قال السدي: فيما ذكر عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن
مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله ومسلم: أنه كان لا يولد لآدم مولود إلا
ولد ومعه [¬٤] جارية، فكان يزوّج غلام هذا البطن جارية هذا البطن الآخر، ويزوج جارية هذا
البطن غلام هذا البطن الآخر، حتى ولد له ابنان يقال لهما: [هابيل وقابيل]، وكان قابيل
فيحب زرع، وكان هابيل صاحب ضرع، وكان قابيل أكبرهما، وكان له أخت أحسن من
أخت هابيل، وأن هابيل طلب أن ينكح أخت قابيل فأبى عليه، وقال: هي أختي ولدت معي، وهي أحسن من أختك، وأنا أحق أن أتزوّج بها. فأمره أبوه أن يزوّجها هابيل فأبى، وأنهما قرّبا قربانًا إلى الله ﷿ أيهما أحق بالجارية، وكان آدم ﵇ قد غاب عنهما أتى مكة ينظر إليها، قال الله ﷿: هل تعلم أن لي بيتًا في الأرض؟ قال: اللهم لا. قال: إنّ لي بيتًا [في مكة] [¬٥] فأته. فقال آدم للسماء: احفظي رلدي بالأمانة. فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، فقال: نعم، تذهب وترجع، وتجد أهلك كما يسرك. فلما انطق آدم قربا قربانًا، وكان قابيل يفخر عليه، فقال: أنا أحق بها منك، هي أختي وأنا أكبر منك، وأنا وصي والدي. فلما قربا قرّب هابيل جذعة سمينة، وقرب قابيل حزمة سنبل، فوجد فيها سنبلة عظيمة، ففركها وأكلها [¬٦]، فنزلت النار فأكلت قربان هابيل وتركت قربان قابيل، فغضب، وقال: لأقتلنك حتى لا تنكح أختى. فقال هابيل: إنما يتقبل الله من المتقين رواه ابن جرير (^٣١٤).
_________________
(١) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٠٦، ٢٠٧) (٥/ ٢١٧) حدثني موسى بن هارون قال: حدثنى عمرو بن حماد قال: حدثنا أسباط عن السدي. . . فذكره. وإسناده حسن: أسباط بن نصر صدوق، لكنه كثير الخطأ يغرب، وشيخه السدي صدوق، لكن عابوا عليه التشيع، وهي علة غير قادحة، وأما الراوي عن أسباط وهو عمرو بن حماد القناد، فروى= [¬١]- في ز: "فكانت". [¬٢]- في ز: "ذميمة". [¬٣]- في ز: "قص". [¬٤]- في ز، خ: "معه". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "بمكة". [¬٦]- في ز: "فأكلها".
[ ٥ / ١٦١ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٣١٥): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن خثيم، قال: أقبلت مع سعيد بن جبير، فحدثني عن ابن عباس قال: نهى أن تنكح المرأة أخاها توأهما، [وأمر أن ينكحها] [¬١] غيره من إخوتها، وكان يولد له في كل [بطن رجل] [¬٢] وامرأة [فبينما هم] [¬٣] كذلك، ولد له امرأة وضيئة، وولد له أخرى قبيحة دميمة [¬٤]، فقال أخو الدميمة [¬٥]: أنكحني أختك، وأنكحك أختي. فقال [¬٦]: لا، أنا أحق بأختي. فقربا قربانًا، فتقبل من صاحب الكبش، ولم يتقبل من صاحب الزرع، فقتله. إسناد جيد.
وحدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وقوله [¬٧]: ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ فقربا قربانهما فجاء صاحب الغنم بكبش أعين أقرن أبيض، وصاحب الحرث بصبرة من طعامه [¬٨]، فقبل الله الكبش فخزنه في الجنة أربعين خريفًا، وهو الكبش [¬٩] الذي ذبحه إبراهيم ﵇. إسناد جيد (^٣١٦).
وقال ابن جرير (^٣١٧): حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن أبي
_________________
(١) = له البخاري في الأدب، ومسلم في صحيحه وأصحاب السنن. قال الحافظ في التقريب: صدوق رمي بالرفض. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٣) عن ابن مسعود عن ناس من الصحابة وعزاه لابن جرير وحده.
(٢) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٣) وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عساكر وجود إسناده.
(٣) - إسناده صحيح، وأبو سلمة هو موسى بن إسماعيل التبوذكي، ثقة ثبت روى له الجماعة، وابن خثيم روى له البخاري تعليقًا ومسلم وأصحاب السنن.
(٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٠٣،٢٠٢) (١١٧٠٥) ثم أعاده مرة أخرى في (١٠/ ٢١٣) (١١٧٢٧) بإسناده مقتصرًا على قوله: "أيم الله إن كان المقتول. . ." وأبو المغيرة القواس ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩/ الترجمة ٢٢٠٣) وقال: سئل= [¬١]- ما بين المعكوفتين في ر: "وإن نكحها". [¬٢]- ما بين المعكوفتين مكانها بياض في ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "فبينهما". [¬٤]- في ز: "ذميمة". [¬٥]- فِي ز: "الذميمة". [¬٦]- في ز: "قال". [¬٧]- في ز، خ: "قوله". [¬٨]- في ز: "طعام". [¬٩]- سقط من: خ.
[ ٥ / ١٦٢ ]
المغيرة، عن عبد الله بن عمرو [¬١]، قال: إن ابني آدم الذين قرّبا قربانا فتقبل من أحدهما، ولم يتقبل من الآخر؛ كان أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، وأنهما [¬٢] أمرا أن يقربا قربانًا، وإنّ صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها، طيبة بها نفسه، وإن صاحب الحرث قرب أشر حرثه الكردن [¬٣] والزوان، غير طيبة بها نفسه، وإن الله ﷿ تقبل قربان صاحب الغنم، ليلم يتقبل قربان [¬٤] صاحب الحرث، وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه، قال: وايم الله، إن كان المقتول لأشدّ الرجلين، ولكن منعه التحرّج أن يبسط يده [¬٥] إلى أخيه.
وقال إسماعيل بن رافع المدني القاص: بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان كان أحدهما صاحب غنم، وكان أنتج له حمل في غنمه، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل، وكان يحمله على طهره من حبه، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه، فلما أمر بالقربان قرّبه لله ﷿ فقبله الله منه، فما زال يرتع في الجنة، حتى فدي به ابن [¬٦] إبراهيم ﵇. رواه ابن جرير (^٣١٨).
وقال ابن أبي حاتم (^٣١٩): حدثنا أبي، حدثنا الأنصاري، حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن علي بن الحسين، قال: قال آدم ﵇ لهابيل وقابيل: أن ربي عهد
_________________
(١) = أبي زرعة عن اسم أبي المغيرة القواس فقال: لا أعلم أحدًا يسميه. ضعفه سليمان التيمي، ووثقه يحيى ابن معين. وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥٦٥) وبقية رجاله ثقات. وانظر ميزان الاعتدال (٦/ ٢٥٠). والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٤) ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٠٢) (٤٠٧١١) (١١٧٠٤) قال: حدثنى المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر عن هشام بن سعد عن إسماعيل بن رافع به. وإسماعيل بن رافع هو ابن رافع بن عويمر الأنصاري قال الحافظ فى التقريب: ضعيف الحفظ مات فى حدود الخمسين أى بعد المائة والراوى عنه هو هشام بن سعد المدنى قال ابن معين: ليس بذاك القوى، وفى رواية: ليس بشئ كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وضعفه فى رواية الدورى. وضعفه النسائي أيضًا وروى أبو طالب عن أحمد قال: ليس هو محكم الحديث لكن قال العجلى: جائز الحديث، حسن الحديث، وقال أبو زرعة: شيخ محله الصدق. قلت: فمثل هذا لا يصلح إلا للمتابعات والشواهد وأمّا تفرداته فضعيفة ولا شك. والله أعلم.
(٣) - إسناده ضعيف، الأنصارى هو محمد بن عبد الله بن المثنى ثقة لكن شيخه فى هذا الحديث هو القاسم بن عبد الرحمن الأنصارى ترجم له ابن أبي حاتم فى الجرح والتعديل (٧/ ١١٢ - ١١٣) ونقل= [¬١]- في ز، خ: "عمر". [¬٢]- في ز: "وإنما". [¬٣]- في ت: "الكودن". [¬٤]- سقص عن: ت. [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٦٣ ]
إليَّ أنه كائن من ذريتي من يقرب القربان، فقرَّبا قربانا، حتى تقر عيني إذا تقبل قربانكما. فقربا، وكان هابيل صاحب غنم، فقرب أكولة غنمه [¬١] خير ماله، وكان قابيل صاحب زرع فقرب مشاقة [¬٢] من زرعه، فانطلق آدم معهما، ومعهما قربانهما، فصعدا الجبل، فوضعا قربانهما، ثم جلسوا ثلاثتهم: آدم وهما، ينظران إلى القربان، فبعث الله نارًا حتى إذا كانت فوقهما؛ دنا منها عنق فاحتمل قربان هابيل، وترك قربان قابيل، فانصرفوا وعلم آدم أن قابيل مسخوط عليه، فقال: ويلك يا قابيل، ردّ عليك قربانك!! فقال قابيل: أحببته، فصليت على قربانه، ودعوت له، فتقبل قربانه، ورد على قرباني. فقال [¬٣] قابيل لهابيل: لأقتلنك وأستريح [¬٤] منك، دعا لك أبوك، فصلَّى على قربانك، فتقبل منك. وكان يتواعده بالقتل، إلى أن احتبس هابيل ذات عشية في غنمه، فقال آدم: يا قابيل، أين أخوك؟ قال: [] [¬٥] وبعثتني [¬٦] له راعيًّا لا أدرى. فقال آدم: ويلك يا قابيل، انطلق فاطلب أخاك. فقال قابيل في نفسه: الليلة أقتله. وأخذ معه حديدة، فاستقبله وهو منقلب، فقال: يا هابيل تقبل قربانك ورد على قرباني لأقتلنك. فقال هابيل: قربت أطيب مالي، وقربت أنت أخبث مالك، وإن الله لا يقبل إلا الطيب، إنما يتقبل الله من المتقين. فلما قالها غضب قابيل [¬٧] فرفع الحديدة وضربه [¬٨] بها، فقال: ويلك يا قابيل، أين أنت من الله كيف يجزيك بعملك؟ فقتله فطرحه في جوبة (*) من الأرض، وحثى عليه شيئًا من التراب [¬٩].
وروى [¬١٠] محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: أن آدم أمر ابنه قينًا أن ينكح أخته توأمة هابيل، وأمر هابيل أن ينكح أخته توأمة قين، فسلم لذلك هابيل ورضي، وأبى ذلك قين [¬١١]، وكره تكرما عن أخت هابيل، ورغب بأخته عن هابيل، وقال [¬١٢]:
_________________
(١) = عن ابن معين قوله: ليس بشيء، وعن أبي حاتم أنه قال: ضعيف الحديث مضطرب الحديث حدثنا عنه الأنصارى بحديثين باطلين أحدهما وفاة آدم ﷺ والآخر عن أبي حازم. وقال: سألت أبا زرعة عن القاسم بن عبد الرحمن الذي يروى عنه الأنصارى فقال: منكر الحديث. وقد ترجم له الذهبى فى الميزان فى موضعين: (٤/ الترجمة ٦٧٢٠، ٦٧٢٢). (*) - الجوبة: الحفرة، والمكان الوطيء فى جلدٍ، وفجوة ما بين البيوت، أو فضاء أملس بين أرضين. القاموس (٨٩). [¬١]- في خ: "غنم". [¬٢]- في ز: "مساقة". [¬٣]- في ز: "وقال". [¬٤]- في ز: "فأستريح". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "قال". [¬٦]- غير معجمة في: "ز". [¬٧]- في ز: "فأقبل". [¬٨]- في ز: "فضربه". [¬٩]- في ز: "تراب". [¬١٠]- في ز: "وقال". [¬١١]- في ز: "قينن". [¬١٢]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٦٤ ]
نحن من [¬١] ولادة الجنة، وهما من ولادة [¬٢] الأرض، وأنا أحق بأختي. ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول: كانت أخت قين من أحسن الناس، فضن [¬٣] بها على [¬٤] أخيه، وأرادها لنفسه، والله أعلم أي ذلك كان، فقال له أبوه: يا بني، [إنها لا تحل لك. فأبى قابيل أن يقبل ذلك من قول أبيه، قال له أبوه: يا بني] [¬٥]، قرب قربانًا ويقرب أخوك هابيل قربانًا فأيكما تُقُبل قربانه، فهو أحق بها. وكان قين على بذر الأرض، وكان هابيل على رعاية الماشية، فقرب قين قمحًا، وقرب هابيل أبكارًا من أبكار غنمه، وبعضهم يقول: قرب بقرة، فأرسل الله نارًا بيضاء، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قين، وبذلك كان بقبل القربان إذا قبله. رواه ابن جرير (^٣٢٠).
وروى [¬٦] العوفي عن ابن عباس قال: كان [¬٧] من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل، فبينا ابنا آدم قاعدان، إذ قالا: لو قربنا قربانًا. وكان الرجل إذا قرب قربانًا، فرضيه الله أرسل إليه نارًا فتأكله، وإنْ لم يكن رضيه الله خبت النار، فقربا قربانًا وكان أحدهما راعيًا وكان الآخر حراثًا، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها، وقرب الآخر بعض زرعه، فجاءت النار فنزلت بينهما فأكلت الشاة وتركت الزرع، وإن ابن آدم قال لأخيه: أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانًا فتقبل منك وردّ على، فلا والله لا ينظر الناس إليك [¬٨] وإليَّ وأنت خير مني. فقال: لأقتلنك. فقال له أخوه: ما ذنبي؟ إنما يتقبل الله من المتقين. رواه ابن جرير (^٣٢١).
فهذا الأثر يقتضي أن تقربب القربان كان لا عن سبب، ولا عن تدارئ [¬٩] في امرأة، كما تقدم عن جماعة ممن [¬١٠] قدم ذكرهم، وهو ظاهر القرآن ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٠٥) (١١٧١٤) بسنده إلى ابن إسحاق.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٠٣) (١١٧٠٦)، وأعاده مرة أخرى فى (١٠/ ٢٢٢) (١١٧٥٠) مقتصرًا على آخره عن ابن عباس قال: لما أكلت النار قربان ابن آدم الذى تقبل قربانه، قال الآخر لأخيه. أتمشى فى الناس وقد علموا أنك قربت إلخ. والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٨٤) ولم يعزه لغير ابن جرير. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "ولاد". [¬٣]- في ز: "فظن". [¬٤]- في ز: "عن". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "وقال". [¬٧] سقط من: ز. [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- في ز: "تدارء". [¬١٠]- في ز: "من".
[ ٥ / ١٦٥ ]
وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ فالسياق يقتضي أنه إنما غضب عليه وحسده [¬١] لقبول [¬٢] قربانه دونه.
ثم المشهور عند الجمهور أن الذي قرب الشاة هو هابيل، وأن الذي قرب الطعام هو قابيل، وأنه تقبل من هابيل شاته - حتى قال ابن عباس وغيره: أنها الكبش الذي فدي به الذبيح، وهو مناسب، والله أعلم [] [¬٣]-[ولم يتقبل من قابيل] [¬٤].
كذلك نص عليه غير واحد من السلف والخلف، وهو المشهور عن مجاهد أيضًا، ولكن روى ابن جرير عنه أنه قال: الذي قرب الزرع قابيل، وهو المتقبل منه، وهذا خلاف المشهور، ولعله لم يحفظ عنه جيدًا، والله أعلم.
ومعنى [¬٥] قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: ممن اتقى الله في فعله ذلك.
وقال ابن أبي حاتم (^٣٢٢): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن العلاء بن زبريق [¬٦]، حدثنا إسماعيل ابن عياش، حدثنى صفوان بن عمرو، عن تميم - يعني ابن مالك المقري [¬٧]- قال: سمعت أبا الدرداء يقول: [لأن أستيقن أن الله قد تقبل لي صلاة واحدة أحب إلى من الدنيا وما فيها، إن الله يقول] [¬٨]: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
وحدثنا أبي (^٣٢٣): حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي -
_________________
(١) - إسناده حسن: إبراهيم في العلاء بن زبريق، روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (م/ الترجمة ٣٧٠) عن أبيه أنه سئل عن إبراهيم بن العلاء فقال: صدوق. قلت: هذا من رسم أبي حاتم في ثقات شيوخه وإسماعيل بن عياش روايته عن الشاميين مقبولة وهذا منها فإن صفوان بن عمرو هو السكسكي الحمصي. قال الحافظ في التقريب: ثقة. وشيخ صفوان تميم بن مالك ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ١٥٥)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٤٤٤) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ١٥٦) على طريقته في توثيق المجاهيل، لكن هذا من التابعين والجرح فيهم قليل فروايته مقبولة خصوصًا في مثل معنى كلام أبي الدرداء هذا. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٤) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.
(٢) - إسناده ضعيف: عبد الله بن عمران هو الأصبهاني. روى عنه أبو حاتم الرازي ومحمد= [¬١]- في ز: "حده". [¬٢]- في خ: "لقبوله". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "كذلك". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ز: "ومنه". [¬٦]- في ز، خ: "زبر". [¬٧]- في ز: "المقراى". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٥ / ١٦٦ ]
عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون بن أبي حمزة، قال: كنت جالسًا عند أبي وائل فدخل علينا رجل، يقال له: أبو عفيف من أصحاب معاذ، فقال له [شقيق بن سلمة] [¬١]: يا أبا عفيف، ألا تحدثنا عن معاذ بن جبل. قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس في بقيع واحد، فينادي مناد أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن، لا يحتجب الله منهم، ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك، وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة، فيمرون إلى الجنة.
وقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ يقول له أخوه الرجل الصالح الذي تقبل الله قربانه لتقواه، حين تواعده أخوه بالقتل على غير ما ذنب منه إليه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ أي: لا أقابلك على صنيعك الفاسد بمثله، فأكون أنا وأنت سواء في الخطيئة ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ أي: من أن أصنع كما تريد أن تصنع، بل أصبر وأحتسب.
قال عبد الله بن عمرو (^٣٢٤): وايم الله، إن كان لأشد الرجلين، ولكن منعه التحرج. يعنى: الورع.
ولهذا ثبت في الصحيحين (^٣٢٥) عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا تواجه المسلمان بسيفِيهما، فالقاتل والمقتول في النار". قالوا يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه".
_________________
(١) = ابن أيوب روى عن أبي داود الطيالسي، وبهز بن أسد وغيرهما. قال أبو حاتم الرازي: صدوق. وهذا من رسمه في شيوخه الثقات كما سبق. وإسحاق بن سليمان الرازي روى له الجماعة، ثقة فاضل. والمغيرة هو المغيرة بن مسلم القسملي السراج. قال الحافظ في التقريب: صدوق. لكن شيخه ميمون أبو حمزة هو أبو حمزة القصاب التمار قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف وقال البخارى: ليس بالقوى عندهم. وقال النسائى: ليس بثقة وقال أبو حاتم. كئب حديثه. انظر ميزان الاعتدال (٥/ ٣٥٩) وضعفه الحافظ ابن حجر فى التقريب أيضًا وأبو عفيف صاحب معاذ لم أقف على ترجمته.
(٢) - تقدم مطولًا رقم (٣٢٨).
(٣) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الفتن، باب: إذا التقى المسلمان بسيفيهما، الحديث (٧٠٨٣)، ومسلم في الفتن باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، الحديث (٢٨٨٨ - ١٤) من حديث أبي بكرة باللفظ المذكور وفيه قصة ورواه البخارى فى الإيمان، باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ الحديث (٣١)، وفى كتاب الديات، باب: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ الحديث (٦٨٧٥)، ومسلم فى الفتن باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما الحديث (٢٨٨٨ - ١٥) بلفظ: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما" ورواه مسلم (٢٨٨٨ - ١٦) من طريق ربعى بن حراش عن أبي بكرة عن النبي= [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "سفيان بن سلمة".
[ ٥ / ١٦٧ ]
وقال الإمام أحمد (^٣٢٦): حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث بن سعد، عن عياش [بن عباس، عن بكير بن عبد الله، عن] [¬١] بُسْر بن سعيد: أن سعد بن أبي وقاص قال عند فتنة عثمان: أشهد أن رسول الله صلى الذ عليه وسلم قال: "إنها ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي". قال: أفرأيت أن دخل عليَّ بيتي، فبسط يده إليَّ ليقتلني؟ فقال [¬٢]: "كن كابن آدم".
وكذا رواه الترمذي عن قتيبة بن سعيد، وقال: هذا حديث حسن، وفي الباب عن أبي هريرة وخباب بن الأرت [¬٣] وأبي بكر وابن مسعود وأبي واقد وأبي موسى وخرشة. ورواه بعضهم عن الليث بن سعد، وزاد في الإسناد رجلًا [¬٤].
