قال ابن جرير [¬١] (^٦٠٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، قال جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله ﷺ وهو محزون، فقال له النبي ﷺ: "يا فلان؛ ما لي أراك محزونًا". فقال: يا نبي الله؛ شيء فكرت فيه. فقال: "ما هو؟ " قال: نحن نغدو عليك ونروح ننظر إلى وجهك ونجالسك، و[¬٢] غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يردّ عليه [¬٣] النبي ﷺ شيئًا، فأتاه جبريل بهذه الآية ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. فبعث النبي ﷺ فبشره.
وقد روي هذا الأثر مرسلًا عن مسروق وعن [¬٤] عكرمة وعامر الشعبي وقتادة وعن الربيع ابن أنس، وهو من أحسنها سندًا [¬٥].
قال [¬٦] ابن جرير (^٦٠٤): حدّثنا المثنى، [ثنا إسحاق] (*) ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية، قال: إن أصحاب النبي ﷺ قالوا: قد علمنا أن النبي ﷺ له فضل على من آمن به في درجات
_________________
(١) - أخرجه البخارى، كتاب المغازى، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته (٤٤٣٧) وانظر أطرافه عند رقم (٨٩٠) ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب: فضل عائشة ﵂ (٨٧) (٢٤٤٤) وغيرهما، من حديث عائشة.
(٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٢٤) وإسناده يحتمل التحسين غير أنه مرسل، ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٢٥) لغير ابن جرير، وراجع باقى الآثار المشار إليها فى تفسير ابن جرير وابن أبى حاتم و"الدر المنثور".
(٣) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٢٨) وهو مرسل أيضًا، ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٢٥) لغير ابن جرير. (*) زيادة من الطبري. [¬١]- في ز، خ: "جريج". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "شيا"، خ: "شيئًا". [¬٦]- في ز: "وقال".
[ ٤ / ١٥٠ ]
الجنة ممن اتبعه وصدّقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضًا؟ فأنزل الله في ذلك يعني هذه الآية، فقال -يعني رسول الله ﷺ: "إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها [¬١]، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، [وينزل لهم] [¬٢] أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون فيه".
وقد روي مرفوعًا من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه (^٦٠٥): حدثنا عبد الرحيم بن محمد ابن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؟ إنك لأحب إلى من نفسي، وأحب إلي من أهلى، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا فى خلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت أن لا أراك. فلم ود عليه النبي ﷺ حتى نزلت عليه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾.
وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه "صفة الجنة" من طريق الطبراني، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي، به، ثم قال: لا أرى بإسناده بأسًا. والله أعلم.
وقال ابن مردويه أيضًا (^٦٠٦): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي،
_________________
(١) - عزاه لابن مردويه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٢٤) وأخرجه الطبرانى فى "المعجم الأوسط" (١/ رقم ٤٧٧) وفى "الصغير" (ص ٢٦) [وعنه أبو نعيم فى "الحلية" (١٨/ ١٢٥) وعن أبي نعيم الواحدى فى "أسباب النزول" (٣٣٧) ومن طريق الطبرانى رواه أيضًا الضياء المقدسى كما قال المصنف والسيوطى ونقل تحسينه عنه] من طريق أحمد بن عمرو الخلال ثنا عبد الله بن عمران العابدى به، وقال الطبرانى: "لم يروه عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة إلا فضيل، تفرد به عبد الله ابن عمران" وهو صدوق مُعمّر كما فى "التقريب" وباقى رجاله ثقات من رجال الشيخين، غير أن أبا نعيم قال: "غريب من حديث فضيل ومنصور متصلًا، تفرد به فيما قاله سليمان الطبرانى" وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ١٠) وقال: "رواه الطبرانى فى "الصغير" و"الأوسط" ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران العابدى وهو ثقة".
(٢) - وعزاء لابن مردويه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٢٥) والحديث فى "المعجم= [¬١]- في خ: "رياض". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "ينزلهم".
[ ٤ / ١٥١ ]
حدثنا [أبو بكر بن ثابت بن عباس البصري]، حدثنا خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس، أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني لأحبك، حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك على، وأحب أن أكون معك في الدرجة. فلم ورد عليه النبي ﷺ شيئًا؛ فأنزل الله- ﷿[هذه الآية] [¬١].
