قد تقدم في حديث أميَري المؤمنين: عثمان وعلي، وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب، أن رسول الله ﷺ غسل الرجلين في وضوئه، إِما مرة وإما مرتين أو ثلاثا، على اختلاف رواياتهم (^٢١٨).
وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ توضأ، فغسل قدميه، ثم قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إِلا به" (^٢١٩).
وفي الصحيحين (^٢٢٠) من رواية أبي عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد الله بن عمرو، قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة - صلاة العصر - ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:
_________________
(١) - تقدم حديث عثمان برقم (١٨٩) و(٢٠٢، ٢٠٥) وحديث على برقم (١٩٩)، وحديث ابن عباس رقم (١٩٨) وحديث عبد الله بن زيد رقم (١٩٨)، وحديث معاوية وحديث المقدام تقدما برقم (٢٠٠).
(٢) - تقدم رقم (٢٠٨).
(٣) - أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب العلم، باب: من رفع صوته بالعلم، الحديث (٦٠)، وفي باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه الحديث (٩٦)، وفى الوضوء، باب: غسل الرجلين، ولا يمسح على القدمين، الحديث (١٦٣)، ومسلم في الطهارة باب: وجوب غسل الرجلين بكمالهما، الحديث (٢٤١/ ٢٧). [¬١]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١١٠ ]
"أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار".
وكذلك هو في الصحيحين عن أبي هريرة. (^٢٢١)
وفي صحيح مسلم، عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار" (^٢٢٢).
وروى الليث بن سعد، عن حيوة بن شريح، عن عقبة بن مسلم، عن عبد الله بن الحارث بن [جَزْءٍ أنه] [¬١] سمع رسول الله ﷺ يقول: "ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار" (^٢٢٣)، رواه البيهقي والحاكم، وهذا إِسناد صحيح.
وقال الإِمام أحمد (^٢٢٤): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي إِسحاق أنه سمع سعيد بن أبي كرب أو شعيب بن أبي كرب قال: سمعت جابر بن عبد الله، وهو على جمل [¬٢]،
_________________
(١) - رواه البخارى في الوضوء، باب: غسل الأعقاب، الحديث (١٦٥)، ومسلم في الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، الحديث (٢٤٢) من طريق محمد بن زياد عن أبى هريرة.
(٢) - رواه مسلم في الطهارة، باب: غسل الرجلين بكمالهما الحديث (٢٤٠) من طريق سالم مولى شداد بن الهاد عن عائشة ﵂.
(٣) - رواه ابن خزيمة في صحيحه (١٦٣) والدارقطنى (١/ ٩٥) والحاكم (١/ ١٦٢) والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١/ ٣٨)، والبيهقى (١/ ٧٠) من طريق الليث بن سعد به، وصحح إسناده الألبانى في تعليقه على صحيح ابن خزيمة، وفى صحيح الترغيب والترهيب (٢١٦) وللحديث طريق آخر أخرجه أحمد فى مسنده (٤/ ١٩١) وابن أبى عاصم في "الآحاد والمثانى" (٢٤٨٤)، والطحاوى (١/ ٣٨) من طريق ابن لهيعة ثنا حيوة بن شريح به. وأشار إليه الترمذى فى سننه فى أبواب الطهارة، باب ما جاء: "ويل للأعقاب من النار" عقب الحديث (٤١)، والحديث ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١/ ٢٤٥) وعزاه للطبرانى مرفوعًا ولأحمد موقوفًا، قال: ورجال أحمد والطبرانى ثقات. قلت: وهو عند أحمد مرفوعًا أيضًا كما تقدم. وصحح إسناده أيضًا الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذى.
(٤) - رواه في المسند (٣/ ٣٦٩)، ورواه ابن جرير الطبرى في تفسيره (١٠/ ٦٩) (١١٥١١ - ١١٥١٣) من طرق عن شعبة به، ورواه ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب: غسل العراقيب، الحديث (٤٥٤)، وأحمد (٣/ ٣٩٠)، وابن جرير في تفسيره (١٠/ ٧٠، ٧١) (١١٥١٤ - ١١٥١٦)، والطحاوى في شرح المعانى (١/ ٣٨) من طرق عن أبى إسحاق به. ورواه أحمد (٣/ ٣٩٣) من طريق يزيد بن عطاء عن أبى إسحاق عن سعيد بن أبى كرب وعبد الله بن مرثد فذكراه، ورواه أحمد (٣/ ٣١٦)، وابن جرير (١٠/ ٧١) (١١٥١٧، ١١٥١٨) من طريق الأعمش عن أبى سفيان عن جابر أن رسول الله ﷺ رأى قومًا يتوضئون فلم يمس أعقابهم الماء، فقال: "ويل للأعقاب = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "جزانة". [¬٢]- في ز: "جبل".
[ ٥ / ١١١ ]
يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ويل [¬١] للعراقيب من النار".
وحدثنا أسود بن عامر، أخبرنا إِسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر بن عبد الله، قال: رأى النبي ﷺ في رِجْلِ رَجُلٍ مثل الدرهم لم يغسله، فقال: "ويل للأعقاب [¬٢] من النار" (^٢٢٥).
ورواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي [¬٣] الأحوص، عن أبي إِسحاق، عن سعيد به نحوه.
وكذا رواه ابن جرير، من حديث سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وغير واحد، عن أبي إِسحاق السبيعي، عن سعيد بن أبي كرب، عن جابر، عن النبى ﷺ مثله، ثم قال (^٢٢٦):
حدثنا على [¬٤] بن مسلم، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ رأى قومًا يتوضئون، لم يصب أعقابهم الماء، فقال: "ويل للعراقيب من النار! ".
وقال الإِمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أيوب بن عتبة [¬٥]، عن يحيى [¬٦] بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن معيقيب قال: قال رسول الله ﷺ: "ويل للأعقاب من النار! " (^٢٢٧). تفرد به أحمد.
وقال ابن جرير: حدثني [على بن] عبد الأعلى، حدثنا المحاربي، عن مطرِّح بن يزيد، عن
_________________
(١) = من النار". وأصل الحديث في الصحيحين من حديث ابن عمرو - وأبى هريرة وقد تقدم تخريجهما قريبًا.
(٢) - رواه في مسنده (٣/ ٣٩٠) وراجع الذى قبله.
(٣) - رواه في تفسيره (١٠/ ٧١) (١١٥١٨)، وانظر رقم (٢٢٤).
(٤) - رواه في مسنده (٣/ ٤٢٦)، (٥/ ٤٢٥)، ورواه ابن جرير الطبرى (١٠/ ٧١) (١١٥١٩) قال: حدثنا أبو سفيان الغنوى يزيد بن عمرو قال: حدثنا خلف بن الوليد فذكره. ورواه الطبرانى في الكبير (٢٠/ ٣٥٠) (٨٢٢) من طريقين عن أيوب بن عتبة به. والحديث ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١/ ٢٤٠) وعزاه لأحمد والطبرانى فى الكبير وقال: "وفيه أيوب بن عتبة والأكثر على تضعيفه". قلت: تابعه الأوزاعى رواه الطبرانى فى الكبير (٢٠/ ٣٥٠) (٨٢٣) من طريق مبشر بن إسماعيل عن الأوزاعى عن يحيى بن أبى كثير به. وللحديث شواهد من حديث ابن عمرو، وعائشة وغيرهما. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "للعقب". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "عفان". [¬٥]- في ز: "عقبة". [¬٦]- في خ: "محمد".
[ ٥ / ١١٢ ]
عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: " [ويل للأعقاب من النار!] [¬١] ". قال [¬٢]: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إِلا نظرت إِليه، يقلب عرقوبيه ينظر إِليهما (^٢٢٨).
وحدثنا أبو كريب، حدثنا حسين، عن زائدة، عن ليث، حدثني عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة - أو عن أخي أبي أمامة - أن رسول الله ﷺ أبصر قومًا يصلون، وفي عقب أحدهم، أو كعب أحدهم مثل موضع الدرهم، أو موضع الظفر لم يمسه الماء، فقال: "ويل للأعقاب من النار! ". قال: فجعل الرجل إِذا رأى في عقبه شيئًا لم يصبه الماء؛ أعاد وضوءه (^٢٢٩).
ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك فيهما - لما توعد على تركه؛ لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف، وهكذا وجَّه هذه [¬٣] الدلالة على الشيعة الإِمام أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى.
وقد روى مسلم [¬٤] في صحيحه من طريق أبي الزبير، عن جابر، عن عمر بن الخطاب - أن رجلًا توضأ، فترك موضع ظفر على قدمه، فأبصره النبي ﷺ، فقال: "ارجع فأحسن
_________________
(١) - رواه في تفسيره (١٠/ ٧٣) (١١٥٢٥)، وفى إسناده عبيد الله بن زحر وثقه أبو زرعة والنسائى وأحمد في رواية والأكثر على تضعيفه ترجمته في التهذيب، وانظر أيضًا "الجرح والتعديل" (٥/ الترجمة ١٤٩٩) وعلى بن يزيد هو الألهانى قال الحافظ فى "التقريب" ضعيف. وقال العلامة أحمد شاكر فى تفسير الطبرى (٧/ ١٢٧) فى الكلام على عبيد الله بن زحر: "من تكلم فيه إنما هو من أجل نسخة يرويها عن علي بن يزيد الألهانى، الحمل فيها على على بن يزيد" وقد روى الحديث من طريق أخرى عن أبى أمامة وهى أيضًا ضعيفة انظر التالى.
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره (١٠/ ٧٤) (١١٥٢٦) ورواه الطبرانى فى الكبير (٨/ ٣٤٧) (٨١٠٩) عن علي بن مسهر وفى (٨/ ٣٤٨ - ٣٤٩) (٨١١٦) من طريق عبد الواحد بن زياد، كلاهما قال: ثنا ليث فذكره ورواه الطبرانى فى الكبير أيضًا (٨١١٠ - ٨١١٢، ٨١١٤، ٨١١٥) من طرق عن ليث ابن أبى سليم نحوه. قال الهيثمى في "مجمع الزوائد" (١/ ٢٤٥): رواه الطبرانى فى الكبير من طرق ففى بعضها عن أبى أمامة وأخيه، وفى بعضها عن أبى أمامة فقط، وفى بعضها عن أخيه فقط … ومدار طرقه كلها على ليث بن أبى سليم وقد اختلط". [¬١]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في خ: "أبو مسلم".
[ ٥ / ١١٣ ]
وضوءك" (^٢٣٠).
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٢٣١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني [¬١]، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثنا جرير بن حازم، أنه سمع قتادة بن دعامة قال: حدثنا أنس بن مالك، أن رجلًا جاء إِلى النبي ﷺ قد توضأ، وترك على قدمه مثل موضع الظفر، فقال له رسول الله ﷺ: "ارجع فأحسن وضوءك".
وهكذا رواه أبو داود عن هارون بن معروف، وابن ماجة عن حرملة ويحيى كلاهما عن ابن وهب به.
وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات، لكن قال أبو داود: ليس هذا الحديث بمعروف، لم يروه إلا ابن وهب.
وحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا يونس وحميد، عن الحسن أن رسول الله ﷺ … بمعنى حديث قتادة.
وقال الإِمام أحمد (^٢٣٢): حدثنا إِبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بقية، حدثني بَحِير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن بعض أزواج النبي ﷺ، [أن رسول الله ﷺ] [¬٢] رأى رجلًا يصلي، وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره رسول الله
_________________
(١) - رواه مسلم في صحيحه فى الطهارة، باب: وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، الحديث (٢٤٣)، وابن ماجة في كتاب الطهارة وسننها، باب من توضأ فترك موضعًا لم يصبه الماء، الحديث (٦٦٦)، وأحمد (١/ ٢١، ٢٣) من طريق أبى الزبير به.
(٢) - رواه فى "السنن الكبرى" (١٠/ ٧٠)، ورواه أبو داود، فى الطهارة، باب: تفريق الوضوء، الحديث (١٧٣) ومن طريقه البيهقى (١/ ٨٣) ورواه أبو يعلى (٥/ ٣٢٢) (٢٩٤٤) وعبد الله بن أحمد فى زوائد المسند (٣/ ١٤٦) قالوا حدثنا هارون بن معروف به. ورواه أحمد (٣/ ١٤٦)، وابن ماجه فى الطهارة، باب: من توضأ فترك موضعًا لم يصبه الماء، الحديث (٦٦٥)، وابن خزيمة (١/ ٨٤ - ٨٥) (١٦٤)، والدارقطنى (١/ ١٠٨) من طرق عن عبد الله بن وهب به. وقال الألبانى - حفظه الله - فى الإرواء (١/ ١٢٧) سنده صحيح. قلت: أعله أبو داود فقال: وهذا الحديث ليس بمعروف عن جرير بن حازم. ولم يروه إلا ابن وهب وقد روى عن معقل بن عبيد الله الجزرى عن أبى الزبير عن جابر عن عمر عن النبى ص نحوه وقال: "ارجع فأحسن الوضوء" ثم رواه عن الحسن مرسلًا. قلت: أمَّا تفرد جرير به فلا يضر فإنه ثقة، وكذا قال الدارقطنى فى سننه، وأمَّا الطريق المرسلة فإنها لا تضر حديث قتادة عن أنس الموصول بل تقويها.
(٣) - المسند (٣/ ٤٢٤) والذى فيه: عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبى وكذا هو فى سنن = [¬١]- فى ز: "الصنعاني". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١١٤ ]
ﷺ أن يعيد الوضوء.
ورواه أبو داود من حديث بقية، وزاد: والصلاة، وهذا إِسناد جيد قوي صحيح، والله أعلم.
وفي حديث حُمران [¬١]، عن عثمان فى صفة وضوء النبي ﷺ، أنه خلل بين أصابعه (^٢٣٣). وروى أهل السنن من حديث إِسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، قال: قلت يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء فقال: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق، إِلا أن تكون صائمًا" (^٢٣٤).
_________________
(١) = أبى داود والبيهقى لكن قال ابن حجر فى التلخيص (١/ ١٠٦): فى المسند والمستدرك تصريح بقية بالتحديث، وفيه عن بعض أزواج النبى ﷺ ولم أقف عليه فى المسند المطبوع ولا فى أطراف المسند لابن حجر نفسه. وقد ذكر الحديث رقم (١١٠١٧) عن خالد عن بعض الصحابة، فلعله يكون فى بعض النسخ دون بعض والله أعلم، ورواه أبو داود فى الطهارة، باب: تفريق الوضوء، الحديث (١٧٥) ومن طريقه البيهقى فى سننه (١/ ٨٣) قال: حدثنا حيوة بن شريح حدثنا بقية عن بحير ابن سعد فذكره. وليس فيه إلَّا ما يخشى من تدليس بقية بن الوليد وهو وإن صرح بالتحديث فى روايته عن شيخه إلَّا أنه كان يسوي الأسانيد كما هو معروف عنه فيلزمه أن يصرح بالتحديث فى كل طبقات الإسناد وهو لم يفعل. والحديث أعله أيضًا البيهقى بالإرسال وتعقبه ابن التركمانى فى "الجوهر النقى" بقوله: "تسميته هذا مرسلًا ليس بجيد؛ لأن خالدًا هذا أدرك جماعة من الصحابة وهم عدول، فلا يضرهم الجهالة" وقال الأثرم: قلت - يعنى لابن حنبل -: إذا قال رجل من التابعين: حدثنى رجل من أصحاب النبى ﷺ، ولم يسمه فالحديث صحيح؟ قال: نعم". وانظر "نصب الراية" (١/ ٣٥)، وتلخيص الحبير (١/ ١٠٦) والإرواء (١/ ١٢٦، ١٢٧).
(٢) - أخرجه البخارى فى الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا، الحديث (١٥٩) وفى باب المضمضة فى الوضوء، الحديث (١٦٤)، وفى الصيام، باب: سواك الرطب واليابس، الحديث (١٩٣٤)، ومسلم فى صحيحه كتاب الطهارة، باب: صفة الوضوء وكماله الحديث (٢٢٦) من طريق ابن شهاب الزهرى عن عطاء بن يزيد الليثى عن حمران به. وقد تقدم حديث عثمان رقم (١٨٩، ٢٠٦).