قال الحافظ ابن عساكر: الرجل هو [¬٥] حسين الأشجعي.
_________________
(١) = ﷺ قال: "إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح فهما على جرف جهنم فإذا قتل أحدهما صاحبه دخلاها جميعًا".
(٢) - رواه أحمد في مسنده (١/ ١٨٥) كالإسناد المذكور وكذا رواه الترمذى فى سننه كتاب الفتن، كتاب: ما جاء تكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، الحديث (٢١٩٤) قال: حدثنا قتيبة. . . فذكره، وإسناده صحيح على شرط مسلم كما قال الألبانى فى الإرواء (٨/ ١٠٤) ورواه أبو داود فى سننه كتاب الفتن والملاحم، باب: فى النهى عن السعى فى الفتنة الحديث (٤٢٥٧) قال: حدثنا يزيد بن خالد الرملى ثنا مفضل عن عياش عن بكير عن بُسْر عن حسين بن عبد الرحمن الأشجعى أنه سمع سعد بن أبي وقاص به فزاد فى إسناده "حسين بن عبد الرحمن الأشجعى" وقد انقلب الاسم على ابن لهيعة فقال: حدثنا بكير بن الأشج أنه سمع عبد الرحمن بن حسين حدث أنه سمع سعد بن أبي وقاص. . . فذكر الحديث، رواه أحمد فى المسند (١/ ١٦٨) والحسين بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان فى الثقات وقال الحافظ فى التقريب: مقبول والحديث صححه العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على المسند (٣/ ٢٩) من الطريقين فقال: وبُسْر بن سعيد تابعى ثقة، ثبت سماعه من سعد وكان يجالسه. كما فى التاريخ الكبير (١/ ٢/ ١٢٣/ ١٢٤) فالظاهر عندى أن الإسنادين صحيحان وأن عبد الرحمن بن حسين وبُسْر بن سعيد سمعاه من سعد - وسمعه منهما غير بن الأشج ويحتمل أن يكون فى رواية أبي داود شئ من الوهم - ويكون صوابها "عن بكير عن بسر بن سعيد وحسين بن عبد الرحمن" اهـ. وعلى فرض ألا يرتقى هذا الإسناد إلى درجة الصحة فإن له شواهد تصححه من حديث - أبي موسى، وأبى ذر وغيرهما انظر تخريجها فى الإرواء للعلامه الألبانى - حفظه الله (٢٤٥١). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "بن بكير بن بشر"، خ: "بن بكير بن بسر". [¬٢]- في ز: "قال". [¬٣]- في ز: "الأرث". [¬٤]- في ز: "رجلان". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٦٨ ]
قلت [¬١]-: وقد رواه أبو داود من طريقه فقال (^٣٢٧): حدثنا يزيد بن خالد الرملي، حدثنا المفضل، عن عياش بن عباس، عن بكير، عن بُسْر [¬٢] بن سعيد، عن حسين [¬٣] بن عبد الرحمن الأشجعي: أنه سمع سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ في هذا الحديث، قال: فقلت: يا رسول الله، أرأيت إن دخل بيتي، وبسط يده ليقتلني؟ قال: فقال رسول الله ﷺ: "كن كابن آدم" وتلا يزيد [¬٤] ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾.
قال أيوب السختياني: إن أول من أخذ بهذه الآية من هذه الأمة ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾ لعثمان بن عفان ﵁. رواه ابن أبي حاتم.
وقال الإمام أحمد (^٣٢٨): حدثنا [] [¬٥] مرحوم، حدثني أبو عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، قال: ركب النبي ﷺ حمارًا وأردفني خلفه وقال: "يا أبا ذر، أرأيت إن أصاب الناس جوع شديد، لا تستطيع [¬٦]، أن تقوم [¬٧]، من فراشك إلى مسجدك كيف كصنع؟ " قال: الله ورسوله أعلم. [قال: "تعفف". قال: "يا أبا ذو، أرأيت إن أصاب الناس موت شديد، يكون البيت فيه بالعبد - يعني القبر - كيف كصنع؟ " قلت: الله ورسوله أعلم] [¬٨]. قال: "اصبر". قال: "يا أبا ذر، أرأيت إن
_________________
(١) - سنن أبي داود كتاب الفتن، باب؛ في النهي عن السعي في الفتنة، الحديث (٤٢٥٧)، وانظر السابق.
(٢) - رواه في مسنده (٥/ ١٤٩)، رواه أيضًا في (٥/ ١٦٣) من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد العمي ثنا أبو عمران الجوني به، وزاد في أوله: "يا أبا ذر، صل الصلاة لوقتها، وان جئت وقد صلى الإمام كنت قد أحرزت صلاتك قبل ذلك وإن جئت ولم يصل صليت معه وكانت صلاتك لك نافلة وكنت قد أحرزت صلاتك. يا أبا ذر! أرأيت إنِ الناس جاعوا حتى لا تبلغ مسجدك من الجهد … " فدكر الحديث بنحوه وإسناده صحيح رجاله ثقات، ورواه أبو داود في الفتن والملاحم، باب في النهي عن السعي في الفتنة حديث (٤٢٦١) وابن ماجه كتاب الفتن، باب التثبت في الفتنة حديث (٣٩٥٨) والمزي في تهذيب الكمال (٩/ ٢٨ - ١٠) من طريق حماد بن زيد عن أبي عمران الجوني عن المشعث = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "بشر". [¬٣]- في ز: "سعيد". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: "ابن". [¬٦]- في ز: "يستطيع". [¬٧]- في ز: "يقوم". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٦٩ ]
قتل الناس بعضهم بعضا - يعني حتى تغرق حجارة الزيت، من الدماء - كيف تصنع؟ ". قال: الله ورسوله أعلم. قال: "اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك". قال: فإن لم أترك؟ قال: "فأْت من أنت منهم فكن منهم". قال: فآحذ سلاحي؟ قال: "فإذًا [¬١] تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إذا [¬٢] خشيت أن يروعك [¬٣] شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك كي [¬٤] يبوء بإثمه وإثمك".
ورواه مسلم وأهل السنن سوى النسائي من طرق، عن أبي عمران الجوني، عن عبد الله بن الصامت به. ورواه أبو داود وابن ماجة من طريق حماد بن زيد، عن أبي عمران، عن المشعث [¬٥] بن طريف، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر بنحوه.
قال أبو داود: ولم يذكر المشعث [¬٦] في هذا الحديث غير حماد بن زيد.
وقال ابن مردويه (^٣٢٩): حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا قبيصة بن عقبة، حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعي، قال: كنا في جنازة حذيفة، فسمعت رجلًا يقول: [سمعت هذا يقول] [¬٧] في ناس مما سمعت من رسول الله صلى الله
_________________
(١) = ابن طريف عن عبد الله بن الصامت … فذكر الحديث، واختصره أبو داود في كتاب الحدود، باب: في قطع النباش، حديث (٤٤٠٩) بإسناده والمشعث بن طريف لم يرو عنه إلا أبو عمران الجوني لكن ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٢٤) وقال صالح بن محمد الأسدي الحافظ: كان قاضي هراة ولا يعرف بخراسان قاض أقدم منه إلا يحيى بن يعمر ومشعث جليل لا يعرف في قضاة خراسان أجل منه. والجزء الأول المتعلق بتأخير الصلاة الذي رواه أحمد في مسنده من الطريق الثاني رواه مسلم في صحيحه كتاب المساجد، باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار، وما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام حديث (٦٤٨) وأبو داود في الصلاة باب: إذا أخر الإمام الصلاة عن وقتها، حديث (٤٣١)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام، الحديث (١٧٦)، والنسائي كتاب الإمامة، باب الصلاة مع أئمة الجور (٢/ ٧٥)، وفي باب إعادة الصلاة بعد ذهاب وقتها مع الجماعة (٢/ ١١٣) وابن خزيمة رقم (١٦٣٧)، (١٦٣٩) من طرق عن عبد الله بن الصامت، به.
(٢) - إسناده رجاله ثقات؛ محمد بن علي بن دحيم أبو جعفر ثقة ترجمته في سير أعلام النبلاء (١٦/ ٣٦ - ٣٧) وشيخه أحمد بن خازم الإمام الحافظ المعروف بابن أبي غرزة ترجمته في السير أيضًا = [¬١]- في ز: "إذًا". [¬٢]- في ز: "إن". [¬٣]- في ز: "يردعك". [¬٤]- غير واضحة في ز. [¬٥]- في ز، خ: "الشعث". [¬٦]- في ز، خ: "الشعث". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٥ / ١٧٠ ]
عليه وسلم: "لئن اقتتلتم لأنظرن إلى أقصى بيت في داري فَلأَلِجَنَّه، فلئن دخل علي [فلان لأقولن] [¬١]-: ها بؤ بإثمي وإثمك، فأكون كخير ابني آدم".
وقوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾. قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي في قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أي: بإثم قتلي، وإثمك الذي عليك قبل ذلك. قاله ابن جرير (^٣٣٠).
وقال آخرون: يعني بذلك إني أريد أن تبوء بخطئتي فتتحمل وزرها، وإثمك في قتلك إياي. وهذا قول وجدته عن مجاهد وأخشى أن يكون غلطًا؛ لاُن الصحيح من الرواية عنه خلافه. يعني ما رواه سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [قال: بقتلك إياي] [¬٢]، ﴿وَإِثْمِكَ﴾ قال: بما كان منك قبل ذلك.
وكذا روي [¬٣] عيسى بن أبي نجيح، عن مجاهد مثله (^٣٣١). وروي شبل، عن ابن أبي نجيح [¬٤]، عن مجاهد ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ يقول: إني أريد أن يكون عليك خطيئتي ودمي. فتبوء [¬٥] بهما جميعًا (^٣٣٢).
_________________
(١) = (١٣/ ٢٣٩)، وبقية رجاله ثقات أيضًا. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٦) ولم يعزه لغير ابن مردويه.
(٢) - تفسير الطبري (١٠/ ٢١٥ - ٢١٦)، وانظر الدر المنثور (٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦).
(٣) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢١٥ - ٢١٦) (١١٧٣٤) قال: حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز عن سفيان عن منصور به. ورواه في (١٠/ ٢١٥) (١١٧٣٣) من طريق أبي عاصم قال: حدثنا عيسى عن ابن أبي بجيح عن مجاهد به وإسنادهما صحيح وعيسى هو ابن ميمون الجرشي، قال الحافظ في التقريب: "ثقة" وقد رواه شبل بن عباد المكي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد باللفظ الذي ذكره المصنف بعد هذا مباشرة وصوب ابن جرير الرواية الأولى عن مجاهد فلعل الوهم يكون من الراوي عن شبل بن عباد على ما سيأتي في الله بعد هذا.
(٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢١٦) (١١٧٣٦) قال: حدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح به. وأبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي قال الحافظ في "التقريب": صدوق سيئ الحفظ وكان يصحف حديثه عن البخاري في المتابعات" قلت: ومع ذلك فقد خالفه عيسى بن ميمون فرواه عن ابن أبي نجيح عن مجاهد على النحو السابق، وتالعه سفيان فرواه عن منصور عن مجاهد مثل رواية عيسى. والله أعلم وانظر السابق. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "فلأقولن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ت: "رواه". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "فبؤ".
[ ٥ / ١٧١ ]
(قلت): وقد يتوهم كثير من الناس هذا القول، ويذكرون في ذلك حديثًا لا أصل له: "ما ترك القاتل على المقتول من ذنب" (^٣٣٣). وقد روي الحافظ أبو بكر البزار حديثًا يشبه هذا، ولكن ليس به، فقال:
حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثنا يعقوب بن عبد الله، حدثنا عتبة بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: "قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه" (^٣٣٤).
وهذا بهذا لا يصح، ولو صح فمعناه: أن الله يكفر عن المقتول بألم القتل ذنوبه، فأما أن يتحمل [¬١]- على القاتل فلا، ولكن قد يتفق هذا في بعض الأشخاص، وهو الغالب، فإن المقتول يطالب الفاتل في العرصات، فيؤخذ له من حسناته بقدر مظلمته، فإن نفذت [¬٢] ولم يستوف حقه، أخذ من سيئات المقتول فطرحت على القاتل، فربما لا يبقي على المقتول خطيئة إلا وضعت على القاتل، وقد صح الحديث بذلك عن رسول الله ﷺ في المظالم كلها (^٣٣٥)، والقتل من أعظمها وأشدها، والله أعلم.
وأما ابن جرير فقال [¬٣]: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن تأويله: إني أريد أن
_________________
(١) - انظر تخريجه في "قصص الأنبياء" للمصنف - بتحقيقنا - قصة آدم.
(٢) - رواه البزار في "مسنده" كما في كشف الأستار (٢/ ٢١٤) (١٥٤٥)، وقال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه، ولا نعلم أسنده إلا يعقوب. وعزاه العجلوني في كشف الخفاء (٢/ ١٦٥) لأبي نعيم والديلمي، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٦٩) وقال: رواه البزار .. ورجاله ثقات. قلت: يعقوب بن عبد الله هو أبو الحسن القمي الذي يروي عن عنبسة بن سعيد بن الضريس قاضي الري صدوق وثقه الطبراني، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في الثقات، لكن قال الدارقطني: ليس بالقوي. وقد ذكره الذهبي في كتابه "من تكلم فيه وهو موثق" وقال: صالح الحديث. والحديث له شاهد من حديث أبي هريرة رواه البزار في مسنده كما في كشف الأستار (١٥٤٤) بلفظ "قتل الرجل صبرًا كفارة لما قبله من الذنوب" وإسناده ضعيف جدًّا، فيه متروك كما في الزوئد (٦/ ٢٦٩). لكن حديث عائشة حسنه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٤٢٣٦).
(٣) - ورد معنى ذلك من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: أتدرون من المفلس؟ .. الحديث رواه مسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، الحديث (٢٥٨١) والترمذي في صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الحساب والقصاص الحديث (٢٤١٨)، وأحمد (٢/ ٣٠٣، ٣٣٤، ٣٧١) وابن حبان (٤٤١١)، والبيهقي (٦/ ٩٣)، والبغوي (٤١٦٤). [¬١]- في ت: "تحمل". [¬٢]- في ز: "فقدت". [¬٣]- في ز: "قال".
[ ٥ / ١٧٢ ]
تنصرف بخطيئتك في قتلك إياي، وذلك هو معنى قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾، [وأمّا معنى] [¬١] وإثمك [¬٢] ": فهو إثمه بغير [¬٣] قتله، وذلك - معصية الله ﷿ في أعمال سواه.
وإنما قلنا ذلك هو الصواب؛ لإِجماع أهل التأويل عليه، وأن الله ﷿ أخبرنا أن كل عامل فجزاء عمله له أو عليه، وإذا كان هذاء حكمه في خلقه، فغير جائز أن تكون آثام المقتول مأخوذًا بها القاتل، وإنما يؤخذ القاتل بإثمه بالقتل المحرّم، وسائر آثام معاصيه التي ارتكبها بنفسه، دون ما ركبه قتيله (^٣٣٦).
هذا لفظه، ثم أورد [على هذا] [¬٤] سؤالًا حاصله: كيف أراد هابيل أن يكون على أخيه قابيل إثم قتله وإثم نفسه، مع أن قتله له محرّم؟ وأجاب بما حاصله: أن هابيل أخبر عن نفسه بأنه لا يقاتل أخاه إن قاتله، بل يكف [عنه يده] [¬٥]، طالبًا ان وقع كمل أن يكون من أخيه، لا منه.
قلت: وهذا الكلام متضمن موعظة له لو اتعظ، وزجرًا له لو انزجر، ولهذا قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [أي: تتحمل إثمي وإثمك] [¬٦] ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾.
و[¬٧] قال ابن عباس: خوّفه بالنار [¬٨] فلم ينته ولم ينزجر.
وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ أي: فحسَّنت وسوَّلت له نفسه، وشجعته على قتل أخيه فقتله، أي: بعد هذه الموعظة [¬٩] وهذا الزجر.
و[¬١٠] قد تقدم في الرواية عن أبي جعفر الباقر - وهو محمد بن علي بن الحسين - أنه قتله بحديدة في يده (^٣٣٧).
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٢١٧).
(٢) - تقدم رقم (٣٣٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢] سقط من: ز. [¬٣] في ز: "يعني". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "يده عنه". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧] سقط من: ز. [¬٨]- في ز: "النار". [¬٩] سقط من: خ. [¬١٠]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٧٣ ]
وقال السدي: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة عن عبد الله، وعن ناس من أصحاب النبي ﵌: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾ فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رءوس الجبال، فأتاه يومًا من الأيام وهو يرعي غنمًا له وهو نائم، فرفع صخرة، فشدخ بها رأسه، فمات، فتركه بالعراء. رواه ابن جرير (^٣٣٨).
وعن بعض أهل الكتاب: أنه قتله خنقًا وعضًّا كما تقتل السباع. وقال ابن جرير: لما أراد أن يقتله جعل يلوي عنقه، فأخذ إبليس دابة، فوضع [¬١] رأسها على حجر، ثم أخذ حجرًا آخر فضرب به رأسها حتى قتلها وابن آدم ينظر، ففعل بأخيه مثل ذلك. رواه ابن أبي حاتم (^٣٣٩).
وقال عبد الله بن وهب: عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: أخذ برأسه ليقتله، فاضطجع له، وجعل يغمز رأسه وعظامه، ولا يدري كيف يقتله، فجاءه إبليس فقال: أتريد أن تقتله؟ قال: نعم. قال: فخذ هذه الصخرة فاطرحها على رأسه. قال: فأخذها فألقاها عليه فشدخ رأسه، ثم جاء إبليس إلى حوّاء مسرعًا، فقال: يا حوّاء، إن قابيل قتل هابيل. فقالت له: ويحك، و[¬٢] أي شيء يكون القتل؟ قال: لا يأكل ولا يشرب ولا يتحرّك. قالت: ذلك الموت. قال: فهو الموت. فجعلت تصيح، حتى دخل عليها آدم وهي تصيح، فقال: ما لك؟ فلم تكلمه، فرجع إليها مرّتين فلم تكلمه، فقال: عليك الصيحة، وعلى بناتك، وأنا وابني منها برآء. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، وأي خسارة أعظم من هذه، وقد قال الإِمام أحمد (^٣٤٠): حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقتل نفس ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه كان أول من سنّ القتل".
_________________
(١) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٢١ - ٢٢٢) (١١٧٤٦)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٧) ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٢) (١١٧٤٨) من طريق الحجاج بن محمد المصيصي عن ابن جريج به، ورواه أيضًا برقم (١١٧٤٧) نحوه مختصرًا وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٨) باللفظ المختصر وعزاه إلى ابن أبي حاتم وابن جرير.
(٣) - صحيح، "المسند" (١/ ٣٨٣)، ورواه أحمد (١/ ٤٣٣) ثنا وكيع، و(١/ ٤٣٠) ثنا يحيي - وهو ابن سعيد - كلاهما (وكيع، ويحيي) عن سفيان وهو الثوري - عن الأعمش، به. = [¬١]- في ت: "ووضع". [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٧٤ ]
وقد أخرجه الجماعة سوى أبي داود من طرق عن الأعمش به.
وقال ابن جرير (^٣٤١) حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ، [إلى يوم القيامة] [¬١] ووجهه في الشمس حيثما دارت دار عليه في الصيف حظيرة من نار، وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج. قال: وقال عبد الله بن عمرو: و[¬٢] إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم.
وقال ابن جرير (^٣٤٢): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، أنه حدث عن عبد الله بن عمرو، أنه كان يقول: إن أشقى أهل النار رجلًا، ابنُ آدم الذي قتل أخاه، ما سفك دم في الأرض منذ قتل أخاه إلى يوم القيامة، إلا لحق به منه شر؛ وذلك أنه أول من سنّ القتل.
وقال إبراهيم النخعي: ما من مقتول يقتل ظلمًا، إلا كان على ابن آدم الأول والشيطان كفلٌ منه. رواه ابن جرير أيضًا (^٣٤٣).
وقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾.
_________________
(١) = وانظر: "أطراف المسند" لابن حجر (٤/ ٥٧٢٣)، ثم وجدت رواية وكيع مقرونًا به أبا معاوية، عن الأعمش مباشرة عند ابن جرير في تفسيره (١٠/ ١١٧٣٨).
