حدثنا حجاج بن مِنْهال، حدثنا شعبة، أخبرني علقمة بن مَرْثَد، سمعت سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن، عن عثمان بن عفان، ﵁ عن النبي ﷺ قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، ﵁، حتى كان الحجاج قال:
وذلك الذي أقعدني مقعدي هذا (^٢٧٥).
وقد أخرج الجماعة هذا الحدث سوى مسلم من رواية شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن - وهو عبد الله بن حبيب السلمي ﵀.
وحدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عَلْقَمة بن مرثد، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان قال: قال النبي ﷺ: "إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه" (^٢٧٦).
وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من طرقٍ عن سفيان، عن علقمة، عن أبي
_________________
(١) - المسند ١٨٠٧٩، ١٨٠٨٢ - (٤/ ٢٣٠)، ورواه ابن ماجه (٢/ ١٤١٣) حديث (٤٢٢٨) في كتاب الزهد، باب: النية. ورواه وكيع في الزهد (٢٤٠)، وهناد كذلك (٥٨٦) والطبراني في الكبير (٢٢/ ٣٤٥) حديث (٨٦٨) من طريق وكيع به، سندًا ومتنًا، والفريابي في الفضائل (١٠٥، ١٠٦)، والطحاوي في المشكل (٢٦٣)، والبيهقي (٤/ ١٨٩)، وقال الحافظ ابن حجر: لم يسمع سالم من أبي كبشة، وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق جرير، عن منصور، عن سالم قال: حدثت عن أبي كبشة. قاله في النكت الظراف (٩/ ٢٧٤). قلت: صرح سالم بالسماع لهذا الحديث من أبي كبشة عند أحمد (١٨٠٨٢). وأخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، حديث (٢٣٢٥) قال: حدثنا محمَّد بن إسماعيل، ثنا أبو نعيم، ثنا عبادة بن مسلم، ثنا يونس بن خباب، عن سعيد الطائي أبي البختري أنه قال: حدثني أبو كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله، ﷺ يقول: "ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثًا فاحفظوه … " الحديث وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٢) - البخاري في فضائل القرآن برقم (٥٠٢٧). وأبو داود في الصلاة، باب: ثواب قراءة القرآن برقم (١٤٥٢)، والترمذي في فضائل القرآن برقم (٢٩٠٧)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٣٧)، وابن ماجة في السنة -المقدمة- باب: فضل من تعلم القرآن برقم (٣١١).
(٣) - البخاري في فضائل القرآن من صحيحه برقم (٥٠٢٨).
[ ١ / ٩٥ ]
عبد الرحمن، من غير ذكر سعد بن عبيدة (^٢٧٧)، كما رواه شعبة ولم يختلف عليه فيه، وهذا المقام مما حكم لسفيان الثوري فيه على شعبة، وخطأ بُنْدَار يحيى بن سعيد في روايته ذلك عن سفيان، عن علقمة، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن وقال: رواه الجماعة من أصحاب سفيان عنه، بإسقاط سعد بن عبيدة، ورواية سفيان أصحُّ في هذا المقام المتعلق بصناعة الإسناد، وفي ذكره طول لولا الملالة لذكرناه، وفيما ذكر كفاية وإرشاد إلى ما ترك، والله أعلم.
والغرض أنه، ﵊، قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" وهذه من صفات المؤمنين المتبعين للرسل، وهم الكُمل في أنفسهم، المكملون لغيرهم، وذلك جمع النفع القاصر والمتعدي، وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون، ولا يتركون أحدا ممن أمكنهم أن ينتفع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ (^٢٧٨)، وكما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ (^٢٧٩)، في أصح قولي المفسرين في هذا، وهو أنهم ينهون الناس عن اتباع القرآن مع نأيهم وبعدهم عنه أيضًا، فجمعوا بين التكذيب والصد، كما قال تعالى: ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ (^٢٨٠)، فهذا شأن الكفار، كما أن شأن الأخيار الأبرار أن يتكمل في نفسه وأن يسعى في تكميل غيره كما قال ﵇: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه"، وكما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَال إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٢٨١)، فجمع بين الدعوة إلى الله سواء كان بالأذان أو بغيره من أنواع الدعوة إلى الله تعالى من تعليم القرآن والحديث والفقه وغير ذلك، مما يُبتغى به وجه الله، وعمل هو في نفسه صالحًا، وقال قولًا صالحًا أيضًا، فلا أحد أحسن حالًا من هذا. وقد كان أبو عبد الرحمن السلمي الكوفي -أحد أئمة الإِسلام ومشايخهم- ممن رغب في هذا المقام، فقعد يعلم الناس من إمارة عثمان إلى أيام الحجاج قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث فيه يعلم القرآن سبعين سنة، ﵀، وآتاه الله ما طلبه ودامه. آمين.
قال البخاري ﵀: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا حماد، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ورسوله، فقال: "ما لي في النساء من حاجة". فقال رجل: زوّجنيها، قال: "أعطها ثوبًا"، قال: لا أجد، قال: "أعطها ولو خاتما من حديد"، فاعتل له، فقال: "ما معك من القرآن؟ ". قال: كذا وكذا. فقال: "قد زوجتكها بما معك من القرآن" (^٢٨٢).
_________________
(١) - الترمذي في فضائل القرآن من صحيحه برقم (٢٩٠٨)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٣٨)، وابن ماجة برقم (٣١٢).
(٢) -[النحل: ٨٨].
(٣) -[الأنعام: ٢٦].
(٤) -[الأنعام: ١٥٧].
(٥) -[فصلت: ٣٣].
(٦) - البخاري في فضائل القرآن من صحيحه، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه برقم (٥٠٢٩).
[ ١ / ٩٦ ]
وهذا الحديث متفق على صحة إخراجه من طرق عديدة، والغرض منه أن الذي قصده البخاري أن هذا الرجل تعلم الذي تعلمه من القرآن، وأمره النبي ﷺ أن يعلمه تلك المرأة، ويكون ذلك صداقًا لها علي ذلك، وهذا فيه نزاع بين العلماء، وهل يجوز أن يجعل مثل هذا صداقًا؟ أو هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؟ وهل هذا كان خاصًّا بذلك الرجل؟ وما معنى قوله ﵊: "زوجتكها بما معك من القرآن"؟ أبسبب ما معك من القرآن؟ كما قاله أحمد بن حنبل: نكرمك بذلك أو بعوض ما معك، وهذا أقوى، لقوله في صحيح مسلم: "فعلمها"، وهذا هو الذي أراده البخاري ها هنا وتحرير باقي الخلاف مذكور في كتاب النكاح والإجارات، والله المستعان.
[ ١ / ٩٧ ]