٠ ]
وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه، حتى إنه كان يسابق عائشة أمّ المؤمنين ﵂ يتودّد إليها بذلك. قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقني، فقال: "هذه بتلك" (^١٨٤). ويجتمع [¬١] نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك ﷺ. وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتاب [¬٢] الأحكام، ولله الحمد.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا﴾ أي: فعسى أن يكون صبركم [مع إمساككم لهن مع كراهتهن] [¬٣] فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة. كما قال ابن عباس في هذه الآية: هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولدًا، ويكون في ذلك الولدِ خيرٌ كثير. وفي الحديث الصحيح: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خُلقًا رضي منها آخر" (^١٨٥).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: إذا اراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذن مما كان أصدق الأولى شيئًا، ولو كان قنطارًا من المال.
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (٦/ ٣٩) (٢٤١٦٤)، والنسائي في الكبرى، كتاب عشرة النساء، باب: مسابقة الرجل زوجته (٥/ ٣٠٣) (٨٩٤٢)، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: حسن معاشرة النساء (١٩٧٩)، والحميدي في مسنده (٢٦١) من طريق سفيان بن عيينة. ورواه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: في السبق على الرجل (٢٥٧٨)، والنسائي في السنن الكبرى (٥/ ٣٠٤) (٨٩٤٤) من طريق أبي إسحاق الفزاري- كلاهما (ابن عيينة وأبو إسحاق) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
(٢) - رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع (١٤٦٩)، وأحمد في مسنده (٢/ ٣٢٩) (٨٣٤٥) من طريق عبد الحميد بن جعفر، عن عمران بن أبي أنس، عن عمر بن الحكم، عن أبي هريرة مرفوعًا. [¬١]- في ت: "ويجمع". [¬٢]- في ت: "كتب". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: "في إمساكهن مع الكراهة".
[ ٣ / ٤٠١ ]
وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا.
وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإِصداق، ثم رجع عن ذلك. كما قال الإمام أحمد (^١٨٦): حَدَّثَنَا إسماعيل، حَدَّثَنَا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: نبئت عن أبي العجفاء السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: ألا لا تغلوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها النبي ﷺ، ما أصدق رسول الله ﷺ في امرأة من نسائه، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية، وإن كان الرجل ليبتلى بصدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول: كلفت إليك علق القربة (*). ثم رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (^١٨٧) من طرق، عن محمد بن سيرين، عن أبي
_________________
(١) - في مسنده (١/ ٤٠ - ٤١) (٢٨٥). (*) - أي تحملت لأجلك كل شيء حتى علق القربة. وهو حبلها الذي تُعلَّق به. النهاية (٣/ ٢٩٠).
(٢) - المسند (١/ ٤١) (٢٨٧) وفيه: قال إسماعيل: وذكر أيوب وهشام وابن عون، عن محمد، عن أبي العجفاء، عن عمر نحوًا من حديث سلمة، إلا أنهم قالوا: لم يقل محمد: نبئت عن أبي العجفاء. ورواه أبو داود في كتاب النكاح، باب: الصداق (٢١٠٥)، والترمذي في كتاب النكاح (١١١٤)، والنسائي في كتاب النكاح، باب: القسط في الأصدقة (٦/ ١١٧)، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: صداق النساء (١٨٨٧) - كلهم عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء السلمي موصولًا. - قال الإمام أبو الحسن الدارقطني ﵁: هو حديث رواه محمد بن سيرين، واختلف على ابن سيرين فيه: فرواه أيوب السختياني، وابن عون، وهشام بن حسان، ومنصور بن زاذان، وأشعث بن سوّار، ومطر الوراق، والصلت بن دينار، ومحمد بن عمرو الأنصاري، وعوف الأعرابي، وإسماعيل بن مسلم، ومُجَّاعة بن الزبير، وعَبيدة بن حسان، وعقبة بن خالد الشني، ويحيى بن عتيق، وأبو حرة، وأخوه- عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء. فاتفق ابن عيينة، وحماد بن زيد، وابن علية، والحارث بن عمير، وعبد الوهاب الثقفي، ومعمر، وحماد بن سلمة، عن أيوب. وخالفهم عمرو بن أبي قيس، فرواه عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن أبي العجفاء، عن أبيه. ورواه سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين قال: نبئتُ عن أبي العجفاء، ففي رواية سلمة بن علقمة تقوية لرواية عمرو بن أبي قيس عن أيوب. ورواه عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن ابن سيرين مرسلًا، عن عمر. وتابعه جرير بن حازم عن ابن سيرين وقال معاذ بن معاذ: عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء -أو ابن أبي العجفاء- عن عمر. وقال منصور بن زاذان: عن ابن سيرين: ثنا أبو العجفاء. قال الشيخ أبو الحسن: كأنَّ عمرَو بن أبي قيس حفظه عن أيوب، فيُشبه أن يكون ابنُ سيرين سمعه من أبي العجفاء، وحفظه عن ابن أبي العجفاء عن أبيه. والله أعلم. العلل (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٧).
[ ٣ / ٤٠٢ ]
العجفاء -واسمه هرم بن مسيب البصري- وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(طريق [¬١] أخرى عن عمر) قال الحافظ أبو يعلى (^١٨٨): حَدَّثَنَا أبو خيثمة، حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس، ما إكثاركم [¬٢] في صُدُق النساء؟ قد كان رسول الله ﷺ وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها، فلا أعرفن ما زاد رجل في صَداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش، فقالت: يا أمير المؤمنين، نهيت الناس أن يزيدوا في النساء صداقهن [¬٣] على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. قالت: أما سمعت ما أنزل الله في القرآن؟ قال: وأي ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. الآية. قال: فقال: الَّلهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر. ثم رجع فركب المنبر فقال: [أيها الناس] [¬٤]، إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهنّ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي.
_________________
(١) - أخرجه أبو يعلى، (كما في المطالب العالية (٤/ ١٩١) (١٦٧٤)، والبزار في مسنده البحر الزخار (١/ ٤٥٢) (٣٢٠)، والدارقطني في العلل (٢/ ٢٣٩). - كلهم من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن محمد بن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي عن مسروق عن عمر ﵁ به. وقع عند البزار بين ابن إسحاق ومجالد: محمد بن سعيد، وجاء عند الدارقطني: محمد بن عبد الله بن سعيد. وقد رواه البزار (١/ ٤٥٢) (٣٢٠) والدارقطني في العلل (٢/ ٢٣٩) عن يعقوب بن إبراهيم أيضًا، لكنْ لم يُدخل بين ابن إسحاق ومجالد أحدًا. وقد خالف محمد بن إسحاق في ذلك عن مجالد؛ فرواه هشيم عن مجالد عن الشعبي عن عمر، ولم يذكر مسروقًا رواه عن هشيم سعيدُ بن منصور في سننه (٥٩٨) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٢٣٣). قال البيهقي: هذا منقطع. وعلى كلٍّ، فإن مجالدًا قد زاد في الحديث ألفاظًا لم يأت بها غيرُه، وذلك في ذكره اعتراض المرأة على عمر، وفي حديث مجالد عن الشعبي شيءٌ. انظر: علل الدارقطني (٢/ ٢٣٨) قال البزار: هذا الحديث قد روى عن عمر من غير وجه، ولا يعلم يروى عن مسروق عن عمر إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد. وقال الدارقطني: ولا يصح هذا الحديث إلا عن أبي العجفاء. [¬١]- في خ: "طريقة". [¬٢]- في خ: "ما أكثركم". [¬٣]- في ت: "صداقهم". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٠٣ ]
(طريق [¬١] أخرى) قال ابن المنذر: حَدَّثَنَا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق (^١٨٩)، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: قال عمر بن الخطاب: لا تغالوا في مهور النساء. فقالت امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله تعالى يقول: (وآتيتم إحداهن قنطارًا من ذهب) - قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود- ﴿فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئًا﴾. فقال عمر: إن امرأة خاصمت عمر فخصمته.
(طريق [¬٢] أخرى عن عمر فيها انقطاع) قال الزبير بن بكار: حدثني عمي مصعب بن عبد الله، عن جدي (^١٩٠) قال: قال عمر بن الخطاب: لا تزيدوا في مهور النساء وإن كانت بنت ذي القصة [¬٣]-يعني يزيد بن الحصين الحارثي (^١٩١) - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة من صفة النساء طويلة، في أنفها فطس: ما ذاك لك. قال: ولم؟ قالت: لأن الله قال: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾. الآية. فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ.
ولهذا قال منكرًا: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ أي: وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضت إليك.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي وغير واحد: يعني بذلك الجماع.
وقد ثبت في الصحيحين (^١٩٢)، أن رسول الله ﷺ قال للمتلاعنين بعد فراغهما من
_________________
(١) - مصنف عبد الرزاق (٦/ ١٨٠) (١٠٤٢٠) وقيس بن الربيع ضعفه غير واحد، ورضيه شعبة، وروى عنه شيئًا من حديثه عن أبي حصين، وقال: ذاكرت قيس بن الربيع حديث أبي حصين، فلَوَدِدتُ أن البيت وقع عليَّ وعليه حتى يموت، من كثرة ما كان يُغْرِبُ عليَّ ا هـ. وقد ذكر ابن معين أن أبا عبد الرحمن السلمي لم يسمع من عمر.
(٢) - الراوي عن عُمَرَ هو: عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، بينه وبين عمر مفاوز تنقطع فيها أعناق المطى، فإن وفاته كانت سنة ١٨٤ هـ. وقد ضعفه ابن معين وغير واحد.
(٣) - كذا في الأصل، وفي الإصابة (١/ ٣٤٠): حصين بن يزيد بن شداد الحارثي، ذو الغَصَّة -بفتح المعجمة وتشديد المهملة- قال الدارقطني في المؤتلف: وفد على النبي ﷺ. وكذا ذكره ابن الكلبي وقال: إنه لُقِّبَ بذلك لأنه كان في حلقه شبه الحوصلة. ويقال: إنه رأسَ بني الحارث بن كعب مائة سنة ا هـ.
(٤) - صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب: قول الإمام للمتلاعنين: إن أحدكما كاذب، = [¬١]- في خ: "طريقة". [¬٢]- في خ: "طريقة". [¬٣]- في ت: "الغصة".
[ ٣ / ٤٠٤ ]
تلاعنهما: "الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب". قالها [¬١] ثلاثًا. فقال الرجل: يا رسول الله؛ ما لي. -يعني ما أصدقها- قال: "لا مال لك، إن كنت صدقت عليها [¬٢]، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فهو أبعد لك منها".
وفي سنن أبي داود وغيره (^١٩٣) عن [بصرة بن أكثم] [¬٣]، أنه تزوّج امرأة بكرًا في خدرها، فإذا هي حامل من الزنا، فأتى رسول الله ﷺ، فذكر ذلك له، فقضى لها بالصداق، وفرق بينهما، وأمر بجلدها، وقال: "الولد عبد لك، والصداق في مقابلة البضع"؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، أن المراد بذلك العقد.
وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ قال: قوله: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان [¬٤].
_________________
(١) = فهل منكما من تائب؟ (٥٣١٢)، وصحيح مسلم، كتاب اللعان (١٤٩٣) - من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر ﵄ به مرفوعًا.
(٢) - رواه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب: في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى (٢١٣١)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢٥٠)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٩ - ٢٠٠)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٥٧) - كلهم من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن رجل من الأنصار يقال له بصرة. وهو عند عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ٢٥٠) (١٠٧٠٥) عن ابن جريج، قال: حُدِّثْتُ عن صفوان بن سليم فذكره. وقد رواه عبد الرزاق (٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠) (١٠٧٠٤) وإسحاق بن إدريس: الدارقطني (٣/ ٢٥١) وبسطام بن جعفر: البيهقي في سننه الكبرى (٧/ ١٥٧) - ثلاثتهم عن إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن المسيب، عن بصرة به. قال عبد الرزاق: حديث ابن جريج عن صفوان بن سليم هو: ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم ا هـ. وقال أبو حاتم في العلل: وما رواه ابن جريج عن صفوان بن سليم، عن ابن المسيب، عن بصرة بن أكثم: ليس هو من حديث صفوان بن سليم. ويحتمل أن يكون من حديث ابن جريج، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم؛ لأن ابن جريج يدلس عن ابن أبي يحيى عن صفوان بن سليم غير شيء، وهو لا يحتمل أن يكون منه (١/ ٤١٨ - ٤١٩) (١٢٥٩). وقال البيهقي: فهذا الحديث إنما أخذه ابن جريج عن إبراهيم بن أبي يحيى عن صفوان بن سليم؛ وإبراهيم مختلف في عدالته وقد خولف إبراهيم في وصله: = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ، ز: "بصرة بن أبي بصرة". [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
قال ابن أبي حاتم (^١٩٤): وروي عن عكرمة ومجاهد، وأبي العالية والحسن، وقتادة ويحيى بن أبي كثير [¬١]، والضحاك والسدي نحو ذلك.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾: هو قوله "أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله". فإن كلمة الله هي التشهد في الخطبة قال: وكان فيما أعطي النبي ﷺ ليلة أسري به، قال له: "وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي". رواه ابن أبي حاتم (^١٩٥).
وفي صحيح مسلم (^١٩٦)، عن جابر، في خطبة حجة الوداع، أن رسول الله ﷺ قال فيها: "واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمان الله [¬٢]، واستحللتم فروجوهن بكلمة الله".
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. يحرم الله تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه.
قال ابن أبي حاتم (^١٩٧): حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثَنَا مالك بن إسماعيل، حَدَّثَنَا قيس بن الربيع،
_________________
(١) = قال أبو داود: روى هذا الحديث قتادة، عن سعيد بن يزيد، عن ابن المسيب. ورواه يحيى بن أبي كثير، عن يزيد بن نعيم، عن سعيد بن المسيب. وعطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب: أرسلوه كلُّهم. وقال أبو حاتم: هذا حديث مرسل ليس بمتصل، وكذا قال البيهقي. وقال الخطابي: هذا الحديث لا أعلم أحدًا من الفقهاء قال به، وهو مرسل. ولا أعلم أحدًا من العلماء اختلف في أن ولد الزنا حر إذا كان من حرةٍ، فكيف يستعبده؟ ويشبه أن يكون معناه -إن ثبت الخبر- أنه أوصاه به خيرًا، أو أمره باصطناعه وتربيته واقتنائه لينتفع بخدمته إذا بلغ، فيكون كالعبد له في الطاعة، مكافأة له على إحسانه وجزاءً لمعروفه. قال: ويحتمل أن يكون الحديث -إن كان له أصل- منسوخًا، والله أعلم ا هـ.