(٢) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢١٨) (١١٧٣٧) ورواه في (١٠/ ٢٠٤ - ٢٠٥) بنفس الإسناد وزاد فيه: "ومعه سبعة أملاك كلما ذهب ملك جاء الآخر" والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢١٩) (١١٧٤١). وفي إسناده محمد بن إسحاق وهو صدوق لكنه يدلس وقد عنعن في هذا الحديث وشيخه هو حكيم بن حكيم بن عباد بن ضيف. قال ابن سعد: كان قليل الحديث ولا يحتجون بحديثه. وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب" قال العجلي: ثقة. وصحح له الترمذي وابن خزيمة وغيرهما. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. وقال في "التقريب": صدوق. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٨) ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٤) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢١٩) (١١٧٤٠) قال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن الحسن ابن صالح عن إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم النخعي به، وإسناده رجاله ثقات غير سفيان بن وكيع شيخ ابن جرير تكلموا فيه بسبب وراقه فإنه أدخل في حدثه ما ليس منه، وقد تقدمت ترجمته. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢] سقط من: ز.
[ ٥ / ١٧٥ ]
قال السدي (^٣٤٤) بإسناده المتقدم إلى الصحابة ﵃: لما مات الغلام، تركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفن، فبعث الله غرابين أخويين فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له، ثم حثى عليه، فلما رآه قال: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾ (^٣٤٥).
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال: جاء غراب [¬١]- إلى غراب ميت، فبحث عليه من التراب حتى واراه، فقال الذي قتل أخاه: ﴿يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: مكث يحمل أخاه في جراب على عاتقه سنة، حتى بعث الله الغرابين، فرآهما يبحثان، فقال: [﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾] [¬٢] [فدفن أخاه (^٣٤٦).
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: كان يحمله على عاتقه مائة سنة ميتًا، لا يدري ما يصنع به، يحمله ويضعه إلى الأرض، حتى رأي الغراب يدفن الغراب، فقال: ﴿يَا وَيْلَتَا] [¬٣] [أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ] [¬٤] فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (^٣٤٧).
وقال عطية العوفي: لما قتله ندم، فضمه إليه حتى أروح، وعكفت عليه الطيور والسباع،
_________________
(١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٥) (١١٧٥٤) وقد تقدم الكلام على إسناده انظر رقم (٣٢٥) والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٧).
(٢) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٢٦) (١١٧٥٨). وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٩) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٣) - رواه إبن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٥) (١١٧٥٢) حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن أبي روق الهمداني عن أبيه عن الضحاك به وسفيان بن وكيع تكلموا فيه. ويحيي بن أبي روق ترجمته في الجرح والتعديل (٩/ الترجمة ٧٤٥) قال ابن معين: ليس بثقة. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٩) ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٧) (١١٧٦٢). وفي إسناده ليث بن أبي سليم وقد اختلط ولم يتميز حديثه فترك. [¬١]- في ز: "الغراب". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٥ / ١٧٦ ]
تنتظر متى يرمي به فتأكله. رواه ابن جرير (^٣٤٨).
وروى [¬١] محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول: لما قتله سقط في يده، أي: ولم يدر كيف يواريه، وذلك أنه كان - فيما يزعمون - أولَ قتيل في بني آدم، وأول ميت. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قال: وزعم أهل التوراة: أن قينًا لما قتل أخاه هابيل [¬٢]، قال له الله ﷿: يا قين [¬٣]، أين أخوك هابيل [¬٤]؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبًا. فقال الله: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض و[¬٥] الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحتْ فاها، فتلقتْ دم أخيك من يدك، فإن أنت عملت في الأرض، فإنها لا تعود تعطيك حرثها، حتى تكون فزعًا تائهًا في الأرض (^٣٤٩).
وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ قال الحسن البصري: علاه الله بندامة بعد الخسران.
فهذه أقوال المفسرين في هذه القصة، وكلهم متفقون على أن هذين ابنا آدم لصلبه، كما هو ظاهر القرآن، وكما نطق به الحديث في قوله: "إلا كان على [ابن آدم] [¬٦] الأول كفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سنّ القتل" (^٣٥٠). وهذا ظاهر جلي، و[¬٧] لكن قال ابن جرير:
حدثنا ابن [¬٨] وكيع، حدثنا سهل بن بوسف، عن عمرو، عن الحسن - هو البصري - قال: كان الرجلان اللذان في القرآن، اللذان قال الله: ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم
_________________
(١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٦) (١١٧٥٩) حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن فضيل بن مرزوق عن عطية به. وإسناده ضعيف: ابن وكيع ضعفوه لأجل وراقه السوء وفضيل بن مرزوق تكلموا فيه من قبل حفظه، وقال الحافظ في "التقريب": صدوق يهم. أما شيخ ابن وكيع فهو عبيد الله بن موسى العبسي الحافظ الثقة. والأثر: ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٩) مطولًا وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٢٨) (١١٧٦٥) بسنده الي ابن إسحاق به أطول من هذا.
(٣) - تقدم رقم (٣٥٢). [¬١]- في ز: "وقال". [¬٢]- في ز، خ: "هابل". [¬٣]- في ز: "قينا". [¬٤]- في ز، خ: "هابل". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٧٧ ]
بالحق﴾ - من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان من [¬١] بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات (^٣٥١).
وهذا غريب جدًّا، وفي إسناده نظر.
وقد قال عبد الرزاق (^٣٥٢): عن معمر، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن ابني آدم ﵇ ضربا لهذه الأمّة [¬٢] مثلًا، فخذوا بالخير منهما [¬٣] ".
ورواه ابن المبارك (^٣٥٣): عن عاصم الأحول، عن الحسن، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ضرب لكم ابني آدم مثلًا، فخذوا من خيرهم ودعوا شرهم [¬٤] ".
وكذا أرسل هذا الحديث بكر بن عبد الله المزني. روي ذلك كله ابن جرير.
وقال سالم بن أبي الجعد (^٣٥٤): لما قتل ابن آدم أخاه، مكث آدم مائة سنة حزينًا لا يضحك،
_________________
(١) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٠٨) (١١٧١٩)، وإسناده ضعيف؛ ابن وكيع ضعيف تقدمت ترجمته، وسهل هو ابن يوسف الأنماطي ثقة رمي بالقدر، وشيخه هو عمرو بن عبيد المعتزلي وهو متروك الحديث عند جمهور أهل الحديث وقد رد ذلك الحسن لمخالفته للأحاديث الواردة عن النبي ﷺ والتي تقول بأنه أول من سن القتل، ولا شك أن القتل كان قبل بني إسرائيل وانظر تفسير الطبري (١٠/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٢) - رواه في تفسيره (١/ ١٨٧) ومن طريقه ابن جرير الطبري (١٠/ ٢٣٠) (١١٧٦٨) وهو حديث مرسل ومراسيل الحسن لا يحتج بها وهاها جمع من الحفاظ، وانظر الكلام على ذلك في كتاب "المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس" تأليف الشريف حاتم بن عارف العوني (١/ ٣٠٠ وما بعدها) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٨٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد عن الحسن قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "إن ابني آدم ضربا مثلًا لهذه الأمة فخذوا بالخير منهما. ورواه ابن المبارك ومن طريقه ابن جرير (١١٧٦٩) عن عاصم عن الحسن به، وهو مرسل أيضًا، ورواه ابن جرير (١١٧٦٧) من طريق المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: قلت لبكر بن عبد الله المزني: أما بلغك أن نبي الله ﷺ قال: "إن الله جل وعز ضرب لكم ابني آدم مثلًا فخذوا خيرهما ودعوا شرهما" قال: بلي. والطرق الثلاثة مرسلة.
(٣) - تقدم في الذي قبله.
(٤) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٠٩) (١١٧٢٠) حدثنا مجاهد بن موسى حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حسام بن المصك عن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد به، وفي إسناده حسام بن مصك = [¬١]- في ز: "في". [¬٢]- في ز: "الآية". [¬٣]- في ز: "منها". [¬٤]- في ز، خ: "الشر".
[ ٥ / ١٧٨ ]
ثم أتي فقيل له: حيَّاك الله وبيَّاك. أي: أضحكك.
رواه ابن جرير، ثم قال (^٣٥٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي إسحاق الهمداني، قال: قال على بن أبي طالب، لما قتل ابن آدم آخاه بكاه آدم فقال:
تغيرت البلاد ومن عليها … فلون الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي لون وطعم … وقل بشاشة الوجه المليح
فأجيب آدم ﵊:
أبا هابيل قد قتلا جميعًا … وصار الحي كالميْت [¬١] الذبيح
وجاء بشرّةٍ قد كان منها [¬٢] … على خوف فجاء بها يصيح
والظاهر أن قابيل عوجل بالعقوبة، كما ذكره [] [¬٣] مجاهد بن جبر: أنه علقت ساقه بفخذه [إلى يوم القيامة] [¬٤]، وجعل الله وجهه إلى الشمس حيث دارت، عقوبة له وتنكيلا به (^٣٥٦)، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة: من البغي وقطيعة الرحم" (^٣٥٧). وقد اجتمع في [¬٥] فعل قابيل هذا وهذا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي
_________________
(١) = قال أحمد: مطروح الحديث. وقال يحيى بن معين: ليس حديثه بشئ، وقال أبو زرعة: واهى الحديث، منكر الحديث. وقال البخارى: ليس بالقوى عندهم وقال النسائى ضعيف. ولذلك قال الحافظ فى "التقريب": ضعيف يكاد أن يترك. والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٨٩) وزاد نسبته إلى ابن عساكر.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٠٩) (١١٧٢١) وفى إسناده غياث بن إبراهيم قال ابن حبان فى المجروحين (٢/ ٢٠٠ - ٢٠١): كان يضع الحديث على الثقات ويأتى بالمعضلات عن الأثبات، روى عن العراقيين، لا يحل كتابة حديثه إلَّا على جهة التعجب، ولا ذكر روايته إلّا مع أهل الصناعة للاعتبار والادكار.
(٣) - تقدم رقم (٣٥٣).
(٤) - سيأتي تخريجه فى سورة يونس/ آية ٢٣. [¬١]- في ز، خ: "بالميت". [¬٢]- في ز، خ: "منه". [¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ز: "ابن". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "يوم قتله". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٧٩ ]
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾
يقول تعالى: من أجل قتل ابن آدم أخاه ظلمًا وعدوانًا ﴿كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: شرعنا لهم وأعلمناهم ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: من [¬١] قتل [¬٢] [نفسًا بغير سبب من قصاص أو فساد في الأرض، واستحل قتلها بلا سبب، ولا جناية - فكأنما] [¬٣] قتل [¬٤] الناس جميعًا؛ لأنه لا فرق عنده بين نفس ونفس؛ ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: حرم قتلها واعتقد ذلك، فقد سلم الناس كلهم منه بهذا الاعتبار، ولهذا قال: ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
[وقال] [¬٥] الأعمش وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: دخلت على عثمان يوم الدار، فقلت: جئت لأنصرك، وقد طاب الضرب يا أمير المؤمنين. فقال: يا أبا هريرة: أيسرك [¬٦] أن تقتل الناس جميعًا وإياي معهم؟ قلت: لا. قال: فإنك إن قتلت رجلًا واحدًا، فكأنما [¬٧] قتلت الناس جميعًا، فانصرف مأذونًا لك، مأجورًا غير مأزورٍ. قال: فانصرفت ولم أقاتل (^٣٥٨).
_________________
(١) - رواه ابن سعد فى الطبقات (٣/ ٥١) قال: أخبرنا أبو معاوية الضرير قال: أخبرنا الأعمش … فذكره، والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٠) ولم يعزه لغير ابن سعد. [¬١]- في ز: "ومن"، وسقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "قال". [¬٦]- في ز: "أبشرك". [¬٧]- في ز: "فإنما".
[ ٥ / ١٨٠ ]
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ] [¬١] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وإحياؤها ألا يقتل نفسًا حرمها الله، فذلك الذي أحيا الناس جميعًا. يعني: أنه من حرم قتلها إلا [¬٢] بحق حيي الناس منه (^٣٥٩). وهكذا قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: كف عن قتلها (^٣٦٠).
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ يقول: من قتل نفسًا واحدة حرمها الله، فهو مثل من قتل الناس جميعًا (^٣٦١).
وقال سعيد بن جبير: من استحل دم مسلم؛ فكأنما استحل دماء الناس جميعًا، ومن حرم دم مسلم؛ فكأنما حرم دماء [¬٣] الناس جميعًا.
هذا قول، وهو الأظهر، وقال عكرمة والعوفي عن ابن عباس: من قتل نبيًّا أو إمام عدل، فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن شدّ على عضد نبي أو إمام عادل، فكأنما أحيا الناس جميعًا. رواه ابن جرير (^٣٦٢).
وقال مجاهد في رواية أخرى عنه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾؛ وذلك لأنه من قتل النفس فله النار، فهو كما لو قتل الناس جميعًا [¬٤].
قال ابن جريج، عن الأعرج، عن مجاهد فى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ من قتل النفس المؤمنة متعمدًا؛ جعل الله جزاءه جهنم، وغضب [] [¬٥] عليه ولعنه، وأعدّ له عذابًا
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٥) (١١٧٨١) وقد تقدم الكلام على رواية على بن طلحة عن ابن عباس.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٦) (١١٧٨٣) وفى إسناده سفيان بن وكيع وهو ضعيف تقدمت ترجمته.
(٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٣) (١١٧٧٢) وقد تقدم الكلام على رواية العوفى عن ابن عباس.
(٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٢ - ٢٣٣) (١١٧٧١) من طريق عكرمة عن ابن عباس به، ورواية العوفى عن ابن عباس سبق الكلام عليها. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ت: "كلهم". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "الله".
[ ٥ / ١٨١ ]
عظيمًا، يقول: لو قتل الناس جميعًا، لم يزد على مثل ذلك العذاب (^٣٦٣).
قال ابن جريج: قال مجاهد: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: من لم يقتل أحدًا فقد حَيِيَ الناس منه (^٣٦٤).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: من قتل نفسًا، فكأنما قتل الناس، يعني: فقد وجب عليه القصاص، فلا فرق بين الواحد والجماعة، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: عفا عن قاتل وليه؛ فكأنما أحيا الناس جميعًا. وحكى ذلك عن أبيه. رواه ابن جرير (^٣٦٥)، وقال مجاهد في رواية: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ أي: أنجاها من غرق أو حرق أو هلكة (^٣٦٦).
وقال الحسن وقتادة: فى قوله: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ] [¬١] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظم [¬٢] والله وزرها، وعظم [¬٣] والله أجرها (^٣٦٧).
وقال ابن المبارك، عن سلام بن مسكين، عن سليمان بن علي الربعي، قال: قلت للحسن: هذه الآية لنا يا أبا سعيد كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا (^٣٦٨).
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٥) (١١٧٧٨)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٠) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١٧٧٨) من طريق ابن جريج عنه ولفظه: "فقد استراح الناس منه" كذا فى المطبوع من تفسير الطبرى. ورواه الطبرى فى (١٠/ ٢٣٦) (١١٧٨٥) باللفظ المذكور من طريق ابن أبى نجيح عن مجاهد.
(٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٧) (١١٧٨٧) (١١٧٨٨).
(٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٨) (١١٧٩٢) وشيخه فيه سفيان بن وكيع، وتكلموا فيه لأجل وراقه السوء. وقد تقدمت ترجمته مرارًا، وبقية رجاله ثقات. والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩١) وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٥) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٢٣٩) (١١٧٩٧) عن الحسن. وقول قتادة رواه عبد الرازق فى تفسيره (١/ ١٨٨) وابن جرير رقم (١١٧٩٨)، (١١٧٩٩).
(٦) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٣٩) (١١٨٠٠) قال: حدثنى المثنى قال: حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك … فذكره، وإسناده صحيح رجاله ثقات. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ت: "عظيم". [¬٣]- في ت: "عظيم".
[ ٥ / ١٨٢ ]
وقال الحسن البصري: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: وزرًا، ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ قال: أجرًا (^٣٦٩).
وقال الإِمام أحمد (^٣٧٠): [حدثنا حسن] [¬١]، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا حيي [¬٢] بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو [¬٣]، قال: جاء حمزة بن عبد المطلب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، اجعلني على شيء أعيش به. فقال رسول الله ﷺ: "يا حمزة، نفس تحييها أحب إليك أم نفس تميتها؟ " قال: بل نفس أحييها. قال: "عليك بنفسك".
قوله [¬٤] تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا [¬٥] بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالحجج والبراهين، والدلائل الواضحة ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وهذا تقريع لهم وتوبيخ على ارتكابهم المحارم بعد علمهم بها، كما كانت بنو قريظة والنضير، وغيرهم من بني قينقاع، ممن حول المدينة من اليهود، الذين كانوا يقاتلون مع الأوس والخزرج، إذا وقعت بينهم الحروب في الجاهلية، ثم إذا وضعت الحروب أوزارها، فدوا من أسروه، وودوا من قتلوه، وقد أنكر الله عليهم ذلك في سورة البقرة حيث يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
قوله [¬٦]: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. المحاربة: هي المضادة
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٤٠) (١١٨٠٢)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩١) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) - رواه فى المسند (٢/ ١٧٥)، ورواته ثقات إلَّا ابن لهيعة فإنه ضعيف، وانظر الترغيب والترهيب ٣/ ٩٧)، مجمع الزوائد (٥/ ٢٠٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "يحيى". [¬٣]- في ت: "عمر". [¬٤]- في ز: "وقوله". [¬٥]- في ز: "رسلهم". [¬٦]- في ز: "وقوله".
[ ٥ / ١٨٣ ]
والمخالفة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض يطلق على أنواع من الشر، حتى قال كثير من السلف، منهم سعيد بن المسيب: إن قرض [¬١] الدراهم والدنانير من الإِفساد فى الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾. ثم قال بعضهم: نزلت هذه الآية [] [¬٢] في المشركين، كما قال ابن جرير (^٣٧١).
حدثنا ابن حميد، حدثنا يحيى بن واضح، حدثنا الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، والحسن البصري قالا: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى ﴿أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم من قبل أن تقدروا عليه؛ لم يكن عليه سبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد، إن قتل أو أفسد في الأرض، أو حارب الله ورسوله، ثم لحق [¬٣] بالكفار قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه الحد الذي أصاب.
ورواه أبو داود والنسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ نزلت في المشركين فمن [¬٤] تاب منهم قبل أن يقدر عليه، لم يمنعه ذلك أن يقام عليه [¬٥] الحد الذي أصابه (^٣٧٢).
_________________
(١) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٤٤) (١١٨٠٦)، وفى (١٠/ ٢٧٧ - ٢٧٨) (١١٨٧٢) وإسناده رجاله ثقات رجال مسلم إلا يزيد النحوى وهو ثقة روى له البخارى فى الأدب، وأصحاب السنن.
(٢) - رواه أبو داود (٤/ ١٣٢) كتاب الحدود، باب: ما جاء فى المحاربة، حديث (٤٣٧٢) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت، والنسائى فى كتاب تحريم الدم، باب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف ومعاوية بن صالح على يحيى بن سعيد فى هذا الحديث (٧/ ١٠١) قال: أخبرنا زكريا بن يحيى قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم. كلاهما (أحمد بن محمد، وإسحاق) عن علي بن الحسين عن أبيه عن يزيد النحوى عن عكرمة عن ابن عباس به، وإسناده رجاله ثقات إلا على بن الحسين بن واقد فقد ضعفه أبو حاتم الرازى فى الجرح والتعديل (٦/ ١٧٩) وذكره العقيلى فى الضعفاء (٣/ ٢٢٦) وروى عن البخارى أنه قال: رأينا على بن الحسين بن واقد فى سنة عشر ومائتين، وكان أبو يعقوب - يعنى إسحاق بن راهويه - سيئ الرأى فيه فى حياته لعلة الإرجاء، فتركناه، ثم كتبت عن إسحاق عنه. لكن قال النسائى: ليس به بأس. قلت: إنما تكلموا فيه لأجل الإرجاء وهو جرح غير معتبر، فالرجل لم يكن داعية، ولم ينقل أحد عنه ذلك، وقد وثقه النسائى مع تعنته فى الرجل، وروى له البخارى فى الأدب المفرد، ومسلم = [¬١]- في ت: "قبض". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "الكريمة". [¬٣]- في ز: "ألحق". [¬٤]- في ز: "فيمن". [¬٥]- في ز: "فيه".
[ ٥ / ١٨٤ ]
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس فى قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ الآية. قال: كان قوم من أهل الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ عهد وميثاق، فنقضوا العهد، وأفسدوا في الأرض، فخير الله رسوله: إن شاء أن يقتل، وإن شاء أن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف. رواه ابن جرير (^٣٧٣).
وروى شعبة، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: نزلت في الحرورية ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. رواه ابن مردويه (^٣٧٤).
