قال ابن جرير (^١٢٩): حدثنا هناد، حدثنا وكيع، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال سلمان الفارسي: كُلْ، وإِن أكل ثلثيه، يعني الصيد إِذا أكل منه الكلب. وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة وعمر بن عامر، عن قتادة. وكذا رواه محمَّد بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن سلمان.
ورواه ابن جرير أيضًا (^١٣٠) عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن حميد، [عن بكر بن عبد الله المزني، والقاسم: أن سلمان قال: إِذا أكل الكلب فكل، وإِن أكل ثلثيه.
وقال ابن جرير (^١٣١): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مخرمة بن
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير الطبرى (٩/ ٥٦١) (١١١٩٠) وإسناده صحيح. فقد تابع شعبة عليه سعيدُ بن أبي عروبة عند ابن أبي شيبة (٤/ ٦٠٣ - ٦٠٤) وابن جرير الطبرى (١١١٨٧)، (١١١٩١ - ١١١٩٢) والبيهقيُّ (٩/ ٢٣٧) وعمر بن عامر عند ابن جرير (١١٢٠١) وقد كان شعبة لا يحدث عن قتادة إلَّا بما سمع قتادة من شيوخه، وسعيد بن أبي عروبة أوثق الناس في قتادة، وعمر بن عامر هو السلمى البصري القاضى، وثقه أحمد لكن قال فيه الحافظ في "التقريب": صدوق له أوهام. وقد تابع قتادة عليه محمَّد بن زيد، فرواه عن سعيد عن سلمان أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ٦١١) وابن جرير الطبرى (١١١٩٤)، ومحمد بن زيد بن علي هو العبدى، قاضى مرو، نقل ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٤١٩) توثيقه عن ابن معين، وذكره ابن حبَّان في الثقات (٧/ ٤٢٤) وسيأتى رقم (١٣٣) عن بكر بن عبد الله المزنى والقاسم: أن سلمان قال: إذا أكل الكلب فكل وإن أكل ثلثيه، وقد روى هذا عن سلمان مرفوعًا لكنه لا يصح، وقد تقدم تخريجه رقم (٦٧) وسيأتى أيضًا رقم (١٣٨).
(٢) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٦١) (١١١٩٣) وانظر الذي قبله.
(٣) - أخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره (٩/ ٥٦١) (١١١٩٥) ورجال إسناده ثقات غير مخرمة بن بكير؛ قال فيه الحافظ: صدوق وروايته عن أبيه وجادة من كتابه. وقد تابعه ابن أبي ذئب فرواه عن بكير بن عبد الله الأشج؛ أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٤/ ٦٠٣) وابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٦٣) (١١٢٠٧) والبيهقيُّ في سننه (٧/ ٢٣٧) ورواه ابن أبي ذئب أيضًا عن يعقوب بن عبد الله بن الأشج عن حميد قال: سألت سعدًا. . . فذكر نحو رواية بكير، =
[ ٥ / ٦٧ ]
بكير، عن أبيه، عن حميد] [¬١] بن مالك بن خثيم الدؤلي، أنَّه سأل سعد بن أبي وقاص عن الصيد يأكل منه الكلب، فقال: كل، وإِن لم يبق منه إِلا حذية، يعني بضعة.
ورواه شعبة (^١٣٢)، عن عبد ربه بن سعيد، عن بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيّب، عن سعد بن أبي وقاص قال: كُلْ، وإِن أكل ثلثيه.
وقال ابن جرير (^١٣٣): حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عامر، عن أبى هريرة قال: إِذا أرسلت كلبك فأكل منه، فإِن أكل ثلثيه وبقى ثلثه، فكله.
وقال ابن جرير (^١٣٤): حدثنا محمَّد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر، قال سمعت عبيد الله. وحدثنا هنّاد، حدثنا [¬٢] عبدة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر، قال: إِذا أرسلت كلبك المعلَّم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك، أكل أو لم يأكل.
_________________
(١) = أخرجه ابن جرير رقم (١١٢٠٨) ويعقوب بن عبد الله بن الأشج أخو بكير، وهو ثقة روى له مسلم والنسائيُّ والترمذي وابن ماجه، ولا يعد ذلك اضطرابًا من ابن أبي ذئب ﵀ لاحتمال أن يكون سمعه من بكير، وسمعه من يعقوب أيضًا، فكان يحدث به عن هذا تارة وعن الآخر تارة أخرى، والله أعلم. وله طريق آخر عن سعد يأتى في الذي بعده.
(٢) - أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٩/ ٥٦٢) (١١١٩٦) قال: حدثنا محمَّد بن المثنى حدثني عبد الصمد حدثنا شعبة به، ورواه ابن جرير أيضًا (١١١٩٧) حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا سعيد بن الربيع قال: حدثنا شعبة عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت بكير بن الأشج، عن سعيد بن المسيّب - قال شعبة: قلت سمعته من سعيد؟ قال: لا - قال: كل وإن أكل ثلثيه. قال: ثمَّ إن شعبة قال في حديثه: عن سعد قال: كل، وإن أكل نصفه. ورواه البيهقي (٩/ ٢٣٧) من طريق أبي عمر الحوضى عن شعبة عن عبد ربه بن سعيد عن بكير بن عبد الله عن سعد نحوه، وقال البيهقي: وهذا أيضًا مرسل. ثمَّ رواه عن عبد ربه عن حميد عن سعد ثمَّ قال: وهذا موصول.
(٣) - أخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره (٩/ ٥٦٢) (١١١٩٨) ورواه أيضًا رقم (١١١٩٩) قال: حدثنا ابن المثنى حدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا داود بن أبي هند. . . فذكره ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٦٠٤) نا يزيد بن هارون فذكره بلفظ: "إذا أرسلت كلبك فأكل فكل وإن أكل ثلثه"، وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٤) - أخرجه في تفسيره (٩/ ٥٦٣) (١١٢٠٢) وأخرجه البيهقي (٩/ ٢٣٧) من طريق ابن أبي نمر عن عبيد الله به، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٤/ ٦٠٤) وابن جرير رقم (١١٢٠٦) من طريق وكيع عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر نحوه، ورواه عبد الرزاق (٨٥١٦)، (٨٥١٧) من طريق أيوب وعبد الله بن عمر عن نافع بنحوه، ورواه ابن جرير (١١٢٠٥) من طريق ابن وهب عن عبيد الله بن عمر، وابن أبي ذئب وغير واحد عن نافع مثله. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "بن".
[ ٥ / ٦٨ ]
وكذا رواه عبيد الله بن عمر وابن أبي ذئب، وغير واحد عن نافع.
فهذه الآثار ثابتة عن سلمان وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وابن عمر، وهو محكي عن علي وابن عباس. واختلف فيه عن عطاء والحسن البصري، وهو قول الزهري وربيعة ومالك وإليه ذهب الشافعي في القديم، وأومأ إليه في الجديد.
وقد روي من طريق سلمان الفارسي مرفوعًا، فقال ابن جرير (^١٣٥):
حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللاحوني، حدثنا محمد بن دينار - وهو الطاحي - عن أبي إِياس معاوية بن قرّة، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: "إِذا أرسل الرجل كلبه على الصيد، فأدركه وقد أكل منه؛ فليأكل ما بقي".
ثم قال ابن جرير (^١٣٦): وفي إِسناد هذا الحديث نظر، وسعيد غير معلوم له سماع من سلمان، والثقات يروونه من كلام سلمان غير مرفوع.
وهذا الذي قاله ابن جرير صحيح، لكن قد روي هذا المعنى مرفوعًا من وجوه أخر.
فقال أبو داود (^١٣٧): حدثنا محمد بن المنهال الضرير، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حبيب المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، أن أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة قال: يا رسول الله، إِن لي كلابًا مكلبة، فأفتني في صيدها، فقال النبي ﷺ: "إن كان لك كلاب مكلبة، فكل مما أمسكن عليك". فقال: ذكيًّا وغير ذكي، [قال: "نعم". قال] [¬١]: وإِن أكل منه؟ قال: "نعم وإِن أكل منه". فقال: يا رسول الله، أفتني في قوسي. قال: "كل ما ردت عليك قوسك". قال: "ذكيًّا وغير ذكي" [قال: وإن تغيب عني؟] [¬٢] قال: "وإِن تغيب عنك ما لم يَضِلَّ، أو تجد فيه أثرًا غير سهمك". قال: أفتنى في آنية المجوس إِذا اضطررنا اِليها، قال: " اغسلها وكل فيها ".
هكذا رواه أبو داود. وقد أخرجه النسائي.
_________________
(١) - تقدم بمتنه وإسناده رقم (٦٧).
(٢) - انظر تفسير الطبرى (٩/ ٥٦٦).
(٣) - تقدم رقم (٦٦). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من ز، خ، وأثبتناه من سنن أبي داود.
[ ٥ / ٦٩ ]
وكذا رواه أبو داود (^١٣٨) من طريق [بُسْر بن] [¬١] [عبيد الله] [¬٢]، عن أبي إِدريس الخولاني، عن أبي ثعلبة قال: قال رسول الله ﷺ: "إِذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله، فكل وإِن أكل منة، وكل ما ردت عليك يدك".
وهذان إِسنادان جيدان، وقد روى الثوري، عن سماك بن حرب، عن عدي قال: قال رسول الله ﵌: "ما كان من كلب ضارٍ أمسك عليك فكل" قلت: وإِن أكل؟ قال: "نعم".
وروى عبد الملك بن حبيب، حدثنا أسد بن موسى، عن ابن أبي زائدة، عن الشعبي، عن عدي بمثله (^١٣٩).
فهذه آثار دالة على أنه يغتفر إن أكل منه الكلب، وقد احتج بها من لم يحرم الصيد بأكل الكلب وما أشبهه، كما تقدم عمن حكيناه عنهم. وقد توسط آخرون فقالوا: إِن أكل عقب ما أمسكه، فإِنه يحرم لحديث عدي بن حاتم، وللعلة التى أشار إِليها النبي ﷺ: "فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه". وأما إِن أمسكه، ثم انتظر صاحبه، فطال عليه وجاع، فأكل منه لجوعه، فإِنه لا يؤثر في التحريم، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني. وهذا تفريق حسن، وجمع بين الحديثين صحيح. وقد تمني الأستاذ أبو المعالي الجويني في كتابه النهاية، أن لو فصَّل مفصِّل هذا التفصيل، وقد حقق الله أمنيته، وقال بهذا القول والتفريق طائفة من الأصحاب منهم، وقال آخرون قولًا رابعًا فى المسألة، وهو التفرقة بين أكل الكلب، فيحرم لحديث عدي، وبين أكل الصقور ونحوها فلا يحرم؛ لأنه لا يقبل التعليم إِلا بالأكل.
وقال ابن جرير (^١٤٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا أبو إِسحاق الشيباني، عن حماد، عن [¬٣] إِبراهيم، عن ابن عباس أنه قال فى الطير: [إِذا أرسلته فقتل فكل، فإِن الكلب إِذا ضربته لم يعد، واِن تعليم الطير أن] [¬٤] يرجع إِلى صاحبه وليس
_________________
(١) - تقدم رقم (٦٥).
(٢) - تقدم رقم (٥٨).
(٣) - تفسير الطبرى (٩/ ٥٥٧) (١١١٧٥) وإسناده حسن؛ لأجل حماد بن أبى سليمان، فإنه قال فيه الحافظ فى التقريب: صدوق له أوهام. لكن إبراهيم وهو ابن يزيد النخعى لم يسمع من ابن عباس= [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "يوسف بن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "يوسف". [¬٣]- في خ: "بن". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ر.
[ ٥ / ٧٠ ]
يضرب، فإِذا أكل من الصيد ونتف الريش فكل.
وكذا قال إِبراهيم النخعي والشعبى وحماد بن أبي سليمان.
وقد يحتج لهؤلاء بما رواه ابن أبي حاتم (^١٤١).
حدثنا أبو سعيد، حدّثنا المحاربي، حدثنا مجالد، عن الشعبى، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إِنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة، فما يحل لنا منها؟ قال: "يحل لكم ما علمتم من الجوارح مكلّبين تعلمونهنّ مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه". ثم قال: "ما أرسلت من كلب وذكرت اسم الله عليه؛ فكل مما أمسك عليك". قلت: وإِن قتل؟ قال: "وإِن قتل ما لم يأكل". قلت: يا رسول الله، وإِن خالطت كلابنا كلابًا [¬١]، غيرها؟ قال: "فلا تأكل حتى تعلم أن كلبك هو الذي أمسك". قال: قلت: إِنا قوم نرمي فما يحل لنا؟ قال: "ما ذكرت اسم الله عليه وخزقت، فكُلْ".
فوجه الدلالة لهم أنه اشترط في الكلب أن لا يأكل، ولم يشترط ذلك في البزاة، فدل على التفرقة بينهما في الحكم، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أي: عند إِرساله [¬٢]، كما قال النبي ﷺ لعدي بن حاتم: "إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل مما أمسك عليك" (^١٤٢). وفي حديث أبي ثعلبة المخرج في الصحيحين أيضًا (^١٤٣): وإِذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، وإِذا رميت بسهمك، [فاذكر اسم الله] [¬٣] ".
ولهذا اشترط من اشترط من الأئمة كالإِمام أحمد ﵀ في المشهور عنه: التسمية
_________________
(١) = كما قال ابن المدينى، نقله المزى فى ترجمة إبراهيم من "تهذيب الكمال".
(٢) - ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم، وقد تقدم تخريجه رقم (١٢٣).
(٣) - تقدم حديث عدى مرارًا، وانظر تخريجه رقم (٥٨).
(٤) - تقدم تخريجه فى رقم (٦٥). [¬١]- فى خ: "كلب". [¬٢]- في خ: "الإرسال". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٥ / ٧١ ]
عند إِرسال الكلب، والرمي بالسهم، لهذه الآية، وهذا الحديث، وهذا القول هو المشهور عند الجمهور، أن المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الإِرسال، كما قاله السدي وغير واحد.
وقال على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يقول: إِذا أرسلت جارحك، فقل: بسم الله، وإِن نسيت فلا حرج (^١٤٤).
وقال بعض الناس: المراد بهذه الآية الأمر بالتسمية عند الأكل، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ علم ربيبه عمر بن أبي سلمة فقال: "سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك" (^١٤٥).
وفي صحيح البخاري عن عائشة: أنهم قالوا: يا رسول الله؛ إِن قومًا يأتوننا حديث عهدهم [¬١] بكفر بلحمان، لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا؟ فقال: "سموا الله أنتم وكلوا" (^١٤٦).
(حديث آخر): وقال الإِمام أحمد (^١٤٧): حدثنا يزيد، حدثنا هشام [¬٢]، عن بديل، عن
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٥٧١) (١١٢١٨) وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٠) وزاد نسبته إلى "ابن المنذر، وابن أبى حاتم، والبيهقى في سننه".
(٢) - أخرجه البخارى فى الأطعمة، باب: التسمية على الطعام والأكل باليمين، الحديث (٥٣٧٦)، ومسلم فى الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، الحديث (٢٠٢٢ - ١٠٨) من طريق الوليد بن كثير عن وهب بن كيسان سمعه من عمر بن أبى سلمة قال: كنت فى حجر رسول الله ﷺ وكانت يدى تطيش فى الصحفة فقال لى: "يا غلام! سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك". ورواه البخارى (٥٣٧٧)، ومسلم (٢٠٢٢ - ١٠٩) من طريق محمد بن عمرو بن حلحلة عن وهب بن كيسان عن عمر، مقتصرًا على قوله: "كل مما يليك" ورواه مالك فى الموطأ (٢/ ٧١١) ومن طريقه البخارى فى الأطعمة، باب: الأكل مما يليه، الحديث (٥٣٧٨) عن وهب بن كيسان أبى نعيم قال: أتى رسول الله ﷺ بطعام ومعه ربيبه عمر بن أبى سلمة فقال له رسول الله ﷺ: "سم الله وكل مما يليك".
(٣) - أخرجه البخارى فى التوحيد، باب: السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، الحديث (٧٣٩٨)، وهو عند البخارى أيضًا فى البيوع، باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، الحديث (٢٠٥٧)، وفي الذبائح والصيد باب: ذبيحة الأعراب ونحوهم الحديث (٥٥٠٧) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
(٤) - أخرجه أحمد فى مسنده (٦/ ١٤٣) والدارمى (٢/ ٩٤)، وابن ماجه فى الأطعمة، باب: فى التسمية عند الطعام، الحديث (٣٢٦٤) وابن حبان في صحيحه (١٢/ ١٣) (٥٢١٤) من طريق يزيد= [¬١]- في خ: "عهد لهم". [¬٢]- فى خ، ز: "هشيم".
