قال ابن جرير (^٦٠٢): حدثني المثنى، حدثنا الحجاج، حدثنا حماد، عن خالد الحذاء، عن عمير بن سعيد، قال: سمعت عليًّا ﵁ يقول: كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، وإنها خاصمت إلى الملكين هاروت وماروت، فراوداها عن نفسها، فأبت عليهما إلا أن يعلماها الكلام الذي إذا تكلم به أحدٌ [¬٤] يعرج به إلى السماء، فعلماها فتكلمت به [¬٥] فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكبًا.
وهذا الإسناد رجاله ثقات، وهو غريب جدًّا.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٠٣): حدثنا الفضل بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٣)، وتفسير ابن جرير ١٦٨٤ - (٢/ ٤٢٩).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠١٣ - (١/ ٣٠٦).
(٣) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٨٥ - (٢/ ٤٣٠).
(٤) - رواه ابن جرير ١٦٨٣ - (٢/ ٤٢٩)، ورواه الحاكم مطولًا (٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٥) - تفسير ابن أبي حاتم ١٠٠٨ - (١/ ٣٠٣). ورواه الحاكم (٢/ ٢٦٥). [¬١]- في ز، خ: "فليس". [¬٢]- في خ: "من". [¬٣]- في خ: "في". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١ / ٥٢٥ ]
إبراهيم بن موسى، أخبرنا [¬١] أبو معاوية، عن [ابن أبي خالد] [¬٢]، عن عمير بن سعيد، عن علي ﵁ قال: هما ملكان [¬٣] من ملائكة السماء. يعني: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾.
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره بسنده، عن مغيث، عن مولاه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن علي- مرفوعًا، وهذا لا يثبت من هذا الوجه.
ثم رواه من طريقين آخرين، عن جابر، عِن أبي الطفيل، عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لعن الله الزهرة، فإنها هي التي فتنت [¬٤] الملكين هاروت وماروت". وهذا أيضًا لا يصح (^٦٠٤)، وهو منكر جدًّا، والله أعلم.
وقال ابن جرير (^٦٠٥): حدّثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي، عن ابن مسعود، وابن عباس أنهما قالا جميعًا: لما كثر بنو آدم وعصوا، دعت الملائكة عليهم والأرض والجبال: ربنا لا [تمهلهم] [¬٥] تهلكهم [¬٦] فأوحى الله إلى الملائكة: إني [أزلت [¬٧] الشهوة والشيطان من قلوبكم] [¬٨] [وأنزلت الشهوة والشيطان في قلوبهم] [¬٩]، ولو نزلتم لفعلتم أيضًا.
قال: فحدّثوا أنفسهم أن لو ابتلوا اعتصموا، فأوحى الله إليهم أن اختاروا ملكين من أفضلكم، فاختاروا هاروت وماروت، فأهُبطا إلى الأرض، وأنزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس [يسمونها بيدخت] [¬١٠]، قال [¬١١]: فوقعا بالخطيئة، فكانت الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ فلما وقعا بالخطيئة استغفروا لمن في الأرض ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا.
_________________
(١) - ورواه ابن السني في عمل اليوم والليلة برقم (٦٥٤) من طريق عيسى بن يونس، عن أخيه إسرائيل عن جابر، عن أبي الطفيل، عن علي، به.
(٢) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٨٢ - (٢/ ٤٢٨). [¬١]- في ز، خ: "حدثنا". [¬٢]- في ز، خ: خالد. [¬٣]- في ز، خ: "ملكين". [¬٤]- في ز، خ: "قتلت". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في حاشية ز، وابن جرير: لعله: ألا تهلكهم. [¬٧]- في ز: أنزلت. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٩]- سقط من ز. [¬١٠]- سقط من: ز، خ. [¬١١]- في ز: قالا.
[ ١ / ٥٢٦ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٦٠٦): حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، أخبرنا [¬١] عبيد الله -يعني ابن عمرو- عن زيد بن أبي أنيسة، عن المنهال بن عمرو، ويونس بن خباب، عن مجاهد قال: كنت نازلًا على عبد الله بن عمر في سفر، فلما كان ذات ليلة قال لغلامه: انظر! هل [¬٢] طلعت الحمراء؟ لا مرحبًا بها ولا أهلًا، ولا حياها الله، هي صاحبة الملَكَين، قالت الملائكة: يارب [¬٣]؛ كيف تَدَعُ عصاة بني آدم وهم يسفكون الدم الحرام، وينتهكون محارمك، ويفسدون في الأرض؟
قال: إني قد ابتليتهم، فلعل [¬٤] إن [¬٥] ابتليتكم [¬٦] بمثل الذي ابتليتهم به فعلتم كالذي يفعلون. قالوا: لا. قال: فاختاووا من خياركم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال لهما: إلى مهبطكما إلى الأرض، وعاهد إليكما ألا تشركا، ولا تزنيا، ولا تخونا، فأهبطا إلى الأرض وألقى عليهما الشهوة [¬٧]، وأهبطت لهما الأرض في أحسن صورة امرأة، فتعرّضت لهما، فراوداها [¬٨] عن نفسها.
فقالت: إني على دين لا يصح [¬٩] لأحد أن يأتيني إلا من كان على مثله. قالا: وما دينك. قالت: المجوسية، قالا: الشرك! هذا شيء لا نقرّ به، فمكثت عنهما ما شاء الله تعالى، ثم تعرضت لهما فراوداها [¬١٠] عن [¬١١] نفسها. فقالت: ما شئتما، غير أن لي زوجًا، وأنا أكره أن يطلع على هذا مني فأفتضح، فإن أقررتما لي بديني، وشرطتما لي أن تصعدا بي إلى السماء فعلت. فأقرّا لها بدينها وأتياها فيما يريان، ثم صعدا بها إلى السماء، فلما انتهيا بها إلى السماء اخْتُطِفَتْ منهما، وقطعت أجنحتهما، فوقعا خائفين نادمين يبكيان، وفي الأرض نبي يدعو بين الجمعتين، فإذا كان يوم الجمعة أجيب. فقالا: لو أتينا فلانًا فسألناه فطلب لنا التوبة!، فأتياه، فقال: رحمكما الله، كيف يطلب التوبة [¬١٢] أهل الأرض لأهل السماء؟! قالا: إنا قد ابْتُلِينا، قال: ائتياني يوم الجمعة. فأتياه، فقال: ما أُجِبْتُ فيكما بشيء، ائتياني في الجمعة الثانية،
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٠١٤ - (١/ ٣٠٦، ٣٠٧). ويونس بن خباب: منكر الحديث، وهو متابع بالمنهال بن عمرو. [¬١]- في خ: "ثنا". [¬٢]- سقط من: ر [¬٣]- في ز: رب. [¬٤]- في ز: فعل، وفي خ: قبل. [¬٥]- في خ: "أن". [¬٦]- في خ: "أبتليكم". [¬٧]- في ز، خ: "الشبق". [¬٨]- في ز: فأراداها. [¬٩]- في خ: "يصلح". [¬١٠]- في ز: فأراداها. [¬١١]- في ز: على. [¬١٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥٢٧ ]
فأتياه، فقال: اختارا فقد خيّرتما؛ إن أحببتما [¬١] معافاة الدنيا وعذاب الآخرة، وإن أحببتما فعذاب الدنيا وأنتما يوم القيامة على حكم الله، فقال أحدهما: إن الدنيا لم يمض منها إلا قليل [¬٢]. وقال الآخر ويحك! إني قد أطعتك في الأمر الأوّل، فأطعني الآن، إن عذابًا يفنى ليس كعذاب يبقى. فقال [¬٣]: و[¬٤] إننا يوم القيامة على حكم الله، فأخاف أن يعذبنا، قال: لا، إني أرجو إن علم الله أنا قد اخترنا عذاب الدنيا مخافة عذاب الآخرة أن لا يجمعهما علينا. قال: فاختارا عذاب الدنيا، فجعلا في بكرات من حديد في قليب مملوءة من نار، عاليهما سافلهما. وهذا إسناد جيد إلى عبد الله بن عمر. وقد تقدّم في رواية ابن جرير من حديث معاوية ابن صالح، عن نافع، عنه، رفعه. وهذا أثبت وأصح إسنادًا. ثم هو -والله أعلم- من رواية ابن عمر. عن كعب. كما تقدّم بيانه [من رواية] [¬٥] سالم، عن أبيه. وقوله إن الزهرة نزلت على [¬٦] صورة امرأة حسناء، وكذا في المروي عن علي، فيه غرابة جدًّا.
وأقرب ما ورد في ذلك ما قال ابن أبي حاتم (^٦٠٧)، حدثنا عصام بن رواد [¬٧]، حدثنا آدم، أخبرنا [¬٨] أبو جعفر، حدثنا الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس ﵄ قال: لما وقع الناس من بعد آدم ﵇ فيما وقعوا فيه من المعاصي والكفر بالله، قالت الملائكة في السماء: يارب، هذا العالم الذي إنما خلقتهم لعبادتك وطاعتك، [] [¬٩] قد وقعوا فيما وقعوا فيه، وركبوا الكفر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والزنا، والسرقة، وشرب الحمر. فجعلوا يدعون عليهم، ولا يعذرونهم، فقيل: إنهم في غيب فلم يعذروهم. فقيل لهم: اختاروا منكم من أفضلكم مَلَكَين، آمرهما وأنهاهما. فاختاروا هاروت وماروت، فأُهبطا إلى الأرض، وجعل لهما شهوات بني آدم، وأمرهما الله أن يعبداه ولا يشركا به شيئًا، ونُهيا عن قتل النفس الحرام، وأكل المال الحرام، وعن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر. فلبثا في الأرض زمانًا يحكمان بين الناس بالحق، وذلك في زمن [¬١٠] إدريس ﵇ وفي ذلك الزمان امرأة حُسْنُها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب، وأنهما أتيا عليها فخضعا لها في القول، وأراداها [¬١١] على نفسها، فأبت إلا أن يكونا على أمرها وعلى دينها، فسألاها [¬١٢] عن دينها، فأخرجت لهما صنمًا. فقالت: هذا أعبده. فقالا: لا حاجة لنا في عبادة هذا فذهبا
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠١٢ - (١/ ٣٠٥). [¬١]- في ت: "خيرتما". [¬٢]- في خ: "القليل". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- زيادة من: خ. [¬٥]- في ز، خ: "عن". [¬٦]- في ت: "في". [¬٧]- في خ: "داود". [¬٨]- في خ: "حدثنا". [¬٩]- في خ: "و". [¬١٠]- في خ: "زمان". [¬١١]- في خ: "وراوداها". [¬١٢]- في خ: "فسألا".
[ ١ / ٥٢٨ ]
[فغبرا ما شاء الله] [¬١]، ثم أتيا عليها فأراداها على نفسها، [ففعلت مثل ذلك] [¬٢]. فذهبا، ثم أتيا عليها فراوداها على نفسها، فلما رأت أنهما قد أبيا أن يعبدا الصنم قالت لهما: اختارا أحد الخلال الثلاث: إما أن تعبدا هذا الصنم، [وإما أن تقتلا هذه النفس] [¬٣] وإما أن تشربا هذه الخمر. فقالا: كل هذا لا ينبغي، وأهون هذا شرب الخمر. فشربا الخمر. [فأخذت فيهما] [¬٤] فواقعا المرأة، فخشيا أن يخبر الإنسان عنهما فقتلاه، فلما ذهب عنهما السكر، وعلما ما وقعا فيه من الخطيئة، أرادا أن يصعدا إلى السماء، فلم يستطيعا، وحيل بينهما وبين ذلك، وكُشِفَ الغطاء فيما بينهما، وبين أهل السماء، فنظرت الملائكة إلى ما وقعا فيه، فعجبوا كل العجب، وعرفوا أنه من كان في غيب فهو أقل خشية، فجعلوا بعد ذلك يستغفرون لمن في الأرض، فنزل في ذلك: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. فقيل لهما: اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة. فقالا: أما عذاب الدنيا فإنه ينقطع ويذهب، وأما عذاب الآخرة فلا انقطاع له، فاختارا عذاب الدنيا، فجُعِلا، ببابل فهما يعذبان.
وقد رواه الحاكم في مستدركه مطوَّلًا عن أبي زكريا العنبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن راهويه، عن حكام بن سلم الرازي [¬٥]-وكان ثقة- عن أبي جعفر الرازي، به، ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فهذا أقرب ما روي في شأن الزهرة، والله أعلم (^٦٠٨).
وقال ابن أبي حاتم (^٦٠٩): حدثنا أبي، حدثنا مسلم [¬٦] حدثنا القاسم بن الفضل الحُدَّاني [¬٧]، حدثنا يزيد -يعني الفارسي- عن ابن عباس قال [¬٨]: إن أهل سماء الدنيا أشرفوا على أهل الأرض فرأوهم يعملون المعاصي، فقالوا: يارب؛ أهل الأرض كانوا [¬٩] يعملون بالمعاصي. فقال الله: أنتم معي، وهم في [¬١٠] غيب عني. فقيل لهم: اختاروا منكم ثلاثة، فاختاروا منهم ثلاثة على أن يهبطوا إلى الأرض، على أن يحكموا بين أهل الأرض، وجعل فيهم شهوة الآدميين، فأمروا أن لا يشربوا خمرًا، ولا يقتلوا نفسًا، ولا يزنوا، ولا يسجدوا لوثن. فاستقال منهم واحد فأقيل، فأهبط اثنان إلى الأرض، فأتتهما امرأة من أحسن الناس يقال لها: مناهية.
_________________
(١) - وقد أبطل الإمام ابن حزم قصة هاروت وماروت ورد على من ادعى شربهما الخمر وارتكابهما الزنا والقتل في كتابه الفصل (٣/ ٣٠٣ - ٣٠٨) (٤/ ٦١ - ٦٥).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠١٥ - (١/ ٣٠٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- مكررة في خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: الدارزي. [¬٦]- في ز، خ: "سالم". [¬٧]- في ز، خ: "الحراني". [¬٨]- زيادة من: ز، خ. [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥٢٩ ]
فهوياها جميعًا، ثم أتيا منزلها، فاجتمعا عندها، فأراداها فقالت لهما: لا، حتى تشربا خمري، وتقتلا ابن جاري، وتسجدا لوثني. فقالا: لا نسجد. ثم شربا من الخمر، ثم قتلا، ثم سجدا. فأشرف أهل السماء عليهما. فقالت لهما: أخبراني بالكلمة التي [¬١] إذا قلتماها طِرْتُما؟. فأخبراها. فطارت، فمسخت جمرة، وهي هذه الزهرة، وأما هما فأرسل إليهما سليمان بن داود فَخَيَّرَهُما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. فاختارا عذاب الدنيا. فهما مناطان بين السماء والأرض.
وهذا السياق فيه زيادات كثيرة، وإغراب ونكارة. والله أعلم بالصواب.
وقال عبد الرزاق (^٦١٠): قال معمر: قال قتادة والزهري: عن عبيد الله بن عبد الله ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾: كانا ملكين من الملائكة، فأهبطا ليحكما بين الناس. وذلك أن الملائكة سخروا من حكام بني آدم، فحاكمت إليهما امرأة، فحافا لها. ثم ذهبا يصعدان فحيل بينهما وبين ذلك، ثم [¬٢] خُيَّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. وقال معمر: قال قتادة: فكانا يعلمان الناس السحر فأخذ عليهما أن لا يعلما [¬٣] أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر.
وقال أسباط: عن السدى أنه قال: كان [¬٤] من أمر هاروت وماروت أنهما طعنا على أهل الأرض في أحكامهم فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشرًا من الشهوات فبها يعصونني، قال هاروت وماروت: ربنا لو أعطيتنا تلك الشهوات ثم نزلنا لحكمنا بالعدل، فقال لهما: انزلا فقد أعطيتكما تلك الشهوات العشر، فاحكما بين الناس، فنزلا ببابل دنياوند [¬٥] فكانا يحكمان، حتى إذا أمسيا عرجا، فإذا أصبحا هبطا، فلم يزالا كذلك حتى أتتهما امرأة تخاصم زوجها، فأعجبهما [] [¬٦] حسنها واسمها بالعربية زهرة [¬٧]، وبالنبطية [¬٨] بيذخت [¬٩] وبالفارسية أناهيد [¬١٠] فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني، قال الآخر: قد أردت أن أذكر لك فاستحييت منك، فقال الآخر، هل لك أن أذكرها لنفسها؟ قال نعم، ولكن كيف لنا بعذاب الله؟ قال الآخر: إنا لنرجو رحمة الله.
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٣). [¬١]- في خ: "الذي". [¬٢]- في ز: و. [¬٣]- في ت: "يعلمان". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ت: "دنباوند". [¬٦]- في ز: من. [¬٧]- في ز: الزهرة. [¬٨]- في ز: بالقبطية. [¬٩]- في ز، خ: "بيدخت". [¬١٠]- في ز: أتاهيذ.
[ ١ / ٥٣٠ ]
فلما جاءت تخاصم زوجها ذكر إليها نفسها، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فقضيا لها على زوجها، ثم واعدتهما خربة من الخرب يأتيانها فيها، فأتياها لذلك، فلما أراد الذي يواقعها قالت: ما أنا بالذي أفعل حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان منها، فأخبراها فتكلمت، فصعدت، فأنساها الله -تعالى- ما تنزل [¬١] به فثبتت [¬٢] مكانها وجعلها الله كوكبًا، فكان عبد الله بن عمر كلما رآها لعنها وقال [¬٣] هذه التي فتنت هاروت وماروت، فلما كان الليل أرادا أن يصعدا فلم يطيقا، فعرفا الهلكة، فخيرا بين [¬٤] عذاب الدنيا و[¬٥] عذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فعلقا ببابل وجعلا يكلمان الناس كلامهما وهو السحر.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: أما شأن هاروت وماروت، فإن الملائكة عجبت من ظلم بني، آدم وقد جاءتهم الرسل والكتب والبينات، فقال لهم ربهم -تعالى-: اختاروا منكم ملكين أنزلهما يحكمان في الأرض [بين بني آدم] [¬٦]، فاختاروا فلم يألوا هاروت وماروت، فقال لهما حين أنزلهما: أعجبتما [¬٧] من بني آدم من ظلمهم و[] [¬٨] معصيتهم وإنما تأتيهم الرسل والكتب من وراء رراء، وأنتما ليس بيني وبينكما رسول، فافعلا كذا وكذا، ودعا كذا و[¬٩] كذا، فأمرهما بأمر ونماهماشم [¬١٠] نزلا على ذلك ليس أحد أطوع لله منهما، فحكما فعدلا. فكانا يحكمان النهار بين بني آدم، فإذا أمسيا عرجا، فكانا مع الملائكة، وينزلان حين يصبحان، فيحكمان فيعدلان، حتى أنزلت عليهما الزهرة في أحسن صورة امرأة تخاصم، فقضيا عليها، فلما قامت وجد كل واحد منهما في نفسه، فقال أحدهما لصاحبه: وجدت مثل الذي وجدت؟ قال: نعم. فبعثا إليها أن ائتنا نقض لك. فلما رجعت قالا وقضيا لها، فأتتهما، فتكشفا لها عن عورتهما، وإنما كانت شهوتهما [¬١١] في أنفسهما، ولم يكونا كبني آدم في شهوة النساء ولذتها. فلما بلغا ذلك، واستحلا افتُتنا، فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت. فلما أمسيا عرجا فزُجرا فلم يؤذن لهما، ولم تحملهما أجنحتهما، فاستغاثا برجل من بنى آدم، فأتياه. فقالا: ادع لنا ربك. فقال: كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؛ قالا: سمعنا ربك يذكرك بخير في السماء. فوعدهما يوما، وغدا يدعو لهما فدعا لهما، فاستجيب له، فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فنظر أحدهما إلى صاحبه. فقال: ألا تعدم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا في الخلد، وفي الدنيا تسع مرات مثلها؟ فأمرا أن ينزلا ببابل، فثم عذابهما. وزعم أنهما معلقان في
_________________
(١) [¬١]- في ز: تنزل. [¬٢]- في ز، خ: "فبقيت". [¬٣]- في ز: فقال: [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز: من. [¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ر، خ. [¬٧]- في ز، خ: "أعجبتم". [¬٨]- في ز: من. [¬٩]- زيادة من: خ. [¬١٠]- في ز، خ: "ونهاهما ثم". [¬١١]- في ز: سوءتهما.
[ ١ / ٥٣١ ]
الحديد مطويان، يصفقان بأجنحتهما.
وقد روى في قصة [¬١] هاروت وماروت عن جماعة من التابعين، كمجاهد، والسدى، والحسن، وقتادة، وأبي العالية، والزهرى، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان [¬٢]، وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين، وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني إسرائيل، إذ ليس فيها حديث مرفوع صحيح متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن إجمال القصة من غير بسط ولا إطناب فيها، فنحن نؤمن بما ورد في القرآن على ما أراده الله -تعالى- والله أعلم بحقيقة الحال.
وقد ورد [في ذلك] [¬٣] أثر غريب، وسياق عجيب في ذلك، أحببنا أن ننبه عليه. قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٦١١) - رحمه الله تعالى-: حدثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة زوج النبي، ﷺ، أنها قالت: قدمت [عليّ امرأة] [¬٤] من أهل دومة الجندل، جاءت تبتغي رسول الله، ﷺ، بعد موته حداثة ذلك، تسأله [] [¬٥] أشياء دخلت فيه من أمر السحر، ولم تعمل به قالت عائشة، ﵂، لعروة: يا ابن أختي، فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله، ﷺ، فيشفيها، فكانت [¬٦] تبكي حتى إني لأرحمها، وتقول: إني أخاف أن أكون قد هلكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز، فشكوت ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك به فأجعله يأتيك، فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين، فركبت أحدهما وَرَكَبَتْ الآخر، فلم يكن كشيء [¬٧] حتى وقفنا ببابلَ، وإذا برجلين معلقين بأرجلهما. فقالا: ما جاء بك؟ فقلت [¬٨]: أتعلم [¬٩] السحر؟ فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري، فارجعي، فأبيت، وقلت [¬١٠]: لا. قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور، فبولي فيه. فذهبت ففزعت ولم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا: أفعلت؟ فقلت: نعم. فقالا: هِل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أرى [¬١١] شيئًا. فقالا: لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، ولا تكفري فَأرْبَبْتُ [¬١٢]، وأبيت فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه. [فذهبت فاقشعررت، وخفت، ثم رجعت إليهما وقلت: قد
_________________
(١) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٩٥ - (٢/ ٤٣٩ - ٤٤١). وابن أبي الزناد ضعيف. [¬١]- في ز: قضية. [¬٢]- في خ: "مقاتل". [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز، خ: "امرأة على". [¬٥]- في ز: عن. [¬٦]- في ز: كانت ز. [¬٧]- في ز: لشيء. [¬٨]- في ز، خ: "فقلنا". [¬٩]- في ز، خ: "نتعلم". [¬١٠]- في ز: فقلت. [¬١١]- في خ: "أو". [¬١٢]- في ز، خ: "فأربت".
[ ١ / ٥٣٢ ]
فعلت. فقالا: فما رأيت؟ فقلت: لم أرى شيئًا. فقالا: كذبت؛ لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري؛ فإنك على رأس أمرك، فَأرَبْبَتُ وأبيت. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه] [¬١] فذهبت إليه فبلت [¬٢] فيه، فرأيت فارسًا مقنعًا بحديد [خرج مني] [¬٣]، فذهب في السماء وغاب حتى ما أراه، فجئتهما فقلت: قد فعلت. فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا مقنعًا خرج [¬٤] مني [¬٥] فذهب في السماء حتى ما أراه. فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك. اذهبي. فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا، وما قالا لي شيئًا. فقالت: بلى لم تريدي شيئًا إلا كان: خذي هذا القمح فابذر [¬٦]؛ فبذرت، وقلت: اطلعي فأطلعت [¬٧]، وقلت: [احقلي فأحقلت] [¬٨] ثم قلت: افركي، فأفركت، ثم قلت: أيبسي فأيبست، ثم قلت: اطحني فأطحنت، ثم قلت: اخبزي فأخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان، سُقِطَ في يدي، وندمت، -والله- يا أم المؤمنين؛ والله [¬٩] ما فعلت شيئًا قط، ولا أفعله أبدًا.
ورواه ابن أبي حاتم (^٦١٢) عن الربيع بن سليمان، به [¬١٠] مطولًا كما تقدم. رزاد بعد قولها: ولا أفعله أبدًا: فسألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه رسلم-، حداثة وفاة رسول الله ﷺ وهم يومئذ متوافررن، فما دَرَوْا ما يقولون لها، وكلهم هاب، وخاف أن يفتيها بما لا يعلمه، إلا أنه قد قال لها ابن عباس -أو بعض من كان عنده لو كان أبواك حيين أو أحدهما؟.
قال هشام: فلو جاءتنا أفتيناها بالضمان. قال ابن أبي الزناد: ركان هشام يقول: إنهم كانوا من أهل الورع رالخشية [¬١١] من الله. ثم يقول هشام: لو جاءتنا مثلها اليوم لوجدت نَوْكَى، أهل حمق رتكلف بغيرعلم.
فهذا إسناد جيد إلى عائشة ﵂.
وقد استدل بهذا الأثر من ذهب إلى أن الساحر له تمكن في قلب الأعيان، لأن هذه المرأة بذرت، واستغلت في الحال.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠٢٩ - (١/ ٣١٢) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٣٧) من طريق الربيع بن سليمان به مطولًا. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "فبالت". [¬٣]- في ز، خ: فخرج. [¬٤]- في خ: منه. [¬٥]- في ز، خ: "منه". [¬٦]- في خ: "فاندري". [¬٧]- في خ: "فطلقت". [¬٨]- في ز، خ: "اجعلي فأجعلت". [¬٩]- سقط من ز. [¬١٠]- سقط من: خ. [¬١١]- في ز: وخشية.
[ ١ / ٥٣٣ ]
وقال آخرون: بل ليس له القدرة [¬١] إلا على التخييل، كما قال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾. واستدل به على أن بابل المذكورة في القرآن هي بابل العراق، لا بابل دُنباوند [¬٢] كما قاله السدي وغيره، ثم إن الدليل على أنها بابل العراق ما قال ابن أبي حاتم (^٦١٣):
حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح، حدّثني ابن وهب، حدّثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري [¬٣]: أن علي بن أبي طالب ﵁[مرّ ببابل وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه لصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة، فلما فرغ] [¬٤] قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أُصلي [بأرض المقبرة، ونهاني أن أصلي] [¬٥] ببابل فإنها ملعونة.
وقال أبو داود (^٦١٤): حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري [¬٦]: أن عليًّا مر ببابل، وهو يسير، فجاء المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن، فأقام الصلاة، فلما فرغ قال: إن حبيبي، ﷺ، نهاني: أن أصلي في المقبرة، ونهاني: أن أصلي بأرض بابل، فإنها ملعونة.