والصحيح أن هذه الآية عامة في المشركين وغيرهم، ممن ارتكب هذه الصفات، كما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي قلابة - واسمه: عبد الله بن زيد الجرمي البصري - عن أنس بن مالك: أن نفرًا من عكل ثمانية، قدموا على رسول الله ﷺ، [فبايعوه على الإسلام] [¬١]، [فاستوخموا المدينة، وسقمت أجسامهم، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ذلك] [¬٢] فقال: "ألا تخرجوا [¬٣] مع راعينا في إبله، فتصيبوا من أبوالها وألبانها". فقالوا: بلى. فخرجوا، فشربوا من أبوالها، وألبانها، فصحوا [¬٤]، فقتلوا الراعي، وطردوا الإِبل، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فبعث في آثارهم؛ فأدركوا فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا (^٣٧٥).
_________________
(١) = فى مقدمة صحيحه، وأصحاب السنن فى كتبهم، فمثل هذا يحسن حديثه. والحديث حسنه الألبانى فى صحيح أبى داود (٣٦٧٥)، وفى صحيح النسائى (٣٧٧٦).
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٤٣) (١١٨٠٣)، ورواه الطبرانى فى الكبير (١٢/ ٢٥٦) (١٢٠٣٢) من طريق على بن أبى طلحة عن ابن عباس ﵄ به، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ١٨) وقال: رواه الطبرانى، وعلى بن أبى طلحة لم يدرك ابن عباس. قلت: سبق الكلام على هذا مرارًا فأغنى عن إعادته هنا.
(٣) - إسناده صحيح رجاله ثقات، ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩١) ولم يعزه لغير ابن مردويه.
(٤) - رواه مسلم فى صحيحه كتاب القسامة والمحاربين، والقصاص، والديات، باب حكم المحاربين والمرتدين - الحديث (١٠/ ١٦٧١) بهذا اللفظ. والحديث رواه البخارى فى صحيحه (٢٣٣)، وانظر أطرافه هناك من حديث أنس. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ت: "تخرجون". [¬٤]- في ز: "فنصحوا".
[ ٥ / ١٨٥ ]
لفظ مسلم، وفي لفظ لهما (^٣٧٦): من عكل أو عرينة. وفي لفظ: وألقوا في الحرة، فجعلوا [¬١] يستسقون، فلا يسقون (^٣٧٧). وفي لفظ لمسلم: ولم يحسمهم (^٣٧٨). وعند البخاري: قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله (^٣٧٩). ورواه مسلم من طريق هشيم، عن عبد العزيز بن صهيب وحميد، عن أنس، فذكره [¬٢] [نحوه، وعنده: فارتدوا [¬٣] (^٣٨٠). وقد أخرجاه من رواية قتادة، عن أنس] [¬٤] بنحوه (^٣٨١). وقال سعيد، عن قتادة: من عكل وعرينة. ورواه مسلم من طريق سليمان التيمي، عن أنس، قال: إنما سمل النبى ﷺ أعين أولئك؛ لأنهم سملوا أعين الرعاء (^٣٨٢). ورواه مسلم من حديث معاوية بن قرة، عن أنس، قال: أتى رسول الله ﷺ نفر من عرينة؛ فأسلموا وبايعوه [¬٥]، وقد وقع بالمدينة المُومُ. [وهو البرسام] [¬٦] ثم ذكر نحو حديثهم وزاد: عنده شباب من الأنصار، قريب من عشرين فارسًا، فأرسلهم وبعث معهم قائفًا يقفو [¬٧] أثرهم (^٣٨٣). وهذه كلها ألفاظ مسلم، رحمه
_________________
(١) - رواه البخارى كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، الحديث (٢٣٣)، ومسلم فى القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين الحديث (١١/ ١٦٧١)، وانظر رقم (٣٩١).
(٢) - رواه البخارى فى الوضوء حديث (٢٣٣)، وفى الحدود حديث (٦٨٠٥)، ومسلم حديث رقم (١١/ ١٦٧١) وفيه: "وألقوا فى الحرة يستسقون فلا يسقون".
(٣) - رواه مسلم فى القسامة حديث (١٢/ ١٦٧١).
(٤) - صحيح البخارى (٢٣٣).
(٥) - صحيح مسلم كتاب القسامة، باب: حكم المحاربين والمرتدين الحديث (٩/ ١٦٧١).
(٦) - رواه البخارى فى الزكاة، باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل، الحديث (١٥٠١)، وفى المغازى، باب قصة عكل وعرينة حديث (٤١٩٢)، وفى الطب، باب الدواء بأبوال الإبل الحديث (٥٦٨٦)، وباب: من خرج من أرض لا تلائمه حديث (٥٧٢٧)، ومسلم فى القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، حديث (١٦٧١/ ١٣).
(٧) - رواه مسلم فى صحيحه حديث (١٦٧١/ ١٤)، ورواه الترمذى فى أبواب الطهارة باب ما جاء فى بول ما يؤكل لحمه الحديث (٧٣)، والنسائى تحريم الدم، باب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف ومعاوية بن صالح (٧/ ١٠٠) من هذه الطريق أيضًا.
(٨) - رواه مسلم فى صحيحه حديث (١٦٧١/ ١٣). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "فذكر"، وسقط من: خ. [¬٣]- في ز: "وارتدوا". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ز: "وبايعو". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٧]- في ز، خ: "يقص".
[ ٥ / ١٨٦ ]
الله.
وقال حماد بن سلمة: حدثنا قتادة، وثابت البناني، وحميد الطويل، عن أنس بن مالك: أن ناسًا من عرينة قدموا المدينة فاجتووها، فبعثهم رسول الله ﷺ في إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها [¬١]، ففعلوا فصحوا، فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، وساقوا الإِبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فجيء بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمر أعينهم، وألقاهم في الحرة. قال أنس: فلقد رأيت أحدهم يكدم الأرض بفيه عطشًا حتى ماتوا، ونزلت ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية (^٣٨٤).
وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه وهذا لفظه. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقد رواه ابن مردويه من طرق كثيرة، عن أنس بن مالك [منها: ما رواه من طريقين، عن سلام بن أبي الصهباء، عن ثابت، عن أنس بن مالك] [¬٢] قال: ما ندمت على حديث؛ ما ندمت على حديث سألني عنه الحجاج؛ قال: أخبرني عن أشد عقوبة عاقب بها رسول الله ﷺ. قال: قلت: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة من البحرين، فشكوا إلى رسول الله ﷺ ما لقوا من بطونهم، وقد اصفرت ألوانهم، وضمرت [¬٣] بطونهم، فأمرهم رسول الله ﷺ أن يأتوا إبل الصدقة؛ فيشوبوا من أبوالها وألبانها، حتى إذا رجعت إليهم ألوانهم، وانخمصت بطونهم، عدوا [¬٤] إلى الراعي فقتلوه، واستاقوا الإِبل، فأرسل رسول الله ﷺ في آثارهم فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم ألقاهم في الرمضاء حتى ماتوا، فكان الحجاج إذا صعد المنبر يقول: إن رسول الله ﷺ قد قطع أيدي قوم وأرجلهم، ثم ألقاهم في الرمضاء، حتى
_________________
(١) - رواه أبو داود فى الحدود، باب: ما جاء فى المحاربة حديث (٤٣٦٧) والترمذى فى أبواب الطهارة باب ما جاء فى بول ما يؤكل لحمه حديث (٧٢)، وفى الأطعمة، باب: ما جاء فى شرب أبوال الإبل حديث (١٨٤٥)، وفى الطب، باب ما جاء فى شرب أبوال الإبل حديث (٢٠٤٢)، والنسائى فى تحريم الديم، باب: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حميد عن أنس بن مالك فيه. من طرق عن حماد بن سلمة عن حميد وقتادة، وثابت به، وليس فى إسناده عن النسائى ذكر (حميد). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "وضحمت". خ: "وصحمت". [¬٤]- في ت: "عمدوا".
[ ٥ / ١٨٧ ]
ماتوا لحال ذود [¬١] [من الإِبل] [¬٢]، فكان [¬٣] الحجاج [¬٤]، يحتج بهذا الحديث على الناس (^٣٨٥).
وقال ابن جرير (^٣٨٦): حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد - يعنى ابن مسلم - حدثني سعيد، عن قتادة، عن أنس قال: كانوا أربعة نفر من عرينة، وثلاثة نفر من عكل، فلما أتي بهم قطع أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم وتركهم يَتَلفَّون [¬٥] الحجارة بالحرة، فأنزل الله في ذلك: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية.
وقال ابن أبي حاتم (^٣٨٧): حدثنا على بن حرب الموصلي، حدثنا أبو مسعود - يعني: عبد الرحمن بن الحسن الزجاج - حدثنا أبو سعد [¬٦]- يعني: البقال - عن أنس بن مالك، قال: كان رهط من عرينة أتوا رسول الله ﷺ، وبهم جهد، مصفرة ألوانهم، عظيمة بطونهم، فأمرهم أن يلحقوا بالإِبل، فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا فصفت ألوانهم، وخمصت بطونهم، وسمنوا، فقتَلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، فبعث النبي ﷺ فى طلبهم، فأتي بهم، فقتل بعضهم، وسمر أعين بعضهم، وقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، ونزلت: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية.
وقال أبو جعفر بن جرير (^٣٨٨): حدثنا أبو على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا
_________________
(١) - فى إسناده سلام بن أبى الصهباء وهو ضعيف، ترجمته فى الميزان (٢/ ٣٧٠)، ولسان الميزان (٣/ ٦٧) لكن الحديث رواه البخارى فى صحيحه في الطب، باب: الدواء بألبان الإبل، حديث (٥٦٨٥) من طريق سلام بن مسكين عن ثابت عن أنس نحوه، وليس فيه قصة الحجاج إلا أن البخارى قال عقب الحديث: قال سلام: فبلغنى أن الحجاج قال لأنس حدثنى: بأشد عقوبة عاقبها النبى ﷺ، فحدثه بهذا، فبلغ الحسن فقال: وددت أنه لم يحدثه.
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٥٠) (١١٨١٥)، وقد تقدم تخريج رواية قتادة عن أنس برقم (٣٩٧).
(٣) - إسناده ضعيف: أبو مسعود عبد الرحمن بن الحسن الزجاج قال ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل (٥/ ٢٢٧): سألت أبى عنه فقال: يكتب حديثه ولا يحتج به. وشيخه أبو سعد البقال: هو سعيد بن المرزبان قال الحافظ فى التقريب: ضعيف مدلس، وقد تقدمت ترجمته. والحديث تقدم تخريجه من طرق عن أنس.
(٤) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٥٠) (١١٨١٦)، وفى (١٠/ ٢٦٧) (١١٨٥٤)، وإسناده ضعيف لضعف ابن لهيعة وقد تقدمت ترجمته مرارًا. [¬١]- في ز: "ذوذ". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "وكان". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز، خ: "يتلقمون". [¬٦]- في خ: "سعيد".
[ ٥ / ١٨٨ ]
ابن [¬١] لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام.
وقال (^٣٨٩): حدثنى يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن أبي الزناد، عن عبد الله بن عبيد الله، [عن عبد الله] [¬٢] [] [¬٣] بن عمر - أو عمرو شك يونس - عن رسول الله ﷺ بذلك - يعني: بقصة العرنيين - ونزلت فيهم آية المحاربة، ورواه أبو داود والنسائي من طريق أبي الزناد، وفيه: عن ابن عمر من غير شك.
وقال ابن جرير (^٣٩٠): حدّثنا محمد بن خلف، حدثنا الحسن بن حماد، عن عمرو بن هاشم، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم، عن جرير قال: قدم على رسول الله ﷺ قوم من عرينة، حفاة مضرورين، فأمر بهم رسول الله ﵌، فلما صحوا واشتدوا، قتلوا رعاء اللقاح [ثم خرجوا باللقاح] [¬٤] عامدين بها إلى
_________________
(١) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٤٩) (١١٨١٣)، ورواه أبو داود فى سننه (٤/ ١٣١) كتاب الحدود، باب: ما جاء فى المحاربة، حديث (٤٣٦٩) قال: حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عبد الله بن وهب … فذكره مطولًا، ورواه النسائى (٧/ ١٠٠) فى تحريم الدم، باب ذكر اختلاف طلحة بن مصرف، ومعاوية ابن صالح على يحيى .. قال: أخبرنا عمرو بن السرح قال: أخبرنا ابن وهب … فذكره مثل رواية ابن جرير الطبرى، وليس عند أبى داود ولا النسائى الشك المذكور عند ابن جرير. وإسناده صحيح رجاله ثقات. وسعيد بن أبى هلال الليثى وإن قال فيه الحافظ: صدوق - فقد روى له الشيخان فى صحيحيهما، ووثقه ابن سعد والعجلى، وابن خزيمة، والدارقطني وغيرهم وقال الألبانى فى صحيح أبى داود (٣٦٧٤)، وصحيح النسائى (٣٧٧٢): حسن صحيح وقد رواه أبو داود رقم (٤٣٧٠)، والنسائى (٧/ ١٠٠) عن أحمد بن عمرو بن السرح، أخبرنا ابن وهب أخبرنى الليث بن سعد عن محمد بن عجلان عن أبى الزناد أن رسول الله ﷺ لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار عاتبه الله فى ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية كلها. وهذا مع إرساله فإن محمد بن عجلان قال فيه الحافظ فى "التقريب": صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبى هريرة.
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٤٧) (١١٨١١). وإسناده ضعيف، عمرو بن هشام أبو مالك الجنبى روى عبد الله بن أحمد عن أبيه قال: صدوق لم يكن صاحب حديث، وقال البخارى: فيه نظر، وقال أبو حاتم: لين الحديث يكتب حديثه، وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال ابن حبان فى المجروحين= [¬١]- في ت: "يزيد بن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "بن عبيد الله". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٨٩ ]
أرض قومهم. قال جرير: فبعثني رسول الله ﷺ في نفر من المسلمين، حتى أدركناهم بعد ما أشرفوا على بلاد قومهم، فقدمنا بهم على رسول الله صلى الله عليه ليسلم، فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، فجعلوا يقولون: الماء، ورسول الله ﷺ يقول: "النار"! حتى هلكوا. قال: وكره الله ﷿ سَمْل الأعين، فأنزل هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ إلى آخر الآية.
هذا حديث غريب، وفي إسناده الربذي؛ وهو ضعيف، [وفي إسناده] [¬١] فائدة: وهو ذكر أمير هذه السرية، وهو جرير بن عبد الله البجلي، وقد [¬٢] تقدم في صحيح مسلم (^٣٩١): أن هذه [¬٣] السرية كانوا عشرين فارسًا من الأنصار. وأما قوله: فكره الله سمل الأعين، فأنزل هذه الآية. فإنه منكر. وقد تقدّم في صحيح مسلم (^٣٩٢): أنهم سملوا أعين الرعاء، فكان ما فعل بهم قصاصًا، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق (^٣٩٣): عن إبراهيم بن محمد الأسلمي، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، قال: قدم على رسول الله ﷺ رجال من بني فَزَارة، قد ماتوا هزلًا، فأمرهم النبي ﷺ إلى لقاحه، فشربرا منها حتى صحوا، ثم عمدوا إلى لقاحه فسرقوها، فطلبوا، فأتي بهم النبي ﷺ، فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر اْعينهم. قال أبو هريرة ففيهم نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فترك النبي ﷺ سمر الأعين بعد.
_________________
(١) = (٢/ ٧٧): كان ممن يقلب الأسانيد، ويروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال الحافظ فى "التقريب": لين الحديث، أفرط فيه ابن حبان. وشيخه موسى بن عبيدة الربذى ضعيف أيضًا؛ قال الأستاذ محمود شاكر فى تعليقه على تفسير ابن جرير: وهذا الخبر ضعيف جدًّا، وهو أيضًا لا يصح؛ لأن جرير بن عبد الله البجلى صاحب رسول الله ﷺ وفد على النبى ﷺ فى العام الذى توفى فيه، وخبر العرنيين كان فى شوال سنة ست، فى رواية الواقدى (ابن سعد ٢/ ١/ ٦٧) وكان أمير السرية كرز بن جابر الفهرى وذلك قبل وفاة رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأول سنة ١١ من الهجرة، بأعوام.
(٢) - تقدم رقم (٣٩٤).
(٣) - انظر رقم (٣٩٣) وما بعده.
(٤) - في إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وثقه الشافعي وابن الأصبهاني، وضعفه أحمد ومالك، وقال البخاري: جهمي تركه ابن المبارك والناس، كان يرى القدر. وقال النسائى: متروك. وقال في موضع آخر: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "فيه". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٩٠ ]
وروي من وجه آخر عن أبي هريرة.
وقال أبو بكر بن مردويه (^٣٩٤): حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري [¬١]، حدثنا أبو القاسم محمد بن الوليد، عن عمرو بن محمد المديني، حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبى سلمة بن عبد الرحمن، عن سلمة بن الأكوع قال: كان للنبي ﷺ غلام يقال له: يسار، فنظر إليه يحسن الصلاة فأعتقه، وبعثه في لقاح له بالحرة، فكان بها. قال: فأظهر قوم الإسلام من عرينة، وجاءوا وهم مرضى موعوكون، قد عظمت بطونهم، قال: فبعث بهم [¬٢] النبي ﷺ إلى يسار، فكانوا يشربون من ألبان الإبل، حتى انطوت بطونهم، ثم عدوا على يسار فذبحوه، وجعلوا الشوك فى عينيه، ثم أطردوا الإبل، فبعث النبي ﷺ فى آثارهم خيلًا من المسلمين أميرهم كُرْز بن جابرَ الفِهْري، فلحقهم فجاء بهم إليه، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم.
_________________
(١) = وروى ابن عدى في الكامل (١/ ٢٢٢). ترجمة إبراهيم. عن ابن عقدة أحمد بن محمد بن سعيد، قلت له: تعلم أحدًا أحسن القول في إبراهيم بن أبى يحيى غير الشافعي؟ فقال: نعم، حدثنا أحمد بن يحيى الأودي، قال: سمعت حمدان بن الأصبهاني - يعني محمد بن سعيد - قلت: أتدين بحديث إبراهيم ابن أبي يحيى؟ فقال: نعم. ثم قال لي أحمد بن محمد بن سعيد: نظرت في حديث إبراهيم ابن أبى يحيى كثيرًا وليس بمنكر الحديث. ثم قال ابن عدي: وهذا الذي قاله كما قال، وقد نظرت أنا أيضًا في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكرًا إلا عن شيوخ يحتملون، وقد حدث عنه ابن جريج والثوري وعباد بن منصور ومندل وأبو أيوب ويحيى بن أيوب المصري وغيرهم من الكبار. وشيخه هو صالح بن نبهان مولى التوءمة صدوق لكنه اختلط. والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٩٢) ولم يعزه لغير عبد الرزاق. وقد رواه الواقدي في "المغازي" كما فى "نصب الراية" (٣/ ٣٨٦) قال: حدثني إسحاق عن صالح مولى التوءمة به، والواقدي متروك عند علماء الحديث.
(٢) - رواه الطبراني في الكبير (٧/ ٧) (٦٢٢٣) من طريقين عن محمد بن طلحة به، وفي إسناده موسى ابن محمد بن إبراهيم التيمي، قال الحافظ في "التقريب": منكر الحديث. وبه أعل الحديث الهيثمي فى مجمع الزوائد (٤/ ٢٤٥)، (٦/ ٢٩٧) فقال: فيه موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، وهو ضعيف. والحديث ذكره الحافظ في الإصابة (١٠/ ٣٦٨ - ٣٦٩) فى ترجمة يسار، ساكتًا عليه. [¬١]- في ز، خ: "القشيري". [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٩١ ]
غريب جدًّا. وقد روى قصة العرنيين من حديث جماعة من الصحابة، منهم: جابر، وعائشة، وغير واحد، وقد [¬١] اعتنى الحافظ الجليل أبو بكر بن مردويه بطرق هذا الحديث من وجوه كثيرة جدًّا، فرحمه الله وأثابه.
وقال ابن جرير (^٣٩٥): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي يقول: سمعت أبا حمزة، عن [¬٢] عبد الكريم، وسئل عن أبوال الإبل، فقال: حدثني سعيد بن جبير عن المحاربين، فقال: كان أناس [¬٣] أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: نبايعك على الإسلام. فبايعوه وهم كذبة وليس الإسلامَ يريدون. ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة، فقال النبي ﷺ: "هذه اللقاح تغدوا عليكم وتروح فاشربوا من أبوالها وألبانها". قال: فبينا هم كذلك إذ جاءهم الصريخ [] [¬٤]، فصرخ إلى رسول الله ﷺ، فقال: قتلوا الراعي، واستاقوا النعم. فأمر النبي ﷺ فنودي في الناس: "أن يا خيل الله اركبي". قال: فركبوا، لا ينتظر فارس فارسًا. قال: وركب رسول الله ﷺ على إثرهم، فلم يزالوا يطلبونهم حتى أدخلوهم مأمنهم، فرجع صحابة رسول الله ﷺ وقد أسروا منهم، فأتوا بهم النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. قال: فكان نفيهم أن نفوهم حتى أدخلوهم مأمنهم وأرضهم، ونفوهم من أرض المسلمين، وقتل نبى الله ﷺ منهم، وصلب وقطع، وسمر الأعين. قال: فما مثَّل رسول الله ﷺ قبل ولا بعد. قال: ونهى عن المثلة، قال: "ولا تمثلوا بشيء". قال: وكان أنس يقول ذلك غير أنه قال: أحرقهم بالنار بعد ما قتلهم.