[ ٥ / ٧٢ ]
عبد الله بن عبيد بن عمير، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعامًا [¬١] في ستة نفر بن أصحابه، فجاء أعرابي فأكله بلقمتين، فقال النبي ﷺ: "أما إِنه لو كان [¬٢] ذكر اسم الله لكفاكم، فإِذا أكل أحدكم طعامًا [¬٣] فليذكر اسم الله، فإِن نسي أن يذكر اسم الله أوّله، فليقل باسم الله أوّله وآخره".
وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يزيد بن هارون به.
وهذا منقطع بين عبد الله بن عبيد بن عمير وعائشة؛ فإِنه لم يسمع منها هذا الحديث، بدليل ما رواه الإِمام أحمد (^١٤٨):
حدثنا عبد الوهاب، أخبرنا هشام يعنى ابن أبي عبد الله الدستوائي، عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم حدثته عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يأكل طعامًا في ستة نفر من أصحابه، فجاء أعرابي جائع فأكله بلقمتين فقال: "أما إِنه لو ذكر اسم الله لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسى اسم الله في أوّله فليقل:
_________________
(١) = ابن هارون به، وقد خالف يزيد بن هارون جماعة من الثقات فرووه عن هشام بن أبى عبد الله الدستوائى عن بديل بن ميسرة العقيلى عن عبد الله بن عبيد بن عمير، أن امرأة منهم يقال لها: أم كلثوم حدثته عن عائشة … فذكره، ولا شك أن رواية الجماعة هى الصواب. وسيأتى فى الذى بعده من هذه الطريق.
(٢) - أخرجه أحمد فى المسند (٦/ ٢٦٥)، ورواه أيضًا فى (٦/ ٢٤٦) والبيهقى (٧/ ٢٧٦) عن روح، وأبو داود في الأطعمة، باب التسمية على الطعام، الحديث (٣٧٦٧) عن إسماعيل بن علية، وأحمد (٦/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، والترمذى فى الأطعمة: باب: ما جاء فى التسمية على الطعام، الحديث (١٨٥٨) عن وكيع، والنسائى فى "اليوم والليلة" (٢٨١) عن المعتمر بن سليمان، والطيالسى (١٥٦٦) ومن طريقه الطحاوى فى "مشكل الآثار" (١/ ٢١) والبيهقى (٧/ ٢٧٦) ورواه الحاكم (٤/ ١٠٨) عن عفان كلهم عن هشام به، وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وأم كلثوم هى بنت محمد بن أبى بكر الصديق ﵁". قال الألبانى - حفظه الله - فى الإرواء (٧/ ٢٤): كذا قال، وفيه نظر، فقد وقع فى رواية غير الترمذى: "عن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم" يعنى أنها ليثية، ولذلك ترجمها الحافظ المزى بـ "أم كلثوم الليثية المكية" ولو كانت هى بنت محمد بن أبى بكر الصديق لكانت تيمية. قلت: وقد سبق إلى ذلك الحافظ المنذرى ﵀ فى "مختصر سنن أبى داود" (٥/ ٣٠٠) فقال: "ووقع فى بعض روايات الترمذى: "أم كلثوم: هى بنت أبى بكر الصديق ﵁" وقال غيره فيها: أم كلثوم الليثية، وهو الأشبه؛ لأن عبيد بن عمير ليثى، ومثل بنت أبى بكر لا يكنى عنها بامرأة، ولا سيما مع قوله "منهم" وقد سقط هذا من بعض نسخ الترمذى وسقوطه الصواب. = [¬١]- في خ: الطعام. [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٥ / ٧٣ ]
باسم الله أوّله وآخره".
ورواه أحمد أيضًا، وأبو داود والترمذي والنسائي من غير وجه عن هشام الدستوائي به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
(حديث آخر): قال أحمد (^١٤٩): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جابر بن صبح، حدثني المثنى بن عبد الرحمن الخزاعي، وصحبته إِلى واسط فكان يسمى في أوّل طعامه، وفي آخر لقمة يقول: بسم الله الله وآخره، [فقلت له: إِنك تسمي في أوّل ما تأكل، أرأيت قولك في آخر ما تأكل: بسم الله أوله وآخره] [¬١] فقال: أخبرك [عن ذلك إنَّ جدي] [¬٢] أمية بن مخشي، وكان من أصحاب النبي ﷺ[سمعته يقول: إن رجلًا كان يأكل، والنبي ينظر، فلم يسم، حتى كان في آخر طعامه، قال: بسم الله أوّله وآخره،
_________________
(١) = والله ﷿ أعلم،. وسواء كانت أم كلثوم بنت محمد بن أبى بكر أو أم كلثوم الليثية فهى على الحالتين مجهولة لم يرو عنها غير عبد الله بن عبيد بن عمير، قال العلامة ناصر الدين الألبانى: وجملة القول أن الإسناد ضعيف لجهالة أم كلثوم هذه حتى لو فرض أنها ابنة محمد بن أبى بكر الصديق، لكن الحديث صحيح فإن له شاهدين اهـ. ثم ذكر حدث أمية بن مخشي التالى، وحديث عبد الله بن مسعود الذى أخرجه ابن حبان (١٢/ ١٢) (٥٢١٣)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٤٦١) من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "من نسى أن يذكر الله فى أول طعامه فليقل حين يذكر: بسم الله في أوله وآخره، فإنه يسقبل طعامه جديدًا، ويمنع الخبيث ما كان يصيب منه". ورواه أيضًا الطبرانى فى "الكبير" (١٠/ ٢١٠) (١٠٣٥٤)، وفى الأوسط (٤٥٧٦) من نفس الطريق، وذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٦) وقال: "رواه الطبرانى فى الأوسط والكبير ورجاله ثقات". وصحح إسناده الألبانى حفظه الله فى الإرواء (٧/ ٢٧).
(٢) - أخرجه فى المسند (٤/ ٣٣٦)، ورواه أبو داود فى الأطعمة، باب التسمية على الطعام، الحديث (٣٧٦٨) والنسائى فى الكبرى كتاب الوليمة، باب: ما يقول إذا نسى التسمية ثم ذكر، الحديث (١٠١١٣)، والبخارى فى التاريخ الكبير (٢/ ٦ - ٧)، وابن أبى عاصم فى "الآحاد والمثانى" (٢٣٠١)، والطبرانى فى "الكبير" (١/ ٢٦٨) (٨٥٤، ٨٥٥) والحاكم فى "المستدرك" (٤/ ١٠٨ - ١٠٩) وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٤٦١) كلهم من طريق يحيى بن سعيد عن جابر بن صبح به. وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد" ووافقه الذهبى قلت: المثنى بن عبد الرحمن الخزاعى ذكره الذهبى فى الميزان (٤/ ٣٥٥) وقال: لا يعرف. تفرد عنه جابر بن صبح، وقال ابن المدينى: مجهول. وقال الحافظ فى "التقريب": مستور. وبه أعل الألبانى الحديث فى الإرواء (٧/ ٢٦) فقال بعد أن نقل تصحيح الحاكم وموافقة الذهبى له: "وليس كما قال" ثم ذكر كلام الذهبى وابن حجر - رحمهما الله - فى المثنى بن عبد الرحمن لكن يشهد لهذا الحديث حديث عائشة المتقدم قبله. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ، ز: "أن خالد بن أمية … ".
[ ٥ / ٧٤ ]
فقال النبي ﷺ: "والله] [¬١] ما زال الشيطان يأكل معه حتى سمى، فلم يبق شيء في بطنه حتى قاءه".
وهكذا رواه أبو داود والنسائي من حديث جابر بن صبح الراسبي أبي بشر البصري، وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو الفتح الأزدي: لا تقوم به الحجة.
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٥٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن خيثمة، عن أبي حذيفة - قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإِمام أحمد: واسمه سلمة بن الهيثم بن صهيب من أصحاب ابن مسعود - عن حذيفة قال: كنا إِذا حضرنا مع النبى [على طعام لم نضع أيدينا، حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، وإنا حضرنا معه] [¬٢] طعامًا ما، فجاءت جارية كأنما تدفع، فذهبت تضع يدها فى الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيدها، وجاء أعرابي كأنما يدفع، فذهب يضع يده فى الطعام، فأخذ رسول الله ﷺ بيده، فقال رسول الله ﷺ: "إن الشيطان يستحل الطعام إِذا لم يذكر اسم الله عليه، وإِنه جاء بهذه الجارية ليستحل بها، فأخذت بيدها، وجاء بهذا الأعرابي ليستحل به، فأخَذت بيده، والذي نفسي بيده، إِن يده في يدي مع يديهما" يعني: الشيطان. وكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث الأعمش به.
(حديث آخر): روى مسلم وأهل السنن إِلا الترمذي (^١٥١)، من طريق ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، [عن النبى ﵌] [¬٣] قال: "إِذا دخل
_________________
(١) (تنبيه): وقع عند أبى داود: (عن المثنى بن عبد الرحمن عن عمه أمية بن مخشي" وهو كذلك عند الطبرانى رقم (٨٥٥) لكن عند غيرهما "عن المثنى عن جدِّه".
(٢) - أخرجه فى المسند (٥/ ٣٨٢) ورواه مسلم فى الأشربة باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، الحديث (٢٠١٧) وأبو داود فى الأطعمة باب: التسمية على الطعام، الحديث (٣٧٦٦) من طريق أبى معاوية عن الأعمش به، ورواه مسلم، وأحمد (٥/ ٣٩٧) من طريق سفيان عن الأعمش به، ورواه مسلم، والنسائى فى الكبرى، كتاب آداب الأكل، باب: ذكر ما يستحل به الشيطان الطعام، الحديث (٦٧٥٤) من طريق عيسى بن يونس عن الأعمش به.
(٣) - أخرجه مسلم فى الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما، الحديث (٢٠١٨)، والبخارى فى "الأدب المفرد" (١٠٩٦) وأبو داود فى الأطعمة، باب التسمية على الطعام، الحديث (٣٧٦٥) والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (١٧٨)، وابن ماجه فى الدعاء، باب ما يدعو به إذا دخل بيته، الحديث (٣٨٨٧) وأحمد (٣/ ٣٨٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٥ / ٧٥ ]
الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإِذا دخل فلم يذكر اسم الله عند [دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، فإِذا لم يذكر اسم الله عند] [¬١] طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء". لفظ أبي داود.
(حديث آخر): قال الإِمام أحمد (^١٥٢): حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا الوليد بن مسلم، عن [وحشي بن حرب بن] [¬٢] وحشى بن حرب عن أبيه، عن جده أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إِنا نأكل وما نشبع. قال: "فلعلكم تأكلون متفرقين، اجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله؛ يبارك لكم فيه".
ورواه أبو داود وابن ماجة من طريق الوليد بن مسلم.
﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي
_________________
(١) - أخرجه فى المسند (٣/ ٥٠١)، وأخرجه أبو داود فى الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام، الحديث (٣٧٦٤)، وابن ماجه فى الأطعمة، باب الاجتماع على الطعام، الحديث (٣٢٨٦) والطبرانى فى الكبير (٢٢/ ١٣٩) (٣٦٨)، وابن حبان في صحيحه (٥٢٢٤) وهو فى الموارد رقم (١٣٤٥) وأورده الحاكم (٢/ ١٠٣) شاهدًا ولم يصححه هو ولا الذهبى. وابن أبى عاصم فى "الآحاد والمثانى" رقم (٤٨٢) والمزى فى "تهذيب الكمال" (٥/ ٥٣٩) - كلهم من طريق الوليد بن مسلم به، وقد صرح الوليد بن مسلم بالتحديث عند أبى داود وغيره فزالت شبهة التدليس، ووحشي بن حرب بن وحشى ترجم له البخارى فى التاريخ (٨/ ١٨٠) وابن أبى حاتم فى "الشرح والتعديل" (٩/ ٤٥ - ٤٦) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره العجلى فى تاريخ الثقات (١٧٦٧) وقال: شامى، لا بأس به. وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٧/ ٥٦٤) أيضًا، لكن نقل المزى فى "تهذيب الكمال" (٣٠/ ٤٢٨) عن صالح ابن محمد قال: لا يشتغل به ولا بأبيه. وقال الذهبى فى "الكاشف": لين. وأبوه حرب بن وحشي ترجم له البخارى فى التاريخ الكبير (٣/ ٦١) وابن أبي حاتم فى "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٤٩) ولم يذكرا فيه أيضًا جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان فى ثقاته (٤/ ١٧٣) ونقل الحافظ فى ترجمته فى "التهذيب" عن البزار قال: مجهول فى الرواية معروف فى النسب. والحديث حسنه العراقى فى تخريج الإحياء فتعقبه الألبانى فى الصحيحة رقم (٦٦٤) فضعف إسناده ثم قال: لكن الحديث حسن لغيره؛ لأن له شواهد فى معناه. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٥ / ٧٦ ]
الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾.
لما ذكر تعالى ما حرمه على عباده المؤمنين من الخبائث، وما أحله لهم من الطيبات،
قال بعده: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ثم ذكر حكم ذبائح أهل الكتابين، من اليهود والنصارى، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قال ابن عباس وأبو أمامة ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وعطاء والحسن ومكحول وإِبراهيم النخعي والسدي ومقاتل ابن حيان: يعني: ذبائحهم.
وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، أن ذبائحهم حلال للمسلمين؛ لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله، ولا يذكرون على ذبائحهم إِلا اسم الله، وإِن اعتقدوا فيه تعالى ما هو منزه عنه تعالى وتقدس. وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مغفل قال: دلي بجراب من شحم يوم خيبر، فاحتضنته وقلت: لا أعطى اليوم من هذا أحدًا، والتفت فإِذا النبي ﷺ يتبسم (^١٥٣).
فاستدل به الفقهاء؛ على أنه يجوز تناول ما يحتاج إِليه من الأطعمة ونحوها من الغنيمة قبل القسمة، وهذا ظاهر، واستدل به الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة، على أصحاب مالك في منعهم أكل ما يعتقد اليهود تحريمه من ذبائحهم؛ كالشحوم ونحوها مما حرم عليهم، فالمالكية لا يجوّزون للمسلمين أكله؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالوا: وهذا ليس من طعامهم، واستدل عليهم الجمهور بهذا الحديث، وفي ذلك نظر؛ لأنه قضية عين، ويحتمل أن يكون شحمًا يعتقدون حله، كشحم الظهر والحوايا ونحوهما، والله أعلم.
وأجود منه في الدلالة ما ثبت في الصحيح (^١٥٤)، أن أهل خيبر أهدوا لرسول الله ﷺ شاة
_________________
(١) - أخرجه البخارى فى الجزية والوادعة، باب: ما يصيب من الطعام فى أرض العدو، الحديث (٣١٥٣)، وفى المغازى، باب: غزوة خيبر، الحديث (٤٢١٤)، وفى الذبائح والصيد، باب: ذبائح أهل الكتاب وشحومها، من أهل الحرب وغيرهم، الحديث (٥٥٠٨)، ومسلم فى الجهاد والسير، باب جواز الأكل من طعام الغنيمة فى دار الحرب الحديث (١٧٧٢) عن حميد بن هلال عن عبد الله بن مغفل.
(٢) - أخرجه البخارى فى الجزية والموادعة، باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم؟ الحديث (٣١٦٩) وفي المغازى، باب الشاة التى سمت للنبي ﷺ بخيبر، الحديث (٤٢٤٩)، وفى الطب، باب ما يذكر فى سم النبى ﷺ، الحديث (٥٧٧٧)، وأحمد (٢/ ٤٥١)، والدارمى (٧٠) من طرق عن الليث بن سعد حدثنى سعيد بن أبي سعيد المقبرى، وليس فيه أنه قتلها ببشرٍ، بل قد روى أبو داود فى الديات، باب: فيمن سقى رجلًا سمًّا أو أطعمه فمات أيقاد منه =
[ ٥ / ٧٧ ]
مصلية، وقد سموا ذراعها، وكان يعجبه الذراع، فتناوله، فنهش منه نهشة، فأخبره الذراع أنه مسموم، فلفظه، وأثر ذلك السم في ثنايا رسول الله ﵌، وفي أبهره، وأكل معه منها بشر بن البراء بن معرور، فمات، فقتل اليهودية التي سمتها، وكان اسمها زينب، فقتلت ببشر بن البراء.
ووجه الدلالة منه أنه عزم على أكلها ومن معه، ولم يسألهم، هل نزعوا منها ما يعتقدون تحريمه من شحمها أم لا؛
وفي الحديث الآخر أنّ رسول الله ﷺ أضافه يهودي على [¬١] خبز شعير، وإهالة سنخة (^١٥٥). يعني: ودكًا زنخًا.
