قال أبو داود الطيالسي (^٨٤٣): حدَّثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله، ﷺ، فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني، واجعل يومي لعائشة. ففعل، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الآية. قال ابن عبَّاس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
ورواه التِّرمِذي، عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسي، به. وقال: حسن غريب. وقال [¬٢] الشَّافعي (^٨٤٤): أخبرنا مسلم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبَّاس أن رسول الله، ﷺ، توفي عن تسع نسوة، وكان يقسم لثمان.
وفي الصحيحين (^٨٤٥) من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة، فكان النبي، ﷺ، يقسم لها بيوم سودة.
وفي صحيح البخاري (^٨٤٦) من حديث الزُّهْريّ عن عروة عن عائشة نحوه.
_________________
(١) - " مسند الطيالسي" (٢٦٨٣) - ومن طريقه رواه الترمذى، كتب: تفسير القرآن (٣٠٤٠)، وابن جرير (٨/ ١٠٦٠٩)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٣٦، ٦٠٤٣) والطبرانى فى "المعجم الكبير" (١١/ ١١٧٤٦)، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٧/ ٢٩٧) - وقال الترمذى: "حديث حسن غريب" ورجاله ثقات غير أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة كما قال ابن المدينى وغيره، لكن أصل الحديث فى الصحيحين فانظر الآتى.
(٢) - " مسند الشَّافعى" (٢/ رقم ٨٣، ٨٤/ شفاء العي) - ومن طريقه البغوى فى "شرح السنة" (٩/ ٢٣٢٢) - وإسناده ضعيف، لضعف مسلم - وهو ابن خالد الزنجي - وعنعنة ابن جريج، لكن الحديث متفق على صحته من وجه آخر، فانظر الآتى.
(٣) - رواه البخارى، كتاب: النكاح، باب: المرأة تَهَبُ يومها من زوجها لضَرَّتها وكيف يَقسمُ ذلك (٥٢١٢)، ومسلم، كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها (٤٧، ٤٨) (١٤٦٣).
(٤) - رواه البخارى، كتاب: الهبة، باب: هبة المرأة لغير زوجها (٢٥٩٣) وكذا رواه أحمد = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "صالحته". [¬٢]- في خ: "قال".
[ ٤ / ٢٩٩ ]
وقال سعيد بن منصور (^٨٤٧): أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام [بن عروة] [¬١]، عن أبيه عروة [¬٢] قال: [] [¬٣] أنزل الله في سودة وأشباهها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾، وذلك أن سودة كانت امرأة قد أسنت فَفزعَت أن يفارقها رسول الله، ﷺ، وضنت بمكانها منه، وعرفت من حب رسول الله، ﷺ، عائشة ومنزلتها منه، فوهبت يومها من رسول الله، ﷺ، لعائشة، فقبل ذلك رسول الله.
قال البيهقي: وقد رواه أحمد بن يونس، عن الحسن بن أبي الزناد، موصولًا، وهذه الطَّرِيقِ رواها الحاكم في مستدركه (^٨٤٨)، فقال:
حدَّثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنَّها قالت له: يا ابن أختي، كان رسول الله، ﷺ، لا يفضل بعضنا على بعض في مكثه عندنا، وكان قل يوم إلَّا وهو يطوف علينا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتَّى يبلغ إلى من هو يومها فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول الله، ﷺ: يا رسول الله، يومي هذا لعائشة، فقبل ذلك رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، قالت عائشة: ففي ذلك أنزل الله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾.
وكذا [¬٤] رواه أَبو داود، عق أحمد بن يونس، به. ثم قال الحاكم [¬٥]: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
_________________
(١) = (٦/ ١١٧)، وأَبو داود (٢١٣٨)، وابن ماجة (١٩٧٠) (٢٣٤٧).
(٢) - ومن طريق سعيد بن منصور، رواه البيهقى فى "السنن الكبرى" (٧/ ٢٩٧) وانظر ما بعده.
(٣) - " المستدرك" (٢/ ١٨٦)، ورواه أَبو داود فى "السنن" كتاب: النكاح، باب: فى القسم بين النساء (٢١٣٥) - ومن طريقه البيهقى فى "السنن الكبرى" (٧/ ٧٤، ٧٥) - ثنا أحمد بن يونس به، ورواه أحمد (٦/ ١٠٧، ١٠٨) ثنا سريج عن عبد الرحمن بن أبي الزناد به مختصرًا وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبى، وإسناده حسن لكلام في حفظ ابن أبي الزناد. وانظر ما بعده. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "لما". [¬٤]- في خ: "وكذلك". [¬٥]- زيادة من: خ.
[ ٤ / ٣٠٠ ]
وقد رواه [] [¬١] ابن مردويه (^٨٤٩): من طريق أبي بلال الأشعري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، به نحوه، ومن رواية عبد العزيز بن [¬٢] محمد الدراوردي، عن هشام بن عروة، بنحوه [¬٣] مختصرًا، والله أعلم.
وقال أبو العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي في أول "معجمه" (^٨٥٠): حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا مسلم [¬٤] بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة، قال: بعث النبي، ﷺ، إلى سودة بنت زمعة بطلاقها، فلما أن أتاها جلست له على طريق عائشة فلما رأته قالت له: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه [¬٥] واصطفاك على خلقه، لما راجعتني فإني قد كبرت ولا حاجة لي في الرجال. [لكن أريد أن] [¬٦] أبعث مع نسائك يوم القيامة. فراجعها فقالت: إني [¬٧] جعلت يومي وليلتي لحِيَّة رسول الله، ﷺ. وهذا غريب ومرسل.
وقال البخاري (^٨٥١): حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا [عبد الله] [¬٨]، أنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت [¬٩]: الرجل تكون عنده المرأة المسنة [¬١٠] ليس بمستكثر منها، يريد أن يفارقها، فتقول: أجعلك من شأنى في حِلٍّ، فنزلت هذه الآية.
وقال ابن جرير (^٨٥٢): حدثنا ابن [¬١١] وكيع، حدّثنا أبي، عن هشام بن عروة، عن أبيه،
_________________
(١) - ورواه أيضًا ابن سعد فى "الطبقات" (٨/ ٤٣) من طريق الواقدى نا محمد بن عبد الله، حدثنى ابن أبي الزناد به.
(٢) - ورواه ابن سعد فى "الطبقات" (٨/ ٤٣) أخبرنا مسلم بن إبراهيم به. وإسناده صحيح لكنه مرسل.
(٣) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ (٤٦٠١).
(٤) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥٨٤، ١٠٥٨٥)، ورواه البخارى، كتاب: النكاح، باب: المرأة تَهَبُ ورمها من زوجها لضَرّتها (٥٢١٢)، ومسلم، كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها (٤٧، ٤٨) (١٤٦٣)، وأحمد (٦/ ٦٨، ٧٦)، والنسائي فى "الكبرى" كتاب: عشرة النساء= [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "الحاكم". [¬٢]- في خ، ت: "عن" خطأ. [¬٣]- في ز: "نحوه". [¬٤]- في ز، خ: "سلمة". [¬٥]- في ت: "كلامه". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "فإني". [¬٨]- ما بن المعكوفتين في خ: "أبو عبد الله". [¬٩]- في ز: "قال". [¬١٠]- سقط من: خ. [¬١١]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٣٠١ ]
عن عائشة: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا [¬١] وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قالت: هذا في المرأة تكون عند الرجل فلعله ألا يكون يستكثر منها، ولا يكون لها ولد، و[¬٢] لها صحبة، فتقول: لا تطلقني وأنت في حل عن شأني.
حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام، عن عروة، عن عائشة في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: هو الرجل يكون له المرأتان: إحداهما قد كبرت، [أو هي] [¬٣] دميمة وهو لا يستكثر منها فتقول: لا تطلقني، وأنت في حل من شأني.
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، من غير وجه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم، ولله الحمد والمنة.
قال ابن جرير (^٨٥٣): حدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا: حدثنا جرير، عن أشعث، عن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى عمر [﵁] [¬٤] فسأله عن آية، فكره ذلك وضربه بالدرة، فسأله آخر عن هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ فقال: عن مثل هذا فاسألوا، ثم قال: هذه المرأة تكون عند الرجل، قد خلا [¬٥] من سِنِّها فيتزوج المرأة الشابة يلتمس ولدها، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٥٤): حدثنا على بن الحسن الهسنجاني، حدثنا مسدد، حدثنا
_________________
(١) = باب: المرأة تهب يومها لامرأة من نساء زوجها (٥/ ٨٩٣٤)، وابن ماجه، كتاب: النكاح، باب: المرأة تهب يومها لصاحبتها (١٩٧٢) من طرق عن هشام بن عروة به.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥٧٩) ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤١١) لغيره، وهذا منقطع بين عمر، وابن سيرين، وأشعث هو ابن سوَّار ضعيف، وجرير هو ابن عبد الحميد.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٤٢)، ورواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٣/ ٣٢٩)، وابن جرير (٩/ ١٠٥٧٥) ثنا هناد بن السرى، كلاهما (ابن أبي شيبة وهناد) ثنا أبو الأحوص به. ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٥٧٦) من طريق محمد بن جعفر ثنا شعبة عن سماك به. و(٩/ ١٠٥٧٧) من طريق أبي داود الطيالسى - ولم أجده فى المسند - ثنا شعبة وحماد بن سلمة وأبو الأحوص كلهم عن سماك به (٩/ ١٠٥٧٨) من طريق إسرائيل عن سماك به، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٧/ ٢٩٧) من طريق آدم بن أبي إياس نا حماد بن سلمة به، ورجاله ثقات غير خالد بن عرعرة لم يوثقه غير ابن حبان "الثقات"= [¬١]- سبق تخريج هذه القراءة. [¬٢]- في ت: "ويكون". [¬٣]- في ز، خ: والأخرى. والمثبت من تفسير الطبري. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "بن الخطاب". [¬٥]- أي: كبرت ومضى معظم عمرها.
[ ٤ / ٣٠٢ ]
أبو الأحوص، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عرعرة قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فسأله عن قول الله ﷿: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ قال على: يكون الرجل عنده المرأة، فتنبو عيناه عنها من دمامتها، أو كبرها، أو سوء خلقها، أو فقرها [¬١] فتكره فراقه، فإن وضعت له من مهرها شيئًا حل له، وإن جعلت له من أيامها فلا حرج.
وكذا رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، و[¬٢] حماد بن سلمة وأبي الأحوص. ورواه ابن جرير من طريق إسرائيل أربعتهم عن سماك، به.
وكذا فسرها ابن عباس وعَبِيدة السلماني ومجاهد بن جبر [¬٣] والشعبي وسعيد بن جبير وعطاء وعطية العوفي ومكحول والحسن والحكم بن عتيبة [¬٤] وقتادة وغير واحد من السلف والأئمة، ولا أعلم [خلافًا في ذلك] [¬٥]، أن المراد بهذه الآية هذا، والله أعلم.
وقال الشافعي (^٨٥٥): أنبأنا ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج، فكره منها أمرًا إما كبرًا أو غيره، فأراد طلاقها فقالت: لا تطلقني واقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية.
وقد رواه الحاكم في مستدركه (^٨٥٦) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار بأطول من هذا السياق.
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٨٥٧): أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدثنا أبو محمد أحمد
_________________
(١) = وروى عنه غير سماك، القاسم ابن عوف الشيبانى، وجزم أبو عبد الله البخارى بسماعه من على، انظر "التاريخ الكبير" (٣/ ١٦٢).