قال: وبعضهم يقول: هم ناس من بني سليم، ومنهم من عرينة ناس من بجيلة.
وقد اختلف الأئمة في حكم هؤلاء العرنين، هل [هو منسوخ] [¬٥] [أو محكم] [¬٦]؛
_________________
(١) - رواه في تفسيره (٢٤٥/ ١٠، ٢٤٦) (١١٨١٠) مرسل صحيح الإسناد رجاله ثقات؛ أبو حمزة هو محمد بن ميمون السكري وشيخه هو عبد الكريم الجزري. وقد ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٩٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "بن". [¬٣]- في ز: "ناس". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "المستغيث". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "بهذه الآية". وسقط من: خ.
[ ٥ / ١٩٢ ]
فقال [¬١] بعضهم [¬٢]: [هو منسوخ بهذه الآية] [¬٣]، وزعموا أن فيها عتابًا للنبي ﷺ كما في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾. ومنهم من قال: هو منسوخ بنهي النبي ﷺ عن المثلة. وهذا القول فيه نظر، ثم قائله [¬٤] مطالب ببيان تأخر الناسخ الذي ادعاه عن المنسوخ. وقال بعضهم: كان هذا قبل أن تنزل الحدود، قاله محمد بن سيرين، [وفي هذا] [¬٥] نظر؛ فإن قصتهم متأخرة. وفي رواية جرير بن عبد الله (^٣٩٦) لقصتهم ما يدل على تأخرها، فإنه أسلم بعد نزول المائدة. ومنهم من قال: لم يسمل النبي ﷺ أعينهم، وإنما عزم على ذلك، حتى نزل القرآن فبين حكم المحاربين، وهذا القول [¬٦] أيضًا فيه نظر، فإنه قد تقدم في الحديث المتفق عليه أنه سمل، وفي رواية: سمر أعينهم (^٣٩٧).
وقال ابن جرير (^٣٩٨): حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم قال: ذاكرت الليث بن سعد ما كان من سمل النبي صلى الله عليه وسليم أعينهم، وتركه حسمهم حتى ماتوا، فقال [¬٧]: سمعت محمد بن عجلان يقول: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ معاتبة في ذلك، وعلّمه عقوبة مثلهم من القتل والقطع والنفي، ولم يسمل بعدهم غيرهم. قال: وكان هذا القول ذكر لأبي عمرو - يعني الأوزاعي - فأنكر أن يكون نزلت معاتبة، وقال: بل كانت عقوبة أولئك النفر بأعيانهم، ثم نزلت هذه الآية في عقوبة غيرهم ممن حارب بعدهم، ورفع عنهم السمل.
ثم قد احتج بعموم هذه الآية جمهور العلماء، في ذهابهم إلى أن المحاربة في الأمصار وفي السبلان على السواء، لقوله: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ وهذا مذهب مالك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، حتى قال مالك في الذي يغتال الرجل، فيخدعه حتى يدخله بيتًا، فيقتله ويأخذ ما معه: إن هذه [¬٨] محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، ولا اعتبار بعفوه عنه في إنفاذ القتل.
_________________
(١) - تقدم تخريجه برقم (٤٠١).
(٢) - يريد المصنف ﵀ حديث أنس بن مالك المتقدم برقم (٣٩١) وما بعده.
(٣) - رواه في تفسيره (١٠/ ٢٥٣) (١١٨١٨) [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- في ز، خ: "صاحبه". [¬٥]- في ت: "وفيه". [¬٦]- في خ: "القرآن". [¬٧]- في ز: "قال". [¬٨]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٩٣ ]
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرقات، فأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق؛ لبعده ممن يغيثه ويعينه.
وأما قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، قال [ابن أبي طلحة، عن ابن عباس في الآية] [¬١]: من شهر السلاح في قبة الإسلام، وأخاف السبيل، ثم ظفر به وقدر عليه، فإمام المسلمين فيه بالخيار؛ إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله (^٣٩٩).
وكذا قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وروى ذلك كله أبو جعفر ابن جرير (^٤٠٠)، وحُكي مثله عن [مالك بن] [¬٢] أنس ﵀ ومستند هذا القول: أن [¬٣] ظاهر "أو" للتخيير، كما في نظائر ذلك من القرآن؛ كقوله في جزاء الصيد: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وكقوله في كفارة الترفه [¬٤]: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وكقوله في كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ هذه كلها على التخيير، فكذلك فلتكن هذه الآية. وقال الجمهور: هذه الآية منزلة على أحوال، كما قال أبو عبد الله الشافعي (^٤٠١): أنبأنا إبراهيم هو ابن أبى يحيى، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس في قطاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا المال: نفوا من الأرض.
وقد رواه ابن أبي شيبة: عن عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن عطية، عن ابن
_________________
(١) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٦٣) (١١٨٥٠)، وأبو جعفر النحاس في ناسخه (ص ٣٩٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٩٣) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٢) - انظر تفسير الطبري (١٠/ ٢٦٢، ٢٦٣).
(٣) - رواه الشافعي في مسنده (٢/ ١٧٣) (٢٨٢ - شفاء العي) ومن طريقه البيهقي (٨/ ٢٨٣) وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى وهو متروك، ورواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٢٥٧) (١١٨٢٩) والبيهقي من طريق العوفي عن ابن عباس، وإسناده ضعيف أيضًا. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "الرفة".
[ ٥ / ١٩٤ ]
عباس بنحوه. وعن أبي مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني: نحو ذلك. وهكذا قال غير واحد من السلف والأئمة.
واختلفوا: هل يصلب حيًّا، ويترك حتى يموت بمنعه من الطعام والشراب؟ أو بقتله برمح أو نحوه، أو يقتل أولا ثم يصلب، تنكيلًا وتشديدًا [¬١] لغيره من المفسدين؟ وهل يصلب ثلاثة أيام ثم ينزل، أو يترك حتى يسيل صديده؟ في ذلك كله خلاف محرر في موضعه، وبالله الثقة، وعليه التكلان.
ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده، فقال (^٤٠٢):
حدثنا على بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم، [عن ابن لهيع] [¬٢]، عن يزيد بن أبي حبيب: أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس [بن مالك] [¬٣] يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه يخبره: أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين، وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإِسلام، وقتلوا الراعي، واستاقوا الإِبل، وأخافوا السبيل، وأصابوا الفرج الحرام، قال أنس: فسأل رسول الله ﷺ جبريل ﵇ عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل: [فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل] [¬٤] واستحل الفرج الحرام فاصلبه.
وأما قوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال بعضهم: هو أن يطلب حتى يقدر عليه، فيقام عليه الحد، أو يهرب من دار الإِسلام.
_________________
(١) = ورواه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٨٩) في الحدود من طريق حجاج عن عطية عن ابن عباس، وإسناده ضعيف أيضًا لضعف حجاج وعطية. ورواه الدارقطني (٣/ ١٣٨) ومن طريقه البيهقي عن عبد الرزاق عن إبراهيم عن داود عن عكرمة عن ابن عباس به. وإسناده حسن، إبراهيم هو ابن طهمان ثقة تكلموا فيه للإرجاء، وشيخه داود بن أبي هند ثقة، قال الحافظ في التقريب: كان يهم بأخرة.
(٢) - تقدم برقم (٣٩٩). [¬١]- في ز: "تشريدا". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٩٥ ]
رواه ابن جرير (^٤٠٣): عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، و[¬١] الرييع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس.
وقال آخرون: هو أن ينفى من بلده [¬٢] إلى بلد آخر، أو يخرجه السلطان، أو نائبه من معاملته بالكلية. [وقال الشعبي: ينفيه - كما قال] [¬٣] ابن هبيرة - من عمله كله. وقال عطاء الخراسانى: ينفى من جندٍ إلى جند سنين، ولا يخرج من أرض الإِسلام.
[وكذا قال سعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن، والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حبان: إنه ينفى ولا يخرج من أرض الإِسلام] [¬٤].
وقال آخرون: المراد بالنفي هاهنا السجن، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. واختار ابن جرير: أن المراد بالنفي هاهنا: أن يخرج من بلده إلى بلد آخر فيسجن فيه (^٤٠٤).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: هذا الذي ذكرته من قتلهم، ومن صلبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ونفيهم - خزي لهم بين [¬٥] الناس في هذه الحياة الدنيا، مع ما ادخر الله لهم من العذاب العظيم يوم القيامة، وهذا قد يتأيد به من ذهب إلى أن هذه الآية نزلت في المشركين، فأما أهل الإِسلام: فقد ثبت في صحيح مسلم عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا يَعْضَه بعضنا بعضًا، "فمن وفى منكم فأجره على الله تعالى، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب فهو كفارة له [¬٦]، ومن ستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (^٤٠٥).
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٢٦٨ - ٢٧٠)، وانظر الدر المنثور (٢/ ٤٩٤).
(٢) - تفسير ابن جرير (١٠/ ٢٧٤).
(٣) - رواه مسلم فى صحيحه كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، الحديث (٤٣/ ١٧٠٩) من طريق هشيم قال: أخبرنا خالد عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعانى عن عبادة بن الصامت به، ورواه أحمد (٥/ ٣١٣، ٣٢٠) وابن ماجه فى الحدود، باب الحد كفارة، الحديث (٢٦٠٣) من طرق عن خالد به، ولفظ ابن ماجه مختصر، وقد تقدم حديث عبادة بلفظ آخر فى سورة النساء الآية/ ٩٥. [¬١]- في ز: "عن". [¬٢]- في ز: "بلد". [¬٣]- في ز، خ: "وكان الشعبى ينفيه". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: "من". [¬٦]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٩٦ ]
وفي على قال: قال رسول الله ﷺ: "من أذنب ذنبًا في الدنيا [فعوقب به، فالله أعدل من أن يثني عقوبته على عبده، ومن أذنب ذنبًا في الدنيا] [¬١]، فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يعود في شيء قد عفا عنه" (^٤٠٦).
رواه الإِمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب. وقد سئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث، فقال: روي مرفوعًا وموقوفًا، قال: ورفعه صحيح.
وقال ابن جرير في قوله: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا﴾ يعني: [شر وعار] [¬٢]، ونكال [¬٣] وذلة، وعقوبة في عاجل الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: إذا لم يتوبوا من فعلهم ذلك حتى هلكوا ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ مع الجزاء الذي جازيتهم به في الدنيا، والعقوبة التي عاقبتهم [¬٤] بها في الدنيا فيها [¬٥] ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: عذاب جهنم.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أما على قول من قال: إنها [¬٦] في أهل الشرك فظاهر، وأما المحاربون المسلمون فإذا تابوا قبل القدرة
_________________
(١) - رواه الترمذى فى الإيمان، باب ما جاء لا يزنى الزانى وهو مؤمن، الحديث (٢٦٢٦)، وابن ماجه فى الحدود، باب: الحد كفارة، الحديث (٢٦٠٤)، وأحمد (١/ ٩٩، ١٥٩)، والدارقطني (٣/ ٢١٥)، والحاكم (٢/ ٤٤٥)، والبيهقى (٨/ ٣٢٨) من طريق حجاج لن محمد عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن أبى جحيفة عن علي به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وإنما أخرجه إسحاق بن إبراهيم عند قوله ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ووافقه الذهبى، قلت: يونس بن أبي إسحاق لم يخرج له البخارى فى صحيحه، إنما روى له فى جزء "القراءة خلف الإمام" وهو صدوق روى له مسلم وأصحاب السنن، وأبو إسحاق السبيعى مدلس لكنه صرح بالتحديث فى رواية الحاكم. وقد سئل الحافظ أبو الحسن الدارقطني عن هذا الحديث؟ فقال (العلل ٣/ ١٢٨ - ١٢٩): "يرويه أبو إسحاق السبيعى واختلف عنه؛ فرواه يونس بن أبى إسحاق والخليل بن مرة، والحكم بن عبد الله النصرى، وحفص بن سليمان، وأبو حمزة الثمالى ثابت بن أبى صفية عن أبى إسحاق عن أبى جحيفة عن علي، واختلف عن حفص بن سليمان وأبي حمزة فقيل: عن حفص، عن أبى إسحاق، عن عون بن أبى جحيفة عن أبيه عن علي. وهذا القول وهم من قائله، والصحيح: عن أبى إسحاق، عن أبي جحيفة. وقال: عبد الملك بن أبي سليمان عن أبى حمزة الثمالى عن أبى إسحاق عن أبي جحيفة موقوفًا. ورفعه صحيح. اهـ. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "شروعا". [¬٣]- في ز: "وفكاكا". [¬٤]- في ز: "عاقبهم". [¬٥]- سقط من: ت. [¬٦]- في خ: "هى".
[ ٥ / ١٩٧ ]
عليهم، فإنه يسقط عنهم انحتام [¬١] القتل والصلب وقطع الرجل. وهل يسقط قطع اليد أم لا؟ فيه قولان للعلماء، وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة، كما قال ابن أبي حاتم (^٤٠٧):
حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد [¬٢]، عن الشعبي، قال: كان حارثة [¬٣] بن بدر التميمى من أهل البصرة، وكان قد أفسد في الأرض وحارب، فكلم رجالا من قريش، منهم: الحسن بن علي، وابن عباس، وعبد الله بن جعفر، فكلموا عليًّا فيه [¬٤] فلم يؤمنه، فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فخلفه في داره، ثم أتى عليًّا، فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله، وسعى فى الأرض فسادًا، فقرأ حتى بلغ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ قال: فكتب له أمانًا. قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة [¬٥] بن بدر.
وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد، عن الشعبي به، وزاد: فقال حارثة [¬٦] بن بدر:
ألا أبلغن هَمْدان إمَّا لقيتها … على النأي لا يسلم عدو يعيبها
لعمر أبيها إن همدان تتقي الـ … إله ويقضي بالكتاب خطيبها
وروى ابن جرير (^٤٠٨): من طريق سفيان الثوري، عن السدي. ومن طريق أشعث، كلاهما عن عامر الشعبي، قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في إمارة [¬٧] عثمان
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٧٩ - ٢٨٠) (١١٨٧٩) (١١٨٨٠)، (١١٨٨١) من طرق عن مجالد عن الشعبى به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٤) وزاد نسبته إلى ابن أبى شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبى الدنيا فى كتاب الأشراف. ومجالد هو ابن سعيد ضعيف تقدمت ترجمته.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٨٢) (١١٨٨٤) من طريق أشعث عن الشعبى، وفى (١٠/ ٢٨٣) (١١٨٨٥) من طريق الثورى عن السدى عن الشعبى به، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٤) وعزاه إلى ابن أبى شيبة، وعبد بن حميد عن الأشعث عن رجل قال: صلى رجل مع أبى موسى الأشعرى … فذكر نحو رواية الشعبى. [¬١]- في ز: "انحسام". [¬٢]- في ت: "مجاهد". [¬٣]- في ز: "جارية". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "جارية". [¬٦]- في ز: "جارية". [¬٧]- في ز: "إمرة".
[ ٥ / ١٩٨ ]
﵁ بعدما صلى المكتوبة، فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك، أنا فلان بن فلان المرادي، وإني كنت حاربت الله ورسوله، وسعيت في الأرض فسادًا، وإني تبت من قبل أن تقدروا [¬١] على. فقام أبو موسى، فقال: إن هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادًا، وإنه تاب من [¬٢] قبل أن نقدر [¬٣] عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، فإن يك صادقًا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبًا تدركه ذنوبه. فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله تعالى بذنوبه فقتله.
ثم قال ابن جرير (^٤٠٩): حدثني على، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: قال الليث: وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الأمير [¬٤] عندنا: أن عليًّا الأسدي حارب، وأخاف [¬٥] السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة فامتنع، ولم يقدروا [¬٦] عليه حتى جاء تائبًا، وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فوقف عليه، فقال: يا عبد الله، أعد قراءتها. فأعادها عليه، فغمد سيفه، ثم جاء تائبًا حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وصلم، فصلى الصبح، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار [¬٧] أصحابه، فلما أسفروا عرفه الناس، فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم على، جئت تائبًا من قبل أن تقدروا على. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده [] [¬٨] حتى أتى مروان بن الحكم، [وهو أمير] [¬٩] على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا على [¬١٠] جاء تائبًا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال: فترك من [ذلك كله] [¬١١]. قال: وخرج على تائبًا مجاهدًا في سبيل الله في البحر فلقوا الروم، فقربوا [سفينته إلى] [¬١٢] سفينة من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهربوا منه إلى شقها الآخر، فمالت [به
_________________
(١) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٨٤) (١١٨٨٩). فى إسناده الوليد بن مسلم وهو ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية ولم يصرح هنا بالسماع. ومرسى بن إسحاق المدنى لم أقف له على ترجمة، وقال محمود شاكر فى تعليقه على تفسير الطبرى: لم أعرف من يكون. [¬١]- في ز: "يقدر". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "يقدر". [¬٤]- في ز: "الأمر". [¬٥]- في ز: "وخاف". [¬٦]- في ز: "يقدر". [¬٧]- في ز، خ: "عمار". [¬٨]- ما يبن المعكوفتين في ز: "أبو هريرة". [¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "في إمرته". [¬١٠]- في ز: "عليًّا". [¬١١]- ما بين المعكوفتين فى ز: "كلمته". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٥ / ١٩٩ ]
وبهم] [¬١] فغرقوا جميعًا.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وهي إذا قرنت بطاعته [¬٢] كان المراد بها الانكفاف عن المحارم، وترك المنهيات، وقد قال بعدها: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ قال سفيان الثوري، عن طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس: أي القربة. وكذا قال مجاهد، وعطاء [¬٣]، وأبو وائل، والحسن، وقتادة، وعبد الله بن كثير، والسدي، وابن زيد، [وغير واحد] [¬٤].
و[¬٥] قال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه، وقرأ ابن زيد: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه.
وأنشد [عليه ابن جرير] [¬٦] قول الشاعر:
إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا … وعاد التصافي بيننا والوسائل
والوسيلة: هي التي يتوصل بها إلى تحصيل المقصود، والوسيلة أيضًا: عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة [¬٧] الجنة إلى العرش، وقد ثبت في صحيح البخاري (^٤١٠): من طريق محمد بن المنكدر، عن جابر بن
_________________
(١) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الأذان، باب: الدعاء عند النداء، حديث ٦١٤١)، وفى التفسير، باب قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ حديث (٤٧١٩) ورواه أيضًا أصحاب السنن وابن خزيمة فى صحيحه من طريق ابن المنكدر عن جابر أيضًا. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "بهم وبه". [¬٢]- في ز: "بالطاعة". [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- سقط من. ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "ابن جرير عليه". [¬٧]- في ز: "الأمكنة".
[ ٥ / ٢٠٠ ]
عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة".
(حديث آخر): في صحيح مسلم (^٤١١): من حديث كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن ابن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليّ فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها [¬١] عشرا، ثم سلوا الله [¬٢] لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت عليه الشفاعة".
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^٤١٢):
حدثنا عبد الرازق، أخبرنا سفيان، عن ليث، عن كعب، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "إذا صليتم علي فسلوا لي الوسيلة". قيل: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل واحد، وأرجو أن أكون أنا هو".
ورواه الترمذي: عن بندار، عن أبي عاصم، عن سفيان هو [¬٣] الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن كعب، قال: حدثني أبو هريرة به. ثم قال: غريب، وكعب ليس بمعروف، لا نعرف أحدًا روى عنه غير ليث بن أبي سليم.
_________________
(١) - رواه فى صحيحه كتاب الصلاة، باب: استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ثم يصلى على النبى ﷺ، حديث (٣٨٤) والحديث رواه أيضًا أبو داود، والترمذى والنسائى وغيرهم.