حدَّثنا أحمد بن صالح، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر، وابن لهيعة، عن حجاج [¬٧] بن شداد، عن أبي صالح الغفاري [¬٨]، عن علي، بمعنى حديث سليمان بن داود قال: فلما "خرج" مكان "برز".
وهذا الحديث حسن عند الإمام أبي داود، لأنه رواه، وسكت عليه [¬٩]، ففيه من الفقه كراهيةُ الصلاة بأرض بابل، كما تكره بديار ثمود الذين نهى رسول الله ﷺ عن الدخول إلى منازلهم، إلا أن يكونوا باكين.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٠١٠ - (١/ ٣٠٤). وأبو صالح الغفاري -سعيد بن عبد الرحمن- عن علي مرسل- العلائي ص ١٨٢ - .
(٢) - سنن أبي داود برقم (٤٩٠، ٤٩١). [¬١]- في ز: قدرة. [¬٢]- في ز، خ: "دنياوند". [¬٣]- في خ: "النقاري". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "النقاري". [¬٧]- في ز، خ: "الحجاج". [¬٨]- في خ: "الغفاري". [¬٩]- في ز، خ: "عنه".
[ ١ / ٥٣٤ ]
قال أصحاب الهيئة: وبعد ما بين بابل، وهي من إقليم العراق، عن البحر المحيط الغربي، [ويقال له] [¬١] "أوقيانوس [¬٢] " سبعون درجة.
ويسمون هذا طولًا، وأمّا عرضها، وهو بعد [¬٣] ما بينها وبين وسط الأرض من ناحية الجنوب وهو المسامت لخط الاستواء، اثنان [¬٤] وثلاثون درجة، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن قيس بن عباد، عن ابن عباس قال: فإذا أتاهما الآتي يريد السحر نهياه أشدّ النهي، وقالا له: إنما نحن فتنة فلا تكفر، وذلك أنهما علما الخير والشر، والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. قال [¬٥]: فإذا أبى عليهما أمراه أن يأتي مكان كذا وكذا، فإذا أتاه عاين الشيطانَ فعلَّمه، فإذا تعلم خرج منه النور، فنظر إليه ساطعًا في السماء فيقول: يا حسرتاه يا ويله [¬٦] ماذا أصنع؟.
وعن الحسن البصري أنه قال في تفسير هذة الآية: نعم أُنزل الملكان بالسحر، ليعلما [¬٧] الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة فلا تكفر. رواه ابن أبي حاتم.
وقال قتادة: كان أخذ عليهما أن لا يعلما أحدًا حتى يقولا: إنما نحن فتنة -أي: بلاء ابتلينا به فلا تكفر. وقال السدّي: إذا أتاهما إنسان يريد السحر، وعظاه، وقالا له: لا تكفر، إنما نحن فتنة. فإذا أبى قالا له: ائت هذا الرماد، فَبُلْ عليه. فإذا بال عليه، خرج منه نور فسطع حتى يدخل السماء، وذلك الإيمان.
وأقبل شيء أسودُ كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه [¬٨] وكلِّ شيء. وذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بذلك علماه السحر، فذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. الآية.
وقال سُنيد: عن حجاج عن ابن جريج في هذه الآية: لا يجتريء على السحر إلا كافر.
_________________
(١) [¬١]- في ز: ويقابله. [¬٢]- في ز، خ: "أولياوس". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "ثنتان". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "ويلاه". [¬٧]- في خ: "ليعلم". [¬٨]- في خ: "السماع".
[ ١ / ٥٣٥ ]
وأما الفتنة: فهي المحنة، والاختبار، ومنه قول الشاعر:
وقد فُتِن النَّاسُ في دينهم … وخلَّى ابنُ عفان شرًّا طويلا
وكذلك [¬١] قوله تعالى، إخبارًا عن موسى ﵇ حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ﴾ أي: ابتلاؤك، واختبارك، وامتحانك ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية [¬٢].
وقد استدل بعضهم بهذه الآية على تكفير من تعلم السحر، ويُستَشْهَدُ له بالحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار (^٦١٥)، حدَّثنا محمد بن المثنى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام، عن عبد الله قال: "من أتى كاهنًا، أو ساحرًا فصدّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ". وهذا إسناد جيد، وله شواهد أخر.
وقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت من علم السحر ما يتصرفون به فيما يتصرفون فيه من الأفاعيل المذمومة، ما إنهم ليفرّقون به بين الزوجين مع ما بينهما من الخلطة والائتلاف.
وهذا من صنيع الشياطين، كما رواه مسلم في صحيحه (^٦١٦)، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: "إن الشيطان ليضع [¬٣] عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم [¬٤] عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركتُه وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركتُه حتى فرّقت بينه، وبين أهله قال: فَيُقَرِّبُه ويدنيه، ويلتزمه، ويقول: نعم أنت".
وسبب التفريق بين الزوجين بالسحر، ما يخيل إلى الرجل، أو المرأة من الآخر من سوء منظر، أو خلق، أو نحو ذلك، أو عقد، أو بغضة، أو نحو ذلك من الأسباب المقتضية للفرقة، والمرء عبارة عن الرجل، وتأنيثه امرأة، ويثنَّى كل منهما ولا يجمعان، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. قال سفيان الثوري: إلا بقضاء الله. وقال محمد بن إسحاق: إلا بتخلية الله بينه وبين ما أراد. وقال الحسن البصري: ﴿وَمَا
_________________
(١) - صحيح مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم برقم (٢٨١٣). [¬١]- في ز: وكذا. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "يضع". [¬٤]- في خ: "أقلهم".
[ ١ / ٥٣٦ ]
هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشإ الله [¬١] لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله، كما قال الله تعالى. وفي رواية عن الحسن أنه قال: لا يضر هذا السحر إلا من دخل فيه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ أي: يضرهم في دينهم، وليس له نفع يوازي ضرره.
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة الرسول [¬٢] ﷺ لمن فعل فعلهم؛ ذلك أنه ما له في الآخرة من خلاق.
قال ابن عباس، ومجاهد، والسدّى: من نصيحب، [وقال عبد الرازق: عن معمر، عن قتادة: ما له في الآخرة من جهة عند الله، وقال عبد الرازق، وقال الحسن: ليس له دين] [¬٣].
وقال سعد [¬٤]: عن قتادة: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾. قال: ولقد [¬٥] علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم؛ أن الساحر لا خلاق له في الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ﴾ البديل: ما استبدلوا به من السحر عوضًا عن الإيمان، ومتابعة الرسل، لو كان لهم [¬٦] علم بما وعظوا به. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ﴾. أي: ولو أنهم آمنوا بالله ورسله [¬٧]، واتقوا المحارم، لكان مثوبةُ الله على ذلك خيرًا لهم، مما [¬٨] استخاروا لأنفسهم ورضُوا به، كما قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إلا الصَّابِرُونَ﴾.
وقد يستدل بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ من ذهب إلى تكفير الساحر، كما هو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل (^٦١٧)، وقول طائفة من السلف. وقيل: بل لا يكفر، ولكن حدُّه ضربُ عنقِه، لما رواه الشافعي، وأحمد بن حنبل رحمهما الله قال [¬٩]: أخبرنا سفيان [-هو ابن
_________________
(١) - رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (١٥٤٢) عن أبيه عن سفيان به. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "الرسل". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "سعيد". [¬٥]- في ز: وقد. [¬٦]- في خ: "له". [¬٧]- في ز: بما. [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥٣٧ ]
عيينة-] [¬١] عن عمرو بن دينار أنه سمع بِجَالةَ بن عَبَدةَ يقول: كتب عمر بن الخطاب ﵁: أن اقتلوا كلَّ ساحر، وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر. وقد أخرجه البخاري (^٦١٨) في صحيحه أيضًا. وهكذا صح أن حفصة أمَّ المؤمنين سحرتها جاريةٌ لها، فأمرت بها فقتلت (^٦١٩). قال الإمام أحمد بن حنبلٍ: [صح عن] [¬٢] ثلاثة [¬٣] من أصحاب النبي، ﷺ، في قتل الساحر.
وروى الترمذي (^٦٢٠) من حديث إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، عن جندب الأزدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "حدّ الساحر ضربه بالسيف".
ثم قال: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وإِسماعيل بن مسلم يضعف في الحديث، والصحيح عن الحسن، عن جندب موقوفًا.
قلت: قد رواه الطبراني (^٦٢١) من وجه آخر، عن الحسن، عن جندب مرفوعًا، والله أعلم.
وقد روي من طرف متعددة أنّ الوليد بن عقبة كان عنده ساحر يلعب بين يديه، فكان يضرب رأس الرجل، ثم يصيح به فيردّ إليه رأسه، فقال الناس: سبحان الله يحيي الموتى! ورآه رجل من صالحي المهاجرين، فلما كان الغد جاء مشتملًا على سيفه، وذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقًا [¬٤] فَلُيحيي نفسَهُ. وتلا قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك؛ فسجنه ثم أطلقه (^٦٢٢)، والله أعلم.
و[¬٥] قال الإمام [¬٦] أبو بكر الخلال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، حدثنا
_________________
(١) - رواه أحمد (١٦٥٧)، والشافعي في الرسالة (١١٨٣)، وفي الأم (٦/ ٩٦)، والطيالسي مختصرًا (٢٢٥)، والبخاري مطولًا (٦/ ١٨٤ - ١٨٥)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
(٢) - رواه عبد الله بن أحمد في مسائل أبيه، ط. المكتب الإسلامي برقم (١٥٤٣) عن أبيه عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر: أن حفصة سحرتها جاريتها، فذكره.
(٣) - سنن الترمذي برقم (١٤٦٠).
(٤) - الكبير (٢/ ١٦١) من طريق محمد بن الحسن بن سيار، عن خالد العبد عن الحسن عن سمرة به.
(٥) - الرجل الذي قتله هو جندب بن كعب، انظر القصة في: أسد الغابة لابن الأثير في ترجمة جندب بن كعب (١/ ٣٦١) وفي الإصابة للحافظ ابن حجر (١/ ٢٥١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "فثلاثة". [¬٤]- في ز، خ: "ساحرًا". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥٣٨ ]
يحيى بن سعيد، حدّثني أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كان [¬١] عند بعض الأمراء رجل يلعب فجاء جندب مشتملًا على سيفه فقتله، قال [¬٢]: أراه كان ساحرًا.
وحمل الشافعي ﵀ قصة عمر وحفصة على سحر يكون شركًا، والله أعلم.
(فصل)
حكى أبو عبد الله الرازي في "تفسيره " عن المعتزلة، أنهم أنكروا وجود السحر، قال: وربما كَفَّروا من اعتقد وجوده، قال: وأمّا أهلُ السنة فقد جوَّزوا أن يقدر الساحر أن يطير في الهواء، ويقلب الإنسان حمارًا [¬٣] والحمار إنسانًا، إلا أنهم قالوا: أن الله يخلق الأشياء عندما يقول الساحر تلك الرقى والكلمات المعينة، فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك، والنجوم، فلا، خلافًا للفلاسفة، والمنجمين، والصابئة، ثم استدل على وقوع السحر، وأنه بخلق الله تعالى، بقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومن الأخبار: بأن رسول الله، ﷺ، سُحِرَ، وأن السحر عمل فيه، وبقصة تلك المرأة مع عائشة ﵂ وما ذكرت تلك المرأة من إتيانها بابلَ، وتعلمها السحر.
قال: وبما يذكر في هذا الباب من الحكايات الكثيرة، ثم قال بعد هذا [¬٤]:
(المسألة الخامسة) في أنّ العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور: اتفق المحققون على ذلك، لأنّ العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. ولأنّ [¬٥] السحر لو لم يكن [¬٦] يُعْلَم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز [¬٧] معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا وما يكون واجبًا، فكيف [¬٨] يكون حرامًا وقبيحًا؟!.
هذا لفظه بحروفه في هذه المسألة، وهذا الكلام فيه نظر من وجوه:
أحدها [¬٩] قوله: العلم بالسحر ليس بقبيحٍ شرعًا [¬١٠]، [إن عنى به ليس بقبيح عقلًا] [¬١١]، فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا، ففي هذة الآية الكريمة تبشيع
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "فقال". [¬٣]- في خ: " أو". [¬٤]- في خ: "هذه". [¬٥]- مكررة في خ: بلفظ" ولئن". [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ز، خ: "المعجزة". [¬٨]- في ز: كيف. [¬٩]- في ت: "أحدهما". [¬١٠]- زيادة من: خ. [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٥٣٩ ]
لتعلم السحر، [وفي الصحيح (^٦٢٣): " من أتى عرافًا أو [¬١] كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمَّد"] [¬٢]. وفي السنن (^٦٢٤): " من عقد عقدة، ونفث فيها فقد سحر". وقوله: "ولا محظورًا [¬٣]- اتفق المحققون على ذلك". كيف لا يكون [محظورًا مع] [¬٤] ما [¬٥] ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاقُ المحققين يقتضي أن يكون قد [¬٦] نصَّ على هذه المسألة أئمة العلماء، أو أكثرهم، وأين نصوصهم على ذلك؟ ثم إدخاله علم [¬٧] السحر في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين بالعلم الشرعي، وَلِم قُلتَ إن هذا منه؟ ثم [¬٨] ترقيه [¬٩] إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم
_________________
(١) - صحيح، رواه أحمد ٩٥٣٢ - (٢/ ٤٢٩) من حديث عرف، عن خلاس، عن أبي هريرة، والحسن عن النبي، ﷺ بلفظ: "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد. ورواه الحاكم (١/ ٨) وعنه البيهقي في الكبرى (١/ ١٣٥) من حديث روح، عن عوف، عن خلاس ومحمد بن سيرين، عن أبي هريرة، به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرطهما جميعًا من حديث محمَّد بن سيرين ولم يخرجاه، وحدَّث البخاري، عن إسحاق، عن روح، عن عرف، عن خلاس ومحمد، عن أبي هريرة؛ قصة موسى أنه آدر. ورواه أبو يعلى الموصلي (٩/ ٥٤٠٨) من حديث عبد الرحمن بن سلام، عن إبراهيم بن طهمان، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، عن عبد الله بن مسعود -موقوفًا- ولفظه: "من أتى عرافًا أو ساحرًا أو كاهنًا فسأله فصدقه بما يقول - فقد كفر بما أنزل على محمَّد". ورواه أبو داود الطيالسي حديث ٣٨٢ (صـ ٥٠): حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن بريم، عن عبد الله -موقوفًا- قال: "من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد". ورواه البزار ٢٦٠٧ - (٢/ ٤٤٣). وقال البزار: ورواه غير واحد عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن عبد الله. وذكره الهيثمي (٥/ ١١٨) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، خلا هبيرة بن بريم، وهو ثقة. وهو عند مسلم برقم ١٣٥ - (٢٢٣٠) من حديث بعض أزواج النبي، ﷺ -مرفوعًا- بلفظ: من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة. ورواه أحمد أيضًا برقم ١٦٦٩٣ - (٤/ ٦٨)، و٢٣٣٢٨ - (٥/ ٣٨٠). ورواه البيهقي في الكبرى (٨/ ١٣٨).
(٢) - إسناده ضعيف منقطع، رواه النسائي في كتاب: تحريم الدم، باب: "الحكم في السحرة" (٧/ ١١٢) ثنا عمرو بن علي، ثنا أبو داود، ثنا عباد بن ميسرة المِنْقَرِيّ، عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا. والحسن لم يسمع من أبي هريرة عند الجمهور -كما قال المنذري في "الترغيب والترهيب" [٤/ ٣٢] وانظر جامع التحصيل صـ ١٦٤ - وعبّاد بن ميسرة لين الحديث عابد، وأورده الذهبي في الميزان (٢/ ٣٧٨) وقال: هذا الحديث لا يصح للين عباد وانقطاعه. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٤/ ٤١): وهو [¬١]- في ز: و. [¬٢]- ما بين المعكوفتين مكررة في خ. [¬٣]- في ز، خ: "محظورًا". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "فما". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- في خ: "ترقية".
[ ١ / ٥٤٠ ]
بالمعجز إلا به، ضعيف بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. ثم إن [¬١] العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلًا، ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين وعامتهم، كانوا يعلمون المعجز، ويفرّقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر، ولا تعلموه ولا علَّموه، والله أعلم.
ثم قد ذكر أبو عبد الله الرازي أن [¬٢] أنواع السحر ثمانية - (الأول): سحر الكلدانيين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة [¬٣] المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم، وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث الله [¬٤] إليهم إبراهيم الخليل، ﷺ، مبطلًا لمقالتهم، ورادَّا [¬٥] لمذهبهم [¬٦]، وقد استقصى في (كتاب السر المكتوم، في مخاطبة الشمس والنجوم) المنسوب إليه، كما [¬٧] ذكره [¬٨] القاضي ابن خلكان وغيره، ويقال: إنه تاب منه، وقيل: بل [¬٩] صنفه على وجه إظهار الفضيلة لا على سبيل الاعتقاد. وهذا هو المظنون به، إلا أنه ذكر فيه طرائقهم [¬١٠] في مخاطبة كلٍّ من هذه الكواكب السبعة، وكيفية ما يفعلون وما يلبسونه وما يتنسكون [¬١١] به.
قال: (والنوع الثاني) - سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية [¬١٢]، ثم استدل على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه، قال: وكما أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع إلى [¬١٣] الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، وما ذلك [¬١٤] إلا لأن النفوس خلقت مطيعةً [¬١٥] للأوهام.
قال: ولقد [¬١٦] اتفق العقلاء على أن الإصابة بالعين حق.
_________________
(١) = ضعيف. وأورده الألباني في ضعيف الجامع حديث (٥٧٠٢). وقد استنكر له -يعني: عباد- الحافظ ابن عدي هذا الحديث، فأورده في "الكامل" [٤/ ١٦٤٨]. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ت: وردًا. [¬٦]- في ز: لمذاهبهم. [¬٧]- في ز، خ: "فيما". [¬٨]- في ت: ذكرها. [¬٩]- في ز، خ: "أنه". [¬١٠]- فإنه: طريقهم. [¬١١]- في ت: "يتمسكون". [¬١٢]- سقط من: خ. [¬١٣]- في خ: "على". [¬١٤]- في خ: "ذاك". [¬١٥]- في ز، خ: "منطبعة". [¬١٦]- في ز، خ: "وقد".
[ ١ / ٥٤١ ]
وله أن يستدل على ذلك بما ثبت في الصحيح (^٦٢٥): أن رسول الله ﷺ قال: "العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين".
قال: فإذا عرفت هذا فنقول: النفس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًّا، فتستغني في هذه الأفاعيل [¬١] عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة؛ فتحتاج إلى الاستعانة بهذة الآلات.
وتحقيقُه أن النفس إذا كانت [مستعلية على] [¬٢] البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السموات، صارت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم، وإذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذة الذات [¬٣] البدنية، فحينئذ لا يكون لها تصرفٌ ألبتة إلا في هذا البدن. ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء، والانقطاع عن [الناس] [¬٤] [والرياضة] [¬٥].
(قلت): وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو علي قسمين: تارة تكون [¬٦] حالًا صحيحة شرعية يتصرف [بها فيما] [¬٧] أمر الله ورسوله [ﷺ]، ويترك [¬٨] ما نهى الله تعالى عنه ورسوله، ﷺ، فهذه [¬٩] الأحوال مواهبٌ من الله تعالى؛ وكراماتٌ للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع.
وتارة تكون الحالة فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله، ﷺ، ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إيَّاهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال -لعنه الله- له من [¬١٠] الخوارق للعادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة مع إنّه مذموم شرعًا لعنه الله!. وكذلك عن شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. وبسط هذا يطول جدًّا؛ وليس هذا موضعه.
قال: (والنوع الثالث) من السحر: الاستعانة [بالأرواح [¬١١] الأرضية] [¬١٢]؛ وهم الجن خلافًا للفلاسفة والمعتزلة: وهم على قسمين: مؤمنين [¬١٣]، وكفار وهم الشياطين.
_________________
(١) - رواه مسلم في كتاب السلام برقم ٤٢ - (٢١٨٨) من حديث عبد الله بن عباس ﵁. [¬١]- في ز، خ: "الأفعال". [¬٢]- في ز، خ: مشتغلة عن". [¬٣]- في ز، خ: "اللذات". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "النظر" [¬٥]- في ن: والرياء". [¬٦]- في ز: يكون. [¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: فيها". [¬٨]- في ز، خ: "وترك". [¬٩]- في ز، خ: "وهذه". [¬١٠]- في ت: "مع". [¬١١]- سقط من: خ. [¬١٢]- في ز: بالأرضية. [¬١٣]- في ز، خ: "مؤمنون".
[ ١ / ٥٤٢ ]
قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة، وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخن [¬١] والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير [¬٢].
(النوع الرابع) من السحر: التخييلات [¬٣] والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على [¬٤] أن البصر قد يخطئ، ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق و[¬٥] نحوه، عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة، وحينئذ يُظهر لهم شيئًا [¬٦] آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدًّا، ولو أنه سكت [ولم تكلم] [¬٧] بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.
(قال): وكلما كانت الأحوال التي تفيد حسن البصر نوعًا من أنواع الخلل أشدَّ، كان العملُ أحسن، مثل أن يجلس [¬٨] المشعبذ في موضع مضيء جدًّا -أو مظلم- فلا تقف القوة الناظرة [¬٩] على أحوالها بكلالها، والحالة هذه.
(قلت): وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾. وقال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم.
(النوع الخامس من السحر): الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية؛ كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت [¬١٠] ساعة من النهار ضرب بالبوق، من غير أن يمسه أحد، ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى يصوروها [¬١١] ضاحكة وباكية.
إلى أن قال: فهذه الوجوه من لطف أمور المخاييل.
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "الدخل". [¬٢]- في ز: تسخير. [¬٣]- في خ: التخيلات. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في خ: "شيء". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: "وما يتكلم". [¬٨]- في خ: "يحبس". [¬٩]- في خ: "الباطنة". [¬١٠]- في خ: "مضت". [¬١١]- في خ: "يصورونها".
[ ١ / ٥٤٣ ]
قال: وكان سحر سحرة فرعون من هذا القبيل.
(قلت): يعني ما قاله بعض المفسرين: إنهم عمدوا إلى تلك الحبال، والعصي، فحشوها زئبقًا، فصارت تتلوى بسبب ما فيها من ذلك الزئبق، فيخيل إلى الرائي أنها تسعى باختيارها.
قال الرازي: ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات، ويندرج في هذا الباب علم جَرِّ الأثقال بالآلات الخفيفة.
قال: وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابًا معلومة يقينية من اطَّلع عليها قدر عليها.
(قلت): ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم، بما يرونهم إياه من الأنوار؛ كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببيت المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفيةً إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطفة تروج على العوام منهم، وأما الخواص فهم معترفون بذلك، ولكن يتأولون: أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم، وفيه شبهة للجهلة الأغبياء من متعبدي الكرّامية، الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله ﷺ: "من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" (^٦٢٦) وقوله: "حدثوا عني ولا تكذبوا علي؛ فإنه من يكذب عليَّ يلج النار" (^٦٢٧).
ثم ذكر هاهنا حكاية عن بعض الرهبان، وهو أنه سمع صوت طائر حزين الصوت، ضعيف الحركة، فإذا سمعته الطيور ترقُّ له، فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله، وتوصّل إلى أن جعله أجوفَ، فإذا دخلته الريح يُسمع له صوتُ كصوت ذلك الطائر، وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح باب من ناحيته فيدخل الريح إلى داخل هذه الصورة، فيسمع صوتَها كُلُّ طائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور، فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا، فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة، ولا يدرون ما سببه، ففتنهم
_________________
(١) - هذا الحديث من الأحاديث المتواترة رواه جمع من الصحابة عن النبي، ﷺ، عدَّهم الإِمام الطبراني في جزء له فزادوا على الستين، وانظره في: صحيح البخاري في كتاب العلم، باب: إثم من كذب على النبي، ﷺ برقم (١٠٧) من حديث الزبير، وحديث (١١٠) من حديث أبي هريرة، ﵄، وفي مقدمة صحيح مسلم برقم ٢، ٣، ٤ - (٢، ٣، ٤) من حديث أنس وأبي هريرة والمغيرة ﵃.
(٢) - رواه البخاري برقم (١٠٦) - دون قوله: "حدثوا عني" - وكذا رواه مسلم في مقدمة صحيحه برقم ١ - (١) كلاهما من حديث علي ﵁.
[ ١ / ٥٤٤ ]
بذلك، وأوهم أن هذا من كرامات صاحب هذا القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
قال الرازي: (النوع السادس من السحر): الاستعانة بخواص الأدوية؛ يعني في الأطعمة والدهانات، قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن تأثير المغناطيس مشاهد.
(قلت): يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيًّا أنها أحوال له من مخالطة النيران، ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات.
قال: (النوع السابع من السحر) تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون السامع لذلك ضعيف العقل، قليل التمييز؛ اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب، والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء.
(قلت): هذا النمط يقال له: التنبلة، وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم، وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه، فإذا كان المتنبل حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من الناس من غيره.
قال: (النوع الثامن من السحر) السعي بالنميمة، والتضريب من وجوه خفيفة لطفة، وذلك شائع في الناس.
(قلت): النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب المؤمنين، فهذا حرام متفق عليه، فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس، وائتلاف كلمة المسلمين، كما جاء في الحديث: "ليس بالكذاب من ينم خيرًا" (^٦٢٨)، أو يكون على وجه التخزيل والتفريق بين جموع الكفرة؛ فهذا أمر مطلوب، كما جاء في الحديث: "الحرب خدعة" (^٦٢٩)، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب، وبين قريظة، وجاء إلى هؤلاء، فنمى إليهم عن هؤلاء كلامًا، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك، فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء والبصيرة النافذة، والله المستعان.
_________________
(١) - متفق عليه من حديث أم كلثوم بنت عقبة بلفظ: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرًا أو يقول خيرًا" رواه البخاري في الصلح، باب: ليس الكاذب الذي يصلح بين الناس حديث ٢٦٩٢. ورواه مسلم في البر حديث ١٠١ - (٢٦٠٥).
(٢) - متفق عليه من حديث جابر بن عبد الله، رواه البخاري في الجهاد والسير، باب: الحرب خدعة، حديث ٣٠٣٠، ومسلم ١٧ - (١٧٣٩)، ورواه أبو داود ٢٦٣٦، والترمذي ١٦٧٥، والنسائي في السير من الكبرى. وقد رُوي من حديث علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وكعب بن مالك، وأبي هريرة وعائشة.