(٢) - " مسند الشافعى" (١/ ٨٦، ٨٧/ شفاء العي) - ومن طريق الشافعى رواه البيهقى فى "السنن الكبرى" (٧/ ٢٩٦) - ورواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٣/ ٣٢٨) ثنا ابن عيينة به وإسناده صحيح، لكنه مرسل وانظر ما بعده.
(٣) - " المستدرك" (٢/ ٣٠٨، ٣٠٩) والحديث فى تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٥) ومن طريقه أيضًا ابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٦٠٠) وانظر ما بعده.
(٤) - " السنن الكبرى" للبيهقى (٧/ ٢٩٦)، ورواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٤/ ٦٠٤٤) ثنا أبي،= [¬١]- في ز: "قددها" وفي خ: قذذها. والمثبت من الطبري. [¬٢]- في خ: "عن". [¬٣]- في خ، ت: "جبير". [¬٤]- في ت: "عتبة". [¬٥]- في خ: "في ذلك خلافًا".
[ ٤ / ٣٠٣ ]
ابن عبد الله المزني، أخبرنا على بن محمد بن عيسى، أنبأنا أبو اليمان، أخبرني شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار: أن السنة في هاتين الآيتين اللتين ذكر الله فيهما نشوز المرء وإعراضه عن امرأته في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ إلى تمام الآيتين [¬١] أن المرء [¬٢] إذا نشز عن امرأته وآثر عليها؛ فإن من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما كانت من أثرة في القسم من ماله ونفسه، [فإن استقرت عنده على ذلك، فكرهت أن يطلقها، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطلاق وصالحها على أن يعطها من ماله ما ترضاه وتقر عنده على الأثر في القسم من ماله ونفسه] [¬٣] صلح له ذلك، وجاز [¬٤] صلحها عليه. كذلك ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح الذي قال الله ﷿: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وقد ذكر لي أن رافع بن خديج الأنصاري، وكان من أصحاب النبي، ﷺ، كانت عنده امرأة حتى إذا كبرت تزوَّج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق فطلقها تطليقة، ثم أمهلها [¬٥]، حتى إذا كادت تحل راجعها، [ثم عاد فآثر] [¬٦] [عليها الشابة فناشدته الطلاق] [¬٧] [فطلقها تطليقة أخرى ثم أمهلها حتى إذا كادت تحل راجعها [¬٨]، [ثم عاد فآثر الشابة عيها فناشدته الطلاق] [¬٩] فقال لها: ما شئت إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين [¬١٠] من الأثرة، وإن شئت فارقتك، فقالت: لا بل أستقرّ على الأثرة. فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما، ولم ير رافع عليه إثمًا [¬١١] حين رضيت أن تستقرّ عنده على الأثرة، فيما آثر به عليها.
وهكذا [¬١٢] رواه بتمامه عبد الرحمن بن أبي حاتم: عن أبيه، عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، فذكره بطوله، والله أعلم.
_________________
(١) = ثنا أبو اليمان به. [¬١]- في ز: "آيتين". [¬٢]- في ز، خ: "المراد". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "وكان". [¬٥]- في ز: "أملها". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬١٠]- في ز: "ترى". [¬١١]- في ز: "أنها". [¬١٢]- في ز، خ: "وهذا".
[ ٤ / ٣٠٤ ]
وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ قال على بن أبي طلحة (^٨٥٨) عن ابن عباس: يعني التخيير أن يخير الزوج لها بين الإِقامة والفراق خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها.
والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية كما أمسك النبي، ﷺ، سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة، ﵂، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية [¬١] ذلك وجوازه، فهو أفضل في حقه، ﵊، لما كان الوفاق أحب إلى الله من الفراق؛ قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾، بل الطلاق بغيض إليه ﷾، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة جميعًا (^٨٥٩) عن كثير ابن عبيد، عن محمد بن خالد، عن معرِّف بن واصل، عن محارب بن دثار، عن عبد الله ابن عمر؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
ثم رواه أبو داود: عن أحمد بن يونس، عن معرِّف [¬٢]، عن محارب قال: قال رسول الله، ﷺ،. . . فذكر معناه مرسلًا.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾: وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما [¬٣] تكرهون منهن، وتقسموا لهنّ أسوة أمثالهن فإنّ الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أي: لن [¬٤] تستطيعوا أيها الناس، أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن حصل [¬٥] القسم الصوري: ليلة وليلة، فلابد من التفاوت في المحبة والشهوة والجماع، كما قاله ابن عباس وعبيدة السلمانى ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٥٨٧) مطولًا.
(٢) - " السنن" لأبي داود، كتاب: النكاح، باب: فى كراهية الطلاق (٢١٧٧، ٢١٧٨)، ورواه ابن ماجه (٢٠١٨) ثنا كثير بن عبيد ثنا محمد بن خالد عن عبيد الله بن الوليد الوَصَّافى عن محارب به، وفيه خلاف على وصله وإرساله، والراجح فيه الإرسال وقد حرر ذلك أبو عبد الرحمن الألبانى فانظر "الإرواء" (٧/ ٢٠٤٠). [¬١]- في ز: "شرعية". [¬٢]- في ت: "معروف". [¬٣]- في ز: "من". [¬٤]- في ز: "لا". [¬٥]- في ت: "وقع".
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وقد [¬١] قال ابن أبى حاتم (^٨٦٠): حدثنا أبو زرعة، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ في عائشة. يعني أن النبي، ﷺ، كان يحبها أكثر من غيرها، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن (^٨٦١) من حديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن [¬٢] عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله، ﷺ، يقسم بين نسائه، فيعدل، ثم يقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني القلب. هذا [¬٣] لفظ أبى داود، وهذا إسناد صحيح، لكن قال الترمذي: رواه حماد بن زيد وغير واحد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا. قال: وهذا أصح.
وقوله: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهنّ فلا تبالغوا في الميل بالكلية، ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، أي: فتبقى هذه [¬٤] الأخرى معلقة.
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن والضحاك والربيع بن أنس والسدي ومقاتل ابن حيان: معناه [¬٥] لا ذات زوج ولا مطلقة.
و[¬٦] قال أبو داود الطيالسي (^٨٦٢): أنبأنا همام، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: "من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط".
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦٠٥٦).
(٢) - رواه أحمد (٦/ ١٤٤) وأبو داود (٢١٣٤)، والنسائى (٧/ ٦٣) والترمذي (١١٤٠)، وابن ماجه (١٩٧١) وغيرهم، وصححه ابن حبان (١٠/ ٤٢٠٥)، والحاكم (٢/ ١٨٧) من طرق عن حماد بن سلمة به. لكن أعله بالإرسال أبو عيسى الترمذى فقال: "رواه حماد بن زيد وغير واحد عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلًا - وهذا أصح من حديث حماد بن سلمة" وكذا أعله النسائى وأبو زرعة وأبو حاتم، وأقرهم أبو عبد الرحمن الألبانى، فانظر "الإرواء" (٧/ ٢٠١٨).
(٣) - " مسند الطيالسى" (رقم: ٢٤٥٤)، ورواه أحمد (٢/ ٢٩٥، ٣٤٧، ٤٧١)، وأبو داود (٢١٣٣)، والترمذى (١١٤١)، والنسائى (٧/ ٦٣)، وابن ماجه (١٩٦٩) وغيرهم من طريق همام بن يحيى به. وقال الترمذى: "وإنما أسند هذا الحديث همام بن يحيى عن قتادة، رواه هشام الدستوائى= [¬١]- في ت: "و". [¬٢]- فى ز: "بن". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "معنى". [¬٦]- فى ز: "وقد".
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وهكذا رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث همام بن يحيى، عن قتادة، به. وقال الترمذي: إنما أسنده همام، ورواه هشام الدستوائي، عن قتادة، قال: كان يقال، ولا يعرف هذا الحديث مرفوعًا، إلا من حديث همام.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: وإن أصلحتم في أموركم، وقسمتم بالعدل فيما تملكون، واتقيتم الله في جميع الأحوال، غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾، وهذه هي الحالة [¬١] الثالثة، وهي حالة الفراق، وقد أخبر الله [¬٢] تعالى أنهما إذا تفرقا؛ فإن الله يغنيه عنها، ويغنيها عنه، بأن يعوّضه الله [¬٣] من هو خير له منها، ويعوّضها عنه بمن هو خير لها منه، ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ أي: واسع الفضل عظيم المنّ حكيمًا في جميع أفعاله وأقداره وشرعه.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)﴾
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض، وأنه الحاكم فيهما، ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ أي: وصيناكم بما وصيناهم به من تقوى الله، ﷿، بعبادته وحده لا شريك له.
_________________
(١) =عن قتادة قال: كان يقال، ولا نعرف هذا الحديث مرفوعًا إلا من حديث همام، وهمام ثقة حافظ" والحدث انتقاه ابن الجارود (٧٢٢)، وصححه ابن حبان (١٠/ ٤٢٠٧)، والحاكم (٢/ ١٨٦) ووافقه الذهبى وأقرهم أبو عبد الرحمن فى "الإرواء" (٧/ ٢٠١٧). [¬١]- في خ: "الحال". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- فى ز: "بها".
[ ٤ / ٣٠٧ ]
ثم قال: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾، كما قال تعالى إخبارًا عن موسى أنه قال لقومه: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وقال: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي: غنى عن عباده، ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود في جميع ما يقدره ويشرعه.
وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: هو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب الشهيد على كل شيء.
وقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم، إذا عصيتموه، كما [¬١] قال: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ وقال [¬٢] بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره! وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي: وما [¬٣] هو عليه بممتنع. وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: يا من ليس همته [¬٤] إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك؛ كما قال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ إلى قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية.
وقد زعم ابن جرير (^٨٦٣) أن المعنى في هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ أي: من المنافقين الذين أظهروا الإيمان لأجل ذلك ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا﴾، وهو [¬٥] ما حصل لهم [¬٦] من المغانم وغيرها مع المسلمين. وقوله: ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ أي: وعند الله ثواب الآخرة، وهو ما ادّخره لهم من العقوبة بنار [¬٧] جهنم، وجعلها كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾
_________________
(١) - انظر تفسيره (٩/ ٢٩٩ - ٣٠١). [¬١]- في ز: "وكما". [¬٢]- في خ: "قال". [¬٣]- في ز: "ما". [¬٤]- في ت: "له همه". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في ت: "في نار".
[ ٤ / ٣٠٨ ]
إلى قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ولا شك أن هذه الآية معناها ظاهر، وأما تفسيره الآية الأولى بهذا ففيه نظر؛ فإن قوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقتصرنّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذى [¬١] لا إله إلا هو الذي قد قسم السعادة والشقاوة بين الناس في الدنيا والآخرة، وعدل بينهم فيما علمه فيهم ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا. ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾
يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوّامين بالقسط، أي: بالعدل فلا يعدلوا [¬٢] عنه يمينًا ولا شمالًا، [أن لا] [¬٣] يأخذهم [¬٤] في الحقِّ [¬٥] لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف، وأن يكونوا متعاونين متساعدين متعاضدين متناصرين فيه.
وقوله: ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾، كما قال: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي: [ليكن أداؤها] [¬٦] ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقًّا خالية من التحريف والتبديل والكتمان، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سئلت عن الأمر فقل الحق فيه؛ وإن [¬٧] [كان مضرةً] [¬٨] عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجًا ومخرجًا، من كل أمر يضيق عليه.
وقوله: ﴿أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "تعدلوا". [¬٣]- في خ: "لا". [¬٤]- في خ: "تأخذهم". [¬٥]- في ت: "الله". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: "أدوها". [¬٧]- في خ: "ولو". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: "عادت مضرته".
