قال المؤلف، ﵀: فائدة جليلة حسنة، ثبت في الصحيحين عن أنس قال: جمع القرآن على عهد النبي ﷺ أوبعة، كلهم من الأنصار؛ أبيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأَبو زيد. فقيل له: من: أَبو زيد؟ قال: أحد عمومتي. وفي لفظ للبخاري عن أنس قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة؛ أَبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأَبو زيد، ونحن ورثناه.
قلت: أَبو زيد هذا ليس بمشهور؛ لأنه مات قديمًا، وقد ذكروه في أهل بدر، وسمَّاه بعضهم: سعيد بن عبيد. ومعنى قول أنس: "ولم يجمع القرآن". يعني من الأنصار سوى هؤلاء، وإلَّا فمن المهاجرين جماعة كانوا يجمعون القرآن كالصديق، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم.
قال الشيخ أَبو الحسن الأشعري، ﵀: قد علم بالاضطرار أن رسول الله ﷺ قدم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالناس، وقد ثبت في الخبر المتواتر أن رسول الله ﷺ قال: "ليؤم القوم أقرؤهم" (^٤٣)، فلو لم يكن الصديق أقرأ القوم لما قدمه عليهم. نقله أَبو بكر بن زنجويه في كتاب "فضائل الصديق" عن الأشعري.
وحكى القرطبي في أوائل تفسيره عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّه قال - بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا -: فقد ثبت بالطرق المتواترة أنَّه جمع القرآن عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقول أنس: "لم يجمعه غير أربعة" يحتمل أنَّه لم يأخذه تلقيًا من في رسول الله ﷺ غير هؤلاء الأربعة، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض. قال: وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبي ﷺ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم (^٤٤).
قال القرطبي: لم يذكر القاضي ابن مسعود وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن (^٤٥).
_________________
(١) - رواه مسلم في صحيحه في المساجد، باب: من أحق بالإمامة برقم (٦٧٣)، وأَبو داود في كتاب الصلاة، باب: من أحق بالإمامة (٥٨٢، ٥٨٣، ٥٨٤)، والتِّرمِذي في الصلاة، باب: ما جاء من أحق بالإمامة (٢٣٥)، والنسائي (٢/ ٧٦ - ٧٧)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: ما جاء من أحق بالإمامة (٩٨٠) من حديث أبي مسعود البدري - عقبة بن عمرو، ﵁.
(٢) - تفسير القرطبي (١/ ٥٧).
(٣) - تفسير القرطبي (١/ ٥٧).
[ ١ / ٣٢ ]
[نقلتُ هذه من على ظهر الجزء الأول من أجزاء المؤلف]
قال البخاري: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا إبراهيم بن سعد، حدَّثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أَبو بكر - مقتل أهل اليمامة - فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أَبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتاني، فقال: إن القتل قد استَحَرَّ (^٤٦) بقُرَّاء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتَّى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد: قال: أَبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لانتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان عليَّ أثقل مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أَبو بكر يراجعني حتَّى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب (^٤٧) واللِّخَاف (^٤٨) وصدور الرجال، ووجدتِ آخر بسورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره (^٤٩): ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]، حتَّى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتَّى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر، ﵃ (^٥٠).
وقد روى البخاري هذا الحديث في غير موضع من كتابه، ورواه الإمام أحمد والتِّرمِذي والنَّسائي من طرق عن الزُّهْريّ، به (^٥١).
وهذا من أحسن وأجل وأعظم ما فعله الصديق، ﵁، فإنه أقامه الله بعد النبي ﷺ مقامًا لا ينبغي لأحد بعده، قاتل الأعداء من مانعي الزكاة، والمرتدين، والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتَّى تمكن القارئ من حفظه كله، وكان هذا
_________________
(١) - استحر القتل: أي اشتد، ومحر، وهو استفعل من الحَرِّ: الشدة.
(٢) - العُسب: جريد النخل، مما لم ينبت عليه الخوص، والمفرد: عسيب.
(٣) - اللخاف: حجارة بيض رقاق، والمفرد: لحفة.
(٤) - قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٥): يعني مكتوبة.
(٥) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: جمع القرآن برقم (٤٩٨٦).
(٦) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، ونضائل القرآن برقم (٤٦٧٩، ٤٩٨٩)، وأحمد في المسند ٥٧ - (١/ ١٠)، والتِّرمِذي في تفسير القرآن برقم (٣١٠٣)، والنَّسائي في الكبرى برقم (٧٩٩٥).