[ ١ / ٥٤٥ ]
ثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر، وشرح أنواعه، وأصنافه.
(قلت): وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عمَّا لطف وخفي سببه. ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحرًا" (^٦٣٠). وسمي السحور لكونه يقع خفيًّا آخر الليل. والسَّحْرُ: الرئة، وهي محل الغذاء، وسميت بذلك؛ لخفائها؛ ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْرك أي: انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة ﵂: توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري (^٦٣١). وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾، أي أخفوا عنهم عملهم، والله أعلم.
وقال أبو عبد الله القرطبي: وعندنا أن السحر حق، وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافًا للمعتزلة، وأبي إسحاق الإسفرايني من الشافعية، حيث قالوا: إنه تمويه، وتخييل. قال: ومن السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، والشعوذي: البريد؛ لخفة سيره.
قال ابن فارس: وليست هذه الكلمة من كلام البادية.
قال القرطبي: ومنه ما يكون كلامًا يحفظ، ورقىً من أسماء الله تعالى، وقد يكون من عهود الشياطين، ويكون أدوية، وأدخنة، وغير ذلك. قال: وقوله ﵇: "إن من البيان لسحرًا" يحتمل أن يكون مدحًا كما تقوله طائفة، ويحتمل أن يكون ذمًّا للبلاغة قال: وهذا أصح. قال: لأنها تصوب الباطل حتى توهم السامع أنه حق، كما قال ﵊: "فلعل بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض فأقضي له" (^٦٣٢) الحديث.
_________________
(١) - صحيح، رواه البخاري من حديث ابن عمر في النكاح، باب الخطبة، حديث ٥١٤٦. وفي الطب باب: وإن من البيان لسحرًا حديث ٥٧٦٧، ورواه الترمذي في البر، باب: ما جاء في أن من البيان سحرًا حديث ٢٠٢٩. ورواه أبو داود في الأدب، باب: المتشدق بالكلام، حديث ٥٠٠٧. ورواه مسلم من حديث عمار في الجمعة برقم ٤٧ - (٨٦٩). وقد رُوي من حديث عبد الله بن عباس، رواه أبو داود حديث ٥٠١١، والترمذي ٢٨٤٥، وابن ماجه ٣٧٥٦. ورواه أبو داود من حديث بريدة بن الحصيب حديث ٥٠١٢.
(٢) - رواه البخاري في المغازي، باب: مرض النبي، ﷺ، ووفاته بوقم ٤٤٥١. ورواه مسلم في فضائل الصحابة حديث ٨٤ - (٢٤٤٣)، وأحمد حديث ٢٤٣٢٧ - (٤٨١٦).
(٣) - متفق عليه من حديث أم سلمة، رواه البخاري في الشهادات حديث (٢٦٨٠)، وفي الأحكام حديث (٧١٦٥)، وفي الحيل حديث (٦٩٦٧). ورواه مسلم في الأقضية حديث (١٧١٣). وهو عند الترمذي في الأحكام حديث (١٣٣٩)، وعند أبي داود في الأقضية بوقم (٣٥٨٣)، وعند النسائي في أدب القضاة حديث (٥٤٠١). وعند ابن ماجه في الأحكام حديث (٢٣١٧)، وعند أحمد ٢٦٦٠١ - (٦/ ٢٩٠). وهو عند أحمد من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٥٤٦ ]
(فصل)
وقد ذكر الوزير أبو المظفر يحيى بن محمَّد بن هبيرة، ﵀، في كتابه (الإشراف على مذاهب الأشراف) بابًا في السحر؛ فقال: أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة، فإنه قال: لا حقيقة له عنده.
واختلفوا فيمن يتعلم السحر، ويستعمله، فقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: يكفر بذلك.
ومن أصحاب أبي حنيفة من قال: إنْ تعلمه ليتقيه، أو ليجتنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقدًا جوازه، أو أنه ينفعه كفر.
وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء فهو كافر.
وقال الشافعي ﵀: إذا تعلم السحر؛ قلنا له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يوجب الكفر مثل ما اعتقده أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر.
قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله؟ فقال مالك وأحمد [¬١]: نعم. وقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا. فأمَّا إن قتل بسحره إنسانًا فإنه يقتل عند مالك، والشافعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يقتل، حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين. وإذا قتل، فإنه يقتل حدًّا عندهم، إلا الشافعي، فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصًا.
قال: وهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في المشهور عنهم [¬٢]: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل.
وأما ساحر أهل الكتاب فعند أبي حنيفة فإنه يقتل، كما يقتل الساحر المسلم.
وقال مالك، [وأحمد والشافعي]: لا يقتل. يعني لقصة لبيد بن الأعصم.
واختلفوا في المسلمة الساحرة، فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل، والله اُعلم.
وقال أبو بكر الخلال (^٦٣٣): أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: قُرئ على أبي عبد الله -يعني
_________________
(١) - عمر بن هارون هو البلخي: قال يحيى بن معين: كذاب خبيث، ورواه أبو بكر الخلال في كتابه" الجامعُ" "أهل الملل والردة والزنادقة وتارك الصلاة والفرائض" ص ٥٣٢ حديث ١٣٥٦. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "عنهما".
[ ١ / ٥٤٧ ]
أحمد بن حنبل-: عمر بن هارون، حدثنا يونس، عن الزهريّ قال: يقتل ساحر المسلمين، ولا يققال ساحر المشركين؛ لأن رسول الله ﷺ سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها.
[وقد نقل القرطبي، عن مالك ﵀ أنه قال في الذمي إذا سحر: يقتل إن قتل سِحْرُهُ، وحكى ابن خويز منداد، عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر:
إحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم، وإلا قتل.
والثانية: أنه يُقْتَل وإن أسلم.
وأمّا الساحر المسلم، فإن تضمَّن كفرًا؛ كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، لكن قال مالك: إذا ظُهِرَ عليه لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يُظهر عليه وجاءنا] [¬١] [تائبًا قبلناه، فإن قَتَلَ سِحْرُهُ قُتِلَ.
قال الشافعي: فإن قال: لم أتعمد القتل فهو مخطئ تجب عليه الدية.
(مسألة) وهل يُسْأَلُ الساحرُ حلًّا لسحره؟ فأجارُه سعيد بن المسيب، فيما نقله نقلًا عنه البخاري، وقال عامر الشعبي: لا بأس بالنشرة (^٦٣٤). وكره ذلك الحسن البصري، وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله! هلا تنشرت؟ فقال: "أمّا الله فقد شفاني، وخشيت أن أفتح على الناس شرًّا" (^٦٣٥)، وحكى القرطبي عن وهب أنه قال: يؤخذ سبع ورقات من سدر، فتدق بين حجرين، ثم تضرب بالماء، ويقرأ عليها آية الكرسي، ويشرب منها المسحور ثلاث حسوات، ثم يغتسل بباقيه، فإنه يذهب ما به، وهو جيد للرجل الذي يؤخذ عن امرأته.
(قلت): أنفع ما يستعمل لإذهاب السحر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك وهو المعوذتان، وفي الحديث: "لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما" (^٦٣٦) وكذلك قراءة آية الكرسي؛ فإنها مطردة للشيطان] [¬٢].
_________________
(١) - النُشرة؛ بالضم: ضرب من الرقية، والعلاج، يعالج به من كان ظن أن به مَسًّا من الجن. النهاية (٥/ ٥٤)، وقيل: هي حل السحر عن المسحور، وهي نوعان، أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، والثاني: النشرة؛ الرقية، والتعوذات، والأدوية، والدعوات المباحة، فهذا جائز.
(٢) - متفق عليه، رواه البخاري في كتاب الطب، باب: السحر برقم (٥٧٦٦)، ومسلم في كتاب السلام برقم ٤٣ - (٢١٨٩).
(٣) - رواه النسائي في السنن (٨/ ٢٥١) من حديث عقبة بن عامر، ﵁. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٥٤٨ ]
انتهى بحمد الله وتوفيقه الجزء الأول ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني وأوله تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)
[ ١ / ٥٥١ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيكُمْ مِنْ خَيرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾
نهى اللَّه تعالى عباده [¬١] المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم، وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يُعَانُون من الكلام ما فيه توريةٌ لما يقصدونه من التنقص [¬٢] عليهم لعائن اللَّه؛ فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا. يقولون: راعنا. يورُّون بالرعونة، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ وكذلك جاءت الأحاديث بالأخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سَلَّموا إنما يقولون: السامُ عليكم، والسام: هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ "وعليكم" (^٦٢٤). وإنه يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا.
والغرض أن اللَّه -تعالى- نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.
وقال الإمام أحمد (^٦٢٥): حدثنا أبو النضر، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية [¬٣]، عن أبي مُنيب الجُرَشي [¬٤]، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله، ﷺ: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له،
_________________
(١) - الصواب أن يقال في هذا المقام: "عليكم" بدون الواو؛ وذلك أنه إذا حذف "الواو" صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودٌ عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم، والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو حرف للعطف والجمع بين الشيئين. معالم السنن للخطابي (٨/ ٧٥).
(٢) - إسناده حسن، والحديث في المسند برقم ٥٦٦٧ - (٢/ ٩٢)، و٥١١٥، ٥١١٤ - (٢/ ٥٠). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٤٩) وقال: رواه أحمد، وفيه عبد الرحمن بن ثابت، وثقه ابن المديني وغيره، وضعفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. وقال السخاوي: فيه ضعف، ولكن له شواهد. وقال ابن تيمية: سنده جيد. وقال ابن حجر في الفتح: سنده حسن. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "التنقيص". [¬٣]- في خ: "بن ثابت". [¬٤]- في خ: "الحرسى".
[ ٢ / ٥ ]
وجعل رزقي تحت ظل رمحي، [وجعلت الذلة] [¬١]، والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم".
وروى أبو داود (^٦٢٦) عن عثمان بن أبي شيبة، عن أبي النضر هاشم بن القاسم به: "من تشبه بقوم فهو منهم" ففيه دلالة على النهي الشديد، والتهديد، والوعيد، على التشبه بالكفار في أقوالهم، وأفعالهم، ولباسهم، وأعيادهم، وعبادتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولم نُقَرر عليها.
و[¬٢] قال ابن أبي حاتم (^٦٢٧): حدثنا أبي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مسعر، عن مَعْن دمعون -أو أحدهما- أنّ رجلا أتى عبد اللَّه بن مسعود فقال: اعهد إليَّ، فقال: إذا سمعت اللَّه يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
وقال الأعمش، عن خيثمة، قال: ما تقرءون [¬٣] في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فإنه في التوراة: يا أيها المساكين.
وقال محمد بن إسحاق (^٦٢٨): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس ﴿راعنا﴾ أي: أرعنا سمعك.
وقال الضحاك (^٦٢٩): عن ابن عباس (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾. قال: كانوا يقولون للنبي ﷺ: أرعنا سمعك، وإنما ﴿راعنا﴾ كقولك: عاطنا.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٣٠): وروي عن أبي العالية، وأبي مالك، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة، نحو ذلك.
_________________
(١) - إسناد حسن، كالذي قبله، والحديث في سنن أبي داود في كتاب اللباس، باب: في لبس الشهرة برقم (٤٠٣١).
(٢) - رجاله ثقات، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١٠٤٤ - (١/ ٣١٧). ورواه أبو عبيد في فضائل القرآن (٧٤ - و٧٥)، وأحمد في الزهد (١٥٨) - كلاهما من طريق مسعر به؛ إلا أنه عند أحمد عن مسعر، عن معن قال: قال عبد الله .. وعنده زيادة في أوله. ورواه أبو نعيم في الحلية (١/ ١٣٠) من طريق أحمد بن حنبل، عن وكيع، عن مسعر، به، كما عند أحمد.
(٣) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير برقم ١٧٢٥ - (٢/ ٤٦٠).
(٤) - إسناده ضعيف، ورواه ابن أبي حاتم بإسناده ١٠٤٥ - (١/ ٣١٧)، وابن جرير ١٧٣١ - (٢/ ٤٦١).
(٥) - أوردها ابن أبي حاتم (١/ ٣١٧) وقول عطية وقتادة أخرجهما ابن جرير (١/ ٤٦٩ حلبي). [¬١]- في المسند: وجُعل الذل. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "يقرئون".
[ ٢ / ٦ ]
وقال مجاهد (^٦٣١): ﴿لا تقولوا راعنا﴾: لا تقولوا خلافا. وفي رواية: لا تقولوا: اسمع منا ونسمع منك.
وقال عطاء (^٦٣٢): ﴿لا تقولوا راعنا﴾ كانت لغة تقول [¬١] الأنصار فنهى اللَّه عنها.
وقال الحسن (^٦٣٣): ﴿لا تقولوا راعنا﴾ قال: الراعنُ من القولِ السخريُّ منه. نهاهم اللَّه أن يسخروا من قول محمد ﷺ وما يدعوهم إليه من الإسلام.
وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله.
وقال أبو صخر: ﴿لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا﴾ قال: كان رسول اللَّه ﷺ، إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول [¬٢]: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله ﷺ أن يقال ذلك له.
وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع، يدعى [¬٣] رفاعة بن زيد، يأتي النبيَّ، ﷺ، فإذا لقيه فكلمه قال: أرعني سمعك، واسمع غير مُسْمَع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع: غَيرَ صاغر. وهي كالتي في سورة النساء. فتقدم [¬٤] الله إلى المؤمنين ألا يقولوا: راعنا.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا.
قال ابن جرير (^٦٣٤): والصواب من القول في ذلك عندنا: أن اللَّه نهى المؤمنين: أن يقولوا لنبيه ﷺ: راعنا، لأنها كلمة كرهها [¬٥] اللَّه تعالى أن يقولها لنبيه ﷺ نظير الذي ذكر عن النبي ﷺ أنة قال: "لا تقولوا للعنب الكرم؛ ولكن قولوا: الحبلة، ولا تقولوا: عبدي ولكن قولوا: فتاي" (^٦٣٥) وما أشبه ذلك.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ١٠٤٧ - (١/ ٣١٨).
(٢) - رواه ابن أبي حاتم ١٠٤٦ - (١/ ٣١٨).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم ١٠٤٨ - (١/ ٣١٨).
(٤) - تفسير ابن جرير (٢/ ٤٦٣).
(٥) - روى مسلم من حديث علقمة بن وائل، عن أبيه، في كتاب الأدب حديث (٢٢٤٨): لا تقولوا الكرم ولكن قولوا: الحبلة -يعني العنب. ورواه الدارمي بلفظٍ مقاربٍ في الأشربة حديث ٢١١٤. ورواه أحمد من حديث أبي هريرة حديث ٧٥٠٩ بلفظ: لا تسموا العنب الكرم. وهو عند البخاري في الأدب، باب: لا تسبوا الدهر رقم ٦١٩٢. ومسلم في الأدب برقم (٢٢٤٧). [¬١]- زيادة من: خ. [¬٢]- في ت: "يقول". [¬٣]- في ت: ويدعى. [¬٤]- في خ: "فيقدم". [¬٥]- في ت: "كره".
[ ٢ / ٧ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يبين [تعالى بذلك] شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر اللَّه [¬١] تعالى من مشابهتهم للمؤمنين؛ ليقطع المودّة بينهم وبينهم. وينبه [¬٢] تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيه محمد ﷺ حيث يقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾
قال ابن أبي طلحة (^٦٣٦): عن ابن عباس ﵄: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما نبدل من آية.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ أي [¬٣]: ما نَمْحُ [¬٤] من آية.
وقال ابن أبي نَجِيح (^٦٣٧)، عن مجاهد: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ قال: نثبت خطها ونبدّل حكمها. [حدّث به] [¬٥] عن أصحاب عبد الله بن مسعود.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٣٨): وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.
وقال الضحاك: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾: ما نُنْسِكَ [¬٦]. وقال عطاء: أما ﴿مَا نَنْسَخْ﴾: فما نترك من القرآن. وقال ابن أبي حاتم: يعني تُرك فلم ينزل على محمد، ﷺ.
وقال السدي ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ نَسْخُها: قَبْضُها.
_________________
(١) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير برقم ١٧٤٧ - (٢/ ٤٧٣).
(٢) - ابن أبي حاتم ١٠٦٢ - (١/ ٣٢٢).
(٣) - ابن أبي حاتم ١٠٦٢ - (١/ ٣٢٢). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "ونبه". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "ما نمحوا". [¬٥]- عند ابن أبي حاتم: حدثنيه. وعند الطبري: حدثت به. [¬٦]- في خ: "ما نسيك".
[ ٢ / ٨ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٦٣٩): يعني: قبضها رفعها مثل قوله: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" وقوله "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا" (^٦٤٠).
وقال ابن جرير: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ ما ننقل من حُكْم آية إلى غيره، فنبدِّله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حرامًا، والحرام حلالًا، والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر، والنهي، والحظر، والإطلاق، والمنع، والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ، ولا منسوخ.
وأصل النسخ: من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة [إلى] [¬١] أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله، ونقل عبادَة إلى غيرها [¬٢]، وسواء نسخ حكمها أو خطها، [إذ هي] [¬٣] في كلتا حالتيها منسوخة.
وأما علماء الأصول، فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب، لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء، ولخّص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر، فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعَكسُه، والنسخ لا [¬٤] إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ، وذكر أنواعه، وشروطه، فمبسوط [¬٥] في فَنّ أصول الفقه.
وقال الطبراني (^٦٤١): حدثنا أبو شبيل [¬٦] عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول اللَّه، ﷺ، فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول اللَّه ﷺ فذكرا ذلك له، فقال رسول اللَّه، ﷺ: "إنها مما نسخ، وأنسي، فالهوا عنها" فكان الزهري يقرؤها: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ بضم النون الحفيفة.
_________________
(١) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٢٣).
(٢) - جزء من حديث متفق عليه، رواه البخاري في الرقاق باب: ما يتقى من فتنة المال حديث ٦٤٣٦. ومسلم في الزكاة ١١٦ - (١٠٨)، ورواه مسلم بمعناه حديث ١١٨ - (١٠٤٩). وهو عندهما من حديث أنس بمعناه.
(٣) - إسناده ضعيف جدًّا، والحديث في المعجم الكبير (١٢/ ٢٨٨). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٥) وقال: وفيه سليمان بن أرقم، وهو متروك. [¬١]- ستقط من: خ. [¬٢]- في خ: "غيره". [¬٣]- في ز: وهي. [¬٤]- سقط: خ. [¬٥]- في ت: فمبسوطة. [¬٦]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٩ ]
[] [¬١] سليمان بن أرقم: ضعيف.
[وقد روى أبو بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن نصر بن داود [عن] أبي عبيد، عن عبد الله بن صالح، عن الليث عن يونس وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا، ذكره القرطبي (^٦٤٢)] [¬٢].
وقوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾ فقرئ على وجهين: ننسأها وننسها، فأمّا من قرأها: نَنْسأَها بفتح النون والهمزة بعد السين فمعناه: نؤخرها.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ ننسأهَا﴾ يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.
و[¬٣] قال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: أو ننسأها نثبت خطها ونبدل حكمها.
وكما [¬٤] قال عبيد بن عُمَير، زمجاهد، وعطاء: أو ننسأها: نؤخرها ونرجئها.
وقال عطة العوفي: ﴿أو ننسأها﴾: نؤخرها فلا ننسخها.
وقال السدي مثله أيضًا، وكذا الربيع بن أنس.
وقال الضحاك: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها﴾ يعني الناسخ من المنسوخ.
وقال أبو العالية: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسأها﴾ أي: نؤخرها عندنا.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٤٣): حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل -يعني ابن مسلم- عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير،
_________________
(١) - القرطبي (٢/ ٦٣)، وأبو أمامة: ولد في حياة النبي، ﷺ، له رؤية ولم يسمع من النبي، ﷺ، معدود في الصحابة، وقال ابن سعد: كان ثقة. والحديث رواه أبو عبيد في الناسخ والنسوخ قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث … فذكره. ورواه الطحاوي بلفط مقارب في مشكل الآثار برقم (٢٠٣٤) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة به، وبرقم (٢٠٣٥) من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن أبي أمامة به. وقال الطحاوي: هكذا حدثنا يونس بهذا الحديث، فلم يتجاوز به أبا أمامة، وأصحاب الحديث يدخلون هذا في المسند؛ لأن أبا أمامة ممن ولد في عهد النبي ﷺ ويقول أهله: إن رسول اللَّه ﷺ كان سماه أسعد باسم أبي أمامة أسعد بن زرارة.
(٢) - إسناده ضعيف، إسماعيل بن مسلم ضعيف، والحديث رواه ابن أبي حاتم ١٠٧٠ - (١/ ٣٢٥). [¬١]- في خ: قال. [¬٢]- ما بين المعكوتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- زيادة من: خ.
[ ٢ / ١٠ ]
عن ابن عباس قال: خطنا عمر ﵁ فقال: يقول الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: نؤخرها.
وأما على قراءة ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ فقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: كان الله [﷿] [¬١] ينسي نبيه ﷺ ما يشاء، وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير (^٦٤٤): حدثنا سوار بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن، أنه قال في قوله: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنًا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٤٥): حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج -يعني الجزري- عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان مما ينزل الله على النبي، ﷺ، الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله ﷿: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾.
قال أبو حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري.
وقال عبيد بن عمير: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾؛ نرفعها من عندكم.
وقال ابن جرير (^٦٤٦): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ قال: فقال سعد: إنّ القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على آل المسيب قال الله -جل ثناؤه-: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾.
وكذا رواه عبد الرزاق (^٦٤٧)، عن هشيم.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ١٧٤٥، ١٧٥٤ - (٢/ ٤٧٢، ٤٧٤).
(٢) - إسناده ضعيف، محمد بن الزبير الحراني منكر الحديث، والحجاج بن تميم الجزري الرقي: قال النسائي ليس بثقة. وقال الأزدي: ضعيف. وقال ابن عدي: ليس له كثير رواية، ورواياته ليست بالمستقيمة. والحديث عند ابن أبي حاتم: ١٠٦٥ - (١/ ٣٢٣). ورواه ابن عدي (٦/ ٢٢٤٣).
(٣) - تفسير ابن جرير ١٧٥٥ - (٢/ ٤٧٥). والقاسم بن ربيعة ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر في (التهذيب ٨/ ٣٢٠): قرأت بخط الذهبي: ما حدث عنه سوى يعلى.
(٤) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٥). [¬١]- في خ: "تعالى".
[ ٢ / ١١ ]
وأخرجه الحاكم في مستدركه (^٦٤٨) من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى [¬١] بن عطاء، به. وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن محمد بن كعب، وقتادة، وعكرمة، نحو قول سعيد.
وقال الإمام أحمد (^٦٤٩): أخبرنا يحيى، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأبيٌّ أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أبي، وأبي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء. والله يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾.
وقال البخاري (^٦٥٠): [حدثنا عمرو بن علي] [¬٢] حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: أقرؤنا أبي، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبي؛ وذلك أنّ أبيًّا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ وقد قال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾.
وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أي في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا﴾ يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
وقال أبو العالية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ فلا نعمل بها ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ أي: نرجئها عندنا، نأت بها أو نظيرها.
وقال السدي: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي نركناه.
وقال قتادة: ﴿نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.
_________________
(١) - يعلى بن عطاء- ثقة - من رجال مسلم دون البخاري، وإن كان روى له البخاري في القراءة خلف الإمام. والقاسم بن ربيعة -مقبول -أي عند المتابعة، ذكره ابن حبان وحده في الثقات- لم يرو له سوى النسائي. ولم يرو عنه سوى يعلى بن عطاء. لذا لقول الحاكم: على شرط الشيخين، فيه نظر.
(٢) - صحيح، والحديث في المسند حديث ٢١١٦٢ - (٥/ ١١٣).
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ (٨/ ١٦ - ١٧ / رقم: ٤٤٨١). وطرفه في (٥٠٠٥). [¬١]- في خ: "معلى". [¬٢]- سقط من ز.
[ ٢ / ١٢ ]
وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يرشد تعالى عباده [¬١] بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو المتصرف، فكما يخلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها -تعالى- ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا، وفي هذا المقام رد عظيم، وبيان بليغ لكفر اليهود، وتزييف شبهتهم -لعنهم الله- في دعوى استحالة النسخ إما عقلًا، كما زعمه بعضهم جهلًا وكفرًا، وإما نقلًا كما تخرصه آخرون منهم افتراءً وإفكا.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٦٥١) ﵀: فتأويل الآية ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السموات والأرض، وسلطانهما دون غيري أحكم فيهما وفيما فيهما، بما أشاء، وآمر فيهما، وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ، وأبدل، وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي بما أشاء إذا أشاء، وأقرّ فيهما ما أشاء.
ثم [¬٢] قال: وهذا الخبر وإن كان خطابًا من الله تعالى لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوّة عيسى ومحمد -عليهما الصلاة والسلام- لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم الله: أنّ له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأنّ الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما شاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره، وأمره، ونهيه.
(قلت): الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله -تعالى- لأنه يحكم ما يشاء كما أنه [¬٣] يفعل ما يريد، مع [¬٤] أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدّمة، وشرائعه الماضية؛ كما أحلَّ لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرَّم ذلك. وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحًا لإسرائيل وبنيه، وقد حرَّم ذلك في شريعة التوراة
_________________
(١) - التفسير (٢/ ٤٨٨). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٢ / ١٣ ]
وما بعدها، [وأمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده ثم نسخ قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل] [¬١] وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون [¬٢] عنه.
وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا يصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود كما في كتبهم مشهورًا من البشارة برحمد ﷺ والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته ﵊ وأنه لا يُقْبَل عملٌ إلا على شريعته.
وسواء قيل: إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى بعثته ﵇، فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ وقيل: إنها مطلقة وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوبُ متابعته [¬٣] متعيّنٌ، لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدًا بالله ﵎.
[ففي هذا المقام بَيَّن تعالى جواز النسخ ردًّا على اليهود عليهم لعنة الله، حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ وقرئ في سورة آل عمران -التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب- وقوع النسخ في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الآية. كما سيأتي تفسيرها، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قال بوقوعه.
وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن.
وقوله ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدّة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول لم يُجب على ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يُجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك، والله أعلم [¬٤].
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "اتباعه". [¬٣]- في خ: "ويصدقون". [¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.
[ ٢ / ١٤ ]
الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾.
نهى الله تعالى المؤمنين [¬١] في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي، ﷺ، عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه؛ فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة.
