قال ابن أبي حاتم (^١١٩): حدثنا أبي، حدَّثنا أبو معمر القطيعي، حدَّثنا حفص، عن حجاج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر ﵁: قد عَلِمنَا
_________________
(١) - تفسير القرطبي (١/ ١٣٤).
(٢) - إسناده ضعيف لتدليس الحجاج بن أرطاة، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١٢ - (١/ ١٤). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: أفادتهم. [¬٤]- في ز: ولكن. [¬٥]- في ز، خ: "به". [¬٦]- في ز: والعمل. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٠٢ ]
سبحان الله [] [¬١] ولا إله إلا الله فما الحمد لله؟ فقال علي: كلمة رضيها الله لنفسه.
ورواه غير أبي معمر، عن حفص فقال: قال عمر لعلي - وأصحابه عنده -: لا إله إلا الله وسبحان الله والله أكبر قد عرفناها، فما الحمد لله؟ قال عَلي: كلمة أحبها [الله تعالى] لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال (^١٢٠).
وقال علي بن زيد بن جدعان (^١٢١)، عن يوسف بن مهران قال: قال ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾: كلمة الشكر وإذا قال العبد: الحمد لله، قال: شكرني عبدي. رواه ابن أبي حاتم.
وروى أيضًا هو وابن جرير، من حديث بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله هو الشكر لله، [والاستخذاء له] [¬٢]، والإقرار له بنعمه وهدايته وابتدائه وغير ذلك.
وقال كعب الأحبار (^١٢٢): الحمد لله ثناء الله. وقال الضحاك: الحمد؛ رداء الرحمن. وقد ورد الحديث بنحو ذلك.
قال ابن جرير (^١٢٣): حدَّثنا [¬٣] سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية بن الوليد، حدّثني عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير - وكانت له صحبة - قال: قال
_________________
(١) - قال أبو حاتم ١٣ - (١/ ١٥)، و٣٤٧ - (١/ ١١٧): كذا رواه أبو معمر القطيعي، في حفص. وحدثنا به الأشج؛ فقال: ثنا حفص -وخالفه فيه- فقال فيه: قال عمر لعلي، ﵄، وأصحابه عنده … لا إله إلا الله، والحمد لله، والله أكبر؛ قد عرفناها، فما سبحان الله؟ فقال علي: كلمة أحبها لنفسه، ورضيها لنفسه، وأحب أن تقال. كذا هو عند ابن أبي حاتم - السؤال فيه عن سبحان الله - والذي نقله ابن كثير ﵀ ذكر فيه أن السؤال عن الحمد لله، فانتبه لذلك.
(٢) - تفسير ابن جرير (١٥١)، وابن أبي حاتم (٩).
(٣) - تفسير ابن جرير (١٥٣)، وابن أبي حاتم (١٠).
(٤) - إسناده ضعيف جدًّا، والحديث في تفسير ابن جرير ١٥٢ - (١/ ١٣٦). عيسى بن إبراهيم: قال البخاري والنسائي: منكر الحديث. وقال يحيى: ليس بشيء. وقال أبو حاتم متروك الحديث. وقال النسائي أيضًا متروك. قال الذهبي في الميزان: عيسى متروك (الميزان ٣/ ٣٠٨). وقال: موسى بن أبي حبيب ضعفه أبو حاتم، وله عن الحكم بن عمير -رجل قيل له صحبة- والذي أرى أنه لم يلقه، وموسى مع ضعفه متأخر عن لقي صحابي كبير، وإنما أعرف له رواية عن علي بن الحسين، يروي عنه إبراهيم بن إسحاق الصيني أحد التلفى - (الميزان ٤/ ٢٠٢). والحكم بن عُمير، ذكره أبو نعيم في الصحابة (١/ ١٥٦) وقال: تفرد بالرواية عنه موسى بن أبي حبيب = [¬١]- في خ: "والحمد لله". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "حدثني".
[ ١ / ٢٠٣ ]
رسول الله ﷺ: "إذا قلتَ: الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله، فزادك".
وقد روى الإِمام أحمد بن حنبل (^١٢٤): حدَّثنا روح، حدَّثنا عوف، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، قال: قلت: يا رسول الله؛ ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي ﵎؟ فقال: "أما إنّ ربك يحب الحمد".
ورواه النسائي عن علي بن حجر، عن ابن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن الأسود بن سريع، به.
وروى [أبو عيسى الحافظ] [¬١] الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث موسى بن إبراهيم بن كثير، عن طلحة بن خراش [¬٢] عن جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله" (^١٢٥). وقال الترمذي: حسن غريب.
_________________
(١) = وذكره الحافظ في الإصابة، وقال: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: روى عن النبي، ﷺ، أحاديث منكرة ورويها عيسى بن إبراهيم - وهو ضعيف- عن موسى بن أبي حبيب - وهو ضعيف- عن عمه الحكم.
(٢) - حسن، إسناده ضعيف، الحسن البصري مدلس، وقد عنعن هنا، ولم يصرح بالسماع، وقد نقل العلائي عن علي بن المديني: أن الحسن البصري لم يسمع من الأسود بن سريع، وعليه فيكون الحديث فيه انقطاع، بين الحسن والأسود. ورواه أحمد ١٥٦٢٨ - (٣/ ٤٣٥)، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٨٥٩)، والحاكم (٣/ ٦١٤)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد". وأخرجه النسائي في كتاب النعوت من الكبرى، باب: الحب والكراهية حديث ٧٧٤٥ - (٤/ ٤١٦). ورواه ابن أبي حاتم (١١٥٩)، وابن جرير (١٥٤)، والطبراني في الكبير (١/ ٨٢٠ - ٨٢٥، ٨٣٦) وفي الأوسط، وأبو نعيم في المعرفة (٨٩٧)، والطحاوي في شرح المعاني (٤/ ٢٩٨)، والبيهقي في الشعب (٤٠٥٧)، وابن عدي (٥/ ١٧٦٣)، والحاكم (٣/ ٦١٤)، والقضاعى في مسند الشهاب (١٠٨٢)، وقد تابع الحسنَ عبدُ الرحمن بن أبي بكرة: رواه الحاكم (٣/ ٦١٥)، والطبراني في الكبير (١/ ٨٤٤)، وعنه أبو نعيم في المعرفة (٨٩٩)، وفي الحلية (١/ ٤٦)، وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن الزهري إلا إبراهيم بن سعد، تفرد به معمر بن بكار، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، فردَّه الذهبي بقوله: معمر له مناكير".
(٣) - حسنه الترمذي، وموسى بن إبراهيم بن كثير: وثقه ابن حبان (٧/ ٤٤٩) وقال: كان ممن يخطئ، وذكره الذهبي في الميزان وقال: مدني صالح. وفي التقريب: صدوق يخطئ. والحديث رواه الترمذي في الدعوات، باب: ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة، برقم (٣٣٨٠)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٦٦٧)، وابن ماجه في كتاب الأدب، باب: فضل الحامدنى برقم (٣٨٠٠)، ورواه ابن حبان ٨٤٦ - (٣/ ١٢٦)، والحاكم (١/ ٤٩٨، ٥٠٣): صححه، ورواه أيضًا ابن أبي الدنيا = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "حراش".
[ ١ / ٢٠٤ ]
[وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك (^١٢٦) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان الذي أعطى أفضل مما أخذ".
وقال القرطبي في تفسيره: وفي نوادر الأصول عن أنس عن النبي ﷺ قال: "لو أن الدنيا بحذافيرها في يد رجل من أمَّتي، ثم قال: الحمد لله لكان الحمد لله أفضل من ذلك" (^١٢٧).
قال القرطبي وغيره: أي لكان إلهامه الحمد لله أكثر نعمة عليه من نعم الدنيا؛ لأنّ ثواب الحمد لا يفنى ونعيم الدنيا لا يبقى.
قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦].
وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر (^١٢٨): أن رسول الله ﷺ حدثهم: "أن عبدًا
_________________
(١) = في الشكر (١٠٢)، والطبراني في الدعاء (١٤٨٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٦/ ٤٢ - ٤٣)، والبيهقي في الشعب (٤٠٦١ هـ)، وفي الأسماء والصفات (١/ ١٧٩)، وفي الدعوات الكبير (١١٧)، والأصبهانى في الترغيب (٢٤٨١)، والبغوي في شرح السنة (٥/ ٤٩).
(٢) - الحديث رواه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب: فضل الحامدين برقم (٣٨٠٥) من طريق أبي عاصم، عن شبيب بن بشر، عن أنس، به. ورواه الطبراني في الأوسط (١٣٧٩)، والبيهقي في الشعب (٤٠٩١ هـ)، وشبيب بن بشر: وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم وغيره: لين الحديث (الميزان ٢/ ٢٦٣). وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩٢): "هذا إسناد حسن، شبيب بن بشر مختلف فيه". وقال الطبراني: لم ورو هذا الحديث عن شبيب إلا عاصم.
(٣) - قال الألباني في السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٦٧): "موضوع"، ورواه ابن عساكر (١٥/ ٢٧٦ / ٢) عن أبي المفضل - محمَّد بن عبد الله بن محمَّد بن همام بن المطلب الشيباني: حدثني محمَّد بن عبد الحس بن سويد الحربي الحافظ، نا زريق، نا عمران بن موسى الجند يسابوري - نزيل بردعة - نا سورة بن زهير الغامري -من أهل البصرة- حدثني هشيم، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك مرفوعًا. وهذا موضوع آفته أبو المفضل هذا، قال الخطيب (٥/ ٤٦٦، ٤٦٧): "كان وروى غرائب الحديث وسؤالات الشيوخ، فكتب الناس عنه، بانتخاب الدارقطني، ثم بأن كذبه، فمزقوا حديثه، وأبطلوا روايته، وكان بعد يضع الأحاديث للرافضة. قال حمزة بن محمَّد بن طاهر الدقاق: كان يضع الحديث، وكان له سمت ووقار. وقال لي الأزهري: كان أبو المفضل دجالًا كاذبًا". ورواه ابن عساكر عنه في ترجمة أبي المفضل هذا، ومن بينه وبين هشيم لم أعرفهم غير زريق، والظاهر أنه ابن محمَّد الكوفي، روى عن حماد بن زيد، قال الذهبي: "ضعفه الأمير ابن ماكولا". ا هـ من الضعيفة.