(٢) - في تفسيره (٢/ ٩٠٩).
(٣) - المصدر السابق، نفس الصفحة (٥٠٧٠).
(٤) - صحيح مسلم، كتاب الحج (١٢١٨) من حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جابر ﵁ به مرفوعًا.
(٥) - في تفسيره (٣/ ٩٠٩) (٥٠٧٣) وقد أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٢/ ٣٩٣ - ٣٩٤) = [¬١]- في خ: "بكر". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٠٦ ]
حَدَّثَنَا أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، قال: لما توفي أبو قيس -يعني ابن الأسلت- وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت: إنما أعدك ولدًا وأنت من صالحي قومك، [ولكن آت] [¬١] رسول الله ﷺ فأستأمره، فأتت رسول الله صلى الله عليه [¬٢] وسلم فقالت: إن أبا قيس توفي فقال: "خيرًا". ثم قالت: إن ابنه قيسًا خطبني، وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعده ولدًا، فما ترى؟ فقال لها: "ارجعي إلى بيتك". قال: فنزلت: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [إلا مَا قَدْ سَلَفَ]﴾ الآية.
وقال ابن جرير (^١٩٨): حَدَّثَنَا القاسم، حَدَّثَنَا حسين، حَدَّثَنَا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة، في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: نزلت في أبي قيس بن الأسلت، خلف على [أم عبيد بنت صخر] [¬٣]، وكانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خلف، وكان خلف على ابنة [¬٤] أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خلف، وفي فاختة ابنة الأسود بن المطب بن أسد، كانت عند أمية بن خلف، فخلف عليها صفوان بن أمية.
وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولًا به في الجاهلية، ولهذا قال: ﴿إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. كما قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قال: وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه، فأولدها ابنه النضر بن كنانة. قال: وقد قال ﷺ: "ولدت من نكاح لا من سفاح" (^١٩٩) قال: فدل على أنه كان سائغًا لهم ذلك، [فإن أراد أن ذلك كان
_________________
(١) = كلاهما من طريق قيس بن الربيع، عن أشعث بن سَوَّار، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار، فذكره، وقيس بن الربيع: ضعفه غير واحد من أهل العلم. وقد خولف قيس في وصله عن أشعث، فرواه هشيم، عن أشعث، عن عدي بن ثابت مرسلًا. كذا رواه سُنَيد بن داود في تفسيره -كما في الاستيعاب (٤/ ١٦٠) والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٦١)، وهذا أولى قال البيهقي: هذا مرسل.
(٢) - في تفسيره (٨/ ١٣٣) (٨٩٤٠).
(٣) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ٣٩٩) (١٠٨١٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٩٠) من طريق أبي الحويرث عن ابن عباس. وسنده ضعيف. ورواه الحارث بن أبي أسامة، ومحمد بن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ٥١) من طريق عائشة، وفيه الواقدي، ورواه عبد الرزاق في المصنف= [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "ولكني آتى". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "أم عبيد الله صخرة". وفي ت: "أم عبيد الله بنت صخر". والمثبت من مصادر التخريج. [¬٤]- في خ: "أبيه".
[ ٣ / ٤٠٧ ]
عندهم] [¬١] يعدونه نكاحًا فيما بينهم. فقد قال ابن جرير (^٢٠٠): حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله المخرمي [¬٢]، حَدَّثَنَا قُراد، حَدَّثَنَا ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم الله إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ﴾. وهكذا قال عطاء وقتادة، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر (^٢٠١)، والله أعلم.
وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة، مبشَّع غاية التبشع، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ فزاد هاهنا: ﴿وَمَقْتًا﴾ أي: بغضًا، أي: هو أمر كبير في نفسه، ويؤدى إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من يتزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرّمت أمهات المؤمنين على الأمة، لأنهن أمهات، لكونهن [¬٣] زوجات النبي ﷺ وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه. وقال عطاء بن أبي رباح في قوله ﴿وَمَقْتًا﴾، أي: يمقت الله عليه. ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: وبئس طريقًا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل [¬٤]،
_________________
(١) = وابن سعد في الطبقات (١/ ٥٠) عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلًا. ووصله ابن عدي والطبراني في الأوسط من حديث علي بن أبي طالب، وفي إسناده نظر. ورواه البيهقي من حديث أنس، وإسناده ضعيف. انظر: التلخيص الحبير (٣/ ٢٠٠ - ٢٠١).
(٢) - في تفسيره (٨/ ١٣٢ - ١٣٣) (٨٩٣٨).
(٣) - قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: ذكر الزبير بن بكار وغيره: أن كنانة بن خزيمة بن مدركة خَلَف على زوجة أبيه خزيمة بعد موته، فولدت له أبنه النضر -واسمها: برة بنت أن بن طابخة- فحكى السهيلي عن ابن العربي: أن هذا كان جائزًا قبل الإسلام، وهو نكاح المَقْتِ كنكاح الأختين معًا. انتهى. وليس هذا برافع للإشكال على الحديث السابق. وادَّعى الجاحِظُ أن برة لم تلد لكنانة ذكرًا ولا أنثى، وأن ابْنَهُ النضرَ: من بَرَّةَ بنت مر بن أد بن طابخة، وهي بنت أخي برة بنت أد. قال: ومن ثم اشتبه على الناس ذلك، قلت: فإن صح ما ذكره أزال إلاشكال ا هـ من التلخيص (٣/ ٢٠١) وقد قال محمد بن السائب الكلبي: كتبتُ للنبي -عليه الصلاه والسلام- خمسمائة أم، فما وجدت فيهن سفاحًا ولا شيئًا مما كان من أمر الجاهلية. الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ٥٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "فأراد أنهم كانوا". [¬٢]- في خ: "المخزومي". [¬٣]- في خ: "لكنهن". [¬٤]- في خ: "يقتل".
[ ٣ / ٤٠٨ ]
ويصير ماله فيئًا لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من طرق (^٢٠٢)، عن البراء بن عازب، عن خاله أبي بردة -وفي رواية ابن عمرو- وفي رواية عن عمه- أنه بعثه رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده، أن يقتله ويأخذ ماله.
_________________
(١) - رواه أحمد (٤/ ٢٩٠) (١٨٦٠٩)، والنسائي في كتاب النكاح، باب: نكاح ما نكح الآباء (٦/ ١٠٩)، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٥٦٦)، وابن حبان في صحيحه: الإحسان (٩/ ٤٢٣) (٤١١٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٤٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩١) - كلهم من طريق الحسن بن صالح، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال: لقيت خالي ومعه الراية … فذكره. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ورواه أحمد (٤/ ٢٩٢، ٢٩٧) (١٨٦٣٣) (١٨٦٨٠)، الترمذي في كتاب الأحكام، باب: فيمن تزوج امرأة أبيه (١٣٦٢)، وابن ماجة في كتاب الحدود، باب: من تزوج امرأة أبيه من بعده (٢٦٠٧)، ورواه عبد الرزاق في مصنفه (١٠٨٠٤)، وسعيد بن منصور في سننه (٩٤٢)، وابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٥٦٦)، وأبو يعلى في مسنده (١٦٦٦، ١٦٦٧)، والدارقطني في سننه (٣/ ١٩٦)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ١٤٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٣٧) - كلهم من طريق أشعث بن سوَّار، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، عن خاله: أن رجلًا تزوج امرأة أبيه. ورواه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب: في الرجل يزني بحريمه (٤٤٥٧)، والنسائي (٦/ ١٠٩ - ١١٠)، والدارمي (٢/ ٧٦)، وابن الجارود (٦٨١)، والحاكم (٤/ ٣٥٧)، والبيهقي (٧/ ١٦٢) - كلهم من طريق زيد بن أبي أنيسة، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن أبيه قال: لقيت عمي ومعه الراية. ورواه أحمد (٢/ ٢٩٢) (١٨٦٣٢)، والحاكم (٢/ ١٩١ - ١٩٢) -من طريق شعبة- عن الربيع بن ركين، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب. ورواه أحمد (٤/ ٢٩٠، ٢٩٧) (١٨٦٦٢، ١٨٦٧٤)،، أبو داود (٤٤٥٦)، والطحاوي (٣/ ١٤٩) - كلهم من طريق مطرف، عن أبي الجهم، عن البراء. قال الترمذي: حديث البراء حديث حسن غريب. وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد، عن البراء. وقد رُوِيَ هذا الحديث عن أشعث، عن عدي، عن يزيد بن البراء، عن أبيه. وروى عن أشعث، عن عدى، عن يزيد بن البراء، عن خاله، عن النبي ﷺ ا هـ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه أبو خالد الأحمر، عن أشعث بن سوار، عن عدي بن ثابت، عن يزيد بن البراء، عن خاله … وحفص، عن أشعث، عن عدي، عن البراء قال: مر بي خالي …؟ فقال أبي: وهما جميعًا؛ إنما هو كما رواه زيد بن أبي أنيسة، عن عدي، عن يزيد بن البراء، عن البراء، عن خاله أبي بردة، ومنهم من يقول: عن عمه أبي بردة. ا هـ العلل (١/ ٤٠٣) (١٢٠٧). وقال المنذري: وقد اختلف في هذا اختلافًا كثيرًا؛ فروى عن البراء كما تقدم، وروى عنه عن عمه =
[ ٣ / ٤٠٩ ]
وقال الإِمام أحمد (^٢٠٣): حَدَّثَنَا هشيم، حَدَّثَنَا أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب، قال: مر بي عمي الحارث بن عمرو ومعه لواء قد عقده له النبي ﷺ فقلت له: أي عم، أين بعثك النبي ﷺ؟ قال: بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه، فأمرني أن أضرب عنقه.
(مسألة)
وقد أجمع العلماء على تحريم من وطأها الأب بتزويج أو ملك أو بشبهة أيضًا، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية. فعن الإِمام أحمد ﵀ أنها تحرم أيضًا بذلك. وقد روى الحافظ [¬١] ابن عساكر (^٢٠٤) في ترجمة حُديج الحصني [¬٢] مولى معاوية فاشترى [¬٣] لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة، وبيده قضيب، فجعل يهوي به إلى متاعها، ويقول: نعم [¬٤] المتاع لو كان له متاع، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية، ثم قال: لا، ادع لي ربيعة بن عمرو الجرشي، وكان فقيهًا، فلما دخل عليه، قال: إن هذه أتيت بها مجردة، فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين؛ فإنها لا تصلح له. ثم قال: نعم ما رأيت. ثم قال: ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري. فدعوته، وكان آدم شديد الأدمة. فقال: دونك هذه، بيض بها ولدك. قال: وكان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله ﷺ لابنته فاطمة، فربته، ثم أعتقته، ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس على علي ﵁.
_________________
(١) = كما ذكرنا أيضًا، وروى عنه قال: مر لي خالي أبو بردة بن نيار ومعه لواء، وهذا لفظ الترمذي فيه، وروى عنه عن خاله وسماه هشيم في حديثه: الحارث بن عمرو، وهذا لفظ ابن ماجة فيه، وروى عنه قال: مر بنا ناس ينطلقون، وروى عنه: إني لأطوف على إبل ضلت في تلك الأحياء في عهد النبي ﷺ إذ جاءهم رهط معهم لواء. وهذا لفظ النسائي ا هـ. قال ابن القيم ﵀ -بعد أن ساق كلام المنذري-: وهذا كله يدل على أن الحديث محفوظ، ولا يوجب هذا تركه بوجه؛ فإن البراء بن عازب حدث به عن أبي بردة بن نيار -واسمه الحارث بن عمرو- وأبو بردة كنيته، وهو عمه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط، فاقتصر على ذكر الرهط مرة، وعَيَّن من بينهم أبا بردة بن نيار باسمه مرة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخئولة أخرى، فأي علة في هذا توجب ترك الحديث، والله الموفق للصواب. ا هـ.
(٢) - في مسنده (٤/ ٢٩٢) (١٨٦٣٣).
(٣) - تاريخ دمشق (٤/ ٢٧٨). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "الحمصنى". [¬٣]- في ت: "قال: اشترى". [¬٤]- في خ: "هذا".
[ ٣ / ٤١٠ ]
حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)﴾
هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب،: ما يتبعه من الرضاع، المحارم بالصهر، كما قال ابن أبي حاتم (^٢٠٥): حَدَّثَنَا أحمد بن سنان، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: حرمت عليكم سبع نسبًا، وسبع صهرًا، وقرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾. الآية. وحَدَّثَنَا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، حَدَّثَنَا أبو أحمد، حَدَّثَنَا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس، قال: يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ فهن النسب.
وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني [¬١] عليه، بعموم قوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُكُمْ﴾ فإنها بنت، فتدخل في العموم، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها، لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما [¬٢] لم
_________________
(١) - في تفسيره (٣/ ٩١١) (٥٠٨٢، ٥٠٨١). [¬١]- في خ: "الزنا". [¬٢]- في خ: "فكأنما".
[ ٣ / ٤١١ ]
تدخل في قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾ فإنها لا ترث بالإِجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ أي: كما يحرم عليك أمّك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمّك التي أرضعتك، ولهذا ثبت [¬١] في الصحيحين (^٢٠٦)، من حديث مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: "إن الرضاعة تحرّم ما تحرِّم الولادة". وفي لفظ لمسلم [¬٢]: "يحرم من الرضاعة [¬٣] ما يحرم من النسب".
وقد قال بعض الفقهاء: كل ما يحرم من النسب يحرم [بالرضاع إلَّا في] [¬٤] أربع صور، وقال بعضهم: "ست صور، هي مذكورة في كتب الفروع. والتحقيق أنَّه لا يستثنى شيء من ذلك؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد على الحديث شيء أصلًا ألبتة، ولله الحمد وبه الثقة [¬٥].
ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرّمة، فذهب ذاهبون إلى أنَّه يحرم مجرَّد الرضاع؛ لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويروى [¬٦] عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزُّبَير، والزهري.
وقال آخرون: لا يحرم أقل من ثلاث رضعات؛ لما ثبت في صحيح مسلم (^٢٠٧)، من طريق هشام [¬٧] بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تحرم المصة
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس، باب: ما جاء في بيوت أزواج النبيّ ﷺ وما نسب من البيوت إليهن (٣١٠٥)، وصحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٤٤).
(٢) - الحديث في صحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٥٠) من طريق أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂ به، وكذا حديث أم الفضل وليس هو عند مسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة. قال الترمذي: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وروى غير واحد هذا الحديث عن هشام، عن أبيه، عن ابن الزبير، عن النبي ﷺ. وروى محمد بن دينار، عن هشام، عن أبيه، عن = [¬١]- في خ: "روى البخاري ومسلم". [¬٢]- في ت: "مسلم". [¬٣]- في خ: "الرضاع". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "من الرضاعة إلَّا". [¬٥]- في خ: "والله أعلم". [¬٦]- في ت: "ويروى". [¬٧]- في خ: "هاشم".
[ ٣ / ٤١٢ ]
والمصتان". وقال قَتَادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل، قالت: قال رسول الله ﷺ: "لا تحرم الرضعة ولا الرضعتان، والمصة ولا المصتان".
وفي لفظ آخر: "لا تحرم الإِملاجة ولا الإِملاجتان". رواه مسلم.
وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأَبو عبيد، وأبو ثور، وهو مروي عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزُّبَير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير ﵏.
وقال آخرون: لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم (^٢٠٨) من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة [¬١] عن عائشة ﵂، قالت: كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي النبي ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن.
وروى عبد الرزاق (^٢٠٩)، عن معمر، عن الزُّهْريّ، عن عروة، عن عائشة، نحو ذلك.
وفي حديث سهلة بنت سهيل (^٢١٠)، أن رسول الله ﷺ أمرها أن ترضع سالمًا مولى أبي حذيفة خمس رضعات، وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، وبهذا قال الشَّافعي ﵀ وأصحابه، ثم ليعلم أنَّه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وقد قدَّمنا الكلام على هذه المسألة في سورة
_________________
(١) = ابن الزبير، عن الزبير، وهو غير محفوظ. والصحيح عند أهل الحديث: حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، عن النبيّ ﷺ. وسألت محمدًا عن هذا فقال: الصحيح: عن ابن الزبير، عن عائشة ا هـ جامع الترمذي (١١٥٠). وعلى هذا؛ فإن ذكر هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا في هذا الحديث - ليس في شيء من طرق هذا الحديث، وليس وجهًا من أوجه الاختلاف في سنده، إلَّا ما رواه النسائي في الكبرى (٥٤٥٨) من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة وابن الزبير موقوفًا لا مرفوعًا، فالظاهر أنَّه سَبق قلم.
(٢) - صحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٥٢).
(٣) - المصنف (٧/ ٤٦٦) (١٣٩١٢)، وقد سقط من إسناده ذكْرُ عروة، وقد رواه البيهقي في السن الكبرى (٧/ ٤٥٦) من طريق عبد الرزاق على الصواب.
(٤) - رواه البخاري في كتاب المغازي، باب: (١٢) (٤٠٠٠) وطرفه في (٥٠٨٨)، وصحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٥٣) من حديث عائشة. [¬١]- في خ: "عروة".
[ ٣ / ٤١٣ ]
البقرة، عند قوله: ﴿يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾.
ثم اختلفوا هل يحرم لبن الفحل، كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم، أو إنما يختص الرضاع بالأم فقط، ولا ينتشر إلى ناحية الأب، كما هو قول لبعض السلف؟ على قولين. تحرير هذا كله في كتاب "الأحكام الكبير".
وقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ أمَّا أم المرأة فإنها تحرم بمجرَّد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها. وأما الربيبة، وهي بنت المرأة، فلا تحرم [بمجرد العقد على ابنتها] [¬١] حتَّى يدخل بأمِّها [¬٢]، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوَّج بنتها، ولهذا قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾ في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدهن.
وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمّهات والربائب فقال: لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرَّد العقد على الأخرى، حتَّى يدخل بها، لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ﴾.
وقال ابن جرير (^٢١١): حَدْثَنَا ابن بشار، حَدْثَنَا ابن أبي عدي، وعبد الأعلى، عن سعيد، عن قَتَادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي - رضي الله تعالى عنه - في رجل تزوَّج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوَّج أمها؟ قال: هي بمنزلة الربيبة.
وحَدَّثَنَا ابن بشار، حَدَّثَنَا يحيى بن سعيد، عن قَتَادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوّج أمّها.
وفي رواية عن قَتَادة، عن سعيد، عن زيد بن ثابت، أنَّه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمّها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء فعل.
وقال ابن المنذر: حدَّثنا إسحاق، عن عبد الرزاق (^٢١٢)، عن ابن جريج، قال: أخبرني أَبو
_________________
(١) - في تفسيره (٨/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٢) - مصنف عبد الرزاق (٦/ ٢٧٥) (١٠٨١٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٢]- في خ: "بها".
[ ٣ / ٤١٤ ]
بكر بن حفص، عن مسلم بن عويمر الأجدع من [¬١] بكر [¬٢] بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف قال: فلم أجامعها حتَّى توفي عمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي: هل لك في أمها؟ قال: فسألت ابن عبَّاس وأخبرته؟ فقال: انكح أمها. قال: وسألت ابن عمر فقال: لا تنكحها. فأخبرت أبي بما قال ابن عبَّاس وما قال ابن عمر [¬٣]، فكتب إلى معاوية فأخبره [في كتابه] [¬٤] بما قال ابن عبَّاس وابن عمر [¬٥]، فكتب معاوية: إني لا أحل ما حرم الله، ولا أحرّم ما أحل الله، وأنت وذاك، والنساء سواها كثير، فلم ينه ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمِّها فلم ينكحها.
وقال عبد الرزاق (^٢١٣): أخبرنا معمر، عن سماك بن الفضل، عن رجل، عن عبد الله بن الزُّبَير قال: الربيبة والأم سواء، لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة.
وفي إسناده رجل مبهم [¬٦] لم يسم.
وقال ابن جريج: أخبرني عكرمة بن خالد، أن مجاهدًا قال: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ أراد بهما الدخول جميعًا، فهذا القول مروي كما ترى عن علي وزيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبَير ومجاهد وسعيد بن جبير وابن عبَّاس، وقد توقف فيه معاوية، وذهب إليه من الشَّافعية أَبو الحسن أحمد بن محمد بن [¬٧] الصابوني فيما نقله الرافعي عن العبادي [¬٨].
[وقد روي عن ابن مسعود مثله ثم رجع عنه. قال الطبراني: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري، حدَّثنا عبد الرزاق (^٢١٤)، عن الثَّوري، عن أبي فروة، عن أبي عمرو الشيباني، عن ابن مسعود، أن رجلًا من بني شمخ من فزارة تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يفارقها، ثم يتزوج أمها، فتزوجها وولدت له أولادًا، ثم أتى ابن مسعود المدينة، فسأل عن ذلك فأُخبِر أنَّها لا تحل له، فلما رجع إلى الكوفة قال للرجل:
_________________
(١) - في مصنفه (٦/ ٢٧٨) (١٠٨٣٣)، وقد سقط الرجل المبهم من إسناده، ورواه ابن حزم في المحلى (٩/ ٥٢٨) من طريق عبد الرزاق من غير ذكر للرجل المبهم.
(٢) - مصنف عبد الرزاق (٦/ ٢٧٣) (١٠٨١١) [¬١]- في ت: أن. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ت: "قالا". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٥]- في خ: "قالا". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- سقط من ت. [¬٨]- بعده في خ: "وقد خالفه جمهور العلماء من السلف والخلف فرأو أن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الربيبة".
[ ٣ / ٤١٥ ]
إنها عليك حرام ففارقها.
وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم، بخلاف الأم، فإنها تحرم بمجرد العقد] [¬١].
قال ابن أبي حاتم (^٢١٥): حَدَّثَنَا جعفر بن محمد بن هارون بن عَزرة، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قَتَادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، أنَّه كان يقول: إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل له أمها. (وروى) أنَّه قال: إنها مبهمة فكرهها.
ثم قال: وروي عن ابن مسعود وعمران بن حصين ومسروق وطاووس وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وابن سيرين وقَتَادة والزهري نحو ذالك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولله الحمد والمنة.
قال ابن جرير [¬٢] (^٢١٦): والصواب قول من قال: الأم من الأمهات [¬٣]، لأن الله لم يشرط معهن الدخول كما [شرط ذلك] [¬٤] مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضًا عن النبي ﷺ خبر غير أن في إسناده نظرًا، وهو ما حدثني به ابن المثنى، حدَّثنا حبان بن موسى، حدَّثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى [¬٥] بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: "إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوّج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، فإذا تزوج بالأم فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة" (^٢١٧).
_________________
(١) - في تفسيره (٣/ ٩١١) (٥٠٨٦).
(٢) - تفسير الطبري (٨/ ١٤٥ - ١٤٦).
(٣) - ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ٢٧٦) (١٠٨٢١)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٦٠) - من طريق المثنى بن الصباح به. قال البيهقي: مثنى بن الصباح غير قوى. ورواه الترمذي في جامعه في كتاب النكاح، كتاب: ما جاء فيمن يتزوج المرأة ثم يطلقها قبل أن يدخل بها، هل يتزوج ابنتها أم لا؟ (١١١٧)، وابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٦٩)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٦٠). - من طريق عبد الله بن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال الترمذي: هذا حديث لا يصح من قِبَل إسناده، وإنما رواه ابن لهيعة والمثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، والمثنى بن الصباح = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "ابن جريج". [¬٣]- في ت: "المبهمات". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "اشترطه". [¬٥]- في خ: "ابن المثنى".
[ ٣ / ٤١٦ ]
ثم قال: وهذا الخبر -وإن كان في إسناده ما فيه- فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مستغنًى عن الاستشهاد على صحته بغيره.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فجمهور الأمة [¬١] على أن الربيبة حرام، سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره. قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾.
وفي الصحيحين (^٢١٨) أن أم حبيبة قال: يا رسول الله؛ انكح أختي بنت أبي سفيان. وفي لفظ لمسلم: عزة بنت أَبى سفيان، قال: "أو تحبين ذلك؟ " قالت: نعم. لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. قال: "فإن ذلك لا يحل لي". قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: "بنت أم سلمة". قالت: نعم. قال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن". وفي رواية للبخاري (^٢١٩): " إني لو لم أتزوج أم سلمة مما حلت لي". فجعل المناط في التحريم مجرَّد تزوجه أم سلمة، وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، والفقهاء السبعة، وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٢٠): حَدَّثَنَا أَبو زرعة، حدَّثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام -يعني ابن يوسف- عن ابن جريج، حدَّثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجدت عليها، فلقيني علي بن أبي
_________________
(١) = وابن لهيعة يُضَعَّفان في الحديث. وقال غيره: يشبه أن يكون ابن لهيعة أخذه عن المثنى ثم أسقطه؛ فإن أبا حاتم قد قال: لم يسمع ابن لهيعة من عمرو بن شعيب. التلخيص الحبير (٣/ ١٩٠).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب: لا يتزوج أكثر من أربع (٥١٠١) وأطرافه في (٥١٠٦، ٥١٠٧، ٥١٢٣، ٥٣٧٢)، وصحيح مسلم، كتاب الرضاع (١٤٤٩) - من طريق عروة بن الزبير، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة بنت أبي سفيان به.
(٣) - صحيح البخاري (٥١٢٣).
(٤) - في تفسيره (٢/ ٩١٣) (٥٠٨٧)، وهو عند عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٢٧٨) (١٠٨٣٤). [¬١]- في ت: "الأئمة".
[ ٣ / ٤١٧ ]
طالب، فقال: ما لك؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة؟ قلت: نعم، وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك؟ قلت: لا. هي بالطائف. قال: فانكحها. قلت: فأين قول الله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾؟ قال: إنها لم تكن في حجرك، إنما ذلك إذا كانت في حجرك.
هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم، وهو قول غريب جدًّا، وإلى هذا ذهب داود بن علي الظاهري وأصحابه، وحيه أبو القاسم الرافعي عن مالك ﵀، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ أَبو عبد الله الذهبي أنَّه عرض هذا على الشيخ الإِمام تقي الدين بن تيمية ﵀ فاستشكله وتوقف في ذلك، والله أعلم.
وقال ابن المنذر: حدَّثنا علي بن عبد العزيز، حدَّثنا الأثرم، عن أبي عبيدة، قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قال: في بيوتكم.
وأمّا الربيبة في ملك اليمين، فقد قال الإمام مالك بن أنس، عن ابن شهاب، أن عمر بن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى؛ فقال عمر: ما أحب أن أخْبُرَهُما جميعًا. ويريد أن أطأهما جميعًا بملك يميني. وهذا منقطع [¬١].
وقال سنيد بن داود في تفسيره: حدَّثنا أبو الأحوص، [] [¬٢]، عن طارق بن عبد الرحمن، عن قيس، قال: قلت لابن عبَّاس: أيقع الرجل على امرأة وابنتها مملوكين له؟ فقال: أحلتهما آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله.
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لا خلاف بين العلماء أنَّه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين، لأن الله حرّم ذلك في النكاح قال ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ وملك اليمين عندهم تبع للنكاح، إلَّا ما روي عن ابن عمر وابن عبَّاس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم. وروى هشام [¬٣]، عن قَتَادة: بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح وإن كانت أسفل ببطون كثيرة. وكذا قال قَتَادة عن أبي العالية.
ومعنى قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ أي: نكحتموهن، قاله ابن عبَّاس وغير واحد.
وقال ابن جريج عن عطاء: هو أن تهدى إليه فيكشف ويفتش ويجلس بين رجليها. قلت:
_________________
(١) [¬١]- بعده في خ: "جميعًا". [¬٢]- بعده في ت: "عن طاووس". وهو خطأ. [¬٣]- في خ: "ابن هشام".