وقد رواه ابن جرير (^٦٠٧)، عن ابن حميد، عن جرير، عن عطاء، عن الشعبي مرسلًا. وثبت في صحيح مسلم (^٦٠٨) من حديث هقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ربيعة بن كعب الأسلمي، أنه قال: كنت أبيت عند النبي ﷺ فأتيته بوضوئه [¬٢] وحاجته. فقال لي: "سل". فقلت: يا رسول الله؛ أسألك مرافقتك في الجنة. فقال: "أو غير ذلك". قلت: هو ذاك. قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود".
وقال الإِمام أحمد (^٦٠٩): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد [¬٣] الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجل إلى النبي صلي
_________________
(١) = الكبير" للطبرانى (١٢/ ١٢٥٥٩) وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ٩، ١٠) وقال: "رواه الطبرانى وفيه عطاء ابن السائب وفد اختلط" وروى عنه خالد بن عبد الله بعد الاختلاط كما فى "الكواكب النيرات" لابن الكيَّال (ص ٣٢٢) ورواه غيره عن عطاء عن عامر الشعبى مرسلًا وهو الآتى.
(٢) - لم أهتد له فى مظانه عند ابن جرير، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٢٥) وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر فحسب.
(٣) - صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب: فضل السجود والحث عليه (٢٢٦) (٤٨٩) ثنا الحكم بن موسى أبو صالح، حدثنا مقل بن زياد به، ورواه أبو داود (١٣٢٠)، والنسائى (٢/ ٢٢٧، ٢٢٨) من طريق هشام بن عمار عن مقل به.
(٤) - وهو ساقط من "المسند" وقد استدركه فى طبعة/ مؤسسة قرطبة (١/ رقم ٢٧٨٥١) وقد أورده المصنف -كما هنا- فى "جامع المسانيد والسنن" (١٠/ ٧٧)، وعزاه إلى أحمد أيضًا الهيثمى فى "المجمع" (٨/ ١٥٠) فقال: "رواه أحمد والطبرانى بإسنادين ورجال أحد إسنادى الطبرانى رجال الصحيح" وكذا عزاه له أيضًا ابن حجر فى "الأطراف" (٥/ ١٥٤) والسيوطى فى"الدر المنثور"= [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: " ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾. [¬٢]- في ز: "بوضوء". [¬٣]- في خ: "عبد".
[ ٤ / ١٥٢ ]
الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الخمس، وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله ﷺ: "من مات على ذلك [¬١]، كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا -ونصب أصبعيه- ما لم يعق والديه". تفرد به أحمد.
قال [¬٢] الإمام أحمد أيضًا [¬٣] (^٦١٠): حدثنا أبو سعيد مولي أبي هاشم، حدثنا ابنٍ لهيعة، عن زبان [¬٤] بن فَائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: "من قرأ ألف آية في سبيل الله كتِب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، إن شاء الله".
_________________
(١) = (٢/ ٣٢٦) وهذا الإسناد فيه ابن لهيعة وهو سيء الحفظ، وقد خالفه من هو أوثق منه؛ فرواه البزار [كما فى "مختصر الزوائد" لابن حجر (١/ رقم ١٥)] ثنا محمد بن رزقٍ الكَلْوَذانى وعمر بن الخطاب السجستانى قالا: ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع، ثنا شعيب بن أبي حمزة حدثنى عبد الله بن أبى حسين حدثنى عيسى بن طلحة به، إلى قوله: "والشهداء" وقال البزار: "وهذا لا نعلمه مرفوعًا إلا بهذا الإسناد عن عمرو بن مرة" قال الهيثمى: "المجمع" (١/ ٥١) -: "رواه البزار ورجاله رجال الصحيح خلا شيخى البزار، وأرجو إسناده أنه إسناد حسن أو صحيح، قال ابن حجر: "بل هو صحيح قطعًا، فشيخا البزار ثقتان" قلت: وقد توبعا فأخرجه البخارى فى "التاريخ الكبير" (٦/ ٣٠٨) ويعقوب بن سفيان الفسوى فى "المعرفة والتاريخ" (١/ ٣٣٣) ثنا أبو يوسف، وابن أبى عاصم فى "الآحاد والمثانى" (٥/ ٢٥٥٨) ثنا أبو مسعود الرازى، وابن حبان فى صحيحه (٨/ ٣٤٣٨)، وابن عساكر فى "تاريخ دمشق" (١٣/ ٦٠٤، ٦٠٥/ مخطوط) من طريق يحيى بن معين، وابن منده -كما فى "كنز العمال" (١/ رقم ٣٤٢) و"الإصابة" لابن حجر (٣/ ١٦ /ط دار الفكر) - ومن طريقه ابن عساكر من طريق الحسن بن معروف، والطبرانى فى "الكبير، -كما فى "المجمع" (٨/ ١٥٠) - ومن طريقه ابن عساكر أيضًا من طريق أحمد بن عبد الوهاب، كلهم البخارى وأبو يوسف وأبو مسعود وابن معين والحسن وأحمد) ثنا أبو اليمان الحكم بن نافع به، بلفظ حديث البزار، وزاد عزوه المنذرى فى "الترغيب والترهيب" (١/ ٢٣٦، ٥٣٣، ٥٣٤) إلى ابن خزيمة فى صحيحه، والهندى فى "الكنز" (١/ ٣٤٢، ١٤٤٥) إلى محمد بن نصر، والطبرانى فى "الأوسط"، ولم أجده فيه وعزاه الهيثمى له فى "الكبير" دون "الأوسط" -والبيهقى فى "الشعب"، وابن الجارود. وبالله التوفيق.