[ ٤ / ٣٠٩ ]
تراعهم فيها؛ بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم؛ فإن الحق حاكم على كل أحد، [وهو مقدم على كل أحد] [¬١].
وقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ أي: لا ترعاه لغناه، ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.
وقوله: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة [¬٢] الناس [] [¬٣] إليكم على ترك العدل في أموركم وشئونكم، بل الزموا العدل على أي حال كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
ومن هذا القبيل [¬٤] قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبي، ﷺ، يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى، ولأنتم أبغض إلى من أعدادكم من القردة والخنازير، وما [¬٥] يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض. وسيأتي الحديث مسندًا في سورة المائدة (^٨٦٤)، إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: ﴿تَلْوُوا﴾ أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها، واللي: هو التحريف وتعمد الكذب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ الآية. والإعراض هو: كتمان الشهادة وتركها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾. وقال النبي، ﷺ: "خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يسألها" (^٨٦٥). ولهذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أي: وسيجازيكم [¬٦] بذلك.
_________________
(١) - يأتى تخريجه (سورة المائدة).
(٢) - رواه مسلم (١٩) (١٧١٩)، وأبو داود (٣٥٩٦)، والترمذى (٢٢٩٥، ٢٢٩٧)، والنسائى فى "الكبرى" (٣/ ٦٠٢٩)، واين ماجه (٢٣٦٤)، وأحمد (٥/ ١١٥، ١٣٢، ١٩٣) من حديث زيد بن خالد الجهنى. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "بغض". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "هو بغضا". [¬٤]- سقط من: م. [¬٥]- في ز: "ما". [¬٦]- في خ: "وسيجزيكم".
[ ٤ / ٣١٠ ]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾
تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه، كما يقول المؤمن في كل صلاة [¬١]: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ أي: بصرنا فيه، وزدنا هدي، وثبتنا عليه فأمرهم بالإِيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ يعني القرآن، ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾، وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدّمة. وقال في القرآن ﴿نزل﴾ لأنه نزل مفرقًا منجمًا على الوقائع بحسب ما يحتاج العباد إليه في معادهم ومعاشهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة، لهذا قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: فقد خرج عن طريق الهدى، وبعد عن القصد كل البعد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾
_________________
(١) [¬١]- في ز: "صراط".
[ ٤ / ٣١١ ]
يخبر تعالى عمن دخل في الإِيمان، ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع واستمرّ على ضلاله، وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته. ولا يغفر الله له ولا يجعل له مما هو فيه فرجًا ولا مخرَجًا، ولا طريقًا إلى الهدى؛ ولهذا قال: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا﴾.
قال ابن أبي حاتم (^٨٦٦): حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حفص بن جميع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾، قال: تمموا [¬١] على كفرهم حتى ماتوا، وكذا قال مجاهد.
وروى ابن أبي حاتم (^٨٦٧) من طريق جابر المعلى، عن عامر الشعبي، عن علي، ﵁، أنه قال: يستتاب المرتد ثلاثًا ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ ثم قال: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعني: أن المنافقين من هذه الصفة، فإنهم آمنوا ثم كفروا فطبع الله [¬٢] على قلوبهم، ثم وصفهم بأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، بمعنى أنهم معهم في الحقيقة يوالونهم ويسرون اليهم بالمودَّة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون. أي: بالمؤمنين في إظهارنا لهم الموافقة؛ قال الله تعالى منكرًا عليهم فيما سلكوه من موالاة الكافرين: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾.
ثم أخبر الله تعالى بأن العزة كلها لله [¬٣] وحده لا شريك له، ولمن جعلها له، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٦١١٤)، ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤١٥) لغيره، وحفص بن جميع ضعيف، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة. كما قال ابن المدينى وغيره.
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ٦١١٠) من طريق شريك عن جابر به، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٠٥) من طريق سفيان عن جابر به، وجابر هو الجعفى ضعيف، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٠٤) من طريق أشعث بن سوار عن الشعبيّ به. وأشعث ضعيف أيضًا، والشعبى لم يسمع إلا أحرفًا يسيرة من على، والخبر لم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤١٥). [¬١]- في ز، خ: "تموا". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في خ: "له".
[ ٤ / ٣١٢ ]
والمقصود من هذا التهييج على طلب العزة من جناب الله، والالتجاء [¬١] إلى [¬٢] عبوديته، والانتظام في جملة عباده المؤمنين الذين لهم النصرة في هذه الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.
[ومناسب هنا أن يذكر] الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٨٦٨): حدثنا حسين بن محمد، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن حميد الكندي، عن عبادة بن نُسَيّ عن أبي ريحانة أن النبي، صلى الله عديه وسلم، قال: "من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزًّا وفخرًا فهو عاشرهم في النار".
تفرد به أحمد، وأبو ريحانة هذا هو أزدي، ويقال: أنصاري. واسمه شمعون بالمعجمة فيما قاله البخاري، وقال غيره: بالمهملة، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ أي: إنكم [¬٣] إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم ورضيتم بالجلوس معهم في المكان الذي يكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، فلهذا قال تعالى: ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ في المأثم، كما جاء في الحديث (^٨٦٩): " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا
_________________
(١) - " المسند" (٤/ ١٣٤)، ورواه البخارى فى "التاريخ الكبير" (٢/ ٣٥٥)، وأبو على فى "مسنده" (٣/ ١٤٣٩) - ومن طريقه ابن عساكر قى "تاريخ دمشق" (٨/ ١٢٧/ مخطوط) - والطبرانى فى "الأوسط" (١/ رقم: ٤٤٣)، وأبو نعيم فى "أخبار أصبهان" (١/ ٣٣٥) (٢/ ٣٦٣)، والبيهقى فى "الشعب" (٤/ ٥١٣٢) من طرق عن أبى بكر بن عياش به. وقال الطبرانى: "لا يروى هذا الحديثُ عن أبى ريحانة إلا بهذا الإسناد، تفرد به أبو بكر بن عياش" وهو ثقة إمام غير أن شيخه مجهول، وعبادة لم يدرك أبا ريحانة، وبذلك أعله ابن الجوزى، فقال فى "المتناهية" (٢/ ١٢٩٥): "هذا حديث لا يصح، وحميد مجهول، وعبادة لم يدرك أبا ريحانة"، وبالثانية أعله البخارى فقال عقبه: "لا أراه إلا مرسلًا" واكتفى أبو عبد الرحمن الألبانى بإعلاله بضعف حميد فحسب، فرقم به (حديث ٢٤٣١) من "الضعيفة". ومع هذا فقد رمز لحسنه السيوطى فى "الجامع الصغير" ونقل المناوى فى "فيض القدير (٦/ ٨٩) عن ابن حجر فى "الفتح" قال: "إسناده حسن" ومن قبله قال شيخه الهيثمى فى "المجمع" (٨/ ٨٨): "رواه أحمد والطبرانى فى "الكبير" و"الأوسط" وأبو يعلى، ورجال أحمد ثقات!!
(٢) - رواه الترمذى، كتاب: الأدب، باب: ما جاء فى دخول الحمام (٢٨٠١) وأبو يعلى فى "مسنده" (٣/ ١٩٢٥) من طريق ليث بن أبى سليم عن طاوس عن جابر به مطولًا. وقال الترمذي:= [¬١]- في ت: "الإلجاء". [¬٢]- في ز: "على". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٣١٣ ]
يجلس على مائدة يدار عليها الخمر".
والذي أُحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك، هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم﴾ الآيه. قال مقاتل بن حيان نسخت هذه الآية التي في سورة [¬١] الأنعام. يعني: نسخ قوله: ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ لقوله: ﴿وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون﴾
وقوله: ﴿إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا﴾ أي: كما اشتركوا [¬٢] في الكفر، كذلك شارك الله بينهم في الخلود في نار جهنم أبدًا، وجمع بينهم في دار العقوبة والنكال والقيود والأغلال وشرب [¬٣] الحميم والغسلين لا الزلال.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾
يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفرة [¬٤] عليهم، وذهاب ملتهم. ﴿فإن كان لكم [¬٥] فتح من الله﴾ أي: نصر وتأييد وظفر وغنيمة، ﴿قالوا ألم نكن معكم﴾ أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، ﴿وإن كان للكافرين نصيب﴾ أي: إدالة على المؤمنين في بعض الأحيان، كما وقع يوم أحد؛ فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة؛ ﴿قالوا ألم نستحوذ عليكم وتمنعكم من المؤمنين﴾
_________________
(١) = حديث حسن غريب، لا نعرفه من حديث طاوس عن جابر إلا من هذا الوجه، قال محمد بن إسماعيل - البخارى -: ليث بن أبى سليم صدوق ربما يهم فى الشيء … " لكن أصل الحديث ثابت عن جابر، فقد رواه أحمد (٣/ ٣٣٩) من طريق ابن لهيعة والنسائى (١/ ١٩٨) جزء من المطول، والحاكم (٤/ ٢٨٨) من طريق عطاء، كلاهما (ابن لهيعة وعطاء) عن أبى الزبير عن جابر به، وصححه الحاكم على شرط مسلم: ووافقه الذهبى، وجود إسناده الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٩/ ٢٥٠) وذكر له شواهد، وحسنه أبو عبد الرحمن الألبانى فى "غاية المرام" (ح ١٩٠) و"آداب الزفاف" (ص ٦٧). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ت: "أشركوكم". [¬٣]- فى ت: "شراب". [¬٤]- في م: "الكفر". [¬٥]- في ز: "لهم".
[ ٤ / ٣١٤ ]
أي: ساعدناكم في الباطن، وما ألوناهم خبالًا وتخذيلًا حتى انتصرتم عليهم.
وقال السدي: ﴿نستحوذ عليكم﴾: نغلب عليكم؛ كقوله: ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ وهذا أيضًا تودد منهم إليهم؛ فإنهم كانوا يصانعون هؤلاء وهؤلاء ليحظوا عندهم، ويأمنوا كيدهم، وما ذاك إلا لضعف إيمانهم، وقلة إيقانهم.
قال الله تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: بما يعلمه منكم أيها المنافقون، من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهرًا في الحياة الدنيا، لما له في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم [¬١] ظواهركم؛ بل هو يوم تبلى فيه السرائر ويُحَصَّل ما في الصدور.
وقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (^٨٧٠): أنبأنا الثوري، عن الأعمش، عن ذر عن [¬٢]، يُسَيْعٍ الكندي، قال: جاء رجل إلى على بن أبي طالب فقال: كيف هذه الآية ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾؟ فقال على ﵁: ادنه ادنه، [ثم قال] [¬٣]: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
وكذا روى ابن جريج (^٨٧١) عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ قال: ذاك يوم القيامة. وكذا روى السدي عن أبي مالكٍ الأشجعي: يعني يوم القيامة. وقال السدي: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: حجة.
_________________
(١) - ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧١٥) ورواه أيضًا (١٠٧١٦) من طريق عبد الرحمن بن مهدى، والحاكم فى "المستدرك" (٢/ ٣٠٩) من طريق أبى حذيفة، كلاهما عن سفيان الشورى به. ورواه ابن جرير أيضًا (٩/ ١٠٧١٤) من طريق جرير عن الأعمش به، و(٩/ ١٠٧١٧) وابن أبى حاتم (٤/ ٦١٣٥) من طريق الفضل بن موسى ثنا الأعمش به. من طريق غندر عن شعبة سمعت سليمان الأعمش يحدث عن ذر عن رجل عن علي به. ولا يضره ذلك؛ لأنه قد زال إبهامه فى طرق أخرى، وقد صحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبى، وزاد نسبته السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤١٦) إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٢) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧١٩) وهو منقطع بين ابن عباس وعطاء، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤١٦) إلى ابن المندر. [¬١]- في ز: "ينفعكم". [¬٢]- في م: "بن". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٤ / ٣١٥ ]
ويحتمل أن يكون المعنى [¬١]: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: في الدنيا، بأن يسلطوا عليهم استيلاء استئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس؛ فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وعلى هذا فيكون ردًّا على المنافقين فيما أملوه وتربصوه [¬٢] وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعتهم الكافر كان خوفًا على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿نادمين﴾.
وقد استدل كثير من الفقهاء [¬٣] بهذه الآية الكريمة على أصح قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافرين [¬٤] لما في صحة ابتياعه من التسليط له [¬٥] عليه، والإذلال [¬٦]، ومن قال منهم بالصحة يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال، لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾
قد تقدم في أول سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ وقال هاهنا: ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ ولا شك أن الله لا يخادع؛ فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم يعتقدون أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهرًا، فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده، كما أخبر تعالى عنهم أنهم يوم القيامة، يحلفون له: أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده [كما قال] [¬٧] تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ الآية.
_________________
(١) [¬١]- في ز: "المراد". [¬٢]- في خ: "ورجوه". [¬٣]- في خ: "العلماء". [¬٤]- في ز: "من الكافر"، خ: "من الكافرين". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "والإخلال". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ر: "فقال".
[ ٤ / ٣١٦ ]
وقوله: ﴿وهو خادعهم﴾ أي: هو الذي يستدرجهم فى طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق، والوصول إليه في الدنيا، وكذلك فى [¬١] القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وقد ورد فى الحديث (^٨٧٢): " من سمَّع [¬٢]، سمع الله به ومن راءى راءى الله به". وفي [الحديث الآخر] [¬٣]: "إن الله يأمر بالعبد إلى الجنة فيما يبدو للناس، ويعدل به إلى النار". عياذًا بالله من ذلك!
وقوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ الآية. هذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها وهي الصلاة، إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، ولا يعقلون معناها، كما روى ابن مردويه (^٨٧٣) من طريق عبيد الله بن زَحْر، عن خالد بن أبي عمران، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس؛ قال: يكره أن يقوم الرجل إلى الصلاة وهو كسلان، ولكن يقوم إليها طلق الوجه، عظيم الرغبة شديد الفرح، فإنه يناجي الله، كان الله أمامه [¬٤] يغفر له ويجيبه إذا دعاه، ثم يتلو ابن عباس هذه الآية: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾.
وروي من غير هذا الوجه، عن ابن عباس نحوه.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ هذه صفة ظواهرهم، كما قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ ثم ذكر تعالى صفة بواطنهم الفاسدة، فقال:
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الرقاق، باب: الرياء والسمعة (٦٤٩٩) ومسلم، كتاب: الزهد والرقائق، باب: من أشرك فى عمله غير الله (٤٨) (٢٩٨٦) من حديث جندب بن عبد الله، ورواه مسلم أيضًا (٤٧) (٢٩٨٦) من حديث ابن عباس.
(٢) - لم أجده معزوًّا لابن مردويه فى غير هذا الموطن، وإسناده حسن، وقد رواه ابن أبى حاتم (٤/ ٦١٣٩)، وابن أبى الدنيا فى "الصمت" (رقم: ٣٦٧) من طريقين عن مسعر بن كدام عن سماك الحنفى عن اليمن عباس أنه كان يكره أن يقول الرجل: إنى كسلان ويتأول هذه الآية. وهذا إسناد حسن. والخبر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤١٧) وزاد عزوه إلى ابن المنذر. [¬١]- في ت: "يوم". [¬٢]- يقال: سمعت بالرجل تسميعًا وتسمعةَ: إذا أشهرته وندَّدْت به. وسمَّع فلان بعمله: إذا أظهره ليسمع. وقيل: أراد: من سمع الناس بعمله سمعه الله وأراه ثوابه من غير أن يعطيه. وقيل: من أراد بعمله الناس أسمعه الله الناس، وكان ذلك ثوابه. [¬٣]- في ز: "حديث آخر". [¬٤]- في ت: "تجاهه".
[ ٤ / ٣١٧ ]
﴿يراءون الناس﴾ أي: لا إخلاص لهم، [ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة] [¬١]؛ ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة، وصلاة الصبح في وقت الغلس، كما ثبت في الصحيحين (^٨٧٤) أن رسول الله، ﷺ، قال: "أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم أمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال ومعهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار [¬٢] ".
وفي رواية: "والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عَرْقًا ثمينا أو مرماتين [¬٣] حسنتين، لشهد الصلاة" (^٨٧٥)، " ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار" (^٨٧٦).
وقال الحافظ أبو يعلى (^٨٧٧): حدّثنا محمد [بن إبراهيم بن] [¬٤] أبي بكر المقدمي، حدثنا
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الأذان، باب: فضل العشاء فى الجماعة (٦٥٧)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاة الجماعة (٢٥٢) (٦٥١)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: فى التشديد فى ترك الجماعة (٥٤٨)، وابن ماجه (٧٩١، ٧٩٧) من طرق عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة مرفوعًا به.
(٢) - رواه البخارى، كتاب: الأذان، باب: وجوب صلاة الجماعة (٦٤٤)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة (٢٥١) (٦٥١)، والنسائى (٢/ ١٠٧) من طريق أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعًا به.
(٣) - رواه أحمد (٢/ ٣٦٧) ثنا خلف ثنا أبو معشر عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة مرفوعًا به، وأبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن السندى، ضعفه الجمهور، وبه أعله الهيثمى فى "المجمع" (٢/ ٤٥) فقال: "رواه أحمد، وأبو معشر ضعيف، ومع هذا فقد أشار لهذه الرواية ابن حجر فى "الفتح" (٢/ ١٢٦) وسكت عنها!!.
(٤) - مسند أبى يعلى (٩/ ٥١١٧) ويعيده المصنف كما هنا عند خاتمة سورة الكهف، وقد رواه عبد الرزاق فى "المصنف" (٢/ رقم ٣٧٣٨) عن سفيان الشورى، والبيهقى فى "السنن الكبرى"= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز [¬٢]- في ز: "في النار". [¬٣]- العَرْق: العظم إذا أخذ عن مُعظم اللحم. والمرماة: ظلف الشاة. وقيل: ما بين ظلفها. وقيل: المرماة السهم الصغير الذي يُتَعَلَّم به الرمي، وهو أحقر السهام وأدناها، أي: لو دُعى إلى أن يُعطى سهمين من هذه السهام لأسرع الإجابة. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "هو ابن".
[ ٤ / ٣١٨ ]
محمد بن دينار، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله طيه وسلم: "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه ﷿".
وقول: ﴿ولا يذكرون الله إلا قليلًا﴾ أي: في صلاتهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون، بل هم عن [¬١] صلاتهم ساهون لاهون، وعما يراد بهم من الخير معرضون.
وقد روى الإمام مالك (^٨٧٨)، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله، ﷺ: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يجلس يرقب الشمس؛ حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا".
وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث إسماعيل بن جعفر المدني، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقوله: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ يعني: المنافقين محيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرهم معَ المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل
_________________
(١) = (٢/ ٢٩٠) من طريق زائدة بن قدامة، كلاهما (الثورى وزائدة) عن إبراهيم الهجرى به. وإبراهيم بن مسلم الهجرى هذا ضعفه الجمهور، وبه أعله الهيثمى فى "المجمع" (١٠/ ٢٢٤) فقال: "رواه أبو يعلى، وفيه إبراهيم بن مسلم الهجرى، وهو ضعيف، ومن قبل الهيثمى ذكره المنذرى فى "الترغيب والترهيب" (١/ ٦٧ /رقم ١٨) وقال: "رواه عبد الرزاق فى كتابه وأبو يعلى، كلاهما من رواية إبراهيم ابن مسلم الهجرى عن أبى الأحوص عنه، ورواه من هذه الطرق ابن جرير الطبرى - ولم أقف عليه فى تفسيره فى مظانه فلعله فى كتاب آخر له والله أعلم - مرفوعًا أيضًا وموقوفًا على ابن مسعود وهو أشبه ومع هذا فقد حسنه ابن حجر كما فى "المطالب العالية" (٣/ ١٨٣/ ٢٣٠٠)!! ورمز لضعفه السيوطى فى "الجامع الصغير" (٦/ ٨٣٣٧ فيض) ورقم به أبو عبد الرحمن الألبانى (حديث ٥٣٦١) من "ضعيف الجامع الصغير".
(٢) - رواه مالك فى "الموطأ" كتاب: الصلاة، باب: النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر (١/ ٢٢١) ومن طريقه أحمد (٣/ ١٤٩، ١٨٥)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: وقت العصر (٤١٣)، ورواه مسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب التبكير كالعصر (١٩٥) (٦٢٢)، والترمذى، كتاب: الصلاة، كتاب: ما جاء فى تعجيل العصر (١٦٠)، والنسائى، كتاب: المواقيت، باب: التشديد فى تأخير العصر (١/ ٢٥٤) من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن به. [¬١]- في خ: "في".
[ ٤ / ٣١٩ ]
إلى أولئك، ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ الآية.
وقال مجاهد: ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء﴾، يعني: أصحاب محمد، ﴿ولا إلى هؤلاء﴾ يعني اليهود.
وقال ابن جرير (^٨٧٩): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، قال: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة [¬١] بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيتهما تتبع".
تفرد به مسلم، وقد رواه (^٨٨٠) عن محمد بن المثنى مرة أخرى، عن عبد الوهاب، فوقف به على ابن عمر، ولم يرفعه. قال: حدثنا به عبد الوهاب مرتين، كذلك.
قلت: وقد رواه الإِمام أحمد (^٨٨١)، عن إسحاق بن يوسف عن عبيد الله، به مرفوعًا، وكذا رواه إسماعيل بن عياش، وعلى بن عاصم، عن عبيد الله، [عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا] [¬٢]. وكذا رواه عثمان بن محمد بن أبي شيبة، عن عبدة، عن عبد الله، به مرفوعًا. ورواه حماد بن سلمة، عن عبيد الله أو عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا. ورواه أيضًا صخر بن جويرية، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ، بمثله.
وقال الإمام أحمد (^٨٨٢): حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا الهذيل بن بلال، عن ابن [¬٣] عبيد، عن أبيه: أَنه جلس ذات يوم بمكة وعبد الله بن عمر معه، [فقال أبي] [¬٤]: قال رسول الله،
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٢٨)، ورواه أحمد (٢/ ٤٧، ١٠٢، ١٤٣)، ومسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم (١٧) (٢٧٨٤) من طرق عن عبيد الله به. ورواه مسلم أيضًا والنسائى (٨/ ١٢٤) من طريق موسى بن عقبة عن نافع به.
(٢) - يعنى ابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٧٢٩) ولا يضره وقف عبد الوهاب له؛ لأنه قد رواه مرة موقوفًا كما تقدم، ثم إن الجماعة رووه مرفوعًا فانظر الآتى.
(٣) - " المسند" (٢/ ٤٧)، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٣٠) من طريق إسماعيل بن عياش عن عبيد الله به. ولم أهتد له من باقى طرقه.
(٤) - " المسند" (٢/ ٦٨) وهذيل بن بلال وهاه ابن معين، وضعفه ابن سعد وأبو داود والنسائى= [¬١]- أي: المترددة قطيعين، لا تدري أيهما تتبع. [¬٢]- في ز: "به مرفوعًا عن نافع عن ابن عمر مرفوعا". [¬٣]- سقط من: م [¬٤]- في م: "فقال بن أبي عبيدة، قال أبي".