(٤) - إسناده ضعيف، رواه ابن ماجه في كتاب الأدب، باب: فضل الحادمين برقم (٣٨٠١) =
[ ١ / ٢٠٥ ]
من عباد الله قال: يا رب؛ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها فصعدا إلى الله فقالا: يا ربنا؛ إنّ عبدًا قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها. قال الله - وهو أعلم بما قال عبده: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما في لجلال وجهك وعظيم سلطانك. فقال الله لهما: اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها".
وحكى القرطبي (^١٢٩) عن طائفة أنهم قالوا: قول العبد: الحمد لله رب العالمين أفضل من قوله: لا إله إلا الله؛ لاشتمال الحمد لله رب العالمين على التوحيد مع الحمد.
وقال آخرون: لا إله إلا الله أفضل؛ لأنها تفصل بين الإيمان والكفر، وعليها يقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، كما ثبت في الحديث المتفق عليه (^١٣٠).
وفي الحديث الآخر [] (^١٣١): " أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له". وقد تقدّم عن جابر مرفوعًا: "أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله". وحسنه الترمذي] [¬١].
_________________
(١) = من طريق صدقة بن بشير، عن قدامة بن إبراهيم، عن ابن عمر ﵄، ورواه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٣٢٩٧)، والبيهقي في الشعب (٤٠٧٧)، وقال البوصيري في الزوائد (٣/ ١٩١): "هذا إسناد فيه مقال، قدامة بن إبراهيم ذكره ابن حبان في الثقات، وصدقة بن بشير لم أر من جرحه ولا من وثقه، وباقي رجال الإسناد ثقات. قال: ورواه أحمد من هذا الوجه".
(٢) - القرطبي (١/ ١٣٢).
(٣) - رواه البخاري في كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة ١٣٩٩، وله طرف في كتاب الجهاد، ورواه مسلم ٣٢: ٣٥ - (٢٠، ٢١).
(٤) - رواد الترمذي في السنن برقم (٣٥٨٥) من طريق حماد بن أبي حميد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده به، بلفظ: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". وقال الترمذي: "هذا حديث غريب من هذا الوجه، وحماد بن أبي حميد هو محمَّد بن أبي حميد، وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس بالقوي عند أهل الحديث. قال الألباني وإسناده فيه ضعف. وأخرج الأصبهاني في الترغيب: عن أبي مروان، ثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن المطلب مرسلًا مختصرًا بلفظ: "أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وإن أفضل ما أقوله أنا وما قال النبيون من قبلي: لا إله إلا الله". قال الألباني (الصحيحة ١٥٠٢): وهذا مرسل حسن الإسناد، المطلب هو ابن عبد الله بن حنطب صدوق، ومن دونه ثقات رجال مسلم غير أبي مروان، وهو محمَّد بن عثمان بن خالد الأموي صدوق يخطئ كما قال في التقريب. قال حفظه الله: وجملة القول أن الحديث ثابت بمجموع هذه الشواهد والله أعلم [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٠٦ ]
والألف واللام في الحمد لاستغراق جميع أجناس الحمد وصنوفه لله تعالى، كما جاء في الحديث (^١٣٢): " اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الحير كله، وإليك يرجع الأمر كله". الحديث.
﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾
والربُّ هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح. وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى، [ولا يستعمل الرب لغير الله بل بالإضافة تقول: رب الدار، رب كذا. وأما الرب فلا يقال إلا لله ﷿، وقد قيل: إنه الاسم الأعظم] [¬١] والعالمين جمع عالم،
_________________
(١) = وروى الطبراني في فضائل عشر ذي الحجة من حديث قيس بن الرببع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حصين، عن علي مرفوعًا: "أفضل ما قلت أنا والنبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". قال الألباني: وهذا إسناد لا بأس به في الشواهد. رجاله ثقات غير قيس بن الربيع فهو سيئ الحفظ فحديثه حسن بما له من الشواهد.
(٢) - وَرَدَ من حديث حذيفة، وأبي سعيد، وسعد بن أبي وقاص، ﵃، فحديث حذيفة رواه أحمد ٢٣٤٦٢ - (٥/ ٣٩٦): ثنا عفان، ثنا همام، ثنا الحجاج بن فرافصة، حدثني رجل، عن حذيفة بن اليمان: أنه أتى النبي ﷺ فقال: بينما أنا أصلي، إذ سمعت متكلمًا يقول: اللَّهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، بيدك الخير كله، إليك يرجع الأمر كله، علانيته وسره، فأهل أن تحمد، إنك على كل شيء قدير، اللَّهم اغفر لي جميع ما مضى من ذنبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وارزقني عملًا زاكيًا ترضى به عني. فقال النبي، ﷺ: "ذاك مَلَك أتاك يعلمك تحميد ربك". وإسناده ضعيف لجهالة الراوي عن حذيفة. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٩٥، ٩٦) وعزاه لأحمد، وقال: "وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات". وأما حديث أبي سعيد، فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٤٠٠) والديلمي في الفردوس (٦٨١٧) من طريق خالد بن يزيد، عن ابن أبي ذئب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري. وقال البيهقي: قال أبو عبد الله -يعني الحاكم- تفرد به خالد بن يزيد العمري، عن ابن أبي ذئب. وخالد بن يزيد هذا كذبه أبو حاتم، ويحيى، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات واستنكر له ابن عدي في الكامل عدة أحاديث ثم قال: ولخالد بن يزيد، عن الثوري وابن أبي ذئب وغيرهم غير ما ذكرت وعامتها مناكير. وأما حديث سعد، فرواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٤٣٩٩) من طريق أبي بلج، عن مصعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص. وأبو بلج: يحيى بن سليم وثقه جماعة، وضعفه آخرون وقال البخاري: فيه نظر. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٠٧ ]
[وهو كل موجود سوى الله ﷿] [¬١]، والعالم جمعٌ لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات [في السموات] [¬٢] وفي البر والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى [¬٣] عالمًا أيضًا.
قال بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]. الحمد لله الذي له الخلق كله، السموات والأرضون، وما [¬٤] فيهن وما بينهنّ، مما نعلم ومما [¬٥] لا نعلم.
وفي رواية سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس - رب الجنّ والإنس؛ وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد وابن جريج، وروي عن علي [نحوه] [¬٦].
وقال ابن أبي حاتم: بإسناد لا يعتمد عليه.
[واستدل القرطبي لهذا القول بقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾. وهم الجنّ والإنس.
قال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عما يعقل وهم: الإنس والجن، والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم.
وعن زيد بن أسلم وأبي محيصن: العالم كل ماله روح ترفرف] [¬٧] وقال قتادة: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ كل صنف عالم. [وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة مروان بن محمَّد - وهو أحد خلفاء بني أمية، وهو يعرف بالجعد، ويلقب بالحمار - أنه قال: خلق الله سبعة عشر ألف عالم؛ أهل السموات - وأهل الأرض عالم واحد، وسائرهم لا يعلمهم إلا الله ﷿] [¬٨].
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الإنس عالم، والجن عالم، وما سوى ذلك ثمانية عشر ألف عالم أر أربعة عشر ألف عالم -هو يشك - من [¬٩] الملائكة على الأرض، وللأرض أربع زوايا، في كل زاوية ثلاثة آلاف عالم، وخمسمائة عالم خلقهم الله [¬١٠] لعبادته.
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. [وهذا كلام غريب يحتاج مثله إلى دليل صحيح] [¬١١].
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: ومن. [¬٥]- في ز: ما. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سغط من: ز، خ. [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- سقط من: ز، خ. [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٠٨ ]
وقال ابن أبي حاتم (^١٣٣): حدثنا أبي، حدَّثنا هشام بن خالد، حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا الفرات -يعني ابن الوليد- عن مغيث [¬١] بن سمي، عن تُبَيع -يعني الحميري- في قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال: العالمين ألف أمّة فستمائة في البحر، وأربعمائة في البر.
[وحكي مثله عن سعيد بن المسيب] [¬٢]، وقد روي نحو هذا مرفوعًا.
كما قال الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى في مسنده: حدَّثنا محمَّد بن المثنى، حدَّثنا عبيد بن واقد القيسي أبو عباد، حدّثني محمَّد بن عيسى بن كيسان، حدثنا محمَّد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قلَّ [¬٣] الجراد في سنة من سنين عمر التي وليَ فيها فسأل عنه، فلم يخبر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبًا يضرب إلى اليمن [¬٤] وآخر إلى الشام، وآخر إلى العراق، يسأل هل رُئيَ من الجراد شيءٌ أم لا؟ قال: فأتاه الراكب الذي في قِبَل اليمن بقبضة من جراد فألقاها بين يديه، فلما رآها كبر ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خلق الله ألف أمّة؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر، فأوّل شيء [يهلك] [¬٥]، من هذه الأم الجراد، فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه" (^١٣٤).
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ١٦ - (١/ ١٦). وجاء في النسخ وأصل تفسير ابن أبي حاتم "معتب"، وفي كتب الرجال "مغيث". [التاريخ (٨/ ٢٤)، تهذيب الكمال (٢٨/ ٣٤٨)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٢٢٨)، الكاشف (٢/ ٢٨٤)].
(٢) - رواه أبو يعلى كما في مسنده - لعله - الكبير، ومن طريقه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٢٥٦، ٢٥٧) وكذا ذكره المصنف من طريقه في "البداية والنهاية" (١/ ٣٠). وذكره في مجمع الزوائد (٧/ ٣٢٥)، وأخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٩٩٠) (٦/ ٢٢٤٩) وأبو الشيخ في "العظمة" (٥ / رقم ١٢٨٥) والخطيب في تاريخه (١١/ ٢١٧، ٢١٨) - ومن طريقه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ١٣، ١٤) - والبيهقي في "الشعب" (٧/ ١٠٣٢، ١٠٣٣) من طريق عبيد بن واقد به، وقال ابن حبان: "وهذا شيء لا شك أنه موضوع ليس هذا من كلام رسول الله ﷺ". وعلته عبيد بن واقد وشيخه، قال المصنف في "البداية": عبيد بن واقد أبو عباد البصري ضعفه أبو حاتم، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، وشيخه أضعف منه. قال الفلاس والبخاري: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: لا ينبغي أن يحدث عنه، وضمفه ابن حبان والدارقطني وأنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه وغيره والله أعلم". وضعف إسناد السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٦) وتعقب ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في "الموضوعات" فقال في "اللآلئ" (١/ ٨٢) "لم يتهم محمَّد بن عيسى بكذب، بل وثقه بعضهم فيما نقله الذهبي، وقال ابن عدي: أنكر عليه هذا الحديث، وحديث آخر أخرجه أبو الشيخ = [¬١]- في ز، خ، ر: معتب. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "قتل". [¬٤]- في ز، خ: "كذا". [¬٥]- في خ: "هلكت".