[ ٣ / ٤١٨ ]
أرأيت إن فعل ذلك في بيت أهلها؟ قال: هو سواء. وحسبه قد حرم ذلك عليه ابنتها.
وقال ابن جرير [¬١] (^٢٢١): وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، أو قبل النظر إلى فرجها بشهوة؛ ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع.
وقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ أي: وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم يحترز بذلك عن الأدعياء، الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ الآية.
وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ قال: كنا نحدّث والله أعلم أن النبي ﷺ لما نكح امرأة زيد فقال المشركون بمكة في ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ونزلت: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ونزلت: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٢٢): حَدَّثَنَا أَبو زرعة، حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر المقدمي، حَدَّثَنَا خالد [¬٢] بن الحارث، عن الأشعث، عن الحسن بن محمد، أن هؤلاء الآيات مبهمات: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾. ثم قال: وروي عن طاووس وإبراهيم والزهري ومكحول نحو ذلك.
(قلت): معنى مبهمات: أي عامّة في المدخول بها وغير المدخول، فتحرم بمجرَّد العقد عليها، وهذا متفق عليه.
فإن قيل: فمن أين تحرم امرأة ابنه من الرضاعة كما هو قول الجمهور، ومن الناس من يحكيه إجماعًا وليس من صلبه؟ فالجواب من قوله ﷺ "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب" (^٢٢٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. أي: وحرَّم عليكم الجمع
_________________
(١) - في تفسيره (٨/ ١٤٨).
(٢) - في تفسيره (٣/ ٩١٣) (٥٠٩٥).
(٣) - سبق تخريجه؛ انظر حاشية (٢٠٦). [¬١]- في خ: "جريج". [¬٢]- في ت: "الجرح".
[ ٣ / ٤١٩ ]
بين الأختين معًا في التزويج، وكذا في ملك اليمين، إلَّا ما كان منكم في جاهليتكم، فقد عفونا [عن ذلك] [¬١] وغفرناه. فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل؛ ولا استثناء فيما سلف، كما يل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبدًا، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديمًا وحديثًا على أنَّه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان، خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة. وقال الإِمام أحمد بن حنبل (^٢٢٤): حَدْثَنَا موسى بن داود، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، عن أَبي وَهْب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه، قال: أسلمت وعندي امرأتان أختان، فأمرني النبي ﷺ أن أطلق إحداهما.
ثم رواه أحمد والتِّرمِذي وابن ماجة من حديث ابن لهيعة (^٢٢٥)، وأخرجه أَبو داود والتِّرمِذي أيضًا من حديث يزيد بن أبي حبيب (^٢٢٦)، كلاهما عن أبي وَهْب الجيشاني، قال التِّرمِذي: واسمه ديلم [¬٢] بن الهوشع. عن الضحاك بن فيروز الديلمي، عن أبيه به. وفي لفظ للترمذي: فقال النبي ﷺ: "اختر أيتهما شئت". ثم قال التِّرمِذي: هذا حديث حسن.
_________________
(١) - في مسنده (٤/ ٢٣٢) (١٨٠٩٦).
(٢) - المسند (٤/ ٢٣٢) (١٨٠٩٥)، والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان (١١٢٩)، وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: الرجل يسلم وعنده أختان (١٩٥١)، والطبراني في معجمه الكبير (١٨/ ٣٢٨) (٨٤٣)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢٧٤)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ١٨٤) - كلهم من طريق عبد الله بن لهيعة، عن أبي وَهْب الجَيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه به.
(٣) - سنن أبي داود، كتاب الطلاق، باب: فيمن أسلم وعنده نساء أكثر من أربع أو أختان (٢٢٤٣)، والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسلم وعنده أختان (١١٣٠)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٢٤٨) (٨٥٦)، والعقيلي في الضعفاء (٢/ ٤٤) وابن حبان في صحيحه: الإحسان (٩/ ٤٦٢) (٤١٥٥)، والطبراني في الكبير (١٨/ ٣٢٩) (٨٤٥)، والدارقطني في السنن (٣/ ٢٧٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٨٤) - كلهم من طريق جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي وَهْب الجيشاني، عن الضحاك بن فيروز، عن أبيه به. - قال المزي في التحفة: رواه الوليد بن مسلم وموسى بن داود ويحيى بن إسحاق ويحيى بن يحيى، عن ابن لهيعة كما قال قتيبة (يعني: عن أبي وَهْب، عن الضحاك، عن أبيه) وكذلك رواه أَبو همام الوليد بن شجاع، عن ابن وَهْب (يعني: عن ابن لهيعة). ورواه أَبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى، عن أبيه، عن جده، عن ابن وَهْب، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أَبي حبيب، عن أَبي وَهْب الجيشاني. وهو وهم. والله أعلم. وقال ابن عساكر: هذا عندي وهم من ابن يونس أو من أبيه. ويحتمل أن يكون ابن لهيعة سمعه من = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "عنه". [¬٢]- في خ: "دلهم".
[ ٣ / ٤٢٠ ]
وقد رواه ابن ماجة أيضًا بإسناد آخر، فقال (^٢٢٧): حَدَّثَنَا أَبو بكر بن أبي شيبة، حَدَّثَنَا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن أبي وَهْب الجيشاني، عن أبي خراش الرعيني [عن الديلمي] [¬١]، قال: قدمت على رسول الله ﷺ وعندي أختان تزوّجتهما في الجاهلية، فقال: "إذا رجعت فطلق إحداهما".
قلت: فيحتمل أن أبا خراش هذا هو الضحاك بن فيروز، ويحتمل أن يكون غيره، فيكون أَبو وَهْب قد رواه عن اثنين، عن فيروز الديلمي، والله أعلم.
وقال ابن مردويه: حدَّثَنَا عبد الله بن يحيى بن محمد بن يحيى، حَدْثَنَا أحمد بن يحيى الخولاني، حَدَّثَنَا هيثم بن خارجة، حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن رُزيق [¬٢] بن حُكيم، عن كثير بن مرة، عن الديلمي، قال: قلت: يا رسول الله، إن تحتي أختين. قال: "طلق أيهما شئت" (^٢٢٨).
_________________
(١) = يزيد عن أبي وَهْب ثم سمعه من أبي وَهْب أو دلسه عنه. والحديث قال عنه البخاري: في إسناده نظر. وقال العقيلي: لا يحفظ إلا عنه (يعني أبا وَهْب الجيشاني). والحديث قد احتج به الأوزاعي وغيره، انظر سنن الدارقطني (٣/ ٢٧٤).
(٢) - مصنف ابن إلى شيبة، كتاب النكاح، باب: ما قالوا في الرجل يسلم وعنده أختان (٣/ ٤٠٥) وعن ابن ماجة في سننه، كتاب النكاح، باب: الرجل يسلم وعنده أختان (١٩٥٠)، ورواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٢٨ - ٣٢٩) من طريق أبي بكر بن أبي شيبة به. وقد رواه الإمام الشافعي في مسنده - شفاء العي (٢/ ٣١) (٤٥) - وعنه الدارقطني في سننه (٣/ ٢٧٣)، والبيهقي في سننه الكبرى (٧/ ١٨٤ - ١٨٥) عن ابن أبي يحيى، عن ابن أبي فروة، عن أبي وَهْب الجيشاني، عن أبي خراش، عن الديلمي -أو عن ابن الديلمي- به. قال البيهقي: زاد إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة في إسناده أبا خراش، وإسحاق لا يحتج به، ورواية يزيد بن أبي حبيب أصح، والله أعلم. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في زوائده على تحفة الأشراف -معقبًا على رواية ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد السلام بن حرب -: تابعه الحسين بن سنان الخزاز، عن عبد السلام بن حرب. ورواه أَبو نعيم، عن عبد السلام بن حرب؛ فجعله من مسند أبي خراش نفسه؛ أخرجه ابن منده في المعرفة. وأخرجه الشافعي عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، عن إسحاق بن أبي فروة؛ فوافق الأول. وهو الصواب.
(٣) - ورواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٣٠ - ٣٣١) (٨٥٠) من طريق الهيثم بن خارجة، عن = [¬١]- سقط من ز، خ، ت. والصواب إثباته. [¬٢]- في خ: "زر". وفي ت: "زريق".
[ ٣ / ٤٢١ ]
فالديلمي المذكور أوّلا هو الضحاك بن فيروز الديلمي، [قال أبو زرعة الدمشقي: كان يصحب عبد الملك بن مروان. والثاني هو أبو فيروز الديلمي] [¬١]﵁ وكان من جملة الأمراء باليمن الذين ولوا قتل الأسود العنسي المتنبيء لعنه الله.
وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضًا، لعموم الآية.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٢٩): حَدَّثَنَا أبو زرعة، حَدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عبد الله بن أبي عنبة -أو عتبة- عن ابن مسعود، أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين، فكرهه. فقال له -يعني السائل- يقول الله تعالى: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ فقال له ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه -: وبعيرك مما ملكت يمينك.
وهذا هو المشمهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك. وقال الإِمام مالك (^٢٣٠)، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أن رجلا سأل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين، هل يجمع بينهما؟ فقال عثمان: أحلتهما آية وحرّمتهما آية، وما كنت لأصنع ذلك. فخرج من عنده فلقي رجلا من أصحاب النبي ﷺ فسأله عن ذلك فقال: لو كان لي من الأمر شيء، ثم وجدت أحدًا فعل ذلك لجعلته [¬٢] نكالا. وقال مالك: قال ابن شهاب: أراه علي بن أبي طالب. قال: وبلغني عن الزبير بن العوّام عل ذلك.
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري ﵀ في كتابه الاستذكار (^٢٣١): إنما كنى قبيصة بن ذؤيب عن علي بن أبي طالب، لصحبته عبد الملك بن مروان، وكانوا يستثقلون [¬٣] ذكر علي بن أبي طالب ﵁.
ثم قال أبو عمر: حدثني خلف بن أحمد ﵀ قراءة عليه - أن خلف بن مطرف حدّثهم، حَدَّثَنَا أيوب بن سليمان، وسعيد بن سليمان، ومحمد بن عمر بن لبابة، قالوا: حَدَّثَنَا أبو زيد عبد الرحمن بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو عبد الرحمن المقري، عن موسى بن أيوب
_________________
(١) = يحيى بن حمزة (وعند ابن كثير: ابن إسحاق) عن ابن أبي فروة به.
(٢) - في تفسيره (٣/ ٩١٤) (٥٠٩٩)، وفيه: عن عبد الله بن أبي عتبة، عن ابن مسعود، من غير شك.
(٣) - في الموطأ، كتاب النكاح، باب: ما جاء في كراهية إصابة الأختين بملك اليمين: ﷺ ٤٢٥.
(٤) - الاستذكار لابن عبد البر (١٦/ ٢٥٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين من: خ. [¬٢]- في خ: "لوجدته". [¬٣]- في خ: "يستقلون".
[ ٣ / ٤٢٢ ]
الغافقي، حدثني عمي إياس بن عامر، قال: سألت علي بن أبي طالب، فقلت: إنّ لي أختين مما ملكت يميني، اتخذت إحداهما سُرِّيَّة، فولدت لي أولادًا، ثم رغبت في الأخرى، فما أصنع؟ فقال علي ﵁: تعتق التي كنت تطأ، ثم تطأ الأخرى. قلت: فإنّ ناسًا يقولون: بل تزوّجها، ثم تطأ الأخرى. فقال علي: أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها، أليس ترجع إليك؟ لأن تعتقها أسلم لك. ثم أخذ علي بيدي، فقال لي: إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله ﷿ من الحرائر إلا العدد -أو قال: إلا الأربع- ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب.
ثم قال أبو عمر: هذا الحديث رحلة [¬١]، لو لم يصب رجل من أقصى المغرب والمشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته.
قلت: وقد روي عن علي نحو ما تقدم عن عثمان. قال أبو بكر بن مردويه: حَدَّثَنَا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حَدَّثَنَا محمد بن العباس، حدثني محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، حَدَّثَنَا عبد الرحمن بن غزوان، حَدَّثَنَا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال لي علي بن أبي طالب: حرّمتهما آية وأحلتهما آية -يعني الأختين- قال ابن عباس: تحرمهن على قرابتي منهن، ولا تحرمهن على قرابة بعضهن من بعض -يعني الإِماء- وكانت الجاهلية يحرّمون ما تحرّمون، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فلما جاء الإِسلام أنزل الله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني: في النكاح.
ثم قال أبو عمر: وروى الا مام أ حمد بن حنبل، حَدَّثَنَا محمد بن سلمة، عن هشام، عن ابن سيرين، عن ابن مسعود، قال: يحرم من الإِماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد. وعن ابن سيرين والشعبي نحو [¬٢] ذلك.
قال أبو عمر: ﵀ وقد روي مثل قول عثمان عن طائفة من السلف، منهم ابن عباس، ولكن اختلف عليهم، ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار والحجاز والعراق ولا ما وراءهما من المشرق ولا بالشام والمغرب، إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفي القياس، وقد ترك من يعمل ذلك ظاهرًا [] [¬٣] ما اجتمعنا عليه، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء، كما لا يحل ذلك في النكاح،
_________________
(١) [¬١]- في خ: "رجل". [¬٢]- في خ: "مثل". [¬٣]- بعده في ت: "ظاهرًا".
[ ٣ / ٤٢٣ ]
وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، أن النكاح وملك [¬١] اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون نظرًا وقياسًا الجمع بين الأختين، وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم، وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها. والله المحمود.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ [أي: وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات، وهنّ المزوجات ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾]، يعني: إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك.
وقال الإِمام أحمد (^٢٣٢): حَدَّثَنَا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان -هو الثوري- عن عثمان البتي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا نساء [¬٢] من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أ زواج، فسألنا النبي ﵌، فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ فاستحللنا بها [¬٣]، فروجهن.
وهكذا رواه الترمذي، عن أحمد بن منيع، عن هشيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سوار [¬٤] عن عثمان البتي، ورواه مسلم في صحيحه (^٢٣٣)، من حديث شعبة، عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري فذكره، وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به (^٢٣٤).
_________________
(١) - في مسنده (٣/ ٧٢) (١١٧٠٨).