ولهذ جاء في الصحيحين [¬٢] (^٦٥٢): (إنّ [¬٣] أعظم المسلمين جرمًا من سأل [¬٤] عن شيء لم يحرّم؛ فحرّم من أجل مسألته"، ولما سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد مع امرأته رجلًا (^٦٥٣)، فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت عن مثل ذلك، فكره رسول الله ﷺ المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة؛ ولهذا ثبت في الصحيحين (^٦٥٤) من حديث المغيرة بن شعبة: أنّ رسول الله ﷺ: كان ينهى عن قيل وقال، [وإضاعة المال، وكثرة السؤال] [¬٥]. وفي صحيح مسلم (^٦٥٥): " ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه". وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ ثلاثًا. ثم قال ﵇: "لا، ولو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم" ثم قال: "ذروني ما تركتكم" الحديث، وهكذا قال أنس بن مالك (^٦٥٦): نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء،
_________________
(١) - رواه البخاري في كتاب الاعتصام، باب: ما كره من كثرة السؤال برقم (٧٢٨٩)، ومسلم في كتاب الفضائل برقم ١٣٢ - (٢٣٥٨) من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.
(٢) - رواه البخاري في كتاب الطلاق، باب: من جوز الطلاق ثلاثًا، وباب: اللعان ومن طلق بعد اللعان برقم (٥٢٥٩، ٥٣٠٨)، ومسلم في كتاب اللعان برقم (١٤٩٢) من حدث سهل بن سعد ﵁.
(٣) - رواه البخاري في الزكاة، برقم (١٤٧٧) ورواه مسلم في كتاب الأقضية برقم ١٢، ١٣، ١٤ - (٥٩٣).
(٤) -) رواه مسلم في كتاب الحج برقم ٤١٢ - (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) - رواه مسلم في كتاب الإيمان، برقم ١٠، ١١ - (١٢). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "الصحيح". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ت: "يسأل". [¬٥]- في خ: "وكثرة السؤال، وإضاعة المال" ا. هـ.
[ ٢ / ١٥ ]
فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل [¬١] البادية فيسأله ونحن نسمع.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٦٥٧) في مسنده: أخبرنا أبو كريب، حدثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: إن [¬٢] كان ليأتي عليَّ السنة أريد أن أسأل رسول الله، ﷺ، عن الشيء فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب.
وقال البزار (^٦٥٨): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما رأيت قومًا خيرًا من أصحاب محمد ﷺ؛ [ما سألوه] [¬٣] إلا عن ثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ﴾ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ يعني هذا وأشباهَهُ.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعمّ المؤمنين والكافرين؛ فإنه، عليه الصلاة [¬٤] والسلام، رسول الله إلى الجميع، كما قال -تعالى-: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾.
قال محمد بن إسحاق (^٦٥٩): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد، عن ابن عباس قال: قال رافع بن حُرَيمَلَةَ -أو وهب بن زيد: يا محمد! ائتنا بكتاب تُنَزِّلُه علينا من السماء نقرؤه، وفجِّر لنا أنهارًا نتِّبعْك ونصدقك. فأنزل الله من قولهم: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله -تعالى-: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ قال: قال رجل: يا رسول الله!
_________________
(١) - لم نعثر عليه في المطبوع من مسند أبي يعلى.
(٢) - رواه أبو يعلى -كما في المطالب حديث ٣٩٥٥ - من حديث زهير، عن ابن فضيل، به. ورواه الدارمي (١٢٧) من حديث عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، عن ابن فضيل، به، وفيهما "ثلاث عشرة" بدل" ثنْتَي عشرة"، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٤٥٤) من طريق عبد الله بن عمر بن أبان، عن محمد بن فضيل، به، مطولًا. وأورده في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩) وقال: رواه الطبراني في الكبير وفيه عطاء بن السائب وهو ثقة، ولكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات.
(٣) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن جرير برقم ١٧٧٧ - (٢/ ٤٩٠). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٢ / ١٦ ]
لو كانت كَفَّارتنا [¬١] ككفَّارات [¬٢] بني إسرائيل؟ فقال النبي ﷺ: "اللَّهم لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكم الله خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل؛ كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه، وكفارتها، فإن كَفّرها كانت له خزيًا [¬٣] في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزيًا في الآخرة، فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل" قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال: (الصلوات الخمس من الجمعة إلى الجمعة كفارات [¬٤] لما بينهن" وقال: "من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه؛ وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك" فأنزل الله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
وقال مجاهد: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾: أن يريهم الله جهرةً؟ قال: سألت قريش محمدًا ﷺ أن يجعل لهم الصَّفَا ذهبًا قال: "نعم وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل [إن كفرتم" فأبوا ورجعوا] [¬٥].
وعن السدي، وقتادة نحو هذا، والله أعلم.
والمراد أن الله ذمَّ من سأل الرسول ﷺ عن شيء على وجه التعنت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ تعنتًا، وتكذيبًا، وعنادًا. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ أي: ومن يَشْتَر الكفر بالإيمان ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال. وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء واتباعهم، والانقياد لهم إلى مخالفتهم، وتكذيبهم والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.
وقال أبو العالية: يتبدل الشدة بالرخاء.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا
_________________
(١) [¬١]- في خ: "كفاراتنا". [¬٢]- في خ: "كفارات". [¬٣]- في خ: "كفارة". [¬٤]- في خ: "خيرا". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ١٧ ]
الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾
يحذر تعالى عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويُعْلِمُهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر [¬١]، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم، وفضل نبيهم، ويأمر عبادَهُ المؤمنين بالصفح والعفو، أو [¬٢] الاحتمال حتى يأتي أمر الله من النصر، والفتح. ويأمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك، ويرغبهم فيه، كما قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (^٦٦٠)، عن سعيد بن جبير، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: كان حُيَي بن أخطب، وأبو ياسر بن أخطب من أشد يهود للعرب حسدًا، إذ خصهم الله برسوله، ﷺ، وكانا جاهدين في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.
وقال عبد الرزاق (^٦٦١)، عن معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: هو كعب بن الأشرف.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٦٢): حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو النبيَّ صلى الله عليه ويمملم، وفيه [¬٣] أنزل الله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا﴾.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: أن رسولًا أميًّا يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفرًا، وحسدًا، وبغيًا، وكذلك قال الله تعالى: ﴿كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول: من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئًا، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرهم ووبخهم، ولامهم أشدَّ الملامة، وشرع لنبيه ﷺ وللمؤمنين ما هم عليه من التصديق والإيمان، والإقرار بما أنزل الله عليهم، وما أنزل من
_________________
(١) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن جرير (١٧٨٨)، وهو في السيرة لابن هشام ٢/ ١٩٧).
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٥).
(٣) - إسناده صحيح، والحديث عند ابن أبي حاتم ١٠٩٠ - (١/ ٣٣١ - ٣٣٢). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "و". [¬٣]- في خ: "وفيهم".
[ ٢ / ١٨ ]
قبلهم بكرامته، وثوابه الجزيل، ومعونته لهم.
وقال الربيع بن أنس: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ من قبل أنفسهم.
وقال أبو العالية: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ من بعد ما تبين لهم [¬١] أن محمدًا رسول الله يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسدًا، وبغيًا؛ إذ كان من غيرهم، وكذا قال قتادة، والربيع بن أنس، والسدي.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ مثل قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ الآية.
و[¬٢] قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٦٦٣) في قوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ نَسَخَ ذلك قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا [¬٣] الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقولُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فَنَسَخَ هذا عفوَهُ عن المشركين، وكذا قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي: إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٦٤)، حدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير: أن أسامة بن زيد أخبره قال: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى قال الله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان رسول الله ﷺ يتأول من العفو ما أمره [¬٤] الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل [¬٥]، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وهذا إسناده صحيح، ولم أره في شيء من الكتب الستة [ولكن له أصل في الصحيحين (^٦٦٥) عن أسامة بن زيد] [¬٦].
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١٧٩٦ - (٢/ ٥٠٣).
(٢) - إسناده صحيح، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١٠٩٥ - (١/ ٣٣٣).
(٣) - رواه البخاري في التفسير حديث (٤٥٦٦). وفي الأدب برقم (٦٢٠٧)، ورواه مسلم برقم (١٧٩٨). [¬١] زيادة من: خ. [¬٢]- زيادة من: خ. [¬٣]- في خ: "واقتلوا". [¬٤]- في خ: "أمر". [¬٥]- في خ: "بقتل". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ١٩ ]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَحُثهم [¬١] تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتَعُود عليهم عاقبتهُ يوم القيامة، من إقامة [¬٢] الصلاة وإيتاء الزكاة؛ حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ هذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ [¬٣] بَصِير﴾ يعني: أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيرًا، أو شرًّا؛ بأنه سيجازي كل عامل بعمله.
وقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ [¬٤] بَصِير﴾: وهذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، أنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سرًّا أو علانية، فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء؛ فيجزيهم بالإحسان خيرًا، وبالإساءة مثلها. وهذا الكلام، وإن كان [قد خرج] [¬٥] مخرج الخبر، فإن فيه رعدًا، ووعيدًا، وأمرًا، وزجرًا، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم؛ ليجدّوا في طاعته - إذ كان ذلك مُدَّخرًا لهم عنده حتى يثيبهم [¬٦] عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وليحذروا معصيته.
قال: وأما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ فإنه مبصر، صُرف إلى "بصير" كما صرف مُبْدع إلى "بديع"، ومؤلم إلى "أليم"، [والله أعلم] [¬٧].
وقال ابن أبي حاتم (^٦٦٦): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر، قال: رأيت رسول الله، صلى الله عليه رسلم [يفسر في] [¬٨] هذه الآية: ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، يقول: بكل شيء بصير.
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالتِ
_________________
(١) - في إسناده ضعف من أجل ابن لهيعة، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٣٦). [¬١]- في خ: "يحث". [¬٢]- في خ: "إقام". [¬٣]- في خ: "يعملون". [¬٤]- "يعملون". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "يثبتهم". [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- في ابن أبي حاتم: يقتري.
[ ٢ / ٢٠ ]
الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)﴾
يبين تعالي اغترار اليهود والنصاري بما هم فيه؛ حيث ادّعت كل طائفة من اليهود والنصاري: أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، كما أخبر الله عنهم في سورة المائدة أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم [¬١] بذنوبهم، ولو كانوا كما ادّعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدّم من دعواهم: أنه لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينتقلون إلي الجنة، وردّ عليهم تعالي في ذلك، وهكذا قال لهم في هذه الدعوى التي ادّعَوْها [¬٢] بلا دليل، ولا حجة، ولا بينة فقال: ﴿تلك أمانيهم﴾.
وقال أبو العالية: أماني: تمنَّوْها علي الله بغير حق. وكذا قال قتادة، والربيع بن أنس.
ثم قال تعالى: ﴿قل﴾ أي: يا محمد، ﴿هاتوا برهانكم﴾.
قال أبو العالية، ومجاهد، والسدي، والربيع بن أنس: حجتكم. وقال قتادة: بيِّنتكم علي ذلك ﴿إن كنتم صادقين﴾ أي [¬٣] فيما [¬٤] تدعونه.
ثم قال تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾. الآية.
وقال أبو العالية والربيع: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾. يقول: من أخلص لله.
وقال سعيد بن جبير: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾: أخلص ﴿وجهه﴾، قال: دينه ﴿وهو محسن﴾ أي: متبع [¬٥]، فيه الرسولَ، ﷺ، فإن للعمل المتقبل شرطين: أحدَهما [¬٦] أن يكون خالصًا لله وحده، والآخر: أن يكون صوابًا موافقًا للشريعة، فمتي كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يتقبل؛ ولهذا قال [رسول الله] [¬٧] ﷺ: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" رواه مسلم من حديث عائشة، عنه، ﵊.
_________________
(١) [¬١]- في خ: "يعذبهم". [¬٢]- في خ: "ادعو". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: كما. [¬٥]- في ت: "يتبع". [¬٦]- مكررة في خ. [¬٧]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٢١ ]
فعمل الرهبان ومن شابههم، وإن فرض أنهم مخلصون [¬١] فيه لله، فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعًا للرسول، ﷺ، المبعوث إليهم والي الناس كافة، وفيهم وأمثالهم قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ و[قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ (٥)﴾] [¬٢]. وروي عن أمير المؤمنين عمر، ﵁، أنه تأوّلها في الرهبان كما سيأتي.
وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله تعالى فهو أيضًا مردود على فاعله، وهذا حال [المرائين والمنافقين] كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ وقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾.
وقوله: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ضَمِن لهم تعالي علي ذلك تحصيل الأجور، وآمنهم مما يخافون من المحذور فـ: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ فيما يستقبلونه، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ علي ما مضى مما يتركونه. كما قال سعيد بن جبير فـ: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ يعني في الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يعني: لا يحزنون] [¬٣] للموت.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَى لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ يبين [¬٤] به تعالي تناقضَهُم، وتباغضَهُم، وتعاديهم، وتعاندهم، كما قال محمد بن إسحاق (^٦٦٧): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصاري علي رسول الله ﷺ، أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله ﷺ، فقال رافع بن حُرَيملة: ما أنتم علي شيء، وكَفَرَ بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصاري لليهود: ما أنتم علي شيء وجَحَدَ بنبوّة موسى، وكفر بالتوراة. فأنزل الله تعالى
_________________
(١) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير ١٨١١ - (٢/ ٥١٣). [¬١]- " يخلصون". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في ت: "بين".
[ ٢ / ٢٢ ]
في ذلك من قولهما: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: إن كلًّا يتلو في كتابه تصديق من كفر به، أي: يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة، فيها ما أخذ الله عليهم علي لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء به [¬١] من التوراة من عند الله، وكل [¬٢] يكفر بما في يد [¬٣] صاحبه.
وقال مجاهد في تفسير هذه الآية: قد كانت أوائل اليهود والنصاري علي شيء.
وقال قتادة: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ﴾ قال: بلي [¬٤] قد كانت أوائل النصاري علي شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. ﴿وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ﴾ قال: بلي [¬٥]، قد كانت أوائل اليهود علي شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرّقوا.
وعنه رواية أخرى؛ كقول أبي العالية، والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ لَيسَتِ النَّصَارَي عَلَي شَيءٍ وَقَالتِ النَّصَارَي لَيسَتِ الْيَهُودُ عَلَي شَيءٍ﴾. هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا علي عهد رسول الله- ﷺ وهذا القول يقتضي أن كلًّا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع [¬٦] علمهم بخلاف ذلك. ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: وهم يعلمون أن [¬٧] شريعة التوراة والإنجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم [¬٨] تجاحدوا فيما بينهم عنادًا، وكفرًا، ومقابلة للفاسد بالفاسد، كما تقدم عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ [] [¬٩] لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ يبيِّن [¬١٠]، بهذا جهل اليهود، والنصارى فيما تقابلوا به من القول، وهذا من باب [الإيماء والإشارة] [¬١١] وقد اخْتُلف فيمن عُني بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [فقال الربيع بن أنس، وقتادة ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. قالا: قالت النصاري مثل قول اليهود وقيلهم] [¬١٢].
_________________
(١) [¬١]- زيادة من: خ. [¬٢]- في خ: "وكفر". [¬٣]- في خ: "يدي". [¬٤]- في ز، خ: "بل". [¬٥]- في ز، خ: "بل". [¬٦]- في ت: من. [¬٧]- زيادة من: خ. [¬٨]- في ز، خ: "ولكن". [¬٩]- في ز، من قبلهم. [¬١٠]- في ت: "بين". [¬١١]- ما بين المعكوفتين في خ: "الإيمان والإسارة". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٢٣ ]
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أم كانت قبل اليهود والنصاري وقبل التوراة والإنجيل.
وقال السدي: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فهم العرب، قالوا: ليس محمد علي شيء.
واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامّة تصلح للجميع، وليس ثم دليل قاطع يعين واحدًا من هذه الأقوال، والحمل علي الجميع أولى، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: إنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه، ولا يظلم مثقال ذرّة. وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَينَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾
اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسَعَوا في خرابها علي قولين:
(أحدِهما): ما رواه العوفي في تفسيره، عن ابن عباس (^٦٦٨) في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ قال: هم النصاري.
وقال مجاهد: هم النصاري. كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذي، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقال عبد الرزاق (^٦٦٩)، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بُخْتنَصّر وأصحابه، خرّب بيت المقدس، وأعانه علي ذلك النصاري.
وقال سعيد، عن قتادة: قال: أولئك أعداء الله النصاري، حملهم بغض اليهود علي أن أعانوا بختنَصّر البابلي المجوسي علي تخريب بيت المقدس.
_________________
(١) - إسناده ضعف جدًّا، ورواه ابن جرير ١٨٢٠ - (٢/ ٥٢٠).
(٢) - رواه ابن جرير برقم ١٨٢٤ - (٢/ ٥٢٠).
[ ٢ / ٢٤ ]
وقال السدّي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم علي خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.
وروي نحوه عن الحسن البصري.
(القول الثاني) ما رواه ابن جرير (^٦٧٠): حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا [¬١] ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هؤلاء المشركون الذين [¬٢] حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية وبين أن يدخل مكة حتى نحر هديه بذي طُوَي وهادنهم، وقال لهم: "ما كان أحد يَصُدّ عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقي قاتل أبيه وأخيه فلا يصدّه"، فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.
وفي قوله: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: إذ قطعوا من يعمرها بذكره، ويأتيها للحج والعمرة.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٧١): ذكر عن سلمة: قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس أن قريشًا منعوا النبي، ﷺ، الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
ثم اختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.
(قلت): والذي يظهر -والله أعلم- القول الثاني، كما قاله ابن زيد. وروي عن ابن عباس؛ لأن النصاري إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس؛ كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولًا إذ ذاك؛ لأنهم لُعنوا من قبل على لسان داود وعيسي بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون.
وأيضًا فإنه تعالي لما وجه الذم في حق اليهود والنصاري، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول، ﷺ، وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده علي أن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله، ﷺ، وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم، وأندادهم،
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١٨٢٦ - (٢/ ٥٢١).
(٢) - ابن أبي حاتم رقم ١١١٧ - (١/ ٣٤١). [¬١] في خ: "أخبرنا". [¬٢]- في خ: "حين".
[ ٢ / ٢٥ ]
وشركهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إلا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَي أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ فَعَسَي أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾. فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَي الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾ فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد بعمارتها زخرفتها، وإقامة صورتها فقط؛ إنما عمارتها بذكر الله فيها، وإقامة شرعه فيها، ررفعها عن الدنس والشرك.
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾ هذا خبر معناه: الطلب، أي: لا تُمَكِّنوُا هؤلاء - إذا قدرتم عليهم - من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية؛ ولهذا لما فتح رسول الله، ﷺ، مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادي برحاب مِنَى: "ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلي مدته" (^٦٧٢) وهذا كان تصديقًا، وعملًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية. [¬١] قال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين علي حال التهيب، رارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلًا أن يستولوا عليها، ويمنعوا المؤمنين منها.
والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وغيرهم.
وقيل: أن هذا بشارة من الله للمسلمين: أنه سيُظْهرُهم علي المسجد الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم؛ حتى لا يدخل [¬٢] المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفًا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يُقتل أن لم يسلم، وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول [المسجد الحرام] [¬٣]، وأوصى رسول الله ﷺ أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلي اليهود والنصاري منها ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) - رواه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، من حديث ابن عباس حديث ٣٠٩١، وقال: حسن غريب من حديث ابن عباس، ومن حديث علي حديث ٣٠٩٢ وقال: حسن صحيح. [¬١]- زيادة من: خ. [¬٢]- في خ: "يدخلوا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "الحرم".
[ ٢ / ٢٦ ]
وما ذاك إلا لتشريف أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا صلوات الله وسلامه [¬١] عليه.
وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام صُدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة [أجلوا عنها] [¬٢].
﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده والطواف به عُرْيًا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله ﷺ.
وأمّا من فسر بيت القدس فقال كعب الأحبار: إن النصارى لما ظهروا علي بيت المقدس خَرَّبوه، فلما بعث الله محمدًا، ﷺ، أنزل عليه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ﴾. الآية، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفًا، وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تُضْرَبَ [¬٣] عُنُقُه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.
وقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة.
قلت: وهذا لا ينفي أن يكون داخلًا في معنى عموم الآية؛ فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس، بامتهان الصخرة التي كانت تصلي إليها اليهود، عُوقبوا شرعًا وقَدَرًا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن [¬٤] بهم بيت القدس. وكذلك اليهودُ لما عَصَوا الله فيه أيضًا أعظمَ من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظمَ، والله أعلم.
وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا بخروج المهدي، عند السدي، وعكرمة، ووائل بن داود. وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.
والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله.
وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، كما قال الإمام أحمد (^٦٧٣): حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلْبَس، سمعت أبي يحدث عن
_________________
(١) - بسر بن أرطأة، ويقال: ابن أبي أرطأة، قال الحافظ المزي: حديث بسر بن أبي أرطاة عن النبي ﷺ، وقيل: لم يسمع منه. وقال الحافظ: من صغار الصحابة. قال المنذري: = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "أجلوهم منها". [¬٣]- في ت: "يضرب". [¬٤]- في خ: "اشتحن".
[ ٢ / ٢٧ ]
بُشْر [¬١] بن أرطاة قال: كان رسول الله ﷺ، يدعو: "اللَّهم؛ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة".
وهذا حديث حسن، وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيَّه؛ وهو بُسْر [¬٢] بن أرطاة، حديث سواه، وسوي حديث: "لا تقطع الأيدي في الغزو [¬٣] " (^٦٧٤).
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾
وهذا -والله أعلم- فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم، ومُصَلَّاهم، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي بمكة إلى بيت
_________________
(١) = قرشي عامري كنيته أبو عبد الرحمن اختلف في صحبته، وقيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له، وإن مولده قبل وفاة النبي، ﷺ، بسنتين وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين لا يحسن الثناء عليه وهذا يدل على أنه لا صحبة له، وغمزه الدارقطني. والله ﷿ أعلم. ا هـ كلامه رحمه الله. ومحمد بن أيوب بن ميسرة بن حلبس: قال الحافظ في التعجيل: صالح لا بأس له، ليس بمشهور. قال: وأورده النباتي في الضعفاء في ذيل الكامل، قال الذهبي في الميزان: وما فيه مغمز -أي مطعن- ا هـ. ولعل مستند النباتي قول أبي حاتم: ليس بمشهور، ففهم من ذلك أنه عند أبي حاتم مجهول، وليس كذلك، بل مراد أبي حاتم أنه لم يشتهر في العلم اشتهار غيره من أقرانه، مثل سعيد بن عبد العزيز وأنظاره، وقد ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٣٨٥، ٤٣٢) في الطبقة الثالثة، وقال: كنيته أبو بكر. وأيوب بن ميسرة: وثقه ابن حبان. قال ابن حجر: لم يذكر ابن عساكر في الرواة عنه إلا ابنه محمدًا، والهيثم بن عمران. قال البخاري: كان أكبر من أخيه يونس. وكذا قال أبو مسهر نحوه وزاد: وكان أفقه، وكان يفتي في الحلال والحرام. نقله العلائي في تاريخه عنه. والحديث في المسند برقم ١٧٦٧٩ - (٤/ ١٨١)، والحديث أخرجه ابن حبان كما في الموارد (٢٤٢٤)، (٢٤٢٥)، والطبراني في الكبير (٢/ ٣٣) حديث (١١٩٦) - (١١٩٨)، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٣٠)، وابن عدي في الكامل (٢/ ٤٣٨)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٩١) من حديث بكر بن سهل الدمياطي، ثنا محمد بن المبارك الصوري، ثنا إبراهيم بن أبي شيبان، حدثني يزيد بن عبيدة بن أبي المهاجر، حدثني يزيد مولى بسر، به. وذكره الهيثمي (١٠/ ١٧٨) وقال: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات.
(٢) - الحديث رواه أبو داود في كتاب الحدود، باب: في الرجل يسرق في الغزو يقطع حديث (٤٤٠٨)، والترمذي في الحدود، باب: ما جاء أن لا يقطع الأيدي في الغزو حديث ١٤٥٠. وقال أبو عيسى: حديث غريب. ورواه النسائي في كتاب قطع السارق، باب: القطع في السفر بلفظ: "لا تقطع الأيدي في السفر". (٩١/ ٨). ورواه أحمد برقم ١٧٦٧٧، ١٧٦٧٨ - (٤/ ١٨١) والطبراني في الكبير (٢/ ٣٣) حديث (١١٩٥) وقوي إسناده ابن حجر في الإصابة (١/ ٢٤٣ - ٢٤٤). [¬١] في خ: "بشر". [¬٢]- في خ: "بشر". [¬٣]- في خ: "الفرر".
[ ٢ / ٢٨ ]
المقدس والكعبةُ بين يديه، فلما قدم المدينة وَجَّه (^٦٧٥) إلي بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله الي الكعبة بَعْدُ، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام (^٦٧٦) في كتاب "الناسخ والمنسوخ": حدثنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج، وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس؛ قال: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا -والله أعلم- شأنُ القبلة، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ فاستقبل رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم [صرفه الله إلي بيته العتيق ونسخها] [¬١]. فقال: ﴿وَمِنْ حَيثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول الله، ﷺ، لما هاجر إلي المدينة -وكان أهلها اليهود- أمره الله أن يستقبل بيت المقدس؛ ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله، ﷺ، بضعةَ عَشَرَ شهرًا، وكان رسول الله، ﷺ، يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ إلي قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا﴾ [فأنزل الله] [¬٢]: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ وقال: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا. وقال مجاهد: ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها: الكعبة.
_________________
(١) - وَجَّه إلى الشيء: توجه، بمعنى وجهه إليه.
(٢) - الناسخ والمنسوخ رقم (٢١)، ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٣٤٦) من طريق حجاج بن محمد به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٧) من طريق ابن جريج، عن عطاء، به. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا السياق". نقول: عطاء هو الخراساني -كما هو موجود في الناسخ والمنسوخ- وعطاء الخراساني: لم يسمع من ابن عباس- العلائي ص ٢٣٨ - وقال يحيى بن سعيد: ابن جريج، عن عطاء الخراساني: ضعيف، إنما هو كتاب دفعه إليه- العلائي ص ٢٣٠ - وابن جريج متابع من عثمان بن عطاء إلا أن عثمان ضعيف. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز هكذا: صرفه الله إلى البيت العتيق، ونسخها وصرفه إلي البيت العتيق. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٢٩ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٦٧٧) بعد رواية الأثر المتقدم، عن ابن عباس في نسخ القبلة، عن عطاء، عنه: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^٦٧٨): وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلي الكعبة، وإنما أنزلها تعالى، ليعلم نبيه- ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك، وناحية إلّا كان جلَّ ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿[ولا أدنى من ذلك] [¬١] ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا﴾ قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فَرَضَ عليهم التوجُّهَ إلي المسجد الحرام، هكذا قال:
وفي قوله: "وأنه تعالى لا يخلو منه مكان" إن أراد علمه تعالى، فصحيح، فإن علمه، تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شي من خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
قال ابن جرير (^٦٧٩): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية علي رسول الله- ﷺ إذنًا من الله أن يصلي [المتطوع] حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف.
حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن إدريس، حدَّثنا عبد الملك -هو ابن أبي سليمان- عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته ويذكر أن رسول الله ﷺ، كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ورواه مسلم (^٦٨٠)، والترمذي، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به.
وأصله في الصحيحين (^٦٨١) من حديث ابن عمر، وعامر بن ربيعة، من غير ذكر الآية.
_________________
(١) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٦).
(٢) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٢٨).
(٣) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٣٠).
(٤) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم (٧٠٠)، والترمذي في تفسير القرآن برقم (٢٩٥٨) وسنن النسائي في الصلاة (٢٤٤/ ١)، وتفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٤).
(٥) - رواه البخاري في تقصير الصلاة، باب: صلاة التطوع على الدواب، وباب: الإيماء على الدابة برقم (١٠٩٣، و١٠٩٧)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٤٠ - (٧٠١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٣٠ ]
وفي صحيح البخاري (^٦٨٢) من حديث نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالًا قيامًا على أقدامهم، وركبانًا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي، ﷺ.
[مسألة: ولم يفرق الشافعي -في المشهور عنه- بين سفر المسافة، وسفر العدو، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة خلافًا لمالك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف، عن أنس بن مالك ﵁ واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضًا] [¬١].
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيَتْ عليهم القبلة، فلم يعرفوا شَطْرها، فصلوا على أنحاء مختلفة فقال الله تعالى: لي المشارق والمغارب فأنى [¬٢] وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قبلتكم- فيعلمكم [¬٣] بذلك أن صلاتكم ماضية.
حدَّثنا (^٦٨٣) أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلًا، فجعل الرجلُ يأخذ الأحجارَ، فيعمل مسجدًا يصلي فيه. فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله! لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية.
ثم رواه (^٦٨٤) عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه.
ورواه الترمذي (^٦٨٥) عن محمود بن غيلان، عن وكيع. وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي [¬٤] الربيع السمان.
_________________
(١) - رواه البخاري في كتاب التفسير، باب: وقوموا لله قانتين برقم (٤٥٣٥).
(٢) - إسناده ضعيف، لضعف عاصم بن عبيد الله، رواه ابن جرير ١٨٤١ - (٢/ ٥٣١).
(٣) - ابن جرير ١٨٤٣ - (٢/ ٥٣٢).
(٤) - ضعيف، والحديث في سنن الترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في الرجل يصلي لغير القبلة برقم (٣٤٥)، وفي التفسير برقم (٢٩٦٠) وعند ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: من يصلي لغير القبلة وهو لا يعلم برقم (١٠٢٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "فأنى". [¬٣]- في ز، خ: "فعليكم". [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٣١ ]
ورواه ابن أبي حاتم (^٦٨٦)، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن أبي الربيع السمان: واسمه أشعث بن سعيد البصري- وهو ضعيف الحديث.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن [¬١]. ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يُضَعَّف في الحديث.
قلت: وشيخه عاصم أيضًا ضعيف.
قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك، والله أعلم.
وقد رُوي من طريق أخرى عن جابر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبد الله بن الحسن، قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر قال: بَعَث رسولُ الله ﷺ سَريَّة كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قِبل الشمال فصلوا وخطوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك المخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا سألْنَا النبيَّ، ﷺ، فسكت، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العَرزَمي، عن عطاء، عن جابر، به (^٦٨٧).
وقال الدارقطني: قرئ على عبد الله بن عبد العزيز -وأنا أسمع- حدثكم داود بن عمرو، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر قال: كنا مع رسول الله، ﷺ، في مسير فأصابنا غيم، فتحيرنا، فاختلفنا في القبلة: فصلى كل رجل [¬٢] منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه؛ لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي، ﷺ، فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: قد أجزأت صلاتكم.
_________________
(١) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٣٤٤).
(٢) - ضعيف، ورواه الدارقطني في السنن (١/ ٢٧١) من طريق إسماعيل بن علي، عن الحسن بن علي بن شبيب، به، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٢/ ١٢) من طريق محمد بن الحارث، عن أحمد بن عبيد الله قال: وجدت في كتاب أبي فذكر مثله، ورواه أيضًا (٢/ ١٠) من طريق محمد بن عبيد الواسطي، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن عطاء، به. [¬١]- في الترمذي: حسن غريب. [¬٢]- زيادة من: خ.
[ ٢ / ٣٢ ]
ثم قال الدارقطني: كذا قال: عن محمد بن سالم. وقال غيره: عن محمد بن [عبيد الله] [¬١] العَرْزمي، عن عطاء، وهما ضعيفان (^٦٨٨).
ثم رواه ابن مردويه أيضًا من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، بعث سَرِيَّة فأخذتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة. ثم استبان لهم بعد ما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة. فلما جاءوا إلى رسول الله، ﷺ، حدثوه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشدُّ بعضها بعضًا. وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم.
قال ابن جرير (^٦٨٩): وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا محمد بن بشار، حدثنا [هشام بن معاذ] [¬٢]، حدثني أبي، عن قتادة: أن النبي ﷺ قال: إن أخًا لكم قد مات فصلوا عليه. قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟. قال فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾، [قال قتادة] [¬٣] فقالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
وهذا غريب والله أعلم.
[وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي عن قتادة.
وذكر القرطبي (^٦٩٠): أنه لما مات، صلى عليه رسول الله، ﷺ. فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب. قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه أحدها: أنه
_________________
(١) - ضعيف، وهو في سنن الدارقطني (١/ ٢٧١) ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٠٦) من طريق داود بن عمرو، به، وقال: "هذا حديث صحيح رواته كلهم ثقات غير محمد بن سالم فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح". قال الذهبي: قلت: "هو أبو سهل واه".
(٢) - ضعيف لإرساله، والحديث في تفسير ابن جرير ١٨٤٤ - (٢/ ٥٣٢).
(٣) - تفسير القرطبي (٢/ ٨٢). [¬١]- في ت: "عبد الله". [¬٢]- في خ: "معاذ بن هشام". [¬٣]- مكرر في خ.
[ ٢ / ٣٣ ]
﵇ شاهد حين [سُوِّي] عليه طويت له الأرض. والثاني: أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه، واختاره ابن العربي. قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه، وقد أجاب ابن العربي عن هذا: لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. والثالث: أنه ﵊ إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك، والله أعلم] [¬١].
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، عن محمد بن عَمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام، وأهل العراق". وله مناسبة هاهنا.
وقد أخرجه الترمذي (^٦٩١)، وابن ماجة من حديث أبي معشر -واسمه نجيح بن عبد الرحمن السّندي [¬٢] المدني- به: "ما بين المشرق والمغرب قبلة". وقال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قِبَلِ حفظِه.
ثم قال الترمذي: حدثني الحسن بن أبي بكر المروزي، حدثنا المعلي بن منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي [¬٣]، عن عثمان بن محمد [بن المغيرة الأخنسي] [¬٤]، عن سعيد [¬٥]، المقبري، عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة (^٦٩٢) "، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحُكِي عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح. قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"- منهم عمر بن الخطاب (^٦٩٣)، وعلي، وابن عباس، ﵃، أجمعين. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة.
ثم قال ابن مردويه (^٦٩٤): حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن [يوسف]
_________________
(١) - ضعيف، رواه الترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في ابتداء القبلة، برقم (٣٤٢)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: القبلة برقم (١٠١١).
(٢) - رواه الترمذي في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في ابتداء القبلة برقم (٣٤٤)،
(٣) - حديث عمر رواه مالك في الموطأ، في الصلاة، باب: ما جاء في القبلة، من حديث نافع عنه موقوفًا برقم ٤٦٠.
(٤) - رواه الدارقطني (١/ ٢٧٠) من طريق يعقوب بن يوسف، والبيهقي (٢/ ٩) والصواب وقفه.= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "السّدى". [¬٣]- في خ: "الخرمى". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ت: أبي سعيد.
[ ٢ / ٣٤ ]
مولى بني هاشم، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقد رواه الدارقطني والبيهقي: وقال: المشهور عن ابن عمر، عن عمر، ﵄، قوله.
قال ابن جرير (^٦٩٥): ويحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج: قال مجاهد لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: إلى أين؟ فنزلت ﴿فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.
قال ابن جرير (^٦٩٦): [ومعنى قوله] [¬١]: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود [¬٢].
وأما قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ فإنه يعني: عليم بأعمالهم، ما يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب [¬٣] عن علمه، بل هو بجميعها عليم.
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾
اشتملت هذه الآية الكريمة، والتي تليها [¬٤] علي الرد على النصارى -عليهم لعائن الله- وكذا من أشبههم من اليهود، ومن مشركي العرب، ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم، وقولهم: إنّ لله ولدًا؛ فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تعالى، وتقدّس، وتنزه عن ذلك علوًّا كبيرًا ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، أي: ليس
_________________
(١) = قال ابن أبي حاتم في العلل ٥٣٨ - (١/ ١٨٤): "سئل أبو زرعة عن حديث رواه يزيد بن هارون، عن محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وملم: "ما بين المشرق والمغرب قبله" قال أبو زرعة: "هذا وهم، الحديث حديث ابن عمر موقوف".
(٢) - تفسير ابن جرير ١٨٤٧ - (٢/ ٥٣٤).
(٣) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٣٧). [¬١]- في خ: "ويعني بقوله". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "تغرب". [¬٤]- في خ: "قبلها".
[ ٢ / ٣٥ ]
الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السموات والأرض [ومن فيهنَّ] [¬١]، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم، ورازقهم، ومقدرهم ومسخرهم، ومسيرهم، ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له، وملك له، فكيف يكون له ولد منهم؟! والولد إنما يكون متولدًا من شيئين متناسبين، وهو تبارك، وتعالى ليس له نظير، ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد؟ كما قال تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
فقرّر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم، الذي لا نظير له، ولا شبيه له، وأنّ جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة؛ فكيف يكون له منها ولد؟ ولهذا قال البخاري (^٦٩٧) في تفسير هذه الآية [¬٢] من البقرة:
حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي حُسَين، حدثنا نافع بن جبير -هو ابن مطعم- عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: "قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، [وشتمني، ولم يكن له ذلك] [¬٣]، فأمّا تكذبيه إياي، فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: إنّ [¬٤]، لي ولدًا فسبحاني [¬٥] أن أتخذ صاحبة، أو [¬٦] ولدًا".
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقال ابن مردويه (^٦٩٨): حدثنا أحمد بن كامل، حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، حدثنا [إسحاق بن محمد الفَرْوي] [¬٧]، حدثنا مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم، وما [¬٨] ينبغي
_________________
(١) - رواه البخاري في التفسير، باب: وقالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه، برقم (٤٤٨٢).
(٢) - رواه البخاري في التفسير برقم (٤٩٧٤) من طريق شعيب، عن أبي الزناد، به، وفيه: "لم ألد، ولم أولد. .". [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "الآيات". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "سبحانى". [¬٦]- في خ: "و". [¬٧]- في ت، ر: "محمد بن إسحاق بن محمد الفروى". [¬٨]- في خ: "لم".
[ ٢ / ٣٦ ]
له أن يكذبني، وشتمني وما [¬١] ينبغي له أن يشتمني، فأمّا [¬٢] تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أوّل الخلق بأهون عليَّ من إعادته. وأما شتمه [¬٣] إياي فقوله: اتخذ الله ولدًا. وأنا الله الأحد الصمد ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وفي الصحيحين (^٦٩٩): عن رسول الله، ﷺ أنه قال: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدًا، وهو يرزقهم، ويعافيهم".
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٧٠٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أسباط، عن مطرِّف، عن عطية، عن ابن عباس قال: ﴿قَانِتِينَ﴾ مصلين.
وقال عكرمة وأبو مالك: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مقرون له بالعبودية، وقال سعيد بن جبير: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: الإخلاص، وقال الربيع بن أنس يقول: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي [¬٤]: قائم يوم القيامة، وقال السدي: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي [¬٥]: مطيعون يوم القيامة.
وقال خصيف، عن مجاهد: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، قال: مطيعون، كن إنسانًا فكان، وقال: كن حمارًا فكان.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: مطيعون، يقول: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.
وهذا القول عن [¬٦] مجاهد -وهو اختيار ابن جرير- يجمع [¬٧] الأقوال كلها، وهو أنّ القنوت هو الطاعة، والاستكانة إلى الله، وهو [¬٨] شرعي وقدري، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾.
وقد روي [¬٩] حديث فيه بيان القنوت في القرآن، ما هو المراد به، كما قال ابن أبي حاتم (^٧٠١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدَّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث: أن
_________________
(١) - رواه البخاري في الأدب، باب: الصبر على الأذى برقم (٦٠٩٩)، ورواه مسلم في صفة القيامة والجنة والنار برقم (٢٨٠٤) من حديث أبي موسى الأشعري، ﵁.
(٢) - إسناده ضعيف؛ لضعف عطية العوفي، والحديث عند ابن أبي حاتم حديث ١١٣٨ - (١/ ٣٤٩).
(٣) - إسناده ضعيف، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١١٣٥ - (١/ ٣٤٨) وانظر الحديث التالي. [¬١]- في خ: "لم". [¬٢]- في خ: "أما". [¬٣]- في ت: "شتمته". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "يقول". [¬٦]- في خ: "من". [¬٧]- في خ: "بجميع". [¬٨]- في خ: "وذلك". [¬٩]- في خ: "ورد".
[ ٢ / ٣٧ ]
دراجًا أبا السمح حدّثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: "كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة".
وكذا رواه الإمام أحمد (^٧٠٢)، عن حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دَرّاج بإسناده، مثله.
ولكن هذا الإسناد ضعيف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي، أو من دونه، والله أعلم. وكثيرًا ما يأتي بهذا الإسناد تفاسير فيها نَكَارَة؛ فلا يغتر بها، فإنَّ السند ضعيف، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق، قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة. كما جاء في [صحيح مسلم] [¬١]: "فإن كل محدثة بدعة" (^٧٠٣)، والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة [¬٢] شرعية، كقوله: "فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (^٧٠٤)، وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (^٧٠٥) ﵁ عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نِعْمَتِ البدعةُ هذه.
_________________
(١) - إسناده ضعيف؛ لضعف رواية دراج، عن أبي الهيثم. رواه أحمد ١١٧٢٨ - (٣/ ٧٥)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ١٣٧٩) حدثنا الحسن بن موسى، به. وابن جرير في "تفسيره" (٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦) من طريق محمد بن حرب، قال: ثنا ابن لهيعة به، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٢/ ٥٣١)، وابن حبان في "صحيحه" (٢/ ٣٠٩)، وفي "الموارد" (٥/ ١٧٢٣)، والطبراني في "الأوسط" (٥/ ٥١٨١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٢٥). من طريق عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج، به. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٣٢٣) وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وفي إسناد أحمد وأبي يعلى ابنُ لهيعة وهو ضعيف". وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٢٠٨) إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والنحاس في "ناسخه" وأبي نصر السِّجِزي في "الإبانة" والضياء في "المختارة".
(٢) - رواه مسلم في الجمعة برقم (٨٦٧) من حديث جابر ﵁ بلفظ: ". .. وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. ".
(٣) - رواه أبو داود في السنة، باب: لزوم السنة حديث (٤٦٠٧) من حديث العرباض بن سارية، وكذا رواه أحمد، والدارمي في المقدمة، باب: اتباع السنة حديث ٩٥.
(٤) - رواه البخاري في صلاة التراويح، باب: فضل من قام رمضان رقم (٢٠١٠). ومالك في الموطأ في النداء للصلاة، باب: ما جاء في قيام رمضان رقم ٢٥٢. [¬١]- في خ: "الصحيح لمسلم". [¬٢] في خ: "بدعية".
[ ٢ / ٣٨ ]
وقال ابن جرير (^٧٠٦): و﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما [¬١]، وإنما هو مُفْعِل فصرف إلى فَعيل، كما صُرف المؤلم إلى الأليم [¬٢]، والمُسمع إلى السميع. ومعنى المبدع [¬٣]: المنشئ والمحدث ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد. قال: ولذلك سُمي المبتدع في الدين مبتدعًا؛ لإحداثه فيه ما لم يسبقه [¬٤] إليه غيره، وكذلك كل محدث فعلًا أو قولًا [¬٥] لم يتقدّمه [¬٦] فيه متقدّم، فإن العرب تسميه مبتدعًا. ومن ذلك قول أعشى ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنَفي:
يرعى [¬٧] إلى قول سادات الرجال إذا … أبدَوا له الحزْمَ أو ما شاءهُ ابَتَدعا
أي: يحدث ما شاء.
قال ابن جرير (^٧٠٧): فمعنى الكلام؛ سبحان الله أن [¬٨] يكون له [¬٩] ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد [¬١٠] له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقرّ له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه. وهذا إعلام من الله لعباده أن ممن يشهد له بذلك المسيح، الذي أضافوا إلى الله بُنُوَته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات، والأرض من غير أصل وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى [¬١١] من غير والد بقدرته.
وهذا من ابن جرير ﵀ كلام جيد وعبارة صحيحة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. يبين بذلك تعالى كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدّر أمرًا وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، أي: مرة واحدة، فيكون، أي: فيوجد على وفق ما أراد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا [¬١٢] قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ وقال الشاعر:
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٤٠).
(٢) - تفسير ابن جرير (٢/ ٤٥١). [¬١]- في خ: "مبدعها". [¬٢]- في خ: "أليم". [¬٣]- في خ: "البديع". [¬٤]- في ت: "يسبق". [¬٥]- في خ: "و". [¬٦]- في ت: "تتقدم". [¬٧]- زيادة من: خ. [¬٨]- في خ: "أنّى". [¬٩]- في خ: "لله". [¬١٠]- في خ: "يشهد". [¬١١]- سقط من: خ. [¬١٢]- في خ: "أمرنا".
[ ٢ / ٣٩ ]
إذا ما أراد الله أمرًا فإنَّما … يقول له كن قولة فيكونُ
ونبه تعالى بذلك أيضًا على أنه خلق عيسى بكلمة: كن، فكان كما أمره الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾
قال محمد بن إسحاق (^٧٠٨): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حُرَيملة لرسول الله ﷺ: يا محمد! إن كنت رسولًا من الله كما تقول، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه. فأنزل الله في ذلك من قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [وقال مجاهد ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾] [¬١]. قال: النصارى تقوله.
وهو اختيار ابن جرير، قال: لأن [¬٢] السياق فيهم، وفي ذلك نظر.
[وحكى القرطبي ﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ﴾: أي يخاطبنا بنبوّتك يا محمد. قلت: وهو ظاهر السياق والله أعلم] [¬٣].
وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي في تفسير هذه الآية: هذا قول كفار العرب ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ] [¬٤]﴾ قالوا: هم اليهود والنصارى، ويؤيد [¬٥] هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا [¬٦] جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾. الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ إلى قوله: ﴿قل
_________________
(١) - إسناده ضعيف، ورواه ابن جرير ١٨٦٢ - (٢/ ٥٥١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "لا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "يريد". [¬٦]- في خ: "وإن".
[ ٢ / ٤٠ ]
سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب، وعتوّهم [¬١] وعنادهم، وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما هو الكفر والمعاندة، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدّمهم في الكفر والعناد والعتوّ، كما قال تعالى ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ؟﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، أي: قد أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى، لمن أيقن، وصدق، واتبع الرسل، وفهم ما جاءوا به عن [¬٢] الله ﵎، وأما من ختم الله على قلبه وسمعه [¬٣]، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾
قال ابن أبي حاتم (^٧٠٩)، حدَّثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفَزَاري [¬٤]، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي، ﷺ، قال: "أنزلت عليَّ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، قال: بشيرًا بالجنة، ونذيرًا من النار". وقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ قراءة أكثرهم [¬٥]: ﴿وَلَا تُسْأَلُ﴾ بضم التاء على الخبر. وقراءة أبي بن كعب ﴿وما تسأل﴾. وفي قراءة ابن مسعود ﴿ولن تسئل عن أصحاب الجحيم﴾ نقلها [¬٦] ابن جرير (^٧١٠) أي: لا نسألك عن كفر من كفر بك، كقوله [¬٧]: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَعَلَينَا
_________________
(١) - فيه عنعنة قتادة، وهو مدلس، وعبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفزاري: قال أبو حاتم ليس بقوي (٥/ ٢٨٢). والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١١٥٥، ١١٥٦ - (١/ ٣٥٤).
(٢) - تفسير ابن جرير (٢/ ٥٥٨). [¬١]- في خ: "وغيرهم". [¬٢]- في خ: "من". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "البزازى". [¬٥]- في خ: "بعضهم". [¬٦]- في خ: "نقلهما". [¬٧]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤١ ]
الْحِسَابُ﴾. وكقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيهِمْ بِمُصَيطِرٍ﴾. الآية. وكقوله تعالى ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ وأشباه ذلك من الآيات. وقرأ آخرون: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ بفتح التاء على النهي، أي لا تسأل عن حالهم، كما قال عبد الرزاق (^٧١١): أخبرنا الثوري، عن موسى بن عُبَيدة، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله، ﷺ: "ليت شعري! ما فعل أبواي؟ ليت شعري! ما فعل أبواي؟ ليت شعري! ما فعل أبواي؟ " فنزلت: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾، فما ذكرهما حتى توفاه الله ﷿.
ورواه ابن جرير (^٧١٢)، عن أبي كُريب، عن وكيع عن موسى بن عبيدة [-وقد تكلموا فيه- عن محمد بن كعب] [¬١] به مثله.
[وقد حكاه القرطبي، وهذا كما يقال: لا تسأل عن فلان أي: قد بلغ فوق ما تحسب. وقد ذكرنا في التذكرة: أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا به. وأجبنا عن قوله: "إن أبي وأباك في النار". قلت: والحديث المروي في حياة أبويه ﵇ ليس في شيء من الكتب الستة، ولا غيرها، وإسناده ضعيف، والله أعلم] [¬٢].
ثم قال [ابن جرير] [¬٣] (^٧١٣): وحدّثني القاسم، حدثنا الحسين، حدّثني حجاج، عن ابن جريج، أخبرني داود بن أبي عاصم: أنّ النبي، ﷺ، قال ذات يوم: "أين أبواي؟ " فنزلت: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾. وهذا مرسل كالذي قبله.
وقد رَدَّ ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب، وغيره في ذلك؛ لاستحالة الشك من الرسول، ﷺ، في أمر أبويه، واختار القراءة الأولى.
وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر؛ لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار. [كما ثبت هذا في الصحيح] [¬٤] ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكره ابن جرير، والله أعلم.
_________________
(١) - ضعيف، والحديث في تفسير عبد الرزاق (١/ ٧٨) ومحمد بن كعب القرظي تابعي، فالحديث مرسل، والمرسل لا تقوم به حجة. وموسى بن عبيدة، ضعيف جدًّا.
(٢) - ضعيف كالذي قبله، والحديث في تفسير ابن جرير (٢/ ٥٥٨).
(٣) - ضعيف لإرساله، والحديث في تفسير ابن جرير (٢/ ٥٥٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٢ ]
وقال الإمام أحمد (^٧١٤): حدثنا موسى بن داود، حدَّثنا فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله، ﷺ، في التوراة فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي؛ إنا أرسلناك شاهدًا، ومبشرًا، ونذيرًا، وحِرْزًا للأميين، وأنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، لا فظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع [بالسيئةِ السيئةَ] [¬١]، ولكن [يعفو ويغفر] [¬٢]، ولن يقبضه حتى يقيم [¬٣] به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله؛ فيفتح به أعينًا عُمْيًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غُلْفًا.
انفرد بإخراجه البخاري (^٧١٥)، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان، عن فُلَيح، به،.
وقال: تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، وقال سعيد: عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن سلام.
ورواه (^٧١٦) في التفسير عن عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، به. فذكر نحوه، فعبد الله هذا هو ابن صالح، كما صرح به في كتاب الأدب. وزعم أبو مسعود الدمشقي [¬٤] أنه عبد الله بن رجاء.
وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة، عن أحمد بن الحسن بن أيوب، عن محمد بن أحمد بن البراء، عن المعافى بن سليمان، عن فليح، به. وزاد: قال عطاء: ثم لقيت كعب الأحبار، فسألته، فما اختلفا في حرف، إلا أن كعبًا قال بِلُغَتِهِ: أعينًا عمومي، وآذانًا صمومي، وقلوبًا غلوفًا.
﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾
_________________
(١) - إسناده على شرط البخاري؛ على كلام في فليح بن سليمان، والحديث في السند ٦٦٢٢ - (٢/ ١٧٤).
(٢) - رواه البخاري في باب: كراهية السخب في السوق برقم (٢١٢٥).
(٣) - رواه البخاري في سورة الفتح، باب: إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، برقم (٤٨٣٨). [¬١]- في خ: "السيئة بالسيئة". [¬٢]- في خ: "يعفو وتغفر". [¬٣]- في خ: "تتم". [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٣ ]
قال ابن جرير: يعني بقوله جل ثناؤه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ وليست اليهود -يا محمد- ولا النصارى براضية عنك أبدًا، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم [¬١]، وأقبلْ على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ أي: قل يا محمد: إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل.
قال قتادة: في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ قال: خصومة عَلَّمَها الله محمدًا ﷺ وأصحابه، يخاصمون بها أهل الضلالة.
قال قتادة: وبلغنا أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: "و[¬٢] لا تزال طائفة من أمّتي يقاتلون [¬٣] على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (^٧١٧).
(قلت): هذا الحديث مخرّج في الصحيح عن عبد الله بن عمرو (^٧١٨).
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيًّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فيه تهديد، ووعيد شديد للأمّة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى، بعدما علموا من القرآن والسنة، عياذًا بالله من ذلك، فإن الخطاب مع الرسول، [والأمر لأمّته] [¬٤].
[وقد استدل كثير من الفقهاء لقوله: ﴿حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ حيث أفرد الملة، على أن الكفر كله ملة واحدة، كقوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فعلى هذا لا يتوارث المسلمون والكفار، وكل منهم يرث قرينه، سواء كان من أهل دينه أم لا؛ لأنهم كلهم ملة واحدة، وهذا مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية عنه. وقال في الرواية الأخرى كقول مالكٍ: إنه لا يتوارث أهل ملتين شتى كما جاء في الحديث (^٧١٩)، والله أعلم] [¬٥].
_________________
(١) - إسناده ضعيف لانقطاعه.