[ ١ / ٢٠٩ ]
[و] [¬١] محمد بن عيسى هذا [¬٢]-وهو الهلالي- ضعيف.
[وحكى البغوي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لله ألف عالم؛ ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. وقال وهب بن منبه: لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها. وقال مقاتل: العوالم ثمانون ألفًا وقال كعب الأحبار: لا يعلم عدد العوالم إلا الله ﷿. نقله كله البغوي.
وحكى القرطبي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى مغربها عالم واحد منها.
وقال الزجاج: العالم كل ما خلق الله في الدنيا والآخرة.
قال القرطبي: وهذا هو الصحيح أنه شامل لكل العالمين كقوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ والعالم مشتق من العلامة قلت: لأنه علم دال على وجود خالقه وصانعه ووحدانيته، كما قال ابن المعتز:
فيا عجبًا كيف يعصى الإله … أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد] [¬٣]
وقوله تعالى:
_________________
(١) = في "العظمة" والبيهقي في "شعب الإيمان"- واقتصر الحافظ -يعني ابن حجر- على تضعيفه، وتابع السيوطي في تعقبه ابن عَرَّاق في "تنزيه الشريعة" (١/ ١٩٠) ويبدو أن المصنف يذهب إلى تضعيفه فحسب أيضًا فإنه قال: محمد بن عيسى هذا -وهو الهلالي- ضعيف" وكذا ضعفه الهيثمي حيث قال في "المجمع": فيه عبيد بن واقد القيسي وهو ضعيف، وضعفه أيضًا البوصيري فقال- في الإتحاف (٦/ ٣٤٥ هامش المطالب - قرطبة) - "إسناده ضعيف، لضعف محمد بن عيسى بن كيسان" والحق أن هذا الحديث إن لم يكن موضوعًا، فهو ضعيف جدًّا، فإن محمد بن عيسى هذا- فوق ما نقله ابن كثير من كلام الأئمة فيه- فقد اتهمه ابن طاهر المقدسي في "معرفة التذكرة" (٤٢٠) وقال فيه ابن حبان: يروى عن محمد ابن المنكدر العجائب، وعن الثقات الأوابد، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد، وقال الذهبي في "المغني" (١/ ٦٦٢): "ضعفوه بمرَّة" وأما ما نقله ابن عدي: إسناده إلى نعيم بن حماد، حدثني عبيد بن واقد، عن محمد بن عيسى أبو يحيى الهلالي وكان ثقة" وهذا ما عناه الذهبي في "الميزان" (٥ / ت ٨٠٣) - ونقله عنه السيوطي في كلامه المتقدم- بقوله: "ووثقه بعضهم" فإنه مردود لأنه توثيق من ضعيف يحتاج إلى من يُعدِّله، ولم يوجد فكيف يقبل تعديل لغيره!! وبالله التوفيق وانظر "التهذيب" (٣/ ٤١ - الرسالة). [¬١]- زيادة من خ. [¬٢]- في ز، خ: "هكذا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢١٠ ]
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾
تقدم الكلام عليه في البسملة بما أغنى عن إعادته.
[قال القرطبي إنَّما وصف نفسه بالرحمن الرحيم بعد قوله: رب العالمين؛ ليكون من باب قرن الترغيب بعد الترهيب. كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
قال: فالربُّ فيه ترهيب، والرحمن الرحيم ترغيب.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع في جنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من رحمته أحد" (^١٣٥)] [¬١].
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾
قرأ بعض القراء ﴿مَالِكِ﴾ وقرأ آخرون ﴿مَلِك﴾.
وكلاهما صحيح متواتر في السبع.
[ويقال: ملك بكسر اللام وبإسكانها. ويقال: مليك أيضًا، وأشبع نافع كسرة الكاف فقرأ: (ملكي يوم الدين) وقد رجَّح كلا من القراءتين مرجِّحون من حيث المعنى، وكلاهما صحيحة حسنة. ورجح الزمخشري ملك؛ لأنَّها قراءة أهل الحرمين، ولقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾، وقوله: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ وحكي من أبي حنيفة أنَّه قرأ ﴿مَلَكَ يوم الدين﴾ على أنَّه فعل وفاعل ومفعول وهذا شاذ غريب جدًّا] [¬٢].
وقد روى أبو بكر بن أبي داود (^١٣٦) في ذلك شيئًا غريبًا حيث قال: حدَّثنا أبو عبد الرحمن
_________________
(١) - رواه مسلم في التوبة برقم ٢٣ - (٢٧٥٥).
(٢) - رواه أبو بكر بن أبي داود في المصاحف (ص ٩٣)، وعدي بن الفضل: ساقط. وروى الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٢) من طريق ابن فضيل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أن النبي، ﷺ قرأ: "مَلِكِ يوم الدين". وروى أبو بكر بن أبي داود في المصاحف (ص ٩٤) عن هشام بن يونس، عن حفص- يَعني: ابن غياث = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢١١ ]
الأَذْرميُّ، حدَّثنا عبد الوهاب عن [¬١] عدي بن الفضل، عن أبي المطرف، عن ابن شهاب - أنَّه بلغه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان ومعاوية وابنه يزيد بن معاوية كانوا يقرءون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال ابن شهاب: وأول من أحدث "ملك" مروان.
(قلت): مروان عنده علم بصحة ما قرأه، لم يطلع عليه ابن شهاب، والله أعلم.
وقد روي من طرق متعدّدة (^١٣٧) أوردها ابن مردويه أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ومالك مأخوذ من المِلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ﴾ وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾، وملك مأخوذ من المُلك كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ وقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾، وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾.
وتخصيص [¬٢] الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنَّه قد تقدَّم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدُّنيا والآخرة، وإنما أضيف إلى يوم الدين؛ لأنَّه لا يدعي أحد هنالك شيئًا، ولا يتكلم أحد إلَّا بإذنه. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾.
وقال الضَّحَّاك: عن ابن عباس: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقول: لا يملك أحد في ذلك اليوم معه حكمًا، كملكهم في الدُّنيا. قال: ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة، يدينهم [¬٣] بأعمالهم إن خيرًا فخير وإن شرّا فشر، إلَّا من عفا عنه. وكذلك قال غيره من الصّحابة والتابعين والسلف وهو ظاهر.
وحكى ابن جرير عن بعضهم أنَّه ذهب إلى [أن] [¬٤] تفسير مالك يوم الدين -أنَّه القادر على
_________________
(١) = عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل فقرأ الحمد لله فقطعها وقرأ "مَلِكِ يوم الدين". وروى نحوه (ص ٩٤) عن بعض أزواج النَّبيِّ، ﷺ. وروى الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٣٢) من طريق ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أم سلمة أنَّها كانت تقرأ: "مَلِكِ يوم الدين". قال أبو بكر بن أبي داود: سمعت أبي يقول في هذا الحديث: إنَّما هو حديث كقطيع القراءة والترسل فيها وأمَّا قوله ﴿مَلِكِ﴾ فيقال: إنَّها قراءة ابن جريج لا أنه رواها عن ابن أبي مليكة.
(٢) - انظر كتاب المصاحف لأبي بكر بن أبي داود ص ٩٣. [¬١]- في الأصلين: بن. والمثبت من المصاحف. [¬٢]- في ز، خ: "وتخصص". [¬٣]- في ز: يدنيهم. [¬٤]- زيادة من ز.
[ ١ / ٢١٢ ]
إقامته، ثم شرع يضعفه.
والظاهر أنَّه لا منافاة لين هذا القول وما تقدَّم، وأن كلًّا من القائلين هذا [¬١] القول وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ولا ينكره، ولكن السياق أدل على المعنى الأوّل من هذا. كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾. والقول الثَّاني يشبه [¬٢] قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، والله أعلم.
[والملك في الحقيقة هو الله ﷿ قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ﴾.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة (^١٣٨) ﵁ مرفوعًا: "أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك، ولا مالك إلَّا الله".
وفيهما (^١٣٩) عنه عن رسول الله ﷺ قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملكِ أين ملوك الأرض؟ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ". وفي القرآن العظيم ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ فأمَّا تسمية غيره في الدُّنيا بملك فعلى سبيل المجاز. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾.
وفي الصحيحين (^١٤٠): " مثل الملوك على الأسرة".
_________________
(١) - رواه البُخاريّ في الأدب من صحيحه، باب: "بغض الأسماء إلى الله برقم (٦٢٠٦). ومسلم في الآداب برقم (٢١٤٣)، وأبو داود في الأدب، باب: في تغيير الاسم القبيح برقم (٤٩٦١)، والترمذي في الأدب، باب: ما يكره من الأسماء برقم (٢٨٣٧)، ورواه أحمد (٧٢٨٥)، جميعًا من حديث أبي هريرة.
(٢) - رواه البُخاريّ في التفسير، باب: قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ برقم (٤٨١٢)، وأطرافه في الرقاق (٦٥١٩)، وفي التَّوحيد (٧٣٩٢)، ومسلم في صفة القيامة والجنة والنَّار (٢٧٨٧)، وابن ماجة في المقدمة، باب: فيما أنكرت الجهمية برقم (١٩٢)، وأحمد (٨٦٤٦)، والدارمي في الرقاق (٢٧٩٩)، جميعًا من حديث أبي هريرة.
(٣) - رواه البُخاريّ في الجهاد والسير، باب: الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء برقم (٢٧٨٩). وفي الجهاد والسير برقم (٢٨٧٨)، وفي الاستئذان (٦٢٦٢)، وفي التعبير (٧٠٠٢)، ورواه مسلم في الإمارة برقم (١٩١٢)، والترمذي في فضائل الجهاد عن رسول الله، ﷺ، باب: ما جاء في غزو البحر (١٦٤٥)، والنَّسائيُّ في الجهاد، باب: فضل الجهاد في البحر (٣١٧١)، وأحمد (٣/ ٢٤٠)، ومالك في الجهاد، باب: الترغيب في الجهاد (١٠١١). جميعًا من حديث أنس بن مالك في حديث طويل. [¬١]- في ز، خ: "بهذا". [¬٢]- في خ: "شبه".