[ ١ / ٣٣ ]
من سر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فجمع الصديق الخير وكف الشرور، ﵁ وأرضاه. ولهذا رُوي عن غير واحد من الأئمة منهم وَكِيع وابن مهدي وقبيصة، عن سفيان الثَّوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن عبد خير، عن علي بن أبي طالب، ﵁، أنَّه قال: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أَبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين (^٥٢). هذا إسناد صحيح.
وقال أَبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف: حدَّثنا هارون بن إسحاق، حدَّثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، أن أبا بكر هو الذي جمع القرآن بعد النبي ﷺ، يقول: ختمه (^٥٣). صحيح أيضًا.
وكان عمر بن الخطاب، ﵁، هو الذي تنبه لذلك لما استحر القتل بالقراء، أي اشتد القتل وكثر في قراء القرآن يوم اليمامة -يعني يوم اليمامة- يعني: يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه من بني حنيفة بأرض اليمامة في حديقة الموت، وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف، فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب، فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالد، يقولون: ميزنا من هؤلاء الأعراب فتميزوا منهم، وانفردوا، فكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف، ثم صدقوا الحملة، وقاتلوا قتالًا شديدًا، وجعلوا يتنادون، يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم حتَّى فتح الله عليهم ووَلَّى جيش الكفار فارًّا، وأتبعتهم السيوف المسلمة في أقفيتهم قتلًا وأسرًا، وقتل الله مسيلمة، وفرق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام، ولكن قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة، ﵃، فلهذا أشار عمر على الصدِّيق بأن يجمع القرآن؛ لئلا يذهب منه شيء بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال، فإذا كتب وحفظ صار ذلك محفوظًا فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته، فراجعه الصديق قليلًا ليستثبت الأمر، ثم وافقه، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت في ذلك ثم صار إلى ما رأياه، ﵃ أجمعين، وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصاري؛ ولهذا قال أَبو بكر بن أبي داود:
حدَّثنا عبد الله بن محمد بن خَلَّاد، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن؛ أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، فأمر بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف (^٥٤).
_________________
(١) - رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ٥)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٤٤).
(٢) - منقطع، عروة بن الزبير لم يدرك أبا بكر والحديث في المصاحف (ص ٥).
(٣) - المصاحف (ص ١٠). والمبارك بن فضالة ضعيف ومدلس.
[ ١ / ٣٤ ]
هذا منقطع، فإن الحسن لم يدرك عمر، ومعناه: أنَّه أشار بجمعه فجمع؛ ولهذا كان مهيمنًا على حفظه وجمعه كما رواه ابن أبي داود حيث قال:
حدثنها أَبو الطاهر، حدَّثنا ابن وَهْب، حدثنا عمر بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر لما جمع القرآن كان لا يقبل من أحد شيئًا حتَّى يشد شاهدان (^٥٥).
وذلك عن أمر الصدق له في ذلك، كَما قال أَبو بكر بن أبي داود:
حدثنا أَبو الطاهر، حدثنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استحر القتل، بالقراء يومئذ فرق (^٥٦) أَبو بكر، ﵁، أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه (^٥٧). منقطع حسن.
ولهذا قال زيد بن ثابت: وجدت سورة التوبة، يعني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخر الآيتين (^٥٨) مع أبي خزيمة الأنصاري، وفي رواية: مع خزيمة بن ثابت - الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين - لم أجدها مع غيره، فكتبوها عنه لأنه جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين في قصة الفرس التي ابتاعها رسول الله ﷺ من الأعرابي، فأنكر الأعرابي البيع، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله ﷺ، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابي.
والحديث رواه أهل السنن (^٥٩) وهو مشهور.
وري أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية أن أبي بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت (^٦٠).
_________________
(١) - المصاحف (ص ٦).
(٢) - أي: خاف وخشي.
(٣) - المصاحف (ص ٦).
(٤) -[التوبة: ١٢٨، ١٢٩].
(٥) - رواه أَبو داود في الأقضية برقم (٣٦٠٧)، والنَّسائي في البيوع (٢/ ٣٠٧)، ورواه أحمد (٥/ ٢١٥ - ٢١٦)، وابن سعد في الطبقات (٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩)، وابن أبي عمر كما في المطالب ٤٤٥٢ - (٩/ ٣١١). وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٢٠٨٥)، والطحاوي في الشرح (٤/ ١٢٦)، والحاكم (٢/ ١٧)، والبيهقي (٧/ ٦٦، ١٠/ ١٤٥ - ١٤٦)، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات.