[ ٤ / ٣٢٠ ]
ﷺ: "إن مثل المنافق يوم القيامة كالشاة بين الربيضين [¬١] من الغنم؛ إن أتت هؤلاء نَطَحْنَها [¬٢]، وإن أتت هؤلاء نَطَحْنَها" فقال له ابن عمر: كذبت. فأثنى القوم على أبي خيرًا أو معروفًا، فقال ابن عمر: لا أظن صاحبكم إلا كما تقولون، ولكني [شاهد نبي] [¬٣] الله، إذ قال: "كالشاة بين الغنمين [¬٤] "، فقال: هو سواء، فقال: هكذا سمعته.
وقال [¬٥] الإِمام [¬٦] أحمد (^٨٨٣): حدثنا يزيد، حدثنا المسعودي، عن أبي [¬٧] جعفر محمَّد بن على قال: بينما عبيد بن عمير يقص وعنده عبد الله بن عمر، فقال عبيد بن عمير، قال رسول الله، ﷺ: "مثل المنافق كشاة [¬٨] بين ربيضين إذا أتت هؤلاء نَطَحْنَها، وإذا أتت هؤلاء نطحتها [¬٩] "، فقال ابن عمر: ليس كذلك قال رسول الله، ﷺ، إنما قال رسول الله، ﷺ: "كشاة بين غنمين [¬١٠] " قال: فاحتفظ [¬١١] [¬١٢] الشيخ وغضب، فلما رأى ذلك ابن عمر قال: أما إني لو لم أسمعه لم أردد ذلك عليك.
(طريق [¬١٣] أخرى عن ابن عمر) قال الإِمام أحمد (^٨٨٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر،
_________________
(١) = والدارقطنى وقال أبو زرعة: ليس بالقوى، وقال ابن حبَّان: يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل على قلة روايته، فصار متروكًا، وقال أبو حاتم الرازى: محله الصدق، يكتب حديثه، ووثقه معاوية بن صالح، وقال أحمد: لا أرى به بأسًا. راجع "تعجيل المنفعة" لابن حجر (ت: ١١٢٩) وانظر ما بعده.
(٢) - " المسند" (٢/ ٣٢) والمسعودى - هو عبد الرحمن بن عبد الله - اختلط، وسماع يزيد منه بعد الاختلاط، ورواه الطيالسى في "مسنده" (١٨٠٢) ثنا المسعودى به والطيالسى ممن سمع من المسعودى بعد الاختلاط أيضًا. لكن رواه الحميدى (٦٨٨)، وأحمد (٢/ ٨٢)، والدارمى (٣٢٤) وابن حبَّان في "صحيحه" (١/ح ٢٦٤/ إحسان)، والبيهقيُّ في "الشعب" (٦/ ٨٤٣٧) من طريق محمَّد بن سوقة عن أبي جعفر به، وهذا إسناد صحيح.
(٣) - " المسند" (٢/ ٨٨) وصحح إسناده أبو الأشبال في حاشيته على "المسند" (٨/ رقم ٥٦١٠). [¬١]- الرَّبيض: الغنم نفسها. وروي: "كالشاة بين الربضين" والربض: الموضع الذي تربض فيه الغنم. [¬٢]- في ز، خ: نطحتها. والمثبت من المسند. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "شاهدى". [¬٤]- في خ: "الغنيمين". [¬٥]- في خ: "قال". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في ز، خ: "ابن". [¬٨]- في خ: "كالشاة". [¬٩]- في ز، خ: نطحتها. المثبت من المسند. وقد تكررت وصححت جميعها من المسند. [¬١٠]- في م: "غنيمين". [¬١١]- في ز: "فاختطف". [¬١٢]- احتفظ: مطاوع أحفظه، بمعنى أغضبه. [¬١٣]- في خ: "طريقة".
[ ٤ / ٣٢١ ]
عن عثمان بن بودويه، عن يعفر بن روذي قال: سمعت عبيد بن عمير، وهو يقص يقول: قال رسول الله ﷺ: "مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين" فقال ابن عمر: ويلكم! لا تكذبوا على رسول الله، ﷺ، إنما قال رسول الله ﷺ: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين". [ورواه أحمد أيضًا من طرق عن عبيد بن عمير عن ابن عمر] [¬١].
وقال ابن أبي حاتم (^٨٨٥): حدثنا أبي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: مثل المؤمن والمنافق والكافر مثل ثلاثة نفر انتهوا إلى واد فدفع أحدهم فعبر، ثمَّ وقع الآخر حتى إذا أتى على نصف الوادي، ناداه الذي على شفير الوادي: ويلك! أين تذهب؟ إلى الهلكة! ارجع عودك على بدئك [¬٢]، وناداه الذي عبر: هلم إلى [¬٣] النجاة، فجعل ينظر إلى هذا مرّة، وإلى هذا مرّة، قال: فجاءه سيل فأغرقه، فالذي عبر المؤمن والذي غرق المنافق ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ والذي مكث الكافر.
وقال ابن جرير (^٨٨٦): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا شعبة، عن قتادة ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ يقول: ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا مشركين مصرحين بالشرك. قال: وذكر لنا أن نبي الله، ﷺ، كان يضرب مثلًا للمؤمن وللمنافق وللكافر، كمثل رهط ثلاثة دفعوا [¬٤] إلى نهر، فوقع المؤمن فقطع، ثمَّ وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن، ناداه الكافر: أن هلم إليَّ، فإني أخشى عليك. وناداه المؤمن: أن هلم إليّ، فإنّ عندي وعندي، يحصي [¬٥] له ما عنده، فما زال المنافق يتردّد بينهما حتى أتى آذيٌّ [¬٦] فغرَّقه، وإنّ المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت، وهو كذلك. قال وذكر لنا أن نبي الله، ﵌، كان يقول: "مثل المنافق كمثل ثاغية [¬٧] بين غنمين، رأت غنمًا على نَشَزٍ [¬٨]. فأتتها وشامَّتها [¬٩]
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٤٤) ولم يعزه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤١٧) لغيره، وإسناده. صحيح، ولا تضر عنعنة أبي إسحاق هنا؛ لأنَّ إسرائيل حفيده، من أثبت الناس فيه.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٣٢) وإسناده صحيح إلى قتادة. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "يديك". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "وقعوا". [¬٥]- في ز: "يحطي". [¬٦]- الآذي: الموج الشديد. [¬٧]- الثاغية: الشاة. [¬٨]- النشز: المكان المرتفع من الأرض. [¬٩]- شامتها: أي دنت إليها وشمتها، لتعرف أهي أخواتها أم غيرها. قال: شاممت فلانًا: إذا قاربته =
[ ٤ / ٣٢٢ ]
فلم [¬١] تُعْرَفْ، ثمَّ رأت غنمًا على نشز فأتتها فشامَّتها فلم تعرف".
ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي ومن صرفه عن طريق الهدى ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ فإنَّه ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ والمنافقون الذين أضلهم عن سبيل النجاة فلا هادي [¬٢] لهم، ولا منقذ لهم مما هم فيه، فإنَّه تعالى لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾
ينهى الله [¬٣] تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني [¬٤] مصاحبتهم ومصادقتهم، ومناصحتهم وإسرار المودَّة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم.
قال ابن أبي حاتم (^٨٨٧): حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قوله: ﴿سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ قال [¬٥]: كل سلطان
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥١) وإسناده صحيح، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤١٨) إلى عبد الرزاق، وابن مردويه. = وتعرفت ما عنده بالاختبار والشم. [¬١]- في خ: "لم". [¬٢]- في خ: "هدى". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
في القرآن حجة.
وهذا إسناد صحيح، وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، والضحاك، والسدي، والنضر بن عربي.
ثمَّ أخبر تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ. قال الوالبي (^٨٨٨)، عن ابن عباس: ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ أي: في أسفل النار، وقال غيره: النار دركات كما أن الجنة درجات. وقال سفيان الثوري: عن عاصم، عن ذكوان أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت ترتج عليهم. كذا رواه ابن جرير (^٨٨٩): عن ابن وكيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان الثوري [¬١]، به. ورواه ابن أبي حاتم (^٨٩٠) عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم [¬٢]، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم.
وقال ابن جرير (^٨٩١): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن خيثمة، عن عبد الله - يعني ابن مسعود -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من نار تطبق عليهم. [أي: مغلقة مقفلة] [¬٣].
ورواه ابن أبي حاتم (^٨٩٢): عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم. ومعنى قوله: مبهمة، أي: مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٤٤)، وابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥٥) ولم يعزه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤١٩) لغيرهما، والوالبى هو على بن أبي طلحة، لم يسمع من ابن عباس.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٤٣) وسفيان بن وكيع ضعيف، لكنه صح من وجه آخر، فانظر الآتى.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥٤) وإسناده صحيح.
(٤) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٤٦) وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.
(٥) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥٣) ورواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٨/ ٩٢) ثنا وكيع به. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "عليها". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٣٢٤ ]
وقال [¬١] ابن أبي حاتم (^٨٩٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو أسامة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا على بن يزبد، عن القاسم بن عبد الرحمن: أن ابن مسعود سئل عن المنافقين فقال: يجعلون في توابيت من نار تطبق عليهم في أسفل درك من النار.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
ثمَّ أخبر تعالى أن من تاب في الدنيا، تاب عليه، وقبل ندمه وإذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره فقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ أي: بدلوا الرياء بالإِخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قلَّ.
قال ابن أبي حاتم (^٨٩٤): أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى ابن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران، [] [¬٢] عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله، ﷺ، قال: "أخلص [¬٣] دينك يكفك القليل من العمل".
﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: في زمرتهم يوم القيامة ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ثمَّ قال تعالى مخبرًا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم فقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٥٦) وإسناده ضعيف لضعف على بن يزيد وهو الألهانى، ورواه ابن أبي الدنيا في "صفة النار" (رقم: ١٠٠) وإسناد ضعيف أيضًا، وصح من وجه آخر كما تقدم.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٦٢)، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣٠٦) وعنه البيهقي في "الشعب" (٥/ ٣٤٢، ٣٤٣/ ٦٨٥٩) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٤٤) من طريقين عن عبد الله بن وهب به. وتحرف شيخ الن زحر في "المستدرك" إلى "الوليد بن أبي عمران"، وقد رواه ابن أبي الدنيا في "الإخلاص" - كما في "الدر المنثور" (٢/ ٤١٩) ومن طريقه الحاكم وعن الحاكم البيهقي في "الشعب" (٥/ ٦٨٥٩) قال البيهقي: "وكذلك رواه يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب، وعمرو بن مرة هذا هو الجهمى، كذا قال شيخنا أبو عبد الله الحاكم - إنما أراد عمرو بن مرة الذي له صحبة، وقد قال في موضع آخر - فذكر إسناد المستدرك وفيه عمرو بن مرة الجملى. قال البيهقي: هذا هو الكوفى الذي ليست له صحبة، ولا أدرك معاذًا، فيكون الحديث مرسلًا ومع هذا فقد صحح إسناده الحاكم!! وتعقبه الذهبي، ورقم به أبو عبد الرحمن الألباني حديث (٢١٦٠) من "الضعيفة" وأعله بضعف عبيد الله بن زحر والانقطاع بين عمرو بن مرة ومعاذ. [¬١]- في ت: "وروى". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: عن عمران. وهي زيادة مقحمة. [¬٣]- في ز: "خلص".