[ ١ / ٢١٣ ]
والدين: الجزاء والحساب. كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ وقال: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أي: مجزيون محاسبون، وفي الحديث: "الكَيِّس من دان نفسه وعَمِل لما بعد الموت" (^١٤١). أي: حاسب نفسه. كما قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾] [¬١].
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾
[قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من "إياك"، وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة، لأنَّ "إيا" ضوء الشَّمس، وقرأ بعضهم "أياك" بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقرأ بعضهم: هياك بالهاء بدل الهمزة، كما قال الشَّاعر:
فهياك والأمر الذي إن تراحبت … موارده ضاقت عليك مصادره
و"نستعين" بفتح النون أوّل الكلمة في قراءة الجميع سوى يَحْيَى بن وثاب، والأعمش فإنهما كسراها. وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم] [¬٢].
والعبادة في اللُّغة من الذلة يقال: طريق معبّد وبعير معبد أي مذلَّل، وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف.
وقدّم المفعول وهو إياك وكرَّر للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلَّا إياك، ولا نتوكل إلَّا عليك، وهذا هو كمال الطاعة. والدين يرجع كله إلى هذين المعنيين. وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فالأوّل تبرؤ من الشرك،
_________________
(١) - ضعيف، رواه التِّرمذيُّ (٢٤٥٩) وحسنه، وابن ماجة (٤٢٦٠)، وأحمد (٤/ ١٢٤)، وفي الزهد ص (٣٨)، وابن المبارك في الزهد (١٧١)، والطيالسي (١١٢٢)، والطبراني في الكبير (٤٣/ ٧١٧)، وفي مسند الشاميين (١٤٨٥)، والحاكم (١/ ٥٧، ٤/ ٢٥١)، والبيهقيّ في الكبرى (٣/ ٣٦٩)، وفي الشعب (١٠٥٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٦٧، ٢٦٨، ٨/ ١٧٤)، والخطيب في التَّاريخ (١٢/ ٥٠) من طريق أبي بكر بن أبي مريم، عن ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح على شرط البُخاريّ، وتعقَّبه الذهبي فقال: لا، والله، في سنده أبو بكر بن أبي مريم، وهو واهٍ. وقال ابن عدي (٢/ ٤٧٣): ولأبي بكر بن أبي مريم غير ما ذكرت من الحديث، والغالب على حديثه الغرائب، وقل ما يوافقه الثقات، وأحاديثه صالحة، وهو ممن لا يحتج بحديثه، وله متابعة عند الطّبرانيّ بسندٍ ضعيف جدًّا (٧/ ٧١٤١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢١٤ ]
والثَّاني تبرؤ من الحول والقوّة والتفويض إلى الله ﷿، وهذا المعنى في غير آية من القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬١]﴾. ﴿قُلْ: هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيهِ تَوَكَّلْنَا﴾. ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾. وكذلك هذه الآية الكريمة:.
وتحوّل الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب، وهو مناسبه؛ لأنَّه لما أثنى على الله تعالى فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى، فلهذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وفي هذا دليل على أن أوّل السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى، وإرشاد لعباده بأن [¬٢] يثنوا عليه بذلك؛ ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه. كما جاء في الصحيحين (^١٤٢)، عن عبادة بن الصَّامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة [¬٣] الكتاب".
وفي صحيح مسلم (^١٤٣)، من حديث العلاء بن عبد الرحمن [مولى الحُرَقة] [¬٤]، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ قال الله [¬٥]: حمدني عبدي. وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله [¬٦]: أثنى عليَّ عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي. فإذا [¬٧] قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل".
وقال الضَّحَّاك عن ابن عباس ﵄: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يعني إياك نوحد ونخاف ونرجو يا ربنا لا غيرك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [على طاعتك وعلى أمورنا كلها.
وقال قتادة (﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾] [¬٨] يأمركم أن تخلصوا له العبادة، وأن تستعينوه على
_________________
(١) - رواه البُخاريّ في بابه الأذان، باب (٩٥) برقم (٧٥٦)، ومسلم في الصَّلاة برقم (٣٩٤)، والحديث رواه أبو داود في الصَّلاة، باب: من ترك القراءة في صلاته برقم (٨٢٢)، والترمذي في الصَّلاة، باب: ما جاء في أنَّه لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب برقم (٢٤٧). وفي باب: ما جاء في القراءة خلف الإمام برقم (٣١١). والنَّسائيُّ في الافتتاح برقم (٩١٠، ٩١١).
(٢) - رواه مسلم في الصَّلاة برقم ٢٨ - (٣٩٥). [¬١]- في ت: "تعملون". [¬٢]- في ز: أن. [¬٣]- في ز: فاتحة. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: وإذا. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٢١٥ ]
أموركم [¬١]. وإنَّما قدّم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأنَّ العبادة له هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها، والاهتمام والحزم هو [¬٢] تقديم [¬٣] ما هو الأهم فالأهم والله أعلم.
[فإن قيل: فما معنى النون في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فإن كانت للجمع فالداعي واحد، وإن كانت للتعظيم فلا يناسب هذا المقام. وقد أجيب بأن المراد من ذلك الإخبار عن جنس العباد، والمصلي فرد منهم، ولا سيما إن كان في جماعة أو إمامهم فأخبر عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين بالعبادة التي خلقوا لأجلها، وتوسط لهم بخير.
ومنهم من قال: يجوز أن تكون للتعظيم كأن العبد قيل له: إذا كنت داخل العبادة فأنت شريف، وجاهك عريض فقل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وإن كنت خارج العبادة فلا تقل نحن ولا فعلنا، ولو كنت في مائة ألف أو ألف ألف لاحتياج الجميع إلى الله ﷿ وفقرهم إليه.
ومنهم من قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ألطف في التواضع من إياك عَبَدْنا؛ لما في الثاني من تعظيم نفسه، من جعله نفسه وحده أهلًا لعبادة الله تعالى الذي لا يستطيع أحد أن يعبده حق عبادته، ولا يثني عليه كما يليق به، والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد لانتسابه إلى جناب الله تعالى كما قال بعضهم:
لا تدعني إلَّا بيا عبدها … فإنَّه أشرف أسمائي
وقد سمى الله رسول الله ﷺ بعبده في أشرف مقاماته فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا﴾ فسماه عبدًا عند إنزاله عليه، وعند قيامه في الدعوة، وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات يضيق صدره من تكذيب المخالفين حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
وقد حكى الرَّازي في تفسيره عن بعضهم: أنّ مقام العبودية أشرف من مقام الرسالة؛ لكون العبادة تصدر من الخلق إلى الحق، والرسالة من الحق إلى الخلق. قال: ولأن الله يتولَّى مصالح عبده والرسول يتولَّى مصالح أمته.
وهذا القول خطأ، والتوجيه أيضًا ضعيف لا حاصل له، ولم يتعرَّض له الرَّازي بتضعيف ولا ردّ. وقال بعض الصوفية: العبادة إمَّا لتحصيل ثواب أو درء عقاب. قالوا: وهذا ليس بطائل إذ
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "أمركم". [¬٢]- سقط من: م. [¬٣]- في ز، خ: "أن يقدم".
[ ١ / ٢١٦ ]
مقصوده تحصيل مقصوده، وإما للتشريف بتكاليف الله تعالى.
وهذا أيضًا عندهم ضعيف، بل العالي أن يعبد الله لذاته المقدسة الموصوفة بالكمال قالوا: ولهذا يقول المصلي: أصلي لله. ولو كان لتحصيل الثواب ودرء العقاب لبطلت الصَّلاة.
وقد ردّ ذلك عليهم آخرون وقالوا: كون العبادة لله ﷿ لا ينافي أن يطب معها ثوابًا ولا أن يدفع عذابًا، كما قال ذلك الأعرابي: أما إنِّي لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، إنما أسأل الله الجنَّة وأعوذ به من النَّار. فقال النَّبيُّ ﷺ: "حولها ندندن" (^١٤٤).
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾
قراءة الجمهور بالصاد وقرئ السراط، وقرئ بالزَّاي، قال الفراء: وهي لغة بني عذرة وبني كلب] [¬١]. لا تقدَّم الثّناء على المسئول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال كما قال: "فنصفها إلى ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأَل". وهذا أكمل أحوال السائل، أن يمدح مسئوله، ثم يسأله حاجته [وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾] [¬٢] لأنَّه أنجح للحاجة وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله تعالى إليه لأنَّه الأكمل.
وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيرٍ فَقِيرٌ﴾ وقد يتقدّمه مع ذلك وصف المسئول كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وقد يكون بمجرّد الثّناء على المسئول، يقول الشَّاعر:
_________________
(١) - صحيح، رواه أحمد في المسند ١٥٩٤٣ - (٣/ ٤٧٤)، وأبو داود في الصَّلاة، باب: في تخفيف الصَّلاة برقم (٧٩٢)، كلاهما من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النَّبيِّ ﷺ. ورواه ابن ماجة في الصَّلاة، باب: في التشهد، والصلاة على النَّبيِّ، ﷺ (٩١٠) وفي الدعاء، باب: الجوامع من الدعاء (٣٨٤٧) وابن حبان في صحيحه برقم (٥١٤ موارد) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁. وقال البوصيري في زوائده: إسناده صحيح ورجاله ثقات. وصححه الألباني في صحيح أبي داود حديث ٧١٠. وصحيح ابن ماجة حديث ٧٤٢. وقوله: "حولها ندندن" وروي: "عنهما ندندن" الدَّنْدَنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تُسمَع نغمته ولا يُفْهَم، وهو أرفع من الهينمة قليلًا. والضمير في حولهما للجنة والنار: أي حولهما ندندن وفي طلبهما، ومنه دندن الرجل إذا اختلف في مكان واحدٍ مجيئًا وذَهابًا. وأمَّا عنهما ندندن فمعناه أن دندنتنا صادرة عنهما وكائنة بسببهما. نهاية [٢/ ١٣٧]. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢١٧ ]
أأذكرُ حاجتي أم قد كفانِي … حياؤك إنَّ شيمتَكَ الحياءُ
إذا أثنى عليك المرءُ يومًا … كفاهُ مِنْ تعرضِه الثناءُ
والهداية ها هنا الإرشاد والتوفيق، وقد تُعدى الهداية بنفسها كما [ها هنا] [¬١]: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فتضمن معنى ألهمنا أو وفقنا أو ارزقنا أو أعطنا، ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾ أي: بينا له الخير والشر وقد تعدى بإلى كقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وذلك بمعنى الإرشاد والدلالة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقد تُعدى باللام كقول أهل الجنَّة: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ أي وفقنا لهذا وجعلنا له أهلًا [¬٢].