(٦) - رواه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند ٢١٣٠٦ - (٥/ ١٣٤)، من طريق عمر بن شقيق، عن =
[ ١ / ٣٥ ]
وقد روى ابن وَهْب عن عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب؛ أن عثمان شهد بذلك أيضًا (^٦١).
وأما قول زيد بن ثابت: "فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال" وفي رواية: "من العُسب والرِّقَاع والأضلاع"، وفي رواية: "من الأكتاف والأقتاب وصدور الرجال".
أما العُسُب فجمع عسيب. قال أَبو نصر إسماعيل بن حمَّاد الجوهري: وهو من السعف فويق الكَرَب لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعف.
واللِّخاف: جمع لَخْفَة وهي القطعة من الحجارة مستدقة، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب وغير ذلك، مما يمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله ﷺ.
ومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه، فكان يحفظه، فتلقاه زيد بن ثابت من هذا من عسيبه، ومن هذا من لخافه، ومن صدر هذا، أي من حفظه وكانوا أحرص شيء على أداء الأمانات وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن رسول الله ﷺ أودعهم ذلك ليبلغوه إلي من بعده كما قال الله تعالى: ﴿﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ففعل، صلوات الله وسلامه عليه، ما أمر به؛ ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة علي رءوس الأشهاد والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: "إنكم مسئولون عني فما أنتم قائلون؟ ". فقالوا: نشهد أنك قد بلغت وأدَّيت ونصحت، فجعل يشير بأصبعه إلى السماء، وينكبها عليهم ويقول: "اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد). رواه مسلم عن جابر (^٦٢).
_________________
(١) = أبي جعفر به، وعمر بن شقيق: قال ابن حزم: لا يدري من هو. وذكره ابن حبان في ثقاته (٨/ ٤٤٠)، وقال الذهبي: فيه لين. ذكر له ابن عدي ثلاثة أحاديث وقال: هو قليل الحديث. قلت - الذهبي -: ما رأيت أحدًا ضعفه. ثم ذكر له هذا الحديث وقال: ما تفرد به عمر بن شقيق الجرمي، فقد رواه عبد الله بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه أيضًا. ا هـ من الميزان (٣/ ٢٠٥). وقال الحافظ في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة-. وأَبو جعفر الرازي: هو عيسى بن عبد الله بن ماهان. قال أحمد: ليس بقوي في الحديث، وعنه: صالح. وعنه: يكتب حديثه. وقال الفلاس: فيه ضعف وهو من أهل الصدق. وقال النَّسائي: ليس بالقوي. ووثقه أَبو حاتم، وابن معين في رواية، وابن المديني وابن سعد. وقال أَبو زرعة: شيخ يهم كثيرا وقال ابن حجر ﵀ ﵀: صدوق سيء الحفظ. وأخرجه ابن الضريس في الفضائل (٢٧)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٢) - رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ١٠ - ١١).
(٣) - رواه مسلم في كتاب الحج - وهو جزء من حديث جابر الطويل في حجة الوداع - برقم ١٤٧ - (١٢١٨).
[ ١ / ٣٦ ]
وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب وقال: "بلِّغوا عني ولو آية" (^٦٣) يعني: ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة فليؤدها إلى من وراءه، فبلَّغوا عنه ما أمرهم به، فأدوا القرآن قرآنًا، والسنة سنة، لم يلبسوا هذا بهذا؛ ولهذا قال ﵊: "من كتب عني سوى القرآن فليمحه" (^٦٤) أي: لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه: ألا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم.
فلهذا نعلم بالضرورة أنَّه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول ﷺ إليهم إلَّا وقد بلغوه إلينا، ولله الحمد والمنة، فكان الذي فعله الشيخان أَبو بكر وعمر، ﵄، من أكبر المصالح الدينية وأعظمها، من حفظهما كتاب الله في الصحف، لئلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ، ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته، ثم أخذها عمر بعده فكانت عنده محروسة معظمة مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين، لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته وكانت عند أم المؤمنين ﵂، حتَّى أخذها منها أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
قال البخاري (^٦٥)، ﵀: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا إبراهيم، حدَّثنا ابن شهاب، أن أَنس بن مالك، حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان ﵄ وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة. فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف نسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزُّبَير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم. ففعلوا، حتَّى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف
_________________
(١) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٦١)، رواه التِّرمِذي في أَبواب العلم، باب: ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل (٢٦٦٩)، من حديث عبد الله بن عمرو، ﵄.