_________________
(١) = الحديث (٤٥٠٩) ومن طريقه البيهقى فى سننه (٨/ ٤٦) من طريق عباد بن العوام عن سفيان بن حسين عن الزهرى عن سعيد وأبي سلمة، عن أبى هريرة أن امرأة من اليهود أهدت إلى النبى ﷺ شاة مسمومة، قال: فما عرض لها النبى ﷺ. وفى حديث جابر عند أبى داود (٤٥١٠) وعنه البيهقى (٨/ ٤٦) ورواه الدارمى (٦٩) عن الزهرى عن جابر، وفيه "فعفا عنها رسول الله ﷺ ولم يعاقبها" قال الحافظ فى الفتح (٧/ ٤٩٧): وهذا منقطع لأن الزهرى لم يسمع من جابر. ورواه أبو داود (٤٥١١) ومن طريقه البيهقى (٨/ ٤٦) عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة نحو حديث جابر، وفيه: "فأمر بها رسول الله ﷺ فقتلت". وقد وصله البيهقى (٨/ ٤٦) عن أبى هريرة. وروى عبد الرزاق فى "مصنفه" كما فى فتح البارى (٧/ ٤٩٧) عن معمر عن الزهرى عن أبى ابن كعب مثل حديث أبى سلمة وسعيد عن أبى هريرة، وقال: قال الزهرى: "فأسلمت فتركها"، قال معمر: والناس يقولون: قتلها. وروى البخارى فى كتاب الهبة وفضلها، باب: قبول الهدية من المشركين، الحديث (٢٦١٧)، ومسلم فى كتاب السلام، باب: السم، الحديث (٢١٩٠) من حديث هشام بن زيد عن أنس أن امرأة يهودية أتت رسول الله ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها … الحديث، وفيه: "قالوا: ألا تقتلها؟ قال: "لا". قال البيهقى ﵀: اختلفت الروايات فى قتلها ورواية أنس بن مالك أصحها ويحتمل أنه ﷺ فى الابتداء لم يعاقبها حين لم يمت أحد من أصحابه مما أكل فلما مات بشر بن البراء أمر بقتلها، فأدى كل واحد من الرواة ما شاهد، والله أعلم. وقال الإمام ابن القيم ﵀ فى "زاد المعاد" (٣/ ٣٣٦): وقد وفق بين الروايتين بأنه لم يقتلها أولًا، فلما مات بشر قتلها. اهـ.
(٢) - أخرجه أحمد فى مسنده (٣/ ٢١٠ - ٢١١) ثنا عبد الصمد ثنا أبان ثنا قتادة عن أنس أن يهوديًّا دعا النبى صلى الذ عليه وسلم إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه، وأصل الحديث رواه البخارى فى صحيحه فى البيوع، باب شراء النبى ﷺ بالنسيئة، الحديث (٢٠٦٩)، وفى= [¬١]- سقط من: خ.
[ ٥ / ٧٨ ]
وقال ابن أبي حاتم (^١٥٦): قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد، أخبرنا محمد بن شعيب، أخبرني النعمان بن المنذر، عن مكحول قال: أنزل اللَّه: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم اللَّه عليه﴾ ثم نسخه الرب ﷿، ورحم المسلمين فقال: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ فنسخها بذلك، وأحل طعام أهل الكتاب.
وفي هذا الذي قاله مكحول ﵀ نظر؛ فإنه لا يلزم من إباحته طعام أهل الكتاب إِباحة أكل ما لم يذكر اسم عليه؛ لأنهم يذكرون اسم اللَّه على ذبائحهم [وقرابينهم، هم متعبدون بذلك، ولهذا لم ليح ذبائح من عداهم من أهل الشرك، ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم اللَّه على ذبائحهم] [¬١] بل ولا يتوقفون فيما يأكلونه من اللحم على ذكاة، بل يأكلون الميتة بخلاف أهل الكتابين، ومن شاكلهم من السامرة والصابئة، ومن تمسك [¬٢] بدين إِبراهيم وشيث وغيرهما من الأنبياء على أحد قولى العلماء، ونصارى العرب، كبني تغلب وتنوخ وبهراء وجذام ولخم وعاملة، ومن أشبههم، لا تؤكل ذبائحهم عند الجمهور.
و[¬٣] قال أبو جعفر بن جرير (^١٥٧): حدّثنا يعقوب بن إِبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن محمد بن عبيدة قال: قال على: لا تأكلوا ذبائح بني تغلب؛ لأنهم إِنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر.
وكذا قال غير واحد من الخلف والسلف.
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب والحسن: أنهما كانا لا يريان
_________________
(١) = الرهن، باب: فى الرهن فى الحضر، الحديث (٢٥٠٨) من طريق هشام الدستوائى عن أنس ﵁ أنه مشى إلى النبى ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة.
(٢) - انظر سورة الأنعام الآية (١٢١).
(٣) - أخرجه فى تفسيره (٩/ ٥٧٥) (١١٢٣٠) وإسناده من أصح الأسانيد عن علي ﵁ ورواه الشافعى فى الأم (٢/ ١٩٦) ومن طريقه البيهقى في السنن (٩/ ٢٨٤)، ورواه عبد الرزاق فى المصنف (٤/ ٤٨٥) (٨٥٧٠) من طريق أيوب عن ابن سيرين به، قال الحافظ ابن حجر فى "فتح البارى" (٩/ ٦٣٧): أخرجه الشافعى وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة. ا هـ، ورواه جرير (١١٢٣١ - ١١٢٣٤) من طرق عن علي ﵁ وروى النحاس فى ناسخه (ص ٣٦٥) عن الحسن قال: ما علمت أحدًا من أصحاب محمد ﷺ حرم ذبائح بنى تغلب إلا على بن أبى طالب، ﵁. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "يتمسك". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٧٩ ]
بأسًا بذبيحة نصارى بني تغلب (^١٥٨).
وأما المجوس؛ فإنهم؛ واِن أخذت منهم الجزية تبعًا وإِلحاقًا لأهل الكتاب؛ فإِنهم لا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكَح نساؤهم، خلافًا لأبي ثور إِبراهيم بن خالد الكلبي، أحد الفقهاء، من أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل. ولما قال ذلك واشتهر عنه، أنكر عليه الفقهاء ذلك، حتى قال عنه الإِمام أحمد: أبو ثور كاسمه، يعني في هذه المسألة، وكأنه تمسك بعموم حديث روي مرسلًا عن النبي ﷺ أنه قال: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (^١٥٩).
ولكن لم يثبت بهذا اللفظ، وإِنما الذي [¬١] في صحيح البخاري، عن عبد الرحمن بن عوف أن
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٩/ ٥٧٤) (١١٢٢٣).
(٢) - أخرجه مالك فى الموطأ (ص ٢٣٣) فى الزكاة، باب: جزية أهل الكتاب والمجوس، الحديث (٤٢) ومن طريقه الشافعى فى مسنده (٢/ رقم ٤٣١ - ترتيب)، والبيهقى (٩/ ١٨٩) عن جعفر بن محمد بن علي عن أبيه أن عمر بن الخطاب ذكر المجوس، فقال: ما أدرى كيف أصنع فى أمرهم؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ورواه عبد الرزاق فى مصنفه (٦/ ٦٨) (١٠٠٢٥) أخبرنا ابن جريج قال: حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه أن عمر بن الخطاب خرج فمر على ناس من أصحاب النبى ﷺ فيهم عبد الرحمن بن عوف فقال: ما أدرى ما أصنع فى هؤلاء القوم الذين ليسوا من العرب، ولا من أهل الكتاب؟ يعنى المجوس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" اهـ. وعزاه الألبانى فى الإرواء (٥/ ٨٨) إلى ابن أبى شيبة فى "المصنف" عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بين محمد عن أبيه قال: قال عمر، وهو فى مجلس بين القبر والمنبر: ما أدرى كيف أصنع بالمجوس، وليسوا بأهل كتاب؟ فقال عبد الرحمن … قال الحافظ فى "فتح البارى" (٦/ ٢٦١): هذا منقطع مع ثقات رجاله. ورواه ابن المنذر والدارقطنى فى "الغرائب" من طريق أبى على الحنفى عن مالك، فزاد فيه "عن جده" وهو منقطع أيضًا؛ لأن جده على بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر، فإن كان الضمير فى قوله: "عن جده" يعود على محمد بن علي فيكون متصلًا؛ لأن جده الحسين بن علي سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف، وله شاهد من حديث مسلم ابن العلاء بن الحضرمى أخرجه الطبرانى فى آخر حديث بلفظ: "سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب". قلت: وطريق أبى على الحنفى عن مالك رواه أيضًا البزار فى "مسنده" (٣/ ٢٦٤) (١٠٥٦) وقال: وهذا الحديث قد رواه جماعة عن جعفر بن محمد عن أبيه ولم يقولوا: "عن جده" وجده على بن الحسين، والحديث مرسل ولا نعلم أحدًا قال: "عن جعفر عن أبيه عن جده" إلا أبو على الحنفى عن مالك" اهـ. وحديث مسلم بن العلاء بن الحضرمى عند الطبرانى فى الكبير (١٩/ ٤٣٧) رقم (١٠٥٩) وهو شديد الضعف؛ قال الحافظ نفسه فى الإصابة (٩/ ١٩٨) بعد ذكر حديث الطبرانى هذا: وأخرجه أبو سليمان بن زَبْر من هذا الوجه لكن قال: "عن جده العلاء" وأخرجه ابن منده= [¬١]- في ز: "النهي".
[ ٥ / ٨٠ ]
رسول اللَّه ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر (^١٦٠).
ولو سلم صحة هذا الحديث، فعمومه مخصوص بمفهوم هذه الآية: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾. فدل بمفهومه - مفهوم المخالفة - على [¬١] أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل.
وقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي [¬٢]: ويحل لكم أن تطعموهم من ذبائحكم، وليس هذا إِخبارًا عن الحكم عندهم، اللهم إِلا أن يكون خبرًا عما أمروا به من الأكل من كل طعام ذكر اسم اللَّه عليه، سواء كان من أهل ملتهم، أو غيرها. والأول أظهر في المعنى، أي: ولكم أن تطعموهم من ذبائحكم، كما أكلتم من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمقابلة والمجازاة، كما ألبس النبى ﷺ ثوبه لعبد اللَّه بن أبي ابن سلول حين مات، ودفنه فيه. قالوا؛ لأنه كان قد كسا العباس حين قدم المدينة ثوبه، فجازاه [¬٣] النبي ﷺ ذلك بذلك (^١٦١)، فأما الحديث الذي فيه: "لا تصحب إِلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إِلا تقي" (^١٦٢) فمحمول على الندب والاستحباب، واللَّه أعلم.
_________________
(١) = كالطبرانى وزاد: وكان اسم مسلم العاص، فسماه النبى ﷺ مسلما، وهذا يضعف رواية أبى سليمان، ومدار هذا الحديث على عمر بن إبراهيم، وهو ساقط. وانظر الكلام على الحديث فى نصب الراية (٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩) والإرواء (١٢٤٨).
(٢) - أخرجه البخارى فى صحيحه فى الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب، الحديث (٣١٥٧).
(٣) - أما قصة إعطاء النبى ﷺ قميصه لعبد اللَّه بن أبى فثابتة فى الصحيحين من حديث ابن عمر؛ أخرجه البخاري فى صحيحه فى الجنائز، باب: الكفن فى القميص الذى يكف أو لا يكف، الحديث (١٢٦٩) وأطرافه فى (٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦)، ومسلم فى صفات المنافقين وأحكامهم، الحديث (٢٧٧٤) لكن ذكر السبب فى ذلك ورد من حديث جابر أخرجه البخارى فى صحيحه فى الجهاد والسير، باب: الكسوة للأسارى، الحديث (٣٠٠٨) عن عمرو بن دينار سمع جابر ابن عبد اللَّه ﵄ قال: لما كان يوم بدر أتى بأسارى وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي ﷺ له قميصًا فوجدوا قميص عبد اللَّه بن أبى يقدر عليه فكساه النبى ﷺ فلذلك نزع النبى ﷺ قميصه الذى ألبسه، قال ابن عيينة: كانت له عند النبى ﷺ يد فأحب أن يكافئه. والحديث عند البخارى (١٢٧٠)، (١٣٥٠)، (٥٧٩٥)، ومسلم (٢٧٧٣).
(٤) - أخرجه أبو داود فى الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس، الحديث (٤٨٣٢)، والترمذى= [¬١]- في ز: "إلى" [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "فجزاه".
[ ٥ / ٨١ ]
وقوله: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾ أي: وأحل لكم نكاح الحرائر العفائف من النساء المؤمنات، وذكر هذا توطئة لما بعده، وهو قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فقيل: أراد بالمحصنات: الحرائر دون الإِماء. حكاه ابن جرير عن مجاهد (^١٦٣)، وإِنما قال مجاهد: المحصنات: الحرائر، فيحتمل [¬١] أن يكون أراد ما حكاه عنه [¬٢]، ويحتمل أن يكون أراد بالحرة: العفيفة، كما قاله مجاهد في الرواية الأخرى عنه (^١٦٤)، وهو قول الجمهور هاهنا وهو الأشبه، لئلا يجتمع فيها أن تكون ذمية، وهي مع ذلك غير عفيفة، فيفسد حالها بالكلية، ويتحصل زوجها على ما قيل في المثل: "حشفًا وسوء كيلة". والظاهر من الآية؛ أن المراد بالمحصنات: العفيفات عن الزنا، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان﴾.
ثم اختلف المفسرون والعلماء في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ هل يعم كل [¬٣] كتابية عفيفة، سواء كانت حرة أو أمة؟ حكاه ابن جرير عن طائفة من السلف ممن فسر المحصنة بالعفيفة، وقيل: المراد بأهل الكتاب هاهنا: الإِسرائيليات، وهو مذهب الشافعي، وقيل: المراد بذلك: الذميات دون الحربيات، لقوله: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون باللَّه ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللَّه ورسوله ولا
_________________
(١) = فى الزهد، باب: ما جاء فى صحبة المؤمن، الحديث (٢٣٩٥)، والدارمي (٢٠٦٣)، وأحمد (٣/ ٣٨)، وأبو يعلى (١٣١٥) من طريق حيوة بن شريح أخبرنا سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس التجيبى أخبره، أنه سمع أبا سعيد الخدرى أو عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد الخدرى، أنه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تصاحب إلَّا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلَّا تقى"، وفى بعض الروايات: "لا تصحب". ورواه ابن حبان (٤/ ٣١٢) (٥٥٤)، (٢/ ٣٢٠) (٥٦٠)، والحاكم (٤/ ١٢٨)، والبغوى فى شرح السنة (٣٤٨٤) من طرق عن حيوة بن شريح عن سالم بن غيلان أن الوليد بن قيس حدثه عن أبى سعيد عن النبى ﷺ … فذكره، ولم يذكر الشك فى إسناده، قال الترمذى: هذا حديث حسن إنما نعرفه من هذا الرجه. وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبى. وحسن إسناده العلامة الشيخ ناصر الدين الألبانى فى "المشكاة" (٣/ ١٣٩٧).
(٢) - تفسير ابن جرير الطبرى (٩/ ٥٨١ - ٥٨٢)، والرواية عن مجاهد عنده رقم (١١٢٥٦، ١١٢٥٧). وهذه الرواية عن مجاهد ذكرها السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٢) وزاد نسبتها إلى عبد ابن حميد.
(٣) - أخرج ذلك عنه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٩/ ٥٨٥) (١١٢٦٨، ١١٢٦٩). [¬١]- في ز: "ويحتمل". [¬٢]- في ز: "منه". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٨٢ ]
يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾.
وقد كان عبد اللَّه بن عمر لا يرى التزويج بالنصرانية، ويقول: لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول: إن ربها عيسى، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ الآية (^١٦٥).
وقال ابن أبى حاتم (^١٦٦): حدثنا أبى، حدثنا محمد بن حاتم بن سليمان المؤدب، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المزني - حدثنا إسماعيل بن سميع، عن أبى مالك الغفاري، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ قال: فحجز الناس عنهن حتى نزلت الآية التي بعدها: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾، فنكح الناس نساء أهل الكتاب.
وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى، ولم يروا بذلك بأسًا، أخذًا بهذه الآية الكريمة: ﴿والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ فجعلوا هذه مخصصة [¬١] للآية للتي في سورة [¬٢] البقرة: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإِلا فلا معارضة بينها وبينها [¬٣]؛ لأن أهل الكتاب قد انفصلوا [¬٤] في ذكرهم عن المشركين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة﴾، وكقوله [¬٥]: ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب
_________________
(١) - أخرج ذلك عنه البخارى فى صحيحه فى الطلاق، باب قول اللَّه تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم﴾ الحديث (٥٢٨٥) عن نافع أن ابن عمر كان إذا سئل عن نكاح النصرانية واليهودية؟ قال: "إن اللَّه حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول: المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد اللَّه". ورواه نحوه النحاس فى ناسخه (ص ١٩٥ - ١٩٦) ورواه ابن أبى شيية فى مصنفه (٣/ ٢٩٧) عن ميمون بن مهران عن ابن عمر أنه كره نكاح نساء أهل الكتاب وقرأ: ﴿ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن﴾ ومن هدا الطريق رواه ابن أبي حاتم بهذا اللفظ كما نقله عنه المصنف ﵀ فى تفسير سورة البقرة الآية (٢٢١).