وأمَّا الصراط المستقيم فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو: الطَّريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه.
وكذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطيف الخطفي:
أمير المؤمنين على صراط … إذا اعوج الموارد مستقيم
قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر. قال: ثم تستعيرُ العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وُصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته والمعوج باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد وهو المتابعة لله وللرسول، فروي أنَّه كتاب الله.
قال ابن أبي حاتم (^١٤٥): حدَّثنا الحسن بن عرفة، حدّثني يَحْيَى بن يمان، عن حمزة الزيات، عن سعد -[وهو أبو [¬٣] المختار الطَّائي] [¬٤]- عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، عن علي بن أبي طالب [﵁] قال: قال رسول الله ﷺ: "الصراط المستقيم كتاب الله".
وكذلك رواه ابن جرير من حديث حمزة بن حبيب الزيات، [وقد تقدَّم في فضائل القرآن] [¬٥] وقد رواه أحمد والترمذي (^١٤٦) من رواية الحارث الأعور، عن علي مرفوعًا "وهو حبل الله
_________________
(١) - ضعيف جدًّا: في سنده ابن أخي الحارث مجهول؛ والحارث: ضعيف، وسعد الطَّائي مجهول. والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٣٢ - (١/ ٢٠).
(٢) - ضعيف جدًّا كالذي قبله، رواه أحمد (١/ ٩١) ورواه التِّرمذيُّ في فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن برقم (٢٩٠٦). وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه وإسناده = [¬١]- في خ: هنا [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: ابن. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢١٨ ]
المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم".
وقد روي هذا موقوفًا عن علي ﵁، وهو أشبه (^١٤٧)، والله أعلم.
وقال الثوري عن منصور عن أبي وائل، عن عبد الله قال (^١٤٨): الصراط المستقيم كتاب الله. وقيل: هو الإسلام. وقال الضَّحَّاك: عن ابن عباس قال: قال جبريل لمحمد ﵉: قل يا محمَّد: اهدنا الصراط المستقيم. يقول: اهدنا الطَّريق [¬١] الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج فيه.
وقال ميمون بن مهران (^١٤٩): عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: ذاك الإسلام.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرَّة الهمدانيّ، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبيِ ﷺ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قالوا: هو الإسلام (^١٥٠).
_________________
(١) = مجهول وفي الحارث مقال.
(٢) - رواه موقوفًا ابن جرير في تفسيره ١٧٥ - (١/ ١٧٢) وقد سبق الكلام على هذا الحديث في فضائل القرآن.
(٣) - ورواه ابن جرير (١٧٧)، والحاكم (٢/ ٢٥٨)، وقال: صحيح على شرط الشيخين. كذا قال، وبالنظر إلى تمام الإسناد يتبين لك عدم صحة قوله ﵀ فقد رواه من طريق الحسن بن علي بن عفَّان، عن أبي داود الحفري عمر بن سعد، عن الثوري، فالحفري من رجال مسلم دون البُخاريّ، والحسن بن علي من رجال ابن ماجة وحده.
(٤) - تفسير ابن جرير برقم ١٨٠ - (١/ ١٧٤) من حديث موسى بن سهل الرازي، عن يَحْيَى بن عوف، عن الفرات بن السَّائب، عن ميمون، به. الفرات بن السائب: أبو سليمان وقيل: أبوالمعلى الجزري، عن ميمون بن مهران، قال البُخاريّ: منكر الحديث تركوه. وقال يَحْيَى بن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطني وغيره: متروك. وقال أحمد بن حنبل: قريب من محمَّد بن زياد الطحان في ميمون يتهم بما يتهم به ذاك. وقال أحمد: كذاب أعور يضع الحديث. وقال أبو حاتم الرَّازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث. وقال الساجي: تركوه. وقال النَّسائيّ: متروك الحديث. وقال عباس: عن يَحْيَى بن معين: منكر الحديث. وقال أبو أحمد الحاكم: ذاهب الحديث. وقال ابن عدي: له أحاديث غير محفوظة، وعن ميمون مناكير (اللسان ٤/ ٤٣٠، الكشف الحثيث ٢٠٨. التَّاريخ الكبير ٧/ ١٣٠، الكامل ٦/ ٢٢).
(٥) - ابن جرير برقم (١٦٨، ١٨٢)، والحاكم (٢/ ٢٥٨)، وأبو صالح هو مولى أم هانئ، واسمه باذام، ويقال: باذان، وفيه كلام كثير، والصَّواب في حاله أنَّه ضعيف، وهو يروي في التفسير = [¬١]- في ز، خ: "الصراط".
[ ١ / ٢١٩ ]
وقال عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر (^١٥١): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الإسلام، هو أوسع مما بين السماء والأرض.
وقال ابن الحنفية (^١٥٢) في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^١٥٣): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو الإسلام.
وفي معنى هذا؛ الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال: حدثنا الحسن بن سوار أبو العلاء، حدَّثنا ليث -يعني ابن سعد- عن معاوية بن صالح- أنّ عبد الرحمن بن جبير بن نفيرٍ، حدّثه عن أبيه، عن النواس بن سمعان، عن رسول الله ﷺ قال: (ضرب الله مثلًا صراطًا مسقيمًا وعلى جنبتي [¬١] الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس، ادخلوا الصراط [جميعًا ولا تعوجوا. وداع يدعو من فوق [¬٢] الصراط] [¬٣]، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلِجْه. فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب المفتحة محارم اللَّه، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط [¬٤] واعظ الله في [¬٥] قلب كل مسلم".
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث الليث بن سعد به (^١٥٤).
ورواه الترمذي والنسائي جميعًا (^١٥٥)، عن علي بن حجر، عن بقية، عن بحير بن سعد، عن
_________________
(١) = ما لم يتابعه أهل التفسير عليه فيما قاله ابن عدي، لكنه متابع بأبي مالك الغفاري.
(٢) - ابن نصر في السنة (٢٥)، وابن جرير (١٧٨)، والحاكم (٢/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، وإسناده حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
(٣) - ابن جرير بإسنادٍ ضعيف (١٨١).
(٤) - ابنَ جرير (١٨٥).
(٥) - المسند ١٧٦٨٥ - (٤/ ١٨٢)، وتفسير ابن أبي حاتم ٣٣ - (١/ ٢١) مختصرًا، وتفسير ابن جرير ١٨٦، ١٨٧ - (١/ ١٧٦) مختصرًا. والبيهقي في الشعب (٧٢١٦)، والأصبهاني في الترغيب (٧٤٣)، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٤٢٣)، (٣/ ٣٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١٩). والحسن بن سوار: صدوق.
(٦) - رواه الترمذي في الأمثال، باب: ما جاء في مثل الله ﷿ لعباده بنحوه = [¬١]- في خ: "جانبي" [¬٢]- في المسند. جوف. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: من.
[ ١ / ٢٢٠ ]
خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن النوّاس بن سمعان، به.
وهو إسناد حسن صحيح، والله أعلم.
وقال مجاهد (^١٥٦): ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: الحق. وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير (^١٥٧)، من حديث أبي النضر هاشم بن القاسم، حدثنا [¬١] حمزة بن المغيرة، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال: هو النبي ﷺ وصاحباه من بعده. قال عاصم: فذكرنا ذلك للحسن، فقال: صدق أبو العالية، ونصح.
وكل هذه الأقوالِ صحيحةٌ، وهي متلازمة؛ فإن من اتبع النبي ﷺ واقتدى باللذين من بعده أبي بكر وعمر - فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة يصدّق بعضها بعضا، ولله الحمد.
وقال الطبراني (^١٥٨): حدثنا محمد بن الفضل السقطي، حدثنا إبراهيم بن مهدي المصيصي، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله قال ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الذي تركنا عليه رسول الله ﷺ.
ولهذا قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: والذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي -أعنى- ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أن يكون معنيًّا به: وفقنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأنّ من وفق لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين [¬٢] فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به والانزجار عما زجره عنه، واتباع منهاج النبي
_________________
(١) = حديث ٢٨٥٩، النسائي، في الكبرى برقم (١١٢٣٣)، وأحمد ١٧٦٨٧ - (٤/ ١٨٢)، وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان (١/ ٧٣).
(٢) - ابن أبي حاتم (٣٥).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٤ - (١/ ٢١)، وتفسير ابن جرير ١٨٤ - (١/ ١٧٥)، وأورده السيوطي في الدر المنثور، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن عدي، وابن عساكر. ورواه الحاكم عن أبي العالية عن ابن عباس وصححه (٢/ ٢٥٩).
(٤) - المعجم الكبير ١٠٤٥٤ - (١٠/ ٢٤٥) وسنده صحيح. [¬١]- في خ: أنبأنا. [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٢١ ]
ﷺ ومنهاج الخلفاء الأربعة وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم.
(فإن قيل): فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها وهو متصف بذلك؟ فهل [¬١] هذا من باب تحصيل الحاصل أم لا؟
فالجواب أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى، في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها، فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل وأطراف النهار.
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. الآية. فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس [ذلك من باب] [¬٢] تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات والاستمرار والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك، والله أعلم.
[وقال تعالى، آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ وقد كان الصدّيق ﵁ يقرأ بهذه الآية في الركعة الثالثة من صلاة المغرب بعد الفاتحة سرًّا، فمعنى قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ استمرّ بنا عليه ولا تعدل بنا إلى غيره] [¬٣] (^١٥٩).
﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾
قد تقدّم الحديث فيما إذا قال العبد: اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها أن الله يقول: "هذا لعبدي ولعبدي ما سأل". وقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ مفسر للصراط المستقيم، وهو بدل منه عند النحاة، ويجوز أن يكون عطف بيان، والله أعلم.
والذين [أنعم اللَّه] [¬٤] عليهم هم المذكورون في سورة النساء حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
_________________
(١) - مالك في الموطأ، وعبد الرزاق (٢/ ٢٦٩٨)، وابن المنذر في الأوسط (٣/ ١١٢). [¬١]- في ز: وهل. [¬٢]- في ز، خ: في ذلك. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "أنعمت".
[ ١ / ٢٢٢ ]
وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾.