(٢) - رواه مسلم في صحيحه في الزهد والرقائق برقم ٧٢ - (٣٠٠٤)، والنَّسائي في الكبرى -كتاب فضائل القرآن، باب: كتابة القرآن رقم (٨٠٠٨) - (٥/ ١٠ - ١١). وأحمد (١١٠٩٩، ١١٠١، ١١١٧٢، ١١٣٦٠، ١١٤٤١، ١١٥٥٢) - (٣/ ١٢، ٢١، ٣٩، ٤٦، ٥٦) من طرق عن أبي سعيد به.
(٣) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: جمع القرآن برقم (٤٩٨٧، ٤٩٨٨).
[ ١ / ٣٧ ]
إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال ابن شهاب الزُّهْريّ: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: سمع زيد بن ثابت قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، والتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ (^٦٦)، فألحقناها في سورتها في المصحف.
وهذا -أيضًا- من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁، فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة، وإنَّما روى عن عبد الله بن مسعود شيء من التغضب بسبب أَنَّه لم يكن ممن كتب المصاحف وأمر آصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام، ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق حتَّى قال علي بن أَبي طالب، ﵁: لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا (^٦٧). فاتفق الأئمة أَبو بكر وعمر وعثمان وعلي، رضي عنهم، على أن ذلك من مصالح الدين، وهم الخلفاء الذين قال رسود الله ﷺ: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (^٦٨). وكان السبب في هذا حذيفة بن اليمان، ﵁ فإنه لما كان غازيا في فتح أرمينية وأذربيجان، وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروف شتى، ورأى منهُم اختلافًا كثيرًا وافتراقًا، فلما رجع إلى عثمان أعلمه، وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصاري.
وذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب، فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة، والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعان أيضًا، وليس في توراة السامرة حرف الهمزة ولا حرف الياء، والنصارى -أيضًا- بأيديهم توراة يسمونها العتيقة وهي مُخَالفَةُ لنسختي اليهود والسامرة، وأما الأناجيل التي بأيدي النصارى فأربعة: إنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل
_________________
(١) -[الأحزاب: ٢٣].
(٢) - أخرجه أَبو عبيد في الفضائل، وابن أبي داود في المصاحف (١٢، ٢٣).
(٣) - صحيح، رواه أحمد في المسند ١٧١٩٢ - (٤/ ١٢٦) وبرقم (١٧١٩٤، ١٧١٩٥، ١٧١٩٦). وأخرجه أَبو داود في كتاب السنة، باب: في لزوم السنة حديث (٤٦٠٧) من طريق أحمد بن حنبل، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا ثور بن يزيد، ثنا خالد بن معدان، ثنا عبد الرحمن به. والتِّرمِذي في كتاب الحلم، باب: الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، حديث (٢٦٧٨)، وابن ماجة في المقدمة، باب: اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين (١/ ١٦) حديث (٤٣)، (٤٤)، من طريق إسماعيل بن بشر بن منصور، ثنا عبد الرحمن بن مهدي به. والطبراني في الكبير (١٨/ ٢٤٦) حديث (٦١٧) - (٦٢١)، والدارمي (١/ ٤٣ - ٤٤)، وابن حبان (١٠٢)، وابن أبي عاصم (١/ ١٩)، وصححه الشيخ الألباني في صحيح أبي داود حديث (٣٨٥١)، وصحيح ابن ماجة (٤٢)، (١٤١١).
[ ١ / ٣٨ ]
متى، وإنجيل يوحنا، وهي مختلفة -أيضًا- اختلافا كثيرًا، وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط، ومنها ما هو أكبر من ذلك إما بالنصف أو بالضعف، ومضمونها سيرة عيسى وأيامه وأحكامه وكلامه وفيه شيء قليل مما يدعون أنَّه كلام الله، وهي مع هذا مختلفة، كما قلنا، وكذلك التوراة مع ما فيها من التحريف والتبديل ثم هما منسوخان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة.
فلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي على القراءة به وترك ما سواه، ففعلت حفصة وأمر عثمان هؤلاء الأربعة وهم زيد بن ثابت القرشي الأسدي، أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علمًا وعملًا وأصلًا وفضلًا، وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاصي بن أمية القرشي الأموي، وكان كريما جوادًا ممدحًا، وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المحزومي، فجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون القرآن نسخًا، وإذا اختلفوا في وضع الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان، كما اختلفوا في التابوت أيكتبنه بالتاء أو الهاء، فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوه. وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت فترافعوا إلى عثمان فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم (^٦٩).
وكأنَّ عثمان - والله أعلم - رتب السور في المصحف، وقدم السبع الطوال وثنى بالمئين؛ ولهذا روى ابن جرير وأَبو داود والتِّرمِذي والنَّسائي من حديث غير واحد من الأئمة الكبار، عن عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، عن ابن عبَّاس (^٧٠) قال: قلت العثمان بن عفان: ما
_________________
(١) - رواه التِّرمِذي (٣١٠٤)، وعمر بن شبة (٣/ ١٠٠٠، ١٠٠١)، وابن أبي داود (١٩)، والبيهقي (٢/ ٣٨٥) من قول الزُّهْريّ.
(٢) - ضعيف، رواه ابن جرير ٣١٩ - (١/ ١٠٢)، وأَبو داود برقم (٧٨٦)، والتِّرمِذي برقم (٣٠٨٦)، والنَّسائي في الكبرى برقم (٨٠٠٧)، وأحمد ٣٩٩ - (١/ ٥٧)، وابن أبي داود (٣١ - ٣٢)، وابن حبان (٤٣ الإحسان)، والحاكم في المستدرك (٢٢١، ٣٣٠)، والبيهقي في السنن (٢/ ٤٢)، وعمر بن شبة (٣/ ١٠١٥، ١٠١٦). ومدار هذا الحديث على يزيد الفارسي: وقد اختلفوا فيه، أهو يزيد بن هرمز أم غيره، قال البخاري في التاريخ (٨/ ٣٦٧) قال لي علي: قال عبد الرحمن: يزيد الفارسي هو ابن هرمز. قال: فدكرته ليحيى فلم يعرفه، قال: وكان يكون مع الأمراء، وذكر البخاري ذلك في الضعفاء ص ١٢٢. وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ ٢٩٣): قال أَبو محمد: اختلفوا في يزيد بن هرمز أنَّه يزيد الفارسي أم لا، فقال عبد الرحمن بن مهدي، وأحمد: وأحمد: يزيد الفارسي هو يزيد بن هرمز، وأنكر يحيى القطان أن يكونا وأحدًا، وسمعت أبي يقول: يزيد بن هرمز هذا ليس بيزيد الفارسي، هو سواه. وقال التِّرمِذي عقب الحديث: ويزيد الفارسي قد روي عن ابن عبَّاس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز. وقال الحافظ في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة.
[ ١ / ٣٩ ]
حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينها ولم تكتبوا بينها سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ووضعتموها في السبع الطوال؟ ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، فإذا أنزلت عليه الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وحسبت أنها منها فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فوضعتها في السبع الطوال.
ففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات في السور أمر توقيفي متلقى عن الرسول ﷺ، وأما ترتيب السور فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ﵁؛ ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبًا آياته؛ فإن نكسه أخطأ خطأ كبيرًا. وأما ترتيب السور فمستحب اقتداء بعثمان، ﵁، والأولى إذا قرأ أن يقرأ متواليًا كما قرأ ﵊، في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين وتارة بسبح وهل أتاك حديث الغاشية، فإن فرق جاز، كما صح أن رسول الله ﷺ قرأ في العيد بقاف واقتربت الساعة، رواه مسلم (^٧١) عن أبي واقد، وفي الصحيحين (^٧٢) عن أبي هريرة، ﵁؛ أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة: ﴿الم﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
وإن قدم بعض السور على بعض جاز أيضًا، فقد روى حذيفة أن رسول الله ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران. أخرجه مسلم (^٧٣).
وقرأ عمر في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف (^٧٤).
ثم إن عثمان رد المصحف إلى حفصة، فلم يزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم
يطلبها فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها لئلا يكون فيها شيء يخالف
المصاحف الأئمة التي نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفًا إلى أهل مكة، ومصحفًا إلى البصرة،
وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وترك عند أهل المدينة
_________________
(١) - رواه مسلم في صلاة العيدين برقم ١٤ - (٨٩١).
(٢) - البخاري في كتاب الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة برقم (٨٩١)، ومسلم في كتاب الجمعة برقم ٦٥ - (٨٨٠).