(٢) - رواه الترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسبى الأمة ولها زوج، هل يحل له أن يطأها (١١٣٢)، وفي كتاب التفسر، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢٠)، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب النكاح، باب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ (٦/ ٣٢١) (١١٠٩٧)، وابن جرير في تفسيره (٨/ ١٥٣) (٨٩٦٩)، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ٣٨١، ٤٢٩) (١١٤٨) (١٢٣١) - كلهم من طريق عثمان بن مسلم البَتِّي، عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ به.
(٣) - رواه مسلم في صحيحه، كتاب الرضاع (١٤٥٦) من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد وشعبة، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري به وقد خولف خالد عن سعيد في ذلك = [¬١]- في خ: "بملك". [¬٢]- في خ: "سبيا". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ت: "سواري".
[ ٣ / ٤٢٤ ]
وقد روي من وجه آخر، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري، [قال الإمام أحمد (^٢٣٥): حَدَّثَنَا ابن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عي أبي الخليل، عن أبي علقمَة، عن أبي سعيد الخدري] [¬١]، أن [¬٢] أصحاب رسول الله ﵌ أصابوا سبايا [¬٣] يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكأن أناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن، قال: فنزلت هذه الآية في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾.
وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة، زاد مسلم: وشعبة. ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة بإسناده نحوه (^٢٣٦)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحدًا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة. كذا قال، وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم.
وقد روى الطبراني من طريق [¬٤] الضحاك، عن [ابن عباس] [¬٥] (^٢٣٧)، أنها نزلت في سبايا
_________________
(١) = كما سيأتي، ورواه عبد الرزاق في التفسير (١/ ١٥٣ - ١٥٤) عن معمر، عن قتادة، عن أبي الخليل أو غيره أو عن أبي سعيد الخدري به.
(٢) - في مسنده (٣/ ٨٤) (١١٨١٣) وأيضًا (١١٨١٤) عن همام، عن قتادة.
(٣) - رواه مسلم في صحيحه في كتاب الرضاع (١٤٥٦)، وأبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب: في وطء السبايا (٢١٥٥)، والنسائي في سننه، كتاب النكاح، باب: تأويل قول الله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١١٠/ ٦)، وفي الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٦/ ٣٢١) (١١٠٩٦)، والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الرجل يسبى الأمة ولها زوج، هل يحل له أن يطأها (١١٣٢)، وفي كتاب التفسير، باب: ومن سورة النساء (٣٠٢٠)، وأبو يعلى (٢/ ٤٨٦) (١٣١٨) - من طريق سعيد وشعبة وهمام. ورواه أبو داود الطيالسي (٢٢٣٩) عن هشام الدستوائي - أربعتهم (سعيد وشعبة وهمام وهشام) عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي، عن أبي سعيد الخدري به. وهذا أولى من رواية خالد بن الحارث عند مسلم بإسقاط أبي علقمة الهاشمي. قال الإمام أبو الحسن الدارقطني في العلل (١١/ ٣٥٢): يرويه قتادة، عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد. وخالفه عثمان البتي؛ فرواه عن أبي الخليل، عن أبي سعيد. ولم يذكر أبا علقمة. وقول قتادة أصح ا هـ.
(٤) - المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١١٥ - ١١٦) (١٢٦٣٧)، والمعجم الأوسط = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "كان". [¬٣]- في ت: "سبيا". [¬٤]- في ت: "حديث". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: "أنس".
[ ٣ / ٤٢٥ ]
خيبر. وذكر مثل حديث أبي سعيد، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها أخذًا بعموم هذه الآية، وقال ابن جرير (^٢٣٨): حَدَّثَنَا ابن مثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم: أنه سئل عن الأمة تباع ولها زوج؟ قال: كان عبد الله يقول: بيعها طلاقها. ويتلو هذه الآية ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾.
وكذا رواه سفيان، عن منصور، ومغيرة والأعمش، عن إبراهيم، عن ابن مسعود، قال: بيعها طلاقها. وهو منقطع. ورواه [¬١] سفيان الثوري، عن خالد، عن أبي قلابة، عن ابن مسعود، قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها.
ورواه سعيد عن قتادة، قال: إن أبي بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس قالوا: بيعها طلاقها.
وقال ابن جرير (^٢٣٩): حدثني يعقوب، حَدَّثَنَا ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طلاق الأمة ست: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها، طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها.
وقال عبد الرزاق (^٢٤٠): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، قوله ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ قال: هنّ [¬٢] ذوات الأزواج، حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. قال معمر: وقال الحسن مثل ذلك.
وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ قال: إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها. وروى عوف عن الحسن: بيع الأمة طلاقها، وبيعه طلاقها.
_________________
(١) = (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨) (٤٢٥١) من طريق أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان، عن محمد بن مسلم بن أبي الوضاح، عن سالم الأفطس، عن رزين الجرجاني، عن الضحاك، عن ابن عباس به. قال الطبراني: لم يروه عن سالم الأفطس إلا محمد بن مسلم بن أبي الوضاح.
(٢) - في تفسيره (٥/ ١٥٨) (٨٩٧٣).
(٣) - المصدر السابق (٨/ ١٥٧) (٨٩٨٣)، وقد قال: طلاق الأمة ست، ولم يذكر منها إلا خمسًا، وانظر التعليق على ذلك في تفسير ابن جرير.
(٤) - في تفسيره (١/ ١٥٣). [¬١]- في ت: "وقال". [¬٢]- في خ: "هذه".
[ ٣ / ٤٢٦ ]
فهذا قول هؤلاء من السلف، وقد خالفهم الجمهور قديمًا وحديثًا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقًا لها؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث برهة الخرج في الصحيحين وغيرهما (^٢٤١)، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها ونجَّزت عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ بين الفسخ والبقاء؛ فاختارت الفسخ: قصتها مشهورة. فلو كان بيع الأمة طلاقها، كما قال هؤلاء، ما خيرها النبي ﷺ؛ فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم.
وقد قيل: المراد بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يعني، العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا. حكاه ابن جرير (^٢٤٢) عن أبي العالية وطاووس وغيرهما. وقال عمر وعبيدة: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم.
وقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، [يعني الأربع] [¬١] فالزموا كتابه، ولا تخرجوا [¬٢] عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه.
و[¬٣] قال عبيدة وعطاء والسدي في قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ يعني: الأربع.
وقال إبراهيم: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ يعني ما حرم عليكم.
وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ أي: ما عدا من ذكرن من المحارم هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ ما دون الأربع. وهذا بعيد. والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يعني ما ملكت أيمانكم، وهذه الآية هي [¬٤] التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال: أحلتهما آية وحرمتهما آية. وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال: ﴿مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسَافِحِينَ﴾.
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب: الشروط في البيوع (٢٧١٧)، ومسلم في كتاب العتق (١٥٠٤) - من طريق الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂.
(٢) - في تفسيره (٨/ ١٥٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "ولا تخرجوه". [¬٣]- في خ: "وقد قال". [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي: كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، [كما قال تعالى] [¬١]: ﴿وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾. وكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. وكقوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا﴾ وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسح [مرتين. وقال] [¬٢] آخرون: أكثر من ذلك. وقال آخرون: إنما أبيح مرة، ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك.
وقد روي عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإِمام أحمد بن حنبل [رحمهم الله تعالى] [¬٣] وكان ابن عباس، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير والسدي يقرءون ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
وقال مجاهد: نزلت في نكاح المتعة. ولكن الجمهور على خلاف ذلك.
والعمدة ما ثبت في الصحيحين (^٢٤٣)، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، قال: نهى رسول الله ﷺ عن نكاح التعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر. ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب "الأحكام".
وفي صحيح مسلم (^٢٤٤)، عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني، عن أبيه، أنه غزا مع رسول الله ﷺ يوم [¬٤] فتح مكة، فقال: "يا أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا". وفي رواية لمسلم: في حجة الوداع. وله ألفاظ موضعها "كتاب الأحكام".
وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ من حمل هذه الآية
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر (٤٢١٦) وأطرافه في (٥١١٥) (٥٥٢٣) (٦٩٦١)، وصحيح مسلم، كتاب النكاح (١٤٠٧). من طريق الزهري، عن عبد الله والحسن ابنى محمد بن علي، عن أبيهما، عن علي بن أبي طالب ﵁.
(٢) - صحيح مسلم، كتاب النكاح (١٤٠٦). [¬١]- في خ: "كقوله". [¬٢]- مكانه في خ بياض. [¬٣]- ما بين المعقوفتين سقط من: ت. [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
على نكاح المتعة إلى أجل مسمى. قال [¬١]: فلا جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تتراضوا [¬٢] على زيادة به، وزيادة للجعل.
قال [¬٣] السدي: [إن شاء أرضاها] [¬٤] من بعد الفريضة الأولى، يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها قبل انقضاء الأجل بينهما، فقال: أتمتع منك أيضًا بكذا وكذا. فإن زاد قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.
قال السدي: فإذا [¬٥] انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث. فلا يرث واحد منهما صاحبه.
ومن قال [بهذا القول] [¬٦] الأول جعل معناه كقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ الآية، أي: إذا فرضت لها صداقًا فأبرأتك منه، أو عن شيء منه، فلا جناح عليك [¬٧] ولا عليها في ذلك.
وقال ابن جرير (^٢٤٥): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم الحضرمي أن رجالًا كانوا يفرضون المهر ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال: ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، يعني: إن وضعت لك منه شيئًا فهو لك سائغ. واختار هذا القول ابن جرير. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ والتراضي أن يوفيها صداقها ثم يخيرها يعني في المقام أو الفراق.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فناسب [¬٨] ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات.
_________________
(١) - في تفسيره (٨/ ١٨٠) (٩٠٤٥). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "تراضو". [¬٣]- في خ: "وقال". [¬٤]- في خ: "شاء الله أرضاها". [¬٥]- في ت: "إذا". [¬٦]- في خ: "بالقول". [¬٧]- في خ: "عليكم". [¬٨]- في ت: "مناسب".
[ ٣ / ٤٢٩ ]
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾
يقول تعالى: [﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾] [¬١] أي: سعة وقدرة ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [¬٢] أي: الحرائر العفائف [¬٣].
وقال ابن وهب: أخبرني عبد الجبار، عن ربيعة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قال ربيعة: الطول الهوى. يعني ينكح الأمة إذا كان هواه فيها. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢٤٦). ثم شرع [¬٤] يشنع على هذا القول ويردّه.
﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: فتزوجوا من الإِماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون ولهذا قال: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ قال ابن عباس وغيره: فلينكح من إماء المؤمنين، وكذا قال السدي ومقاتل بن حيان.
ثم اعترض [¬٥] بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنّما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور.
ثم قال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ فدل على أن السيد هو [¬٦] ولي أمته، لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس له أن يتزوج [بغير] [¬٧] إذنه، كما جاء في الحديث:
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ١٨٣) (٩٠٥٧)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٢٠) (٥١٤٠). [¬١]- ما بين المعكوفين في خ: "ومن لم يجد طولًا". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ت: "أخذ". [¬٥]- في خ: "أعرض". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في خ: "إلا بإذنه".
[ ٣ / ٤٣٠ ]
"أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر" (^٢٤٧). أي: زان. فإن كان مالك الأمة امرأة [¬١]، زوجها من يزوج المرأة بإذنها، لما جاء في الحديث: "لا تزوّج [المرأة المرأة، ولا] [¬٢] المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوّج نفسها" (^٢٤٨).
_________________
(١) - رواه أبو داود في سننه، كتاب النكاح، باب: في نكاح العبد بغير إذن سيده (٢٠٧٨)، وأحمد في مسنده (٣/ ٣٠١) (١٤٢٥٣)، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب النكاح، باب: من كره للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده (٣/ ٣٦٩)، والدارمي في سننه (٢/ ١٥٢)، وابن الجارود في المنتقى (٦٨٦)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٧٢٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ٣٣٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٢٧) - من طرق عن الحسن بن صالح. ورواه الترمذي، في كتاب النكاح، باب: ما جاء في نكاح العبد بغير إذن سيده (١١١٢)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٧٧) (١٥٠٧٤)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٢٥) - عن ابن جريج. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/ ٣٦٩)، وأحمد في المسند (٣/ ٣٨٢) (١٥١٣٥)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٤)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١٢٧) من طريق القاسم بن عبد الواحد. ورواه الترمذي في كتاب النكاح (١١١١) من طريق زهير بن محمد - أربعتهم (أعني: الحسن، وابن جريج، والقاسم، وزهيرًا) عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله ﵄ به مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن. كذا نقل المنذري والمزى ابن حجر، ونقل عنه الزيلعى في نصب الراية (٣/ ٢٠٣) أنه صححه أيضًا، وكذلك هو في المطبوع. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وقال أبو نعيم -بعد أن خرج الحديث من رواية الحسن بن صالح، عن ابن عقيل-: غريب من حديث الحسن، لم نكتبه إلا من حديث إسماعيل ا هـ. ولكنه رواه عن الحسن جماعة منهم: وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دُكَين، وابن رجاء، ومخلد بن يزيد، كما في مصادر التخريج السابقة. (تنبيه) روى هذا الحديث ابنُ ماجة في سننه، في كتاب النكاح، باب: تزويج العبد بغير إذن سيده (١٩٥٩) فقال: حدثنا أزهر بن مروان، ثنا عبد الوارث بن سعيد، ثنا القاسم بن عبد الواحد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن عمر، فذكره مرفوعًا. قال الحافظ ابن حجر في زوائده على التحفة: هكذا عنده من رواية عبد الوارث بن سعيد، عن القاسم. وخالفه همام، عن القاسم؛ فقال: عنه، عن ابن عقيل، عن جابر ا هـ. والظاهر أن المخالفة ليست من عبد الوارث؛ إذ إنّ ابنه عبد الصمد روى عنه هذا الحديث على الصواب كرواية همام (كما في رواية الحاكم) فالمخالفة إذن مِمَّن هو دون عبد الوارث، والله أعلم. قال الترمذي: وروى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ولا يصح. والصحيح: عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر.
(٢) - رواه ابن ماجة في كتاب النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي (١٨٨٢)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢٦٧)، والدارقطني في سننه (٣/ ٢٢٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١١٠) من طريق = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي: عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئًا استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات.