(٢) - أخرجه أيضًا الطبرانى فى "الكبير" (١٢/ ١٠٥) (١٢٦٠٧) حدثنا عبيد العجلى ثنا محمد بن حاتم … فذكره، وقال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٤/ ٢٧٧): رواه الطبرانى ورجاله ثقات. وذكره السيوطى في "الدر المنثور" (١/ ٤٥٨) وعزاه للطبرانى وابن أبى حاتم. [¬١]- في ز، خ: "مخصوصة". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "بينه". [¬٤]- في ز: "تفصل". [¬٥]- في ز: "لقوله".
[ ٥ / ٨٣ ]
والأميين أأسلمتم فإِن أسلموا فقد اهتدوا﴾ الآية.
وقوله: ﴿إذا آتيموهن أجورهن﴾ يعني [¬١]: مهورهنّ، أي: كما هنَّ محصنات عفائف، فابذلوا لهنَّ المهور عن طيب نفس، وقد أفتى جابر بن عبد اللَّه [] [¬٢] وعامر الشعبي [وإِبراهيم النخعي] [¬٣] والحسن البصري - بأن الرجل إِذا نكح امرأة، فزنت [¬٤] قبل دخوله بها أَنه يفرق [بينه وبينها] [¬٥]، وترد عليه ما بذل لها من المهر، رواه ابن جرير عنهم (^١٦٧).
وقوله: ﴿محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان﴾ فكما شرط الإِحصان في النساء - وهي العفة عن الزنا - كذلك شرطها فى الرجال، وهو أبي يكون الرجل [] [¬٦] محصنًا عفيفًا، ولهذا قال: ﴿غير مسافحين﴾ وهم: الزناة الذين لا يرتدعون عن معصية، ولا يردون أنفسهم عمن جاءهم، ﴿ولا متخذي أخدان﴾ أي: ذوي [¬٧] العشيقات، اللاتي [¬٨] لا يفعلون إِلا معهن، كما تقدم في سورة النساء سواء، ولهذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀ إِلى أنه لا يصح نكاح المرأة البغي حتى تتوب، وما دامت كذلك لا يصح تزويجها من رجل عفيف، وكذلك لا يصح عنده عقد الرجل الفاجر على عفيفة حتى يتوب، ويقلع عما هو فيه من الزنا، لهذه الآية، وللحديث الآخر [¬٩]: "لا ينكح الزاني المجلودُ إِلا مثله" (^١٦٨).
وقال ابن جرير (^١٦٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا أبو هلال، عن قتادة، عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب: لقد هممت أن لا أدع أحدًا أصاب فاحشة في الإِسلام أن يتزوج محصنة. فقال له أبي بن كعب: يا أمير المؤمنين، الشرك أعظم من ذلك،
_________________
(١) - تفسير الطبرى (٩/ ٥٨٦ - ٥٨٧).
(٢) - أخرجه أبو داود فى النكاح، باب: فى قوله تعالى: ﴿الزانى لا ينكح إلَّا زانية﴾ الحديث (٢٠٥٢)، أحمد (٢/ ٣٢٤)، والحاكم (٢/ ١٦٦) من طريق حبيب المعلم عن عمرو بن شعيب عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبى، قال الألبانى فى "الصحيحة" (٢٤٤٤): وهو كما قالا. وصححه أيضًا فى صحيح الجامع (٧٦٨٥) وصحيح أبى داود ١٨٠٧).
(٣) - تفسير ابن جرير (٩/ ٥٨٤) (١١٢٦٧). [¬١]- في ت: "أي". [¬٢]- في ز: "وإبراهيم النخعي". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- في خ: "فنزلت". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: "بينهما". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "أيضًا". [¬٧]- في ز: "دون". [¬٨]- في ت: "الذين". [¬٩]- سقط من: ت.
[ ٥ / ٨٤ ]
وقد يقبل منه إِذا تاب.
وسيأتي الكلام على هذه المسألة مستقصى عند قوله: ﴿الزاني لا ينكح إِلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إِلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمين﴾. ولهذا قال تعالى هاهنا: ﴿ومن يكفر بالإِيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّةَرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَةِرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾
قال كثيرون من السلف في قوله: ﴿إِذا قمتم إِلى الصلاة﴾ معناه: وأنتم محدثون.
وقال آخرون: إِذا قمتم من النوم إِلى الصلاة، وكلاهما قريب.
وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إِلى الصلاة، [ولكن حق المحدث على سبيل الإيجاب، وفي حق المتطهر على سبيل الندب والاستحباب] [١]، وقد قيل: إِن الأمر بالوضوء لكل صلاة كان واجبًا في ابتداء الإِسلام ثم نسخ.
وقال الإِمام أحمد بن حنبل (^١٧٠): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن علقمة بن
_________________
(١) - المسند (٥/ ٣٥٨)، ورواه مسلم فى الطهارة، باب: جواز الصلوات كلها بوضوء واحد، الحديث (٢٧٧)، وأبو داود فى الطهارة، باب: الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد، الحديث (١٧٢)، والترمذى فى أبواب الطهارة، باب: ما جاء أنه يصلى الصلوات بوضوء واحد، الحديث (٦١)، والنسائى فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة (١/ ٨٦) وأحمد فى المسند (٥/ ٣٥٠، ٣٥١)، والدارمى (٦٦٥)، وابن خزيمة (١٢) من طريق سفيان عن علقمة بن مرثد به. ورواه ابن ماجه فى الطهارة وسننها، باب الوضوء لكل صلاة والصلوات كلها بوضوء واحد، الحديث (٥١٠)، وابن خزيمة (١٣، ١٤) عن محارب بن دثار عن سليمان بين بريدة به. = ما بين المعكوفتين فى ت: "ولكن هو فى حق المحدث واجب، وفى حق المتطهر ندب".
[ ٥ / ٨٥ ]
مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه، وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول اللَّه، إِنك فعلت شيئًا لم تكن تفعله! قال: "إِني عمدًا فعلته يا عمر".
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، ووقع في سنن ابن ماجة، عن سفيان، عن محارب بن دثار - بدل علقمة بن مرثد - كلاهما عن سليمان ابن بريدة به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال ابن جرير (^١٧١): حدثنا محمد بن عباد بن موسى، أخبرنا زياد بن عبد اللَّه بن الطفيل البكائي، حدثنا الفضل بن المبشر، قال: رأيت جابر بن عبد اللَّه يصلي الصلوات بوضوء واحد، فإِذا بال أو أحدث توضأ، ومسح بفضل طهوره الخفين، فقلت: أبا عبد اللَّه، شيء [¬١] تصنعه برأيك؟ قال: بل رأيت النبي ﷺ يصنعه، [فأنا أصنعه؛ كما رأيت رسول اللَّه يصنعه] [¬٢].
وكذا رواه ابن ماجة عن إسمامحيل بن توبة، عن زياد البكائي به.
وقال أحمد (^١٧٢): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن [¬٣] إِسحاق، حدثني محمد بن
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ١١) (١١٣١٨) ورواه ابن ماجه فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة، والصلوات كلها بوضوء واحد، الحديث (٥١١) حدثنا إسماعيل بن توبة ثنا زياد بن عبد اللَّه … فذكره، وفى إسناده الفضل بن مبشر، ضعفه ابن معين وأبو داود وغير واحد، وقال البزار: صالح الحديث. وقال العجلى: لا بأس به. وذكره ابن حبان فى "الثقات" لكن قال الحافظ فى "التقريب": فيه بين. لكن يشهد له حديث بريدة المتقدم. والحديث صححه الألبانى فى صحيح ابن ماجه (٤١٣) بحديث بريدة التقدم قبل هذا، وانظر مصباح الزجاجة (٢/ ٢٠٢).
(٢) - رواه فى المسند (٥/ ٢٢٥)، ورواه الحاكم (١/ ١٥٥ - ١٥٦) من هذه الطريق لكن فى المطبوع من المستدرك سَقْطَ، والإسنادُ يبدأ بكلمة "أبى عن ابن إسحاق" فلعله يكون من طريق يعقوب بن إِبراهيم قال: حدثنا أبى … بالحديث، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبى، وهو وهم منهما - رحمهما اللَّه - فإن مسلمًا لم يحتج بابن إسحاق وإنما أخرج له متابعة. والحديث رواه ابن خزيمة (١٥) من طريق يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن ابن إسحاق به. ورواه أبو داود فى الطهارة باب: السواك، الحديث (٤٨)، والدارمي (٦٦٤)، وابن خزيمة (١٥)، (١٣٨)، والطحاوى فى شرح المعانى (١/ ٤٢)، والبيهقى (١/ ٣٧) من طريق أحمد بن خالد ثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى ابن حبان عن عبد اللَّه بن عمر … فذكره، قال أبو داود: إبراهيم بن سعد رواه عن محمد بن إسحاق قال: "عبيد اللَّه بن عبد اللَّه" اهـ. ووقع عند الدارمي من طريق "أحمد بن خالد" فقال فيه:= [¬١]- في ت: "أشيء". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "أبي".
[ ٥ / ٨٦ ]
يحيى بن حبان الأنصاري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، قال: [قلت له] [¬١]: أرأيت وضوء عبد اللَّه بن عمر لكل صلاة، طاهرًا كان [¬٢] أو غير طاهر؛ عمّن هو؟ قال: حدثنه أسماء بنت زيد بن الخطاب، أن عبد اللَّه بن حنظلة [بن أبي عامر] [¬٣] بن الغسيل، حدثها أن رسول اللَّه ﷺ كان أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهرًا كان أو غير طاهر، فلما شق ذلك على رسول اللَّه ﷺ أمر بالسواك عند كل صلاة، ووضع عنه الوضوء إِلا من حديث، فكان عبد اللَّه يرى أن به قوّة على ذلك، كان يفعله حتى مات.
وهكذا [¬٤] رواه أبو داود عن محمد بن عوف [¬٥] الحمصي، عن أحمد بن خالد الذهبي، عن محمد بن إِسحاق، عن محمد بن يحيى بن [¬٦] حبان، عن عبد [¬٧] اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، ثم قال أبو داود: ورواه إِبراهيم [¬٨] بن سعد، عن محمد بن إسحاق، فقال: عبيد اللَّه بن عمر. يعني: كما تقدم في رواية الإِمام أحمد.
وأيًّا ما كان فهو إِسناد صحيح، وقد صرح ابن إِسحاق فيه بالتحديث والسماع من محمد بن يحيى بن حبان، فزال محذور التدليس، لكن قال الحافظ ابن عساكر: رواه سلمة بن الفضل، وعلى بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، عن محمد بن يحيى بن حبان به، واللَّه [¬٩] أعلم.
وفي فعل ابن عمر هذا، ومداومته على إِسباغ الوضوء لكل صلاة، دلالة على استحباب ذلك، كما هو مذهب الجمهور.
_________________
(١) = "عبيد اللَّه بن عمر" كذا فى المطرع ولعله وهم من الناسخ ولم أجد من نبه عليه فإن رواية أحمد بن خالد عند أبي داود وغيره عن "عبد اللَّه" المكبر وليس المصغر. والحديث عزاه ابن حجر ﵀ فى "التلخيص" (١/ ٧٨) إلى ابن حبان ولم أجده فى "الإحسان" المطوع وعزاه له أيضًا ابن اللقن فى "البدر المنير" (٣/ ١٧٠ - ١٧١) فلعله وهم منه ﵀ تبعه عليه الحافظ فى "التلخيص" فإنه - يرحمه اللَّه - ذكر الحديث فى "الفتح" (١/ ٣١٦) وقال: "أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة" ولم يعزه لابن حبان فالله أعلم. والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى صحيح أبى داود (٣٨) وفى تعليقه على صحيح ابن خزيمة. [¬١]- ما بين العكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "كذا". [¬٥]- في ز، خ: "عون". [¬٦]- في ر: "عن". [¬٧]- في ز، خ: "عبيد". [¬٨]- في خ: "أبو داود". [¬٩]- في ز: "فالله".
[ ٥ / ٨٧ ]
وقال ابن جرير (^١٧٣): حدثنا زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، حدثنا أزهر، عن ابن عون، عن ابن سيرين، أن الخلفاء كانوا يتوضئون لكل صلاة.
وقال ابن جرير (^١٧٤): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت مسعود بن علي الشيبانى، سمعت عكرمة يقول: كان على ﵁ يتوضأ عند كل صلاة، ويقرأ هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا قمتم إِذا الصلاة﴾ الآية.
وحدثنا ابن المثنى، حدثنى وهب بن جرير، أخبرنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن [¬١] النزال بن سبرة قال: رأيت علما صلى الظهر، ثم قعد للناس في الرحبة، ثم أتي بماء فغسل وجهه ويديه، ثم مسح برأسه ورجليه، وقال: هذا وضوء من لم يحدث (^١٧٥).
وحدثنى يعقوب بن إِبراهيم (^١٧٦)، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إِبراهيم؛ أن عليًّا اكتال [¬٢]
_________________
(١) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٣) (١١٣٢٤)، ورواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه" (١/ ٤٣) قال: حدثنا وكيع عن ابن عون عن ابن سيرين … فذكره، وابن عون هو عبد اللَّه بن عون بن أرطبان المزنى، وهو ثقة من أقران أيوب فى العلم والعمل والسنن، كما فى "التقريب".
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٢) (١١٣٢٣)، ومسعود بن علي هذا ترجم له البخارى فى التاريخ (٧/ ٤٢٣) وقال: سمع عكرمة، مرسل، روى عنه يحيى القطان، وقال: لم يكن به باس. وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٧/ ٥٠١) ونقل العلائى فى "جامع التحصيل" (ص ٢٣٩) أيضًا أن روايته عن أبى بكر الصديق، وعلي ﵄ مرسلة، ذكر ذلك عن أبى زرعة. والأثر رواه الطحاوى فى شرح المعانى (١/ ٤٥) عن عبد الصمد عن شعبة به، ورواه النحاس فى ناسخه (ص ٣٦٩ - ٣٧٠) عن بشر بن عمر وعبد الصمد بن عبد الوارث قالا: حدثنا شعبة … فذكره، وانظر "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٣).
(٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٣) (١١٣٢٦) وعبد الملك بن ميسرة هو الهلالى ثقة روى له الجماعة. والنزال بن سبرة ثقة قيل: إن له صحبة، روى له الجماعة. والحديث رواه البخارى فى الأشربة، باب الشرب قائمًا، الحديث (٥٦١٦) قال: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي ﵁ أنه صلى الظهر ثم قعد فى حوائج الناس فى رحبة الكوفة، حنى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بماء فشوب وغسل وجهه ويديه - وذكر رأسه ورجليه - ثم قام فشرب فضله وهو قائم ثم قال: "إن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإن النبى ﷺ صنع مثل ما صنعت" ا هـ، وانظر مسند أحمد (١/ ١٣٩) (١١٧٣، ١١٧٤) (١/ ١٥٣) (١٣١٥).
(٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١/ ١٣ - ١٤) (١١٣٢٧) وإبراهيم هو ابن يزيد النخعى ثقة إلَّا أنه يرسل، وروايته عن علي مرسلة. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "أدار".
[ ٥ / ٨٨ ]
من حُبٍّ (*)، فتوضأ وضوءًا فيه تجوز [¬١]، فقال: هذا وضوء من لم يحدث. وهذه طرق جيدة عن علي، يقوي بعضها بعضًا.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: توضأ عزَّ بن الخطاب وضوءًا فيه تجوز خفيفًا (**)، فقال: هذا وضوء من لم يحدث، وهذا إِسناد صحيح (^١٧٧).
وقال محمد بن سيرين: كان الخلفاء يتوضئون [¬٢] لكل صلاة (^١٧٨).
وأما ما رواه أبو داود الطيالسي (^١٧٩)، عن أبي هلال، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، [أنه قال: الوضوء من غير حدث اعتداء، فهو غريب عن سعيد بن المسيب] [¬٣]، ثم هو محمول فى أن من اعتقد وجوبه فهو معتد، وأما مشروعيته استحبابًا، فقد دلت السنة على ذلك.
وقال الإمام أحمد (^١٨٠): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن عمرو بن عامر الأنصاري، سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ يتوضأ عند كل صلاة، قال: قلت: فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات كلها [¬٤] بوضوء واحد، ما لم نحدث.
وقد رواه البخاري وأهل السنن من غير وجه عن عمرو [¬٥] بن عامر به.
_________________
(١) (*) الحبُّ: هو الجرة الضخمة أو الجابية التي يجعل فيها الماء. (**) صفة ر: "وضوءًا".
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٣) (١١٣٢٥) وإسناده صحيح، وابن أبى عدي هو محمد بن إبراهيم ثقة روى له الجماعة.
(٣) - تقدم برقم (١٧٣).