(٢) - رواه فى المسند (٢/ ٢٦٥) وأعاده ابن كثير مرة أخرى فى تفسير سورة براءة/ آية ٧٢، وهو عند عبد الرزاق فى مصنفه (٢/ ٢١٦ - ٢١٧) (٣١٢٠) ورواه من طريقه المزى فى تهذيب الكمال (٢٤/ ١٩٨) ورواه الترمذى فى المناقب باب: فى فضل النبى ﷺ، حديث (٣٦١٢) من طريق أبي عاصم عن سفيان به، ورواه ابن راهويه فى مسنده (٢٩٧)، (٣٦٥) من طريقين عن ليث به، ورواه أحمد فى المسند (٢/ ٣٦٥) من طريق شريك عن ليث له، ولفظ الترمذى: "سلوا الله لى الوسيلة" قالوا: يا رسول الله، وما الوسيلة؟ … " الحديث، ولفظ رواية شريك عند أحمد: "صلوا على فإنها زكاة لكم واسألوا الله لى الوسيلة" فإنها درجة فى أعلى الجنة … " الحديث. وقال الترمذي: هذا حديث غريب إسناده ليس بالقوي، وكعب ليس هو بمعروف ولا نعلم أحدًا= [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ت.
[ ٥ / ٢٠١ ]
(طريق [¬١] أخرى): عن أبي هريرة ﵁، قال أبو بكر بن مردويه (^٤١٣): حدثنا عبد الباقي بن قانع [¬٢]، حدثنا محمد بن نصر الترمذي، حدثنا عبد الحميد بن صالح، حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن المعلي، عن محمد بن كعب، عن أبي هريرة رفعه، قال: "صلوا على صلاتكم، وسلوا الله لي الوسيلة - فسألوه أو أخبرهم - أن الوسيلة درجة في الجنة ليس ينالها إلا رجل واحد وأرجو أن أكون أنا [¬٣] ".
(حديث آخر): قال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٤١٤)، أنا أحمد بن علي الأبار، حدثنا
_________________
(١) = روى عنه غير ليث بن أبي سليم. قلت: ليث ضعيف، والراوي عنه هو كعب المدني مجهول. قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ١٦١): سئل أبي عن كعب الذي روى عن أبي هريرة؟ فقال: هو رجل وقع إلى الكوفة، روى عنه ليث بن أبي سليم، لا يعرف، مجهول لا أعلم روى عنه غير ليث وأبي عوانة حديثًا واحدًا. وقال الذهبي فى الميزان (٣/ الترجمة ٦٩٦٣): شيخ مديني مجهول. وقال الحافظ في التقريب: مجهول. وللحديث طريق آخر رواه البزار فى مسنده كما فى كشف الأستار (٣٦٣) عن ذؤاد بن علبة عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "صلوا على … " فذكر مثل رواية شريك. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٣٧) وقال: فيه ذؤاد بن علبة، ضعفه ابن معين والنسائي وغيرهما، ووثقه ابن نمير، وقال موسى بن داود الضبي: ثنا ذؤاد بن علبة، وأثنى عليه خيرًا، وقال ابن عدي: هو في جملة الضعفاء ممن يكتب حديثه. وله طريق أخرى نقلها المصنف عن ابن مردويه يأتي تخريجها رقم (٤٣٢). والحديث صححه الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح (٥٧٦٧) وفى صحيح الترمذي (٢٨٥٧).
(٢) - فى إسناده أبو شهاب الحناط وهو عبد ربه بن نافع، وثقه ابن معين ويعقوب بن شيبة وابن سعد وغيرهم، وروى له الجماعة سوى الترمذي. ومعلى لم أجده منسوبًا ولم أعرفه ولعله يكون معلى بن زياد القردوسي الذى روى عن الحسن البصرى وطبقته، وروى عنه حماد بن زيد وطبقته. وهو ثقة من رجال "التهذيب" وانظر الحديث السابق.
(٣) - رواه فى الأوسط (٦٣٣)، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (١/ ٣٣٨) وقال: فيه الوليد بن عبد الملك الحرانى، وقد ذكره ابن حبان فى الثقات وقال: مستقيم الحديث إذا روى عن الثقات. [¬١]- فى خ: "حديث". [¬٢]- في ز، خ: "قالع". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٢٠٢ ]
الوليد بن عبد الملك الحراني، حدثنا موسى بن أعين، عن ابن أبي ذئب [¬١]، عن محمد بن عمرو ابن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "سلوا الله لي الوسيلة، فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة".
ثم قال الطبراني: لم يروه عن ابن أبي ذئب إلا موسى بن أعين، كذا قال، وقد رواه ابن مردويه: حدثنا محمد بن علي بن دحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن عمرو بن عطاء، فذكر بإسناده نحوه (^٤١٥).
(حديث آخر): روى ابن مردويه بإسناده، عن عمارة بن غزبة، عن موسى بن وردان، أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله ﷺ: "إن الوسيلة درجة عند الله ليس [¬٢]، فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلقة" (^٤١٦).
(حديث آخر): روى ابن مردويه أيضًا من طريقين، عن عبد الحميد بن بحر، حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي، عن النبي ﷺ قال: "في الجة درجة تدعى الوسيلة، فإذا سألتم الله فسلوا لي الوسيلة". قالوا: يا رسول
_________________
(١) = قلت: وهذا من روايته عن موسى بن أعين وهو ثقة. وكذا قال المنذرى فى الترغيب والترهيب (١/ ٢٥٨)، وحسنه الشيخ الألبانى فى صحيح الترغيب والترهيب (٢٥٢).
(٢) - فى إسناده موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف من رجال "التهذيب" وانظر السابق.
(٣) - رواه الطبرانى فى الأوسط (٢٦٣)، (١٤٦٦) من طريقين عن عمارة بن غزية به، وإسناده حسن؛ عمارة بن غزية ثقة وثقه أحمد بن حنبل وأبو زرعة وابن سعد وغيرهم، وقال ابن معين، والنسائى: ليس به بأس، روى له مسلم وأصحاب السنن. وموسى بن وردان صدوق كما قال الذهبى فى "الكاشف". ورواه أحمد في مسنده (٣/ ٨٣) من طريق ابن لهيعة عن موسى بن وردان به، وقال فيه: "فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة". قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٣٣٧): رواه أحمد والطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيمة وفيه ضعف. قلت: رواية الأوسط ليس فيها ابن لهيعة، بل هي من طريق عمارة بن غزية عن موسى بن وردان كما تقدم. والحديث له شاهد من حديث ابن عمرو المتقدم رقم (٤٢٣) وحديث أبي هريرة رقم (٤٢٤). [¬١]- في ز، خ: "حبيب". [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٢٠٣ ]
الله، من يسكن معك؟ قال: "علي وفاطمة والحسن والحسين" (^٤١٧).
هذا حديث غريب منكر من هذا الوجه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا على بن الحسين، حدثنا الحسن الدشتكى، حدثنا أبو زهير، حدثنا سعد [¬١] بن طريف، عن علي بن الحسين الأزدي مولي سالم بن ثوبان، قال: سمعت على بن أبي طالب ينادي على منبر الكوفة: ياأيها الناس إن في الجنة لؤلؤتين إحداهما بيضاء، والأخرى صفراء أما الصفراء فإنها إلى بطنان العرش، والمقام المحمود من اللؤلؤة البيضاء سبعون ألف غرفة، كل بيت منها ثلاثة أميال، وغرفها، وأبوابها، وأسرتها، وكأنها من عرق واحد، واسمها الوسيلة هي لمحمد ﷺ وأهل بيته، [والصفراء فيها مثل ذلك هي لإِبراهيم ﵇ وأهل بيته] [¬٢].
وهذا أثر غريب أيضًا.
وقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لما أمرهم بترك المحارم، وفعل الطاعات، أمرهم بقتال الأعداء من الكفار والمشركين، الخارجين عن الطريق المستقيم، و[¬٣] التاركين للدين القويم، ورغبهم في [¬٤] ذلك بالذي أعده للمجاهدين في سبيله يوم القيامة، من الفلاح والسعادة العطمة الخالدة المستمرة، التي لا تبيد ولا تحول ولا تزول، في الغرف العالية الرفيعة الآمنة، الحسنة [¬٥] مناظرها، الطيبة مساكنها، التي من سكنها ينعم لا ييأس، ويحيى لا يموت، لا تبلي ثيابه، ولا بفنى شبابه.
ثم أخبر تعالى بما أعده لأعدائه الكفار من العذاب والنكال يوم القيامة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا [بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: لو أن أحدهم جاء يوم القيامة بملء الأرض ذهبًا
_________________
(١) - إسناده ضعيف جدًّا عبد الحميد بن بحر ضعيف جدًّا بم قال ابن حبان في المجروحين (٢/ ١٤٢): يروي عن مالك وشريك والكوفيين ما ليس من أحاديثهم، كان يسرق الحديث، لا يحل الاحتجاج به بحال. وقال ابن عدي فى الكامل (٥/ ١٩٥٩): لعبد الحميد هذا غير حديث منكر رواه وسرقه من قوم ثقات. وانظر ترجمته في الميزان (٣/ ٢٥٢). [¬١]- في ز: "سعيد". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "و". [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٢٠٤ ]
وبمثله؛ ليفتدي] [¬١] بذلك من عذاب الله الذي قد أحاط به، وتيقن وصوله إليه ما تقبل ذلك منه بل لا مندوحة عنه، ولا محيص له، ولا مناص؛ ولهذا قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ [أَلِيمٌ﴾ أي: موجع ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ] [¬٢] مُقِيمٌ﴾ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، فلا يزالون يريدون الخروج مما هم فيه من شدته، وأليم مسه، ولا سبيل لهم إلى ذلك، و[¬٣] كلما رفعهم اللهب، فصاروا في أعلى [¬٤] جهنم، ضربتهم الزبانية بالمقامع الحديد، فيردوهم إلى أسفلها ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر لا خروج لهم منها، ولا محيد لهم عنها.
وقد قال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بالرجل من أهل النار، فيقال [¬٥] له: يا ابن آدم؟ كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع. فيقال [¬٦]: هل تفتدي بقراب الأرض ذهبًا؟ قال، فيقول: نعم، يا رب. فيقول [الله تعالى] [¬٧]: كذبت قد سألتك أقل من ذلك فلم تفعل. فيؤمر به إلى النار". رواه مسلم والنسائي (^٤١٨) من طريق حماد بن سلمة بنحوه، وكذا رواه البخاري ومسلم أخرجاه [¬٨] من طريق معاذ بن هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة، عن أنس به (^٤١٩). وكذا أخرجاه من طريق أبي عمران الجوني واسمه: عبد الملك بن حبيب، عن
_________________
(١) - رواه مسلم في صفات المنافقين، باب صبغ أنعم أهل الدنيا في النار، حديث (٢٨٠٧) من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار ويوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط". ورواه النسائي في سننه كتاب الجهاد، باب ما يتمنى أهل الجنة (٦/ ٣٦) من نفس الطريق مختصرًا. ورواه أحمد في مسنده (٣/ ٢٥٣، ٣٠٣) وعبد بن حميد في مسنده كما في المنتخب (١٣١٣).
(٢) - رواه البخاري في الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، حديث (٦٥٣٨)، ومسلم في صفات المنافقين، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، حديث (٥٥٢١٢٨٠٥)، من طريق معاذ ابن هشام به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز "أعالي". [¬٥]- في خ: "فيقول". [¬٦]- في ز، خ: "فيقول". [¬٧]-. ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٢٠٥ ]
أنس بن مالك به (^٤٢٠). ورواه مطر الوراق، عن أنس بن مالك، ورواه ابن مردويه من طريقه عنه (^٤٢١).
ثم روى [¬١] ابن مردويه من طريق المسعودي: عن يزيد بن صهيب الفقير، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: "يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة". قال: فقلت لجابر بن عبد الله: يقول الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ قال: اتل أول الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ الآية، ألا إنهم الذين كفروا (^٤٢٢).
وقد روى الإمام أحمد ومسلم هذا الحديث من وجه آخر، عن يزيد الفقير، عن جابر، وهذا أبسط سياقا.
وقال ابن أبي حاتم (^٤٢٣): حدثنا [الحسين بن محمد بن شنبة] [¬٢] الواسطي، حدثنا يزيد بن
_________________
(١) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، حديث (٣٣٣٤)، ومسلم في صفات المنافقين، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهبًا، حديث (٢٨٠٥، ٥١) من طريق أبي عمران الجوني عن أنس به.
(٢) - في إسناده مطر الوراق؛ ضعفه يحيى القطان وأحمد بن حنبل وابن معين والنسائي وغيرهم، وقال البزار: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات، وتقدمت ترجمته، وروايته عن أنس مرسلة؛ قال أبو زرعة في الجرح والتعديل (٨/الترجمة ١٣١٩): روايته عن أنس مرسلة، لم يسمع من أنس شيئًا. وقد تقدم الحديث من غير هذا الطريق عن أنس في الصحيحين وغيرهما. انظر السابق.
(٣) - في إسناده المسعودي عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة وهو ثقة اختلط قبل موته بسنة أو سنتين وترجمته في التهذيب. والحديث رواه مسلم في صحيحه (٣/ ٦١ - ٦٢) كتاب الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (١٩١) (٣١٩)، وأحمد (٣/ ٣٥٥) من طريق قيس بن سليم العنبري قال: حدثني يزيد الفقير حدثنا جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلون الجنة".
(٤) - في إسناده مبارك بن فضالة صدوق يدلس ويسوي، لكنه صرح بالسماع من يزيد في هذا الإسناد. والحديث رواه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣٢٠) (١٩١) من طريق أبي عاصم قال: حدثني يزيد الفقير … فذكره. [¬١]- في ت: "رواه". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "الحسن بن محمد بن أبي شيبة".
[ ٥ / ٢٠٦ ]
هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدثني يزيد الفقير، قال: جلست إلى جابر بن عبد الله، وهو يحدث فحدث: أن ناسا يخرجون من النار، قال: وأنا يومئذ أنكر ذلك فغضبت، وقلت: ما أعجب من الناس، ولكن أعجب منكم يا أصحاب محمد، تزعمون أن الله يخرج ناسًا [¬١]، من النار، والله يقول: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ الآية. فانتهرنى أصحابه، وكان أحلمهم فقال: دعوا الرجل، إنما ذلك للكفار ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلي، قد جمعته. قال: أليس الله يقول: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ فهو ذلك المقام، فإن الله تعالى يحتبس أقوامًا بخطاياهم في النار ما شاء لا يكلمهم، فإذا أراد أن يخرجهم أخرجهم. قال: فلم أعد بعد ذلك إلى أن أكذب به.
ثم قال ابن مردويه (^٤٢٤): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا عمرو [¬٢] بن حفص السدوسي، حدثنا عاصم بن علي، أخبرنا العباس بن الفضل، حدثنا سعيد بن المهلب، حدثني طلق بن حبيب، قال: كنت من أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها يذكر الله فيها خلود أهل النار. فقال: يا طلق، أتراك أقرأ لكتاب الله وأعلم بسنة رسول الله مني؟ إن الذين [¬٣] قرأت هم أهلها هم المشركون، ولكن هؤلاء قوم أصابوا ذنوبًا فعذبوا، ثم أخرجوا منها، ثم أهوى بيديه إلى أذنيه، فقال: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرجون من النار بعد ما
_________________
(١) - عمر بن حفص السدوسي ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٤٧) وقال: من أهل البصرة، يروي عن أبي الوليد الطيالسي والبصريين، كتب عنه أصحابنا. وقال المعلق على كتاب الثقات: لم نظفر به. والقاسم بن الفضل هو الحداني ثقة، وشيخه سعيد بن المهلب ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ الترجمة ٢٨٠) وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٣٦٦) فقال في نسبه: "سعيد بن المهلب بن أبي صفرة". وقال ابن حجر في "التقرب": مقبول، وقيل: إنه إبن الهلب بن أبي صفرة. وطلق بن حبيب تابعي صدوق رمي بالإرجاء، وهذا جرح غير معتبر. والحديث رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣٣٠) من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا القاسم … فذكره كما رواه ابن مردويه، ورواه البخاري في الأدب المفرد (٨١٨) من طريق موسى بن إسماعيل وهو ثقة عن القاسم به مختصرًا. وقد تقدم الحديث من طرق عن جابر، فالحديث بهذا الإسناد صحيح لغيره. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٩٦) وزاد نسبته للبيهقي في "شعب الإيمان". [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "عمر". [¬٣]- في ز: "الذي".
[ ٥ / ٢٠٧ ]
دخلوا". ونحن نقرأ كما قرأت.
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٠)﴾
يقول تعالى حاكمًا وآمرًا بقطع يد السارق والسارقة. وروى الثوري، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن عامر بن شراحيل الشعبي: أن ابن مسعود كان يقرؤها: (والسارق والسارقة فاقموا أيمانهما) (^٤٢٥) وهذه قراءة شاذة، وإن كان [¬١] الحكم عند جميع العلماء موافقا لها، لا بها، بل هو مستفاد من دليل آخر. وقد كان القطع معمولا به فى الجاهلية، فقرر في الإسلام وزيدت شروط أخر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، كما كانت القسامة، والدية، والقراض، وغير ذلك من الأشياء التي ورد الشرج بتقريرها على ما كانت عليه، وزيادات هي من تمام المصالح. ويقال: إن أول من قطع الأيدي فى الجاهلية قريش، قطعوا رجلًا يقال له: دويك، مولي لبني مليح بن عمرو من خزاعة، كان قد سرق كنز الكعبة، ويقال: سرقه قوم فوضعوه عنده.
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٩٥) (١١٩١٠) قال: حدثنا ابن وكيع حدثنا أبي عن سفيان عن جابر به وسفيان بن وكيع ضعيف. وجابر هو ابن يزيد الجعفى ضعيف أيضًا ورواه أيضًا فى (١١٩٠٧) حدثنا ابن وكيع حدثنا فى يد بن هارون عن ابن عون عن إبراهيم قال: فى قراءتنا - قال: وربما فال: فى قراءة عبد الله - (والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما). ورواه البيهقى فى سننه (٨/ ٢٧٠) من طريق سعيد بن يحيى بن سعيد الأموى قال: ثنا مسلم بن خالد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد به. ومسلم بن خالد ضعفه غير واحد من الحفاظ واختلف فيه قول ابن معين والدارقطني فوثقاه مرة وضعفاه أخرى، وقال ابن عدى فى الكامل (٦/ ٢٣١٣): وهو حسن الحديث، وأرجو أنه لا بأس ول. والأثر ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٦) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وأبى الشيخ، وذكر أيضًا رواية ابن عون عن إبراهيم وزاد نسبتها إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وأبي الشيخ. [¬١]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٢٠٨ ]
وقد ذهب بعض الفقهاء من أهل الظاهر إلى أنه متى سرق السارق شيئًا؛ قطعت يده به سواء كان قليلًا أو كثيرًا؛ لعموم هذه الآية: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ فلم يعتبروا نصابًا ولا حرزًا بل أخذوا بمجرد السرقة.
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم: من طريق عبد المؤمن، عن نجدة الحنفي قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿والسارق والسارق فاقطعوا أيديهما﴾ أخاص أم عام؟ فقال: بل عام (^٤٢٦).
وهذا يحتمل أن يكون موافقة [من ابن عباس] [¬١] لما ذهب إليه هؤلاء، ويحتمل غير ذلك. فالله أعلم.
وتمسكوا بما ثبت فى الصحيحين (^٤٢٧)، عن أبي هريرة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده".
وأما الجمهور فاعتبروا [النصاب فى] [¬٢] السرقة وإن كان قد وقع بينهم الخلاف فى قدره، فذهب كل من الأئمة الأربعة إلى قول على حدة؛ فعند الإِمام مالك بن أنس ﵀: النصاب ثلاثة دراهم مضروبة خالصة، فمتى سرقها أو ما يبلغ ثمنها فما فوقه وجب القطع،
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٢٩٦) (١١٩١٤) قال: حدثنا ابن حميد حدثنا يحيى بن واضح حدثنا عبد المؤمن به. ونجدة بن نفيع الحنفى قال الذهبى فى الميزان (٥/ ٣٧٠): لا يعرف. وقال ابن حجر فى "التقريب": مجهول. والأثر: ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٦) وعزاه لابن جرير وأبن أبى حاتم.
(٢) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الحدود، باب: لعن السارق إذا لم يسم، حديث (٦٧٨٣)، وفي باب قول اللَّه تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وفى كم يقطع؟ حديث (٦٧٩٩)، ومسلم فى صحيحه كتاب الحدود، باب حد السرقة ونصابها، حديث (١٦٨٧) وغيرهما من طرق عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة به. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "لابن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٥ / ٢٠٩ ]
واحتج في ذلك بما رواه عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللَّه ﷺ "قطع في مِجَن ثمنه ثلاثة دراهم". أخرجاه في الصحيحين (^٤٢٨).