[ ٤ / ٣٢٥ ]
﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ أي: من شكر شكر له، ومن آمن قلبه به، علمه وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.
﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾
قال على [¬١] بن أبي طلحة (^٨٩٥) عن ابن عباس [في الآية] [¬٢] ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلومًا، فإنَّه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ وإن صبر فهو خير له.
وقد [¬٣] قال أبو داود (^٨٩٦): حدثنا عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة، قالت [¬٤]: سرق لها شيء فجعلت تدعو عليه، فقال النبي ﷺ: "لا تسبخي [¬٥] عنه".
وقال الحسن البصري (^٨٩٧): لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه واستخرج حقي منه.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٤٩) وابن أبي حاتم (٤/ ٦١٦٧)، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٢٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وعلى بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.
(٢) - سنن أبى داود، كتاب: الأدب، باب: فمن دعا على من ظلم (٤٩٠٩)، ورواه أحمد في "المسند" (٦/ ١٢٦)، والنسائيُّ فى "الكبرى" (٤/ ٧٣٥٩) والبغويُّ في "شرح السنة" (٥/ ١٣٥٤) من طريق سفيان الثورى به. ورواه أحمد (٦/ ٤٥) وإسحاق بن راهويه فى "مسنده" (٣/ ٦٧٩) وابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/ ٩٣)، وفى "السنن" (١٤٩٧) من طريق الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت به. ورجاله ثقات غير أن حبيب بن أبي ثابت مدلس وقد عنعن، وقد رواه النسائي من طريق سفيان عن حبيب عن عطاء مرسلًا وقد رواه أحمد أيضًا (٦/ ٢١٥) من طريق إبراهيم بن مهاجر عن إبراهيم عن عائشة به وإبراهيم بن مهاجر ضعيف وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة. والحديث لم يعزه السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٢٠) لغير أبي داود وقد رقم به أبو عبد الرحمن الألباني حديث (٦٢٣٣) من "ضعيف الجامع الصغير".
(٣) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٥٢) بإسناد صحيح إلى الحسن، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٢٠) إلى ابن المنذر. [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: م. [¬٤]- في م: "قال". [¬٥]- أي لا تخففي عنه الإثم الذي استحقه بالسرقة.
[ ٤ / ٣٢٦ ]
وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه.
وقال عبد الكريم بن مالك الجزري (^٨٩٨) في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفترِ عليه؛ لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وقد [¬١] قال أبو داود (^٨٩٩): حدثنا [¬٢] القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: "المستبان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم".
وقال عبد الرزاق (^٩٠٠): أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: ضاف رجل رجلًا، فلم يؤدّ إليه حق ضيافته، فلما خرج أخبر الناس فقال: ضفت فلانًا فلم يؤدّ الي حق ضيافتي. قال [¬٣]: فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم [حين لم] [¬٤] يؤدّ إليه الآخر حق ضيافته.
وقال محمَّد بن إسحاق (^٩٠١): عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ قال: قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يحسن. وفي رواية: هو الضيف المحول رحله، فإنَّه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.
وكذا روي عن غير واحد، عن مجاهد نحو هذا، وقد روى الجماعة (^٩٠٢) - سوى النسائي
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم (٤/ ٦١٧٢) بإسناد صحيح إليه.
(٢) - " السنن" لأبى داود، كتاب: الأدب، باب: المستبَّان (٤٨٩٤) ورواه أحمد (٢/ ٢٣٥، ٤٨٨، ٥١٧)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب باب: النهى عن السباب (٦٨) (٢٥٨٧) والترمذي، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء فى الشتم (١٩٨١) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن به.
(٣) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٦) ومن طريقه رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٦٠) وابن أبي حاتم (٤/ ٦١٦٨) والمثنى ضعيف لكن رواه ابن جرير (٩/ ١٠٧٦١) من طريق حجاج قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: وهذا فيه تدليس ابن جريج لكن له وجوه أخرى صحيحة انظر تفسير ابن جرير (٩/ ٣٤٦، ٣٤٧) وابن أبي حاتم (٤/ ٦١٧٠).
(٤) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٧٥٣، ١٠٧٥٥).
(٥) - رواه البخاري، كتاب: المظالم، باب: قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه (٢٤٦١) وكتاب: الأدب، باب: إكرام الضيف (٦١٣٧)، ومسلم، كتاب: اللقطة، باب: الضيافة ونحوها = [¬١]- سقط من: م. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في م: "حتى".
[ ٤ / ٣٢٧ ]
والترمذي - من طريق الليث بن سعد - والترمذي من حديث ابن لهيعة - كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر؛ قال: قلنا: يا رسول الله، ﷺ، إنك تبعثنا [¬١] فننزل بقوم فلا يقرونا، فما ترى في ذلك؟، فقال: "إذا نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم".
وقال الإِمام أحمد (^٩٠٣): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث عن سعيد بن المهاجر، عن المقدام أبي [¬٢] كريمة [¬٣]، عن النبي، ﷺ، أنَّه قال: "أيما مسلم ضاف قومًا فأصبح الضيف محرومًا، فإن حقًّا على كل مسلم نصره حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله".
تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال أحمد أيضًا (^٩٠٤): حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، حدثني منصور، عن الشعبي، عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله، ﷺ، يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محرومًا كان
_________________
(١) = (١٧) (١٧٢٧)، وأبو داود، كتاب: الأطمعة، باب: ما جاء في الضيافة (٣٧٥٢)، وابن ماجه، كتاب: الأدب، باب: حق الضيف (٣٦٧٦) وأحمد في "المسند" (٤/ ١٤٩) من طريق الليث بن سعد به. ورواه الترمذي (١٥٨٩) ثنا قتيبة ثنا ابن لهيعة عن يزيد به. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن، وقد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب أيضًا، وإنما معنى هذا الحديث أنهم كانوا يخرجون في الغزو فيمرون بقوم لا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن، وقال النبي ﷺ "إن أبوا أن يبيعوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا، هكذا روى في بعض الحديث مفسرًا. . .".
(٢) - " المسند" (٤/ ١٣٣) ورواه أيضًا (٤/ ١٣١، ١٣٣)، والطيالسى في "مسنده" (١١٤٩) - ومن طريقه المزى فى "تهذيب الكمال" (١١/ ٨٢، ٨٣/ ت ٢٣٦٢) - والدارمى (٢٠٤٣)، وأبو داود (٣٧٥١)، والبغويُّ في "شرح السنة" (١١/ ٣٠٠٤) من طرق عن شعبة به. ورجاله ثقات غير سعيد بن المهاجر لم يوثقه غير ابن حبَّان "الثقات" وجهله ابن القطان، وابن حجر في "التقريب" وللحديث إسناد آخر، انظر الآتى.
(٣) - " المسند" (٤/ ١٣٠) ورواه أيضًا (٤/ ١٣٠، ١٣٢، ١٣٣)، وأبو داود (٣٧٥٠)، وابن ماجه (٣٦٧٧)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٤٤) وغيرهم من طرق عن منصور به. وإسناده صحيح، ولذلك رقم به أبو عبد الرحمن الألباني حديث (٢٢٠٤) من "الصحيحة". [¬١]- في ز: "بعثتنا". [¬٢]- في خ: ابن أبي. وهو تحريف. والمقدام: هو ابن معدي كرب الكندي. صحابي مشهور. [¬٣]- في خ: "كريم".
[ ٤ / ٣٢٨ ]
دينًا له [¬١] عليه، إن [¬٢] شاء اقتضاه وإن شاء تركه".
ثمَّ رواه أيضًا عن غندر، عن شعبة. وعن زياد بن عبد الله البكائي، عن وكيع وأبي نعيم، عن سفيان الثوري، ثلاثتهم عن منصور، به، وكذا رواه أبو داود من حدث أبي عوانة، عن منصور، به.
ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزار (^٩٠٥): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا محمَّد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي، ﷺ، فقال: إن لي جارًا يؤذيني، فقال له: "أخرج متاعك فضعه على الطريق"، فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، [فجعل كل] [¬٣] من مر به قال: مالك؟، قال: جاري يؤذيني فيقول: اللهم العنه! اللهم اخزه! قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك والله [¬٤] لا أوذيك أبدًا.
وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمَّد بن عجلان، به.
ثمَّ قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإِسناد. ورواه أبو جحيفة وهب بن عبد الله، عن النبي، ﷺ (^٩٠٦)، ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي،
_________________
(١) - ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (١٢٤) والحاكم في "المستدرك" (٤/ ١٦٥، ١٦٦) من طريق صفوان بن عيسى به. وعلقه الذهبي في كتاب "حق الجوار" (رقم: ٥) من طريق حاتم بن إسماعيل وصفوان بن عيسى ثنا ابن عجلان به. ورواه أبو داود، كتاب: الأدب، باب: في حق الجوار (٥١٥٣) ثنا الربيع بن نافع ثنا سليمان بن حيان عن ابن عجلان به. وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم" وإسناده حسن لكلام مشهور في ابن عجلان، ثمَّ إن مسلمًا أخرج له متابعة، وللحديث شواهد انظر الآتى.
(٢) - رواه البزار (٢/ رقم ١٩٠٣/ كشف الأستار) والطبرانى فى "المعجم الكبير" (٢٢/ رقم ٣٥٦)، وعلقه الذهبي في "حق الجار" (رقم: ٥) من طريق شريك عن أبي عمر عن أبي جحيفة به. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٨/ ١٧٣) وقال: "رواه الطبرانى والبزار. . . وفيه أبو عمر المنبهى، تفرد عنه شريك، وبقية رجاله ثقات" كذا قال: وشريك سيئ الحفظ أيضًا، وأبو عمر هذا جهله غير واحد ومع هذا فقد صحح الحاكم (٤/ ١٦٦) الحديث على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو القاضى. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في م: "فإن". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في م: "فكل". [¬٤]- في خ: "وقال".
[ ٤ / ٣٢٩ ]
ﷺ (^٩٠٧).
وقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ أي: إن تظهروا أيها الناس خيرًا أو أخفيتموه أو عفوتم عمن أساء إليكم فإن ذلك مما يقرّبكم عند الله، ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أنَّه [¬١] يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم، ولهذا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ولهذا ورد في الأثر أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي الحديث الصحيح (^٩٠٨): " ما نقص مال من صدقة، وما [¬٢] زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله".
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
يتوعد ﵎ الكافرين به وبرسله من اليهود والنصارى، حيث فرّقوا بين الله ورسله في الإِيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنَّه لا سبيل لهم إلى ذلك، بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود عليهم لعائن الله آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمد - عليهما الصلاة السلام - والنصارى آمنوا بالأنبياء
_________________
(١) - رواه على بن الجعد - ومن طريقه ابن أبي الدنيا في "مكارم الأخلاق" (٣٢٥) والذهبى في "حق الجار" (٧) معلقًا - أخبرنى سلام بن مسكين نا شهر بن حوشب عن محمَّد بن يوسف بن عبد الله بن سلام أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال:. . . الحديث، وشهر بن حوشب ضعيف، وهذا منقطع، وقد رواه على بن أبي بكر الإسْفَذْنى عن سلَّام عن شهر فقال: عن محمَّد بن يوسف عن عبد الله بن سلام موصولًا، لكن الإسفذنى هذا يخطئ، وابن الجعد أضبط منه، وعلى كل ففى إسناده شهر، وهو ضعيف، ويغنى عنه حديث أبى هريرة السابق، والله الموفق،.
(٢) - رواه مسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب العفو والتواضع (٦٩) (٢٥٨٨) من حديث أبى هريرة. [¬١]- في خ: "أن". [¬٢]- في م: "ولا".