(٣) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٠٣ - (٧٧٢).
(٤) - رواه البخاري (٣٧٠٠)، وابن حبان (٦٩١٧ إحسان).
[ ١ / ٤٠ ]
مصحفًا، رواه أبو بكر بن أبي داود، عن أبي حاتم السجستاني، سمعه يقوله (^٧٥).
وصحح القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف. وهذا غريب.
وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن يحرق لئلا تختلف قراءات الناس في الآفاق، وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحد منهم، وإنما نقم عليه ذلك أولئك الرهط الذين تمالئوا عليه وقتلوه، قاتلهم الله، وفي ذلك جملة ما أنكروا مما لا أصل له، وأما سادات المسلمين من الصحابة، ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين، فكلهم وافقوه.
قال أبو داود الطيالسي وابن مهدي وغُنْدَر عن شعبة، عن عَلْقَمة بن مَرْثَد، عن رجل، عن سُويَد بن غفلة، قال عليّ حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته (^٧٦).
وقال أبو بكر بن أبي داود (^٧٧): حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد. وهذا إسناد صحيح.
وقال أيضًا (^٧٨): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا يحيى بن كثير، حدثنا ثابت بن عمارة الحنفي، قال: سمعت غنيم بن قيس المازني قال: قرأت القرآن على الحرفين جميعًا، والله ما يسرني أن عثمان لم يكتب المصحف، وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام، فأصبح له مثل ماله. قال: قلنا له: يا أبا العنبر، ولم؟ قال: لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرءون الشعر.
وحدثنا (^٧٩) يعقوب بن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني عمران بن حدير، عن أبي مِجْلَز قال: لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرءون الشعر.
وحدثنا (^٨٠) أحمد بن سنان قال: سمعت ابن مهدي يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبي بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلومًا، وجمعه الناس على المصحف.
_________________
(١) - المصاحف لابن أبي داود (ص ٣٤).
(٢) - رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ١٢).
(٣) - المصاحف (ص ١٢).
(٤) - المصاحف (ص ١٣)، يحيى بن كثير: ثقة، وثابت بن عمارة الحنفي: قال في التقريب: صدوق فيه لين.
(٥) - المصاحف (ص ١٣)، وعمران بن حدير: ثقة.
(٦) - المصاحف (ص ١٣).
[ ١ / ٤١ ]
وأما عبد الله بن مسعود فقد قال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن حميد بن مالك قال: لما أمر عثمان بالمصاحف -يعني بتحريقها- ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال: من استطاع منكم أن يغلَّ مصحفًا فليغلل، فإنه من غلَّ شيئًا جاء بما غل يوم القيامة.
ثم قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من في رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من فيِ رسول الله ﷺ (^٨١).
وقال أبو بكر (^٨٢): حدثنا عبد اللَّه بن محمد بن النعمان، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا أبو شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل، قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٨٣)، غلوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت القرآن من فيِّ رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب اللَّه مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانًا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال.
أصل هذا مخرج في الصحيحين (^٨٤) وعندهما: ولقد علم أصحاب محمد أني أعلمهم بكتاب الله. وقول أبي وائل: "فما أحد ينكر ما قال"، يعني: من فضله وعلمه وحفظه، والله أعلم.
وأما أمره بغَلّ المصاحف وكتمانها، فقد أنكره عليه غير واحد.
قال الأعمش (^٨٥) عن إبراهيم، عن علقمة، قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء، فقال: كنا نعد عبد الله جبانًا (^٨٦)، فما باله يواثب الأمراء.
_________________
(١) - رواه أحمد (٣٦٩٧، ٣٨٤٦، ٣٩٠٦، ٤٢١٨) (١/ ٣٨٩، ٤٠٥، ٤١٤)، والطيالسي (٤٠٥) والبخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١ / ٢٤٧)، وابن أبي داود في المصاحف (ص ١٥)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٥)، والحاكم وصححه (٢/ ٢٢٨)، والطبراني في الكبير (٨٤٣٤، ٨٤٣٥)، والدارقطني في المؤتلف (٦٧٢).
(٢) - المصاحف (ص ١٥ - ١٦).
(٣) -[آل عمران: ١٦١].
(٤) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٠)، ومسلم في فضائل الصحابة من صحيحه برقم ١١٤ - (٢٤٦٢).
(٥) - المصاحف (ص ١٨).
(٦) - في المصاحف: "حنانًا".