(٤) - رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه (١/ ٤٢) كتاب الطهارة، باب: من كان يصلى الصلاة بوضوء واحد، الحديث (١٢) قال: حدثنا وكيع عن أبي هلال عن قتادة به. وأبو هلال هو محمد بن سليم الراسبى، ضعفه يحيى بن سعيد، ويزيد بن ذريع والبخاري والنسائى وغيرهم، وقال ابن معين: صدوق. ووثقه أبو داود - ترجمته فى "التهذيب" - وقال ابن حجر فى "التقريب": صدوق فيه لين.
(٥) - المسند (٣/ ١٣٢)، ورواه البخاري فى الطهارة، باب: الوضوء من غير حدث،= [¬١]- في ز، ح: "تجاوز". [¬٢]- في ز: "يتوضون". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "عمر".
[ ٥ / ٨٩ ]
وقال ابن جرير (^١٨١): حدثنا أبو سعيد البغدادي، حدثنا إسحاق بن منصور، عن هُرَيم، عن عبد الرحمن بن زياد، - هو الأفريقي - عن [أبي غطيف] [¬١]، عن ابن عمرَ قال: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات".
ورواه أيضًا من حديث عيسى بن يونس، عن [¬٢] الأفريقي، عن أبي غطيف [¬٣]، عن ابن عزَّ فذكره، وفيه قصة.
وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث الأفريقى به نحوه. وقال الترمذي: وهو إِسناد ضعيف.
و[¬٤] قال ابن جرير (^١٨٢): وقد قال قوم: إِن هذه الآية نزلت إِعلامًا من الله، أن الوضوء لا
_________________
(١) = الحديث (٢١٤) وأبو داود فى الطهارة، باب: الرجل يصلى الصلوات بوضوء واحد، الحديث (١٧١)، والترمذى فى أبواب الطهارة، باب: ما جاء فى الوضوء لكل صلاة، الحديث (٦٠)، والنسائى في الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة (١/ ٨٥)، وابن ماجه فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة، والصلوات كلها بوضوء واحد، الحديث (٥٠٩)، وأحمد فى المسند (٣/ ١٥٤، ١٩٤) من طرق عن عمرو بن عامر به.
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٢٢) (١١٣٣٨)، وأبو سعيد البغدادى: قال الشيخ شاكر فى تعليقه على تفسير ابن جرير (٦٦٨٤): لم أجد له ترجمة فيما بين يدى من الكتب. وإسحاق بن منصور: هو السلولى ثقة، وشيخه هو هريم بن سفيان البجلى روى له الجماعة. والحديث أخرجه أبو داود فى الطهارة، باب: الرجل يجدد الوضوء من غير حدث، الحديث (٦٢)، والترمذى فى أبواب الطهارة، باب الوضوء لكل صلاة، الحديث (٥٩)، وابن ماجه فى الطهارة، باب الوضوء على الطهارة، الحديث (٥١٢)، وعبد بن حميد (٨٥٩) وابن جرير أيضًا (١٠/ ٢١) (١١٣٣٧)، والطحاوى في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٢)، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (١/ ١٦٢)، وابن الجوزى فى "العلل المتناهية" (١/ ٣٥٢) من طرق عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقى عن أبى غطيف الهذلى عن ابن عمر به، والرواية عند ابن ماجه وابن جرير والطحاوى مطولة فيها قصة، وعند أبى داود ذكر القصة لكن مختصرة. والحديث إسناده ضعيف؛ لضعف عبد الرحمن بن زبهاد وجهالة أبى غطيف هذا، قال ابن الجوزى: اسم الإفريقى عبد الرحمن بن زياد، قال أحمد: نحن لا نروى عنه شيئًا. وقال الدارقطنى: ليس بالقوى، وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الثقات ويدلس. اهـ. وقد ضعفه الترمذى فى "سننه"، والبغوى فى "شرح السنة" (١/ ٤٤٩) والعلامة أحمد شاكر فى تعليقه على الترمذى، والألبانى فى "تمام المنة" (ص ١١٠) وضعيف أبى داود (١٢).
(٣) - تفسير الطبرى (١٠/ ٢٢)، وقد نقل المصنف ﵀ كلامه بتصرف يسير. وحديث علقمة بن الفغواء عنده برقم (١١٣٣٩) ورواه أبن أبى عاصم فى "الآحاد والمثانى" (٥/ ١٦٤) = [¬١]- فى ز: "عطيف". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- فى ز: "عطيف". [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٩٠ ]
يجب إلا عند القيام إلى الصلاة، دون غيرها من الأعمال، وذلك لأنه ﵇ كان إذا أحدث؛ امتنع من الأعمال كلها حتى يتوضأ.
حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان [¬١]، عن جابر، عن عبد الله بن أبي بكر ابن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن الفَغْواء [¬٢]، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد [¬٣] البول نكلمه ولا [¬٤] يكلمنا، ونسلم عليه فلا يرد علينا، حتى نزلت آية الرخصة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية.
ورواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن مسلم، عن أبي كريب به نحوه. وهو حديث غريب جدا، وجابر هذا هو ابن يزيد الجعفي ضعفوه.
وقال أبو داود (^١٨٣): حدثنا مسدد، حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن عباس أن رسول الله ﷺ خرج من الخلاء، فقدم إِليه طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ فقال: "إِنما أمرت بالوضوء إِذا قمت إِلى الصلاة".
_________________
(١) = (٢٧٠٢) قال: سمعت أبا كريب يقول: حدثنا معاوية بن هشام عن سفيان عن جابر عن عبد الرحمن بن محمد ابن أبى بكر بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة بن فغواء عن أبيه به مختصرا. ورواه الطبرانى فى "الكبير" (١٨/ ٦) (٣) من طريق أبى كريب قال: ثنا أبو معاوية بن هشام (كذا فى المطبوع من الطبرانى، وهو خطأ والصواب: معاوية بن هشام) عن شيبان عن جابر عن عبد الله بن محمد بن أبى بكر ابن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن فغواء عن أبيه به. وذكره ابن الأثير فى "أسد الغابة" (٤/ ٨٧) فقال: روى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه … فذكره، وذكره النحاس فى ناسخه (ص ٣٧٠ - ٣٧١) فقال: حديث عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه. والحديث في إسناده جابر الجعفي وهو رافضى ضعيف. وذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١/ ٢٨١) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير وفيه جابر الجعفى وهو ضعيف. اهـ. وانظر تعليق الشيخ شاكر على هذا الحديث فى تفسير الطبرى لزامًا.
(٢) - أخرجه أبو داود فى "سننه" فى الأطعمة، باب: فى غسل اليدين عند الطعام، الحديث (٣٧٦٠)، والترمذى فى الأطعمة، باب: فى ترك الوضوء قبل الطعام، الحديث (١٨٤٧) وفي الشمائل (١٨٤٧)، والنسائى فى الطهارة، باب: الوضوء لكل صلاة (١/ ٨٥)، وأحمد (١/ ٢٨٢) (٢٥٤٩)، (١/ ٣٥٩)، (٣٣٨١)، وابن خزيمة (٣٥)، والبيهقى (١/ ٤٢)، (١/ ٣٤٨)، والبغوى فى "شرح السنة" (١١/ ٢٨٣) (٢٨٣٥) من طرق عن أيوب عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس. وقال الترمذى: حديث حسن صحيح. وقال البغوى: هذا حديث حسن. وصححه الألبانى فى مختصر= [¬١]- في الطبري: شيبان. [¬٢]- فى ز: "النعواء". [¬٣]- في ت: "أراق". [¬٤]- في ت: "فلا".
[ ٥ / ٩١ ]
وكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي، عن زياد بن أيوب، عن إِسماعيل: هو ابن علية به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى مسلم (^١٨٤)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن الحويرث، عن ابن عباس قال: كنا عند النبي ﷺ فأتى الخلاء، ثم إِنه رجع، فأتي بمام، فقيل: يا رسول الله، ألا تتوضأ؟ فقال [] [¬١]: ["لِم؟ أأصلى] [¬٢] فأتوضأ؟! ".
وقوله: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾، قد استدل طائفة من العلماء بقوله تعالى: ﴿إِذا قمتم إِلئ الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ على وجوب النية في الوضوء؛ لأن تقدير الكلام: إِذا قمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم لها، كما تقول العرب: إِذا رأيت الأمير فقم؛ أي له. وقد ثبت في الصحيحين (^١٨٥) حديث: "الأعمال بالنيات، وإِنما لكل امرئٍ ما نوى".
ويستحب قبل غسل الوجه، أن يذكر اسم الله تعالى على وضوئه، لما ورد في الحديث من طرق جيدة عن جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه" (^١٨٦).
_________________
(١) = الشمائل (١٥٨) ورواه الطبرانى (١١/ ١٢٢) (١١٢٤١) من طريق إسماعيل بن علية عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس به. وأصل الحديث رواه مسلم فى صحيحه من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن الحويرث، وسيأتى بعد هذا.
(٢) - أخرجه مسلم فى صحيحه، كتاب الحيض، باب جواز أكل المحدث الطعام، الحديث (٣٧٤)، ورواه أحمد (١/ ٢٢١، ٢٨٣، ٣٥٩، ٦٩٠) والترمذى فى الشمائل (١٨٦)، والدارمى (٧٧٣) من طرق عن عمرو بن دينار به.
(٣) - رواه البخارى فى بدء الوحى، باب: كيف كان بدء الوحى إلى رسول الله ﷺ، الحديث (١)، وأطرافه فى: (٥٤، ٢٥٢٩، ٣٨٩٨، ٥٠٧٠، ٦٦٨٩، ٦٩٥٣) ومسلم فى الإمارة، باب: قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنية" الحديث (١٩٠٧) من حديث عمرَّ بن الخطاب، ﵁.
(٤) - رُوى من طرق أصحها حديث أبى هريرة، رواه أحمد (٢/ ٤١٨) وأبو داود فى الطهارة، باب: التسمية على الوضوء، الحديث (١٠١)، وابن ماجه فى الطهارة، باب ما جاء فى التسمية فى الوضوء، الحديث (٣٩٩)، والحاكم (١/ ١٤٦)، والبيهقى (١/ ٤٣)، والبغوى فى شرح السنة (٢٠٩) والترمذى فى العلل، وابن السكن؛ كما فى التلخيص الحبير (١/ ٨٤)، ونيل الأوطار (١/ ١٣٤) من طريق يعقوب ابن سلمة عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعًا وقد حسنه الشيخ الألبانى فى الإرواء (٨١)، وفى الحديث كلام كثير يراجع له تلخيص الحبير ونيل الأوطار. ورواه أيضًا أحمد (٣/ ٤١)، وابن ماجه فى= [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "فقال". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "لم أصل".
[ ٥ / ٩٢ ]
ويستحب أن يغسل كفيه قبل إِدخالهما في الإِناء، ويتأكد ذلك عند القيام من النوم؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإِناء، قبل أن يغسلها ثلاثًا؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده" (^١٨٧).
وحد الوجه عند الفقهاء ما بين منابت شعر الرأس، لا اعتبار بالصلع ولا بالغمم إلى منتهى اللحيين والذقن طولًا، ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، وفي النزعتين [¬١] والتحذيف خلاف، هل هما من الرأس أو الوجه؟ وفي المسترسل من اللحية عن محل الفرض قولان:
(أحدهما): أنه يجب إِفاضة الماء عليه لأنه تقع [¬٢] به المواجهة. وروي في حديث أن النبي ﷺ رأى رجلًا مغطيًا لحيته فقال: "اكشفها فإن اللحية من الوجه" (^١٨٨). وقال مجاهد: هي من الوجه، ألا تسمع إلى قول العرب في الغلام إِذا نبتت لحيته: طلع وجهه.
_________________
(١) = الطهارة، باب: ما جاء فى التسمية فى الوضوء (٣٩٧)، والدارمى (٦٩٧) وابن أبى شيبة (١/ ١٢ - ١٣) والدارقطنى (١/ ٧١)، وأبو على (١٠٦٠)، والحاكم (١/ ١٤٧) وعنه البيهقى (٤٣/ ١) من حديث أبى سعيد، وقد حسنه البوصيرى فى الزوائد، والألبانى فى صحيح ابن ماجه (٣١٨). قال الحافظ المنذرى فى "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٢٥): "وفى الباب أحاديث كثيرة لا يسلم شئ منها عن مقال. وقد ذهب الحسن وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى وجوب التسمية فى الوضوء، حتى إنه إذا تعمد تركها أعاد الوضوء، وهو رواية عن الإمام أحمد، ولا شك أن الأحاديث التى وردت فيها، وإن كان لا يسلم شئ منها عن مقال، فإنها تتعاضد بكرة طرقها، وتكتسب قوة، والله أعلم". وقال الحافظ فى "التلخيص" (١/ ٨٦): والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: ثبت لنا أن النبى ﷺ قاله اهـ. قال الشوكانى فى النيل (١/ ١٣٥): قال ابن سيد الناس فى "شرح الترمذى": ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح وصحيح غير صريح. اهـ.
(٢) - رواه البخارى فى صحيحه فى الوضوء، باب: الاستجمار وترًا، الحديث (١٦٢)، ومسلم فى الطهارة، باب: كراهية غمس المتوضئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الأناء قبل غسلها ثلاثًا، الحديث (٢٧٨) من طريق الأعرج عن أبى هريرة، وللحديث طرق أخرى عن أبى هريرة عند مسلم وغيره.
(٣) - قال الحافظ فى "التلخيص" (١/ ٦٨): "لم أجده هكذا، نعم ذكره الحازمى فى تخريج أحاديث المهذب فقال: هذا الحديث ضعيف، وله إسناد مظلم، ولا يثبت عن النبى ﷺ فيه شئ. وتبعه المنذرى، وابن الصلاح، والنووى، وزاد: وهو منقول عن ابن عمر. يعنى قوله. وقال ابن دقيق العيد: لم أقف له على إسناد مظلم ولا مضيء. انتهى. وفد أخرجه صاحب "مسند الفردوس" من حديث ابن عمر بلفظ: "لا يغطين أحدكم لحيته فى الصلاة، فإن اللحية= [¬١]- في ز: "النزعتان". [¬٢]- في ز: "يقع".
[ ٥ / ٩٣ ]
ويستحب للمتوضئ أن يخلل لحيته إذا كانت كثَّة.
قال الإمام أحمد (^١٨٩): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا إسرائيل، عن عامر بن [¬١] شقيق بن جمرة [¬٢]، [عن أبي وائل] [¬٣] قال: رأيت عثمان توضأ … فذكر الحديث، قال: وخلل اللحية ثلاثًا حين غسل وجهه، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل الذي رأيتموني فعلت.
ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرزاق، وقال الترمذي: حسن صحيح. وحسنه البخاري.
_________________
(١) = من الوجه" وإسناده مظلم كما قال الحازمى. وانظر كلام ابن الملقن على الحديث فى "البدر المنير" (٣/ ٢٨).