وقال الضحاك (^١٦٠): عن ابن عباس: صراط الذين أنعمت عليهم بطاعتك، وعبادتك، من ملائكتك، وأنبيائك، والصدّيقين، والشهداء، والصالحين، وذلك نظير ما قال ربنا تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ الآية.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ قال: هم النبيون.
وقال ابن جريج (^١٦١): عن ابن عباس: هم المؤمنون. وكذا قال مجاهد. وقال وكيع: هم المسلمون. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هم: النبي ﷺ ومن معه.
والتفسير المتقدّم عن ابن عباس ﵄ أعم [¬١] وأشمل، [والله أعلم] [¬٢].
وقوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [قرأ الجمهور ﴿غَيرِ﴾ بالجر على النعت. قال الزمخشري: وقريء بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله ﷺ وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت عليهم] [¬٣] يعني اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم ممن تقدّم وصفهم ونعتهم، وهم: أهل الهداية والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره -غير صراط المغضوب عليهم- وهم [¬٤] الذين فسدت إرادتهم [¬٥] فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين [وهم الذين] [¬٦] فقدوا [¬٧] العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق. وأكد الكلام بـ "لا"، ليدل على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقتا اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن غير هاهنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم، وما أوردناه أولى لقول [¬٨] الشاعر (^١٦٢):
كأنك من جِمال بني أقيش … يقعقع عند رجليه بشنٍّ
_________________
(١) - رواه ابن جرير (١٨٨)، وابن أبي حاتم (٣٨)، والضحاك لم يسمع من ابن عباس فهو ضعيف.
(٢) - ابن جريج لم يسمع من ابن عباس، فهو منقطع، ورواه الطبري (١٩٠).
(٣) - هو النابغة الذبياني، والبيت في تفسير ابن جرير (١/ ١٧٩)، وهو في ديوانه (١٩٨). [¬١]- في خ: أشد. [¬٢] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤] سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: إرادتهم. [¬٦]-ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- في ز، خ: "فقد". [¬٨]- في ز، خ: كقول.
[ ١ / ٢٢٣ ]
أي: كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحذت الموصوف واكتفى بالصفة، وهكذا غير المغضوب عليهم [أي: غير صراط المغضوب عليهم] [¬١] اكتفي بالمضاف إليه عن ذكر المضاف، وقد دل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ ثم قال تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾. ومنهم من زعم أن "لا". في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّين﴾ زائدة، وأنَّ تقدير الكلام: عنده غير المغضوب عليهم والضالين، واستشهد ببيت العجاج:
في بئر لا حور [¬٢] سعى [¬٣] وما شعر (^١٦٣)
أي في بئر حور [¬٤]، والصحيح ما قدمناه؛ ولهذا روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن (^١٦٤) عن [أبي معاوية] [¬٥]، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [وهذا إسناد صحيح، وكذلك حكي عن أبيّ بن كعب أنه قرأ كذلك [¬٦]، وهو محمول على أنه صدر منهما [¬٧] على وجه التفسير.
فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء- "بلا [¬٨]- لتأكيد النفي [لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم] [¬٩]، وللفرق بين الطريقتين لتجتنب كل واحد [¬١٠] منهما، فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به، واليهود فقدوا العمل، والنصارى فقدوا العلم؛ ولهذا كان الغضب لليهود، والضلال للنصارى، لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم. والنصارى لما كانوا قاصدين شيئًا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه [¬١١]؛ لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه، وهو اتباع الرسول الحق- ضلوا، وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه، لكن أخص أوصاف اليهود الغضب، [كما قال تعالى عنهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ﴾] [¬١٢]، وأخص أوصاف النصارى الضلال [كما قال تعالى عنهم: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾] [¬١٣]. وبهذا جاءت الأحاديث والآثار.
_________________
(١) - البيت في تفسير ابن جرير (١/ ١٩٠).
(٢) - فصائل القرآن (ص ٢٨٩ - ٢٩٠)، وسعيد بن منصور (١٧٧)، وابن أبي داود (٥١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "جور". [¬٣]- في خ: سرى. [¬٤]- في ز، خ: "جور". [¬٥]- في الفضائل: معاوية. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: منه. [¬٨]- في ز، خ: "بها". [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٠]- سقط من: ز، خ. [¬١١]- في خ: "طريقة". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٢٤ ]
[وذلك واضح بين فيما] [¬١] قال الإمام أحمد:
حدَّثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة قال [¬٢] سمعت سماك بن حرب، يقول [¬٣]: سمعت عباد بن حبيش، يحدّث عن عدي بن حاتم قال: جاءت خيلُ رسول الله ﷺ فأخذوا عمتي وناسًا، فلما أتوا بهم إلى [¬٤] رسول الله ﷺ صُفوا له، فقالت: يا رسول الله؛ ناء الوافد، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة. ما لي من خدمة، فمُنَّ عليَّ مَنَّ الله عليك! قال: "من وافدك؟ ". قالت: عدي بن حاتم. قال: "الذي فرّ من الله ورسوله". قالت: فمن علي، فلما رجع، ورجل إلى جنبه، ترى أنه علي، قال: سليه حملانا [¬٥] فسألته، فأمر لها قال: فأتتني فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك [¬٦] يفعلها، فإنه [ق] أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه، فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي، وذكر قربهم من النبي ﷺ قال: فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال: "يا عدي؛ ما أفرك؟ أن يقال: لا إله إلا الله؟ فهل من [] [¬٧] إله إلا الله؟ قال: ما أفرك أن يقال: الله أكبر؟ فهل شيء أكبر من الله ﷿؟ ". قال: فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال: (إن المغضوب عليهم [¬٨] اليهود، وإن الضالين النصارى" (^١٦٥). وذكر الحديث.
ورواه الترمذي من حديث سماك بن حرب، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه.
_________________
(١) - المسند ١٩٤٣٨ - (٤/ ٣٧٨)، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة فاتحة الكتاب برقم (٢٩٥٣)، وابن حبان في صحيحه (٧٢٠٦) (١٦/ ١٨٣ - ١٨٤) بنحوه مختصرًا. والطبراني في الكبير (٢٣٦) ورقم (٢٣٧) والمزي في تهذيب الكمال (١٤/ ١١٠) (١٧/ ٩٨ - ٩٩، ١٠٠)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠) من طرق عن سماك بن حرب، عن عباد بن حبيش عن عدي بن حاتم، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب. وذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٢١١) مطولًا وقال: "رواه أحمد والطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عباد بن حبيش، وهو ثقة، وفي الصحيح وغيره بعضه. ا هـ قلت: عباد بن حبيش: ذكره الذهبي في الميزان (٣/ ٧٩) ت (٤١١٢) وقال: "شيخ لسماك بن حرب. لا يعرف، له عن عدي بن حاتم". وقال الحافظ ابن حجر في التهذيب (٥/ ٧٩) (١٥٢): جهله ابن القطان. وقال في التقريب ت (٣١٢٤): مقبول. وذكره البخاري في التاريخ الكبير (٦/ ٣٣) ت (١٥٩٨)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٧٨) ت (٤٠١)، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. ومثل هذا لا يُحسَّن حديثه إلا إذا توبع، ولم أقف على متابعة له بذكر الحديث بطوله هكذا، = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "حملا". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: لا. [¬٨]- سقط من: خ.
[ ١ / ٢٢٥ ]
(قلت): وقد رواه حماد بن سلمة (^١٦٦)، عن سماك، عن مُرِّي بن قَطَرِي، عن عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن قوله الله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ قال: "هم اليهود" ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "النصارى هم الضالون".
وهكذا رواه سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم، به (^١٦٧).
وقد روي حديث عدي هذا من طرق، وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها.
وقال عبد الرزاق (^١٦٨): أخبرنا معمر، عن بُدَيل العُقَيلي، أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع [رسول الله] [¬١] ﷺ وهو بوادي القُرى، وهو على فرسه، وسأله رجل من بني القين، فقال: يا رسول الله؟ من هؤلاء؟ قال: "المغضوب عيهم -وأشار إلى اليهود- والضالون هم النصارى له.
وقد رواه الجُرَيري وعروة وخالد الحَذَّاء عن عبد الله بن شقيق، فأرسلوه (^١٦٩)، ولم يذكروا من سمع النبي ﷺ.
ووقع في رواية عروة تسمية عبد الله بن عمر، فالله أعلم.
وقد روى ابن مَرْدُويه من حديث إبراهيم بن طهمان، عن بديل بن ميسرة، عن عبد اللَّه بن شقيق عن أبي ذرّ قال: سألت رسول الله ﷺ عن المغضوب عليهم؟ قال: "اليهود". قال: قلت: [] [¬٢] الضالين [¬٣]؟ قال: "النصارى" (^١٧٠).
_________________
(١) = ولكن بعض فقرات الحديث صحيحة. والحديث أخرجه مختصرًا جدًّا الترمذي (٢٩٥٤) (٥/ ١٨٧). وأبو داود الطالسي (١٠٤٠) ولم يذكر عباد بن حبيش، وإنما قال: "عمن سمع عدي بن حاتم"، وابن حبان في صحيحه (٦٢٤٦) (١٤/ ١٣٩ - ١٤٠)، (٧٣٦٥) (٣٦٥/ ١٦ - ٣٦٦).
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٩٥ - (١/ ١٨٦). وإسناده حسن.
(٣) - رواه الحميدي في مسنده (٢/ ٤٠٦) عن سفيان، به.
(٤) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٣٧)، ورواه من طريقه ابن جرير في تفسيره ١٩٨ - (١/ ١٨٧)، ورواه أحمد (٥/ ٣٢ - ٣٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١١) وقال: رجاله رجال الصحيح.
(٥) - رواه ابن جرير في تفسيره (١/ ١٨٦، ١٨٧).
(٦) - قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٥٩): "أخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر". [¬١]- في خ: "النبي". [¬٢]- في ز، خ: قال. [¬٣]- في ز، خ: "الضالون".
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقال السُّدي: عن أبي مالك وعن أبي صالحٍ عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾: هم اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: هم النصارى.
وقال الضحاك وابن جريج، عن ابن عباس: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾: اليهود [¬١]، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: النصارى.
وكذا [¬٢] قال الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. وقال ابن أبي حاتم: ولا أعلم بين المفسرين في هذا اختلافًا.
وشاهد ما قاله هؤلاء الأئمة من أن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون، الحديث المتقدم، وقوله تعالى في خطابه مع بني إسرائيل في [سورة] [¬٣] البقرة: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقال في المائدة: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ [¬٤]﴾. وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.