(٣) - أخرجه أبو داود فى الطهارة، باب فى الاستنثار، الحديث (١٤٢ - ١٤٤)، وفى الصوم، باب: الصائم يصب عليه الماء من العطش، الحديث (٢٣٦٦) والترمذى فى الصوم، باب: ما جاء فى كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم، الحديث (٧٨٨)، والنسائى فى الطهارة، باب: المبالغة فى الاستنشاق (١/ ٦٦)، وفى باب: الأمر بتخليل الأصابع (١/ ٧٩)، وابن ماجة فى الطهارة، باب المبالغة فى الاستنشاق، الحديث (٤٠٧)، وفى باب: تخليل الأصابع، الحديث (٤٤٨)، وأحمد (٤/ ٣٢، ٣٣) وابن خزيمة (١٥٠)، (١٦٨)، وابن حبان (١٠٥٤)، (١٠٨٧)، والحاكم (١/ ١٤٧، ١٤٨)، والبيهقى (١/ ٥١، ٥٢) (٤/ ٢١١، ٢٦١) من طرق عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط عن أبيه. والألفاظ مطولة ومختصره. [¬١]- في ز، خ: "عمران".
[ ٥ / ١١٥ ]
وقال الإِمام أحمد (^٢٣٥): حدثنا عبد الله بن يزيد أبو عبد الرحمن المقري، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله الدمشقي، قال: قال أبو أمامة: حدثنا عمرو بن عبسة، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء؟ قال: "ما منكم من أحد يقرب وضوءه، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، إِلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين يستنثر [¬١]، ثم يغسل وجهه كما أمره الله، إِلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إِلى المرفقين، إِلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه، إِلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إِلى الكعبين كما أمره الله، إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله، ويثني عليه [¬٢] بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إِلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال أبو أمامة: يا عمرو، انظر ما تقول، سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ أيعطي هذا الرجل كله في مقامه؟ فقال عمرو بن عبسة: يا أبا أمامة لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله وعلى رسول الله ﷺ، لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إِلا مرة أو مرتين أو ثلاثًا! لقد سمعته سبع مرات أو أكثر من ذلك.
وهذا إسناد صحيح، وهو في صحيح مسلم من وجه آخر، وفيه: "ثم يغسل قدميه كما أمره الله". فدل على أن القرآن يأمر بالغسل.
وهكذا روى أبو إِسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: اغسلوا القدمين إلى الكعبين كما أمرتم (^٢٣٦).
_________________
(١) - رواه فى مسنده (٤/ ١١٢)، ورواه أيضًا فى (٤/ ١١١) قال: حدثنا غندر قال: حدثنا عكرمة بن عمار فذكره، ورواه أيضًا (٤/ ١١١) من طريق أبى سلام الدمشقى وعمرو بن عبد الله عن أبى أمامة، والحديث عند مسلم فى صحيحه كتاب صلاة المسافرين، باب: إسلام عمرو بن عبسة، الحديث (٨٣٢) قال: حدثنى أحمد بن جعفر المعقرى قال حدثنا النضر بن محمد قال: حدثنا عكرمة بن عمار فذكره مطولًا جدًّا.
(٢) - رواه البيهقى فى سننه (١/ ٧١) من طريق عمار بن رزيق عن أبى إسحاق به، وعمار بن رزيق - بتقديم الراء المهملة - وهو الضبى أبو الأحوص، وثقه أحمد وغيره، وقال الحافظ فى "التقريب": لا بأس به، لكن أبو إسحاق السبيعى وإن كان ثقة إلَّا أنه يدلس، والحارث هو ابن عبد الله الأعور صاحب على ﵁ قال الحافظ فى التقريب: "كذبه الشعبى فى رأيه ورمى بالرفض وفى حديثه ضعف وليس له عند النسائى سوى حديثين". والأثر: رواه ابن أبى شيبة فى مصنفه (١/ ٣١) وابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ٥٦) (١١٤٦٧) من طريق وكيع عن سفيان عن أبى إسحاق عن الحارث = [¬١]- فى ز: "ينتثر". [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١١٦ ]
ومن هاهنا يتضح لك المراد من [¬١] حديث عبد خير، عن علي أن رسول الله ﷺ رش على قدميه الماء، وهما في النعلين فدلكهما، إِنما أراد غسلًا خفيفًا وهما في النعلين، ولا مانع من إِيجاد الغسل والرجل في نعلها، ولكنْ في هذا رد على المتعمقين والمتنطعين من الموسوسين.
وهكذا الحديث الذي أورده ابن جرير على نفسه، وهو من روايته، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم، فبال عليها [¬٢] قائمًا، ثم دعا بماء، فتوضأ ومسح على نعليه (^٢٣٧). وهو حديث صحيح.
وقد أجاب ابن جرير عنه بأن الثقات الحفاظ رووه عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة قال: فبال قائمًا ثم توضأ، ومسح على خفيه. قلت: ويحتمل الجمع بينهما، بأن يكون في رجليه خفان، وعليهما نعلان.
_________________
(١) = عن علي قال: اغسل القدمين إلى الكعبين. ورواه ابن جرير (١٠/ ٥٤) (١١٤٥٤) من طريق محمد بن أبان عن أبى إسحاق عن الحارث عن علي قال: اغسلوا الأقدام إلى الكعبين.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٧٥) (١١٥٢٨) عن عبد الله بن الحجاج بن المنهال قال: حدثنى أبى قال: حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت الأعمش فذكره، ثم رواه فى (١٠/ ٧٨ - ٧٩) (١١٥٣١ - ١١٥٣٦) وهو عند البخارى فى الوضوء، باب: البول قائمًا وقاعدًا، الحديث (٢٢٤)، وأطرافه فى (٢٢٥، ٢٢٦)، (٢٤٧١)، ومسلم فى الطهارة، باب: المسح على الخفين (٢٧٣) وغيرهم من طرق عن الأعمش، وتابع الأعمش عليه منصور ولم يقل أحد ممن رواه "ومسح على نعليه" غير جرير بن حازم، وقال ابن جرير (١٠/ ٨٠): وكل هؤلاء يحدث ذلك عن الأعمش بالإسناد الذى ذكرنا عن حذيفة: "أن النبى ﷺ مسح على خفيه"، وهم أصحاب الأعمش، ولم ينقل هذا الحديث عن الأعمش غير جرير بن حازم، ولو لم يخالفه فى ذلك مخالف، لوجب التثبت فيه لشذوذه، فكيف والثقات من أصحاب الأعمش يخالفونه فى روايته ما روى من ذلك، ولو صح ذلك عن النبى ﷺ كان جائزًا أن يكون مسح على نعليه وهما ملبوستان فوق الجوريين، وإذا جاز ذلك لم يكن لأحد صرف الخبر إلى أحد المعانى المحتملها الخبر إلَّا بحجة يجب التسليم لها. والحديث رواه ابن ماجه فى الطهارة، باب: ما جاء فى البول قائمًا، الحديث (٣٠٦) من طريق شعبة عن عاصم عن أبى وائل عن المغيرة بن شعبة "أن رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال قائمًا" قال شعبة: قال عاصم يومئذٍ: وهذا الأعمش يرويه عن أبى وائل عن حذيفة وما حفظه فسألت عنه منصورًا فحدثنيه عن أبي وائل عن حذيفة ..، فذكره وقال الترمذى فى سننه عقب حديث حذيفة الذى خرجه برقم (١٣): وروى حماد بن أبى سليمان وعاصم بن بهدلة عن أبى وائل عن المغيرة بن شعبة عن النبى ﷺ: وحديث أبى وائل عن حذيفة أصح. قال الحافظ فى "فتح البارى" (١/ ٣٢٩) عقب قول الترمذى هذا: وهو كما قال، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حماد = [¬١]- في ز: "في". [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١١٧ ]
وهكذا الحديث الذي رواه الإِمام أحمد بن حنبل (^٢٣٨): حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثني يعلى، عن أبيه، عن أوس بن أَبي أوس، قال رأيت رسول الله ﷺ توضأ [¬١]، ومسح على نعليه، ثم قام إِلى الصلاة.
وقد رواه أبو داود، عن مسدد وعباد بن موسى كلاهما عن هشيم؛ عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت رسول الله ﷺ أتى سباطة قوم فبال، وتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.
وقد رواه ابن جرير من طريق شعبة ومن طريق هشيم، ثم قال: وهذا محمول على أنه توضأ كذلك، وهو غير محدث إِذ كان غير جائز أن تكون فرائض الله وسنن رسوله متنافية متعارضة، وقد صح عنه ﷺ الأمر بعموم غسل القدمين في الوضوء بالماء، بالنقل [¬٢] المستفيض، القاطع عذر من انتهى إِليه وبلغه.
_________________
(١) = ابن أبى سليمان وافق عاصمًا على قوله عن المغيرة، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معًا، لكن من حيث الترجيح رواية الأعمش ومنصور لاتفاقهما أصح من رواية عاصم وحماد لكونهما فى حفظهما مقال. اهـ.
(٢) - رواه فى مسنده (٤/ ٨) ورواه الطبرانى فى الكبير (١/ ٢٢٢) (٦٠٨) فقال: حدثنا معاذ بن المثنى ثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة فذكره، وابن جرير فى تفسيره (١٠/ ٧٤) (١١٥٢٧) عن محمد ابن المثنى حدثنا يحيى بن سعيد به. ورواه الطبراني رقم (٦٠٧) من طريق زيد بن الحريش حدّثني يحيى ابن سعيد، به. ولم يقل "وقام إلى الصلاة" ورواه أبو داود فى سننه كتاب الطهارة، الحديث (١٦٠) ومن طريقه البيهقى فى السنن (١/ ٢٨٦) قال: حدثنا مسدد وعباد بن موسى، قالا: ثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه قال عباد: قال أخبرنى أوس بن أبى أوس الثقفى أن رسول الله ص توضأ ومسح على نعليه وقدميه، وقال عبَّاد: رأيت رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم - يعنى الميضأة - ولم يذكر مسدد الميضأة والكظامة، ثم اتفقا "فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه". والحديث نقله الحافظ ابن كثير هنا وعزاه إلى أبى داود بلفظ: "أتى سباطة قوم فبال" وليس هو كذلك عند أبى داود كما مر بل الذى فى السنن: "أتى كظامة قوم" وفسر الكظامة بأنها "الميضأة" أمَّا السباطة فهى: الكناسة أو هى الموضع الذى يرمى فيه التراب والأوساخ وما يكنس من المنازل انظر النهاية (٢/ ٣٣٥)، وليس فيه: "فبال" والحديث رواه أحمد (٤/ ٨) مختصرًا فقال: "أتى كظامة قوم فتوضأ" ورواه الطبرانى فى الكبير (١/ ٢٢١) (٦٠٣) فقال: "أتى كظامة - يعنى مطهرة - فتوضأ ومسح على قدميه" كلاهما من طريق هشيم عن يعلى ورواه ابن جرير فى تفسيره (١١٥٢٩) من طريق هشيم أيضًا بلفظ: "أتى سباطة قوم، فتوضأ ومسح على قدميه" ورواه أحمد (٤/ ٩)، والطبرانى (٦٠٥)، والطحاوى فى شرح المعانى (١/ ٩٦)، والبيهقى (١/ ٢٨٦ - ٢٨٧) من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبى أوس قال: رأيت أبى يومًا توضأ فمسح على النعلين فقلت له: أتمسح عليهما؟! فقال: هكذا رأيت = [¬١]- في ز: "يتوضأ". [¬٢]- في ز، خ: "بالفعل".
[ ٥ / ١١٨ ]
ولما كان القرآن آمرًا بغسل الرجلين، كما في قراءة النصب، وكما هو [¬١] الواجب في حمل قراءة الخفض عليها [¬٢]- توهم بعض السلف أن هذه الآية ناسخة لرخصة المسح على الخفين، وقد روي ذلك عن علي بن أبي طالب، ولكن لم يصح إِسناده، ثم الثابت عنه خلافه، وليس كما زعموه، فإنه قد ثبت أن النبي ﷺ مسح على [¬٣] الخفين بعد نزول هذه الآية الكريمة.
وقال الإِمام أحمد (^٢٣٩): حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا زياد بن عبد الله بن علاثة، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن مجاهد، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: أنا أسلمت بعد نزول المائدة، وأنا رأيت رسول الله ﷺ يمسح بعدما أسلمت. تفرد به أحمد.
وفي الصحيحين (^٢٤٠) من حديث الأعمش، عن إِبراهيم، عن همام قال: بال جرير، ثم توضأ ومسح على خفيه، فقيل: تفعل هذا؟ فقال: نعم، رأيت رسول الله ﷺ بال ثم توضأ، ومسح على خفيه. قال الأعمش: قال إِبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث، لأن إِسلام جرير كان بعد نزول المائدة. لفظ مسلم.
وقد ثبت بالتواتر عن رسول الله ﷺ مشروعيةُ المسح على الخفين، قولًا منه وفعلًا، كما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير، مع [¬٤] ما يحتاج إِلى ذكره هناك من تأقيت المسح، أو عدمه، أو التفصيل فيه، كما هو مبسوط في موضعه، وقد خالفت الروافض [ذلك كله] [¬٥] بلا مستند، بل بجهل وضلال. مع أنه ثابت في صحيح مسلم (^٢٤١) من رواية أمير المؤمنين على بن أبي طالب
_________________
(١) = رسول الله ﷺ يفعل. ورواه أحمد (٤/ ٩، ١٠)، والطبراني (٦٠٦)، والطحاوى (١/ ٩٧)، من طريق شريك عن يعلى بن عطاء عن أوس عن أبيه أن النبي ﷺ توضأ ومسح على نعليه. وهذا لفظ أحمد والحديث صححه العلامة الألباني في صحيح أبى داود (١٤٥).
(٢) - رواه في مسنده (٤/ ٣٦٣) والحديث في الصحيحين من طريق همام عن جرير، انظر الحديث التالى.
(٣) - رواه البخاري في صحيحه في الصلاة، باب: الصلاة في الخفاف، الحديث (٣٨٧)، ومسلم في الطهارة، باب: المسح على الخفين، الحديث (٢٧٢)، وفي رواية البخاري: قال إبراهيم: فكان يعجبهم لأن جريرًا كان من آخر من أسلم.
(٤) - رواه مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، باب: التوقيت في المسح على الخفين، الحديث (٢٧٦) عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك = [¬١]- في ز: "في". [¬٢]- في ت: "عليه". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز، خ: "و". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: "في ذلك".
[ ٥ / ١١٩ ]
﵁ كما ثبت في الصحيحين (^٢٤٢) عنه عن النبي ﷺ النهْيُ عن نكاح المتعة، وهم يستبيحونها، وكذلك هذه الآية الكريمة دالة على وجوب غسل الرجلين، مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول الله ﷺ على وفق ما دلت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كله، وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر، ولله الحمد.
وهكذا خالفوا الأئمة والسلف في الكعبين اللذين في القدمين، فعندهم أنهما في ظهر القدم، فعندهم في كل رجل كعبٌ، وعند الجمهور أن الكعبين هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم. قال الربيع: قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا في أن الكعبين اللذين ذكرهما الله في [¬١] [كتابه في الوضوء هما الناتئان، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، هذا لفظه، فعند الأئمة ﵏] [¬٢] في [¬٣] كل قدم كعبان [¬٤]، كما هو المعروف عند الناس، وكما دلت عليه السنة، ففي الصحيحين (^٢٤٣) من طريق حُمران، عن عثمان أنه توضأ؛ فغسل رجله اليمنى إلى الكعبين، واليسرى مثل ذلك.
وروى البخاري تعليقًا مجزومًا به، وأبو داود وابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي القاسم الحسين بن الحارث الجدلي، عن النعمان بن بشير، قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه، فقال: "أقيموا صفوفكم - ثلاثًا - والله لتقيمن صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم". قال: فرأيت الرجل يُلْزِقُ كعبه بكعب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، ومنكبه بمنكبه. لفظ ابن خزيمة (^٢٤٤).
_________________
(١) = بابن أبى طالب فسله؛ فإنه كان يسافر مع رسول الله ﷺ. فسألناه فقال: جعل رسول الله ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويومًا وليلة للمقيم. والحديث رواه أحمد في مسنده (١/ ٩٦، ١١٣، ١٣٤، ١٤٦، ١٤٩)، والنسائى (١/ ٨٤)، والدارمى (٧٢٠) وغيرهم.