(٢) - لم أقف على الحديث بهذا الإسناد فى المسند المطبوع، ولم أعثر عليه فى أطراف المسند للحافظ ابن حجر، ولا ذكره صانعو المسند الجامع (١٢/ ٤٣٢) (٩٦٦١) لكن رواه الحاكم فى المستدرك (١/ ١٤٩)، وعنه البيهقى (١/ ٥٤) قال: أخبرنا أحمد بن القطيعى ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنى أبى حدثنى عبد الرزاق … فذكره، قال الحاكم: اتفق الشيخان على إخراج طرق لحديث عثمان فى دبر وضوئه، ولم يذكرا فى روايتهما تخليل اللحية ثلاثًا، وهذا إسناد صحيح قد احتجا بجميع رواته غير عامر بن شقيق، ولا أعلم فى عامر بن شقيق طعنًا بوجه من الوجوه. اهـ. وتعقبه الذهبى: بأنه قد ضعفه ابن معين. والحديث أخرجه عبد الرزاق فى "مصنفه" (١/ ٤١) (١٢٥) بإسناده وفيه: "وخلل أصابعه وخلل لحيته حين غسل وجهه قبل أن يغسل قدميه" ولم يقل: "وخلل لحيته ثلاثًا". وقد رواه الترمذى فى أبواب الطهارة، باب ما جاء فى تخليل اللحية، الحديث (٣١) وابن ماجه فى الطهارة وسننها، باب: ما جاء فى تخليل اللحية، الحديث (٤٣٠)، وابن المنذر فى الأوسط (١/ ٣٨٥) (ح ٣٧٠) من طريق عبد الرزاق مختصرًا، وليس عند واحد منهم أنه خلل ثلًاثا، لكن رواه عبد بن حميد فى المنتخب" (رقم ٦٢)، والدارقطنى (١/ ٨٦) من طريق عبد الله بن نمير حدثنا إسرائيل … فذكره، وهو عند ابن أبى شيبة (١/ ٢٤) ومن طريقه ابن حبان فى صحيحه (١٠٨١) حدثنا عبد الله بن نمير … فذكره مقتصرا على قوله: "رأيت عثمان يتوضأ فخلل لحيته ثلاثًا وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعله"، وقد وقع لابن نمير وهم فى هذا الحديث؛ فإنه قدم غسل الوجه على المضمضة والاستنشاق، وهو خلاف ما رواه الثقات عن إسرائيل، قال الدارقطنى: وفى هذا الحديث موضع فيه عندنا وهم؛ لأن فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة والاستنشاق، وقد رواه عبد الرحمن بن مهدى عن إسرائيل بهذا الإسناد فبدأ فيه بالضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه، وتابعه أبو غسان مالك بن إسماعيل عن إسرائيل فبدأ فيه بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه، وهو الصواب. وانظر أيضًا العلل له (٣/ ٣٤ - ٣٥) قلت: لم ينفرد ابن نمير بهذا فقد تابعه عليه خلف بن الوليد؛ كما عند ابن خزيمة فى "الصحيح" (١/ ٨٧) رقم (١٥١) ودواه أيضًا البزار (٢/ ٤٩) (٣٩٣) حدثنا يوسف بن موسى القطان قال: نا وكيع بن الجراح قال: نا إسرائيل … فذكره، وفيه تقديم غسل الوجه على المضمضة والاستنشاق، وفيه أيضًا:= [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- في ز: "حمزة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٥ / ٩٤ ]
وقال أبو داود (^١٩٠): حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو المليح، حدثنا الوليد بن زَوْرَان [¬١]، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان إِذا توضأ أخذ كفًّا من ماء فأدخله
_________________
(١) = "وخلل لحيته ثلاثًا" وقال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن عثمان إلاَّ من هذا الوجه بهذا الإسناد اهـ. ورواية؛ وكيع هذه أخرجها أحمد فى مسنده (١/ ٥٧) عنه عن إسرائيل بإسناده عن عثمان أن رسول الله ﷺ توضأ ثلًاثا ثلًاثا. ورواه ابن الجارود فى "المنتقى" (٧٢)، وابن خزيمة (١٥٢) والدارقطنى (١/ ٨٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدى ثنا إسرائيل … فذكره، وفيه عند ابن خزيمة والدارقطنى تخليل اللحية ثلاثا، ورواه أبو داود فى سننه فى الطهارة، باب صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١١٠) ومن طريقه البيهقى فى "الخلافيات" (١/ ٣٠٦) عن يحيى بن آدم ثنا إسرائيل بإسناده إلى أبى وائل قال: رأيت عثمان بن عفان غسل ذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ومسح رأسه ثلاثًا ثم قال: رأيت رسول الله على الله عليه وسلم فعل هذا. ورواه الدارقطني فى "السنن" (١/ ٩١) من غير طريق أبى داود عن يحيى بن آدم به، وقال البيهقى في "السنن" (١/ ٦٢): "وقد روى من أوجه غربية عن عثمان ﵁ ذكر التكرار فى مسح الرأس إلاَّ أنها مع خلاف الحفاظ الثقات ليست بحجة عند أهل المعرفة، وإن كان بعض أصحابنا يحتج بها". وعامر بن شقيق بن جمرة: قال ابن معين فى تاريخه (٣/ ٥٢١): ليس هو ابن شقيق بن سلمة. وترجم له البخارى فى التاريخ (٦/ ٤٥٨) ولم يورد فيه جرحًا ولا تعلايلا، ونقل ابن أبى حاتم فى "الجرح والتعديل" (٦/ ٣٢٢) تضعيفه عن ابن معين وقال: سألت أبى عن عامر بن شقيق؟ فقال: شيخ ليس بالقوى وليس من أبى وائل بسبيل. وقال النسائى (تهذيب الكمال): ليس بالقوى. وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٧/ ٢٤٩)، وقال الذهبى فى "الكاشف": صدوق ضُعِّف. وقال ابن حجر فى "التقريب": لين الحديث. والحديث قال الألبانى فى صحيح أبى داود (١٠١): حسن صحيح. وذكره فى صحيح الترمذى (٢٨)، وصححه أيضًا فى صحيح ابن ماجه (٣٤٥) لكن عاد فضعف إسناده في صحيح ابن خزيمة (١٥١، ١٥٢) وقال: عامر بن شقيق لين الحديث. فلعله صححه أولًا لشواهده، وقد صحّحه لشواهده المعلقُ على الإحسان (٣/ ٣٦٣). والحديث رواه أبو عبيد فى الطهور (٨١) والطيالسى فى مسنده (ص ١٤)، وابن ماجه رقم (٤١٣) والطحاوى فى "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٩)، والبزار فى "المسند" (٣٩٤) من طريق عبدة ابن أبى لبابة عن شقيق به. سلمة قال: رأيت عثمان وعليا يتوضئان ثلاثًا ثلاثًا، ويقولان: هكذا كان وضوء رسول الله ﷺ وكذا رواه أبو الحسن بن القطان فى زوائده على ابن ماجة. وللحديث شاهد من حديث عمار عند الترمذى (٢٩) ومن حديث ابن عمر عند ابن ماجة (٤٣٢)، وانظر نصب الراية (١/ ٢٣ - ٢٦)، والتلخيص الحبير (١/ ٩٥، ٩٦).
(٢) - رواه فى سننه كتاب الطهارة، باب: تخليل اللحية، الحديث (١٤٥) وعنه البيهقى (١/ ٥٤) ورواه المزى فى "تهذيب الكمال" (١٣/ ٣١) من طريق أبى طالب عبد الجبار بن عاصم الهروى قال: حدثنا أبو المليح … فذكره. والوليد بن زروان: قال الآجرى: سألت أبا داود عنه: حدث عن أنس؟ قال: جزرى لا ندرى سمع من أنس أم لا. نقله المزى فى "تهذيب الكمال". وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٧/ ٥٥٠) وتناقض فيه قول الذهبى ﵀ فقال فى "الكاشف": ثقة. وقال= [¬١]- في ز: "زروان".
[ ٥ / ٩٥ ]
تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: "هكذا أمرني به ربي ﷿".
تفرد به أبو داود، وقد روي هذا [¬١] من غير وجه، عن أنس.
قال البيهقي: وروينا في تخليل اللحية عن عمار وعائشة وأم سلمة عن النبي ﷺ، ثم عن على وغيره. وروينا في الرخصة في تركه عن ابن عمر والحسن بن علي، ثم عن النخعي وجماعة
_________________
(١) = فى الميزان (٦/ ١٢): ما ذا بحجة. مع أن ابن حبان وثقه: والصواب أنه مجهول الحال كما قال الحافظ فى التلخيص الحبير (١/ ٩٧). وللحديث طرق أخرى عن أنس؛ فرواه الحاكم (١/ ١٤٩)، وأبو جعفر البخترى فى فوائده كما فى "التلخيص الحبير" من طريق موسى بن أبى عائشة عن أنس قال: رأيت النبى ﷺ توضأ وخلل لحيته، وقال: "بهذا أمرنى ربى". قال الحافظ فى "التلخيص": رجاله ثقات لكنه معلول؛ فإنما رواه موسى بن أبي عائشة عن زيد بن أبى أنيسة عن يزيد الرقاشى عن أنس؛ أخرجه ابن عدي فى ترجمة جعفر بن الحارث أبى الأشهب، وصححه ابن القطان من طريق أخرى. اهـ. قلت: هو عند ابن عدى فى "كامله" (٢/ ٥٦١) وقد أعله بذلك أبو حاتم فى علله أيضًا (١/ ١٧) فقال: موسى بن أبى عائشة يحدث عن رجل عن يزيد الرقاشى عن أنس عن النبى ﷺ، ورواه ابن ماجة فى سننه (٤٣١) من طريق يحيى بن كثير أبى النصر صاحب البصرى عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ خلل لحيته وفرج أصابعه مرتين. وقال البوصيرى فى الزوائد (١/ ١٧٦): هذا إسناد ضعيف لضعف يحيى بن كثير وشيخه. والطريق الأخرى التى أشار إليها الحافظ ﵀ رواها الحاكم في مستدركه (١/ ١٤٩) والذهلى فى "الزهريات" كما فى "التلخيص" من طريق الزبيدى عن الزهرى عن أنس بن مالك ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ توضأ وخلل لحيته بأصابعه من تحتها، وقال: "بهذا أمرنى ربى" قال ابن الملقن فى "البدر المنير" (٣/ ٣٩٨): إسناده صحيح كما قاله ابن القطان فى علله. اهـ. وقد ذكر له الحافظ فى "التلخيص" علة فقد رواه الذهلى من طريق أخرى عن الزبيدى أنه بلغه عن أنس ولم يذكر فيه الزهرى، قال ابن حجر: وصححه الحاكم قبل ابن القطان أيضًا ولم تقدح هذه العلة عندهما فيه. ورواه العقيلى فى الضعفاء (٣/ ١٥٧) من طريق عمر بن ذؤيب عن ثابت البنانى، عن أنس بن مالك قال: وضأت رسول الله ﷺ فلما فرغ من وضوئه أدخل يده فخلل لحيته وقال: "هكذا أمرنى ربى" وقال العقيلى: عمر بن ذؤيب مجهول بالنقل حديثه غير محفوظ ولعله عمر بن حفص ابن ذؤيب. ورواه ابن عدى فى "الكامل" (٣/ ١٠٥٦، ١١٤٧) من طريق معاوية بن قرة عن أنس قال: وضأت النبى ﷺ فخلل لحيته ثم قال: "بهذا أمرنى ربى". والحديث صححه الألبانى فى الإرواء، (٩٢) بمجموع طرقه. [¬١]- فى ت: هذا الوجه.
[ ٥ / ٩٦ ]
من التابعين (^١٩١).
وقد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه، في الصحاح وغيرها، أنه كان إِذا توضأ تمضمض واستنشق، فاختلف الأئمة في ذلك: هل هما واجبان في الوضوء والغسل، كما هو مذهب أحمد بن حنبل ﵀؟ أو مستحبان فيهما، كما هو مذهب الشافعي ومالك. لما ثبت
_________________
(١) - انظر السنن الكبرى للبيهقى (١/ ٥٤) وحديث عمار: أخرجه الطيالسى (٦٤٥) والحميدي (١٤٦) والترمذي فى أبواب الطهارة، باب ما جاء فى تخليل اللحية، الحديث (٢٩)، وابن ماجة فى الطهارة باب: ماجاء فى تخليل اللحية، الحديث (٤٢٩) وابن جرير فى تفسيره (١١٤١٥)، والحاكم (١/ ١٤٩) من طريق سفيان بن عيينة عن عبد الكريم بن أبى المخارق أبى أمية عن حسان بن بلال قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ فخلل لحيته، فقيل له - أو قال: فقلت له -: أتخلل لحيتك؟ قال: وما يمنعنى؛ ولقد رأيت رسول الله ﷺ يخلل لحيته. قال الترمذى: وسمعت إسحاق بن منصور يقول: قال أحمد بن حنبل: قال ابن عيينة: لم يسمع عبد الكريم من حسان بن بلال حديث التخليل. اهـ. وقع فى رواية الحاكم "عبد الكريم الجزري" وهو وهم، والصواب: عبد الكريم بن أبى المخارق كما صرح به الترمذي، وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على سنن الترمذى. وعبد الكريم بن أبى الخارق قال أبو حاتم: ضعيف. وقال أبو زرعة: هو لين، الجرح والتعديل (٦/ ٦٠) وقال النسائى فى الضعفاء والمتروكين (ترجمة ٤٠١): متروك الحديث. وضعفه الحافظ فى "التقريب" ولكن أخرجه الحميدى (١٤٧)، والترمذى (٣٠) وابن ماجه (٤٢٩)، والحاكم (١/ ١٤٩) من طريق سفيان عن سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن حسان بن بلال عن عمار، مثل رواية عبد الكريم، قال الحافظ ابن حجر ﵀ فى "التلخيص" (١/ ٩٧): "وحسان ثقة، لكن لم يسمعه ابن عيينة من سعيد، ولا قتادة من حسان". وقال أبو محمد بن حزم فى "المحلى" (٢/ ٣٦): حديث عمار من طريق حسان بن بلال المزني وهو مجهول، وأيضًا لا يعرف له لقاء لعمار. وتعقبه ابن الملقن فى "البدر المنير" (٣/ ٣٩٨) بأن حسانًا روى عنه جماعة، وقال ابن المدينى: ثقة. وبأنه وقع فى الترمذي عن حسان قال: رأيت عمار ابن ياسر … فذكر الحديث وفى الطبرانى نحوه، قلت: فاندفعت علة ضعف حسان وكذلك الانقطاع بين حسان وعمار. وأمَّا قول الحافظ ابن حجر: "لم يسمعها ابن عيينة من سعيد فيرده قول سفيان عند الحاكم: "حدثنا سعيد" فقد صرح بسماعه من سعيد، والله أعلم. لكن بقيت علة واحدة وهى ما يخشى من تدليس قتادة فإنه معروف بذلك، لكن رواية سعيد عنه صحيحة وقد سأل ابن أبي حاتم أباه عن هذا الحديث؟ فقال: لم يحدث بهذا أحد سوى ابن عيينة عن ابن أبى عروبة. قلت: صحيح؟ قال: لو كان صحيحًا لكان فى مصنفات ابن أبى عروبة ولم يذكر ابن عيينة فى هذا الحديث وهذا أيضا مما يوهنه. قال الشيخ أحمد شاكر: وآخر الكلام مضطرب ولعل صوابه: "ولم يذكر ابن عيينة فى هذا الحديث سماعًا"، والحديث صححه الألبانى فى صحيح الترمذى (٢٧)، وصحيح ابن ماجه (٣٤٤) وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد فى مسنده (٦/ ٢٣٤)، والحاكم (١/ ١٥٠) من طريق عمر بن أبى وهب الخزاعى البصرى حدثنى موسى بن ثروان عن طلحة بن عبيد الله بن كريز الخزاعى عن عائشة=
[ ٥ / ٩٧ ]
في الحديث الذي رواه أهل السنن، وصححه ابن خزيمة، عن رفاعة بن رافع الزرقي أن النبي ﷺ قال للمسيء [] [¬١] صلاته: "توضأ كما أمرك الله" (^١٩٢) أو يجبان في الغسل دون الوضوء؟ كما هو مذهب أبي حنيفة، أو يجب الاستنشاق دون المضمضة؟ كما هو رواية عن الإمام
_________________
(١) = أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ خلل لحيته بالماء: قال الحافظ في "التلخيص" (١/ ٩٧): إسناده حسن. وذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١/ ٢٤٠) وقال: رواه أحمد ورجاله موثقون. وأمَّا حديث أم سلمة فرواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٣٩) (١١٤١٢) والطبرانى فى الكبير (٢٣/ ٢٩٨) (٦٦٤)، والعقيلى فى الضعفاء (٢/ ٣) من طريق خالد بن إلياس، عن عبد الله بن رافع عن أم سلمة، قالت: كان رسول الله ﷺ يتوضأ ويخلل اللحية، وهذا لفظ العقيلى، والحديث أشار إليه الترمذى فى جامعه (١/ ٤٥) والبيهقى فى سننه (١/ ٥٤) ولم يذكرا لفظه. والحديث ذكره الهيثمي فى "مجمع الزوائد" (١/ ٢٤٠) وقال: رواه الطبرانى فى الكبير وفيه خالد بن إلياس ولم أر من ترجمه". قلت: ترجم له البخارى فى التاريخ (٣/ ١٤٠) وقال: ليس بشيء. واتهمه ابن حبان فى المجروحين (١/ ٢٧٥) ولذلك قال الحافظ ابن حجر فى التلخيص: فى إسناده خالد بن إلياس وهو منكر الحديث. وحديث على رواه الطبرانى فيما انتقاه أبو بكر بن مردويه عليه فيما انتقاه هو عن أهل البصرة من حديث أبى البخترى الطائيّ قال: رأيت عليا يخلل لحيته إذا توضأ ويقول: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل. كذا قال ابن الملقن فى "البدر المنير" (٣/ ٤٠٣ - ٤٠٤) قال الحافظ فى "التلخيص" (١/ ٩٨): وإسناده ضعيف ومنقطع. قلت: أبو البخترى الطائيّ لم يسمع من على ولم يدركه قاله إبن المديني، وأبو حاتم، وأبو زرعة كما فى المراسيل لابن أبى حاتم (ص ٧٦، ٧٧). وفى تخليل اللحية أحاديث ينظر تخريجها فى "نصب الراية" (١/ ٢٣ - ٢٦)، وتلخيص الحبير (١/ ٩٦ - ٩٨)، مجمع الزوائد (١/ ٢٤٠ - ٢٤١). وأمَّا الرخصة فى ذلك عن ابن عمر فأخرجه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٣٥) (١١٣٩١) من طريق نافع عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك، وشبك لحيته بأصابعه أحيانا ويترك أحيانًا. ورواه ابن المنذر فى "الأوسط" (١/ ٣٨٣) (٣٦٧) من طريق يحيى البكاء أن ابن عمَر كان يتوضأ ولا يخلل لحيته. وقد نقله عن الحسن بن علي أيضًا، وقال ابن المنذر: وهذا قول طاوس والنخعى وأبي العالية والشعبى ومحمد بن على ومجاهد والقاسم وقال سعيد بن عبد العزيز والأوزاعى: "ليس عرك العارضين وتشبيك اللحية بواجب فى الوضوء".