وقوله تعالى: ﴿محصنات﴾ أي: عفائف [¬١]، عن الزنا، لا يتعاطينه. ولهذا قال: ﴿غير مسافحات﴾ وهن الزواني اللاتي لا يمتنعن من أحد أرادهن بالفاحشة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ قال ابن عباس: ﴿المسافحات﴾ هن الزواني المعلنات، يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. وقال ابن عباس: ومتخذات أخدان يعني أخلاء.
وكذا روي عن أبي هريرة ومجاهد والشعبي والضحاك وعطاء الخراساني ويحيى بن أبي كثير ومقاتل بن حبّان والسدي قالوا: أخلاء. وقال الحسن البصري: يعني الصديق. وقال الضحاك أيضًا: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ ذات الخليل الواحد المقرة به. نهى الله عن ذلك، يعني تزويجها ما دامت كذلك.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ اختلف القراء في (أحصنّ) فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم، ثم قيل: معنى القراءتين واحد. واختلفوا فيه على قولين؛ (أحدهما): أن المراد بالإحصان هاهنا الإسلام، روي ذلك عن عبد الله بن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء وإبراهيم النخعي والشعبي والسدي، وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب، وهو
_________________
(١) = السدى الصغير محمد بن مروان، ورواه الدارقطني (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨)، والبيهقي (٧/ ١١٠) من طريق عبد السلام بن حرب ومخلد بن الحسين- ثلاثتهم (السدى وعبد السلام ومخلد) عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا، إلا أن عبد السلام بن حرب رفع أول الحديث، وجعل قوله: "فإن الزانية هي التي تُنكِحُ نفسها" من كلام أبي هريرة. قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي ﵇ إلا من هذا الوجه عن أبي هريرة، ولا نعلم أسنده عن هشام إلا محمد بن مروان رعبد السلام بن حرب. ا هـ مسند البزار (٢/ ٢٧٧). وقال ابن عدي: وهذا يرويه محمد بن مروان، ومخلد بن حسين، وعبد الأعلى، والفضل بن موسى - عن هشام (يعني: مرفوعًا). قال البيهقي: وعبد السلام بن حرب قد ميز المسند من الموقوف، فيشبه أن يكون قد حفظه، والله تعالى أعلم. [¬١]- في خ: "غافلات".
[ ٣ / ٤٣٢ ]
منقطع، وهذا هو القول الذي نص عليه الشافعي ﵀ في [رواية الربيع] [¬١]، قال: وإنما قلنا ذلك استدلالا بالسنة وإجماع اُكثر أهل العلم.
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا مرفوعًا قال (^٢٤٩): حَدَّثَنَا علي بن الحسين بن الجنيد، حَدَّثَنَا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله، حَدَّثَنَا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ ﴿فإذا أحصنّ﴾ قال: "إحصانها: إسلامها [وعفافها" وقال: المراد به هاهنا التزويج. قال: وقال علي: اجلدوهن] [¬٢].
ثم [¬٣] قال ابن أبي حاتم: وهو حديث منكر.
(قلت): وفي إسناده ضعف، وفيه [¬٤] من لم يسم، ومثله [¬٥] لا تقوم به حجة.
وقال القاسم وسالم: إحصانها إسلامها وعفافها. وقيل: المراد به هاهنا التزويج. وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وطاووس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري (^٢٥٠) في كتابه الإيضاح عن الشافعي فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه. وقد [رواه
_________________
(١) = وقد خولف هؤلاء في رفعهم الحديث عن هشام بن حسان؛ فقد رواه عبد الرزاق في مصنفه (٦/ ٢٠٠) (١٠٤٩٤)، وحفص بن غياث والنضر بن شميل: (عند الدارقطني في سننه (٣/ ٢٢٧)، وسفيان بن عيينة: ذكره البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ١١٠) - أربعتهم عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ موقوفًا عليه من قوله. - وكذلك رواه أيوب السختياني: عند عبد الرزاق في المصنف (٦/ ٢٠٠) (١٠٤٩٣)، والأوزاعي: عند البيهقي في الكبرى (٧/ ١١٠)، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة موقوفًا. قال ابن عبد الهادي: وهو أشبه. يعني الموقوف.
(٢) - في تفسيره (٣/ ٩٢٣) (٥١٥٧)، وأبو حمزة: هو محمد بن ميمون المروزي السُّكري، وثقه الدوري والنسائي وابن حبان، وقال ابن عبد البر: ليس بقوى، وقال النسائي: لا بأس بأس حمزة إلا أنه كان قد ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذلك فحديثه جيد. وجابر: هو ابن يزيد الجعفي، ضعفه كثير من أهل الحديث، ووثقه بعضهم.
(٣) - انظر: معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٦٥)، وأبو علي الطبري هو الإمام الحسن بن القاسم شيخ الشافعية، أخذ الفقه عن أبي علي بن أبي هريرة، وهو من أصحاب الوجوه في مذهب الشافعي، صنف "المحرر في النظر" وهو أول كتاب صُنِّف في الخلاف المجرد، و"الإفصاح" في المذهب، وألف في الجدل. توفي سنة، ٣٥٠ هـ. [¬١]- ما بين المكوفتين ساقط من تفسير ابن أبي حاتم والدر المنثور، وكأنها زيادة مقحمة. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "ومنهم". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
الليث] [¬١] بن أبي سليم، عن مجاهد أنه قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة. وكذا روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس رواهما ابن [¬٢] جرير في تفسيره. وذكره ابن أبي حاتم، عن الشعبي والنخعي (^٢٥١).
[وقيل: معنى القراءتين متباين] [¬٣]. فمن قرأ ﴿أُحْصِنَّ﴾ بضم الهمزة فمراده التزويج، ومن قرأ (أحْصَن) [¬٤] بفتحها فمراده الإسلام، اختاره الإمام [¬٥] أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره.
والأظهر -والله أعلم- أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: ﴿فإذا أحصنّ﴾ أي: تزوّجن، كما فسره ابن عباس [ومن تبعه] [¬٦].
وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون: إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حدّ على غير المحصنة ممن زنا من الإماء. وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا: لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإِماء، فقدمناها على مفهوم الآية. فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه (^٢٥٢)، عن علي ﵁، أنه خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديث [¬٧] عهد بنفاس، فخشيت أن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أحسنت، اتركها حتى تتماثل"، وعند عبد الله بن أحمد عن غير أبيه: "فإذا تعالت (*) من نفاسها فاجلدها [¬٨] خمسين" (^٢٥٣).
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٢٠١، ٢٠٢) (٩١٠٠) (٩١٠٣)، وتفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٩٢٣).
(٢) - صحيح مسلم، كتاب الحدود (١٧٠٥). (*) - أي ارتفعت وطهرت. النهاية (٣/ ٢٩٣).
(٣) - المسند (١/ ١٣٦) (١١٤٢) من زيادات عبد الله بن أحمد على المسند عن محمد بن بكار = [¬١]- في ت: "روى ليث". [¬٢]- في خ: "ابن أبي". [¬٣]- في خ: "بل معنى القراءتين سيان". [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- سقط من: ت. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: "وغيره". [¬٧]- في ت: "حديثه". [¬٨]- في خ: "حدها".
[ ٣ / ٤٣٤ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب (*) عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر".
ولمسلم: "إذا زنت ثلاثًا فليبعها في الرابعة" (^٢٥٤).
وروى مالك (^٢٥٥) عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن [عياش بن أبي ربيعة] [¬١] المخزومي قال: أمرني عمر بن الخطاب في فتية من قريش فجلدنا [ولائد من ولائد الإمارة] [¬٢] خمسين خمسين في الزنا.
(الجواب الثاني): جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حدّ عليها، وإنما تضرب تأديبًا، وهو المحكى عن عبد الله بن عباس ﵄، وإليه ذهب طاووس وسعيد بن جبير وأبو عبيد القاسم بن سلام وداود بن علي الظاهري في رواية عنه، وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم، فقدم على العموم عندهم. وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄: أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: "إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير [¬٣] ". وقال ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة. أخرجاه في الصحيحين (^٢٥٦). وعند مسلم قال ابن شهاب: الضفير [¬٤] الحبل.
_________________
(١) = وأبي الربيع الزهراني، عن الجرّاح أبي وكيع، عن عبد الأعلى، عن أبي جميلة، عن علي. (*) - أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنا بعد الضرب. وقيل: أراد لا يقنع في عقوبتها بالتثريب، بل يضربها الحدّ، فإن زنا الإماء لم يكن عند العرب مكروهًا ولا منكرًا، فأمرهم بعد الإماء كما أمرهم بعد الحرائر. النهاية (١/ ٢٠٩).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: لا يثرَبُ على الأمة إذا زنت ولا تُنفى (٦٨٣٩)، وصحيح مسلم، كتاب الحدود (١٧٠٣) - من طريق الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة به مرفوعًا.
(٣) - الموطَّأ، كتاب الحدود، باب: جامع ما جاء في حد الزنا (ص ٦٣١).
(٤) - صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب: إذا زنت الأمة (٦٨٣٧) (٦٨٣٨)، ومسلم، كتاب الحدود (١٧٠٣، ١٧٠٤). من طريق مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة. [¬١]- في خ: "عباس أن أبا رستم". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "بظفر". [¬٤]- في خ: "الظفر".
[ ٣ / ٤٣٥ ]
قالوا: فلم يوقت فيه عدد كما وقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات من العذاب، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك. والله أعلم.
وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس على أمة حد حتى تحصن -أو يعني [¬١] تزوج- فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات" (^٢٥٧).
وقد رواه ابن خزيمة، عن عبد الله [بن عمران العابدي] [¬٢]، عن سفيان، به مرفوعًا، وقال: رفعه خطأ، إنما هو من قول ابن عباس. وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران. وقال مثل ما قاله ابن خزيمة.
قالوا: وحديث علي وعمر قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة:
(أحدها): أن ذلك محمول على الأمة المزوجة، جمعًا بينه وبين هذا الحديث.
(الثاني): أن لفظة الحد في قوله: "فليجلدها [¬٣] عليها الحد"، مقحمة [¬٤]، من بعض الرواة بدليل الجواب (الثالث)، وهو أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقديم [¬٥] من رواية واحد، وأيضًا فقد رواه النسائي
_________________
(١) - هذا الحديث رواه سعيد بن منصور موقوفًا لا مرفوعًا، وقد نص على ذلك الإمام البيهقي في تهذيب السنن والآثار. - وقد رواه ابن خزيمة، وعنه البيهقي في معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٦٤) (٥١٠٠)، والطبراني في معجمه الأوسط (١/ ١٥٣، ٤/ ١٤٧) (٤٧٨) (٣٨٣٤). وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (٦٧٣) وعنه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٧٩٤) (١٣٢٧)، والبيهقي في تهذيب السنن والآثار (٦/ ٣٦٣) (٥٠٩٩). - كلهم من طريق عبد الله بن عمران العابدي، عن سفيان بن عيينة، عن مِسْعَر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ مرفوعًا. وعبد الله بن عمران العابدي، قال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يخطئ ويخالف". - قال ابن خزيمة: هذا خطأ؛ ليس هذا من قول النبي ﷺ، إنما هو من قول ابن عباس. ا هـ ووافقه البيهقي. = [¬١]- في ت: "أو حتى". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "بن عمر الغامدي". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "لفظ بمعجمة". [¬٥]- في خ: "بالتقدم".
[ ٣ / ٤٣٦ ]
بإسناد على شرط مسلم من حديث عباد [¬١] بن تميم، عن عمه، وكان قد شهد بدرًا، أن رسول الله ﷺ قال: "إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفير [¬٢] " (^٢٥٨).
(الرابع): أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ الحد [في الحديث على الجلد، لأنه لما كان الجلد اعتقد أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد] [¬٣] على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب [من زنى من المرضى بعثكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد] [¬٤] من زنا بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزر وتأديب عند من يراه، [كالإمام أحمد] [¬٥] وغيره من السلف. وإنما
_________________
(١) = وقال الطبراني: لم يرفع هذا الحديثَ عن سفيان إلا عبدُ الله بن عمران العابدي ا هـ. - وقال ابن شاهين: وحديث مِسعر قد عُلِّلَ؛ وقيل: إنه موقوف على ابن عباس، ولم أعلم أحدًا أسنده وجوَّده إلا عبد الله بن عمران العابدى. والله أعلم. - وقال ابن حجر في الفتح: اختلف في رفعه ووقفه، والأرجح وقفه. قال البيهقي: وقد رواه سعيد بن منصور وغيره عن سفيان موقوفًا ا هـ. وقد رواه سعيد بن منصور ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ٢٤٣)، وأبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٤٨٨). عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس موقوفًا. ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٧/ ٣٩٧) (١٣٦١٩) عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس وعن معمر، عن أيوب، عن مجاهد، عن ابن عباس، وعن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس: موقوفًا عليه من قوله. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ٤٨٨) عن وكيع، عن سفيان، عن حبيب، عن ابن عباس موقوفًا.
(٢) - الحديث أخرجه النسائي في سننه الكبرى، كتاب الرجم، باب: حد الزانى البكر (٤/ ٢٩٨) (٧٢٣٨). ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب الرد على أبي حنيفة، إقامة الحدود على ملك اليمين (٨/ ٣٧٠) وعنه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٥٠) (١٩٩٤)، ورواه الدارقطني في سننه (٣/ ١٩٧). كلهم من طريق معلى بن منصور، عن أبي أوَيس، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه عبد الله بن زيد به مرفوعًا. وأبو أويس: هو عبد الله بن عبد الله بن أويس المدني، ابن عم الإمام مالك بن أنس. قال ابن المدينيّ: كان عند أصحابنا ضعيفًا. وقال ابن عدي: في أحاديثه ما يصح ويوافقه الثقات عليه، وفيها ما لا يوافقه عليه أحد. - وقد روى النسائي هذا الحديث، ثم أنكره على أبي أويس قائلًا: أبو أويس ضعيف. [¬١]- في خ: "جبارة". [¬٢]- في خ: "بظفر". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: "كأحمد".
[ ٣ / ٤٣٧ ]
[يعني في رواية تقرير] [¬١] الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة، ورجم الثيب أو اللائط. والله أعلم.