وفي السيرة (^١٧١) عن زيد بن عمرو بن نفيل -أنه لما خرج هو وجماعة من أصحابه إلى الشام يطلبون الدين الحنيف، قالت له اليهود: إنك لن تستطيع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله. فقال: أنا من غضب الله أفر، وقالت له النصارى: إنك لن تستطع الدخول معنا حتى تأخذ بنصيبك من سخط الله. فقال: لا أستطيعه. فاستمرّ على فطرته، وجانب عبادة الأوثان ودين المشركين، ولم يدخل مع أحد من اليهود ولا النصارى.
وأما أصحابه فتنصروا ودخلوا في دين النصرانية؛ لأنهم وجدوه أقرب من دين اليهود إذ ذاك، وكان منهم ورقة بن نوفل حتى هداه الله بنبيه لما بعثه آمن بما وجد من الوحي، ﵁.
[مسألة: والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء لقرب
_________________
(١) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٢٤)، وأخرجه البخاري مطولا (٧/ ١٤٢ - ١٤٣)، وعزاه في الإصابة بهذا السياق لأبي يعلى والبغوي، والروياني والطبراني والحاكم. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: وكذلك. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: وأضل سبيلًا.
[ ١ / ٢٢٧ ]
مخرجيهما وذلك أنّ الضاد مخرجها من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس، ومخرج الظاء من طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا؛ ولأن كلًّا من الحرفين من الحروف المجهورة، ومن الحروف الرخوة، ومن الحروف المطبقة، فلهذا كله اغتفر استعمال أحدهما مكان الآخر لمن لا يميز ذلك، والله أعلم. وأما حديث: "أنا أفصح من نطق بالضاد" (^١٧٢) فلا أصل له، والله أعلم] [¬١].
[فصل]
اشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا [¬٢]، وعلى ذكر المعاد وهو يوم الدين، وعلى إرشاده [¬٣] عبيده إلى سؤاله والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له وتوحيده بالألوهية ﵎، وتنزيهه أن يكون له شريك أو نظير أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل، لئلا يحضروا مع سالكيها يوم القيامة وهم المغضوب عليهم والضالون. وما أحسن ما جاء إسناد الإنعام إليه في قوله تعالى ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ وحذف الفاعل في الغضب في قوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ﴾ وإن كان هو الفاعل لذلك في الحقيقة كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾. الآية.
وكذلك إسناد الضلال إلى من قام به، وإن كان هو الذي أضلهم بقدره كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنه سبحانه هو المنفرد بالهداية والإضلال، لا كما تقول الفرقة القدرية ومن حذا حذوهم من أن العباد هم الذين يختارون ذلك ويفعلونه، ويحتجون على بدعتهم [¬٤] بمتشابه من القرآن، ويتركون ما يكون فيه صريحًا في الرد عليهم.
وهذا حال أهل الضلال والغي، وقد ورد في الحديث الصحيح: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذووهم" (^١٧٣). يعني في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي
_________________
(١) - كشف الخفا (١/ ٢٠٠ - ٢٠١)، ونقل عن السيوطي أنه قال في اللآلئ: معناه صحيح، ولكن لا أصل له، وهو في الفوائد المجموعة (ص ٣٢٧).
(٢) - رواه البخاري في تفسير القرآن من صحيحه، باب: منه آيات محكمات برقم (٤٥٤٧)، = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: العلى. [¬٣]- في ز، خ: "إرشاد". [¬٤]- في ز: بدعهم.
[ ١ / ٢٢٨ ]
قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فليس -بحمد الله- لمبتدع في القرآن حجة صحيحة؛ لأن القرآن جاء ليفصل الحق من الباطل، مفرقًا بين الهدى والضلال، وليس فيه تناقض ولا اختلاف؛ لأنه من عند الله تنزيل من حكيم حميد.
[فصل]
يستحب لمن قرأ الفاتحة أن يقول بعدها آمين، [مثل يس] [¬١] ويقال: أمين بالقصر أيضًا، ومعناه: اللهم، استجب، والدليل على [استحباب التأمين] [¬٢] ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر (^١٧٤)، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: "آمين". مدّ بها صوته، ولأبي داود: رفع بها صوته. وقال
_________________
(١) = ومسلم في العلم من صحيحه برقم (٢٦٦٥)، ورواه أبو داود برقم (٤٥٩٨)، والترمذي برقم (٢٦٦٥)، وابن ماجه في المقدمة (٤٧)، ورواه أحمد كلهم من حديث عائشة، ﵂.
(٢) - المسند ١٨٨٩٥، ١٨٨٩٦ - (٤/ ٣١٥ و٣١٦) ثنا وكيع، ثنا سُفْيَان، عن سَلَمَة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عن وائل بن حجر، قال: سمعت النبي ﷺ قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: "آمين" يمد بها صوته. -حَدَّثَنا عبد الله، حدثني أبي، ثنا عبد الرحمن قال: وقال شعبة: وخفض بها صوته. والحديث رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: التأمين وراء الإمام - (١/ ٢٤٦ / ح ٩٣٢). والترمذي في سننه، أبواب الصلاة، باب: ما جاء في التأمين (٢/ ٢٧ / ح ٢٤٨، ٢٤٩) وقال أبو عيسى: حديث وائل بن حجر حديث حسن. ورواه النسائي في كتاب الافتتاح، باب: قول المأموم إذا عطس خلف الإمام (٢/ ١٤٥) وله في الكبرى (٩١٤). وابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الجهر بآمين (١/ ٢٧٨ / ح ٨٥٥) وكتاب الأدب، باب: فضل الحامدين (٢/ ١٢٤٩ / ح ٣٨٠٢). ورواه الدارمي أيضًا (١٢٥٠)، والدارقطني (١/ ٣٣٤، ٣٣٥). وقال أبو عيسى: وسمعت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح من حديث شعبة في هذا، وأخطأ شعبة في مواضع من هذا الحديث، فقال عن حجر أبي العنبس، وإنما هو حجر بن عنبس ويكنى أبا السكن، وزاد فيه عن علقمة بن وائل، وليس فيه عن علقمة، وإنما هو: عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر، وقال: وخفض بها صوته، وإنما هي ومد بها صوته. قال الحافظ في التلخيص الحبير: حديث وائل بن حجر: صليت خلف النبي، ﷺ، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: "آمين" ومد بها صوته، الترمذي، وأبو داود والدارقطني وابن حبان، من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس، عنه، وفي رواية أبي داود، ورفع بها صوته، وسنده صحيح وصححه الدارقطني، وأعله ابن القطان، بحجر بن عنبس، وأنه لا يعرف، وأخطأ في ذلك، بل هو ثقة معروف، قيل: له صحبة، ووثقه يحيى بن معين وغيره، وتصحف اسم أبيه علي بن حزم، فقال فيه: حجر بن قيس، وهو مجهول، وهذا غير مقبول منه، ورواه ابن ماجة من طريق أخرى، عن عبد الجبار بن وائل، عن أبيه، قال: صليت مع النبي، ﷺ، فلما قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال "آمين" فسمعناها منه ورواه أحمد والدارقطني من هذا الوجه بلفظ "مد بها صوته" = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "ذلك".
[ ١ / ٢٢٩ ]
الترمذي: هذا حديث حسن. وروي عن علي وابن مسعود وغيرهم (^١٧٥).
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ إذا تلا ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: "آمين"، حتى يسمع من يليه من الصف الأوّل. رواه أبو داود وابن ماجة وزاد
_________________
(١) = قال الترمذي في جامعه: رواه شعبة عن سلمة بن كهيل، فأدخل بين حجر، ووائل، علقمة بن وائل، فقال: "وخفض بها صوته" قال: وسمت محمدًا يقول: حديث سفيان أصح، وأخطأ فيه شعبة في مواضع، قال: عن حجر أبي العنبس، إنما هو أبو السكن، وزاد فيه علقمة وليس فيه علقمة، وقال: "خفض بها صوته" وإنما هو "ومد بها صوته" وكذا قال أبو زرعة. قال الترمذي: وروى العلاء بن صالح، عن سلمة نحو رواية سفيان، وقال أبو بكر الأثرم: اضطرب فيه شعبة، في إسناده ومتنه، ورواه سفيان فضبطه، ولم يضطرب في إسناده ولا في متنه. وقال الدارقطني: يقال: وهم فيه شعبة، وقد تابع سفيان، محمد بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، وقال ابن القطان: اختلف شعبة، وسفيان فيه، فقال شعبة: خفض، وقال الثوري: رفع، وقال شعبة: حجر أبي العنبس، وقال الثوري: حجر بن عنبس، وصوب البخاري، وأبو زرعة، قول الثوري، وما أدري لِمَ لمْ يصوبا القولين حتى يكون حجر بن عنبس هو أبو العنبس؟ قلت: وبهذا جزم ابن حبان في الثقات، أن كنيته كاسم أبيه، ولكن قال البخاري: إن كنيته أبو السكن، ولا مانع أن يكون له كنيتان، قال: واختلفا أيضًا في شيء آخر، فالثوري يقول: حجر، عن وائل، وشعبة يقول: حجر، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، قلت: لم يقف ابن القطان على ما رواه أبو مسلم الكجي في سننه: حدثنا عمرو بن مرزوق، ثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن حجر، عن علقمة بن وائل، عن وائل، قال: وقد سمعه حجر من وائل قال: صلى النبي، ﷺ فذكر الحديث، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة، عن سلمة، سمعت حجرًا أبا العنبس، سمعت علقمة بن وائل، عن وائل، قال: وسمعته من وائل، فبهذا تنتفي وجوه الاضطراب عن هذا الحديث، وما بقي إلا التعارض الواقع بين شعبة، وسفيان فيه في الرفع والخفض، وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة، فلذلك جزم النقاد بأن روايته أصح، والله أعلم. (تنبيه) احتج الرافعي بحديث وائل على استحباب الجهر بآمين، وقال في أماليه: يجوز حمله على أنه تكلم بها على لغة المد، دون القصر من جهة اللفظ، ولكن رواية من قال: رفع صوته، تبعد هذا الاحتمال، ولهذا قال الترمذي عقبه: وبه يقول غير واحد، يرون أنه يرفع صوته. (فائدة) قال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عن حديث، حدثناه أحمد بن عثمان بن حكيم، ثنا بكر بن عبد الرحمن، عن عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن سلمة بن كهيل، عن حجية بن عدي، عن علي: أنه سمع النبي، ﷺ يقول: "آمين" حين يفرغ من قراءة فاتحة الكتاب، فقال: هذا عندي خطأ، إنما هو حجر بن عنبس، عن وائل، وهذا من ابن أبي ليلى فإنه كان سيئ الحفظ، قلت: وروى المطلب بن زياد، عن ابن أبي ليلى أيضًا، عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن علي نحوه، فقال: هذا خطأ.