[ ١ / ٤٢ ]
وقال أبو بكر بن أبي داود (^٨٧):
باب رضا عبد اللَّه بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك:
حدثنا عبد اللَّه بن سعيد ومحمد بن عثمان العجلي قالا: حدثنا أبو أسامة، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فُلفُلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبواب، على سبعة أحرف -أو حروف- وإن الكتاب قبلكم كان ينزل -أو نزل- من باب واحد على حرف واحد. وهذا الذي استدل به أبو بكر، ﵀، على رجوع ابن مسعود فيه نظر، من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، والله أعلم.
وقال أبو بكر أيضًا (^٨٨): حدثنا عمي، حدثنا أبو رجاء، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: يا أيها الناس! عهدكم بنبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن، وتقولون: قراءة أبيّ وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن حتى جمع من ذلك كثرة ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم: لسمعت رسول اللَّه ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتبُ الناس؟ قالوا: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت. قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص. قال عثمان: فليمْل سعيد، وليكتب زيد. فكتب زيد مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن. إسناد صحيح.
وقال أيضًا (^٨٩): حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أبو بكر، حدثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلًا من قريش والأنصار، فيهم أبيّ بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، وكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه. قال محمد: فقلت لكثير -وكان فيهم فيمن يكتب-: هل تدرون لم كانوا
_________________
(١) - المصاحف (ص ١٨)، والحديث رواه أحمد في العلل (٣٧٢٥)، وفي المسند (١/ ٤٤٥)، والطحاوي في مشكل الآثار (٤/ ١٨٢)، وعمر بن شبة (٣/ ١٠٠٦).
(٢) - المصاحف (ص ٢٣ - ٢٤).
(٣) - المصاحف (ص ٢٥ - ٢٦)، وأبو بكر هو ابن عياش، ثقة عابد؛ إلا أنه لما كبر ساء حفظ، وكتابه صحيح.
[ ١ / ٤٣ ]
يؤخرونه؟ قال: لا. قال محمد: فظننت ظنًّا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله. صحيح أيضًا.
قلت: الربعة هي الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة، ﵂، فلما جمعها عثمان، ﵁، في المصحف، ردها إليها، ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها، لأنها هي بعينها الذي كتبه، وإنما رتبه، ثم إنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها، فما زالت عندها حتى ماتت، ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها وتأول في ذلك ما تأول عثمان، كما رواه أبو بكر بن أبي داود (^٩٠):
حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله: أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها الصحف التي كتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه إياها. قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر فأمر بها مروان فشققت، وقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب. إسناده صحيح.
وأما ما رواه الزهري (^٩١) عن خارجة، عن أبيه في شأن آية الأحزاب وإلحاقهم إياها في سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت، والدليل على ذلك أنه قال: "فألحقناها في سورتها من المصحف" وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية.
فهذه الأفعال من أكبر القربات التي بادر إليها الأئمة الراشدون أبو بكر وعمر، ﵄، حفظًا على الناس القرآن، جمعاه لئلا يذهب منه شيء وعثمان، ﵁، جمع قراءات الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره، ﵊، فإنه عارضه به عامئذ مرتين؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته لما مرض: "وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي". أخرجاه في الصحيحين (^٩٢).
_________________
(١) - المصاحف (ص ٢٤ - ٢٥)، وفضائل القرآن لأبي عبيد (ص ٢٨٤)، وعمر بن شبة (٣/ ١٠٠٣، ١٠٠٤)، وابن عبد البر (٨/ ٣٠٠)، وقال أبو عبيد: لم يسمع في شيء من الحديث أن مروان هو الذي مزق الصحف إلا في هذا الحديث.
(٢) - رواه ابن أبي داود في المصاحف (ص ٢٩) عن الزهري.
(٣) - رواه البخاري في الاستئذان، باب: من ناجى بين يدي الناس … برقم (٦٢٨٦، ٦٢٨٥)، =
[ ١ / ٤٤ ]
وقد روي أن عليًّا، ﵁، أراد أن يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبًا بحسب نزوله أولًا فأولا، كما رواه ابن أبي داود حيث قال:
حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم عليٌّ ألا يهتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر، ﵁، بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ فقال: لا والله إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة. فبايعه ثم رجع (^٩٣).
هكذا رواه وفيه انقطاع، ثم قال: لم يذكر المصحف أحد إلا أشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا: حتى أجمع القرآن، يعني أتم حفظه، فإنه يقال للذي يحفظ القرآن: قد جمع القرآن.