(٢) - رواه مسلم برقم بلفظ: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك في كتاب الإمارة برقم ١٧٦ - (١٩٢٤).
(٣) - رُوي من حديث عبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وأسامة بن زيد. أما حديث عبد الله بن عمرو: فرواه أبو داود في الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر برقم (٢٩١١)، وابن ماجه في الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك برقم (٢٧٣١). وأما حديث أسامة بن زيد فهو متفق عليه بلفظ: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". رواه البخاري في الفرائض، باب: = [¬١]- في خ: "وموافقهم". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "يقتتلون". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "والأمة". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٤ ]
وقوله: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [] [¬١] قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: هم اليهود والنصارى. وهو قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير.
وقال سعيد، عن قتادة: هم أصحاب رسول الله، ﷺ.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٢٠): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، وعبد الله بن عمران الأصبهاني، قالا: [حدثنا يحيى بن يمان] [¬٢]، حدثنا أسامة بن زيد، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: إذا مر بذكر الجنة، سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار، تعوّذ بالله من النار.
وقال أبو العالية: قال ابن مسعود: "والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يُحِلّ حلاله ويحرّم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرّف الكلم عن مواضعه، ولا يتأوّل منه شيئًا على [¬٣] غير تأويله".
وكذا رواه عبد الرزاق (^٧٢١)، عن معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود.
وقال السدّي (^٧٢٢): عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يُحِلون حلاله ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن مسعود نحو ذلك.
وقال الحسن البصري: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، وَيَكِلُون ما أشكل عليهم إلى
_________________
(١) = لا يرث المسلم الكافر. .، برقم (٦٧٦٤). ومسلم في الفرائض - برقم ١ - (١٦١٤). وأبو داود في الفرائض، باب: هل يرث المسلم الكافر برقم (٢٩٠٩). والترمذي في الفرائض، باب: إبطال الميراث بين المسلم والكافر برقم (٢١٠٧). والنسائي في الفرائض من الكبرى، وابن ماجه في الفرائض، باب: ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك برقم (٢٧٢٩). وحديث جابر رواه الترمذي في الفرائض، باب: لا يتوارث أهل ملتين، برقم (٢١٠٨) وقال: هذا حديث غريب.
(٢) - زيد بن أسلم لم يسمع من عمر، وأسامة بن زيد بن أسلم: ضعيف من قبل حفظه. ويحيى بن يمان: ضعفه أحمد والنسائي وابن نمير، واختلف قول يحيى، فضعفه مرة، وقال مرة: ليس به بأس وقال الذهبي: صالح الحديث. وقال ابن حجر: صدوق عابد يخطئ كثيرًا وقد تغير. والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ١١٦٧ - (١/ ٣٥٧).
(٣) - عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٥٦ - ٥٧)
(٤) - رواه ابن جرير برقم ١٨٨٧ - (٢/ ٥٦٦). [¬١]- في خ: و. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٥ ]
عالمه.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٢٣): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا ابن أبي زائدة، أخبرنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ يقول: اتبعها.
قال: وروي عن عكرمة، وعطاء، ومجاهد، وأبي رزين، وإبراهيم النخَعي نحوُ ذلك.
وقال سفيان الثوري: حدثنا زُبَيد، عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.
[قال القرطبي (^٧٢٤): وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ قال: "يتبعونه حق تلاوته" ثم قال: في إسناده غير واحد من المجهولين فيما ذكره الخطيب، إلا أن معناه صحيح.
وقال أبو موسى الأشعري: من يتبع القرآن يهبط به على رياض الجنة.
وقال عمر بن الخطاب: هم الذين إذا مروا بآية رحمة سألوها من الله، وإذا مروا بآية عذاب استعاذوا منها.
قال: وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ (^٧٢٥) -: أنه كان إذا مر بآية رحمة سأل، وإذا مر بآية عذاب تعوّذ] [¬١].
وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ خبر عن: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾. أي: من أقام كتابه من أهل الكتب المنزلة على الأنبياء المتقدّمين حق إقامته آمن بما أرسلتك به يا محمد؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية. وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: إذا أقمتموها حق
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ١١٦٦ - (١/ ٣٥٧). ورجال إسناده ثقات.
(٢) - القرطبي (٢/ ٩٥).
(٣) - رواه أبو داود في الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، برقم (٨٧١)، والترمذي -وقال: حسن صحيح- في أبواب الصلاة، باب: ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود برقم (٢٦٢)، ورواه النسائي، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: ما جاء في القراءة في صلاة الليل برقم (١٣٥١). جميعهم من حديث صلة بن زفر، عن حذيفة، وأصله عند مسلم برقم ٢٠٣ - (٧٧٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٤٦ ]
الإقامة، وآمنتم بها حق الإيمان، وصدّقتم ما فيها من الإخبار بمبعث محمد ﷺ ونعته، وصفته، والأمر باتباعه، ونصره، ومؤازرته - قادكم ذلك إلى الحق، واتباع الخير في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ .. الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ [¬١] أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾، أي: إن كان ما وعدنا به من شأن محمد، ﷺ، لواقعًا. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. وفي الصحيح: "والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمّة: يهودي ولا نصراني، ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" (^٧٢٦).
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)﴾
و[¬٢] قد تقدّم نظير هذه الآية في صدر السورة، وكرّرت هاهنا، للتأكيد، والحث على اتباع الرسول النبي الأمي، الذي يجدون صفته في كتبهم، ونعته، واسمه، وأمره، وأمّته. يحذرهم من كتمان هذا، وكتمان ما أنعم به عليهم، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم، من النعم الدنيوية والدينية. ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم، ولا يحملهم [¬٣] ذلك الحسد على مخالفته، وتكذيبه، والحيد [¬٤] عن موافقته، صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين.
_________________
(١) - رواه مسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة بمعناه برقم ٢٤٠ - (١٥٣). [¬١]- في خ: "بالله". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "ولا يحملنهم". [¬٤]- في خ: "والحيدة".
[ ٢ / ٤٧ ]
* ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾
يقول تعالى منبهًا على شرف إبراهيم خليله ﵇ وأن الله جعله إمامًا للناس يقتدى به في التوحيد [حين] قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذِ [¬١] ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: واذكر يا محمد، لهؤلاء المشركين، وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم، وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم، فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهن كلهن، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أي: وفي جميع ما شرع له؛ فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) [شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَينَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ] [¬٢]﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [وقال تعالى]: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿بِكَلِمَاتٍ﴾ أي: بشرائع، وأوامر، ونواهٍ، فإن الكلمات تطلق ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله -تعالى- عن مريم ﵍: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. وتطلق، ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ [¬٣] رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ أي: كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإمّا طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي: قام بهنّ. قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ أي: جزاء على ما فَعَل، كما قام بالأوامر، وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة، وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.
وقد اختُلِف في تفسير الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ﵇ فروي عن ابن عباس في ذلك روايات: فقال عبد الرزاق (^٧٢٧)، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك. وكذا رواه أبو إسحاق السّبِيعي، عن التميمي، عن ابن عباس.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ١٩٢٦ - (٣/ ١٣). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين مكرر في خ. [¬٣]- في خ: "كلمات".
[ ٢ / ٤٨ ]
وقال عبد الرزاق (^٧٢٨) أيضًا: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفَرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
قال ابن أبي حاتم (^٧٢٩): وروي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك.
(قلت): وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم (^٧٣٠) عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "عَشْرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البَرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء". قال مصعب: ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قال وكيع: انتقاص الماء يعني: الاستنجاء.
وفي [الصحيحين] [¬١]، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقيم الأظفار، ونتف الإبط" ولفظه لمسلم (^٧٣١).
وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٢): أنبأنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٧). ورواه الحاكم (٢/ ٢٦٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٢) - ابن أبي حاتم (١/ ٣٥٩).
(٣) - رواه مسلم في كتاب الطهارة، برقم ٥٦ - (٢٦١). من حديث مصعب بن شيبة، عن طلق بن حبيب، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة فذكره. ومصعب بن شيبة: قال في الميزان (٤/ ١٢٠): قال أبو حاتم: لا يحمدونه. وقال غيره: ثقة. وقال الدارقطني: ليس بالقوي. وقال أحمد: أحاديثه مناكير. ثم ذكر له حديثًا أخرجه أبو داود، ثم قال: مصعب ضعيف. ولذا فقد انتقد الدارقطني مسلمًا في إخراجه هذا الحديث وقال: إن النسائي قال: إن مصعب بن شيبة منكر الحديث، وأن الصحيح وقفه على عائشة.
(٤) - رواه البخاري في كتاب اللباس، باب: قص الشارب برقم (٥٨٨٩)، ورواه مسلم في الطهارة، برقم ٤٩ - (٢٥٧).
(٥) - رواه ابن أبي حاتم ١١٧٥ - (١/ ٣٦١). وإسناده حسن فهو من رواية ابن وهب، عن ابن لهيعة [¬١]- في ت: "الصحيح".
[ ٢ / ٤٩ ]
لهيعة، عن [ابن هُبَيرة] [¬١]، عن حَنَش [¬٢] بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أنه كان يقول في تفسير [¬٣]، هذه الآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال: عَشْرٌ: ستٌّ في الإنسان، وأربعٌ في المشاعر، فأمّا التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان، وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
وقال داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قلت له: وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا: منها عشر آيات في براءة ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ إلى آخر الآية، وعشر آيات في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ و﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ وعشر آيات في الأحزاب ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت [¬٤] له براءة. قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
هكذا رواه الحاكم (^٧٣٣)، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به. وهذا لفظ ابن أبي حاتم.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد، أو عكرمة، عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن [¬٥] إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله [¬٦] حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله حين [¬٧] وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه، وصبره على قذفه إياه في النار، ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه [¬٨] وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كلِّه، وأخلصه للبلاء قال الله له: ﴿أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾ على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ١٩٠٨، ١٩٠٩ - (٣/ ٨) وفي إسناد الثاني: خارجة بن مصعب - الراوي عن داود وهو ضعيف، ورواه ابن أبي حاتم ١١٧٣ - (١/ ٣٦٠). وفي إسناده: عدي - وهو ابن عبد الرحمن، الراوي عن داود - وهو مستور، وفيه أيضًا سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، وهو متهم بالكذب. [¬١]- في خ: "أبي هريرة". [¬٢]- في خ: "حسن". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "فكتب". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "أمته". [¬٧]- في خ: "حتى". [¬٨]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٥٠ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا إسماعيل بن عُلَية، عن أبي رجاء، عن الحسن -يعني البصري: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ [¬١]﴾ قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، أو ابتلاه بابنه فرضي عنه] [¬٢].
وقال ابن جرير (^٧٣٥): حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إي والله لقد ابتلاه [¬٣] بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس، والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين، ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده ليقومه حتى لحق بالشام، مهاجزا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك، وابتلاه الله بذبح ابنه والختان، فصبر على ذلك.
وقال عبد الرزاق (^٧٣٦)، أخبرنا معمر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، والكوكب، [والقمر، والشمس].
وقال أبو جعفر بن جرير (^٧٣٧): حدثنا ابن بشار، أحدثنا سَلْم بن قتيبة] [¬٤]، حدثنا أبو هلال، عن الحسن: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتلاه بالكوكب، والشمس [¬٥]، والقمر، فوجده صابرًا.
وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، فمنهنّ: ﴿قَال [¬٦] إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ [¬٧]﴾، ومنهنّ الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١١٧٨ - (١/ ٣٦٢).
(٢) - رواه ابن جرير ١٩٣٤ - (٣/ ١٤).
(٣) - إسناده ضعيف لجهالة الراوي عن الحسن، والحديث في تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٧).
(٤) - رواه ابن جرير ١٩٣٦ - (٣/ ١٤). وأبو هلال: محمَّد بن سليم: وثقه أبو داود، وقال أبو حاتم: محله الصدق، ليس بذاك المتين. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن معين: صدوق يرمي بالقدر. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "لابتلاه". [¬٤]- في خ: "حدثنا سالم حدثنا قتيبة". [¬٥]- في خ: "وبالشمس". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٥١ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٨): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في [¬١] قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا؟ قال نعم: قال: ومن ذرّيتي؟ ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم. قال: وأمْنًا؟ قال: نعم: قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيتنا أمّة مسلمة لك. قال: نعم: قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال: نعم.
قال ابن أبي نجيح: سمعته عن عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره.
وهكذا رواه ابن جرير (^٧٣٩) من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال سفيان الثوري: عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: الكلمات: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهنّ إبراهيم.
وقال السدي: الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
[وقال القرطبي (^٧٤٠): وفي الموطأ وغيره (^٧٤١)، عن يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ٩/ ١١١ - (١/ ٣٦٢).
(٢) - تفسير ابن جرير برقم ١٩١٧، ١٩١٨، ١٩١٩، ١٩٢١ - (٣/ ١١).
(٣) - تفسير القرطبي (٢/ ٩٨).
(٤) - رواه ابن أبي شيبة في المصنف في كتاب الأرائل، باب: أول ما فعل، ومن فعله برقم (٦) من حديث ابن نمير، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب: إن إبراهيم أول من أضاف الأضياف، وأول الناس اختتن، وأول الناس قلم أظفاره، وجز شاربه واستحد. ورواه البيهقي في الشعب برقم (٨٦٤٢) من حديث سعيد بن المسيب قال: إبراهيم ﵇ أول من اختتن، وأول من قرى الضيف = [¬١]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٥٢ ]
المسيب يقول: إبراهيم ﵇ أوّل من اختتن، وأوّل من ضاف الضيف، [وأول من استحد] [¬١] وأوّل من قلم أظفاره، وأوّل من قص الشارب، وأوّل من شاب فلما رأى الشيب قال: يا رب! ما هذا؟ قال: وقار. قال: يا رب! زدني وقارًا.
وذكر ابن أبي شيبة عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه قال: أوّل من خطب على المنابر إبراهيم ﵇، قال غيره: وأوّل من برد البريد، وأوّل من ضرب بالسيف، وأوّل من استاك، وأوّل من استنجى بالماء، وأوّل من لبس السراويل.
وروي [عن] معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أَتخذ المنبرَ لقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتَّخِذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم"
(قلت): هذا الحديث لا يثبت والله أعلم: ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية] [¬٢].
قال أبو جعفر بن جرير (^٧٤٢) ما حاصله: أنَّهُ يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين؛ إلا بحديث، أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
قال: غَيْرَ أنه قد روي عن النبي، ﷺ، في نظير معنى ذلك خبران: أحدهما ما [¬٣] حدثنا به أبو كريب، حدثنا رشدين [¬٤] بن سعد، حدثني [زَبَّان بن فائد] [¬٥]، عن سهل بن معاذ بن أنس قال: كان النبي، ﷺ، يقول: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: الذي وفى لأنه كان يقول كما أصبح، وكلما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) [وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ] [¬٦] (١٨)﴾ [إلى
_________________
(١) = وأول من رأى الشيب، ورواه البيهقي في الشعب برقم (٨٦٤١) من حديث سعيد عن أبي هريرة مرفوعًا: إن إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول من قص الشارب، وأول من رأى الشيب، وأول من قص الأظافر، وأول من اختتن بقدومه ابن عشرين ومائة سنة. وروى الطبراني بإسناده في كتاب الأوائل (١٠) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: أول من أضاف الأضياف إبراهيم ﵇. وروى بنفس الإسناد أيضًا (١١): أول من اختتن إبراهيم ﵇. وأخرج ابن أبي الدنيا في قرى الضيف عن أبي هريرة: أول من أضاف الضيف إبراهيم ﵇.
(٢) - ابن جرير في تفسيره (٣/ ١٥). [¬١]- زيادة من القرطبي. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "راشد". [¬٥]- في خ: "ريان بن قائد". [¬٦]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٥٣ ]
آخر] [¬١] الآية (^٧٤٣).
قال: والآخر منهما (^٧٤٤) ما [¬٢] حدثنا به أبو كريب، أخبرنا [¬٣] الحسن بن [¬٤] عطية، أخبرنا [¬٥] إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله، ﷺ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] قال [¬٦]: "أتدرون مما وفَّي؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "وفي عمل يومه، أربع ركعات في النهار".
ورواه آدم في تفسيره، عن حماد بن سلمة، وعبد بن حميد، عن يونس بن محمَّد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به.
ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا يجوّز [¬٧] روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة: فإنّ كلّا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه، والله أعلم.
ثم قال ابن جرير: ولو قال قائل: إنّ الذي قاله مجاهد، وأبو صالح، والربيع بن أنس أولى بالصواب [من القول الذي قاله غيرهم] [¬٨] كان مذهبًا؛ لأن [¬٩] قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ
_________________
(١) - زبان بن فائد: ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا، يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة، لا يحتج به. وقال أبو حاتم: شيخ صالح. وقال الليث بن سعد: لو أراد زبان أن يزيد في العبادة مقدار خردلة ما وجد لها موضعًا. ونال ابن يونس: كان على مظالم مصر وكان من أعدل ولاتهم. وسهل بن معاذ بن أنس الجهني: قال أبو بكر بن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن حجر: لكن قال: لا يعتبر حديثه ما كان من رواية زبان بن فائد عنه، وذكره في الضعفاء فقال: منكر الحديث جدًّا، فلست أدرى أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان؟ فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها ساقطة، وإنما اشتبه هذا وإن راوبها عن سهل زبان إلا الشيء بعد الشيء، وزبان ليس بشيء. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. بخ د ت ق. ورشدين بن سعد: ضعيف. والحديث رواه أحمد في المسند برقم ١٥٦٦٦ - (٣/ ٤٣٩). من حديث ابن لهيعة عن زبان عن سهل، به. ورواه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٩٢) حديث ٤٢٧ - ٤٢٨. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١١٧) وقال: رواه الطبراني وفيه ضعفاء وثقوا.
(٢) - تفسير ابن جرير (٣/ ١٥). وعلته جعفر بن الزبير، وهو: ضعيف جدًّا. وقال ابن حبان: روى عن القاسم مولى معاوية أشياء كأنها موضوعة. وقال أبو حاتم: روى جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة نسخة موضوعة أكثر من مئة حديث. وقال البخاري: متروك الحديث، تركوه. [¬١]- في خ: "حتى يختم". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "حدثنا". [¬٤]- في ت: "عن". [¬٥]- في خ: "حدثنا". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في خ: "لا تجوز". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٩]- في خ: "فإن".
[ ٢ / ٥٤ ]
إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهنّ إبراهيم.
(قلت): والذي قاله أوّلًا من أنّ [¬١] الكلمات تشمل [¬٢] جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوّزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم.
وقوله: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال [¬٣] لما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذرّيته، فأجيب إلى ذلك، وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم. والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي أرسله [¬٤] الله، وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم، ففي ذرّيته صلوات الله وسلامه عليه.
وأما قوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فقد اختلفوا في ذلك، فقال خصيف، عن مجاهد في قوله: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: إنه سيكون في ذرّيتك ظالمون.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكون لي إمام ظالم، وفي رواية لا اجعل إمامًا ظالما يقتدى به.
وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٤٥)، حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، أخبرنا [¬٥] شريك، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ قال: أنا من كان منهم صالحًا فسأجعله [¬٦] إمامًا يقتدى به، وأما من كان ظالمًا، فلا، ولا نُعْمَةَ عين.
وقال سعيد بن جبير: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: المراد به المشرك، لا يكون إمامَ ظالمٍ.
يقول: لا تكون إمام مشرك.
وقال ابن جريج: عن عطاء، قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١١٨٨ - (١/ ٣٦٥). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "يشمل". [¬٣]- زيادة من: خ. [¬٤]- في خ: "أرسل". [¬٥]- في خ: "حدثنا". [¬٦]- في الأصلين: أجعله.
[ ٢ / ٥٥ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٧٤٦): حدثنا [¬١] عمرو بن ثور -القيساري [¬٢]- فيما كتب إليّ، حدثنا الفريابي [¬٣]، حدثنا إسرائيل، حدَّثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. فأبى أن يفعل، ثم قال: ﴿قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
وقال محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن أبي محمَّد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يخبره أنه كائن في ذرّيته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي أن يوليه شيئًا من أمره، وإن كان من ذرّية خليله، ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.
وقال ابن جرير (^٧٤٧): [حدثنا المثنى] [¬٤]، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته فانتقضه.
وروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان نحو ذلك.
وقال الثوري، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ.
وقال عبد الرزاق (^٧٤٨): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينال عبد الله في الآخرة الظالمين، فأمّا في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.
وكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة.
وقال الربيع بن أنس: عهدُ الله الذي عهد إلى عباده دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ [الصافات: ١١٣] يقول: ليس كل ذرّيتك يا إبراهيم على الحق.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ١١٨٥ - (١/ ٣٦٤). وسماك مضطرب الحديث في عكرمة خاصة.
(٢) - تفسير ابن جرير ١٩٥٥ - (٣/ ٢٢). ومسلم الأعور: متروك الحديث.
(٣) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٨). [¬١]- في خ: "أخبرنا". [¬٢]- في خ: "القسارى". [¬٣]- في خ: "الفرياني". [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٥٦ ]
وكذا رُوي عن أبي العالية، وعطاء، ومقاتل بن حيان [¬١].
وقال جويبر عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدوّ لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني. وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمَّد بن حامد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن سعد [¬٢] بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي، ﷺ، قال: " ﴿لَا يَنَالُ [عَهْدِي الظَّالِمِينَ] [¬٣]﴾ قال [¬٤]: لا طاعة إلا في المعروف" (^٧٤٩).
وقال السدي: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ يقول: عهدي: نبوّتي.
فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية - وإن كانت ظاهرة في الخبر، أنه لا ينال عبد الله بالإمامة ظالمًا، ففيها [¬٥] إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇ أنه سيوجد من ذرّيتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدّم عن مجاهد وغيره، والله أعلم.
[وقال ابن خويز منداد المالكي: الظالم لا يصلح أن يكون خليفةً، ولا حاكمًا، ولا مفتيًا، ولا شاهدًا، ولا راويًا] [¬٦].
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال العوفي عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً﴾ قول: لا يقضون منه وطرًا؛ يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: مثابة للناس، يقول: يثوبون.
_________________
(١) - رواه بمعناه وفيه قصة: البخاري في المغازي، باب: سرية عبد الله بن حذافة السهمي برقم (٤٣٤٠) وفي خبر الآحاد برقم (٧٢٥٧)، ومسلم في الإمارة برقم (١٨٤٠)، وأبو داود في الجهاد، باب: في الطاعة برقم (٢٦٢٥)، والنسائي في البيعة باب: جزاء من أمر بمعصية فاطاع، والطيالسي (١٠٩) وأحمد (١/ ٩٤) من طرق عن علي. [¬١]- في خ: "بن حبان". [¬٢]- في ت: "سعيد". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ت: "فيها". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٥٧ ]
رواهما [¬١] ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٥٠): أخبرنا [¬٢] أبي، أخبرنا [¬٣] عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل [¬٤]، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه، ثم يرجعون. قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير في رواية، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وعطية، والربيع بن أنس، والضحاك نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^٧٥١): حدّثني عبد الكريم بن أبي عمير، حدّثني الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمرو -يعني الأوزاعي-: حدّثني عبدة بن أبي لبابة، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا.
وحدّثني يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه.
[وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي (^٧٥٢):
جعل البيت مثابًا لهم ليس … منه الدهر يقضون الوطر] [¬٥]
وقال سعيد بن جبير -في الرواية الأخرى- وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ أي: مجمعًا.
﴿وَأَمْنًا﴾ قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمنًا للناس.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ يقول: أمنًا من العدوّ، وأن يحمل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يُسْبَون.
وروي عن مجاهد وعطاء، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس قالوا: من دخله كان آمنًا.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ١٢٠٠ - (١/ ٣٦٨). وفيه مسلم بن كيسان الأعور: متروك الحديث. وهناك راوٍ آخر يسمى مسلم يروي عن مجاهد وهو مسلم بن عمران، ومسلم بن عمران ثقة من رجال الستة.
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره برقم ١٩٦٨ - (٣/ ٢٧) وفي إسناده الوليد بن مسلم مدلس، ولم يصرح كالسماع ولا بالتحديث.
(٣) - تفسير القرطبي (٢/ ١١٠). [¬١]- في خ: "رواه". [¬٢]- في خ: "حدثنا". [¬٣]- في خ: "حدثنا". [¬٤]- في خ: "إسماعيل". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٥٨ ]
ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا، من كونه مثابةً للناس، أي: جعله محلًا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو تردّدت إليه كل عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، ﵇، في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيهِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ ويصفه تعالى بأنه جعله آمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل، ثم دخله كان آمنًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل [أبيه وأخيه] [¬١]ـ فيه فلا يَعْرض له، كما وصف [¬٢] في سورة المائدة بقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾، أي: يُرفع عنهم بسبب تعظيمها السوءُ، كما قال ابن عباس: لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض. وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أوّلا وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾.
وفي هذه الآية الكريمة نبّه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام [¬٣] ما هو؟
فقال ابن أبي حاتم (^٧٥٣): حدثنا عمرو بن شبة [¬٤] النميري، حدَّثنا أبو خلف -يعني عبد الله بن عيسى- حدثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: مقام إبراهيم الحرم كله. وروي عن مجاهد، وعطاء مثل ذلك.
وقال أيضًا [¬٥] (^٧٥٤): حدثنا الحسن بن محمَّد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذُكر هاهنا، فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد. ثم قال: و﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يَعُدُّ كثير مقامَ إبراهيم الحجَّ كلَّه. ثم فسره [¬٦] لي عطاء فقال: التعريف،
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم ١٢٠٧ - (١/ ٣٧١). وإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن عيسى: أورده في الميزان (٢/ ٤٧٠) وقال: قال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال ابن عدي: هوي عن يونس وداود بن أبي هند ما لا يوافقه عليه الثقات، أحاديثه أفراد كلها. وقال النسائي: ليس بثقة.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ١٢٠٦ - (١/ ٣٧١). [¬١]- في خ: "أخيه أو أخيه". [¬٢]- في خ: "وصفها". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "شيبة". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "فسر".
[ ٢ / ٥٩ ]
وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف كان الصفا والمروة. فقلت: أفسره ابن عباس؟ قال: لا. ولكن قال: مقام إبراهيم الحجُّ كلُّه. قلت: أسمعت ذلك لم أجمع؟ قالا: نعم، سمعته منه.
وقال سفيان الثوري عن عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ قال: الحِجْر مقام إبراهيم [نبي الله] [¬١] قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة. ولو غسل رأسه كما يقولون لاختلف رجلاه.
[وقال السُّدي: المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي وضعفه ورجّحه غيره، وحكاه الرازي في تفسيره، عن الحسن البصري، وقتادة، والربيع بن أنس] [¬٢].