قال مالك ﵀: وقطع عثمان ﵁ في أترجة قومت بثلاثة دراهم، وهو أحب ما سمعت في ذلك. وهذا الأثر عن عثمان ﵁ قد رواه مالك، عن عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أبيه، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن سارقًا سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان أن تقوم، فقومت بثلاثة دراهم من [¬١] صرف [¬٢] اثني [¬٣] [عشر درهما] [¬٤] بدينار [¬٥]، فقطع عثمان يده (^٤٢٩).
قال أصحاب مالك: ومثل هذا الصنيع يشتهر، ولم ينكر، فمن مثله يحكى الإِجماع السكوتي، وفيه دلالة على القطع في الثمار خلافا للحنفية، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافًا لهم في أنه لابد من عشرة دراهم، وللشافعية في اعتبار ربع دينار، واللَّه أعلم.
وذهب الشافعي ﵀ إلى: أن الاعتبار فى قطع يد السارق بربع دينار، أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدًا، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم من طريق الزهري، عن عمرة، عن عائشة ﵂: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا" (^٤٣٠).
ولمسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة، عن عائشة - رضي اللَّه
_________________
(١) - رواه مالك فى الموطأ كتاب الحدود، باب: ما يجب فيه القطع، حديث (٢١) ومن طريقه رواه البخارى فى صحيحه كتاب الحدود، باب قول اللَّه تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وفى كم تقطع؟ حديث (٦٧٩٥) ومسلم فى الحدود، باب: حد السرقة ونصابها، حديث (١٦٨٦). ورواه البخارى فى نفس الموضع حديث (٦٧٩٦ - ٦٧٩٨)، ومسلم (١٦٨٦) من طرق عن نافع عن ابن عمر به.
(٢) - رواه مالك فى الموطأ كتاب الحدود، باب ما يجب فيه القطع، حديث (٢٣) وعنه رواه الشافعى (٢/ رقم ٢٧٣ - شفاء العى) والبيهقى فى السنن الكبرى (٨/ ٢٦٢)، وإسناده صحيح.
(٣) - رواه الشافعى (٢/ رقم ٢٧٠ - شفاء العى)، والبخارى في صحيحه، كتاب: الحدود، باب قول اللَّه تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وفى كم يقطع؟ حديث (٦٧٨٩)، ومسلم فىصحيحه فى الحدود، باب: حد السرقة ونصابها، حديث (١٦٨٤/ ١) من طريق الزهرى عن عمرة عن عائشة. ورواه البخارى رقم (٦٧٩٠)، ومسلم (١٦٨٤/ ٢) وغيرهما من طريق يونس عن ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة به. وللحديث طرق أخرى فى الصحيحين وغيرهما والألفاظ متقاربة. وانظر التالي. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "اثنا"، وسقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٢١٠ ]
عنها -: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا" (^٤٣١).
قال أصحابنا: فهذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما ساواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وأنه كان ثلاثة دراهم لا ينافي هذا؛ لأنه إذ ذاك كان الدينار باثنى عشر درهمًا، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق.
ويروى هذا المذهب عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب ﵃ وبه يقول عمر بن عبد العزنر، والليث بن سعد، والأوزاعي، والشافعي، وأصحابه، وإسحاق بن راهويه في رواية عنه، وأبو ثور، وداود بن علي الظاهري. ﵏.
وذهب الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه في رواية عنه: إلى أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي، فمن سرق واحدًا منهما، أو ما يساويه قطع عملا بحديث ابن عمر، وبحديث عائشة ﵄ (^٤٣٢)، ووقع في لفظ عند الإمام أحمد (^٤٣٣)، عن عائشة: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك". وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار اثني عشر درهمًا. وفي لفظ للنسائي (^٤٣٤): " لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن" قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت [¬١]: ربع دينار.
وهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، واللَّه أعلم.
وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه: أبو يوسف ومحمد وزفر، وكذا سفيان الثوري، ﵏، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب: عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة، واحتجوا
_________________
(١) - رواه مسلم فى صحيحه فى الحدود، باب حد السرتة ونصابها، حديث (١٦٨٤/ ٤)، والنسائى فى كتاب قطع السارق، باب: ذكر اختلاف أبى بكر بن محمد وعبد اللَّه بن أبى بكر عن عمرة فى هذا الحديث (٨/ ٧٩ - ٨٠) من طريق أبى بكر بن محمد به، وانظر الحديث السابق.
(٢) - تقدم حديث ابن عمر رقم (٤٤٨)، وحديث عائشة تقدم رقم (٤٥٠)، (٤٥١).
(٣) - رواه فى المسند (٦/ ٨١) من طريق أبى بكر بن محمد عن عمرة. وفيه قصة، وانظر رقم (٤٥١).
(٤) - رواه النسائى فى قطع السارق، باب: ذكر اختلاف أبى بكر بن محمد وعبد اللَّه بن أبى بكر عن عمرة فى هذا الحديث (٧/ ٨١) من طريق سليمان بن يسار عن عمرة عن عائشة. [¬١]- في ز: "قال".
[ ٥ / ٢١١ ]
بأن ثمن المجن الذي قطع فيه يد [¬١] السارق على عهد رسول اللَّه ﷺ كان ثمنه عشرة دراهم، وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة (^٤٣٥): حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى، عن محمد ابن إسحاق، [عن أيوب بن موسى، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: كان ثمن المجن على عهد
_________________
(١) - رواه ابن أبى شيبة فى الحدود، باب: من قال: لا تقطع فى أقل من عشرة دراهم، (٦/ ٤٦٥) (٢) وعنه أبو يعلى فى مسنده (٤/ ٣٧٥) (٢٤٩٥) قال: حدثنا عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق … فذكره بإسناده إلى ابن عباس قال: لا تقطع يد السارق فى دون ثمن المجن وثمن المجن عشرة دراهم. ورواه النسائى فىكتاب قطع السارق، باب: ذكر اختلاف أبى بكر بن محمد وعبد اللَّه عن عمرة فى هذا الحديث (٨/ ٨٣)، والدارقطني فى سننه (٣/ ١٩٢) عن ابن نمير، والحاكم (٤/ ٣٧٨) والدارقطنى (٣/ ١٩٢) والبيهقى (٨/ ٢٥٧) من طريق أحمد بن خالد الوهبى كلاهما، (ابن نمير، وأحمد بن خالد) عن محمد بن إسحاق بإسناده بلفظ: "كان ثمن المجن على عهد رسول اللَّه صلى عليه وسلم يقوم عشرة دراهم". ورواه أبو داود فى الحدود، باب ما يقطع فيه السارق حديث (٤٣٨٧) من طريقين عن ابن نمير عن محمد ابن إسحاق بنفس الإسناد ولفظه: "قطع رسول اللَّه ﷺ يد رجل فى مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم" وهذا إسناده ضعيف؛ محمد بن إسحاق صدوق لكنه يدلس وقد عنعن فى هذا الإسناد واختلف عليه فيه؛ فرواه النسائى (٨/ ٨٣) عن محمد بن سلمة قال: حدثنى ابن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء مرسل، ومحمد بن سلمة هو الحرانى ثقة لكن خالفه عبد الأعلى وابن نمير، وأحمد بن خالد الوهبى؛ فرووه عن ابن إسحاق موصولًا فروايتهم عن ابن إسحاق أصح. ورواه النسائي (٨/ ٨٣) من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق قال: حدثنى عمرو بن شعيب عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس به. وإبراهيم بن سعد ثقة من رجال الشيخين فيبدو أن ابن إسحاق قد اضطرب فى هذا الحديث؛ فرواه مرة موصولًا ومرة مرسلًا، ومرة عن أيوب عن عطاء، وأخرى عن عمرو بن شعيب عن عطاء. والحديث ضعفه الألبانى فى ضعيف أبى داود (٩٤٤)، وضعيف النسائى (٣٦١ - ٣٦٣) لكن يشهد له حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن قيمة المجن كان على عهد الرسول ﷺ عشرة دراهم"؛ رواه أحمد (٢/ ١٨٠) والنسائى (٨/ ٨٤) وابن أبى شيبة (٦/ ٤٦٥) من طريق عبد اللَّه ابن إدريس عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب به، ولحديث عمرو هذا طرق خرجها الألبانى - حفظه اللَّه - فى الإرواء (٢٤١٣) وحسن الحديث. وقد جمع الشافعى ﵀ بين هذا وما رواه الشيخان من حديث ابن عمر بن الخطاب المتقدم رقم (٤٤٢): أن قيمة المجن ثلاثة دراهم فقال ﵁: هذا رأى من عبد اللَّه بن عمرو فى رواية عمرو بن شحيب والمجان قديمًا وحديثا سلع يكون ثمن عشرة، ومائة، ودرهمين، فإذا قطع رسول اللَّه ﷺ فى ربع دينار قطع فى أكثر منه". [¬١]- سقط من: خ.
[ ٥ / ٢١٢ ]
النبي ﷺ عشرة دراهم.
ثم قال (^٤٣٦): حدثنا عبد الأعلى، عن محمد بن إسحاق] [¬١]، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن". وكان ثمن المجن عشرة دراهم.
قالوا: فهذا ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن؛ فالاحتياط: الأخذ بالأكثر؛ لأن الحدرد تدرأ بالشبهات (^٤٣٧).
وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار [¬٢]، أو ما يبلغ قيمته واحدًا [¬٣] منهما. يحكى هذا عن علي، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي، وأبي جعفر الباقر، رحمهم اللَّه تعالى.
وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس. أي: في خمسة دنانير أو خمسين درهمًا، وينقل هذا عن سعيد بن جبير ﵀.
وقد أجاب الجمهور عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة: "يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" (^٤٣٨) بأجوبة:
أحدها: أنه منسوخ بحديث عائشة (^٤٣٩)، وفي هذا نظر؛ لأنه لابد من بيان التاريخ.
والثاني: أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن. قاله الأعمش فيما حكاه البخاري رغيره عنه (^٤٤٠).
_________________
(١) - رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه فى الحدود، باب من قال: لا تقطع فى أقل من عشرة دراهم، حديث (٢)، وانظر تخريجه فى الحديث السابق.
(٢) - انظر كلام الشافعى فى الجمع بين الروايتين فى رقم (٤٤١).
(٣) - تقدم رقم (٤٣٧).
(٤) - تقدم حديث عائشة رقم (٤٤١)، (٤٤٢).
(٥) - رواه البخارى فى صحيحه فى الحدود، باب لعن السارق إذا لم يسم، عقب حديث أبي هريرة رقم (٦٧٨٣) المتقدم برقم (٤٤٧) قال: قال الأعمش … فذكره، وقال الحافظ فى شرحه: هو موصول بالإسناد المذكور. أى: إسناد حديث أبى هريرة. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "دينارًا". [¬٣]- في ز: "واحد".
[ ٥ / ٢١٣ ]
والثالث: أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده، ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإِخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في القليل والكثير، فلعن السارق الذي يبذل يده الثمينة في الأشياء المهينة.
وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قدم بغداد [¬١] اشتهر عنه أنه أورد إشكالًا على الفقهاء، في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرًا دل على جهله وقلة عقله، فقال:
[يد بخمس مئين عسجد وُدِيَتْ [¬٢] … ما بالها قطعت في ربع دينار
تناقض مالنا إلا السكوت له … وأن نعوذ بمولانا من النار] [¬٣]
ولما قال ذلك واشتهر عنه تطلبه الفقهاء، فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ أنه قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت هانت. ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإنه [¬٤] في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار؛ لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع فيه ربع دينار؛ لئلا يتسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب. ولهذا قال: ﴿جزاء بما كسبا نكالًا من اللَّه، واللَّه عزيز حكيم﴾ أي: مجازاة على صنيعهما السئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك.
﴿نكالا من اللَّه﴾ أي: تنكيلًا من اللَّه بهما على ارتكاب ذلك. ﴿واللَّه عزير﴾ أي: في انتقامه. ﴿حكيم﴾ أي [¬٥]: في أمره ونهيه، وشرعه وقدره.
ثم قال تعالى: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه، إن اللَّه غفور رحيم﴾ أي: من تاب بعد سرقته وأناب إلى اللَّه، فإن اللَّه يتوب عليه فيما بينه وبينه، فأما أموال الناس فلابد من ردها اليهم أو بدلها عند الجمهور.
وقال أبو حنيفة: متى قطع وقد تلفت في يده فإنه لا يرد [] [¬٦] بدلها، وقد روى الحافظ أبو أحسن الدارقطني من حديث [محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان] [¬٧] عن أبي هريرة أن رسول اللَّه
_________________
(١) [¬١]- في ز: "بغذاد". [¬٢]- في ز: "فديت". [¬٣]- في ز: "البيت الأول بعد البيت الثاني". [¬٤]- في ز: "فإن". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "في". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٥ / ٢١٤ ]
ﷺ أتي بسارق قد سرق شملة، فقال: "ما إخاله سرق؟ " فقال السارق: بلى يا رسول اللَّه. قال: "اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ثم ائتوني به". فقطع فأتى به، فقال: "تب إلى اللَّه". فقال: تبت إلى اللَّه. فقال: "تاب اللَّه عليك" (^٤٤١).
وقد روي من وجه آخر مرسلًا، ورجح إرساله على بن المدني [¬١] وابن خزيمة رحمهما اللَّه.
_________________
(١) - رواه الدارقطنى فى سننه (٣/ ١٠٢) ومن طريقه البيهقى فى سننه (٨/ ٢٧١) ورواه البزار فى مسنده كما فى كشف الأستار (١٥٦٠)، والطحاوى فى شرح معانى الآثار (٣/ ١٦٨) والحاكم فى المستدرك (٤/ ٣٨١)، والبيهقى (٨/ ٢٧٥ - ٢٧٦) من طرق عن عبد العزيز بن محمد الدراوردى به موصولًا، وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبى قلت: وليس هو على شرط مسلم، فإنه اختلف فيه عن الدراوردى، فرواه جماعة عن الدراوردى متصلًا وتابعه على وصله سيف بن محمد عند الدارقطنى (٣/ ١٠٣) وهو كذاب كما فى "التقريب" ورواه سريج بن يونس وسعيد بن منصور - كما في علل الدارقطنى (١٠/ ٦٦) - وعلى بن المدينى كما فى سنن البيهقى (٨/ ٢٧١) عن الدراوردى مرسلًا لم يذكروا فيه أبا هريرة، وهو الصواب، فإن المرسل رواه عبد الرزاق فى مصنفه (٧/ ٣٨٩) (١٣٥٨٣) عن ابن جريج وسفيان الثورى. وأبو داود فى مراسيله. والدارقطني (٣/ ١٠٣)، والطحاوى (٣/ ١٦٨) والبيهقى (٨/ ٢٧١) عن سفيان الثورى، والطحاوى عن ابن جريج، وأبو عبيد فى غريب الحديث (١/ ٣٤٩) عن إسماعيل بن جعفر، والطحاوى والبيهقى عن ابن إسحاق، أربعتهم (سفيان، وابن جريج، وإسماعيل، وابن إسحاق) عن يزيد بن خصيفة به مرسلًا. ورجح ابن خزيمة وابن المدينى - كما فى التلخيص الحبير (٤/ ٧٤) والدارقطني فى العلل (١٠/ ٦٧) وغير واحد -: إرساله، قال ابن حجر: وصحح ابن القطان الوصول. والحديث ضعفه الألبانى فى الإرواء (٢٤٣١)، وانظر نصب الراية (٣/ ٣٧١) وللحديث شاهد من رواية حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبى طلحة عن أبي المنذر مولى أبى ذر عن أبى أمية المخزومى أن رسول اللَّه ﷺ أتى بلص اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال له رسول اللَّه ﷺ: "ما إخالك سرقت؟ " قال: بلى قال: "فاذهبوا به فاقطعوه ثم جيئوا به" فقطعوه ثم جاءوا به. فقال له: "قل: أستغفر اللَّه وأتوب إليه". فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه. قال: "اللهم تب عليه". أخرجه أحمد (٥/ ٢٩٣)، وأبو داود فى الحدود، باب فى التلقين فى الحد، حديث (٤٣٨٠)، والنسائى فى قطع السارق، باب تلقين السارق (٨/ ٦٧)، وابن ماجه فى الحدود، باب تلقين السارق حديث (٢٥٩٧) والدارمى (٢٣٠٨)، والطحاوي في شرح المعاني (٣/ ١٦٨ - ١٦٩)، والبيهقي (٨/ ٢٧٦) من طرق عن حماد بن سلمة به. وإسناده ضعيف لجهالة أبى المنذر مولى أبى ذر؛ قال الخطابى - كما فى التلخيص الحبير (٤/ ٧٤) - فى إسناده مقال، قال: والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة، ولم يجب الحكم به. والحديث ضعفه أيضًا الألبانى فى إرواء الغليل (٢٤٤٦). [¬١]- في ز: "المديني".
[ ٥ / ٢١٥ ]
وروى ابن ماجة (^٤٤٢): من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن ثعلبة الأنصاري، عن أبيه: أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول اللَّه إني سرقت جملا لبني فلان، فطهرني. فأرسل إليهم النبي ﷺ فقالوا: إنا افتقدنا جملا لنا فأمر به فقطعت يده، [قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده] [¬١] وهو يقول: الحمد للَّه الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار.
وقال ابن جرير (^٤٤٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا موسى بن داود، حدثنا ابن لهيعة، عن حيي [¬٢] بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو، قال: سرقت امرأة حليًّا، فجاء الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، سرقتنا هذه المرأة. فقال رسول اللَّه ﷺ: "اقطعوا يدها اليمنى". فقالت المرأة: هل من توبة؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمّك". قال: فأنزل اللَّه ﷿ ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾.
وقد رواه الإِمام أحمد بأبسط من هذا، فقال (^٤٤٤): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثني حيَي بن عبد اللَّه، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد اللَّه بن عمرو: أن امرأة سرقت على عهد رسول اللَّه ﷺ، فجاء بها الذين سرقتهم، فقالوا: يا رسول اللَّه، إن هذه المرأة سرقتنا. قال قومها: فنحن نفديها. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه
_________________
(١) - رواه ابن ماجه فى سننه كتاب الحدود، باب السارق يعترف، حديث (٢٥٨٨) قال: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا ابن أبى مريم أنبأنا ابن لهيعة به. ورواه الطبرانى فى الكبير (٢/ ٨٦) (١٣٨٥) حدثنا أبو حبيب يحيى بن نافع المصرى ثنا سعيد بن أبى مريم ثنا ابن لهيعة به. وإسناده ضعيف؛ لضعف عبد اللَّه بن لهيعة. والحديث ضعفه البوصيرى فى مصباح الزجاجة (٢/ ٣١٧)، والألبانى فى ضعيف ابن ماجه (٥٦٢).
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٩٩) (١١٩١٧)، ورواه أحمد فى مسنده (٢/ ١٧٧) قال: حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة … فدكره، وقد نقله عنه الحافظ ابن كثير هنا. والحديث فى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٦/ ٢٧٩) وقال: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات. وذكره الحافظ فى الفتح (١٢/ ٩٥) ساكتًا عليه، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٩٧) وزاد نسبته لابن أبى حاتم. وأصل قصة المخزومية فى الصحيحين من حديث عائشة كما سيأتى.
(٣) - رواه فى مسنده (٢/ ١٧٧)، وانظر الحديث السابق. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "يحيى".
[ ٥ / ٢١٦ ]
عليه وسلم: "اقطعوا يدها". [فقالوا: نحن نفديها بخمسمائة دينار فقال: "اقطعوا يدها". قال] [¬١]: فقطعت يدها اليمنى فقالت المرأة: هل لي من توبة يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، أنت اليوم من خطيئك كيوم ولدتك أمك". فأنزل اللَّه في سورة المائدة ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن اللَّه يتوب عليه إن اللَّه غفور رحيم﴾.
وهذه المرأة هي المخزومية التي سرقت، وحديثها ثابت فى الصحيحين (^٤٤٥) من رواية الزهري، [عن عروة] [¬٢]، عن عائشة: أن قريشًا أهمهم شأن المرأة التي سرقت في عهد النبي ﷺ في غزوة الفتح، فقالوا: من يكلم فيها رسول اللَّه ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول اللَّه ﷺ. فأتي بها رسول اللَّه ﷺ، فكلمه فيها أسامة بن زيد، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتشفع في حدٍّ من حدود اللَّه ﷿ ". فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول اللَّه. فلما كان العشي قام رسول اللَّه ﷺ فاختطب، فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ، وإني والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها لا. ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها. قالت عائشة: فحسنت توبتها بعد وتزوّجت، وكانت تأتي بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه ﷺ. وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ له عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي ﷺ بقطع يدها.