(٢) - رواه البخاري في المغازى، باب غزوة خيبر، الحديث (٤٢١٦) وفي النكاح، باب نهى رسول الله ﷺ عن نكاح المتعة أخيرًا، الحديث (٥١١٥)، وفي الصيد والذبائح، باب لحوم الحمر الإنسية، الحديث (٥٥٢٣)، وفي كتاب الحيل، باب الحيلة في النكاح، الحديث (٦٩٦١)، ومسلم في النكاح، باب: نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ … الحديث (١٤٠٧) من طريق عبد الله والحسن ابنى محمَّد بن علي عن أبيهما عن علي بن أبى طالب أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية.
(٣) - تقدم حديث عثمان رقم (٢٠٢)، وانظر أيضًا رقم (٢٠٦).
(٤) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٦)، وأبو داود في الصلاة، باب: تسوية الصفوف، الحديث (٦٦٢)، وابن خزيمة في صحيحه، الحديث (١٦٠) هن طرق عن زكريا بن أبى زائدة عن حسين بن الحارث= [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٢٠ ]
فليس يمكن أن يلزق كعبه بكعب صاحبه، إِلا والمراد به العظم الناتئ في الساق، حتى يحاذي كعب الآخر، فدل ذلك على ما ذكرناه؛ من أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم [¬١]، كما هو مذهب أهل السنة.
وقد قال ابن أبي حاتم (^٢٤٥): حدثنا أبي، حدثنا إِسماعيل بن موسى، أخبرنا شريك، عن يحيى بن الحارث [بن عبد الله] [¬٢] التيمي - يعني: الجابر - قال: نظرت في قتلى أصحاب زيد، فوجدت الكتب فوق [] [¬٣] ظهر القدم، وهذه عقوبة عوقب بها الشيعة بعد قتلهم، تنكيلًا بهم في مخالفتهم الحق، وإِصرارهم عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، كل ذلك قد تقدّم الكلام عليه في تفسير آية النساء، فلا حاجة بنا إِلى إِعادته، لئلا يطول الكلام. وقد [¬٤] ذكرنا سبب نزول آية التيمم هناك. لكن البخاري روى ها هنا حديثًا خاصًّا بهذه الآية الكريمة، فقال (^٢٤٦):
_________________
(١) = أبى القاسم الجدلى به، وعلقه البخارى في صحيحه في الأذان، باب إلزاق المنكب بالمنكب والقدم بالقدم في الصف (٢/ ٢١١) فقال: وقال النعمان بن بشير: رأيت الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه. وقال الحافظ ابن حجر: استدل بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبى الرجل - وهو عند ملتقى الساق والقدم - وهو الذي يمكن أن يلزق بالذى بجنبه، خلافًا لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم وأثبته بعضهم فى مسألة الحج لا الوضوء، وأنكر الأصمعى قول من زعم أن الكعب في ظهر القدم" ا. هـ. والحديث رواه البخارى فى صحيحه كتاب الأذان، باب: تسوية الصفوف عند الإقامة وبعدها، الحديث (٧١٧)، ومسلم في الصلاة، باب: تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها … الحديث (٤٣٦) من طرف سالم بن أبى الجعد قال: سمعت النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم".
(٢) - في إسناده شريك بن عبد الله القاضى وهو ضعيف، ويحيى بن عبد الله الجابر، قال الإِمام أحمد: ليس به بأس. وقال على بن المدينى: معروف، لكن ضعفه ابن معين وأبو حاتم والنسائى، وقال الجوزجانى: يحيى الجابر غير محمود. وقال الحافظ فى "التقريب": لين الحديث.
(٣) - رواه في صحيحه كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الحديث (٤٦٠٨) والحديث رواه البخاري أيضًا رقم (٣٣٤)، (٣٦٧٢) (٤٦٠٧)، (٥٢٥٠)، (٦٨٤٤)، (٦٨٤٥) وغيره من طريق عبد الرحمن بن القاسم بهذا الإسناد والروايات مطولة ومختصرة. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "الكعب". [¬٤]- في ز: "و".
[ ٥ / ١٢١ ]
حدثنا يحيى بن سليمان، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، أن عبد الرحمن بن القاسم، حدثه عن أبيه، عن عائشة قالت [¬١]: سقطت قلادة لي بالبيداء، ونحن داخلون المدينة، فأناخ رسول الله ﷺ ونزل فثنى رأسه في حجري راقدًا، فأقبل [¬٢] أبو بكر فلكزني لكزة شديدة، وقال: حبست الناس في قلادة؟ فَبيَ الموت لمكان رسول الله ﷺ مني، وقد أوجعني، ثم إِن النبي ﷺ استيقظ، وحضرت الصبح، فالتمس الماء فلم يوجد، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [إِلى آخر] [¬٣] الآية، فقال أسيد بن الحضير: لَقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر، ما أنتم إِلا بركة لهم.
وقوله تعالى ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي: فلهذا سهل عليكم ويسر ولم يعسر، بل أباح التيمم عند المرض، وعند فقد الماء، توسعةً عليكم ورحمة بكم، وجعله في حق من شرع له يقوم مقام الماء، إلا من بعض الوجوه كما تقدم بيانه، وكما هو مقرر في كتاب الأحكام الكبير.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ [¬٤] لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [أي: لعلكم تشكرون] [¬٥] نعمه عليكم، فيما شرعه لكم من التوسعة والرأفة؛ والرحمة والتسهيل والسماحة، وقد وردت السنة بالحث على الدعاء عقب الوضوء؛ بأن يجعل فاعله من المتطهرين الداخلين في امتثال هذه الآية الكريمة، كما رواه الإِمام أحمد ومسلم، وأهل السنن عن عقبة بن عامر (^٢٤٧)، قال: كانت علينا رعاية الإِبل، فجاءت نوبتي، فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله ﷺ قائمًا يحدّث الناس، فأدركت من قوله: "ما من مسلم يتوضأ،
_________________
(١) - رواه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء، الحديث (٢٣٤)، ورواه أحمد (٤/ ١٤٥، ١٥٣)، وأبو داود في الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا توضأ، الحديث (١٦٩)، وابن خزيمة (٢٢٢) من طرق عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانى، فذكره. ورواه الترمذى في أبواب الطهارة، باب فيما يقال بعد الوضوء، الحديث (٥٥) من طريق زيد بن الحباب عن معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبى إدريس الخولانى وأبى عثمان عن عمر بن الخطاب به: "وليس فيه حديث عقبة" وزاد فيه " … اللهم اجعلنى من التوابين واجعلنى من المتطهرين … " وقال الترمذى: قد خولف زيد بن الحباب في هذا الحديث. وروى عبد الله بن صالح وغيره عن معاوية بن صالح عن ربيعة عن أبى عثمان عن جبير بن نفير عن عمر، وهذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء.= [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "أقبل". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "هذه". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٢٢ ]
فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلًا عليهما بقلبه ووجهه - إِلا وجبت له الجنة". قال: قلت: ما أجود هذه! فإِذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود منها، فنظرت فهذا عمر ﵁، فقال: إِني قد رأيتك جئتَ آنفًا، قال: "ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء يقول: أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ إِلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء" لفظ مسلم.
وقال مالك (^٢٤٨): عن سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا توضأ [¬١] العبد المسلم أو المؤمن؛ فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إِليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر [¬٢] الماء، فإِذا غسل يديه؛ خرج من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه؛ خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقيًّا من الذنوب".
رواه مسلم، عن أبي الطاهر، عن ابن وهب، عن مالك به.
وقال ابن جرير (^٢٤٩): حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن سفيان عن [¬٣]
_________________
(١) = قال محمَّد: وأبو إدريس لم يسمع من عمر شيئًا. ورواه النسائى فى الطهارة، باب: القول بعد الفراغ من الوضوء (١/ ٩٢)، وفى الكبرى (١/ ٩٤) (١٤١) من طريق زيد بن الحباب قال حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانى وأبى عثمان عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب فذكر حديث عمر فقط ورواه ابن خزيمة (٢٢٣) من طريق أسد بن موسى قال: حدثنا معاوية بن صالح قال: حدثني ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانى عن عقبة بن عامر عن عمر بن الخطاب له ورواه مسلم (٢٣٤) من طريق زيد بن الحباب حدثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانى وأبى عثمان عن جبير بن نفير بن مالك الحضرمى عن عقبة بن عامر فذكره ولم يذكر حديث عمر وقد دفع علة الاضطراب التى ذكرها الترمذى، الألباني فقال فى الإرواء (١/ ١٣٥) "أعله الترمذى بالاضطراب، وليس بشئ فإنه اضطراب مرجوح كما تبينته في "صحيح سنن أبى داود" (رقم ١٦٢) ". وانظر كلام العلامة أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذى.
(٢) - رواه في الموطأ كتاب الطهارة، باب جامع الوضوء، الحديث (٣١) ومن طريقه أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الطهارة باب: خروج الخطايا مع ماء الوضوء، الحديث (٢٤٤)، والترمذي في أبواب الطهارة، باب ما جاء في فضل الطهور، الحديث (٢)، والدارمى (٧٢٤)، وأحمد (٢/ ٣٠٣)، وابن خزيمة (٤) وقال الترمذى: حديث حسن صحيح.
(٣) - رواه في تفسيره (١٠/ ٨٧) (١١٥٤٦)، ورواه أحمد في مسنده (٤/ ٢٣٥) ثنا محمَّد = [¬١]- في ز: "توا". [¬٢]- في ز: "قطرة". [¬٣]- في ز: "بن".
[ ٥ / ١٢٣ ]
منصور، عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من رجل يتوضأ، فيغسل يديه أو ذراعيه؛ إلا خرجت خطاياه منهما، فإذا غسل وجهه، خرجت خطاياه من وجهه، فإذا مسح رأسه؛ خرجت خطاياه من رأسه، فإذا غسل رجليه؛ خرجت خطاياه من رجليه".
هذا لفظ، وقد رواه الإمام أحمد، عن محمَّد بن جعفر، عن شعبة، عن منصور، عن سالم، عن مرة بن كعب، أو كعب بن مرة السلمي، عن النبي ﷺ قال: "وإذا توضأ العبد فغسل يديه خرجت خطاياه من بين يديه، وِإذا غسل وجهه، خرجت خطاياه من وجهه، وإِذا غسل ذراعيه، خرجت خطاياه [من ذراعيه، وإذا غسل رجليه، خرجت خطاياه] [¬١] من رجليه". قال شعبة: ولم يذكر مسح الرأس. وهذا إِسناد صحيح.
وروى ابن جرير من طريق شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قام إلى الصلاة؛ خرجت ذنوبه من سمعه وبصره ويديه ورجليه" (^٢٥٠).
_________________
(١) = ابن جعفر ثنا شعبة عن منصور، عن سالم بن أبى الجعد، عن مرة بن كعب، أو كعب بن مرة السلمى به مطولًا قال شعبة: قد حدثنى به منصور، وذكر ثلاثة بينه وبين مرة بن كعب ثم قال بعد: عن منصور، عن سالم، عن مرة أو عن كعب به، ورواه أيضًا في المسند (٤/ ٣٢١) قال حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبى الجعد عن رجل عن كعب بن مرة البهزى فذكره دون شك قال أبو داود: سالم لم يسمع من شراحبيل، مات شراحبيل بصفين. قلت: وهذا يؤيد ما ذكره شعبة من أن بين منصور وكعب ثلاثة. فالحديث منقطع. وقد رواه أبو داود (٣٩٦٧)، وأحمد (٤/ ٢٣٥) وابن أبى شيبة في مسنده (٦٠٨) وابن أبى عاصم فى "الآحاد والمثانى" (١٤٠٨)، والطبرانى فى الكبير (٢٠ / رقم ٧٥٥) من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبى الجعد عن شراحبيل بن السمط، والحديث صححه الحافظ ابن كثير هنا، وصححه أيضًا الألباني فى صحيح أبى داود (٣٣٥٧).
(٢) - رواه الطبرى في تفسيره (١٠/ ٨٦) (١١٥٤٥) قال: حدثنا أبو كريب، ومحمد بن المثنى، ويحيى بن داود الواسطى قالوا: حدثنا إبراهيم بن يزيد بن مردانبه القرشى قال، أخبرنا رقبة بن مصقلة العبدى، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، فذكره والحديث رواه أحمد (٥/ ٢٥٢، ٢٥٦)، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (٨٠٧)، والطبرانى فى الكبير (٨/ ١٤٥) (٧٥٦٠، ٧٥٦٢ - ٧٥٦٧)، وفى الأوسط (٤٤٣٩) من طرق عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب به وشمر بن عطية وثقه يحيى بن معين والنسائى وابن سعد والعجلى وابن حبان وغيرهم ولم أجد فيه طعنًا وهو من رجال التهذيب. وشهر بن حوشب ضعيف لكن يعتبر بحديثه. وقد رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٦٣) من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب حدثنى أبو أمامة أن رسول الله ﷺ = [¬١]- ما بين المعكوفتين مكانها بياض في ز.
[ ٥ / ١٢٤ ]
وروى مسلم في صحيحه (^٢٥١) من حديث يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: "الطهور شطر الإيمان" والحمد لله تملأ [¬١] الميزان، [وسبحان الله والحمد لله تملآن ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصبر ضياء، والصدقة برهان] [¬٢]، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه؛ فمعتقها أو موبقها".
وفي صحيح مسلم (^٢٥٢) من رواية سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا صلاة بغير طهور".
وقال أبو داود الطيالسي (^٢٥٣): حدثنا شعبة، عن قتادة، سمعت أبا المليح الهذلي يحدث
_________________
(١) = قال: "أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة، ثم غسل كفيه نزلت خطيئته من كفيه مع أول قطرة، فإذا مضمض، واستنشق واستنثر نزلت خطيئته من لسانه وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئته من سمعه وبصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ذنب هو له، ومن كل خطيئة كهيئته يوم ولدته أمه قال: فإذا قام إلى الصلاة رفع الله بها درجته، وإن قعد قعد سالمًا" وعبد الحميد بن بهرام وثقه أحمد بن حنبل وابن معين وغيرهما وقال على بن المدينى عن يحيى بن سعيد: من أراد حديث شهر فعليه بعبد الحميد بن بهرام. وقال ابن أبى حاتم: سألت أبى عن عبد الحميد فقال: هو في شهر بن حوشب مثل الليث في سعيد المقبرى قلت: ما تقول فيه؟ فقال: ليس به بأس، أحاديثه عن شهر صحاح لا أعلم روى عن شهر أحاديث أحسن منها ولا أكثر منها، أملى عليه في سواد الكوفة قلت: يحتج به قال: لا ولا بحديث شهر بن حوشب ولكن يكتب حديثه. انظر "الجرح والتعديل (٩/ ٦)، ورواه أحمد أيضًا (٥/ ٢٦٤) من طرق عن عاصم بن أبى النجود عن شهر بن حوشب وللحديث شواهد يرتقى بها إلى الحسن قال المنذرى في "الترغيب والترهيب" (١/ ٢١٥): رواه أحمد وغيره من طريق عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب وقد حسنها الترمذى لغير هذا المتن، وهو إسناد حسن في المتابعات لا بأس به. ثم ذكر الحديث من طرق أخرى ثم حسن إسناده.
(٢) - رواه مسلم فى صحيحه كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء، الحديث (٢٢٣) حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حبان بن هلال حدثنا أبان حدثنا يحيى فذكره.
(٣) - رواه فى صحيحه في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، الحديث (٢٢٤) من طرق عن سماك بن حرب به.