(٢) - أخرجه الطيالسى فى مسنده (١٣٧٢)، وأبو داود فى سننه فى الصلاة، باب: صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، الحديث (٨٦١)، والترمذى فى أبواب الصلاة، باب: ما جاء فى شرح الصلاة، الحديث (٣٠٢)، وابن خزيمة فى صحيحه (٥٤٥) والبيهقى (٢/ ٣٨٠) والبغوى فى شرح السنة (٣/ ٦ - ٧) (٥٥٣) من طريق إسماعيل بن جعفر حدثنا يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رفاعة ابن رافع الزرقى عن أبيه عن جده عن رفاعة بن رافع فذكر حديث المسيء صلاته وفيه: "إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ﷿"، والحدكث رواه أحمد (٤/ ٣٤٠)، وأبو داود= [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "في".
[ ٥ / ٩٨ ]
أحمد؛ لما ثبت في الصحيحين (^١٩٣) أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فَلْيَسْتَنْثِر [¬١] ". وفي رراية: "إِذا توضأ أحدكم فليجعل في منخريه من الماء ثم لينتثر". والانتثار: هو المبالغة في الاستنشاق.
وقال الإِمام أحمد (^١٩٤): حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، أنه توضأ فغسل وجهه، ثم [¬٢] أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنثر، [ثم أخذ غرفة فجعل بها هكذا، يعني أضافها إِلي يده الأخرى فغسل بها وجهه] [¬٣]، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى، ثم مسح رأسه، ثم أخذ غرفة من ماء ثم رش على رجله اليمني حتى غسلها، ثم أخذ غرفة [من ماء] [¬٤] فغسل بها رجله اليسرى، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ. يعني يتوضأ.
_________________
(١) = (٨٥٧ - ٨٦٠)، والنسائى (٢/ ١٩٣، ٢٢٥) (٣/ ٥٩، ٦٠)، وابن ماجه (٤٦٠)، والدارمى (١٣٣٥) وابن خزيمة (٥٩٧)، (٦٣٨)، والحاكم (١/ ٢٤١ - ٢٤٣) والبيهقى (٢/ ١٠٢، ١٣٣، ١٣٤) من طرق عن علي بن يحيى به بألفاظ متقاربة وفى بعضها: "إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿".
(٢) - أخرجه البخارى فى كتاب الوضوء، باب: الاستنثار فى الوضوء الحديث (١٦١)، ومسلم فى الطهارة، باب: الإيتار فى الاستنثار، والاستجمار، الحديث (٢٢/ ٢٣٧) من طريق أبى إدريس الخولانى عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر". ورواه البخارى فى الوضوء، باب الاستجمار وترًا، الحديث (١٦٢)، ومسلم فى الطهارة، باب: الإيتار فى الاستنثار والاستجمار الحديث (٢٣٧/ ٢٠) من طريق الأعرج عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه ماء ثم لينثر"، ورواه مسلم (٢٣٧/ ٢١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد ﷺ، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله ﷺ: "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر".
(٣) - رواه فى المسند (١/ ٢٦٨) ورواه البخارى فى صحيحه كتاب الوضوء، باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة، الحديث (١٤٠) حدثنا محمد بن عبد الرحيم قال أخبرنا أبو سلمة الخزاعى منصور بن سلمة فذكره. ورواه أحمد (١/ ٣٦٥) حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: ألا أخبركم بوضوء رسول الله ﷺ؟ فدعا بماء فجعل يغرف بيده اليمنى ثم يصب على اليسرى. [¬١]- في ز: "فليستنشق". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "أخرى".
[ ٥ / ٩٩ ]
ورواه البخاري عن محمد بن عبد الرحيم، عن أبى سلمة منصور بن سلمة الخزاعي به.
وقوله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ أي: مع المرافق. كما قال. تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾.
وقد روى الحافظ الدارقطني وأبو بكر البيهقى من طريق القاسم بن محمد، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن جده، عن جابر بن عبد اللَّه (^١٩٥) قال: كان رسول الله ﷺ إِذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. ولكن القاسم هذا متروك الحديث، وجده ضعيف، والله اعلم.
ويستحب للمتوضئ أن يشرع في العضد، فيغسله مع ذراعيه، لما روى البخاري ومسلم من حديث نعيم المجمر، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أمّتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرّتهَ فليفعل" (^١٩٦).
وفي صحيح مسلم (^١٩٧)، عن قتيبة [¬١]، عن خلف بن خليفة، عن أبي مالك الأشجي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: سمعت خليلي ﷺ يقول: "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء".
وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ اختلفوا في هذه الباء: هل هي للإلصاق؟ وهو الأظهر، أو للتبعيض؟ وفيه نظر، على قولين، ومن الأصوليين من قال: هذا مجمل،
_________________
(١) - أخرجه الدارقطنى فى سننه (١/ ٨٣)، والبيهقى (١/ ٥٦) وقال الدارقطنى: ابن عقيل ليس بقوى. وقال الألبانى فى الصحيحة (٢٠٦٧): الظاهر أنه عنى الجد وهو عبد الله بن محمد بن عقيل، فإنه مختلف فيه، والراجح فيه أنه حسن الحديث إذا لم يخالف، وعليه فكان الأولى إعلاله بحفيده؛ فإنه شديد الضعف. قال الذهبى فى "الضعفاء": قال أبو حاتم وغيره: متروك. وقال أحمد: ليس بشئ. وقد ضعف إسناده أيضًا الحافظ ابن حجر فى "فتح البارى" (١/ ٢٩٢) لكن ذكر له الحافظ شواهد، ثم قال: وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا. وصححه أيضًا الألبانى - حفظه الله - بشواهده فى الصحيحة، وفى صحيح الجامع (٤٥٧٤).
(٢) - أخرجه البخارى فى الوضوء، باب: لا تقبل صلاة بغير طهور، الحديث (١٣٦)، ومسلم فى الطهارة، باب استحباب إصالة الغرة والتحجيل فى الوضوء، الحديث (٢٤٦/ ٣٥).
(٣) - رواه فى صحيحه فى الطهارة، باب: تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، الحديث (٢٥٠)، ورواه النسائى (١/ ٩٣) حدثنا قتيبة فذكره، ورواه أحمد فى مسنده (٢/ ٣٧١) حدثنا حسين بن محمد حدثنا خلف به. [¬١]- في خ: "قتادة".
[ ٥ / ١٠٠ ]
فليرجع في بيانه إلى السنة. وقد ثبت في الصحيحين (^١٩٨) من طريق مالك، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه: أن رجلًا قال لعبد الله بن زيد بن عاصم - وهو جد عمرو بن يحيى، وكان من أصحاب النبي ﷺ[هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ[¬١] يتوضأ؟ فقال عبد الله بن زيد: نعم، فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه، [فغسل يديه] [¬٢] مرتين مرتين، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يديه مرتين [¬٣] مرتين إِلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدّم رأسه، ثم ذهب بهما إِلي قفاه، ثم ردّهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.
وفي حديث عبد خير، عن علي في صفة وضوء رسول الله ﷺ نحو هذا (^١٩٩). وروى أبو داود عن معاوية والمقدام بن معد يكرب في صفة وضوء رسول الله ﷺ مثله (^٢٠٠).
ففي هذه الأحاديث دلالة لمن ذهب إلى وجوب تكميل مسح جميع الرأس، كما هو مذهب الإِمام مالك وأحمد بن حنبل، لا سيما على قول من زعم أنها خرجت مخرج البيان لما أجمل في القرآن.
وقد ذهب الحنفية إلى وجوب مسح ربع الرأس وهو مقدار الناصية.
وذهب أصحابنا إِلى أنه إِنما يجب ما يطلق عليه اسم مسح، و[¬٤] لا يتقدر ذلك بحد؛ بل لو
_________________
(١) - أخرجه البخارى فى الوضوء، باب: مسح الرأس كله، الحديث (١٨٥)، ومسلم فى الطهارة، باب: فى وضوء النبى ﷺ، الحديث (٢٣٥) وللحديث طرق كثيرة عن عمرو بن يحيى عند الشيخين وغيرهما.
(٢) - أخرجه أحمد (١/ ١١٠، ١١٣، ١٢٢، ١٢٣، ١٣٥، ١٣٩، ١٥٤)، وأبو داود (١١١ - ١١٣)، والترمذى (٤٩)، والنسائى (١/ ٦٧ - ٦٩) وابن ماجه (٤٠٤)، والدارمى (٧٠٧)، وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (١/ ١١٣، ١١٤، ١٢٣ - ١٢٥، ١٤١)، وابن خزيمة (١٤٧) من طرق عن عبد خير عن علي، والروايات مطولة ومختصرة، وألفاظها متقاربة.
(٣) - حديث معاوية أخرجه أبو داود فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٢٤) ومن طريقه البيهقى فى سننه (١/ ٥٩) وصححه الألبانى فى صحيح أبى داود رقم (١١٥). وأمَّا حديث المقدام فأخرجه أبو داود فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٢٢) ومن طريقه البيهقى (١/ ٥٩) من طريقين عن الوليد بن مسلم عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام بن معد يكرب، قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ فلما بلغ مسح= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٠١ ]
مسح بعض شعرة من رأسه أجزأه.
واحتج الفريقان بحديث المغيرة بني شعبة قال: تخلف النبي ﷺ فتخلفت معه، فلما قضى حاجته قال: "هل معك ماء؟ " فأتيته بمطهرة؛ فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر عن ذراعيه، [فضاق كم الجبة، فأخرج يديه من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه، فغسل ذراعية] [¬١]، ومسح بناصيته، وعلى العمامة، وعلى خفيه. وذكر باقي الحديث، وهو في صحيح مسلم وغيره (^٢٠١).
فقال لهم أصحاب الإِمام أحمد: إنما اقتصر على مسح الناصية؛ لأنه كمل مسح بقية الرأس على العمامة، "ونحن نقول بذلك، وأنه يقع عن الموقع، كما وردت بذلك أحاديث كثيرة، وأنه كان يمسح على العمامة وعلى الخفين، فهذا أولى، وليس لكم فيه دلالة على جواز الاقتصار على مسح الناصية، أو بعض الرأس من غير تكميل على العمامة، والله أعلم.
_________________
(١) = رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرَّهما حتى بلغ القفا ثم ردهما إلى المكان الذى بدأ منه. وقد قال الوليد فى إحدى الروايتين: أخبرنى حريز، فزالت وصمة التدليس. والحديث ذكره عبد الحق فى "أحكامه" (١/ ١٧٠) ساكنًا عليه فتعقبه ابن القطان فى "بيان الوهم" (٤/ ١٠٩) وأعله بعلتين الأولى: عبد الرحمن بن ميسرة مجهول الحال لا يعرف، ما روى عنه إلا حريز بن عثمان، وحريز كان له رأى سوء فى الصحابة. والأخرى: تدليس الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس ويسوى ولم يقل فى هذا الحديث: أنا ولا ثنا، ولا سمعت ولا ذكر عن حريز أنه قال ذلك. قلت: أما عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمى فقد ذكره ابن حبان فى "الثقات" (٥/ ١٠٩) وقال العجلى فى "ثقاته" (ت ٩٨٦): تابعى ثقة. وروى عنه غير واحد كما فى "تهذيب الكمال". وأمَّا وصمة التدليس فقد صرح بالسماع عند أبى داود، وقد رواه أيضًا ابن ماجه (٤٤٢) من طريق هشام بن عمار قال حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا حريز بن عثمان فذكره مختصرًا والحديث واحد. وقد تابعه عليه أيضًا أبو المغيرة وهو ثقة روى له الجماعة عند أبى داود (١٢١)، وأحمد (٤/ ١٣٢) قال: حدثنا حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن المقدام فى صفة الوضوء أيضًا. والحديث حسنه أبن حجر فى "تلخيص الحبير" (١/ ١٠١) ونقل ابن الملقن فى "البدر المنير" (٣/ ٣٤٣) عن النووى قال فى الخلاصة: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وصححه الألبانى فى "صحيح أبى داود" (١١٢، ١١٣).
(٢) - رواه مسلم فى صحيحه فى الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، الحديث (٨١/ ٢٧٤) من حديث عروة بن المغيرة عن أبيه والحديث من هذه الطريق عند البخارى في صحيحه فى كتاب الوضوء، باب: المسح على الخفين، الحديث (٢٠٣) مختصرًا. وقد ورد الحديث من طرق كثيرة عن المغيرة فى الصحيحين وغيرهما. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٥ / ١٠٢ ]
ثم اختلفوا في أنه هل يستحب تكرار مسح الرأس ثلاثًا، كما هو المشهور من مذهب الشافعي، أو [¬١] إنما يستحب مسحة واحدة كما هو مذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه على قولين؛ فقال عبد الرزاق (^٢٠٢): عن معمر، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران بن أبان، قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فأفرغ على يديه ثلاثًا فغسلهما، ثم تمضمض [¬٢] واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى إِلى المرفق ثلاثًا، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثًا، ثم اليسرى ثلاثًا مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا. ثم قال: "من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه".
أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، من طريق الزهري به نحو هذا.
وفي سنن أبي داود من رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، عن عثمان في صفة الوضوء: "ومسح برأسه مرة واحدة" (^٢٠٣)، وكذا من رواية عبد خير عن علي
_________________
(١) - رواه فى مصنفه (١/ ٤٤) (١٣٩) ومن طريقه أخرجه أحمد (١/ ٥٩)، وأبو داود فى الطهارة، باب صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٠٦)، والبيهقى (١/ ٥٧ - ٥٨) والحديث رواه البخارى فى الصيام، باب سواك الرطب واليابس للصائم، الحديث (١٩٣٤) حدثنا عبدان - أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر … فذكره. ورواه البخارى فى الوضوء، باب: الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، الحديث (١٥٩)، ومسلم فى الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، الحديث (٢٢٦/ ٤) من طريق سعد بن إبراهيم عن الزهرى به.
(٢) - رواه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، باب: صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٠٨) ومن طريقه البيهقى فى سننه (١/ ٦٤) عن عثمان بن عبد الرحمن التيمى، قال: سئل ابن أبى مليكة عن الوضوء، فقال: رأيت عثمان سئل عن الوضوء فذكره وفيه: "فمسح برأسه وأذنيه فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة" وقال أبو داود: أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على أنه مسح الرأس مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثًا، وقالوا فيها: ومسح رأسه، ولم يذكروا عددًا كما ذكروا فى غيره. والحديث صححه الألبانى فى "صحيح أبى داود" رقم (٩٩)، ورواه الدارقطنى فى"سننه" (١/ ٩٣) من طريق زيد بن الحباب عن عمر بن عبد الرحمن بن سعد المخزومى حدثنى جدى أن عثمان بن عفان خرج فى نفر من أصحابه حتى جلس على المقاعد فدعا بوضوء فذكر وضوء عثمان فيه: "ومسح برأسه مرة واحدة" وسكت عنه الزيلعى فى "نصب الراية" (١/ ٣١) وقال الحافظ فى "تلخيص الحبير" (١/ ٩٤): وهو فى الصحيحين مطلق غير مقيد، وفى الأوسط للطبرانى من طريق عبد الله بن جعفر عن عثمان نحوه. ا هـ. قلت: ورواية عبد الله بن جعفر عند الطبرانى فى الأوسط رقم (٨٤٩٩) وفيها:= [¬١]- في ز: "و". [¬٢]- في ز: "مضمض".
[ ٥ / ١٠٣ ]
مثله (^٢٠٤).
واحتج بن استحب تكرار مسح الرأس بعموم الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن عثمان ﵁ أن رسول الله ﷺ توضأ ثلاثًا ثلاثًا.
وقال أبو داود (^٢٠٥): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا عبد الرحمن بن وردان، حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، حدثني حمران قال: رأيت عثمان بن عفان توضأ فذكر نحوه، ولم يذكر المضمضة والاستنشاق، قال فيه: ثم مسح رأسه ثلاثًا، ثم غسل رجليه ثلاثًا، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ توضأ هكذا، وقال: "من توضأ دون [¬١] هذا كفاه".
تفرّد به أبو داود، ثم قال: وأحاديث عثمان في [¬٢] الصحاح تدل على أنه مسح الرأس مرة واحدة.
وقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرئ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب عطفًا على ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾.
قال [¬٣] ابن أبي حاتم (^٢٠٦): حدثنا أبو زرعة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا وهيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس - أنه قرأها ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾. يقول: رجعت إِلى الغسل.
_________________
(١) = ومسح برأسه" كذا مطلقًا دون القيد بعدد، والله أعلم، وهو عند البزار (٢/ ١١) رقم (٣٤٩)، والدارقطنى (١/ ٩١) وفيه: "ومسح برأسه ثلاثًا".