وعن ابن عمر قال: كانت امرأة مخزومية تستعير متاعًا على ألسنة جاراتها وتجحده، فأمر رسول اللَّه ﷺ بقطع يدها. رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي وهذا لفظه، وفي لفظ له: أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس، ثم تمسكه، فقال رسول اللَّه ﷺ: " [لتتب هذه المرأة إلى اللَّه وإلى رسوله وتردّ ما تأخذ على القوم".
_________________
(١) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب الحدود، باب: كراهية الشفاعة فى الحد إذا رفع إلى السلطان، حديث (٦٧٨٨) وأطرافه في (٢٦٤٨)، (٣٤٧٥)، (٣٧٣٢)، (٣٧٣٣)، (٤٣٠٤)، (٦٧٨٧)، (٦٧٨٨)، (٦٨٠٠)، ومسلم فى كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره، والنهى عن الشفاعة فى الحدود حديث (١٦٨٨) من طرق عن الزهرى عن عروة به، والروايات مطولة ومختصرة وألفاظها متقاربة المعنى، واللفظ الذى ذكره المصنف لفظ مسلم برقم (٩/ ١٦٨٨)، واللفظ الثانى الذى ذكره الحافظ ابن كثير عند مسلم برقم (١٠/ ١٦٨٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ح.
[ ٥ / ٢١٧ ]
ثم قال رسول اللَّه ﷺ] [¬١]: "قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها" (^٤٤٦).
وقد ورد في أحكام السرقة أحاديث كثيرة مذكورة في كتاب الأحكام، ولله الحمد والمنة.
ثم قال تعالى: ﴿ألم تعلم أن اللَّه له ملك السموات والأرض﴾ أي: هو المالك لجميع ذلك، الحاكم فيه الذي لا معقب لحكمه، وهو الفعال لما يريد [﴿يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء واللَّه على كل شيء قدير﴾] [¬٢].
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
_________________
(١) - رواه أحمد (٢/ ١٥١)، وأبو داود فى الحدود، باب: فى القطع فى العارية إذا جحدت، حديث (٤٣٩٥) والنسائى فى كتاب قطع السارق، باب ما يكون حرزًا وما لا يكون (٨/ ٧٠ - ٧١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر وإسناده صحمِح على شرط الشيخين كما قال الألبانى فى إرواء الغليل (٨/ ٦٦). واللفظ الثانى رواه النسائى فى (٨/ ٧١) فال: أخبرنا عثمان بن عبد اللَّه قال حدثنى الحسن بن حماد، قال: حدثنا عمرو بين هاشم الجنبى أبو مالك عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ به. ومن طريقه رواه المزى فى "تهذيب الكمال" فى ترجمة الحسن بن حمّاد الحضرمى، وفى إسناده أبو مالك الجنبى قال البخارى فى التاريخ (٦/ ٣٨١) فيه نظر. وقال أبو حاتم الرازى فى الجرح والتعديل (٦/ ٢٦٧) بين الحديث يكتب حديثه. وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال ابن حبان فى المجروحين (٢/ ٧٧): كان ممن يقلب الأسانيد ويروى عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج بخبره. وقال ابن حجر فى "التقريب": بين أفرط فيه ابن حبان. ورواه النسائى (٨/ ٧١) من طريق شعيب بن إسحاق عن عبيد اللَّه عن نافع به مرسلًا. والحديث ذكره الحافظ فى فتح البارى (١٢/ ٩٠) من الطريقين وزاد نسبتهما إلى أبى عوانة. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: " ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ ".
[ ٥ / ٢١٨ ]
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣) إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾
نزلت هذه الآيات الكريمات فى المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم [¬١] وأهواءهم على شرائع الله ﷿ ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: أظهروا الإِيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ أعداء الإِسلام وأهله وهؤلاء كلهم ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: مستجيبون [¬٢] له منفعلون عنه ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أي: يستجيبون لأقوام آخرين [¬٣] لا يأتون مجلسك يا محمد، وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: يتأولونه على غير تأويله ويبدِّلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾.
قيل: نزلت في أقوام من اليهود قتلوا قتيلًا، وقالوا: تعالوا حتَّى نتحاكم إلى محمد، فإن أفتانا بالدية فخذوا ما قال، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه.
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "أموالهم". [¬٢]- في ز: "يستجيبون". [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٢١٩ ]
والصحيح: أنَّها نزلت فى اليهوديِّينْ اللذين [¬١] زنيا، وكانوا قد بدلوا كتاب الله الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرّفوا، واصطحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإِركاب على حمار مقلوبين، فلما وقعت تلك الكائنة بعد هجرة النبي ﷺ قالوا فيما بينهم: تعالوا حتَّى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم [¬٢] بذلك، [وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.
وقد وردت الأحاديث بذلك] [¬٣] فقال مالك، عن نافعٍ، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ [¬٤] ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا فيها [¬٥] آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (^٤٤٧).
أخرجاه [¬٦] وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ له فقال لليهود: "ما تصنعون بهما؟ ". قالوا:
_________________
(١) - رواه مالك فى الموطأ فى الحدود باب: ما جاء فى الرجم حديث (١) ومن طريقه البخارى فى صحيحه فى المناقب. باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ الآية حديث (٣٦٣٥). وفى الحدود، باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا. ورفعوا إلى الإِمام حديث (٦٨٤١) ومسلم فى الحدود، باب: رجم اليهود، أهل الذمة، فى الزنى، حديث (٢٧/ ١٦٩٩)، وأَبو داود فى الحدود، باب: فى رجم اليهوديين، حديث (٤٤٤٦)، والترمذى فى الحدود، باب: ما جاء فى رجم أهل الكتاب حديث (١٤٣٦) ورواية الترمذى مختصرة. ورواه البخارى رقم (١٣٢٩)، (٤٥٥٦)، (٧٣٣٢)، (٧٥٤٣) ومسلم (١٦٩٩) وغيرهما من طرق عن نافع عن ابن عمر، والروايات مختصرة مطولة. ورواه البخارى فى (٦٨١٩) من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر نحو رواية نافع. [¬١]- في ز: "الذين". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "فقال". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "وأخرجاه".
[ ٥ / ٢٢٠ ]
نُسخِّم وجوههما ونخزيهما. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فجاءوا فقالوا لرجل منهم ممن يرضون أعور: اقرأ، فقرأ حتَّى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، فقال [¬١]: ارفع يدك، فرفع فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد إن فيها آية الرجم ولكنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما فرجما (^٤٤٨).
وعند مسلم: أن رسول الله ﷺ أتي بيهودي ويهودية قد زنيا، فانطلق رسول الله ﷺ حتَّى جاء يهود فقال: "ما تجدون في التوراة على من زنى؟ " قالوا: نسوّد وجوههما [ونحملهما ونخالف بين وجوههما] [¬٢] ويطاف بهما. قال: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: فجاءوا بها فقرءوها، حتَّى إذا مر بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله ﷺ: مره فليرفع يده. [فرفع يده] [¬٣] فإذا تحتها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما [¬٤]. قال عبد الله بن عمر: كنت فيمن رجمهما، فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه (^٤٤٩).
وقال أَبو داود (^٤٥٠): حدَّثنا أحمد بن سعيد الهمداني، حدَّثنا ابن وَهْب، حدَّثنا هشام بن
_________________
(١) - رواه البخارى فى التوحيد، باب: ما يجوز من تفسير التوراة من كتب الله بالعربية وغيرها .. حديث (٧٥٤٣)، وانظر الحديث السابق.
(٢) - صحيح مسلم كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة فى الزنى، حديث (٢٦/ ١٦٩٩)، وانظر الحديث (٤٦٧).
(٣) - رواه فى سننه كتاب الحدود، باب: فى رجم اليهوديين حديث (٤٤٤٩) وقد تقدم الحديث من طريق نافع عن ابن عمر برقم (٤٦٧) وهو فى الصحيحين وغيرهما. وإسناد حديث أبي داود هذا حسن كما قال الألبانى فى إرواء الغليل (٥/ ٩٤) فإن أحمد بن سعيد الهمدانى قال فيه النسائى: ليس بالقوى. وقال: لو رجع عن حديث الغار لحدثت عنه. لكن ترجم له الذهبى في الميزان (١/ ١٠٠) فقال: لا بأس به. وقال ابن حجر ﵀ فى "التقريب": صدوق. وهشام بن سعد يعتبر بحديثه فى الشواهد والمتابعات فقد ضعفه يحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل، وقال ابن معين مرة: ضعيف، وقال مرة: ليس بمتروك الحديث، وضعفه النسائى أيضًا، وقال أَبو زرعة الرازى: شيخ محله الصدق، وكذا محمد بن إسحاق هكذا هو عندى، وهشام أحب إلى من محمد بن إسحاق، وقال أَبو حاتم: "كتب حديثه ولا يحتج به ومحمد بن إسحاق عندى واحد لكن روى أَبو عبيد الآجرى عن أبي داود قال: هشام بن سعد = [¬١]- في ز: "قال". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في ز: "فرجمهما".
[ ٥ / ٢٢١ ]
سعد: أن زيد بن أسلم حدثه عن ابن عمر قال: أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله ﷺ إلى القف فأتاهم فى بيت المدراس، فقالوا: يا أبا القاسم إن رجلا منا زنى بامرأة فاحكم. قال: ووضعوا لرسول الله ﷺ وسادة، فجلس عليها، ثم قال: "ائتوني" [¬١] [بالتوراة". فأتي بها فنزع الوسادة من تحته، ووضع التوراة عليها، وقال: "آمنت بك وبمن أنزلك". ثم قال] [¬٢]: "ائتوني [¬٣] بأعلمكم". فأتي بفتى شاب، ثم ذكر قصة الرجم نحو حديث مالك، عن نافع.
وقال الزُّهْريّ: سمعت رجلًا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه، ونحن عند ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: زنى رجل من اليهود بامرأة، فقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بفتيا دون الرجم قبلنا واحتججنا بها عند الله، قلنا: فتيا [نبى من أنبيائك] [¬٤]. قال: فأتوا النبي ﷺ وهو جالس في المسجد في أصحابه، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تقول في رجل وامرأة منهم زنيا؟ فلم يكلمهم كلمة حتَّى أتى بيت مدراسهم [¬٥]؛ فقام على الباب فقال: "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن". قالوا: يحمم ويجبه ويجلد. والتجبية: أن يحمل الزانيان على حمار، وتقابل أقفيتهما، ويطاف بهما. قال: وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله ﷺ سكت ألظ به رسول الله ﷺ النشدة، فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم. فقال النبي ﷺ "فما أوَّل ما ارتخصتم أمر الله"؟ فقال: زنى ذو ترابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثره من الناس، فأراد رجمه فحال قومه دونه، وقالوا: لا يرجم صاحبنا حتَّى تجيء بصاحبك فترجمه، فاصطحوا هذه العقوبة بينهم، فقال النبي ﷺ: "فإني أحكم بما في التوراة". فأمر بهما فرجما. قال الزُّهْريّ: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ فكان النبيّ ﷺ منهم (^٤٥١).
_________________
(١) = أثبت الناس فى زيد بن أسلم. قلت: فحديثه عن زيد قابل للتحسين خصوصًا وقد جاء الحديث من غير طريق عن ابن عمر رض الله عنهما.
(٢) - رواه أَبو داود فى الحدود، باب: فى رجم اليهوديين حديث (٤٤٥٠) قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهرى ثنا رجل من مزينة، ح، وثنا أحمد بن صالح ثنا = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين فى ز: "بنى إسرائيل". [¬٥]- في ز: "مدارسهم".
[ ٥ / ٢٢٢ ]
رواه أحمد، وأَبو داود وهذا لفظه، وابن جرير.
وقال الإِمام أحمد (^٤٥٢): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن عبد الله بن مرة، عن البراء بن عازب قال مر على رسول الله ﷺ يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال: "أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم"؟ فقالوا: نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال: "أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم"؟ فقال: لا والله ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتَّى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد. فقال
_________________
(١) = عنبسة ثنا يونس قال: قال محمد بن مسلم: سمعت رجلًا من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه … فذكر الحديث كما نقله المصنف هنا. والحديث رواه أَبو داود أيضًا برقم (٤٤٥١) ومن طريقه البيهقى فى السنن (٨/ ٢٤٧) من طريق ابن إسحاق عن الزهرى قال: سمعت رجلًا من مزينة يحدث عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة فذكره بمعنى الرواية الأولى. ورواه البيهقى (٨/ ٢٤٦ - ٢٤٧) من طريق أخرى عن ابن إسحاق، قال: حدثنى الزهرى فذكره نحوه، وصرح بالسماع من الزهرى ورواه أيضًا فى الأقضية، باب كيف يحلف الذمى؟؟ حديث (٣٦٢٥) من طريق ابن إسحاق أيضًا ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٠٣) (١١٩٢١) من طريق ابن إسحاق قال: حدثنى الزهرى قال: سمعت رجلًا من مزينة يحدث عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثهم … فذكره، ورواه أَبو داود برقم (٣٦٢٤) من طريق عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى ثنا رجل من مزينة، ونحن عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال النبيّ ﷺ يعنى لليهود -: "أنشدكم بالله الذى أنزل التوراة على موسى، ما تجدون فى التوراة على من زنى". وساق الحديث فى قصة الرجم. ورواه أحمد فى مسنده (٢/ ٢٧٩) قال حدَّثنا عبد الرزاق … فذكره بإسناده إلى ابن المسيب أن النبيّ ﷺ رجم يهوديًّا ويهودية. والحديث رجاله ثقات إلَّا أن الرجل الزنى لم يسم لكن يشهد له حديث ابن عمر المتقدم رقم (٤٦٧).
(٢) - رواه فى مسنده (٤/ ٢٨٦) كما نقله عنه ابن كثير ﵀ هنا ثم أعاده مرة أخرى بنفس الإسناد مختصرًا فى نفس الصفحة. والحديث رواه مسلم فى صحيحه كتاب الحدود، باب رجم اليهود، أهل الذمة فى الزنى حديث (١٧٠٠) وأَبو داود فى الحدود، باب: فى رجم اليهودين حديث (٤٤٤٧)، (٤٤٤٨)، والنسائى فى الكبرى كتاب الرجم، باب: إقامة الإِمام الحد على أهل الكتاب إذا تحاكموا إليه حديث (٧٢١٨) وفى التفسير حديث (١١١٤٤) وابن ماجه فى الأحكام، باب: بما يستحلف أهل الكتاب حديث (٢٣٢٧) مختصرًا، وفى الحدود، باب رجم اليهودى واليهودية حديث (٢٥٥٨) مطولًا، وأحمد فى المسند (٤/ ٢٩٠، ٣٠٠) من طريق الأعمش عن عبد الله بن مرة به.
[ ٥ / ٢٢٣ ]
النبي ﷺ: "اللهم إني أوَّل من أحيا أمرك إذ أماتوه". قل: فأمر به فرجم. قال: فأنزل الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ أي: يقولون أسلموا محمدًا فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا. إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. قال: في اليهود إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال: في اليهود. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: في الكفار كلهم.
انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري، وأَبو داود والنَّسائي وابن ماجة من غير وجه، عن الأعمَش به.
وقال الإِمام أَبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي فى مسنده (^٤٥٣): حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن مجالد بن سعيد الهمداني، عن الشعبى، عن جابر بن عبد الله، قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بالمدينة: أن سلوا محمدًا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوا عنه، فسألوه عن ذلك فقال: "أرسلوا إليَّ أعلم رجلين فيكم". فجاءوا برجل أعور يقال له: ابن صوريا وآخر، فقال لهما النبي ﷺ: ["أنتما أعلم من قبلكما". فقالا: قد دعانا قومنا لذلك. فقال النبي
_________________
(١) - مسند الحميدى (١٢٩٤). ورواه أَبو داود فى الحدود، باب فى رجم اليهوديين حديث (٤٤٥٢) وابن ماجة فى السنن كتاب الأحكام، باب بما يستحلف أهل الكتاب حديث (٢٣٢٨) مختصرًا من طريق أبي أسامة عن مجالد به، ورواية ابن ماجة مقتصرة على أن رسول الله ﷺ قفال ليهوديين: "أنشدتكما بالله الذى أنزل التوراة على موسى ﵇ … ". وفى رواية أبي داود: "فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاء أربعة فشهدوا". وقد ذكر المصنف ﵀ لفظ أبي داود كاملًا. وذكر الشهود فى هذه الرواية منكر، وقد رواها الدارقطني فى سننه (٤/ ١٧٠) وإسحاق بن راهويه وأَبو يعلى والبزار فى مسانيدهم، كما فى نصب الراية (٤/ ٨٥) كلهم قالوا: فدعا بالشهود فشهدوا. قال الزيلعى: وقال فى "التنقيح" قوله فى الحديث: فدعا بالشهود فشهدوا زيادة فى الحديث تفرد بها مجاهد ولا يحتج بما تفرد به. قال ابن عدى: عامة ما يرويه غير محفوظ. وقد رواه أَبو داود (٤٤٥٣) عن هُشَيم عن مغيرة عن إبراهيم والشعبى عن النبيّ ﷺ نحو رواية مجالد ولم يذكر: فدعا بالشهود فشهدوا. والموصول ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه، وصححه الألبانى فى صحيح أبي داود رقم (٣٧٤٠، ٣٧٤١) بشواهده.
[ ٥ / ٢٢٤ ]
ﷺ] [¬١] لهما: "أليس عندكما التوراة فيها حكم الله". قالا: بلى. فقال النبي ﷺ: "فأنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المن والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ ". فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط. قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والتقبيل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يبدئ ويعيد كما يدخل الميل في المكحلة، فقد وجب الرجم. فقال النبي ﷺ: " هو ذاك". فأمر به فرجم، فنزلت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾.
ورواه أبو داود وابن ماجة: من حديث مجالد به نحوه، ولفظ أبي داود: عن جابر، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، فقال ﷺ: "ائتوني بأعلم رجلين منكم" فأتوه بابني صوريا فنشدهما: "كيف تجدان أمر هذين في التوراة؟ " قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنَّهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما. قال: "فما يمنعكم أن ترجموهما". قالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود، فجاء أربعة فشهدوا: أنهم رأوا ذكره [في فرجها] [¬٢] مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله ﷺ برجمهما.
ثم رواه أبو داود: عن الشعبي وإبراهيم النخعي مرسلًا، ولم يذكر فيه: فدعا بالشهود فشهدوا.
فهذه أحاديث دالة على أن رسول الله ﷺ حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته؛ لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله ﷿ إليه بذلك وسؤاله إياهم عن ذلك، ليقرّرهم على ما [¬٣] بأيديهم مما تراضوا على كتمانه وجحده، وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به مع عملهم [¬٤] على خلافه، بان زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول ﷺ إنما كان عن هوى منهم وشهرة، لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا [¬٥]: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "علمهم". [¬٥]- في ز: "قال و".
[ ٥ / ٢٢٥ ]
هَذَا﴾ أي: الجلد والتحميم ﴿فَخُذُوهُ﴾ أي: اقبلوه ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ أي: من قبوله واتباعه. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: الباطل ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ أي: الحرام وهو الرشوة، كما قاله ابن مسعود (^٤٥٤) وغير واحد، أي: ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه، وأنى يستجيب له.
ثم قال لنبيه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ أي: يتحاكمون إليك ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أي: فلا عليك أن لا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق بل ما وافق أهواءهم [¬١]. قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقَتَادة، والسدي، وزيد بي أسلم، [وعطاء] [¬٢] الخراساني: هي منسوخة بقوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. أي: بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
ثم قال تعالى منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم الذي يزعمون أنَّهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه، وعدلوا إلى غيره مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه، وعدم لزومه لهم فقال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ أي: لا يخرجون عن حكمها، ولا يبدلونها، ولا يحرِّفونها، ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ أي: وكذلك الربانيون [] [¬٣] وهم
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١١٩٤٧)، (١١٩٤٩)، (١١٩٥١)، (١١٩٥٨) من طريق سالم ابن أبي الجعد عن مسروق عن عبد الله بن مسعود وللأثر طرق أخرى عن ابن مسعود عند ابن جرير، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٥٠٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق، والفريابى وعبد بن حميد وأبن أبي حاتم وهو عند ابن أبي حاتم فى التفسير (٤/ ١١٤٣) (٦٣٨٢) من طريق عبيد الله بن أبي الجعد عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمة أو يرد عليه حقًّا فأهدى له هدية فقبلها فذلك السحت. فقلنا: يا أبا عبد الرحمن، إنا كنا نعد السحت الرشوة فى الحكم فقال عبد الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. [¬١]- في ز: "هواهم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "منهم".
[ ٥ / ٢٢٦ ]
[العلماء العباد] [¬١]، والأحبار هم [¬٢] العلماء ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: بما استردعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ أي: لا تخافوا منهم وخافوني ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فيه قولان سيأتي بيانهما.