[ ٤ / ٣٣٠ ]
وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد، ﷺ، والسامرة لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران، والمجوس يقال: إنهم كانوا يؤمنون بنبي لهم [اسمه] [¬١]: زرادشت ثم كفروا بشرعه، فرفع من بين أظهرهم، والله أعلم.
والمقصود أن من كفر بنبى من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله إلى أهل الأرض، فمن ردّ نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي، تبيَن أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا [¬٢] شرعيًّا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ فوسمهم بأنهم كفار بالله ورسله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي: في الإيمان ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ أي: طريقًا ومسلكا، ثم أخبر تعالى عنهم فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ أي: كفرهم محقق لا محالة بمن ادعوا الإيمان به؛ لأنه ليس شرعيًّا، إذ لو كانوا مؤمنين به لكونه رسول الله، ﷺ، لآمنوا بنظيره وبمن هو أوضح دليلًا وأقوى برهانًا منه، أو نظروا حق النظر في نبوته.
وقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ أي: كما استهانوا بمن كفروا به، إما [¬٣] لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه وإقبالهم على جمع حطام الدنيا مما لا ضرورة بهم إليه، وإما بكفرهم به بعد علمهم بنبوته، كما كان يفعله كثير من أحبار اليهود في زمان رسول الله، ﷺ، حيث حسدوه على ما آتاه الله من النبوة العظيمة، وخالفوه وكذبوه وعادوه وقاتلوه، فسلط الله عليهم الذل الدنيوي الموصول بالذل الأخروي: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني بذلك: أمة محمد ﷺ، فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وكل [¬٤] نبي بعثه الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية.
ثم أخبر تعالى بأنه قد أعد لهم الجزاء الجزيل والثواب الجليل والعطاء الجميل، فقال: ﴿أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ [¬٥] أُجُورَهُمْ﴾ على ما آمنوا بالله ورسله ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أي: لذنوبهم، [] [¬٦] إن كان لبعضهم ذنوب.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "يقال له". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "بكل". [¬٥]- في ز: "نؤتيهم". [¬٦]- ما بين المعكوفين في خ: أي.
[ ٤ / ٣٣١ ]
﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)﴾
قال محمد بن كعب القرظي والسدي وقتادة: سأل اليهود رسول الله، ﷺ، أن ينزل عليهم [¬١] كتابًا من السماء كما نزلت [¬٢] التوراة على موسى مكتوبة.
قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفًا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإِلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة سبحان: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ الآيات، ولهذا قال تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾، أي: بطغيانهم وبغيهم وعتوهم وعنادهم، وهذا مفسر في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى، ﵇، في بلاد مصر، وما كان من إهلاك عدو الله فرعون هو [¬٣] وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة الأعراف وفي سورة طه بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، ﷿، [ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده،
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز، خ: "سألت". [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
فجعل يقتل بعضهم بعضًا، ثم أحياهم الله، ﷿] [¬١]، فقال [¬٢] الله تعالى: ﴿فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، ﵇، رفع الله على رءوسهم جبلًا، ثم ألزموا فالتزموا وسجدوا وجعلوا ينظرون إلى فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الآية.
﴿وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: فخالفوا ما أمروا به من القول والفعل، فإنهم أمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس سجدًا وهم يقولون حطة، أي: اللهم حط عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد، ونكولنا عنه حتى تهنا في التيه أربعين سنة، فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون: حنطة في شعرة.
﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ أي: وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم الله عليهم ما دام مشروعًا لهم، ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ أي: شديدًا، فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم [¬٣] الله ﷿ كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآيات، وسيأتي حديث صفوان بن عسال في سورة سبحان عند قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ وفيه: وعليكم خاصة يهود أن لا تعدوا في السبت.
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "مناهى".
[ ٤ / ٣٣٣ ]
الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾
وهذه [¬١] من الذنوب التي ارتكبوها، مما أوجب لعنتهم وطردهم وإبعادهم عن الهدى، وهو نقضهم المواثيق والعهود التي أخذت عليهم، وكفرهم بآيات الله، أي: حججه وبراهينه، والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء ﵈.
وقوله [¬٢]: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وذلك لكثرة إجرامهم واجترائهم على أنبياء الله، فإنهم قتلوا جمًّا غفيرًا من الأنبياء، ﵈، وقولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة وغير واحد: أي: في غطاء، وهذا كقول المشركين: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾، وقيل: معناه أنهم ادعوا أن قلوبهم غلف للعلم، أي: أوعية للعلم قد حوته وحصلته. رواه الكلبي (^٩٠٩) عن أبي صالح، عن ابن عباس، وقد تقدم نظيره في سورة البقرة.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون اليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله: بل هي مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة.
﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ [¬٣] إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان، وقلة الإيمان. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قال على بن أبي طلحة: عن ابن عباس: يعني [¬٤]: أنهم رمرها بالزنا.
وكذا [¬٥] قال السدي، وجويبر، ومحمد بن إسحاق، وغير واحد، وهو ظاهر من الآية أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية وقد حملت بولدها من ذلك، زاد بعضهم: وهي حائض، فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة.
وقولهم: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: هذا الذي يدعى لنفسه
_________________
(١) - هذا الإسناد ضعيف جدًّا، محمد بن السائب الكلبى منهم بالكذب وقد روى ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل (٧/ الترجمة ١٤٧٨) عن أبى عاصم النبيل قال: زعم لى سفيان الثورى، قال: قال لنا الكلبى: ما حدثت عن أبى صالح عن ابن عباس فهو كذب فلا ترووه. وروى عن أحمد بن أبى الحوارى عن مروان بن محمد قال: تفسير الكلبى باطل. [¬١]- في خ: "وهذا". [¬٢]- في خ: "قوله". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "وكذلك".
[ ٤ / ٣٣٤ ]
ذلك [¬١] [المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾] [¬٢].
وكان من خبر اليهود، عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه، أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله تعالى من النبوة والعجزات الباهرات التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله ويصور من الطين طائرًا ثم ينفخ فيه فيكون طائرًا يشاهد طيرانه بإذن الله، ﷿، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، ﵇، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه ﵉، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلًا مشركًا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان، وأنهوا إليه أن [ببيت] [¬٣] المقدس رجلًا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك من هذا وكتب إلى نائبه بالقدس [¬٤] أن يحتاط على هذا المذكور وأن يصلبه ويضع الشوك على رأسه ويكف أذاه عن الناس. فلما وصل الكتاب امتثل [متولي البلد] [¬٥] ذلك، وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى، ﵇، وهو في جماعة من أصحابه، اثنا [¬٦] عشر أو ثلاثة عشر، وقيل: سبعة عشر نفرًا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر ليلة السبت، فحصروه هنالك، فلما أحس بهم وأنه لا محالة من دخولهم عليه أو خروجه إليهم [¬٧] قال لأصحابه: أيكم يلقى عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ فانتدب لذلك شاب منهم، فكأنه استصغره عن ذلك، فأعادها ثانية وثالثة وكل ذلك لا ينتدب إلا ذلك الشاب فقال: أنت هو، وألقى الله عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت رَؤزنة [¬٨] من سقف البيت وأخذت عيسى، ﵇، سنة من النوم، فرفع إلى السماء وهو كذلك كما قال الله [¬٩] تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
فلما رفع خرج أولئك النفر، فلما رأى أولئك ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى فأخذوه في الليل
_________________
(١) [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- ما بين المعكوفين مكانه في ز: "أنت مجنون"، خ: "ذلك أنت". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "في بيت". [¬٤]- في م: "بالمقدس". [¬٥]- ما بين المعكوفين في ت: "وإلى بيت المقدس". [¬٦]- في خ: "اثني". [¬٧]- في ز، خ: "عليهم". [¬٨]- الروزنة: الكُوَّة غير النافذة. [¬٩]- سقط من ز.
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وصلبوه ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم سعوا في صلبه وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من [¬١] النصارى ذلك لجهلهم وقلة عقلهم، ما عدا من كان في البيت مع المسيح فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم طنوا كما ظن اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك المصلوب وبكت، ويقال: إنه خاطبها، والله أعلم.
وهذا كله من امتحان الله عباده؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد وضَّحَ [¬٢] الله الأمر وجلاه وبينه وأظهره في القرآن العظيم الذي نزله [¬٣] على رسوله الكريم المؤيد بالمعجزات والبينات والدلائل الواضحات، فقال تعالى وهو أصدق القائلين، وهو [¬٤] رب العالمين المطلع على السرائر والضمائر الذي يعلم السر في السموات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف [كان] [¬٥] يكون -: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: رأوا شبهه فظنوه إياه، ولهذا قال: ﴿وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ يعني بذلك من ادعى قتله من اليهود، ومن سلمه اليهم [¬٦] من جهال النصارى، كلهم في شك من ذلك وحيرة وضلال وسعر، ولهذا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أي: منيع الجناب، لا برام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه ﴿حَكِيمًا﴾ أي: فى جميع ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة [¬٧] البالغة والحجة الدامغة والسلطان العظيم والأمر القديم.
قال ابن أبي حاتم (^٩١٠): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما أراد الله [¬٨] أن يرفع
_________________
(١) - رواه ابن أبى حاتم فى (٤/ ١١١٠) (٦٢٣٣)، ورواه النسائى فى تفسيره (٦١١) قال: حدثنا محمد بن العلاء قال: حدثنا أبو معاوية … فذكره، ورواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره أيضًا (١٤/ ٩٢) عند تفسير الآية (١٤) من سورة الصف فقال: حدثنى أبو السائب قال حدثنا أبو معاوية … فذكر الخبر وقد نقله ابن كثير فى هذا التفسير المبارك عن هذا الموضع من تفسير الطبرى فى تفسير الآية المشار إليها = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في م: "أوضح". [¬٣]- في ت: "أنزله". [¬٤]- في م: "و". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "الحجة". [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
عيسى إلى السماء خرج على أصحابه - وفي البيت اثنا عشر رجلًا من الحواريين يعني فخرج عليهم من عين في البيت ورأسه يقطر ماء - فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، قال: ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي، فقام شاب من أحدثهم سنًّا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم فقام ذلك [¬١] الشاب، فقال: اجلس. ثم أعاد عليهم [¬٢] فقام الشاب فقال: انا، فقال: [أنت هو] [¬٣] ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء، قال: وجاء الطلب من اليهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه، فكفر [¬٤] به بعضهم اثنتي [¬٥] عشرة مرة بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق، فقالت طائفة [¬٦]: كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء، وهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله ما شاء الله [¬٧] ثم رفعه الله إليه، وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإِسلام طامسًا حتى بعث الله محمدًا، ﷺ.
وهذا اسناد صحيح إلى ابن عباس، ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه، وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال لهم: أيكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني وهو رفيقي في الجنة.
وقال ابن جرير (^٩١١): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن هارون بن عنترة، عن وهب بن منبه قال: أتى عيسى [وعنده] [¬٨] سبعة عشر من الحواريين في بيت فأحاطوا [¬٩] بهم، فلما دخلوا عليه صوّرهم الله، عز رجل، كلهم على صورة عيسى، فقالوا لهم: سحرتمونا ليبرزن لنا عيسى أو لنقتلنكم جميعًا، فقال عيسى لأصحابه: من يشري نفسه منكم اليوم بالجنة؟ فقال رجل منهم: أنا، فخرج اليهم فقال [¬١٠]: أنا عيسى، وقد صوره الله على
_________________
(١) = من سورة الصف، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٢٣) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن مردويه.