(٢) - تقدم حديث على رقم (١٩٩).
(٣) - رواه فى سننه فى الطهارة، باب: صفة وضوء النبى ﷺ، الحديث (١٠٧) ورواه من طريقه البيهقى فى سننه (١/ ٦٢)، ورواه الدارقطنى (١/ ٩١)، والبزار فى "مسنده" (٢/ ٧٣) (٤١٨)، والبيهقى (١/ ٦٢) من طريق عبد الرحمن بن وردان به. والحديث صححه الألبانى في "صحيح أبى داود" (٩٨).
(٤) - رواه ابن جرير الطبرى (١٠/ ٥٥) (١١٤٥٩) من طريق عبد الوهاب بن عبد الأعلى عن خالد به، وأبو جعفر النحاس فى ناسخه (ص ٣٧٦) من طريق هشيم قال: أخبرنا خالد فذكره، وخالد هو ابن مهران الحذاء وهو ثقة. والأثر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٤) وزاد نسبته إلى "سعيد ابن منصور، وابن أبى شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر". [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "وقال".
[ ٥ / ١٠٤ ]
وروي عن عبد الله بن مسعود وعروة وعطاء وعكرمة والحسن ومجاهد؛ وإِبراهيم والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان والزهري وإِبراهيم التيمي - نحو ذلك.
وهذه قراءة ظاهرة في وجوب الغسل كما قاله السلف، ومن هاهنا ذهب من ذهب إِلى وجوب الترتيب [في الوضوء] [¬١]، كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة، حيث لم يشترط الترتيب، بل لو غسل قدميه، ثم مسح رأسه، وغسل يديه، ثم وجهه أجزأه ذلك؛ لأن الآية أمرت بغسل هذه الأعضاء، والواو لا تدل على الترتيب. وقد سلك الجمهور في الجواب عن هذا البحث طرقًا.
فمنهم من قال: الآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء عند القيام إِلى الصلاة، لأول مأمور به بفاء التعقيب، وهي مقتضية للترتيب، ولم يقل أحد من الناس بوجوب غسل الوجه أولًا، ثم لا يجب الترتيب بعده، بل القائل اثنان: أحدهما يوجب الترتيب، كما هو واقع في الآية، والآخر يقول: لا يجب الترتيب مطلقًا، والآية دلت على وجوب غسل الوجه ابتداء، فوجب الترتيب فيما بعده بالإِجماع و[¬٢]، حيث [¬٣] لا فارق.
ومنهم من قال: لا نسلم أن الواو لا تدل على الترتيب، بل هي دالة كما هو مذهب طائفة من النحاة، وأهل اللغة، وبعض الفقهاء، ثم يقول بتقدير تسليم [¬٤] كونها لا تدل على الترتيب اللغوي، هي دالة على الترتيب شرعًا، فيما من شأنه أن يرتب، والدليل على ذلك أنه ﷺ لما طاف بالبيت؛ خرج من باب الصفا، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال: " أبدأ بما بدأ الله به". لفظ مسلم، ولفظ النسائي: "ابدءوا بما بدأ الله به". وهذا لفظ أمر، وإِسناده صحيح (^٢٠٧)، فدل على وجوب البداءة بما بدأ اللَّه به، وهو معنى كونها تدل على الترتيب شرعًا، والله أعلم.
_________________
(١) - هو جزء من حديث جابر الطويل فى صفة حجته ﷺ رواه مسلم فى صحيحه فى كتاب الحج، باب حجة النبى ﷺ، الحديث (١٢١٨) هن طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وقد جمع العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألبانى - حفظه الله - طرق هذا الحديث فى رسالة مفردة وهى مطبوعة، وذكر متن الحديث بزياداته فى الإرواء رقم (١٠١٧) وأما الرواية الثانية التى ذكرها الحافظ ابن كثير هنا "ابدءوا بما بدأ الله به" فأخرجها أحمد فى مسنده (٣/ ٣٩٤) من طريق سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، ورواه الدارقطنى (٢/ ٢٥٤) (٧٩)، والبيهقى (١/ ٨٥) من طريق سفيان الثورى عن جعفر به. وعزاه المصنف هنا للنسائى، وكذا النووى فى شرح مسلم (٨/ ٢٤٥) والزيلعى فى نصب الراية (٣/ ٥٤)، وغيرهم هن الحفاظ، ولم أقف عليه فى سننه الصغرى،= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "الإجماع". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٠٥ ]
ومنهم من قال: لما ذكر الله تعالى هذه الصفة في هذه الآية على هذا الترتيب، فقطع النظير عن النظير، وأدخل الممسوح بين المغسولين، دل ذلك على إرادة الترتيب.
ومنهم من قال: لا شك أنه قد روى أبو داود وغيره من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - أن رسول الله ﷺ توضأ مرة مرة، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إِلا بة" (^٢٠٨) قالوا: فلا يخلو، إِما أن يكون توضأ مرتبًا [¬١]، فيجب الترتيب، أو يكون توضأ غير مرتب، فيجب عدم الترتيب، ولا قائل به، فوجب مما ذكرناه.
_________________
(١) = ولكن وجدته فى الكبرى فى كتاب الحج، باب: الدعاء على الصفا، الحديث (٣٩٦٨) أخبرنا إبراهيم بن هارون البلخى حدثنا حاتم بن إسماعيل حدثنا جعفر بن محمد به، ومن طريق النسائى رواه ابن حزم فى "المحلى" (٢/ ٦٦) ورواه أحمد فى "مسنده" (٣/ ٣٩٤) من طريق سليمان بن بلال عن جعفر به، والثوري وسليمان بن بلال ثقتان محتج بهما فى الصحيحين، وحاتم بن إسماعيل وثقه يحيى بن معين والدارقطنى، وابن حبان والعجلى، والذهبى، وهو من رجال الصحيحين أيضًا ولم يقف العلامة الألبانى - حفظه الله - على الحديث بهذا اللفظ فى سنن النسائى الكبري لكن نقله عن ابن حزم وأعله بالشذوذ مخالفته هذه الرواية بجميع الطرق عن حاتم بن إسماعيل، ثم قال: وجملة القول: أن هذا اللفظ: "ابدءوا" شاذ لا يثبت لتفرد الثوري وسليمان به، مخالفين فيه سائر الثقات الذين سبق ذكرهم وهم سبعة، وقد قالوا: "نبدأ" فهو الصواب، ولا يمكن القول بتصحيح اللفظ الآخر لأن الحديث واحد، وتكلم به ﷺ مرة واحدة عند صعوده على الصفا، فلابد من الترجيح، وهو ما ذكرنا".
(٢) - لم أجده فى سنن أبى داود هكذا والذى فى سنن أبى داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلًا أتى النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء فى إناء … الحديث. وفيه أنه علمه الوضوء ثلاثًا ثلاثًا وليس مرة مرة، وفى آخره: "ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" أو "ظلم وأساء" والحديث صححه الألبانى فى "صحيح سنن أبى داود" (١٢٣) دون قوله أو "نقص" فإنه شاذ. لكن روي الطبرانى فى "الأوسط" (٧٣٤٦)، والبزار فى مسنده (٦/ ٣٦٩) (٢٣٨٥)، وهو فى كشف الأستار (١/ ١٤٢) (٢٦٩)، ومختصر زوائد البزار لابن حجر (١/ ١٦٤، ١٦٦) من طريق بكر بن يحيى بن زبان العنزي قال: أخبرنا مندل بن علي عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبى ﷺ توضأ مرة مرة، زإد الطبرانى: "ثم قام فصلى" وقال الهيثمى في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٣٧): فيه مندل بن علي ضعفه أحمد وابن المدينى وابن معين فى رواية ووثقه فى أخرى. اهـ. قلت: وضعفه أيضًا الحافظ فى "التقريب" والحديث مُخَالفٌ بما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبى ﷺ علم الرجل الذي سأله: كيف الطهور؟ أن يتوضأ ثلاثًا ثلاثًا. [¬١]- في خ: "مرة".
[ ٥ / ١٠٦ ]
وأما القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالخفض. فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس. وقد روي عن طائفة من السلف ما يوهم القول بالمسح، فقال ابن جرير (^٢٠٩):
حدثني بعقوب بن إِبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا حميد قال: قال موسى بن أنس لأنس، ونحن عنده: يا أبا حمزة، إِن الحجاج خطبنا بالأهواز، ونحن معه، فذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم، وأنه ليس شئ من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجاج. قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قال: وكان أنس إِذا مسح قدميه بلهما. إِسناد صحيح إِليه.
وقال ابن جرير (^٢١٠): حدثنا على بن سهل، حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا عاصم الأحول، عن أنس [¬١] قال: نزل القرآن بالمسح، [والسنة بالغسل] [¬٢]. وهذا أيضًا إِسناد صحيح.
وقال ابن جرير (^٢١١): حدثنا أبو كريب، [حدثنا محمد بن قيس] [¬٣] الخراساني، عن ابن
_________________
(١) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٥٨) (١١٤٧٥) قال: حدثنا حميد بن مسعدة قال: حدثنا بشر بن المفضل، عن حميد ح، وحدثنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا ابن علية قال، حدثنا حميد قال موسى ابن أنس فذكره ورواه (١٠/ ٥٨ - ٥٩) (١١٤٧٧) حدثنا ابن بشار قال حدثنا ابن أبى عدى عن حميد عن موسى بن أنس فذكر نحوه، ورواه البيهقى فى سننه (١/ ٧١) من طريق عبد الوهاب بن عطاء أنا حميد عن موسى بن أنس بنحوه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١/ ٣٠) حدثنا إسماعيل بن علية عن حميد قال: كان أنس إذا مسح على قدميه بلهما. ولم يذكر فى إسناده موسى بن أنس وموسى بن أنس روى عن أبيه وعن ابن عباس وثقه ابن سعد وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٥/ ٤٠١) وروى له الجماعة. والأثر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٤ - ٤٦٥) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور.
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٥٨) (١١٤٧٦).
(٣) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٥٨) (١١٤٧٤)، ومحمد بن قيس قال الشيخ شاكر: لم أجد له ذكرًا، ولم أعرف من يكون، وعسى أن يكون محرفًا. قلت: فى بعض نسخ ابن كثير "ابن ميسرة" ولم أجد فى الرواة عن ابن جريج لا محمد بن قيس ولا محمد بن ميسرة لكن تابعه عبد الرزاق فرواه فى مصنفه (١/ ١٩) (٥٥) عن ابن جريج أنه سمع عكرمة يقول قال ابن عباس: الوضوء مسحتان وغسلتان،= [¬١]- في ز، خ: "الحسن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المكوفتين في ز: "بن ميسرة".
[ ٥ / ١٠٧ ]
جريج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.
وكذا روى سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (^٢١٢).
وقال ابن أبي حاتم (^٢١٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقري، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قال: هو المسح. ثم قال: وروي عن ابن عمر وعلقمة وأبي جعفر محمد بن عَلي والحسن في إِحدى الروايات وجابر بن زيد ومجاهد في إحدى الروايات - نحوه.
وقال ابن جرير (^٢١٤): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، حدثنا أيوب، قال: رأيت عكرمة يمسح على رجليه قال: وكان يقوله.
وقال [¬١] ابن جرير (^٢١٥): حدثني أبو السائب، حدثنا ابن إِدريس، عن داود بن أبي هند،
_________________
(١) = ورواه عبد الرزاق (٥٤) عن معمر عن قتادة عن جابر بن يزيد، أو عكرمة عن ابن عباس قال: افترض الله غسلتين ومسحتين ألا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين. وقال رجل لمطر الوراق: من كان يقول: المسح على الرجلين؟ فقال: فقهاء كثير.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٦٠) (١١٤٨٧) عن قتادة بلفظ: "افترض الله غسلتين، ومسحتين،. وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٤) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٣) - فى إسناده على بن زيد بن جدعان وهو ضعيف روى له أصحاب السنن ولم يحتج به مسلم، وإنما روى له مقرونًا بثابت البنانى، والأثر: ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٤) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم، وروى ابن أبى شيبة فى مصنفه (١/ ٣٢) ومن طريقه ابن ماجة فى الطهارة، باب: ما جاء فى غسل القدمين، الحديث (٤٥٨) حدثنا ابن علية عن روح بن القاسم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الرُّبيع، قالت: أتانى ابن عباس فسألنى عن هذا الحديث - تعنى حديثها الذى ذكرت أن رسول الله ﷺ توضأ وغسل رجليه - فقال ابن عباس: إن الناس أبوا إلَّا الغسل، ولا أجد فى كتب الله إلَّا المسح. ورواه عبد الرزاق فى مصنفه (١/ ٢٢) (٦٥) عن معمر عن عبد الله بن محمد بن عقيل فذكره. وقال البوصيرى فى مصباح الزجاجة (١/ ١٨٣): إسناده حسن وحسنه الألبانى فى ضعيف ابن ماجة دون قول ابن عباس فقال: فإنه منكر.
(٤) - رواه فى تفسيره (١٠/ ٥٩) (١١٤٧٨) قال حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا عبيد الله العتكى عن عكرمة قال: ليس على الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح. ورواه ابن أبي شيبة (١/ ٣٠) قال حدثنا ابن علية فذكره كما نقله المصنف هنا تمامًا، والله أعلم.
(٥) - وواه فى تفسيره (١٠/ ٥٩) (١١٤٨٠) ورواه عبد الرزاق (١/ ١٩) (٥٦)، وابن أبى شيبة (١/ ٣٠) من طريق إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبى وسيأتى فى الذى بعده. [¬١]- مكانها بياض في ز.
[ ٥ / ١٠٨ ]
عن الشعبي قال: نزل جبريل بالمسح، ثم قال الشعبي: ألا ترى أن التيمم أن يمسح ما كان غسلًا، ويلغي [¬١] ما كان مسحًا.
وحدثنا ابن أبي زياد (^٢١٦)، حدثنا يزيد، أخبرنا إسماعيل، قلت لعامر: إِن ناسًا يقولون: إِن جبريل نزل بغسل الرجلين، فقال: نزل جبريل بالمسح.
فهذه آثار غريبة جدًّا، وهي محمولة على أن المراد بالمسح: هو الغسل الخفيف، لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين، وإِنما جاءت هذه القراءة بالخفض، إِما على المجاورة، وتناسب الكلام، كما في قول العرب: جُحْر ضبٍّ خربٍ، وكقوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، وهذا ذائع شائع في لغة العرب، سائغ، ومنهم من قال: هي محمولة على مسح القدمين، إِذا كان عليهما الخفان، قاله أبو عبد الله الشافعي ﵀ ومنهم من قال: هي دالة على مسح الرجلين، ولكن المراد بذلك الغسل الخفيف، كما وردت [¬٢] به السنة، وعلى كل تقدير، فالواجب غسل الرجلين، فرضًا لابد منه، للآية والأحاديث التي سنوردها، ومن أحسن ما يستدل به على أن المسح يطلق على الغسل الخفيف، ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال (^٢١٧):
أخبرنا أبو على الروذباري، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب، أنه صلى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة، حتى حضرت صلاة العصر، ثم أتى بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله، وهو قائم، ثم قال: إِن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا، وإِن رسول الله ﷺ صنع كما [¬٣] صنعت. وقال: "هذا وضوء من لم يحدث".
رواه البخاري في الصحيح عن آدم ببعض معناه.
ومن أوجب [¬٤] من الشيعة مسحهما، كما يمسح الخف - فقد ضل وأضل، وكذا من جوز
_________________
(١) - رواه في تفسيره (١٠/ ٦٠) (١١٤٨٥)، وانظر الذى قبله.
(٢) - رواه في سننه (١/ ٧٥)، وفد تقدم تخريجه رقم (١٧٥). [¬١]- في ز، خ: "وبلغني". [¬٢]- في ز: "ورد". [¬٣]- في ز: "ما". [¬٤]- في ز: "أحب".
[ ٥ / ١٠٩ ]
مسحهما، وجوز غسلهما فقد أخطأ أيضًا، ومن نقل عن أبي جعفر بن جرير، أنه أوجب غسلهما للأحاديث، وأوجب مسحهما للآية، فلم يحقق مذهبه في ذلك، فإِن كلامه في تفسيره؛ إِنما يدل على أنه أراد أنه يجب دَلْكُ الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين، وغير ذلك؛ فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح، فاعتقد من لم يتأمل كلامه، أنه أراد وجوب الجمع بين غسل الرجلين ومسحهما، فحكاه من حكاه كذلك، ولهذا يستشكله كثير من الفقهاء، وهو معذور؛ فإِنه لا معنى للجمع بين المسح والغسل، سواء تقدمه أو تأخر عليه لاندراجه فيه، وإِنما أراد الرجل ما ذكرته، والله أعلم. ثم تأملت كلامه أيضًا، فإذا هو يحاول الجمع بين القراءتين في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ خفضًا على المسح، وهو الدلكَ، ونصبًا على الغسل، فأوجبهما أخذًا بالجمع بين هذه وهذه.