(٤) - رواه في مسنده (ص ١٨٧) رقم (١٣١٩) ومن طريقه البيهقى فى السنن (١/ ٤٢)، ورواه أحمد (٥/ ٧٤)، وأبو داود كتاب الطهارة باب فرض الوضوء، الحديث (٥٩)، والنسائى (٥/ ٥٦ - ٥٧) في الزكاة، باب الصدقة من غلول، وابن ماجه فى الطهارة، باب: لا يقبل الله صلاة بغير= [¬١]- في ت: "تملآن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٢٥ ]
عن أبيه، قال: كنت مع رسول الله ﷺ في بيت، فسمعته يقول: "إِن الله لا يقبل صلاة من غير طهور، ولا صدقة من غلول". وكذا رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث شعبة.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾
يقول تعالى مذكرًا عباده المؤمنين نعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم، وإِرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليهم من العهد والميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه، وإبلاغه عنه، وقبول منه، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾. وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون رسول الله ﷺ عليها عند إِسلامهم، كما قالوا: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله (^٢٥٤)، وقال الله تعالى:
_________________
(١) = طهور، الحديث (٢٧١)، وابن حبان (٤/ ٦٠٥) (١٧٠٥)، والدارمى (٦٩٢)، وأبو عوانة (١/ ٢٣٥)، والطبرانى (٥٠٥)، والبيهقى (١/ ٢٣٠) من طرق عن شعبة به. ورواه أحمد (٥/ ٧٥) من طريق سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة به. ورواه النسائى (١/ ٨٧ - ٨٨) فى الطهارة، باب فرض الوضوء، والطبرانى (٥٠٦) من طريق أبى عوانة عن قتادة به والحديث صحيح رجال إسناده ثقات رجال الشيخين. وللحديث شاهد من حديث ابن عمر رواه مسلم وغيره.
(٢) - رواه البخارى فى صحيحه فى الفتن، باب قول النبي ﷺ: "سترون بعدى أمورًا تنكرونها"، الحديث (٧٠٥٦، ٧٠٥٧)، ومسلم في الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية وتحريمها فى المعصية، الحديث (٤٢/ ١٧٠٩) من طريق جنادة بن أبى أمية قال دخلنا على عبادة بن الصامت=
[ ٥ / ١٢٦ ]
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقيل: هذا تذكار لليهود بما أخذ عليهم من المواثيق والعهود في متابعة محمَّد ﷺ، والانقياد لشرعه.
رواه على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٢٥٥). وقيل: هو تذكار بما أخذ تعالى من العهد على ذرية آدم، حين استخرجهم من صلبه، وأشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ قاله مجاهد ومقاتل بن حيان. والقول الأوّل أظهر، وهو المحكي عن ابن عباس والسدي، واختاره [¬١] ابن جرير.
ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تأكيد وتحريض على مواظبة التقوى في كل حال.
ثم أعلمهم أنه يعلم ما يتخالج في الضمائر والسرائر من الأسرار والخواطر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ﴾ أي: كونوا قوّامين [¬٢] بالحق لله ﷿ لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا ﴿شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: بالعدل لا بالجور. وقد ثبت في الصحيحين عن النعمان بن بشير (^٢٥٦) أنه قال: نحلني أبي نحلًا، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليه [¬٣] رسول الله ﷺ، فجاءه [¬٤] ليشهده على صدقتي، فقال: "أكل ولدك نحلت مثله؟ " قال: لا. قال: "اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم" وقال: "إِني لا أشهد على جور". قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
_________________
(١) = وهو مريض فقلنا: حدثنا أصلحك الله بحديث ينفع الله به، سمعته من رسول الله ﷺ فقال: دعانا رسول الله ﷺ فبايعناه فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألَّا ننازع الأمر أهله، قال: "إلاَّ ان تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان".
(٢) - رواه الطبرانى في الكبير (١٢/ ٢٥٦) وابن جرير في تفسيره (١٠/ ٩٢) (١١٥٥٢) من طريق على ابن أبى طلحة عن ابن عباس وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد. وانظر أيضًا "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٩).
(٣) - رواه البخاري في كتاب الهبة، باب: الإشهاد في الهبة، الحديث (٢٥٨٧)، وفي الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، الحديث (٢٦٥٠)، ومسلم في صحيحه كتاب الهبات، الحديث (١٦٢٣) من طرق عن الشعبى عن النعمان بن بشير به. [¬١]- في ز، خ: "واختيار". [¬٢]- في ز: "قائمين". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "فجاء".
[ ٥ / ١٢٧ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم؛ بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقًا كان أو عدوًّا، ولهذا قال: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: عدلكم أقرب إِلى التقوى من تركه، ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله ﷺ (^٢٥٧).
ثم قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها؛ إِن خيرًا فخير، وإِن شرًّا فشر، ولهذا قال بعده: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، أي: لذنوبهم، ﴿وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾، وهو الجنة، التي هي من رحمته على عباده؛ لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإِن كان سبب وصول الرحمة إِليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إِلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة.
ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ وهذا من عدله تعالى وحكمته وحكمه الذي لا يجور فيه، بل هو الحكم العدل الحكيم القدير.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾.
قال عبد الرزاق (^٢٥٨): أخبرنا معمر، عن الزهري، ذكره عن أبي سلمة، عن جابر أن النبي
_________________
(١) - رواه البخارى فى صحيحه فى كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، الحديث (٣٢٩٤) وفى فضائل أصحاب النبى ﷺ، باب مناقب عمر بن الخطاب، الحديث (٣٦٨٣)، وفى كتاب الأدب، باب: التبسم والضحك، الحديث (٦٠٨٥)، ومسلم فى صحيحه كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر ﵁، الحديث (٢٣٩٦) من طريق محمَّد بن سعد بن أبى وقاص أن أباه سعدًا قال: استأذن عمر على رسول الله ﷺ وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه فذكر قصة وفيها: ثم قال عمر: أى عدوات أنفسهن أتهبننى ولا تهبهن رسول الله ﷺ؟ قلن: نعم أنت أغلظ وأفظ من رسول الله ﷺ.
(٢) - رواه فى تفسيره (١/ ١٨٥) ومن طريقه، رواه البخارى فى صحيحه فى المغازى، باب غزوة=
[ ٥ / ١٢٨ ]
ﷺ نزل منزلًا، وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها، وعلق النبي ﷺ، سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إِلى سيف رسول الله ﷺ فأخذه فسله، ثم أقبل فى النبي ﷺ فقال: من يمنعك مني؟ قال: "الله ﷿". قال الأعرابي مرتين أو ثلاثًا: من يمنعك منى؟ والنبي ﷺ يقول: "الله". قال: فشام الأعرابي السيف، فدعا النبى ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي، وهو جالس إِلى جنبه ولم يعاقبه.
وقال معمر: كان قتادة يذكر نحو هذا، ويذكر أن قومًا من العرب أرادوا أن يفتكوا برسول الله ﷺ، فأرسلوا هذا الأعرابي، وتأول ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية.
وقصة هذا الأعرابي - وهو غورث بن الحارث - ثابتة في الصحيح.
وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وذلك أن قومًا من اليهود صنعوا لرسول الله ﷺ ولأصحابه طعامًا ليقتلوهم [¬١]، فأوحى الله تعالى إِليه بشأنهم، فلم يأت الطعام، وأمر أصحابه فلم يأتوه. رواه ابن أبي حاتم (^٢٥٩).
وقال أبو مالك: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه، حين أرادوا أن يغدروا بمحمد وأصحابه في دار كعب بن الأشرف. رواه ابن أبي حاتم.
وذكر محمد بن إِسحاق بن يسار، ومجاهد وعكرمة، وغير واحد - أنها نزلت في شأن بني النضير، حين أرادوا أن يلقوا على رأس رسول الله ﷺ الرحى، لما جاءهم يستعينهم في دية العامريين، ووكلوا عمرو بن جَحَّاش بن كعب بذلك، وأمروه إِن جلس النبي ﷺ تحت الجدار، واجتمعوا عنده أن يلقى تلك الرحى من فوقه، فأطلع الله النبي ﷺ على ما تمالئوا عليه، فرجع إِلي المدينة، وتبعه أصحابه، فأنزل الله في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا
_________________
(١) = بنى المصطلق من خزاعة، حديث (٤١٣٩)، ومسلم كتاب الفضائل، باب توكله على الله تعالى، وعصمة الله تعالى له من الناس، الحديث (١٣/ ٨٤٣) وللحديث طرق أخرى عن جابر فى الصحيحين وغيرهما.
(٢) - رواه أيضًا ابن جرير الطبرى (١٠/ ١٠٥) (١١٥٦٤) من طريق عطية عن ابن عباس، والعوفى ضعيف. والأثر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧١) وعزاه إلى ابن أبى حاتم وابن جرير الطبرى. [¬١]- في خ: "ليقتلوه".
[ ٥ / ١٢٩ ]
اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. ثم أمر رسول الله ﷺ أن يغدو [¬١] إليهم فحاصرهم، حتى أنزلهم فأجلاهم.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾، يعني من توكل على الله كفاه الله ما أهمه، وحفظه من شرِّ الناس، وعصمه.
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٢) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾
لما أمر تعالى عباده المؤمنين بالوفاء بعهده، وميثاقه الذي أخذه عليهم، على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ، وأمرهم بالقيام بالحق والشهادة بالعدل، وذكرهم نعمه عليهم الظاهرة والباطنة؛ فيما هداهم له من الحق والهدى، شرع يبين لهم كيف أخذ العهود والمواثيق على كل [¬٢] من كان قبلهم؛ من أهل الكتابين اليهود والنصارى، فلما نقضوا عهوده ومواثيقه، أعقبهم ذلك لعنًا منه لهم، وطردًا عن بابه وجنابه، وحجابًا لقلوبهم عن الوصول إِلى الهدى ودين الحق؛ وهو العلم النافع والعمل الصالح، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يعنى: عرفاء على قبائلهم، بالمبايعة والسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه.
_________________
(١) [¬١]- في خ: "يهدوا". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٥ / ١٣٠ ]
وقد ذكر ابن عباس ومحمد بن إسحاق وغير واحد (^٢٦٠) - أن هذا كان لما توجه موسى ﵇ لقتال الجبابرة؛ فأمر بأن يقيم نقباء. من كل سبط نقيب. قال محمد بن إسحاق: فكان من سبط روبيل "شامون بن زكُّور [¬١] "، ومن سبط شمعون "شافاط بن حري"، ومن سبط يهوذا "كالب بن يوفنا"، ومن سبط أبين "فيخاييل بن يوسف"، ومن سبط يوسف - وهو سبط إِفرايم - "يوشع بن نون"، ومن سبط بنيامين "فلطمي بن رفون"، ومن سبط زبلون "جدي بن سودي"، ومن سبط يوسف وهو منشا بن يوسف "جدي بن سوسي"، ومن سبط دان "خملائيل بن جمل"، ومن سبط أسير "ساطور بن ملكيل [¬٢] "، ومن سبط نفثالي "نحى [¬٣] ابن وفسى"، ومن سبط جاد [¬٤] "جولايل بن ميكي [¬٥] ".
وقد رأيت في السفر الرابع من التوراة تعداد النقباء على أسباط بني إِسرائيل، وأسماء مخالفة لما ذكره ابن إِسحاق، والله أعلم. قال فيها: فعلى بني روبيل الصوني بن سادون، وعلى بني شمعون شموال بن صورشكي، وعلى بني يهوذا يحشون بن عمبياذاب [¬٦]، وعلى بني يساخر [¬٧] شال ابن صاعون، وعلى بني زبلون [¬٨] إلياب بن حالوب، وعلى بني يوسف أفرايم ومنشا بن عمنهود، وعلى بني منشا حمليائيل بن يرصون، وعلى بني بنيامين [¬٩] أبيدن ابن جدعون، وعلى بني دان جعيذر بن عميشذي، وعلى بني أسير نحايل بن عجران، وعلى بني حاز السيف بن دعواييل، وعلى بني نفتالي أجزع بن عمينان.
وهكذا لما بايع رسول الله ﷺ الأنصار ليلة العقبة؛ كان فيهم اثنا عشر نقيبًا؛ ثلاثة من الأوس وهم: أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر.
ويقال بدله أبو الهيثم بن التيهان ﵃، وتسعة من الخزرج وهم: أبو أمامة أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء
_________________
(١) - أمَّا الرواية عن ابن عباس ﵄ فأخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١١٧) (١١٥٧٦) من طريق العوفى عن ابن عباس مختصرة وليس فيها ذكر أسماء النقباء، وقد ذكرها السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٣) وزاد نسبتها إلى ابن أبى حاتم. وأمَّا الرواية عن ابن إسحاق فأخرجها ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١١٣) (١١٥٧٥) بسنده إلى ابن إسحاق مطولة وفيها ذكر أسماء النقباء الاثنى عشر. [¬١]- في خ: "ركون". [¬٢]- في خ: "بلكيك". [¬٣]- في خ: "بحر". [¬٤]- في خ: "دار". [¬٥]- في خ: "مكيد". [¬٦]- في ز: "عميناذاب". [¬٧]- في ز: "اليساخر". [¬٨]- فى ز: "زايلون"، خ: "زائلون". [¬٩]- في ز: "منيامين".
[ ٥ / ١٣١ ]
ابن معرور، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والمنذر بن [عمرو بين خُنيس] [¬١]، ﵃، وقد ذكرهم كعب بن مالك في شعر له، كما أورده ابن إِسحاق ﵀ (^٢٦١).
والمقصود أن هؤلاء كانوا عرفاء على قومهم ليلتئذ، عن أمر النبي ﷺ لهم بذلك، وهم الذين ولوا المعاقدة والمبايعة عن قومهم للنبي ﷺ على السمع والطاعة.
قال [¬٢] الإمام أحمد (^٢٦٢): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد [¬٣]، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود، وهو يقرئنا القرآن، فقال له رجل: كا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله ﷺ كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثم قال: نعم. ولقد سألنا رسول الله ﷺ فقال: "اثنا عشر كعدة نقباء بني إِسرائيل".
هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأضل هذا الحديث ثابت في الصحيحين (^٢٦٣) من [¬٤] حديث [¬٥] جابر بين سمرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلًا". ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت على، فسألت أبي: ماذا قال
_________________
(١) - انظر السيرة النبوية لابن هشام (٣/ ٤٦٦ - ٤٦٨) كاب أسماء النقباء الاثنى عشر وتمام خبر العقبة.
(٢) - رواه أحمد فى مسنده (١/ ٣٩٨)، ورواه أيضًا فى (٦/ ٤٠٦) من طريق أبي عقيل عن مجالد به. ورواه أبو يعلى (٨/ ٤٤٤) (٥٠٣١)، وفى (٩/ ٢٢٢) (٥٣٢٢، ٥٣٢٣)، والبزار (٥/ ٣٢٠) (١٩٣٧، ١٩٣٨)، والطبرانى فى الكبير (١٠/ ١٩٥) (١٠٣١٠) من طرق عن مجالد به. ومجالد ليس بالقوى وقد تغير فى آخر عمره كما قال الحافظ فى "التقريب" والحديث ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٥/ ١٩٣) وقال: "رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائى، وضعفه الحمهور، وبقية رجاله ثقات".
(٣) - رواه مسلم فى صحيحه كتاب الإمارة، باب: الناس تبع لقريش، والخلافة فى قريش، الحديث (١٨٢١/ ٦) كاللفظ المذكور من طريق سفيان عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة به. ورواه البخارى فى كتاب الأحكام، الحديث (٧٢٢٢، ٧٢٢٣) من طريق شعبة عن عبد الملك: سمعت جابر ابن سمرة قال: سمعت النبى ﷺ يقول: "يكون اثنا عشر أميرًا" فقال كلمة سم أسمعها - فقال أبى: إنه قال: "كلهم من قريش". [¬١]- في ز: "عمرو بن حنيش". [¬٢]- في ز: "وقال". [¬٣]- في ز: "المجالد". [¬٤]- في ز: "عن". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٣٢ ]
النبي ﷺ؟ قال: "كلهم من قريش". وهذا لفظ مسلم.
ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني [¬١] عشر خليفة صالحًا [¬٢]، يقيم الحق ويعدل فيهم، ولا يلزم من هذا تواليهم وتتابع أيامهم، بل قد وجد منهم أربعة على [¬٣] نسق، وهم الخلفاء الأربعة أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى ﵃ ومنهم عمر بن عبد العزيز بلا شك عند الأئمة، وبعض بني العباس، ولا تقوم الساعة حتى تكون ولايتهم لا محالة، والظاهر أن منهم المهدي المبشر به في الأحاديث الواردة بذكره، فذكر [¬٤] أنه يواطئ اسمه اسم النبي ﷺ واسم أبيه اسم أبيه، فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا، كما ملئت جورًا وظلمًا، وليس هذا بالمنتظر الذي يتوهم [¬٥] الرافضة وجوده، ثم ظهوره من سرداب سامرا؛ فإِن ذلك وليس له حقيقة ولا وجود بالكلية، بل هو من هوس العقول السخيفة، وتوهم الخيالات الضعيفة، وليس المراد بهؤلاء [¬٦] الخلفاء الاثني عشر؛ الأئمة الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض لجهلهم وقلة عقلهم. وفي التوراة البشارة بإسماعيل ﵇ وأن الله يقيم من صلبه اثني عشر عظيمًا، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا [¬٧] عشر، المذكورون في حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة. وبعض الجهلة ممن أسلم [¬٨] من اليهود، إِذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم أنهم الأئمة الاثنا عشر؛ فيتشيع كثير منهم جهلًا وسفهًا، لقلة علمهم وعلم من لقنهم ذلك - بالسنن الثابتة عن النبي ﷺ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾، أي: بحفظي وكلاءتي ونصري، ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي﴾ أي: صدّقتموهم فيما [¬٩] يجيئونكم به من الوحي، ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أى: نصرتموهم وآزرتموهم على الحق، ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وهو الإِنفاق في سبيله، وابتغاء مرضاته، ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم، أمحوها [¬١٠] وأسترها ولا أؤاخذكم بها، ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: أدفع عنكم المحذور، وأحصل لكم المقصود.
وقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ أي: فمن خالف هذا الميثاق بعد عقده وتوكيده، وشدّه، وجحده وعامله معاملة من لا [¬١١] يعرفه، فقد أخطأ الطريق
_________________
(١) [¬١]- في ز: "اثنا". [¬٢]- في ز: "صالح". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في خ: "تتوهم". [¬٦]- سقط من ت. [¬٧]- في ز: "الاثني". [¬٨]- في ز: "سلم". [¬٩]- في ز: "بما". [¬١٠]- في ز، خ: "أمحصها". [¬١١]- في ز: "لم".
[ ٥ / ١٣٣ ]
الواضح [¬١]، وعدل عن الهدى إِلى الضلال.
ثم أخبر تعالى عما حل [¬٢] بهم من العقوبة عند مخالفتهم ميثاقَهُ، ونقضهم عهده فقال: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ أي: فبسبب نقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم؛ لعناهم أي: أبعدناهم عن الحق، وطردناهم عن الهدى، ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ أي: فلا يتعظون بموعظة لغلظها [¬٣] وقساوتها. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأوّلوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل، عياذًا بالله من ذلك. ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي: وتركوا العمل به رغبة عنه.
و[¬٤] قال الحسن: تركوا عرى دينهم ووظائف الله تعالى التي لا يقبل العمل إِلا بها (^٢٦٤). وقال غيره: تركوا العمل فصاروا إِلى حالة رديئة، فلا قلوب سليمة، ولا فِطَرَ مستقيمة، ولا أعمال قويمة.
﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: مكرهم، وغدرهم، لك ولأصحابك.
وقال مجاهد وغيره: يعني بذلك: تمالؤهم الفتك برسول الله ﷺ (^٢٦٥).
﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [] [¬٥] وهذا هو عين النصر والظفر، كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك، بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني به: الصفح عمن أساء إِليك.
وقال قتادة: هذه الآية ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ منسوخة بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ
_________________
(١) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٣٠) (١١٥٨٨) من طريق مبارك بن فضالة عن الحسق. ومبارك صدوق لكنه يدلس ويسوى وقد عنعن عن الحسن هنا. والأثر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٤) ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٢) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٣١ - ١٣٢) (١١٥٩٠، ١١٥٩٢) من طرق عن مجاهد، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. [¬١]- في ز: "الحق". [¬٢]- في ز: "أحل". [¬٣]- في ز: "لغلظتها". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "عنهم".
[ ٥ / ١٣٤ ]
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٢٦٦).
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ﴾ أي: ومن الذين ادّعوا لأنفسهم أنهم نصارى، يتابعون المسيح ابن مريم ﵇ وليسوا كذلك، أخذنا عليهم [¬١] العهود والمواثيق على متابعة الرسول ﵌ ومناصرته، ومؤازرته، واقتفاء آثاره، وعلى [¬٢] الإِيمان بكل نبى يرسله الله إِلى أهل الأرض، ففعلوا كما فعل اليهود، خالفوا المواثيق، ونقضوا العهود؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: فألقينا بينهم العداوة والبغضاء [¬٣] لبعضهم بعضًا، ولا يزالون كذلك إِلى قيام الساعة، وكذلك طوائف النصارى على اختلاف أجناسهم؛ لا يزالون متباغضين متعادين، يكفر بعضهم بعضًا، ويلعن بعضهم بعضًا، فكل فرقة تحرم الأخرى، ولا تدعها تلج معبدها؛ فالملكية تكفر اليعقوبية، وكذلك الآخرون، وكذلك النسطورية والآريوسية، كل طائفة تكفر الأخرى في هذه الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
ثم قال تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وهذا تهديد ووعيد أكيد للنصارى، على ما ارتكبوه من الكذب على الله وعلى [¬٤] رسوله، وما نسبوه إِلى الرب ﷿ وتعالى وتقدّس عن قولهم علوًّا كبيرًا، من جَعْلِهم له صاحبةً وولدا، تعالى الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن نفسه الكريمة أنه قد أرسل رسوله محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق إلى جميع أهل الأرض؛ عربهم وعجمهم، أمّيهم وكتابيهم [¬٥]، وأنه بعثه بالبينات، والفرق بين
_________________
(١) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٨٥)، ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٣٤) = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- فى ز، خ: "التباغض". [¬٤]- في ت: "و". [¬٥]- في ز: "كاتبهم"، خ: "كتابهم".
[ ٥ / ١٣٥ ]
الحق والباطل، فقال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أي: يبين مما بدلوه وحرّفوه وأوّلوه، وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه، ولا فائدة فى بيانه.
وقد روى الحاكم في مستدركه (^٢٦٧) من حديث الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن، من حيث لا يحتسب، قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ فكان الرجم مما أخفوه.
ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
ثم أخبر تعالى عن القرآن العظيم، الذي أنزله على نبيه الكريم فقال: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ أي: طرق النجاة والسلامة، ومناهج الاستقامة، ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: ينجيهم من المهالك، ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب [¬١] الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾
_________________
(١) = (١١٥٩٣)، والنحاس فى "ناسخه" (ص ٣٨١) قال: أخبرنا معمر عن قتادة … فذكره.
(٢) - رواه فى مستدركه (٤/ ٣٥٩) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبى. والحسين ابن واقد وثقه يحيى بن معين، وقال أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، والنسائى، وأبو داود: لا بأس به. لكن قال ابن حبان فى "الثقات" (٦/ ٢٠٩): ربما أخطأ فى الروايات. فالإسناد حسن، والله أعلم. [¬١]- في ز وخ: "أنجب".
[ ٥ / ١٣٦ ]
يقول تعالى مخبرًا وحاكمًا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، أنه هو الله - تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرا.
ثم قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء، وكونها تحت قهره وسلطانه: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أي: لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه منه [¬١]؟ أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل؛ لقدرته وسلطانه وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة [¬٢] إلى يوم القيامة.
ثم قال تعالى ردًّا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ أي: نحن منتسبون إلى أنبيائه، وهم بنوه، وله بهم عناية، وهو يحبنا، ونقلوا عن كتابهم أن الله تعالى قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم، وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإِكرام، كما نقل النصارى من [¬٣] كتابهم؛ أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم، ومعلوم أنهم لم يدّعوا لأنفسهم من البنوة ما ادّعوها في عيسى ﵇ وإنّما أرادوا من ذلك [¬٤] معزتهم لديه، وحظوتهم عنده، ولهذا قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
قال الله تعالى رادًّا عليهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ أي: لو كنتم [كما تدعون أبناؤه وأحباؤه، فلِمَ أعدَّ لكم نار جهنم] [¬٥] على كفركم وكذبكم وافترائكم؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه فتلا عليه الصوفي هذه الآية ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ وهذا الذي قاله حسن، وله يشاهد في المسند للإِمام أحمد حيث قال (^٢٦٨):
_________________
(١) - رواه فى المسند (٣/ ١٠٤)، ورواه أيضًا فى (٣/ ٢٣٥) من طريق محمد بن عبد الله الأنصارى قال: حدثنا حميد … فذكره بنحوه، ورواه أبو يعلى فى مسنده (٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨) (٣٧٤٧ - ٣٧٤٩)، والحاكم (١/ ٥٨)، (٤/ ١٧٧) من طرق عن حميد به، وصححه الحاكم على شرط = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "التابعة". [¬٣]- في ز: "عن". [¬٤]- في ز: "بذلك". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٣٧ ]
حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: مر النبى ﷺ في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابنى ابني، وسعت فأخذته. فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقى ولدها [¬١] في النار. قال: فَخَفَّضَهُم النبي ﷺ فقال: "و[¬٢] لا والله [﷿] [¬٣] ما يلقي حبيبه في النار". تفرد به أحمد [¬٤].
﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أي: لكم أسوة أمثالكم من بني آدم، وهو سبحانه [¬٥] الحاكم فى جميع عباده، ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: هو فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب إليه؛ فيحكم في عباده بما يشاء، وهو العادل الذي لا يجور.
وروى [¬٦] محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: وأتى رسول الله ﷺ نعمان بن آصا [¬٧] وبحري [¬٨] بن عمرو وشاس بن عدي، فكلموه، وكلمهم رسول الله ﷺ، ودعاهم إلى الله، وحذرهم نقمته، فقالوا: ما تخوفنا يا محمد، نحن - والله - أبناء الله وأحباؤه، كقول النصارى، فأنزل الله فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ إلى آخر الآية.
روإه ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢٦٩).
_________________
(١) = الشيخين، ووافقه الذهبى. وذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٨٦) وقال: "رواه أحمد والبزار بنحوه، وأبو يعلى، ورجالهم رجال الصحيح" وللحديث شاهد من حديث عمر رواه البخارى فى صحيحه، كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، الحديث (٥٩٩٩).
(٢) - رواه ابن إسحاق وعنه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٥٠ - ١٥١) (١١٦١٣)، والبيهقى فى "الدلائل" (٢/ ٥٣٥) قال: حدثنى محمد بن أبى محمد مولى زيد بن ثابت قال: حدثنى سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، ومحمد بن أبى محمد: قال الحافظ فى "التقريب": مجهول تفرد عنه ابن إسحاق. والحديث ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٦) وعزاه إلى ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبى حاتم والبيهفى فى "الدلائل". [¬١]- في ز: "ابنها". [¬٢]- زيادة من المسند. [¬٣]- ما لين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "تعالى هو". [¬٦]- في ر: "قال". [¬٧]- في ت: "أضاء". [¬٨]- في ز: "وبجري".
[ ٥ / ١٣٨ ]
ورويا أيضًا (^٢٧٠) من طريق أسباط، عن السدي في قول الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾. أما قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ﴾؛ فإنهم قالوا: إن الله أوحى إلى إسرائيل: [ولدًا من ولدك، أدخلهم النار] فيكونون فيها أربعين ليلة، حتى تطهرهم، وتأكل خطاياهم، ثم ينادى مناد: أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل، فأخرجوهم [¬١]، فذلك قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٩)﴾
يقول تعالى مخاطبًا أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بأنه [¬٢] قد أرسل إليهم رسوله محمدًا [¬٣] ﵌، خاتم النبيين الذي لا نبي بعده ولا رسول، بل هو المعقب لجميعهم، ولهذا قال: ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: بعد مدة متطاولة، ما بين إرساله، وعيسى ابن مريم.
وقد اختلفوا في مقدار هذه الفترة: كم هي؟ فقال أبو عثمان النهدي وقتادة في رواية عنه: كانت ستمائة سنة.
ورواه البخاري عن سلمان الفارسي.
وعن قتادة: خمسمائة وستون سنة (^٢٧١).
وقال معمر عن بعض أصحابه: خمسمائة وأربعون سنة (^٢٧٢).
وقال الضحاك: أربعمائة وبضع [¬٤] وثلاثون سنة (^٢٧٣).
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٥١) (١١٦١٤).
(٢) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٨٦)، ومن طريقه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٥٦) (١١٦١٨) عن معمر عن قتادة به وزاد عبد الرزاق: قال معمر: وقال الكلبى: خمسمائة سنة وأربعون سنة.
(٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٥٧) (١١٦٢٠).
(٤) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٥٧) (١١٦٢١) وذكره السيوطى فى"الدر المنثور" (٢/ ٤٧٧) ولم يعزه لغير ابن جرير. [¬١]- في ز: "فأخرجهم". [¬٢]- في ز: "أنه". [¬٣]- في ز: "محمد". [¬٤]- في ز: "وبضعة".
[ ٥ / ١٣٩ ]
وذكر ابن عساكر في ترجمة عيسى ﵇ عن الشعبي أنه قال: ومن رفع المسيح إلى هجرة النبي ﷺ تسعُمائة وثلاثة وثلاثون سنة (^٢٧٤).
والمشهور هو القول [¬١] الأول، وهو أنها ستمائة سنة، ومنهم من يقول: ستمائة وعشرون سنة، ولا منافاة بينهما؛ فإن القائل الأول أراد ستمائة سنة شمسية، والآخر أراد قمرية، وبين كل مائة [¬٢] سنة شمسية وبين القمرية نحوٌ من [¬٣] ثلاث [¬٤] سنين، ولهذا قال تعالى في قصة أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: قمرية لتكميل ثلاثمائة الشمسية التي كانت معلومة لأهل الكتاب، وكانت الفترة بين عيسى ابن مريم آخر أنبياء بني إسرائيل، وبين محمد خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أولى الناس بابن مريم لأنا؛ لأنه لا نبي بينى وبينه" (^٢٧٥) وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له: خالد بن سنان، كما حكاه القضاعي وغيره.
والمقصود أن الله بعث محمدًا ﷺ على فترة من الرسل، وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنيران والصلبان. فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه اُمر عمم [¬٥]، فإن الفساد كان قد عم [¬٦] جميع البلاد، رالطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلًا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين، من بعض أحبار اليهرد وعباد النصارى والصابئين، كما قال الإمام أحمد (^٢٧٦):
_________________
(١) - رواه ابن عساكر فى تاريخه (١٤/ ٣٠ - مخطوط) وذكره ابن منظور فى مختصر تاريخ دمشق (٢٠/ ٨٦).
(٢) - رواه البخارى في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا …﴾ الحديث (٣٤٤٢)، ومسلم فى كتاب الفصائل، باب فضائل عيسى ﵇، الحديث (١٤٤/ ٢٣٦٥) من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة. ورواه البخارى فى أحاديث الأنبياء، باب قول الله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا …﴾ الحديث (٣٤٤٣) من طريق عبد الرحمن بن أبى عمرة عن أبى هريرة به.
(٣) - رواه فى مسنده (٤/ ١٦٢) ورواه في (٤/ ١٦٢، ٢٦٦)، ومسلم فى كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: الصفات التى يعرف بها فى الدنيا أهل الجنة وأهل النار، الحديث (٢٨٦٥)، والنسائى فى الكبرى، كتاب فضائل القرآن، باب قراءة القرآن على كل الأحوال، الحديث (٨٠٧٠)،= [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز، خ: "ثمان". [¬٥]- في ز، خ: "عام". [¬٦]- في ز: "ما".