(٢) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٦٨) (١٠٧٧٩)، ويعقوب القمى هو يعقوب بن عبد الله بن سعد الأشعرى صدوق يهم، وهارون بن عنترة لا بأس به كذا فى "التقريب". [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "هو أنت". [¬٤]- في ز: "وكفر". [¬٥]- في ز: "اثني". [¬٦]- في ت: "فرقة". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في ت: "ومعه". [¬٩]- في ز: "أحاطوا". [¬١٠]- في خ: "وقال".
[ ٤ / ٣٣٧ ]
صورة عيسى، فأخذوه وقتلوه [¬١] وصلبوه. فمن ثم شبه لهم، فظنوا أنهم قد قتلوا عيسى، وظنت النصارى مثل ذلك أنه عيسى؛ ورفع الله عيسى من يومه ذلك.
وهذا سياق غريب جدًا.
قال ابن جرير (^٩١٢): وقد روي عن وهب نحو هذا القول، وهو ما حدثنى به [¬٢] المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبًا يقول: إن عيسى ابن مريم لما أعلمه الله أنه خارج من الدنيا جزع من الموت وشق عليه، فدعا الحواريين فصنع [¬٣] لهم طعامًا، فقال: احضروني الليلة فإن لي إليكم حاجة، فلما اجتمعوا إليه من الليل عشاهم وقام يخدمهم، فلما فرغوا من الطعام أخذ يغسل أيديهم ويوضئهم بيده ويمسح أيديهم بثيابه، فتعاظموا ذلك وتكارهوه، فقال: ألا من رد على شيئًا الليلة مما أصنع فليس مني ولا أنا منه فأقروه، حتى إذا فرغ من ذلك قال: أما ما صنعت بكم الليلة مما خدمتكم على الطعام وغسلت أيديكم بيدي فليكن لكم بي أسوة، فإنكم ترون أني خيركم، فلا يتعظم [¬٤] بعضكم على بعض، وليبذل بعضكم نفسه لبعض كما بذلت نفسيٍ لكم، وأما حاجتي الليلة التي أستعينكم [¬٥] عليها [¬٦] فتدعون لي الله وتجتهدون في الدعاء أن يؤخر أجلي. فلما نصبوا أنفسهم للدعاء، وأرادوا أن يجتهدوا، فأخذهم النوم حتى لم يستطيعوا دعاء، فجعل يوقظهم [¬٧]، ويقول: سبحان الله! أما تصبرون لي ليلة واحدة تعينونني فيها؟ قالوا [¬٨]: والله ما ندري ما لنا؛ لقد كنا نسمر فنكثر السمر وما نطيق الليلة سمرًا، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه، فقال: يُذهب بالراعي [¬٩] وتفرق الغنم. وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعي به [¬١٠] نفسه. ثم قال [¬١١]: الحق، ليكفرنَّ بى أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات، وليبيعنى أحدكم بدراهم يسيرة، وليأكلن [¬١٢] ثمني. فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأخذوا شمعون أحد الحواريين، وقالوا:
_________________
(١) - تفسير الطبرى (٩/ ٣٦٨، ٣٦٩) (١٠٧٨٠) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٢٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد. [¬١]- في خ: "فقتلوه". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "وصنع". [¬٤]- في خ: "يتعاظم". [¬٥]- في خ: "استعنتكم". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في ز: "يوقفهم". [¬٨]- في خ: "فقالوا". [¬٩]- في ز: "الداعي". [¬١٠]- في ز: "بها". [¬١١]- سقط من: ز، خ. [¬١٢]- في ز: "ليأكلني".
[ ٤ / ٣٣٨ ]
هذا من أصحابه، فجحد، وقال: ما أنا بصاحبه؛ فتركوه. ثم أخذه آخرون فجحد كذلك، ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه، فلما أصبح أتى أحد الحواريين إلى اليهود فقال: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا [¬١] له ثلاثين درهمًا، فأخذها ودلهم عليه، وكان شبه عليهم قبل ذلك، فأخذوه فاستوثقوا منه، وربطوه بالحبل، وجعلوا يقودونه ويقولون له [¬٢]: أنت كنت تحيي الموتى وتنهر الشيطان وتبرئ [¬٣] المجنون؛ أفلا تنجي نفسك من هذا الحبل؟ ويبصقون عليه، ويلقون عليه الشوك، حتى أتوا به الخشبة التي [¬٤] أرادوا أن يصلبوه عليها، فرفعه الله إليه وصلبوا ما شبه لهم، فمكث سبعًا.
ثم إن أمه والمرأة التي كان يداويها عيسى، ﵇، فأبرأها الله من الجنون، جاءتا تبكيان [¬٥] حيث المصلوب، فجاءهما عيسى فقال: علام [¬٦] تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إني قد رفعني الله إليه، ولم يصبنى إلا خيرٌ، وإن هذا شبه لهم فأمرا الحواريين يلقوني إلى مكان كذا وكذا. فلقوه إلى ذلك المكان أحد عشر. وفقدوا الذي كان [¬٧] باعه ودل عليه اليهود، فسأل عنه أصحابه فقال: إنه ندم على ما صنع فاختنق، وقتل نفسه. فقال: لو تاب لتاب الله عليه. ثم سألهم عن غلام كان [¬٨] تبعهم يقال له: يحيى، فقال: هو معكم فانطلقوا، فإنه سيصبح كل إنسان يحدث بلغة قومه [¬٩] فلينذرهم وليدعهم. سياق غريب جدًّا.
ثم قال ابن جرير (^٩١٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: كان اسم ملك بني إسرائيل الذي بعث إلى عيسى ليقتله رجلًا منهم، يقال له: داود، فلما أجمعوا لذلك منه، لم يفظع عبد من عباد الله بالموت فيما ذكر لي فظعه، ولم يجزع منه جزعه، ولم يدع اللَّه في صرفه عنه دعاءه، حتى إنه ليقول فيما يزعمون: اللهم إن كنت صارفًا هذه الكأس عن أحد من خلقك؛ فاصرفها عني، وحتى إن جلده من كرب ذلك ليتفصد دمًا، فدخل المدخل الذي أجمعوا أن يدخلوا عليه فيه ليقتلوه هو وأصحابه، وهم ثلاثة عشر [¬١٠] بعيسى ﵇، فلما أيقن أنهم داخلون عليه قال لأصحابه من الحواريين - وكانوا اثني عشر رجلًا: فطرس [¬١١]،
_________________
(١) - تفسير الطبرى (٩/ ٣٧١ - ٣٧٣) (١٠٧٨٥). [¬١]- في م: "فجعل". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "فيبرأ". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ز: "يبكيان". [¬٦]- في ز: "ما". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في خ: "كاد". [¬٩]- في ز: "قوم". [¬١٠]- سقط من: ز، خ. [¬١١]- في ز، خ: "فرطوس". والمثبت من تفسير الطبرى.
[ ٤ / ٣٣٩ ]
[ويعقوب بن زبدي] [¬١] ويحنس أخو يعقوب، وأنداراييس [¬٢]، وفيلبس [وأبر ثلما] [¬٣]، ومتى [¬٤] وتوماس [¬٥]، ويعقوب بن حلفيا [¬٦]، وتداوسيس، وقثانيا، ويودس [¬٧] [زكريا يوطا] [¬٨].
قال ابن حميد: قال سلمة، قال ابن إسحاق. وكان فيهم - فيما ذكر لي - رجل اسمه سرجس، فكانوا [¬٩] ثلاثة عشر رجلًا سوى عيسى، ﵇، جحدته النصارى، وذلك أنه هو الذي شبه ليهود [¬١٠] مكان [¬١١] عيسى، قال: فلا أدري ما [¬١٢] هو؟ من هؤلاء الاثني عشر أو كان ثالث عشر، فجحدوه حين أقروا لليهود بصلب عيسى، وكفروا بما جاء به محمد، ﷺ، من الخبر عنه. فإن كانوا ثلاثة عشر؛ فإنهم دخلوا المدخل حين دخلوا [وهم بعيسى أربعة عشر] [¬١٣]، [وإن كانوا اثني عشر فإنهم دخلوا المدخل وهم ثلاثة عشر] [¬١٤].
قال ابن إسحاق: وحدثني رجل كان نصرانيًّا فأسلم: أنّ عيسى حين جاءه من الله ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ﴾ قال -: يا معشر الحواريين، أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة، [على أن يشبه للقوم] [¬١٥] في صورتي؛ فيقتلوه في مكاني. فقال سرجس: أنا يا روح الله. قال: فاجلس في مجلسي، فجلس فيه، ورفع عيسى، ﵇، فدخلوا عليه فأخذوه فصلبوه، فكان هو الذي صلبوه، وشبه لهم به، وكانت [¬١٦] عدتهم حين دخلوا مع عيسى معلومة؛ قد رأوهم وأحصوا عدتهم، فلما دخلوا عليهم [¬١٧] ليأخذوه، وجدوا عيسى [فيما يرون وأصحابه] [¬١٨]، وفقدوا رجلًا من العدة فهو الذي اختلفوا [¬١٩] فيه، وكانوا لا يعرفون عيسى حتى جعلوا ليودس زكريا يوطا ثلاثين درهمًا على أن يدلهم عليه، ويعرفهم إياه، فقال لهم: إذا دخلتم عليه، فإني سأقبله وهو الذي أقبل، فخذوه [¬٢٠] فلما دخلوا
_________________
(١) [¬١] في ز: "ويعقوب بس ويلا"، خ: "ويعقوب بن ريدي". [¬٢]- في ز: "أنداراييس". [¬٣]- في. خ: "وابن يلما". [¬٤]- في ز: "منتا" [¬٥]- في ز: "قاموس" [¬٦]- في ز، خ: "حلقايا". [¬٧]- في ز: "يردس". [¬٨]- في ز، خ: "وكريا يوطا". [¬٩]- في ز: "وكانوا". [¬١٠]- في خ: "لليهود". [¬١١]- في ز، خ: "وكان" [¬١٢]- سقط من: ز، خ. [¬١٣]- في ز، خ: "وهم ثلاثة عشر". [¬١٤]: ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٥]- في ز: "حتى يشبه اليوم". [¬١٦]- في ز: "فكانت". [¬١٧]- في ز: "عليه". [¬١٨]- في خ: "وأصحابه فيما يرون". [¬١٩]- في ز: "أخلفوا". [¬٢٠]- في ز، خ: "فخذه".
[ ٤ / ٣٤٠ ]
وقد رفع عيسى، ورأى سرجس في صورة عيسى فلم يشكِّك [¬١] أنه عيسى، فأكب عليه فقبله فأخذوه فصلبوه.
ثم إن يودس [¬٢] زكريا يوطا ندم على ما صنع فاختنق بحبل حتى قتل نفسه، وهو ملعون في النصارى، وقد كان أحد المعدودين من أصحابه، وبعض النصارى يزعم أن يودس زكريا يوطا هو الذي شبه لهم فصلبوه، وهو يقول: إنى لست بصاحبكم، أنا الذي دللتكم عليه، فالله [¬٣] أعلم أي ذلك كان.
و[¬٤] قال ابن جريج [¬٥] عن مجاهد: صلبوا رجلًا شبهوه بعيسى، ورفع الله، ﷿، عيسى إلى السماء حيًّا. واختار ابن جرير أن شبه عيسى ألقي على جميع أصحابه.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾.
قال ابن جرير (^٩١٤): اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معنى ذلك ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ [يعني: بعيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾] [¬٦] يعني قبل موت عيسى، يوجه ذلك إلى أن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال، فتصير الملل كلها واحدة، وهي ملة الإِسلام الحنيفية، دين إبراهيم ﵇.