(٢) - حديث علي رواه ابن ماجه (٨٥٤)، وابن أبي حاتم في العلل (١/ ٢٥١)، وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف، وفيه مقال، وابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن ضعفه الجمهور، وله شاهد من حديث وائل بن حجر .. ا هـ. =
[ ١ / ٢٣٠ ]
فيه [¬١]: يرتج بها المسجد (^١٧٦). والدارقطني وقال: هذا إسناد حسن.
وعن بلال أنه قال: يا رسول الله؛ لا تسبقني بآمين. رواه أبو داود (^١٧٧).
[ونقل أبو نصر القشيري عن الحسن وجعفر الصادق، أنهما شدّدا الميم من آمين مثل ﴿آمِّينَ الْبَيتَ الْحَرَامَ﴾] [¬٢]. قال أصحابنا وغيرهم: ويستحب ذلك لمن هو خارج الصلاة، ويتأكد في حق المصلي، وسواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا وفي جميع الأحوال؛ لما جاء في الصحيحين (^١٧٨) عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا أمّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
ولمسلم أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين والملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدّم من ذنبه" (^١٧٩).
[قيل بمعني من وافق تأمينه تأمين الملاثكة في الزمان، وقيل: في الإجابة، وقيل: في صفة الإخلاص] [¬٣].
وفي صحيح مسلم (^١٨٠) عن أبي موسى مرفوعًا: "إذا [¬٤] قال -يعني- الإمام: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين، يجبكم [¬٥] الله".
_________________
(١) = وقال أبو حاتم: هذا عندي خطأ إنما هو سلمة، عن حجر أبي العنبس، عن وائل بن حجر، عن النبي، ﷺ، ثم قال أبو حاتم: كان ابن أبي ليلي سيئ الحفظ.
(٢) - رواه أبو داود الصلاة، باب: التأمين وراء الإمام برقم (٩٣٤)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الجهر بآمين برقم (٨٥٣)، وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣)، وأبو يعلى (١١/ ٦٢٢٠)، وقال البوصيري (١/ ٢٩٦): هذا إسناد ضعيف، أبو عبد الله لا يعرف حاله، وبشر ضعفه أحمد، وقال ابن حبان: روي الموضوعات ..
(٣) - منقطع رواه أبو داود في الصلاة، باب: التأمين وراء الإمام برقم (٩٣٧)، ورواه أحمد ٢٣٩٩٠ - (٦/ ١٢)، وابن خزيمة (١/ ٥٧٣).
(٤) - رواه البخاري في الأذان برقم (٧٨٠)، وأطرافه (٧٨١، ٧٨٢، ٤٤٧٥، ٦٤٠٢) ومسلم في الصلاة برقم (٤١٠).
(٥) - رواه مسلم في الصلاة برقم ٧٤ - (٤١٠).
(٦) - رواه مسلم ٦٢ - (٤٠٤)، وأبو داود (٩٧٢)، وأحمد برقم ١٩٦٤٩ - (٤/ ٤٠١). [¬١] سقط من ز. [¬٢] سقط من ز. [¬٣] سقط من ز. [¬٤] في ز: وإذا. [¬٥] في ز: يحبكم.
[ ١ / ٢٣١ ]
وقال جويبر [¬١]: عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قلت: يا رسول الله، ما معنى آمين؟ قال: "رب افعل" (^١٨١).
[وقال الجوهري: معنى آمين: كذلك فليكن.
وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. وقال الأكثرون: معناه اللَّهم، استجب لنا.
وحكي القرطبي (^١٨٢) عن مجاهد وجعفر الصادق وهلال بن يساف أن آمين اسم من أسماء الله تعالى.
وروي عن ابن عباس مرفوعًا ولا يصح، قاله أبو بكر بن العربي المالكي] [¬٢].
وقال أصحاب مالك: لا يؤمّن الإمام ويؤمّن المأموم؛ لما رواه مالك عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: ["وإذا قال -يعني الإمام-: ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين" (^١٨٣). الحديث] [¬٣].
واستأنسوا أيضًا بحديث أبي موسى عند مسلم: "وإذا قرأ ﴿ولا الضالين﴾ فقولوا: آمين".
وقد قدّمنا في المتفق عليه "إذا أمّن الإمام فأمّنوا"، وأنه ﵊ كان يؤمّن إذا قرأ ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
وقد اختلف أصحابنا في الجهر بالتأمين للمأموم في الجهرية، وحاصل الخلاف أنّ الإمام إن نسي التأمين جهر المأموم به قولا واحدًا، وإن أمّن الإمام جهرًا فالجديد أنه لا يجهر المأموم، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن مالك؛ لأنه ذكرٌ من الأذكار فلا يجهر به كسائر أذكار الصلاة. والقديم أنه يجهر به وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والرواية الأخرى عن مالك لما تقدّم: "حتى يرتج المسجد".
ولنا قول آخر ثالث: أنه إن كان المسجد صغيرًا لم يجهر المأموم؛ لأنهم يسمعون قراءة الإمام،
_________________
(١) - جويبر هالك، والضحاك: قيل: لم يسمع من ابن عباس. ورواه الثعلبي في تفسيره كما في الدر المنثور (١/ ٤٥) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس مثله، وهو ضعيف جدًّا؛ لأن الكلبي تالف.
(٢) - تفسير القرطبي (١٢٨١١).
(٣) - الموطأ (١/ ٨٧)، ورواه البخاري في صحيحه برقم (٧٩٦)، ومسلم في صحيحه برقم (٤٠٩) من طريق مالك، به. [¬١]- في ز: جوهر. [¬٢] سقط من ز. [¬٣]- بياض في ز، وقال الناسخ: كذا بالأصل.
[ ١ / ٢٣٢ ]
وإن كان كبيرًا جهر ليبلغ التأمين من في أرجاء المسجد، والله أعلم.
وقد روي الإمام أحمد في مسنده عن عائشة (^١٨٤) ﵂ أن رسول الله ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال: "إنهم لن [¬١] يحسدونا عيي شيء كما يحسدونا علي الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلي القبلة التي هدانا الله لها [¬٢] وضلوا عنها، وعلي قولنا خلف الإمام: آمين".
ورواه ابن ماجة (^١٨٥)، ولفظه: "ما حسدتكم اليهود علي شيء ما حسدتكم علي السلام والتأمين".
وله عن ابن عباس (^١٨٦) أن رسول الله ﷺ قال: "ما حسدتكم اليهود علي شيء ما حسدتكم على قول: آمين، فأكثروا من قول: آمين". وفي إسناده طلحة بن عمرو، وهو ضعيف.
وروي ابن مردويه عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "آمين: خاتم رب العالمين علي عباده المؤمنين" (^١٨٧).
وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت آمين في الصلاة وعند الدعاء، لم يعط أحد قبلي إلا أن يكون موسى، كان موسى يدعو وهارون يؤمّن، فاختموا الدعاء بآمين، فإنّ الله يستجيبه لكم" (^١٨٨).
_________________
(١) - المسند (٦/ ١٣٥)، والبيهقي (٢/ ٥٦) مطولًا، والبخاري في التارسخ (١/ ١/ ٢٢) مختصرًا.
(٢) - رواه ابن ماجة برقم (٨٥٦) من طريق حماد بن سلمة، عن سهيل، عن أبي صالح، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٩٧): "هذا إسناد صحيح احتج مسلم بجميع رواته".
(٣) - رواه ابن ماجة برقم (٨٥٧) من طريق يزيد بن صبيح، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا. وقال البوصيري (١/ ٢٩٨): هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف طلحة بن عمرو.
(٤) - ضعيف جدًّا، ورواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٤٤٠) من طريق مؤمل، عن أبي أمية بن يعلى عن المقبري، عن أبي هريرة به، وقال ابن عدي "لا يرويه عن أبي أمية بن يعلى -وإن كان ضعيفًا- غير مؤمل هذا". ورواه الطبراني في الدعاء (٢١٩).
(٥) - ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في "بغية الباحث ١٦٧" من طريق عبد العزيز بن أبان، ثنا زريي -مولي خالد- عن أنس بن مالك، به، وزريي بن عبد الرحمن واهٍ ضعيف، وعبد العزيز بن أبان متروك؛ إلا أنه توبع من حرمي بن عمارة، وعبد الصمد بن عبد الوارث- كلاهما عن زريي، رواه ابن خزيمة (١٥٨٦). [¬١]- في ز: لم. [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٣٣ ]
(قلت): ومن هنا نزع بعضهم في الدلالة بهذه الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَال قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. فذكر الدعاء عن موسى وحده، ومن سياق الكلام ما يدل على أنّ هارون أمّن، فنزل منزلة من دعا، لقوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ فدلَّ ذلك علي أن من أمّن على دعاء فكأنما قاله، فلهذا قال من قال: إنّ المأموم لا يقرأ؛ لأنّ تأمينه على قراءة الفاتحة بمنزلة قراءتها، [ولهذا جاء في الحديث: "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة" [رواه أحمد في مسنده] [¬١]، وكان بلال يقول: لا تسبقني بآمين [يا رسول الله؛] [¬٢] فدل هذا المنزع على أن المأموم لا قراءة عليه في الجهرية، والله أعلم] [¬٣].
ولهذا قال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن محمد بن سلام، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب، عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: "إذا قال الإمام: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، كوافق آمين أهل الارض آمين أهل السماء، غفر الله للعبد ما تقدّم من ذنبه، ومثل من لا يقول: آمين، كمثل رجل غزا مع قوم، فاقترعوا فخرجت سهامهم، ولم يخرج سهمه، فقال: لِمَ لم يخرج سهمي؟ فقيل: إنك لم تقل آمين" (^١٨٩).
_________________
(١) - إسناده ضعيف، ورواه أبو يعلى في مسنده ٦٤١١ - (١١/ ٢٩٦) عن أبي خيثمة، عن جرير، به، وليث ابن أبي سليم ضعيف، وقال السيوطي في الدر المنثور: إسناده جيد. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٢٣٤ ]