[ ٥ / ١٤٠ ]
حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا هشام، حدثنا قتادة، عن مطرف، عن عياض بن حمار المجاشعى ﵁ أن النبي ﷺ خطب ذات يوم فقال في خطبته: "وإن ربي أمرني أن أعلمكم مما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال نحلته عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، [وإن الشياطين أتتهم] [¬١] فأضلتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، ثم إن الله ﷿ نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، [عربهم وعجمهم]، إلا بقايا من أهل الكتاب [] [¬٢] وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرأه نائمًا ويقظانًا، ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشًا فقلت: يا رب إذن يثلغوا (*) رأسي فيدعوه خُبْزَةً [¬٣]، فقال: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق عليهم فسننفق [¬٤] عليك، وابعث جيشا [¬٥] نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك [¬٦] من عصاك، وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط [موفق متصدق]، ورجل رحيم رقيق القلب، بكل ذي قربى ومسلم، ورجل [عفيف فقير] [ذو عيال] [¬٧]، متصدق، وأهل النار خمسة: الضعيف [الذي لا زبر (**) له] [¬٨]، و[¬٩] الذين هم فيكم تبعًا أو تبعاء -
_________________
(١) = وابن ماجة فى الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع، الحديث (٤١٧٩) من طرق عن قتادة به، ولفظ ابن ماجة مختصر جدًا، ورواه الإمام أحمد فى مسنده (٤/ ٢٦٦) ثنا عفان ثنا همام ثنا قتادة ثنا العلاء بن زياد العدوى، حدثنى يزيد أخو مطرف قال: وحدثنى عقبة، كل هؤلاء يقول حدثنى مطرف أن عياض بن حمار حدثه أنه سمع النبى ﷺ يقول فى خطبته … فذكره، قال همام: قال بعض أصحاب قتادة: ولا أعلمه إلا قال: يونس الإسكاف قال لى: إن قتادة لم يسمع حديث عياض بن حمار من مطرف. قلت: هو حدثنا عن مطرف وتقول أنت لم يسمعه من مطرف؟ قال: فجاء أعرابى فجعل يسأله واجترأ عليه. قال: فقلنا للأعرابى: سله هل سمع حديث عياض بن حمار عن مطرف؟ فسأله: فقال: لا، حدثنى أربعة عن مطرف فسمى الثلاثة الذى قلت لكم. ورواه ابن حبان (٦٥٣)، والطبرانى فى الكبير (١٧/ رقم ٩٩٣) من طريقين عن همام بهذا الإسناد، ورواه ابن حبان (٦٥٤)، وأحمد (٤/ ٢٦٦) والنسائى فى الكبرى (٨٠٧١)، والطبرانى فى الكبير (١٧/ رقم ٩٩٦) من طريق عن عوف بن أبى جميلة عن حكيم بن الأثرم عن الحسن عن مطرف عن عياض بن حمار. (*) أي: يشدخوه ويشجوه كما يشدخ الخبز أي: يكسر. (**) أي: لا عقل له فى يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "وإنهم أتتهم الشياطين"، خ: "وإنهم إلتبستهم الشياطين". [¬٢]- في ز: "بني إسرائيل". [¬٣]- في ز: "خبرة". [¬٤]- في ز: "فسينفق". [¬٥]- في ز: "جندًا"، خ: "جنداء". [¬٦]- في ت: "أطاعوك". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ: "لا دين له". [¬٩]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٤١ ]
شك يحيى - لا يبتغون أهلًا ولا مالًا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك". وذكر البخل أو الكذب، والشنظير الفاحش.
ثم رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائى من غير وجه، عن قتادة، عن مطرِّف بن عبد الله بن الشخير. وفي رواية سعيد [¬١] عن قتادة التصريح بسماع قتادة هذا الحديث من مطرف. [وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده أن قتادة لم يسمعه من مطرف] [¬٢]، وإنما سمعه من أربعة عنه. ثم رواه هو عن روح عن عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن، قال: حدثنى مطرف، عن عياض بن حمار فذكره. و[¬٣] رواه النسائى من حديث غندر، عن عوف الأعرابي به.
والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: "وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، [عجمهم وعربهم]، إلا بقايا من بني إسرائيل" وفي لفظ مسلم: "من أهل الكتاب"، فكان [¬٤] الدين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتى بعث الله محمدًا ﷺ، فهدى الخلائق، وأخرجهم الله به من الظمات إلى النور، وتركهم على المحجة البيضاء والشريعة الغراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ أى: لئلا تحتجوا [¬٥] وتقولوا [¬٦]- يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه -] [¬٧] ما جاءنا من رسول يبشر بالخير، وينذر من الشر، فقد جاءكم بشير ونذير، يعنى محمدًا ﷺ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. قال ابن جرير: معناه إني قادر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا
_________________
(١) [¬١]- في ز: "شعبة". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "وكذا". [¬٤]- فى ز: "وكان". [¬٥]- في ز: "يحتجوا". [¬٦]- في ز: "ويقولوا". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: "ما جاء يا أيها الذين بدلوا دينهم وغيروه".
[ ٥ / ١٤٢ ]
جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران ﵇ فيما ذكر به قومه من [¬١] نعم الله عليهم وآلائه لديهم، في جمعه لهم خير الدنيا والآخرة، لو استقاموا على [¬٢] طريقتهم المستقيمة. فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ أي: كلما هلك نبي قام فيكم نبي من لدن أبيكم إبراهيم إلى من [¬٣] بعده، وكذلك كانوا لا يزال فيهم الأنبياء يدعون إلى الله، ويحذرون نقمته، حتى ختموا بعيسى [ابن مريم] [¬٤] ﵇، ثم أوحى الله إلى خاتم الأنبياء والرسل على الإطلاق محمد بن عبد الله، المنسوب إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵇ وهو أشرف من كل من تقدمه منهم ﷺ.
وقوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. قال عبد الرزاق، عن الثوري، عن منصور، عن الحكم أو غيره، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: الخادم والمرأة والبيت (^٢٧٧).
_________________
(١) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٨٧) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٢) (١١٦٣١)، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٧) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والحكم بن عتيبة ثقة لكن يرسل ويدلس. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "في". [¬٣]- في ز: "ما". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٥ / ١٤٣ ]
وروى الحاكم في مستدركه (^٢٧٨) من حديث الثوري أيضًا، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: المرأة والخادم، ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قال: الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ. ثم قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وروى [¬١] ميمون بن مهران، عن ابن عباس قال: كان الرجل من بني إسرائيل؛ إذا كان له الزوجة والخادم والدار [¬٢]؛ سمي ملكًا (^٢٧٩).
وقال: ابن جرير (^٢٨٠): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا أبو هانئ أنه سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي، يقول: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل [فقال: ألسنا] [¬٣] من فقراء المهاجرين؟ فقال عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال: نعم؛ قال: فأنت من الأغنياء. فقال: إن لي خادما. تال: فأنت من الملوك.
وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركب وخادم ودار.
رواه ابن جرير (^٢٨١)، ثم روى عن الحكم ومجاهد ومنصور وسفيان الثوري نحوًا من هذا. وحكاه ابن أبي حاتم، عن ميمون بن مهران.
_________________
(١) - رواه فى المستدرك (٢/ ٣١١ - ٣١٢) وعنه البيهقى فى الشعب (٤/ ١٤٩ - ١٥٠) (٤٦١٨) وصححه الحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبى، ورواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٤) (١١٦٣٩) مقتصرًا على الشطر الثانى، وذكره السيوطى فى"الدر المنثور" (٢/ ٤٧٧) وزاد نسبته للفريابى وابن المنذر.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٢ - ١٦٣) (١١٦٣٣) من طريق حجاج بن تميم عن ميمون ابن مهران به، وحجاج بن تميم: قال الحافظ فى"التقريب": ضعيف. والأثر: ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٧) ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٣) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٦١) (١١٦٢٥)، ورواه الإمام مسلم فى صحيحه كتاب الزهد والرقائق، الحديث (٢٩٧٩) قال: حدثنى أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح أخبرنا ابن وهب به. والأثر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٨) وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن جرير فقط ولم يعزه لمسلم، والله أعلم.
(٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦١ - ١٦٢) (١١٦٢٧) حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا العلاء بن عبد الجبار، عن حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن به. ورجاله ثقات غير سفيان بن وكيع= [¬١]- فى ز: "وقال". [¬٢]- فى ز: "والمعراة". [¬٣]- فى ز: "وقال: ألست".
[ ٥ / ١٤٤ ]
وقال ابن شوذب: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كان له منزل وخادم؛ واستؤذِنَ عليه فهو ملك. وقال قتادة (^٢٨٢): كانوا أول من ملك الخدم.
وقال السدي في قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: يملك الرجل منكم [نفسه وماله وأهله].
رواه ابن أبي حاتم (^٢٨٣)، وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ قال: ["كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة؛ كتب ملكًا" (^٢٨٤).
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقال ابن جرير (^٢٨٥): حدثنا الزبير بن بكار، حدثنا أبو ضمرة أنس بن عياض، سمعت زيد ابن أسلم، يقول: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ فلا أعلم إلا أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) = قال الحافظ ابن حجر فى "التقريب": كان صدوقًا إلاَّ أنه ابتلى بوراقه؛ فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل؛ فسقط حديثه. والأثر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٨) وعزاه لابن جرير فقط.
(٢) - رواه عبد الرزاق فى تفسيره (١/ ١٨٦) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٣) (١١٦٣٤) وذكره السيوطى فى"الدر المنثور" (٢/ ٤٧٧) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) - ورواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٦٣) (١١٦٣٦) من طريق أسباط عن السدى به.
(٤) - فى إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف كما تقدم مرارًا، ودراج: هو ابن سمعان أبو السمح ضعفه أبو حاتم والدارقطني، وقال النسائى: ليس بالقوى. وقال فى موضع آخر: منكر الحديث، وثقه يحيى بن معين فى رواية الدارمى عنه - انظر تاريخ عثمان بن سعيد الدارمى رقم (٣١٥) وسئل ابن معين أيضًا عن حديث دَرَّاج عن أبى الهيثم، عن أبى سعيد؟ فقال: ما كان هكذا الإسناد، فليس به بأس. انظر تاريخ ابن معين (٢/ ١٥٥). وروى أبو عبيد الآجرى عن أبى داود قال: أحاديثه مستقيمة إلَّا ما كان عن أبى الهيثم عن أبى سعيد. قال المنذرى فى خاتمة "الترغيب والترهيب" (٤/ ٤٨٣): ضعفه أبو حاتم والدارقطنى وغيرهما، وقال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال النسائى: منكر الحديث. وقال مرة: ليس بالقوى وثقه يحيى بن معين وعلى بن المدينى وغيرهما، وصحح حديثه عن أبى الهيثم الترمذى، واحتج به ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهما. قلت: لخص ابن حجر حاله بقوله فى "التقريب": صدوق، فى حديثه عن أبى الهيثم ضعف. وهذا الحديث من روايته عن أبى الهيثم، وأيضًا الراوى له عن دراج إنما هو ابن لهيعة وهو ضعيف كما تقدم.
(٥) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٦١) (١١٦٢٦)، والزبير بن بكار - شيخ الطبرانى - وأنس بن عياض ثقتان من رجال التهذيب. والحديث ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٨) وزاد نسبته للزبير=
[ ٥ / ١٤٥ ]
وسلم [¬١]: "من كان له بيت وخادم فهو ملك".
وهذا مرسل غريب.
وقال مالك: بيت وخادم وزوجة.
وقد ورد في الحديث: "من أصبح منكم معافى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" (^٢٨٦).
وقوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني عالمى زمانكم، فإنهم [¬٢] كانوا أشرف [¬٣] الناس في زمانهم، من اليونان، والقبط، وسائر أصناف بني آدم، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وقال تعالى إخبارًا عن موسى لما قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
والمقصود أنهم كانوا أفضل أهل زمانهم، وإلا فهذه الأمة أشرف منهم وأفضل عند الله، وأكمل شريعة، وأقوم منهاجًا، وأكرم نبيًّا، وأعظم ملكًا، وأغزر أرزاقًا، وأكثر أموالًا وأولادًا، وأوسع مملكة، وأدوم عزًّا. قال الله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقال: [﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وقد ذكرنا الأحاديث المتواترة في فضل هذه الأمة، وشرفها، وكرمها عند الله ﷿ عند قوله تعالى] [¬٤]: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾
_________________
(١) = ابن بكار فى الموفقيات ولأبي داود فى مراسيله. فلت: هو فى مراسيل أبى داود (ص ١٨٠، ١٨١) رقم (٢٠٤) قال: حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا أبو ضمرة عن زيد بن أسلم له، وهذا إسناد رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أن الحديث مرسل. (تنبيه): قال العلامة محمود شاكر ﵀ فى تعليقه على تفسير الطبرى: "والحديث خرجه السيوطى في "الدر المنثور" ولم ينسبه لابن جرير، ونسبه للزبير بن بكار فى الموفقيات، ولأبى داود فى مراسيله" قلت: بل عزاه لابن جرير فلعله يكون سقط من نسخة الشيخ ﵀. والله أعلم.
(٢) - روى هذا من حديث عبيد الله بن محصن الأنصارى، وأبى الدرداء، وابن عمر، وعلى، وعمر. أمَّا حديث عبيد الله بن محصن: فرواه البخارى فى الأدب المفرد (٣٠٠) وفى التاريخ الكبير= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- فى ز، خ: "فكأنهم". [¬٣]- في ز: "أشراف". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٥ / ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = (٥/ ٣٧٢، ٣٧٣)، والترمذى فى كتاب الزهد، باب (٣٤)، الحديث (٢٣٤٦)، وابن ماجه فى سننه كتاب الزهد، باب القناعة، الحديث (٤١٤١)، والحميدى فى مسنده (٤٣٩)، والعقيلى في "الضعفاء" (٢/ ١٤٦)، والخطيب فى تاريخه (٣/ ٣٦٤)، والبيهقى فى الزهد (ص ٨٨ - رقم ١٠٥)، والقضاعى فى "مسند الشهاب" (١/ ٣٢٠) (٥٤٠) من طريق سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصارى عن أبيه مرفوعًا، قال العقيلى: سلمة بن عبيد الله بن محصن مجهول فى النقل، ولا يتابع على حديثه ولا يعرف إلَّا به. وروى عن عبد الله بن أحمد قال: سألت أبى عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصارى؟ فقال: لا أعرفه. وقال الحافظ فى "التقريب": مجهول. لكن الحديث يشهد له الطرق التالية. وأمَّا حديث أبى الدرداء: فأخرجه ابن حبان فى صحيحه (٢/ ٤٤٥) (٦٧١) وهو في "موارد الظمآن" برقم (٢٥٠٣) وأبو نعيم فى الحلية (٥/ ٢٤٩)، والخطب فى التاريخ (٦/ ١٦٦)، والقضاعى فى مسنده (٩/ ٣١١ - ٣٢٠) (٥٣٩) من طريق عبد الله بن هانئ بن عبد الرحمن بن أبى عبلة أبو عمرو قال: نا أبى عن إبراهيم بن أبى عبلة عن أم الدرداء عن أبى الدرداء به مرفوعًا، وسنده ضعيف جدًا؛ عبد الله بن هانئ ترجم له ابن أبى حاتم فى "الجرح والتعديل" (٥/ ١٩٤) فقال: "روى عنه محمد بن عبد الله بن محمد بن مخلد الهروى، عن أبيه عن إبراهيم بن أبى عبلة - أحاديث بواطيل، سمعت أبى يقول: قدمت الرملة، فذكر لى أن فى بعض القرى هذا الشيخ وسألت عنه فقيل: هو شيخ يكذب، فلم أخرج إليه ولم أسمع منه"، وقال الذهبى فى "الميزان": متهم بالكذب اهـ. وأبوه هانئ ذكره ابن حبان فى الثقات (٨/ ٣٥٧) وقال: ربما أغرب. والحدث ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١/ ٢٩٢) وقال: رواه الطبرانى ورجاله وثقوا على ضعف فى بعضهم. وأمَّا حديث ابن عمر: فأخرجه الطبرانى فى "الأوسط" (٢/ ٢٣٠) (١٨٢٨) من طريق على بن عابس عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن ابن عمر مرفوعًا، قال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٩٢): رواه الطبرانى فى "الأوسط"، وفيه على بن عابس وهو ضعيف. قلت: وفضيل بن مرزوق فيه كلام، لكن يمكن أن يحسن حديثه خاصة إذا كان له من الشواهد مثل ما لهذا الحدث، لكن شيخه عطية هو العوفى، وهو ضعيف أيضًا. والحديث عزاه أيضًا الألبانى فى "الصحيحة" (٥/ ٤١٠) إلى ابن أبى الدنيا فى "القناعة". وأمَّا حديث على: فأخرجه السهمى فى "تاريخ جرجان" (٣٢٢) من طريق أحمد بن عيسى العلوى حدثنا محمد بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعًا، وأحمد بن عيسى العلوى هذا هو أبو طاهر الهاشمى، ذكره الدارقطنى فى "الضعفاء والمتروكين" (ت ٥٣) وقال: كذاب وانظر ترجمته فى "الميزان" (١/ ١٢٦). وأمَّا حديث: فأخرجه الطبرانى فى الأوسط (٨/ ٣٦١) (٨٨٧٥) وهو فى "مجمع البحرين" برقم (٥٠١٠) من طريق أبى بكر الداهرى نا ثور بن يزيد عن خالد بن مهاجر عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "ابن آدم عندك ما يكفيك، وأنت تطلب ما يطغيك؟! … ابن آدم إذا أصبحت معافى فى جسدك آمنًا فى سربك عندك قوت يومك، فعلى الدنيا العفاء" والحديث ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٩٢) وقال: "رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه أبو بكر الداهرى وهو ضعيف" قال الألبانى فى "الصحيحة" (٥/ ٤١٠) رقم (٢٣١٨): "وبالجملة فالحديث حسن إن شاء الله =
[ ٥ / ١٤٧ ]
لِلنَّاسِ﴾ من سورة آل عمران.