[وقد روى ابن جرير] [¬٢] في تفسيره (^٢٥٩): حَدَّثَنَا ابن المثنى، حَدَّثَنَا محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة، عن عمرو [¬٣] بن مرة، أنه سمع سعيد بن جبير يقول: لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج.
وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن كان أراد أنها لا تضرب الأمة أصلًا لا حدًّا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن أراد أنها لا تضرب حدًّا ولا ينفي ضربها تأديبًا، فهو كقول ابن عباس ﵁ ومن تبعه في ذلك. والله أعلم.
(الجواب الثالث): أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حدّ الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ ولحديث عبادة بن الصامت: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنّ سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب [¬٤] جلد مائة ورجمها بالحجارة". والحديث في صحيح مسلم (^٢٦٠)، وغير ذلك من الأحاديث.
وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري، وهو في غاية الضعف؛ لأن الله تعالى إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة من العذاب وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان، وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال، وهذا الشارع ﵇ سألة أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: "اجلدوها"، [ولم يقل مائة] [¬٥]، فلو كان حكمها كما زعم [¬٦] داود لوجب بيان ذلك لهم، لأنهم إنما سألوا عن ذلك لعدم بيان حكم جلد المائة بعد الإحصان في الإماء وإلا [فما الفائدة] [¬٧] في قولهم. ولم تحصن لعدم الفرق بينهما لو لم تكن الآية نزلت، لَكن لما علموا
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٢٠٢) (٩١٠٤).
(٢) - صحيح مسلم، كتاب الحدود (١٦٩٠)، وقد سبق تخريجه: انظر: حاشية (١٤٨) وما بعدها. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقَط من: ت. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "وقد روى ابن ماجه وجرير". [¬٣]- في خ: "عمر". [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- ما بين المعكوفتين من: خ. [¬٦]- في خ: "قال". [¬٧]- ما بين المعكوفتين. في خ: "الفائد".
[ ٣ / ٤٣٨ ]
أحد الحكمين سألوا عن الآخر فبينه لهم، كما في الصحيحين (^٢٦١). أنهم لما سألوه عن الصلاة عليه [¬١] فذكرها لهم ثم قال: "والسلام ما قد علمتم".
وفي لفظ: لما أنزل الله قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قالوا: هذا السلام عليك قد عرفناه، فكيف الصلاة عليك؟ وذكر الحديث. وهكذا هذا السؤال.
(الجواب الرابع عن مفهوم الآية) جواب أبي ثور فإن من مذهبه ما هو أغرب من قول داود من وجوه، وذلك أنه يقول: فإذا أحصن فإن عليهن نصف ما على المحصنات المزوجات وهو الرجم وهو لا يتناصف فيجب أن ترجم الأمة المحصنة إذا زنت، وأما قبل الإحصان فيجب جلدها خمسين. فأخطأ في فهم الآية، وخالف الجمهور في الحكم، بل قد قال أبو عبد الله الشافعي ﵀: ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا (^٢٦٢)؛ وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهنّ [¬٢] المحصنات المذكورات في أول الآية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ [¬٣]﴾ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض لتزويج غيره. وقوله: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم. والله أعلم.
وقد روى الإمام أحمد [حديثًا في رد مذهب أبي ثور] [¬٤] من رواية الحسن بن سعد، عن أبيه، أن صفية كانت قد زنت برجل من الخمس فولدت غلامًا، فادعاه الزاني، فاختصما إلى عثمان، فرفعهما إلى علي بن أبي طالب، فقال علي: أقضي فيهما بقضاء رسول الله ﷺ: "الولد للفراش، وللعاهر الحجر". وجلدها [¬٥] خمسين خمسين (^٢٦٣).
_________________
(١) - أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (٤٠٥) من حديث نُعَيْم المُجْمِر، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ مرفوعًا. من هذا اللفظ قد انفرد به مسلم عن البخاري.
(٢) - معرفة السنن والآثار (٦/ ٣٦٢).
(٣) - أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٠٤) (٨٢٠): عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن حجاج بن أرطاة، عن الحسن بن سعد بن معبد عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعًا، وابن أرطاة -كما قال ابن علي- إنما عاب الناس عليه تدليسه عن الزهري وغيره، وربما أخطأ في بعض الروايات، فأما أن يتعمد الكذب فلا ا هـ. = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "وهي". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "قال لنا نصًّا في مذهب أبي ثور". [¬٥]- في ت: "وجلدهما".
[ ٣ / ٤٣٩ ]
وقيل: بل المراد من المفهوم [التنبيه بالأعلى على الأدنى، أي] [¬١]: أن الإماء على النصف من الحرائر في الحدّ وإن كن محصنات، وليس عليهن رجم أصلا لا قبل النكَاح ولا بعده، وإنما عليهن الجلد في الحالتين بالسنة. قال ذلك صاحب الإفصاح. [وذكر هذا] [¬٢] عن الإمام [¬٣] الشافعي فيما رواه ابن عبد الحكم. وقد ذكره البيهقي في كتاب السنن والآثار عنه (^٢٦٤)، وهو بعيد من لفظ الآية؛ لأنا إنما استفدنا تنصيف الحد من الآية لا من سواه، فكيف يفهم منها التنصيف فيما عداها، وقال: بل أريد بأنها في حال الإحصان لا يقيم الحد عليها إلا الإمام ولا يجوز لسيدها إقامة الحد عليها والحالة هذه. وهو قول في مذهب الإمام [¬٤] أحمد
_________________
(١) = وقد خولف الحجّاج في ذلك: - فرواه مهدي بن ميمون وجرير بن حازم، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد عن رباح، عن عثمان بن عفان ﵁؛ فأسندا الحدث عن عثمان بن عفان عن النبي ﷺ. كذا رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٥٩) (٤١٦، ٤١٧) عن بَهْز بن أسد وشيبان، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف، كتاب النكاح، من قال: الولد للفراش (٣/ ٤٦٥)، وأحمد أيضًا (١/ ٦٩) (٥٠٢) عن يزيد بن هارون، ورواه أبو داود في سننه، كتاب الطلاق، باب: الولد للفراش (٢٢٧٥) عن موسى بن إسماعيل، ورواه الطحاوي في شرح، معاني الآثار (٣/ ١٠٤) عن أسد بن موسى وحَبَّان بن هلال، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٠٢) عن عبد الله بن محمد بن أسماء- سبعتهم عن مهدي بن ميمون به. وخالفهم أبو داود الطيالسي في مسنده (٨٦) ﷺ ١٥) وعفان بن مسلم- وعنه أحمد في المسند (١/ ٦٥) (٤٦٧) - فروياه عن مهدي بن ميمون، عن ابن أبي يعقوب، عن رباح، عن عثمان، ولم يذكرا الحسن بن سعد. وقول الجماعة أولى. - وأما رواية جرير بن حازم: فقد رواه ابنه وهب بن جرير عنه، كرواية مهدي بن ميمون -مسند البزار (٢/ ٦٥) (٤٠٨) - وخالفه أبو داود الطيالسي (٨٦)؛ فرواه عن جرير بن حازم، عن ابن أبي يعقوب، عن رباح، عن عثمان. ولم يذكر الحسن بن سعد، وقد أشار المزي إلى ذلك في التحفة. - قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان إلا من هذا الوجه. - ورواية مهدي وجرير أصح من رواية الحجاج بن أرطاة، كما رجحه الإمام أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى في كتاب العلل (٣/ ٣١) ويفهم ذلك من صنيع الإمام الترمذي في جامعه (١١٥٧) حيث قال عند ذكره لحديث: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" -: وفي الباب: عن عمر وعثمان وعائشة … ولم يذكر حديث علي، فكأنه -عنده- وهم. والله أعلم.
(٢) - سبق هذا النقل. انظر هامش (٢٥٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- سقط من: ت.
[ ٣ / ٤٤٠ ]
﵀، فأما قبل الإحصان فله ذلك، والحد في كلا الموضعين نصف حد الحرة، وهذا أيضًا بعيد؛ لأنه ليس في الآية ما يدل عليه.
ولولا هذه لم ندر ما حكم الإماء في التنصيف، ولوجب دخولهنّ في عموم الآية في تكميل الحد مائة أو رجمهن، كما ثبت في الدليل عليه، وقد تقدم عن علي أنه قال: أيها الناس أقيموا الحد على أرقائكم، من أحصن منهم ومن لم يحصن (^٢٦٥). وعموم الأحاديث المتقدمة ليس فيها تفصيل بين المزوجة وغيرها لحديث أبي هريرة الذي احتج به الجمهور: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها" (^٢٦٦).
ملخص الآية أنها إذا زنت أقوال. أحدها: تجلد خمسين قبل الإحصان وبعده، وهل تنفى؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنها تنفى عنه. والثاني: لا تنفى عنه مطلقًا. والثالث: أنها تنفى نصف سنة وهو نصف نفي الحرّة. وهذا الخلاف في مذهب الشافعي، وأما أبو حنيفة فعنده أن النفي تعزير ليس من تمام الحدّ، وإنما هو رأي الإمام إن شاء فعله، وإن شاء تركه في حق الرجال والنساء. وعند مالك: أن النفي إنما هو على الرجال، وأما النساء فلا، لأن ذلك مضاد لصيانتهنّ. وما ورد شيء من النفي في الرجال ولا في النساء. نعم حديث عبادة وحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وبإقامة الحدّ عليه، رواه البخاري (^٢٦٧). وذلك مخصوص بالمعنى، وهو أن المقصود من النفي الصون وذلك مفقود في نفي النساء، والله أعلم.
والثاني: أن الأمة إذا زنت تجلد خمسين بعد الإحصان وتضرب تأديبًا غير محدود بعدد محصور. وقد تقدم ما رواه ابن جرير، عن سعيد بن جبير: أنها لا تضرب قبل الإحصان، وإن أراد نفيه فيكون مذهبًا بالتأويل. وإلا فهو كالقول الثاني. القول الآخر: أنها تجلد قبل الإحصان مائة وبعده خمسين، كما هو المشهور عن داود، وهو [¬١] أضعف الأقوال، أنها تجلد قبل الإِحصان خمسين وترجم بعده وهو قول أبي ثور، وهو ضعيف أيضًا،
_________________
(١) - سبق تخريجه. انظر هامش (٢٥٢).
(٢) - سبق تخريجه. انظر هامش (٢٥٤).
(٣) - في صحيحه، كتاب الحدود، باب: البكران يجلدان وينفيان (٦٨٣٣) من حديث أبي هريرة. وأيضًا (٦٨٣١) من حديث زيد بن خالد الجهني ﵄. ورواه مسلم في كتاب الحدود (١٦٩٠) من حديث عبادة بن الصامت ﵁. [¬١]- في ت: "و".
[ ٣ / ٤٤١ ]
والله ﷾ أعلم بالصواب.
وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ أي: إنما يباح نكاح الإِماء بالشروط المتقدّمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا وشق عليه الصبر عن الجماع، وعنت بسبب ذلك كله فله حينئذ أن يتزوّج بالأمة، وإن ترك [تزوج الأمة] [¬١] وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له؛ لأنه إذا تزوّجها جاء أولاده [أرقاء لسيدها، إلا أن يكون الزوج عربيًا، فلا تكون أولاده منها] [¬٢] أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال: ﴿وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم﴾.
ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز نكاح الإماء على أنه لابد من عدم الطول لنكاح الحرائر، ومن خوف العنت؛ لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن. وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين، فقالوا: متى لم يكن الرجل مزوّجا بحرّة جاز له [نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضًا] [¬٣]، سواء كان واجدا الطول لحرّة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا. وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ أي: العفائف، وهو يعم الحرائر والإِماء وهذه الآية عامّة، وهذه أيضًا ظاهرة في الدلالة في ما قاله الجمهور، والله أعلم.
﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾
يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما [¬٤] أحل لكم وحرم عليكم، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها ﴿ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾ يعني: طرائقهم الحميدة، واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها ﴿ويتوب عليكم﴾ [أي: من الإثم والمحارم] [¬٥] [﴿والله عليم حكيم﴾ أي: في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله، وقوله] [¬٦]: ﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما﴾ أي: يريد
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "تزوجها". [¬٢]- ما بين المعكوفتين من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين جاءت هذه الفقرة في: خ. بعد قوله: "لحرة أم لا". [¬٤]- في خ: "فيما". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلا عظيما. ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ أي: في شرائعه وأوامره ونواهيه [وما يقدّره لكم] [¬١]، ولهذا أباح الإماء بشروط، كما قال مجاهد وغيره ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.
قال ابن أبي حاتم (^٢٦٨): حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل [الأحمسي] [¬٢]، حَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ أي: في أمر النساء. وقال وكيع: يذهب عقله عندهنّ.
وقال موسى الكليم -عليه [الصلاة و] السلام- لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء حين مر عليه راجعًا من عند سدرة المنتهي، فقال له: ماذا فرض عليكم؟ فقال: أمرني بخمسين [صلاة في كل] [¬٣] يوم وليلة. فقال له: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمّتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمّتك أضعف أسماعًا وأبصارًا وقلوبًا. فرجع فوضع عشرًا، ثم رجع إلى موسى، فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا. الحديث (^٢٦٩).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾
_________________
(١) - في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٧).
(٢) - أخرجه البخارى في كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة (٣٢٠٧)، ومسلم في كتاب الإيمان (١٦٤) من حديث أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة ﵄. وروياه أيضًا من أحاديث أخر. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٤٣ ]
ينهى الله ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير (^٢٧٠): حدثني ابن المثنى، حَدَّثَنَا عبد الوهاب، حَدَّثَنَا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما. قال: هو الذي قال الله- ﷿ فيه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٧١): حَدَّثَنَا علي بن حرب الموصلي، حدَّثنا ابن فضيل، عن داود الأودي، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، في الآية قال: إنها محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس لما أنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف للناس؟ فأنزل الله بعد ذلك: ﴿ليس على الأعمى حرج﴾ الآية.
[وكذا قال قتادة] [¬١]. وقوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ قرئ تجارة بالرفع وبالنصب وهو استثناء منقطع، كأنه يقول لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق﴾ وكقوله: ﴿لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى﴾.
ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول؛ لأنه يدل على التراضي نصًّا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولابد. وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم [¬٢] فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعًا، فصححوا بيع المعاطاة [مطلقًا، ومنهم من قال:
_________________
(١) - في تفسيره (٨/ ٢١٧) (٩١٤٢).
(٢) - في تفسيره (٣/ ٩٢٦) (٥١٧٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
يصح] [¬١] في المحقرات وفيما يعده الناس بيعًا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب والله أعلم.
وقال مجاهد: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ بيعًا [¬٢] أو عطاء يعطه أحد أحدًا. ورواه ابن جرير، ثم قال (^٢٧٢): وحَدّثَنَا ابن وكيع، حَدثَنَا أبي، عن القاسم، عن سليمان الجعفي [¬٣]، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال: قال رسول الله ﷺ: "البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش [¬٤] مسلمًا". هذا حديث مرسل.
ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين (^٢٧٣)، أن رسول الله ﷺ قال: "البيعان بالخيار، ما لم يتفرقا". وفي لفظ البخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا". وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية. ونحوها، كما هو المشهور عن مالك ﵀، وصححوا بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال: يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب [كما هو متفق عليه] [¬٥].
وقوله: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ أى: بارتكاب محارم الله، وتعاطي معاصيه، وأكل أموالكم بينكم [¬٦] بالباطل ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وقال الإِمام أحمد (^٢٧٤): حَدَّثَنَا حسن بن موسى، حَدَّثَنَا ابن لهيعة، حَدَّثَنَا يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص رضي الله
_________________
(١) - في تفسيره (٨/ ٢٢١) (٩١٤٧) وأخرجه ابن أبى شيبة في مصنفه، كتاب البيوع، باب: من قال: لا يتفرق بيعان إلا عن تراضٍ (٥/ ٢٨٩) عن وكيع به؛ غير أن فيه: عن القاسم الجعفى، عن أبيه، عن ميمون مرسلًا.
(٢) - صحيح البخارى، كتاب البيوع، باب: كم يجوز الخيار (٢١٠٧) وأطرافه في (٢١٠٩) (٢١١١، ٢١١٢، ٢١١٣، ٢١١٦)، ومسلم في كتاب البيوع (١٥٣١) - من حديث ابن عمر ﵄.
(٣) - " المسند" (٤/ ٢٠٣، ٢٠٤) وابن أبي حاتم في "التفسير" (٣/ ٥١٨٧) من طريق= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "يضر". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: خ.
[ ٣ / ٤٤٥ ]
عنه أنه، قال، لما بعثه النبي ﷺ عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال [¬١]: فلما قدمت على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال: "يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب"؟ قال: قلت يا رسول الله؛ إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فذكرت قول الله ﷿: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾ فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا.
وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب به، ورواه أيضا عن [محمد بن أبي سلمة] (*)، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة، وعمر (*) بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبى أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عنه فذكره [¬٢] نحوه. وهذا والله أعلم أشبه بالصواب.
وقال أبو بكر بن مردويه (^٢٧٥): حدّثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البلخي، حدَّثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حَدَّثَنَا عبيد [¬٣] الله بن عمر القواريري، حَدثَنَا يوسف ابن خالد، حَدَّثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جنب، فلما قدموا على رسول الله ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال: يا رسول الله؛ خفت أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا
_________________
(١) = معاذ بن فضالة ثنا ابن لهيعة به مختصرًا. وأخرجه أبو داود، كتاب: الطهارة، باب: إذا خاف الجنب البرد أيتيمم (٣٣٤) ومن طريقه البيهقى في "دلائل النبوة" (٤/ ٤٠٢، ٤٠٣) والدارقطني في سننه (١/ ١٧٨) ومن طريقه ابن حجر في "تغليق التعليق" (٢/ ١٨٩) والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٧٧، ١٧٨) وعنه البيهقى في "السنن الكبرى" (١/ ٢٢٥) وفى "الخلافيات" (٢ / رقم ٨٢٤) كلهم من طريق وهب بن جرير بن حازم حدثنا أبي قال: سمعت يحيى بن أيوب يحدث عن يزيد بن أبي حبيب به. وقال البيهقى في "الخلافيات": "هذا مرسل، لم يسمعه عبد الرحمن بن جبير من عمرو بن العاص، والذى روى عن عمرو بن العاص في هذه القصة متصل، ليس فيه ذكر التيمم" ثم أخرج هذا المتصل (٨٢٥) وفى "الكبرى" (١/ ٢٢٦). (*) كذا، وصوابه محمد بن سلمة. (*) كذا، وصوابه عمرو.
(٢) - وأخرجه الطبراني في الكبير (١١/ ١١٥٩٣). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "فذكر". [¬٣]- في خ: "عبد".
[ ٣ / ٤٤٦ ]
أنفسكم﴾ … الآية. قال: فسكت عنه رسول الله ﷺ، ثم أورد ابن مردويه (^٢٧٦) عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يَجَأ [¬١] بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل [¬٢] نفسه بسم تردّى به فسمه في يده يتحسّاه في نار جهنم خالدا مخلدًا فيها أبدًا" [ومن تردّى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا] [¬٣].
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بنحوه (^٢٧٧)، وعن أبي قلابة، عن ثابت بن الضحاك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". وقد أخرجه الجماعة في كتبهم من طريق أبي قلابة (^٢٧٨). وفي الصحيحين (^٢٧٩) من حديث الحسن، عن [¬٤] جندب بن [¬٥]
_________________
(١) - وأخرجه أحمد (٤/ ٢٥٢، ٤٧٨، ٤٨٨)، والبخاري في الطب (٥٧٧٨)، ومسلم في الإيمان ١٧٥ - (١٠٩)، وأبو داود في الطب (٣٨٧٢)، والترمذي في الطب (٢٠٤٣، ٢٠٤٤)، والنسائى، كتاب الجنائز، باب: ترك الصلاة على من قتل نفسه (٤/ ٦٦، ٦٧)، وابن ماجة، كتاب الطب، باب: النهى عن الدواء الخبيث (٣٤٦٠) من طرق عن الأعمش به مطولًا ومختصرًا.
(٢) - ومن هذا الوجه أخرجه البخارى، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس (١٣٦٥) ثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، وأحمد (٢/ ٤٣٥)، وابن حبان في صحيحه (١٣/ ٥٩٨٧) من طريق ابن عجلان، كلاهما (شعيب وابن عجلان) عن أبي الزناد به، ولفظ البخارى: "الذى يخنق نفسه يخنقها في النار، والذى يطعنها يطعنها في النار".
(٣) - أخرجه البخارى، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس (١٣٦٣)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (١٧٦، ١٧٧) (١١٠)، وأبو داود، كتاب الأيمان والنذور، باب المعاريض في اليمين (٣٢٥٧)، والترمذى كتاب الأيمان والنذور، باب: ما جاء لا نذر فيما لا يملك ابن آدم (١٥٢٧)، باب: ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الإسلام (١٥٤٣)، والنسائى، كتاب الأيمان والنذور، باب: الحلف بملة سوى الإسلام (٧/ ٥، ٦)، باب: النذر فيما لا يملك (٧/ ١٩)، وابن ماجة، كتاب الكفارات، باب: من حلف بملة غير الإسلام (٢٠٩٨)، وكذا أحمد (٤/ ٣٣، ٣٤) من طريق أبي قلابة به.
(٤) - أخرجه البخارى، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس (١٣٦٤)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (١٨٠، ١٨١) (١١٣) وكذا أحمد في "المسند" = [¬١]- في خ: "يجنأ". [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "بن". [¬٥]- في خ: "عن".
[ ٣ / ٤٤٧ ]
عبد الله بن البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: "كان رجل ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكينا نحر بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله- ﷿: عبدي بادرني بنفسه، حرمت عليه الجنة".
ولهذا قال تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما﴾ أي: ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه ظالما في تعاطيه، أي: عالما بتحريمه متجاسرًا على انتهاكه ﴿فسوف نصليه نارًا﴾ الآية. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.
قوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية. أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام انتي نهيتم عنها [كفرنا عنكم صغائر الذنوب] [¬١] وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال: ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾ وقال الحافظ أبو بكر البزار (^٢٨٠): حَدَّثنَا مؤمل بن هشام، حَدثَنَا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا [خالد] (*) بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس [رفعه قال: "لم نر مثل] [¬٢] الذي بلغنا عن ربنا ﷿، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية.
وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر، قال الإِمام أحمد (^٢٨١):
_________________
(١) = (٤/ ٣١٢) من طرق عن الحسن به.
(٢) - أخرجه البزار (٢ / رقم ١٤٥٦/ مختصر الزوائد لابن حجر) وأخرجه ابن أبى شيبة في "المصنف" (٨/ ١٩٤) ثنا عفان بن مسلم، ثنا سليمان بن كثير ثنا الجلد بن أيوب به، وذكره الهيثمى في "المجمع" (٧/ ٦، ٧) وقال: "رواه البزار وفيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف" لكن تابعه زياد بن مخراق فأخرجه ابن جرير في تفسيره (٨/ ٩٢٣١) - ومن طريقه سيذكره المصنف هنا برقم (٣٢٧) - حدثنى يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة به، وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال "التهذيب". والخبر زاد نسبته السيوطى في "الدر المنثور" (٢/ ٢٦٠) إلى عبد بن حميد، ولم يعزه إلى البزار!!. (*) كذا، وصوابه: الجلد.
(٣) - " المسند" (٥/ ٤٣٩) وأخرجه أبو بكر المروزى في "كتاب الجمعة وفضلها" (رقم ٤٩) من طريق خالد الواسطى عن مغيرة به، وأخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٦/ ٦٠٩٢) من طريق الأعمش عن إبراهيم به مختصرًا، وقال الهيثمى في "المجمع" (٢/ ١٧٧): رجاله ثقات إلا أنه = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "ابن فعنه".
[ ٣ / ٤٤٨ ]
حَدَّثَنَا هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قرثع الضبي، عن سلمان الفارسي، قال: قال لي النبي ﷺ: "أتدري ما يوم الجمعة" قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: لكن أدري ما يوم الجمعة، لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره، ثم يأتي الجمعة فينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة، ما اجتنبت المقتلة". وقد روى البخاري (^٢٨٢) من وجه آخر عن سلمان نحوه.
وقال أبو جعفر بن جرير (^٢٨٣): حدثني المثنى [بن براهيم] [¬١]، حَدَّثَنَا أبو صالح، حدثني
_________________
(١) = منقطع بين إبراهيم -وهو ابن يزيد النخعى- وقرثع الضبى، وقد وصله غير واحد. فأخرجه النسائى في "السنن الكبرى" (١/ رقم ١٦٦٥) والبزار في مسنده (٦/ ٢٥٢٥) والمروزى (رقم ٥٠) والطبراني في "المعجم الكبير" (٦/ ٦٠٨٩) - وزاد في آخره "وذلك الدهر كله" والفسوى في كتاب "المعرفة والتاريخ" (١/ ٣٢٠، ٣٢١) من طرق عن أبي عوانة عن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع به، وهو هكذا إسناد موصول حسن رجاله كلهم ثقات غير قرثع الضبى وهو صدوق مخضرم كما في "التقريب" وحسن إسناده الهيثمى في "المجمع" (٢/ ١٧٧) ومن قبله حسنه أيضًا المنذرى في "الترغيب" (١/ ٤٨٧) وتابع أبا عوانة في هذا الإسناد أبو كدينة - وهو يحيى بن الهلب - عند الطبرانى (٦/ ٦٠٩٠) - وأبو الأحوص- سلام بن سليم- عند الخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٤٣١) لكن سقط من إسناد الأخير "قرثع الضبى" وأخرجه النسائى في "الصغرى" (٣/ ١٠٤) وفى "الكبرى" (١/ رقم ١٦٦٤) والبزار (٦/ ٢٥٢٦) وابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١٧٣٢) والطبراني (٦/ ٦٠٩١) والحاكم (١/ ٢٧٧) من طريق جرير عن منصور عن أبي معشر له بالإسناد المتصل، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، واحتج الشيخان بجميع رواته غير قرثع، سمعت أبا على القارى يقول: "أردت أن أجمع مسانيد قرثع الضبى، فإنه من زهاد التابعين، فلم يسند تمام العشرة" غير أن ابن أبي حاتم قال في "العلل" (١/ رقم ٦٠٣): "سألت أبي عن حديث رواه محمد بن عيسى بن الطباع عن جرير عن منصور عن أبي معشر عن إبراهيم عن علقمة عن القرثع عن سلمان عن النبى ﷺ: "تدرى ما يوم الجمعة … " فذكر الحديث … فقال أبي: رواه جرير بالرى عن مغيرة ويشبه أن يكون حدَّث بالعراق من حفظه هكذا، والحديث معروف من حديث مغيرة، قلت: فأيهما أشبه؟ قال: المغيرة".
(٢) - صحيح البخارى: كتاب الجمعة، باب: الدهنِ للجمعة (٨٨٣).
(٣) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩١٨٥) وأخرجه النسائى، كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة (٥/ ٨)، والبخارى في "التاريخ الكبير" (٤/ ٣١٦)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٤٠) والمزى في "تهذيب الكمال" (١٣/ ٢٤٥) من طرق عن الليث به. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه (١/ رقم ٣١٥) وابن حبان (٥/ ١٧٤٨ / إحسان) والحاكم أيضًا (٢/ ٢٠٠، ٢٠١) وعنه البيهقى في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٨٧) من طريق عبد الله بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث أن ابن أبي هلال حدثه به، وصححه الحاكم في الموضع الأول على شرط الشيخين، ثم استدرك في الموضع الثانى فصحح إسناده= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.
[ ٣ / ٤٤٩ ]
الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المجمر، أخبرني صهيب مولى العُتواري [¬١]، أنه سمع أبا هروة وأبا سعيد يقولان: خطنا رسول الله ﷺ يوما فقال: "والذي نفسي بيده" - ثلاث مرات ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري على ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشرى [¬٢]، فكان أحب إلينا من حمر النعم فقال: "ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له ادخل بسلام".
وهكذا رواه النسائي والحاكم في مستدركه من حديث الليث بن سعد به، ورواه الحاكم أيضا وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال به، ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الصحيحين ولم يخرجاه.