قلت: وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر، والله أعلم، فإن عليًّا لم ينقل عنه مصحف على ما قيل ولا غير ذلك، ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني، يقال: إنها بخط علي، ﵁، وفي ذلك نظر، فإنه في بعضها: كتبه علي بن أبي طالب، وهذا لحن من الكلام؛ وعلي ﵁ من أبعد الناس عن ذلك فإنه كما هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو، فيما رواه عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي، وأنه قسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وذكر أشياء أخر تممها أبو الأسود بعده، ثم أخذه الناس عن أبي الأسود فوسعوه ووضحوه، وصار علمًا مستقلًا.
وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كانت قديمًا بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثمان عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا.
فأما عثمان، ﵁، فما يعرف أنه كتب بخطه هذه المصاحف، وإنما كتبها زيد بن ثابت في أيامه، ربما وغيره، فنسبت إلى عثمان لأنها بأمره وإشارته، ثم قرئت على الصحابة بين يدي عثمان، ثم نفذت إلى الآفاق، ﵁، وقد قال أبو بكر بن أبي داود (^٩٤):
_________________
(١) = ومسلم في فضائل الصحابة برقم ٩٨ - (٢٤٥٠).
(٢) - المصاحف (ص ١٠)، ومن طريقه ابن عساكر (١٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٣) - رواه الطبري (٤/ ٣٨٣)، وعمر بن شبة (٣/ ١١٣٨ - ١١٣٩)، والطبراني (١/ ١١٩)، من طريق الزهري، عن أبي سلمة؛ قال: لما ضرب عثمان. فذكره، وحسن إسناده الهيثمي (٩/ ٩٤)، وهو منقطع بين أبي سلمة وعثمان.
[ ١ / ٤٥ ]
حدثنا علي بن حرب الطائي، حدثنا قريش بن أنس، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى بني أسيد، قال: لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده فوقعت على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (^٩٥)، فمد يده وقال: واللَّه إنها لأول يد خطت المفصل.
وقال أيضًا: حدثنا أبو طاهر، حدثنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن مصحف عثمان، فقال لي: ذَهَب.
يحتمل أنه سأله عن المصحف الذي كتبه بيده، ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذي تركه في المدينة، والله أعلم.
قلت: وقد كانت الكتابة في العرب قليلة جدًّا، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره: أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية فعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان، وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب، وقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من طيئ من قرية هناك يقال لها: بقة، ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب فتعلمه الناس. ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (^٩٦):
حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، إن شاء الله، حدثنا سفيان، عن مجاهد، عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الحيرة. وسألنا أهل الحيرة: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار.
قلت: والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المكتوفة ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير، وصار له في ذلك منهج وأسلوب في الكتابة، ثم قربها علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب وسلك الناس وراءه. وطريقته في ذلك واضحة جيدة. والغرض أن الكتابه لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدًا، وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنف الناس في ذلك، واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه فضائل القرآن، والحافظ أبو بكر بن أبي داود ﵀ فبوبا على ذلك، وذكرا قطعة صالحة هي من صناعة القرآن، ليست مقصدنا ها هنا؛ ولهذا نص الإمام مالك ﵀ على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام، ورخص في ذلك غيره، واختلفوا في الشكل والنقط فمن مرخص ومن مانع، فأما كتابة السور وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب فكثير في مصاحف زماننا، والأولى اتباع السلف الصالح.
_________________
(١) -[البقرة: ١٣٧].
(٢) - المصاحف (ص ٤).
[ ١ / ٤٦ ]
ثم قال البخاري (^٩٧):
ذكر كُتَّاب النبي ﷺ.
وأورد فيه من حديث الزهري، عن ابن السباق، عن زيد بن ثابت، أن أبا بكر الصديق قال له: وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ، وذكر نحو ما تقدم في جمعه للقرآن (^٩٨)، وقد تقدم، وأورد حديث زيد بن ثابت في نزول: ﴿لَا يَسْتَوي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ (^٩٩)، وسيأتي الكلام عليه في سورة النساء إن شاء الله تعالى. ولم يذكر البخاري أحدًا من الكتّاب في هذا الباب سوى زيد بن ثابت، وهذا عجب، وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا، والله أعلم.
وموضع هذا في كتاب السيرة عند ذكر كتّابه ﵇.
ثم قال البخاري ﵀: (^١٠٠)