وروى ابن جرير عن ابن عباس، وأبي مالك، وسعيد بن جبير أنهم قالوا في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني أمة محمدٍ ﷺ (^٢٨٧). وكأنهم أرادوا أن هذا الخطاب في قوله: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ مع هذه الأمة.
والجمهور على أنه خطاب من موسى لقومه، وهو محمول على عالمي زمانهم كما قدمنا.
وقيل: المراد ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ يعني بذلك ما كان تعالى نزله عليهم من المن والسلوى، [ويظلهم به من الغمام] [¬١] وغير ذلك، مما كان تعالى يخصهم به من خوارق العادات، فالله أعلم.
ثم قال تعالى مخبرًا عن تحريض موسى ﵇ لبني [¬٢] إسرائيل على الجهاد، والدخول إلى بيت المقدس، الذي كان بأيديهم في زمان أبيهم يعقوب، لما ارتحل هو وبنوه وأهله إلى بلاد مصر، أيام يوسف ﵇، [ثم لم يزالوا بها حتى خرجوا مع موسى] [¬٣]، فوجدوا فيها قومًا من العمالقة الجبارين، قد استحوذوا عليها وتملكوها، فأمرهم رسول الله ﷺ موسى ﵇ بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصرة والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره؛ فعوقبوا بالذهاب في التيه، والتمادي في سيرهم حائرين، لا يدرون كيف يتوجهون إلى [¬٤]، مقصد مدة أربعين
_________________
(١) = بمجموع حديثى الأنصارى وابن عمر، والله أعلم".
(٢) - أمَّا الرواية عن ابن عباس فى هذا فلم أجدها عند ابن جرير، بل الذى في تفسير ابن جرير (١٠/ ١٦٤): قال أبو جعفر: اختلف فيمن عنوا بهذا الخطاب فقال بعضهم: عنى به أمة محمد ﷺ ثم قال: ذكر من قال ذلك وذكر الأثر عن أبى مالك وسعيد بن جبير، ثم قال: وقال آخرون: عنى به قوم موسى ثم نقل ذلك عن مجاهد، وابن عباس وقد تقدم تخريج أثر ابن عباس هذا برقم (٢٨٧). وأمَّا الرواة عن أبى مالك وسعيد بن جبير، فقد أخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٤) (١١٦٣٧) حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا يحيى بن يمان، عن سفيان عن السدى عن أبى مالك وسعيد بن جبير. وسفيان بن وكيع ضعيف ضعفه أبو حاتم والبخارى وغيرهما، قال الحافظ فى "التقريب": "كان صدوقًا إلَّا أنه ابتلى بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقبل فسقط حديثه" ويحيى ابن يمان قال فيه الحافظ فى "التقريب": صدوق عابد يخطئ كثيرًا وقد تغير. [¬١]- فى ز: "وتظلهم من الغمام"، خ: "وتظلهم بالغمام". [¬٢]- في ز: "عن بني" [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "فيه إلى".
[ ٥ / ١٤٨ ]
سنة، عقوبة لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى. فقال تعالى مخبرًا عن موسى أنَّه قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ أي: المطهرة.
ولم [¬١] قال سفيان الثَّوري، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ قال: هي الطور وما حوله (^٢٨٨). وكذا قال مجاهد (^٢٨٩) وغير واحد.
وروى [¬٢] سفيان الثَّوري، عن أبي سعيد [¬٣] البقال، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: هي أريحاء (^٢٩٠). وكذا ذكر عن [¬٤] غير واحد من المفسرين.
وفي هذا نظر؛ لأن أريحاء ليست هي المقصودة بالفتح، ولا كانت في طريقهم إلى بيت المقدس، وقد قدموا من بلاد مصر حين أهلك الله عدوَّهم فرعون، اللهم [¬٥] إلَّا أن يكون المراد [بأريحاء أرض بيت المقدس، كما قاله السدي فيما رواه ابن جرير (^٢٩١) عنه لا أن المراد] [¬٦] بها هذه البلدة المعروفة في طرف الغَوْر، شرقي بيت المقدس.
وقوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: التي وعدكموها الله على لسان أبيكم إسرائيل، أنَّه وراثة من آمن منكم، ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى [¬٧] أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: ولا تنكلوا
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٧) (١١٦٤٦).
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٧) (١١٦٤٤، ١١٦٤٥).
(٣) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٦٨) (١١٦٥٠) حدثنى عبد الكريم بن الهيثم حدَّثنا إبراهيم بن بشار حدَّثنا سفيان عن أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس به، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عبَّاس ﵄؛ عبد الكريم بن الهيثم بن ؤياد القطان ثقة ترجمته فى تاريخ بغداد (١١/ ٧٨، ٧٩)، وإبراهيم بن بشار هو الرمادى ثقة له أوهام من رجال التهذب، وأَبو سعيد الراوى - عن عكرمة - هو عبد الكريم بن مالك الجزرى، قال عنه الحافظ فى "التقريب": ثقة متقن. وقد ظن المصنف أن سفيان هو الثورى وإنَّما هو ابن عيينة وشيخه ليس البقال، فإن البقال اسمه سعيد بن المرزبان وكنيته "أَبو سعد" وليس "أَبو سعيد" والله أعلم.
(٤) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٧٢) (١١٦٥٦) من طريق أسباط عن السدى فى قصة ذكرها من أمر موسى وبنى إسرائيل قال: "ثم أمرهم بالسير إلى أريحا - وهى أرض بيت المقدس - … فساروا … " الأثر، وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد قبل ذلك. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "وقال". [¬٣]- في ز: "سعد". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: "أعقابكم".
[ ٥ / ١٤٩ ]
عن الجهاد، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا [¬١] فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ أي: اعتذروا بأن في هذه البلدة التي أمرتنا بدخولها وكمال أهلها قويًّا جبارين، أي: ذوي خلق هائلة، وقوى شديدة، وإننا لا نقدر على مقاومتهم، ولا مصاولتهم، ولا يمكننا الدخول إليها ما داموا فيها؛ فإن يخرجوا منها دخلناها، وإلَّا فلا طاقة لنا بهم.
وقد قال ابن جرير (^٢٩٢): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدَّثنا إبراهيم بن بشار، حدَّثنا سفيان، قال: قال أَبو سعيد: قال عكرمة: عن ابن عبَّاس قال: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارش، قال: فسار موسى بمن معه، حتَّى نزل قريبًا من المدينة، وهي أريحاء، فبعث إليهم اثني عشر عينا، من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم، قال: فدخلوا المدينة، فرأوا أمرًا عظيمًا من هيئتهم، وجسمهم، وعظمهم، فدخلوا حائطًا لبعضهم، فجاء صاحب الحائط ليجتني الثمار من حائطه، فجعل يجتني الثمار، وينظر [¬٢] إلى آثارهم، فتتبعهم [¬٣]، فكلما أصاب واحدًا منهم أخذه فجعله في كمه مع الفاكهة، حتَّى التقط الاثني عشر كلهم، فجعلهم في كمه مع الفاكهة، [وذهب بهم] [¬٤] إلى ملكهم، فنثرهم بين يديه، فقال لهم [¬٥] الملك: قد رأيتم شأننا وأمرنا، فاذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوا من أمرهم.
وفي هذا [¬٦] الإِسناد نظر.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس: لما نزل موسى وقومه، بعث منهم اثنى عشر رجلًا، وهم النقباء، الذين [¬٧] ذكرهم [¬٨] الله، فبعثهم ليأتوه [¬٩] بخبرهم، فساروا فلقيهم رجل من الجبارين، فجعلهم في كسائه، فحملهم [¬١٠] حتَّى أتى بهم المدينة، ونادى في قومه، فاجتمعوا إليه، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن قوم موسى، بعثنا نأتيه بخبركم،
_________________
(١) - رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (١٠/ ١٧٣) (١١٦٥٧) وإسناده صحيح إلى ابن عبَّاس وقد تكلمنا على هذا الإسناد قريبًا، والأثر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٩) وعزاه لابن أبي حاتم وابن جرير. [¬١]- في ز: "أبدًا ما داموا فيها". [¬٢]- في ز: "فنظر". [¬٣]- في خ: "فتبعهم". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "فذهب". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: "الذي". [¬٨]- فى ر: "ذكر". [¬٩]- في ز: "ليأتوهم". [¬١٠]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٥٠ ]
فأعطوهم حبة من عنب، تكفي الرجل، فقال لهم: اذهبوا إلى موسى وقومه، فقولوا لهم هذا [¬١] قدر فاكهتهم، [فرجعوا إلى موسى، فأخبروه بما رأوا، فلما أمرهم موسى ﵇ بالدخول عليهم وقتالهم] [¬٢]، قالوا: يا موسى، اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا هاهنا قاعدون.
رواه ابن أبي حاتم (^٢٩٣). ثم قال:
حدَّثنا أَبى، حدَّثنا ابن أبي مريم، حدَّثنا يحيى بن أيوب، عن يريد بن الهاد، حدثني يحيى ابن عبد الرحمن، قال: رأيت أَنس بن مالك أخذ عصا، فذرع فيها بشيء لا أدري كم ذرع، ثم قاس بها في الأرض خمسين أو خمسًا وخمسين، ثم قال: هكذا طول العماليق (^٢٩٤).
وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا أخبارًا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، [وأنه كان فيهم] [¬٣] عوج بن عنق بن آدم ﵇، وأنَّه كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعًا وثلث ذراع، تحرير الحساب، وهذا شيء يستحيي من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين (^٢٩٥) أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتَّى الآن".
ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرًا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته. وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحًا دعا على أهل الأرض من الكافرين، فقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ
_________________
(١) - أخرجه أيضًا ابن جرير الطبري فى تفسيره (١٠/ ١٨٠) (١١٦٧٦) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس. وقد سبق الكلام على هذا الإسناد. والأثر: ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٩) وعزاه لابن أبي حاتم وابن جرير.
(٢) - إسناده رجاله ثقال إلَّا يحيى بن أيوب وهو أَبو العباس المصرى، قال الحافظ فى "التقريب": صدوق ربما أخطأ. وابن أبي مريم هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أَبى مريم، ثقة من رجال التهذيب. والأثر: ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٩) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.
(٣) - أخرجه البخارى فى صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، الحديث (٣٣٢٦)، وفى محناب الاستئذان باب: بدء السلام، الحديث (٦٢٢٧)، ومسلم فى كتاب الجنَّةَ وصفة نعيمها وأهلها، الحديث (٢٨٤١) من طريق همام عن أبي هريرة. [¬١]- في خ: "قدروا". [¬٢]- ما بين المعكوفتين فى خ: "فلما أتوهم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: "وأن منهم".
[ ٥ / ١٥١ ]
الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ إذا كان ابن نوح الكافر غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر، وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له: عوج بن عنق نظر، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: فلما نكل بنو إسرائيل عن طاعة الله، ومتابعة رسول الله موسى ﵇، حرضهم رجلان، لله عليهما نعمة عظيمة، وهما ممن يخاف أمر الله، ويخشى عقابه.
وقرأ بعضهم: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: ممن لهما مهابة وموضع من الناس، ويقال: إنهما يوشع بن نون، وكالب بن يوفنا. قاله ابن عبَّاس ومجاهد وعكرمة وعطية والسدي والربيع بن أَنس وغير واحد من السلف والخلف، ﵏ (^٢٩٦). فقالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: متى [¬١] توكلتم على الله، واتبعتم أمره، ووافقتم رسوله، نصركم الله على أعدائكم، وأيدكم وظفركم بهم، ودخلتم البلد [¬٢] التي كتبها الله [¬٣] لكم، فلم ينفع ذاك فيهم شيئًا. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ وهذا نكول منهم عن الجهاد، ومخالفة لرسولهم، وتخلف عن مقاتلة الأعداء.
ويقال: إنهم لما نكلوا عن الجهاد، وعزموا على الانصراف والرجوع إلى مصر [¬٤]، سجد موسى وهارون ﵉ قدَّام ملإٍ من بني إسرائبل، إعظاما لما هموا به، وشق يوشع بن نون وكالب بن يوفنا [¬٥] ثيابهما، ولاما قومهما على ذلك، فيقال: إنهم رجموهما، وجرى أمر عظيم وخطر جليل.
وما أحسن ما أجاب به الصحابة ﵃ يوم بدر رسول الله ﷺ، حين استشارهم في قتال النفير، الذسن جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان، فلما فات اقتناص العير واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدّة والبيض واليَلَب (*)، فتكلم أَبو بكر ﵁ فأحسن، ثم تكلم من [تكلم
_________________
(١) - هذه الآثار أخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٧٦ - ١٧٨) (١١٦٦٤ - ١١٦٧٣)، وانظر "الدر المنثور" (٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠). (*) اليلب: الدروع من الجلود. [¬١]- في ت: "إن". [¬٢]- في ز: "البلدة". [¬٣]- سقط من: ت [¬٤]- في ز: "بلادهم". [¬٥]- في ز: "يوقنا".
[ ٥ / ١٥٢ ]
من] [¬١] الصحابة من المهاجرين، ورسول الله ﷺ يقول: "أشيروا على أيها المسلمون". وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار؛ لأنَّهُم كانوا جمهور الناس يومئذ، فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله، والذي [¬٢] بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، ما تخلف منا رجلٍ واحد، وما نكره أن تلقى بنا [¬٣] عدوّنا غدًا، إنا لصُبْر [¬٤] في الحرب، صُدق في اللقاء، لعل الله أن [¬٥] يريك منا ما تقرُّ به عينك [¬٦] فَسِرْ بنا على بركة الله. فسر رسول الله ﷺ بقول سعد، ونشطه ذلك (^٢٩٧).
وقال أَبو بكر بن مردويه (^٢٩٨): حدَّثنا على بن الحسين، حدَّثنا أَبو حاتم البرازي، حدَّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد، عن أَنس: أن رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر؛ استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار، إياكم يريد رسول الله ﷺ. قالوا: إذا، لا نقول له كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، [والذي بعثك بالحق، لو ضربت أكبادها إلى بَرْك الغِمَاد لاتبعناك.
ورواه الأمام أحمد (^٢٩٩): عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس به. ورواه النَّسائي (^٣٠٠): عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، به.
ورواه ابن حبان (^٣٠١): عن أبي يعلى، عن عبد الأعلى بن حمَّاد، عن معمر بن سليمان، عن حميد به. وقال ابن مردويه (^٣٠٢): أنا عبد الله بن جعفر، أنا إسماعيل بن عبد الله، حدَّثنا
_________________
(١) - انظر السيرة لابن هشام (١/ ٦١٥) بدون إسناد، وانظر حديث أَنس وحديث ابن مسعود الآتيين قريبًا.
(٢) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد فى مسنده (٣/ ١٠٥، ١٨٨) والنسائى فى فضائل الصحابة رقم (٢٤٣)، وأَبو يعلي فى مسنده (٣٨٠٣) ومن طريقه ابن حبان فى صحيحه (٤٧٢١) وأخرجه أَبو يعلى (٣٧٦٦)، وابن حبان (٤٧٢٢) من طرق عن حميد عن أَنس به.
(٣) - رواه فى المسند (٣/ ١٨٨) وانظر السابق.
(٤) - رواه النسائى فى فضائل الصحابة (٢٤٣)، وانظر رقم (٢٩٨).
(٥) - رواه فى صحيحه (١١/ ٢٤) (٤٧٢٢) وانظر رقم (٢٩٨).
(٦) - رواه أحمد فى مسنده (٤/ ١٨٣، ١٨٤)، والطبرانى فى الكبير (١٧/ ١٢٤) (٣٠٦) من طريق الحسن بن أيوب به، وفى رواية: أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالقتال فرمى رجل = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ت: "فوالذي". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- "لصُبرَّ". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في خ: "عينيك".