وقال ابن أبي حاتم (^٧٥٥): حدثنا الحسن بن بن الصباح، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدّث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي، ﷺ، قال له عمر: هذا مقامُ أبينا إبراهيم؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال عثمان بن أبي شيبة (^٧٥٦): أخبرنا [¬٣] أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله! هذا مقام خليلِ ربِّنا؟ قال: نعم. قال: أفلا نتخذه مصلّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا غيلان بن عبد الصمد، حدثنا مسروق بن المرزبان، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عمر بن الخطاب، أنه مرَّ بمقام إبراهيم، فقال: يا رسول الله، أليس نقوم [¬٤] بمقام خليل ربنا؟ قال: بلى. قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرا حتى نزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٢٠٥ - (١/ ٣٧٠). وعبد الوهاب بن عطاء: صدوق ربما أخطأ.
(٢) - منقطع أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل؛ قال أبو زرعة: حديثه عن عمر مرسل - العلائي ص ٢٤٤. ورواه الدارقطني في "الأفراد" كما في "أطراف الغرائب والأفراد" لابن القيسراني (ق ٣١) وقال: "غريب من حديث أبي إسحاق عن أبي ميسرة -عمرو بن شرحبيل- عن عمر تفرد به زكريا بن أبي زائدة عنه". [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "حدثنا". [¬٤]- في خ: "تقوم".
[ ٢ / ٦٠ ]
إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن مردويه، حدَّثنا محمد بن أحمد بن أحمد القزويني، حدَّثنا علي بن الحسين، بن الجنيد، حدَّثنا هشام بن خالد، حدَّثنا الوليد، عن مالك بن أَنس، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: لما وقف رسول الله، ﷺ، يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله! هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾؟ قال: نعم.
قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك؟ ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ قال: نعم. هكذا وقع في هذه الرواية. وهو غريب.
وقد روى النَّسائي (^٧٥٧) من حديث الوليد بن مسلم نحوه.
وقال البخاري (^٧٥٨): باب قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ ﴿مَثَابَةً﴾: يثوبون: يرجعون.
حدَّثنا مسدد، حدَّثنا يحيى، عن حميد، عن أَنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله! يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهاتِ المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني معاتبة النبي، ﷺ، بعض نسائه فدخلت عليهن فقلت: إن انتهين، أو ليبدلن الله رسولَهُ خيرًا منكن، حتَّى أتيتُ إحدى نسائه، فقالت: يا عمر! أما في رسول الله ما يعظ نساءه - حتَّى تعظهنَّ أنت، فأنزل الله -: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ … [¬١]﴾ .. الآية.
وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدَّثني حميد قال: سمعت أنسًا، عن عمر، ﵄.
هكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطَّرِيق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري. وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة. وروى عنه الباقون بواسطةٍ، وغرضه من تعليق هذا الطَّرِيق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث، وإنَّما لم يسنده، لأن
_________________
(١) - النسائي في الحج، باب: القراءة في ركعتي الطواف، حديث ٢٩٦٣ (٥/ ٢٣٦).
(٢) - صحيح البخاري في كتاب التفسير برقم (٤٤٨٣). [¬١]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٦١ ]
يحيى بن أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه: هو سيئ الحفظ، والله أعلم.
وقال الإمام أحمد (^٧٥٩): حدَّثنا هشيم، حدَّثنا حميد، عن أَنس قال: قال عمر ﵁: وافقت ربي ﷿ في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله! إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة. فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ﴾ فنزلت كذلك، ثم رواه أحمد (^٧٦٠) عن يحيى وابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أَنس، عن عمر أنَّه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره.
وقد رواه البخاري (^٧٦١)، عن عمرو بن عون، والترمذي، عن أحمد بن منيع، والنَّسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجة عن محمد بن الصباح، كلهُم عن هشيم بن بشير، به.
ورواه التِّرمِذي (^٧٦٢) أيضًا عن عبد بن حميد، عن حجاج بن منهال، عن حماد بن سلمة، والنَّسائي عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد -وهو ابن تيرويه الطويل- به.
وقال التِّرمِذي: حسن صحيح.
ورواه الإمام علي بن المديني، عن يزيد بن زريع عن حميد، به. وقال: هذا من صحيح الحديث، وهو بصري.
ورواه الإمام مسلم بن الحجاج (^٧٦٣) في صحيحه بسند آخر؛ ولفظ آخر، فقال: حدثنا عقبة بن مُكرمَ، أخبرنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم.
وقال أَبو حاتم الرازي (^٧٦٤): حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدَّثنا حميد الطويل، عن أَنس بن مالك، قال: قال عمر بن الخطاب: وافقفي ربي في ثلاث، أو وافقت ربي [في
_________________
(١) - المسند (١/ ٢٣).
(٢) - رواية يحيى في المسند (١/ ٣٦) ورواية ابن أبي عدي (١/ ٢٤).
(٣) - رواه البخاري في التفسير برقم (٤٩١٦) وسنن التِّرمِذي في التفسير، سورة البقرة، برقم (٢٩٦٠) وسنن النَّسائي الكبرى برقم (١١٦١١) وسنن ابن ماجة برقم (١٠٠٩).
(٤) - سنن التِّرمِذي في التفسير برقم (٢٩٥٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١٠٩٩٨).
(٥) - صحيح مسلم في كتاب فضائل الصحابة، برقم (٢٣٩٩).
(٦) - ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٨٨) من طريق أبي حاتم الرازي، به.
[ ٢ / ٦٢ ]
ثلاث] [¬١]: قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلَّى؟ فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وقلت: يا رسول الله؛ لو حجبت النساء فنزلت آية الحجاب. والثالثة: لما مات عبد الله بن أُبَيٍّ، جاء رسول الله، ﷺ، ليصلي عليه. قلت: يا رسول الله! تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال: إيهًا (^٧٦٥) عنك يا بنَ الخطَّاب فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.
وهذا إسناد صحيح أي، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قُدم عليه، والله أعلم.
وقال ابن جرير: أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن رسول الله، ﷺ، رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، حتَّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
وقال ابن جرير (^٧٦٦): حدثنا يوسف بن سلمان، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، حدَّثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثًا] ومشى أربعًا، ثم تقدم [¬٢] إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.
وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه من حديث حاتم بن إسماعيل.
وروى البخاري (^٧٦٧) بسنده، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله، ﷺ، فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين.
فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحَجَر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل ﵇ به، ليقوم فوقه، ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، و[¬٣] كلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول
_________________
(١) - أي كفَّ واسكتْ.
(٢) - تفسير ابن جرير ٢٠٠٣ - (٣/ ٣٦) وهو قطعة من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي، ﷺ، وقد رواه مسلم في كتاب الحج، كتاب: حجة النبي، ﷺ، برقم ١٤٧، ١٤٨ - (١٢١٨). وعند أحمد برقم ١٤٤٨٢ - (٣/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٣) - رواه البخاري في الصلاة، باب: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وفي العمرة، كتاب: متى يحل المعتمر برقم (٣٩٥، ١٧٩٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "نفذ". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٦٣ ]
الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها، و[¬١] هكذا، حتَّى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي وإنه في قصة إبراهيم، وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عبَّاس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة منه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها، ولهذا قال أَبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل
وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضًا. كما قال عبد الله بن وَهْب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن أَنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇ وأخمص قدميه، غير أنَّه أذهبه مسح الناس بأيديهم.
وقال ابن جرير (^٧٦٨): حدَّثنا بشر بن معاذ، حدَّثنا يزيد بن زريع، حدَّثنا سعيد، عن قَتَادة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، إنما أمروا أن يصلوا عنده و[¬٢] لم يؤمروا بمسحه. وقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه، وأصابعه فيه، فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتَّى اخلولق وانمحى.
(قلت): وقد كان هذا المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة، أو أنَّه انتهى عنده البناء فتركه هناك، ولهذا - والله أعلم - أمر بالصلاة هناك عند الفراغ من الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنَّما أخره عن جدار الكعبة أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁ أحد الأئمة المهديين، والخلفاء الراشدين، الذين أمرنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله، ﷺ: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (^٧٦٩) وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في الصلاة عنده، ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة ﵃ أجمعين.
قال عبد الرزاق (^٧٧٠) عن ابن جريج. حدثني عطاء وغيره من أصحابنا، قال: أول من نقله عمر بن الخطاب، ﵁.
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ٢٠٠٠ - (٣/ ٣٥).
(٢) - أخرجه الحميدي برقم (٤٤٩)، وأحمد (٥/ ٣٢٨)، والتِّرمِذي (٣٦٦٢)، وابن ماجة (٩٧). قال الترمذي: هنا حديث حسن، وكان سفيان بن عيينة يدلس هذا الحديث فربما ذكره عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، وربما لم يذكر فيه "عن زائدة".
(٣) - المصنف لعبد الرزاق برقم ٨٩٥٥ - (٥/ ٤٨). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٦٤ ]
[وقال عبد الرزاق (^٧٧١) - أيضًا- عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁] [¬١].
وقال الحافظ أَبو بكر أحمد [بن الحسين بن علي] [¬٢] البيهقي، أخبرنا أَبو [الحسين ابن] [¬٣] الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدَّثنا أبو إسماعيل محمد ابن إسماعيل السلمي، حدَّثنا أَبو ثابت، حدَّثنا الدراوردي، عن حشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر، ﵁، ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁، وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٧٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا ابن أبي عمر العَدَني [¬٤] قال: قال سفيان [يعني ابن عيينة] [¬٥] وهو إمام المكيين في زمانه: كان المقام في سُقْع [¬٦] البيت على عهد رسول الله، ﷺ، فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ، وبعد قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه.
وقال سفيان: لا أدرى كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله؟. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا؟ فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: حدَّثنا أبو عمرو [وهو أحمد بن محمد بن حكيم] [¬٧] حدَّثنا محمد بن عبد الوهاب [بن أبي تمام] [¬٨]، حدَّثنا آدم [هو ابن أبي إياس] [¬٩] في تفسيره، حدَّثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد قال: قال عمر [بن الخطاب] [¬١٠]: يا رسول الله! لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ فكان المقام عند البيت، فحوله رسول الله، ﷺ، إلى
_________________
(١) - المصنف لعبد الرزاق برقم ٨٩٥٣ - (٥/ ٤٧ - ٤٨)
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ١٢٠٩ - (١/ ٣٧٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "بن علي بن الحسين". [¬٣]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ. [¬٤]- في خ: "المدني". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- مكانها في المخطوطة بياض. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٦٥ ]
موضعه هذا. قال مجاهد: و[¬١] كان عمر يرى الرأي؛ فينزل به القرآن (^٧٧٣).
هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أن [¬٢] أول من أَخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁، وهذا أصح من طريق ابن مَرْدُويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨).
قال الحسن البصري: قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى، والنجس، ولا يصيبه من ذلك شيء.
وقال ابن جُرَيج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، أي: أمرناه .. كذا، قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى لأنه في معنى: تقدمنا وأوحينا.
وقال سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس (^٧٧٤): قوله: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾. قال: من الأوثان.
وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: ﴿طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾: إن ذلك من الأوثان، والرفث [¬٣] وقول الزور، والرجس.
_________________
(١) - قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ١٦٩): "إسناده ضعيف".
(٢) - ابن أبي حاتم ١٢١٤ - (١/ ٣٧٣). [¬١]- في خ: "قد". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "والريب".
[ ٢ / ٦٦ ]
قال ابن أبي حاتم (^٧٧٥): وروي عن عُبَيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: ﴿طَهِّرَا بَيتِيَ﴾. أي: بلا إله إلَّا الله، من الشرك.
وأما قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ فالطواف بالبيت معروف، وعن سعيد بن جبير أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ يعني من أتاه من غُرْبَةٍ ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ المقيمين فيه. [وهكذا روي عن قَتَادة والربيع بن أنس أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه] [¬١] كما قال سعيد بن جبير.
وقال يحيى القطان عن عبد الملك -هو ابن أبي سليمان- عن عطاء في قوله: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: من انتابه من الأمصار فأقام عنده، وقال لنا ونحن مجاورون: أنتم من العاكفين.
وقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي (^٧٧٦)، عن عطاء، عن ابن عبَّاس، قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٧٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، حدَّثنا ثابت، قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلَّا مُكَلِّم الأمير: أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام، فإنهم يُجْنِبون ويُحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون.
[ورواه عبد بن حميد، عن سليمان بن حرب، عن حمَّاد بن سلمة، به] [¬٢].
(قلت): وقد ثبت في الصحيح (^٧٧٨): أن ابن عمر كان ينام في مسجد الرسول، ﷺ، وهو عَزَب [¬٣].
وأما قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فقال وكيع عن أبي بكر الهذلي (^٧٧٩)، عن عطاء،
_________________
(١) - ابن أبي حاتم ١٢١٦ - (١/ ٣٧٤).
(٢) - رواه ابن أبي حاتم ١٢٢١ - (١/ ٣٧٥) عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، به، وأَبو بكر الهذلي: لين الحديث. ضعفه أحمد وغيره، وقال غندر وابن معين: لم يكن بثقة. وقال أَبو حاتم: لين يكتب حديثه. وقال النَّسائي: ليس بثقة. وقال البخاري: ليس بالحافظ عندهم (الميزان: ٤/ ٤٩٧).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم ١٢٢٤ - (١/ ٣٧٦).
(٤) - صحيح البخاري برقم (٤٤٠).
(٥) - رواه ابن أبي حاتم ١٢١٧ - (١/ ٣٧٤) عن أبي سعيد الأشج، وعمرو الأودي كلاهما عن وكيع به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "غريب".
[ ٢ / ٦٧ ]
عن ابن عبَّاس: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود، وكذا قال عطاء، وقَتَادة.
وقال ابن جرير، ﵀: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم، وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو: تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك، ثم أورد سؤالًا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين:
(أحدِهما) أنَّه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَانَ قوم نوح من الأصنام، والأوثان؛ ليكون ذلك سنة لمن بعدهما [¬١]، إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى، به. كما قال عبد الرحمن بن زيد ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾ قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.
(قلت): وهذا الجواب مُفَرَّعٌ على أنَّه كان يعبد عنده أصنام قبل إبراهيم، ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم محمد [صلى الله عليه وعلى آله وسلم] [¬٢].
(والجواب الثاني): أنَّه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والريب، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾. قال: فذلك [¬٣] قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾. أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ﴾ ابنيا بيتي للطائفين.
وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم، وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له، للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود. كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات.
[وقد اختلف الفقهاء: أبهما أفضل الصلاة عند البيت أو الطواف به؟ فقال مالك ﵀: الطواف به لأهل الأمصار أفضل. وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطقًا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام] [¬٤]، والمراد من ذلك الردُّ على المشركين الذين يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ
_________________
(١) [¬١]- في خ: "بعدهما ليكون ذلك". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "فكذلك". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٦٨ ]
لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
ثم ذكر: أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، وإمّا [¬١] بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين، لأنه تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واكتفى بذكر الركوع، والسجود عن القيام، لأنه قد علم أنَّه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام، وفي ذلك [¬٢] أيضًا ردٌّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود، والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بَنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة، وغير ذلك، وللاعتكاف والصلاة عنده، وهم لا يعلمون شيئًا من ذلك، فكيف [¬٣] يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟! وقد حج البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -كما أخبر بذلك المعصوم، الذي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
وتقدير الكلام إذًا. ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ أي تقدّمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي طهراه من الشرك والريب، وابنياه خالصًا لله، معقلًا للطائفين، والعاكفين، والركع السجود.
وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾. ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها، وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات، وما أشبه ذلك، ولهذا قال ﵇: "إنما بنيت الساجد لما بنيت له" (^٧٨٠). وقد جمعت في ذلك جزءًا على حده، ولله الحمد والنة.
[وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة فقيل: الملائكة قبل آدم، روي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسن، ذكره القرطبي، وحكى لفظه، وفيه غرابه. وقيل: آدم ﵇.
رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، وسعيد بن المسيب، وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل من حراء، وطور سيناء زيتا، وجبل لبنان، والجودى، وهذا غريب أيضًا. وروي عن ابن عبَّاس، وكعب الأحبار، وقَتَادة، وعن وَهْب بن منبه: أن أول من بناه شيث ﵇. وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب. وهي مما لا يصدق، ولا
_________________
(١) - رواه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة، برقم ٨٠ - (٥٦٩) من حديث بريدة ﵁. [¬١]- في خ: إما. [¬٢]- في خ: "هلك". [¬٣]- في خ: "فكيف لا".
[ ٢ / ٦٩ ]
يكذب، ولا يعتمد عليها بمجردها. وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين] [¬١].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قال الإمام أَبو جعفر بن جرير (^٧٨١): حدَّثنا ابن بشار قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدَّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله، ﷺ: "إِنَّ إِبَراهيم حرم بيت الله وأَمَّنَه، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصاد صيدها ولا يُقطع عِضَاهُهَا".
وهكذا رواه النَّسائي (^٧٨٢)، عن محمد بن بشار، عن بندار، به.
وأخرجه مسلم (^٧٨٣)، عن أَبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثَّوري.
وقال [ابن جرير] [¬٢] أيضًا (^٧٨٤): حدَّثنا أَبو كريب، وأَبو السائب قالا [¬٣]: حدَّثنا ابن إدريس. وحدثنا أَبو كريب، حدَّثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث، عن نافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم كَان عبدَ الله وخليله، وإني عبدُ الله ورسوله، وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عِضَاهَها وصَيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلَّا لعلف بعير".
وهذه الطَّرِيق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من
_________________
(١) - إسناده على شرط مسلم: وأَبو الزبير محمد بن مسلم: مدلس وقد عنعن. والحديث في تفسير ابن جرير برقم ٢٠٢٩ - (٣/ ٤٨). اللابة: الحرة، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها، وجمعها لابات. النهاية (٤/ ٢٧٤) واللابتان: هما الحرتان بجانبي المدينة. والعضاة: كل شجر عظيم له شوك، وقيل: العظيم من الشجر مطلقًا.
(٢) - رواه النَّسائي في الكبرى برقم (٤٢٨٤).
(٣) - رواه مسلم في الحج بلفظ: إن إبراهيم حرم مكة ، ٤٥٣٨ - برقم (١٣٦٢).
(٤) - إسناده ضعيف، أشعث هو ابن سوار: ضعيف، والحديث في تفسير ابن جرير ٢٠٣٠ - (٣/ ٤٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٧٠ ]
وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان الناس إذا رأوا أوّل الثمر، جاءوا به إلى رسول الله، ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم، بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللَّهم، إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل مما دعاك لمكة، ومِثْلِهِ معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له فيعطه ذلك الثمر. وفي لفظ"بركة مع بركةٍ". ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان- لفظ مسلم (^٧٨٥).
ثم قال ابن جرير (^٧٨٦): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خديج، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها".
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به. ولفظه كلفظه سواء.
وفي الصحيحين (^٧٨٧) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، ﷺ، لأبي طلحة: "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله، صلى الله عليه: سلم، كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقْبَل حتى إذا بدا له أحد قال: "هذا جبل [¬١] يحبنا ونحبه"، فلما أشرف على المدينة قال: "اللَّهم، إني أحرم ما بين جبليها، فل ما حرم به إبراهيم مكة، اللَّهم، بارك لهم في مُدِّهِم وصاعهم". وفي لفظ لهما: "اللهم [بارك لهم في مكيالهم، و،] [¬٢] بارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم". زاد البخاري: يعني أهل المدينة.
ولهما أيضًا عن أنس: أن رسول الله، ﷺ قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة" (^٧٨٨).
وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ عن النبي ﷺ: "إن إبراهيم حرّم مكة، ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها
_________________
(١) - رواه مسلم في الحج برقم ٤٧٣ - (١٣٧٣).
(٢) - تفسير ابن جرير ٢٠٣١ - (٣/ ٤٩). ورواه مسلم في الحج برقم ٤٥٦ - (١٣٦١).
(٣) - رواه البخاري في الجهاد برقم (٢٨٩٣)، وأطرافه في (٥٤٢٥، ٦٣٦٣)، ومسلم في الحج برقم ٦٤٢ - (١٣٦٥)، واللفظ لمسلم.
(٤) - رواه البخاري في فضائل المدينة برقم (١٨٨٥)، ومسلم في الحج برقم ٤٦٦ - (١٣٦٩). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٧١ ]
وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة".
رواه البخاري (^٧٨٩) وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة، ودعا لأهلها، واني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا به إبراهيم لأهل مكة".
وعن أبي سعيد، ﵁، عن النبي، ﷺ قال: "اللَّهم، إن إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مَأزِمَيها [¬١] (^٧٩٠). ألا [¬٢] يُهْرَاقَ فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يُخبط فيها شجرة إلا لعلف اللَّهم، بارك لنا في مدينتنا، اللهم، بارك لنا في صاعنا، اللَّهم، بارك لنا في مدنا، اللَّهم، اجعل مع البركة بركتين" الحديث رواه مسلم (^٧٩١).
والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، ﵇، لمكة لما في ذلك من مطابقة الآية الكريمة.
[وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض، وهذا أظهر وأقوى، والله أعلم] [¬٣].
وقد وردت أحاديث أُخَرُ تدلٌ على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين (^٧٩٢) عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ، يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. [وإنه لم يُحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة] [¬٤]. لا يعضد شوكه؛ ولا ينفر صيده، ولا تُلتَقَط لُقْطتُهُ إلا من عرّفها، ولا يخُتْلى خَلاهَا". فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخَر فإنه
_________________
(١) - رواه البخاري في البيوع، باب: بركة صاع النبي، ﷺ، ومده برقم (٢١٢٩). ومسلم في الحج برقم ٤٥٤ - (١٣٦٠).
(٢) - المأزم: الجبل، وقيل: هو المضيق بين جبلين، ونحوه، والأول هو الصواب هنا، ومعناه ما بين جبليها.
(٣) - رواه مسلم في الحج برقم ٤٧٥ - (١٣٧٤).
(٤) - رواه البخاري في الجنائز، باب: الأذخر والحشيش في القبر، وفي جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة برقم (١٣٤٩، ١٨٣٤) وأطرافه: (١٥٨٧، ٣١٨٩، ٣٠٧٧)، ورواه مسلم في الحج برقم ٤٤٥ - (١٣٥٣). [¬١]- في خ: "مأزمها". [¬٢]- في خ: "بألا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٧٢ ]
لقينهم، ولبيوتهم فقال: "إلا الإذخر (^٧٩٣) "، وهذا لفظ مسلم.
ولهما (^٧٩٤) عن أبي هريرة نحو من ذلك.
ثم قال البخاري (^٧٩٥) بعد ذلك: و[¬١] قال أبان بن صالح: عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي، ﷺ، مثله.
وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجه (^٧٩٦)، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير [¬٢]، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن [¬٣] أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت [رسول الله] [¬٤] ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: "يأيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لُقْطَتَهَا إلا مُنْشِد". فقال العباس: إلا الإذخر فإنه للبيوت والقبور، فقال رسول الله، ﷺ: "إلا الإذْخِر".
وعن أبي شُرَيح العدوي أنه قال لعَمْر بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن اُحدثك قولًا قام به رسول الله، ﷺ، الغَدَ من يوم الفتح، سَمِعَتْهُ أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به، إنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلي الله تعالى [¬٥] عليه وآله [¬٦] وسلم، فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذنَ لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس؛ فليبلغِ الشاهدُ الغائب" فقيل لأبي
_________________
(١) - الإذخر: نبات طيب الرائحة، تُسقَّف به البيوت فوق الخشب.
(٢) - رواه البخاري في كتاب العلم، باب: كتابة العلم برقم (١١٢) وأطرافه (٢٤٣٤، ٦٨٨٠) ومسلم في الحج برقم ٤٤٧ - (١٣٥٥).
(٣) - البخاري في الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر، عقب حديث (١٣٤٩).
(٤) - رواه ابن ماجة، كتاب المناسك، باب: فضل مكة، برقم (٣١٠٩)، ومحمد بن إسحاق، مدلس، وقد صرح بالتحديث عند ابن ماجه، وأبان بن صالح: قال الحافظ: وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم فجهله، وابن عبد البر فضعفه. وقال في الزوائد: في إسناده أبان بن صالح، وهو ضعيف. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "نمر". [¬٣]- عند ابن ماجه: ثنا. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٧٣ ]
شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك [¬١] يا أبا شريح، وإن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بِخَرَبَة [¬٢] (^٧٩٧).
رواه البخاري (^٧٩٨)، ومسلم، وهذا لفظه، فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ﵇ حرمها؛ لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها، وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم ﵇ لها، كما أنه قد كان رسول الله، ﷺ، مكتوبًا عند الله خاتم النبيين؛ وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ الآية. وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أخبرنا عن بَدْء أمرك. فقال: "دعوة أبي إبراهيم [﵇] [¬٣]، وبشرى عيسى بن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت [¬٤] له قصور الشام".
أي: أخبرنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.
وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها إن شاء الله، وبه الثقة. وقوله تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾. إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها، وفي صحيح مسلم (^٧٩٩) عن جابر سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح" وقال في هذه السورة: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ [أي اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا] [¬٥]، وناسب
_________________
(١) - الخربة أصلها: العيب، والمراد بها ها هنا الذي يفرّ بشيء، يريد أن ينفرد عليه، ويغلب عليه، مما لا تجيزه الشريعة، والخارب أيضًا: سارق الإبل خاصة، ثم نقل إلى غيرها، اتساعًا، وقد جاء في سياق الحديث في كتاب البخاري أن الخربة الجناية، والبليَّة.
(٢) - رواه البخاري في جزاء الصيد، باب: لا يعضد شجر الحرم وقم (١٨٣٢)، ومسلم في الحج برقم ٤٤٦ - (١٣٥٤).
(٣) - رواه مسلم في الحج من حديث أبي الزبير- مدلس، وقد عنعن- عن جابر برقم ٤٤٩ - (١٣٥٦). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "بجزية". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في ت: "أضاء". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٧٤ ]
هذا، لأنه قبل بناء الكعبة، وقال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ وناسب هذا هناك؛ لأنه -والله أعلم- كأنه وقع دعاء مرة ثانية بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة، ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ قال: هو من قول الله تعالى، وهذا قول مجاهد وعكرمة، وهو الذي صوّبه ابن جرير ﵀. قال: وقرأ آخرون ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾. فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربَّه أن من كفر فأمْتِعْه قليلًا.
وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ يقول: ومن كفر، فأرزقه قليلًا أيضًا ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
وقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم ﵇ الدعوة عمن أبي الله أن يجعل له الولاية - انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم [] [¬١] ظالم [لا يناله] [¬٢] عهده، بخبر الله له بذلك- قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ فإني أرزق البر والفاجر، وأمتعه قليلًا.
وقال حاتم بن إسماعيل، عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهني [¬٣]، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلًا، ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ رواه ابن مردويه. وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا
_________________
(١) [¬١]- في خ: أنه. [¬٢]- في خ: "ألا ينال". [¬٣]- في خ: "الذهبي".
[ ٢ / ٧٥ ]
ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، وقوله تعالى: (﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وفي الصحيحين (^٨٠٠): " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويعافيهم"، وفي الصحيح (^٨٠١) أيضًا: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه"، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾.
[وقرأ بعضهم: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾، الآية. جعله من تمام دعاء إبراهيم. وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة. وتركيب السياق يأبى معناها، والله أعلم؛ فإن الضمير في قال راجع إلى الله تعالى في قراءة الجمهور، والسياق يقتضيه، وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في قال عائدًا على إبراهيم. وهذا خلاف نظم الكلام، واللَّه سبحانه هو العلام] [¬١].
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَينَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ فالقواعد: جمع قاعدة، وهي السارية والأساس، يقول تعالى: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل ﵉ البيت، ورفْعَهما القواعد منه، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، [وحكى القرطبي وغيره عن أبيّ، وابن مسعود أنهما كانا يقرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
(قلت): ويدل على هذا قولهما بعده: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية، [¬٢]، فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما روى ابن
_________________
(١) - تقدم.
(٢) - رواه البخاري في التفسير، سورة هود، برقم (٤٦٨٦) ومسلم في البر والصلة برقم ٦١ - (٢٥٨٣) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٧٦ ]
أبي حاتم من حديث محمد بن يزيد بن خُنيس المكي، عن وُهَيب بن الوَرْد أنه قرأ: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾، ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن، ترفع قوائم بيت الرحمن، وأنت مُشْفِق ألا يتقبل [¬١] منك. وهذا كما حكى الله تعالى عن حال المؤمنين المخلصين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ أي: يعطون ما أُعطوا من الصدقات، والنفقات، والقربات ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أي: خائفة ألا يتقبل منهم. كما جاء في [¬٢] الحديث الصحيح، عن عائشة، عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في موضعه.
وقال بعض المفسرين: الذي كان يرفع القواعد هو إبراهيم، والداعي إسماعيل، والصحيح أنهما كانا يرفعان،: يقولان كما سيأتي بيانه.
وقد روى البخاري هاهنا حديثًا سنورده، ثم نُتِبْعه بآثار متعلقة بذلك.
قال البخاري (^٨٠٢) ﵀: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن أيوب السَّختياني، وكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة -يزيد أحدهما على الآخر- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قِبَل أم إسماعيل ﵉ اتخذت منطقًا، ليعفِّي أثرها علي سارة، ثم جاء بها إبراهيم، وبابنها إسماعيل ﵉ وهي ترضعه، حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زَمْزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسِقَاءً فيه ماء، ثم قفَّى إبراهيم، ﵇، منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل فقالت: ياإبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس [¬٣] ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت [¬٤]: آلله أمرك بهذا؟ - قال نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا، ثم رجعت. فانطلق إبراهيم، ﵇، حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه، استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه، فقال [¬٥]: ﴿رَبَّنَا [¬٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ حتى بلغ: ﴿يَشْكُرُونَ﴾، وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل ﵉، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نَفِدَ [¬٧] ماء السقاء عطشت، وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى -أو قال: يتلبط-
_________________
(١) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٦٤). [¬١]- في خ: "يقبل". [¬٢]- في خ: "به". [¬٣]- في خ: "أنس". [¬٤]- في خ: "قالت". [¬٥]- في خ: "قال". [¬٦]- في خ: "ربِّ". [¬٧]- في خ: "نفذ".
[ ٢ / ٧٧ ]
فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها [¬١]، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا؟ فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طَرَف درعها، ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، فقامت عليها، فنظرت [¬٢] هل ترى أحدًا؟، فلم ترى أحدًا. ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ: "فلذلك سعى الناس بينهما".
فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: "صه" -تريد نفسها- ثم تَسَمَّعت فسمعت أيضًا، فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه، أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تحَوِّضُهُ، وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، [وهو يفور] [¬٣] بعد ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي، ﷺ: "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -أوقال: لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا".
قال [¬٤]: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة، فإن هاهنا بيتًا لله، ﷿، يبنيه [¬٥] هذا الغلام وأبوه، وإن الله-﷿ لا يضبع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جُرْهُم، أو أهل بيت من جرهم، مقبلين من طريق كَدَاء فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إن هذا الطائر ليدور [¬٦] على الماء، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جَرِيّا أو جريين، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم. ولكن لا حق لكم في الماء عندنا [¬٧]، قالوا: نعم.
قال [عبد الله] [¬٨] بن عباس: فقال النبي، ﷺ: "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس". فنزلوا، وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنْفَسَهم، وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوّجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل ﵉، فجاء إبراهيم بعد ما تزوّج إسماعيل ليطالع تَرْكَتَه فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشرٍّ، نحن في ضيق وشدّة. وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، وقولي له: يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه أنس شيئًا فقال:
_________________
(١) [¬١]- في خ: "تليها". [¬٢]- في خ: "ونظرت". [¬٣]- في خ: "وهي تفور". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "يبنى". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- زيادة من: خ.
[ ٢ / ٧٨ ]
هل جاءكم من أحد؟ قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسأل عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أننا [¬١] في جهد وشدّة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غَيِّر عتبة بابك. قال: ذاك أبي. وقد [¬٢] أمرني أن أفارقك، فالحقي بأهلك، فطلقها، وتزوّج منهم بأخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم؟. فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله ﷿، قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء، قال "اللَّهم بارك لهم في اللحم والماء- قال النبي ﷺ: "ولم يكن لهم يومئذ حَبّ، ولو كان لهم لدعا لهم فيه" قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه¬ السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل ﵇ قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم [أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك، فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم] [¬٣]، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك، قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ثم لبث عنهم ما شاء الله ﷿، ثم جاء بعد ذلك، وإسماعيل يَبْري نَبْلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم، فلما رآه قام إليه [¬٤] فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد، ثم قال: يا إسماعيل! إنّ الله ﷿ أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك ﷿، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتًا، وأشار إلى أكَمَةٍ مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت. فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاء بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
[ورواه عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، به مطولًا] [¬٥].
ورواه ابن أبي حاتم (^٨٠٣)، عن أبي عبد الله محمد بن حماد [الطهراني]. وابن جرير، عن أحمد بن ثابت الرازي، كلاهما عن عبد الرزاق به مختصرًا.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ١٢٤٤ - (١/ ٣٨١)، وابن جرير ٢٠٥٥ - (٣/ ٦٧). [¬١]- في خ: "أني". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٧٩ ]
وقال أبو بكر بن مردويه (^٨٠٤): حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن عبد الملك بن جريج، عن كثير بن كثير، قال: كنت أنا وعثمان بن أبي سليمان، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين في ناس مع سعيد بن جبير، في أعلى المسجد ليلًا، فقال سعيد بن جبير: سلوني قبل ألا تروني. فسألوه عن المقام. فأنشأ يحدثهم عن ابن عباس، فذكر الحديث بطوله.
ثم قال البخاري (^٨٠٥): حدَّثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن كثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأم إسماعيل، ومعهم شَنَّة فيها ماء، فجعلت أم إسماعيل، تشرب من الشنة، فيَدِرُّ لبنُها على صبيها، حتى قدم مكة فوضعهما تحت دوحة، ثم رجع إبراهيم [إلى أهله] [¬١] فاتبعته أم إسماعيل، حتى لما [¬٢] بلغوا كَدَاء نادته من وراءه: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله ﷿. قالت: رضيت بالله. قال: فرجعت فجعلت تشرب من الشنة، ويدر لبنها على صبيها [¬٣] حتى لما فَني الماء، قالت: لو ذهبت فنظرت لعلي أحس أحدًا. [قال فذَهَبَت فصعدت الصفا، فنظرت، ونظرت، هل تحس أحدًا، فلم تحس أحدًا] [¬٤]. فلما بلغت الوادي سعت حتى أتت المروة، ففعلت ذلك أشواطًا [حتى أتمت سبعًا] [¬٥]، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت؛ ما فعل -تعني [¬٦] الصبي- فذهبت فنظرت فإذا هو على حاله كأنه ينشغ [¬٧] للموت، فلم تقرها نفسها، فقالت: لو ذهبت فنظرت لعلى أحس أحدًا قال: فذهبت فصعدت الصفا، فنظرت ونظرت فلم تحس أحدًا، حتى أتمت سبعًا، ثم قالت: لو ذهبت فنظرت ما فعل، فإذا هي بصوت، فقالت: أغث إن كان عندك خير، فإذا جبريل ﵇ قال: فقال بعقبه هكذا، وغمز عقبه على الأرض. قال: فانبثق الماء، فَدَهَشَتْ [¬٨] أم إسماعيل، فجعلت تحفر.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ: "لو تركته لكان ظاهرًا".
_________________
(١) - مسلم بن خالد: ضعفه غير واحد، وأحمد بن محمد الأزرقي روى له البخاري. وكثير بن كثير: ثقة.
(٢) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء برقم (٣٣٦٥). [¬١]- زيادة من: خ. [¬٢]- زيادة من: خ. [¬٣]- في خ: "نفسها". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- زيادة من: خ. [¬٧]- في خ: "ينثغ". [¬٨]- في خ: "فذهبت".
[ ٢ / ٨٠ ]
قال: فجعلت تشرب من الماء ويدر لبنها على صبيها.
قال فمر ناس من جرهم ببطن الوادي، فإذا هم بطير، كأنهم أنكروا ذلك، وقالوا ما يكون الطير إلا على ماء، فبعثوا رسولهم فنظر، فإذا هو بالماء. فأتاهم فأخبرهم، فأتوا إليها فقالوا: يا أم إسماعيل، أتأذنين لنا أن نكون معك -أو نسكن معك؟ - فبلغ ابنُها ونكح منهم امرأة.
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ، فقال لأهله: إني مطلع تركتي. قال: فجاء فسلم، فقال: أين إسماعيل؟ قالت امرأته: ذهب يصيد. قال: قولي له إذا جاء: غير عتبة بابك، فلما أخبرته، قال: أنت ذاك، فاذهبي إلى أهلك.
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم فقال لأهله: إني مطلع تركتي، قال فجاء فقال: أين إسماعيل؟ فقالت امرأته: ذهب يصيد، فقالت: ألا تنزل فتطعم وتشرب، فقال: ما طعامكم وما شرابكم؟ قالت: طعامنا اللحم وشرابنا الماء، قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم.
قال: فقال أبو القاسم ﷺ: "بَرَكة بدعوة إبراهيم".
قال: ثم إنه بدا لإبراهيم ﷺ فقال لأهله: إني مطلع تركتي. فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلًا له. فقال: يا إسماعيل، إن ربَّك، ﷿، أمرني أن أبني له بيتًا. ففال: أطِعْ ربك ﷿. قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذن أفعل -أو كما قال- قال: فقاما، فجعل إبراهيم يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال: حتى ارتفع البناء، وضَعُف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حَجَر المقام، فجعل يناوله الحجارة، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
هكذا رواه من هذين الوجهين في كتاب الأنبياء.
والعجب أن الحافظ أبا عبد الله الحاكم رواه في كتابه "المستدرك" (^٨٠٦) عن أبي العباس الأصم، عن محمد بن سنان الَقزَّاز [¬١]، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن إبراهيم بن نافع، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. كذا قال. وقد رواه البخاري كما ترى، من حديث إبراهيم بن نافع، وكأن فيه اختصارًا، فإنه لم يذكر فيه شأن [¬٢] الذبح، وقد جاء في الصحيح أن قرني الكبش كانا معلقين بالكعبة، وقد جاء أن إبراهيم ﵇ كان يزور أهله بمكة على البراق سريعًا، ثم. يعود إلى أهله بالبلاد
_________________
(١) - لم نعثر عليه عند الحاكم في المستدرك. [¬١]- في خ: البزار. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٢ / ٨١ ]
المقدسة، والله أعلم، والحديث -والله أعلم- إنما فيه مرفوع أماكن صرح بها ابن عباس، عن النبي، ﷺ.
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في هذا السياق ما يخالف بعض هذا، كما قال ابن جرير (^٨٠٧): حدثنا محمد بن بشار، ومحمد بن المثنى قالا: حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرِّب، عن علي بن أبي طالب، قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت، خرج معه إسماعيل وهاجَرُ. قال: فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة، فيه مثل الرأس. فكلمه، قال: يا إبراهيم ابن علي ظلي، أو قال [¬١]: على قدري، ولا تَزِد ولا تنقص. فلما بنى خرج، وخلف إسماعيل وهاجر، فقالت هاجر: يا إبراهيم إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، قالت: انطلق، فإنه لا يضيعنا. قال: فعطش إسماعيل عطشًا شديدًا، قال: فصعدت هاجر إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا، [حتى أتت المروة فلم تر شيئًا] [¬٢]، ثم رجعت إلى الصفا، فنظرت فلم تر شيئًا، [حتى أتت المروة لم تر شيئًا، ثم رجعت إلى الصفا فنظرت فلم تر شيئًا] [¬٣]، حتى فعلت ذلك سبع مرات فقالت: يا إسماعيل! مت [¬٤] حيث لا أراك، فأتته وهو يفحص برجله من العطش. فناداها جبريل فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر أمّ ولد إبراهيم. قال: فإلى من وكلكما؟. قالت: وكلنا إلى الله. قال: وكلكما إلى كافٍ. قال: ففحص الغلام الأرض بأصبعه، فنبعت زمزم. فجعلت تحبس الماء فقال: دعيه فإنه [¬٥] رواء. ففي هذا السياق [أنه بنى] [¬٦] البيت قبل أن يفارقهما، وقد يحتمل أنه كان محفوظًا: أن يكون أوّلًا وضع له محوطًا وتحجيرًا، لا أنه بناه إلى أعلاه، حتى كبر إسماعيل فبنياه معًا، كما قال الله [¬٧] تعالى.
ثم قال ابن جرير (^٨٠٨): حدثنا هناد بن السَّريّ، حدَّثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن خالد بن عرعرة: أن رجلًا قام إلى علي، ﵁، فقال: ألا تخبرني عن البيت، أهو أوّل بيت وضع في الأرض؟ فقال: لا. ولكنه أول بيت وضع فيه البركة مقام إبراهيم، ومن دخله كان آمنًا، وإن شئت أنبأتك كيف بني، إن الله أوحى إلى إبراهيم: أنِ ابنِ لي بيتًا في الأرض،
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٢٠٥٧ - (٣/ ٦٨ - ٦٩). ومؤمل بن إسماعيل: ضعيف يعتبر له. قال البخاري فيه: منكر الحديث، وقال ابن حجر: صدوق سييء الحفظ. وأبو إسحاق مدلس وقد عنعن.
(٢) - تفسير ابن جرر ٢٠٥٨ - (٣/ ٧٠ - ٧١). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: من. [¬٥]- في خ: "فإنها". [¬٦]- في خ: "أن بناء". [¬٧]- زيادة من: خ.
[ ٢ / ٨٢ ]
قال: فضاق إبراهيم بذلك ذرعًا، فأرسل الله السكينة، وهي ريح خجوج (^٨٠٩)، ولها رأسان فأتبع أحدهما صاحبه، حتى انتهت إلى مكة، فتطوّت (^٨١٠) على موضع البيت كطي الحجفة، وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السكينة، فبنى إبراهيم، وبقي الحجر، فذهب الغلام [يبغى] [¬١] شيئًا. فقال إبراهيم: ابغني حجرًا كما آمرك. قال: فانطلق الغلام يلتمس له حجرًا، فأتاه به، فوجده قد ركب الحجر الأسود في مكانه. فقال: يا أبت! من آتاك بهذا الحجر؟ فقال: آتاني به من لا يتكل على بنائك، جاء به جبريل ﵇ من السماء، فأتماه.
وقال ابن أبي حاتم (^٨١١): حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد القري، حدثنا سفيان، عن بشر بن عاصم، عن سعيد بن المسيب، عن كعب الأحبار، قال: كان البيت غثاءة على الماء قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عامًا، ومنه دحيت الأرض.
قال سعيد: وحدثنا علي بن أبي طالب: أن إبراهيم أقبل من أرض أرمينية، ومعه السكينة تدله على تبوُّء البيت كما تتبوّأ العنكبوت بيتًا، قال: فكشفت عن أحجار لا يطيق الحجرَ إلا ثلاثون رجلًا. قلت: يا أبا محمد، فإن الله يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ قال: كان ذلك بعد.
وقال السُّدي: إن الله ﷿ أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل: ابنيا بيتيَ للطائفين والعاكفين، والركع السجود، فانطلق إبراهيم [﵇] حتى أتى مكة، فقام هو وإسماعيل وأخذا المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحًا، يقال لها: ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكشفت لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأوّل، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، فذلك حين يقول تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾] [¬٢]، ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾، فلما بنيا القواعد فبلغا مكان الركن. قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجزا حسنًا أضعه هاهنا. قال: يا أبت، إني كسلانُ لَغِب. قال: علي بذلك، [فانطلق يطلب له حجرًا، فجاءه بحجر فلم يرضه، فقال: ائتنى بحجر أحسن من هذا] [¬٣] فانطق يطلب له حجرًا، فأتاه [¬٤] جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثَّغَامة
_________________
(١) - يقال: ريح خجوج، أي شديدة المرور في غير استواء.
(٢) - أي استدارت كالتُرس، وهو تفعلت من الطي.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم ١٢٤٥ - (١/ ٣٨١). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: وجاءه.
[ ٢ / ٨٣ ]
وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبه! من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك، فبنيا وهما يدعوان الكلمات التي ابتلى إبراهيمَ ربُّه، فقال: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وفي هذا السياق ما يدل على أن قواعد البيت كانت مبنية قبل إبراهيم، وإنما هُديَ إبراهيم إليها وبُوِيء لها. وقد ذهب إلى هذا [¬١] ذاهبون، كما قال الإمام عبد الرزاق (^٨١٢): أخبرنا معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ﴾ قال: القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك.
وقال عبد الرزاق أيضًا (^٨١٣)، أخبرنا هشام بن حسان، عن سوّار ختن عطاء، عن عطاء بن أبي رباح، قال: لما أهبط آدم من الجنة، كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، يسمع [¬٢] كلام أهل السماء، ودعاءهم، يأنس إليهم، فهابته الملائكة، حتى شكت إلى الله في دعائها وصلاتها. فخفضه الله تعالى إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا ذلك إلى الله في دعائه، وفي صلاته، فوَجَّه إلى مكة، فكان موضع قَدَمه قرية، وخَطْوُه مفازة، حتى انتهى إلى مكة، وأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة، فكانت على موضع البيت الآن. فلم يزل يطوف به حتى أنزل الله الطوفان، فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم ﵇، فبناه. وذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾.
وقال عبد الرزاق (^٨١٤): أخبرنا ابن جريج، عن عطاء، قال: قال آدم؛ يارب [¬٣] إني لا أسمع أصوات الملائكة، قال: بخطيئتك، ولكن اهبط إلى الأرض، فابن لي بيتًا، ثم أحفُفْ به، كما رأيت الملائكة تحف ببيتي الذي في السماء، فيزعم الناس أنه بناه من خمسة أجبل: من حراء، وطور زيتا، وطور سيناء، [وجبل لبنان] [¬٤]، والجودي. وكان رَبَضَهُ من حراء، فكان هذا بناء آدم حتى بناه إبراهيم ﵇ بعد.
وهذا صحيح إلى عطاء، ولكن في بعضه نكارة، والله أعلم.
وقال عبد الرزاق أيضًا (^٨١٥): أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيتَ مع آدم
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٨ - ٥٩).
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٠٤١ - (٣/ ٥٩) من طريق الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، به.
(٣) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٠٣٧ - (٣/ ٥٧ - ٥٨) من طريق الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، به.
(٤) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٠٤٢ - (٣/ ٥٩) من طريق الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، به. [¬١]- في خ: "ذلك". [¬٢]- في خ: "فسمع". [¬٣]- زيادة من ابن جرير. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٢ / ٨٤ ]
[حين] [¬١] أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعًا، فحزن آدم [¬٢] إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، ﷿، فقال الله: يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتًا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلي عنده كما يُصلى عند عرشي، فانطلق إليه آدم، فخرج ومُدّ له في خَطْوه، فكان بين كل خطوتين مفازة؛ فلم تزل تلك المفازة بعد ذلك، فأتى آدم البيت فطاف به، ومن بعده من الأنبياء.
وقال ابن جرير (^٨١٦): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي [¬٣]، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: وضع الله [¬٤] البيت على أركان الماء، على أربعة أركان، قبل أن تخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحت البيت.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني [عبد الله] [¬٥] بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره من أهل العلم، إن الله لما بوّأ إبراهيم مكان البيت خرج إليه من الشام -وخرج معه بإسماعيل، وبأمّه هاجر، وإسماعيل طفل صغير- يرضع، وحملوا فيما حدّثني على البراق، ومعه جبريل يدله على موضع البيت، ومعالم الحرم، وخرج معه جبريل، فكان لا يمر بقرية إلا قال: أبهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل: امضه، حتى قدم به مكة،: هي إذ ذاك عضاه سَلَم وَسَمُر، وبها أناس يقال لهم: العماليق خارج مكة وما حولها، والبيت يومئذ ربوة حمراء مدرة، فقال إبراهيم لجبريل: أهاهنا أمرت أن أضعهما؟ قال: نعم. فعمد بهما إلى موضع الحجر فأنزلهما فيه، وأمر هاجر أم إسماعيل أن تتخذ فيه عريشًا، فقال: ﴿رَبَّنَا [¬٦] إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ إلى قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
وقال عبد الرزاق (^٨١٧): أخبرنا هشام بن حسان، أخبرني حميد، عن مجاهد؛ قال: خلق الله موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا بألفي سنة، وأركانه في الأرض السابعة وكذا قال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: القواعد في الأرض السابعة.
وقال ابن أبي حاتم (^٨١٨): حدَّثنا أبي، أخبرنا [¬٧] عَمرو بن رافع، أخبرنا [¬٨] عبد الوهاب ابن
_________________
(١) - رواه ابن جرير ٢٠٤٦ - (٣/ ٦١).
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره ٢٠٤٩ - (٣/ ٦٢) من طريق الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، به.
(٣) - ابن أبي حاتم ١٢٤١ - (١/ ٣٨٠). وقال محققه: وإسناده ضعيف، ومتنه منكر. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "العمى". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من ن: خ. [¬٦]- في خ: "ربِّ". [¬٧]- في خ: "حدثنا". [¬٨]- في خ: "حدثنا".
[ ٢ / ٨٥ ]
معاوية، عن عبد المؤمن بن خالد، عن علباء بن أحمر: أن ذا القرنين قدم مكة فوجد إبراهيم، وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل. فقال: ما لكما ولأرضي؟ فقالا: نحن عبدان مأموران، أمرنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا بالبينة على ما تدعيان. فقامت خمسة أكبش، فقلن: نحن نشهد: إن إبراهيم، وإسماعيل عبدان مأموران أمرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رضيت وسلمت، ثم مضى.
وذكر الأزْرَقي في تاريخ مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم ﵇ بالبيت، وهذا يدل على تقدّم زمانه، والله أعلم.
وقال البخاري (^٨١٩) ﵀ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية: القواعد أساسه، واحدها قاعدة. والقواعد من النساء واحدتها قاعدُ [¬١].
حدثنا إسماعيل، حدّثني مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، أخبن عبد الله بن عمر، عن عائشة زوج النبي ﷺ: أن رسول الله ﷺ قال: "ألم ترَي أن قومك حين بنوا [البيت اقتصروا] [¬٢] عن قواعد إبراهيم"؟ فقلت: يا رسول الله، ألا تردّها على قواعد إبراهيم؟ قال: "لولا حِدْثان قومك بالكفر". فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشةُ سمعت هذا من رسول الله، ﷺ، ما أرى رسول اللْه ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحِجْر إلا أن البيت لم يُتَمَّم على قواعد إبراهيم ﵇.
وقد رواه في الحج عن القعنبي [¬٣]، وفي أحاديث الأنبياء عن عبد الله بن يوسف. ومسلم عن يحيى بن يحيى، ومن حديث ابن وهب. والنسائي من حديث عبد الرحمن بن القاسم، كلهم عن مالك، به (^٨٢٠).
ورواه مسلم أيضًا (^٨٢١) من حديث نافع قال: سمعت عبد الله بن [محمد بن] [¬٤] أبي بكر بن أبي قُحَافة يحدث عن عبد الله بن عُمَر، عن عائشة، عن النبي ﷺ قال: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية -أو قال بكفر- لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله،
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير برقم (٤٤٨٤).
(٢) - صحيح البخاري برقم (١٥٨٣، ٣٣٦٨)، ومسلم في الحج برقم ٣٩٨ - (١٣٣٣)، والنسائي في المناسك، باب: بناء الكعبة (٥/ ٢١٤).
(٣) - رواه مسلم في الحج برقم ٤٠٠ - (١٣٣٣). [¬١]- في خ: "غير". [¬٢]- في خ: "الكعبة أقصروا". [¬٣]- في خ: "التعنبي". [¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ.
[ ٢ / ٨٦ ]
ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحِجْر".
وقال البخاري (^٨٢٢): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قال لي ابن الزبير: كانت عائشة تسر إليك حديثًا كثيرًا فما حدثثك في الكعبة؟ قال: قلت: قالت لي: قال النبي ﷺ: "يا عائشة! لولا قومُك حديثٌ عهدهم -فقال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين: بابا يدخل منه الناس وبابا يخرجون منه" ففعله ابن الزبير.
انفرد بإخراجه البخاري فرواه هكذا في كتاب العلم من صحيحه.
وقال مسلم في صحيحه (^٨٢٣): حدَّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: "لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خَلْفًا".
قال: وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كُرَيب، قالا: حدثنا ابن نُمَير، عن هشام بهذا الإسناد انفرد به مسلم
قال (^٨٢٤): وحدّثني محمد بن حاتم، حدّثني محمد [¬١] بن مهدي، أخبرنا [¬٢] سَلِيم بن حيان، عن سعيد -يعني ابن ميناء- قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول: حدّثتني خالتي -يعني عائشة ﵂ قالت: قال النبي، ﷺ: "يا عائشة! لولا قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، ولجعلت لها بابين بابًا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحِجْر، فإن قريشًا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" انفرد به أيضًا.