[ ٥ / ١٥٣ ]
عبد الرحمن بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن شعيب، عن الحسن بن أيوب، عن عبد الله بن ناسج، عن عتبة بن عبد السلمي، قال: قال النبي ﷺ لأصحابه: "ألا تقاتلون؟ " قالوا: نعم، ولا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ] [¬١]﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
وكان ممن أجاب [¬٢] يومئذٍ المقدادُ بن عمرو الكندي ﵁، كما قال الإِمام أحمد (^٣٠٣):
حدَّثنا وكيع، حدَّثنا سفيان، عن مخارق بن عبد الله [] [¬٣] الأحمسي، عن طارق - هو ابن شهاب - أن المقداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر: يا رسول الله، إنا لا نقول لك كما قالت بنو [¬٤] إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [¬٥] مقاتلون.
هكذا رواه أحمد من هذا الوجه، وقد رواه من طريق أخرى، فقال (^٣٠٤):
حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله [هو] [¬٦] ابن مسعود ﵁: لقد [¬٧] شهدت من المقداد مشهدًا؛ لأن أكون أنا
_________________
(١) = من أصحابه بسهم، فقال رسول الله ﷺ: "أوجب هذا" وقالوا حين أمرهم بالقتال … الحديث. وقد خرج أحمد (٤/ ١٨٤)، والطبرانى (١٧/ ١٢٣) (٣٠٥) هذه الزِّيادة فحسب دون بقية الحديث. والحديث ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٤٨٠/ ٢) وعزاه لأحمد وابن مردويه فحسب. والحديث حسن إسناده الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٥/ ٢٧٣)، وفى (٧/ ١٧).
(٢) - رواه فى مسنده (٤/ ٣١٤) وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٨٠) وعزاه لأحمد، وسيأتى فى الذى بعده من طريق طارق بن شهاب عن ابن مسعود.
(٣) - رواه فى مسنده (١/ ٣٨٩)، ورواه أيضًا فى (١/ ٣٨٩، ٤٢٨، ٤٥٧) والبخارى فى المغازى، باب قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ …﴾ الحديث (٣٩٥٢)، وفى التفسير، باب قوله: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ الحديث (٤٦٠٩)، والنسائى فى الكبرى كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا ﴾ الآية، الحديث (١١١٤٠) من طرق عن مخارق له. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "أجاد". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "البجلي". [¬٤]- في خ: "بني". [¬٥]- في ز: "معكم". [¬٦]- سقط من خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ١٥٤ ]
صاحبه، أحب إلي مما عدل به، أتى رسول الله ﷺ وهو يدعو على المشركين، فقال: والله يا رسول الله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك، ومن بين يديك، ومن خلفك. فرأيت وجه رسول الله ﷺ يشرق لذلك وسر [¬١] بذلك.
وهكذا رواه البخاري في المغازي، وفي التفسير من طرق عن مخارق به، ولفظه في كتاب التفسير (^٣٠٥): عن عبد الله قال: قال المقداد يوم بدر: يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن امض ونحن معك. فكأنه سري عن رسول الله ﷺ.
ثم قال البخاري: رواه وكيع، عن سفيان، عن مخارق، عن طارق، أن المقداد قال للنبي ﷺ.
و[¬٢] قال ابن جرير (^٣٠٦): حدَّثنا بشر، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، حدَّثنا [¬٣] قَتَادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية، حين صدَّ المشركون الهدي، وحيل بينهم وبين مناسكهم: "إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت". فقال له [¬٤] المقداد بن الأسود: أما [¬٥] والله لا نكون كالملأ من بني إسرائيل إذ قالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما [¬٦] مقاتلون، فلما سمعها أصحاب رسول الله ﷺ تتابعوا [¬٧] على ذلك.
وهذا إن كان محفوظًا يوم الحديبية، فيحتمل أنَّه كرر هذه المقالة يومئذ، كما قاله يوم بدر.
وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ يعني: لما نكل بنو إسرائيل عن القتال، غضب عليهم موسى ﵇، وقال داعيًا عليهم: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [أي: ليس أحد يطعني منهم فيمتثل أمر الله، ويجيب إلى ما
_________________
(١) - صحيح البخارى كتاب التفسير الحديث (٤٦٠٩).
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٨٦) (١١٦٨٣)، وهو مرسل وقد ذكره السيوطى في "الدر المنثور" (٢/ ٤٨٠) ولم يعزه لغير ابن جرير. [¬١]- في ز: "وسره". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "عن". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "إنا". [¬٦]- في ز: "معكم". [¬٧]- في ز: "تبايعوا".
[ ٥ / ١٥٥ ]
دعوت إليه، إلا أنا وأخي] [¬١] هارون ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. قال العوفي عن ابن عباس: يعني: اقض بيني وبينهم. وكذا قال على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس (^٣٠٧).
[وكذا قال الضحاك: اقض بيننا وبينهم، وافتح بيننا وبينهم (^٣٠٨). وقال غيره: افرق] [¬٢]: افصل بيننا وبينهم، كما قال الشاعر:
يارب فافرق بينه وبيني … أشد ما فرقت بين اثنين [¬٣]
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، لما دعا عليهم موسى ﵇ حين نكلوا عن الجهاد، حكم الله [عليهم] بتحريم دخولها قدر [¬٤] مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه، يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه، وفيه كانت أمور عجيبة وخوارق كثيرة، من تظيلهم بالغمام وإنزال [¬٥] المن والسلوى عليهم، ومن إخراج الماء الجارى من صخرة صماء، تحمل معهم على دابة، فإذا ضربها موسى بعصاه؛ انفجرت من ذلك الحجر اثنتا عشرة عينًا تجري لكل شعب عين، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها موسى بن عمران، وهناك أنزلت [¬٦] التوراة، وشرعت لَهُم الأحكام، وعملت قبة العهد، ويقال لها: قبة الزمان.
قال يزيد بن هارون: عن أصبغ بن يزيد [¬٧]، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير: سألت ابن عبَّاس عن قوله ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، قال: فتاهوا في الأرض أربعين سنة، يصبحون كل يوم يسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى. وهذا قطعة من حديث الفتون (^٣٠٩). ثم كانت وفاة هارون ﵇ ثم بعده بمدة ثلاث سنين وفاة [¬٨] موسى
_________________
(١) - أمَّا رواية العوفى عن ابن عبَّاس: فأخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٨٨، ١٨٩) (١١٦٨٦)، وذكرها السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٨١) وزاد نسبتها إلى ابن أبي حاتم. وأمَّا رواية على بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: فأخرجها ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٨٩) (١١٦٨٧).
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٨٩) (١١٦٨٩).
(٣) - سيأتي تخرجه في تفسيره (طه/ آية ٤٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "اثنينى". [¬٤]- في ز:: قدرا". [¬٥]- في ز: "وإنزاله". [¬٦]- في ز: "أنزلت". [¬٧]- في ز: "يزيد". [¬٨]- في ز، خ: "مات".
[ ٥ / ١٥٦ ]
الكليم ﵇ وأقام الله فيهم يوشع بن نون ﵇ نبيًّا خليفة عن موسى بن حمران، ومات أكثر بني إسرائيل هناك في تلك المدة، ويقال: إنه لم يبق منهُم أحد سوى يوشع وكالب، ومن هاهنا قال بعض المفسرين في قوله ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾: هذا [¬١] وقف تام، وقوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ منصوب بقوله] [¬٢] ﴿يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾. فلما انقضت المدة خرج بهم يوشع بن نون ﵇ أو بمن بقي منهم، وبسائر بني إسرائيل من الجيل الثاني، فقصد بهم بيت المقدس، فحاصرها، فكان فتحها يوم الجمعة بعد العصر، فلما تضيفت الشمس للغروب، وخشي [¬٣] دخول السبت عليهم، قال: إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علي. فحبسها الله تعالى حتَّى فتحها، وأمر الله يوشع بن نون أن يأمر بنى إسرائيل حين يدخلون بيت المقدس؛ أن يدخلوا بابها سجدًا، وهم يقولون: حطة. أي: حط عنا ذنوبنا، فبدلوا ما أمروا به، ودخلوا [¬٤] يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حبة في شعرة، وقد تقدم هذا كله في سورة البقرة.
و[¬٥] قال ابن أبي حاتم (^٣١٠): حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن أبي عمر العدني [¬٦]، حدَّثنا سفيان، عن أي سعيد [¬٧]، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵁ قوله: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: فتاهوا أربعين سنة. قال [¬٨]: فهلك موسى وهارون في التيه، وكل من جاوز الأربعين سنة، فلما مضت الأربعون سنة، ناهضهم [¬٩] يوشع بن نون وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها، وهو الذي قيل له: اليوم يوم الجمعة، فهموا بافتتاحها، ودنت الشمس للغروب، فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا، فنادى الشمس: إني مأمور، وإنك مأمورة، فوقفت حتَّى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط، فقربوه إلى النار فلم تأته [¬١٠]، فقال: فيكم
_________________
(١) - رواه أيضًا ابن جرير فى تفسيره (١٠/ ١٩٣) (١١٦٩٥) حدثنى عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدَّثنا سفيان قال أَبو سعيد عن عكرمة به مختصرًا، وفيه: "فكل من دخل التيه ممن جاوز العشرين سنة مات فى التيه". والذى نقله ابن كثير هنا والسيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٨١): "فهلك موسى وهارون وكل من جاوز الأربعين سنة" وإسناد ابن جرير هذا تقدم الكلام عليه فى رقم (٢٩٢). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "واحسى". [¬٤]- في ز: "فدخلوا". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "العذني". [¬٧]- في ز: "سعد". [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ز: "ماهضهم". [¬١٠]- في ز: "تأت".
[ ٥ / ١٥٧ ]
الغلول، فدعا رءوس الأسباط وهم اثنا [¬١] عشر رجلا فبايعهم، والتصقت يد رجل منهم بيده، فقال: الغلول عندك فأخرجه، فأخرج رأس بقرة من ذهب، لها عينان من ياقوت، وأسنان من لؤلؤ، فوضعه مع القربان، فأتت النار فأكلتها.
وهذا السياق له شاهد في الصحيح (^٣١١).
وقد اختار ابن جرير أن قوله: ﴿فَإِنَّهَا [¬٢] مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ [هو العامل] [¬٣] في أربعين سنة، وأنهم مكثوا لا يدخلونها أربعين سنة، وهم تائهون في البرية لا يهتدون لمقصد، قال: ثم خرجوا مع موسى ﵇ ففتح بهم بيت المقدس. ثم احتج على ذلك من [¬٤] قال بإجماع علماء أخبار [¬٥] الأولين أن عوج بن عنق قتله موسى ﵇ قال: فلو كان قَتْله إياه قبل التيه؛ لما رهبت [¬٦] بنو إسرائيل من العماليق، فدل على أنَّه كان بعد التيه. قال: وأجمعوا على أن بلعام بن باعورا أعان الجبارين بالدعاء على موسى. قال: وما ذاك إلَّا بعد التيه؛ لأنهم كانوا قبل التيه لا يخافون من موسى وقومه. هذا استدلاله، ثم قال (^٣١٢):
حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا ابن عطية، حدَّثنا قيس، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، قال: كانت عصا موسى عشرة أذرع، ووثبته عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، فوثب، فأصاب كعب عوج فقتله، فكان جسرًا لأهل النيل سنة.
وروى أيضًا (^٣١٣): عن محمد بن بشار، حدَّثنا مؤمل، حدَّثنا سفيان، عن أبي إسحاق،
_________________
(١) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب فرض الخمس، باب قول النبيّ ﷺ: "أحلت لكم الغنائم" الحديث (٣١٢٤)، وفى كتاب النكاح، باب من أحب البناء قبل الغزو، الحديث (٥١٥٧)، ومسلم في صحيحه كتاب الجهاد والسير، باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة، الحديث (١٧٤٧) من طريق معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة.
(٢) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٩٩) (١١٦٩٩) وقد ذكر الإِمام ابن القيم - رحمه لله - فى "المنار المنيف" أمورًا كلية يعرف بها كون الحديث موضوعًا فقال فى (ص ٧٦، ٧٧): "ومنها أن يكون الحديث مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه، كحديث عوج بن عنق الطويل الذى قصد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء" وانظر بقية كلامه ﵀ فى "المنار" لزامًا.
(٣) - رواه فى تفسيره (١٠/ ١٩٩) (١١٦٩٨)، وانظر الحديث السابق. [¬١]- في ز: "اثنى". [¬٢]- في ز: "إنها". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "والعامل". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "أحبار". [¬٦]- في ز: "وهنت".
[ ٥ / ١٥٨ ]
عن نوف - هو [¬١] البكالي - قال: كان سرير عوج ثمانمائة [¬٢] ذراع، وكان طول موسى عشرة أذرع، وعصاه عشرة أذرع، ووثب في السماء عشرة أذرع، فضرب عوجًا، فأصاب كعبه فسقط ميتًا، وكان جسرًا للناس يمرون عليه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ تسلية لموسى ﵇ عنهم، أي: لا تتأسف ولا تحزن عليهم، فمهما حكمت عليهم به؛ فإنهم مستحقون [¬٣] ذلك.
وهذه القصة تضمنت تقريع اليهود وبيان فضائحهم، ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما [فيما أمراهم] [¬٤] به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجالدتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله ﵇، وكليمه، وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم، هذا [مع ما] [¬٥] شاهدوا ما [¬٦] أحل [¬٧] الله بعدوهم فرعون من العذاب والنكال، والغرق له ولجنوده في اليم، وهم ينظرون لِتَقَرّ به أعينهم، وما بالعهد من قدم، ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد [¬٨]؛ هي [¬٩] بالنسبة إلى ديار مصر لا توازي عشر المعشار في عدّة أهلها وعددهم، فظهرت [¬١٠] قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل، ولا يسترها الذيل، هذا [¬١١]، وهم في جهلهم يعمهون وفي غيهم يتردّدون، وهم البُغَضَاء إلى الله، وأعداؤه، ويقولون مع ذلك نحن أبناء الله وأحباؤه، فقبح الله وجوههم، التي مسخ منها الخنازير والقرود، وألزمهم لعنة تصحبهم إلى النار ذات الوقود، ويقضي لهم فيها بتأبيد الخلود، وقد فعل وله الحمد من جميع الوجود.
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "ثلاثمائة". [¬٣]- في ز: "يستحقون". [¬٤]- في ز: "في الذى أمرهم". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "وقد". [¬٦]- في ز: "من". [¬٧]- في ت: "فعل". [¬٨]- في ز: "بلدهم". [¬٩]- سقط من: ز. [¬١٠]- في ز: "وظهرت". [¬١١]- سقط من: خ.
[ ٥ / ١٥٩ ]
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾
يقول تعالى مبينًا وخيم عاقبة البغي والحسد والظلم؛ في خبر ابني [¬١] آدم لصلبه - في قول الجمهور - وهما [قابيل وهابيل]، كيف عدا أحدهما على الآخر فقتله بغيًا عليه، وحسدًا له فيما وهبه الله من النعمة، وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله ﷿، ففاز المقتول بوضع الآثام والدخول إلى الجنة، وخاب القاتل، ورجع بالصفقة الخاسرة في الدارين [¬٢]، فقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ أي: واقصص على هؤلاء البغاة الحسدة، إخوان الخنازير والقردة، من اليهود وأمثالهم وأشباههم، خبر ابني آدم، وهما هابيل وقابيل فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف.
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: على الجلية، والأمر الذي لا لبس فيه، ولا كذب، [ولا وهم] [¬٣]، ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقصان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾.
وكان من خبرهما فيما ذكره غير واحد من السلف والخلف: أن الله تعالى [] [¬٤] شرع لآدم ﵇ أن يزوّج بناته من بنيه لضرورة الحال، ولكن قالوا [¬٥]: كان يولد له في كل بطن
_________________
(١) [¬١]- في ز: "بني". [¬٢]- في ز، خ: "الدنيا والآخرة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- بين المعكوفتين في ز: "قد". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٥ / ١٦٠ ]
ذكر وأنثى، فكان يزوج أنثى هذا البطن لذكر البطن الآخر، وكانت [¬١] أخت هابيل دميمة [¬٢]، وأخت قابيل وضيئة، فأراد أن يستأثر بها على أخيه، فأبى آدم ذلك إلا أن يقرّبا قربانًا، فمن تقبل منه فهي له، فقربا فتقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل فكان من أمرهما ما قصه [¬٣] الله في كتابه.