(٢) - " المسند" (٣/ ٤٣٧) لكن إسناد الحديث فيه هكذا: "ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة (ح) قال: ثنا يحيى بن غيلان قال حدثنى رشدين بن سعد -كلاهما- عن زبان … "وكذا هو فى "أطراف المسند" لابن حجر (٥/ ٢٨٤) فيحتمل أن نظر المصنف وقع على إسناد قبل هذا، والله أعلم. والحديث رواه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (٢٠/ رقم ٣٩٩) من طريق أسد بن موسى ثنا ابن لهيعة به،= [¬١]- في ز، خ: "هذا". [¬٢]- في ز: "وقال". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "ريان".
[ ٤ / ١٥٣ ]
وروى الترمذي (^٦١١) من طريق سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن الحسن البصري، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء".
ثم قال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن
_________________
(١) = وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٢/ ٢٧٢) وقال: "رواه أبو يعلى والطبرانى فى "الكبير" وفيه ابن لهيعة عن زبان وفيهما كلام" قلت: الأول متابع، تابعه رشدين بن سعد كما هنا، ومن طريق رشدين أخرجه أيضًا أبو يعلى فى مسنده (٣/ ١٤٨٩) والطبرانى (٢٠/ ٤٠٠) وتابعهما يحيى بن أيوب عن زبان به، أخرجه الحاكم (٢/ ٨٧، ٨٨) وعنه البيهقى فى "السنن" (٩/ ١٧٢) ولذا استدرك هذا الهيثمى فأعله بزبان وحده؛ حيث قال -"المجمع" (٧/ ١٦٥) -: "رواه أحمد وفيه زبان بن فائد وهو ضعيف" لا سيما فى روايته عن سهل، ومع هذا فقد صحح إسناده ووافقه الذهبى!! وقد رواه الطبرانى (٢٠/ ٤٠١) من طريق نافع بن يزيد عن يحيى بن أبي أسيد عن سهل بن معاذ به، غير أن "يحيى بن أبي أسيد" لم يوثقه غير ابن حبان -"الثقات" (٩/ ٢٥١) - وذكره البخارى فى "التاريخ الكبير" (٨/ ٢٦١) وابن أبي حاتم فى "الجرح والتعديل" (٩/ ١٢٩) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.
(٢) -" الجامع" للترمذى، كتاب البيوع، باب: ما جاء فى التُّجَّار (١٢٠٩) ثنا هناد، ثنا قبيصة ح وحدثنا سويد بن نصر، أخبرنا عبد الله بن المبارك، كلاهما (قبيصة وعبد الله) عن سفيان به، وأخرجه الدارمى (٢٥٤٢) وعبد بن حميد فى "المنتخب" (٩٦٦) والدارقطنى فى "السنن" (٧/ ٣) والحاكم فى "المستدرك" (٢/ ٦) شاهدًا، والبغوى فى "شرح السنة" (٨/ ٢٠٢٥) كلهم من طريق سفيان به، وقال الترمذى: "حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الثورى عن أبي حمزة، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر وهو شيخ بصرى، غير أن الدارمى قال: "أبو حمزة هذا هو صاحب إبراهيم وهو ميمون الأعور" وكلاهما روى عنه الثورى، والأول وثقه أبن حبان وابن معين فى رواية، وقال البزار: "لا بأس به" بينما قال العقيلى فى "الضعفاء" (): "بصرى مجهول ينقل الحديث يخالف فى حديثه"، وقال أبو حاتم: "هو أحب إلى من الحجاج بن أرطأة" نقل هذا الحافظ فى "التهذيب" -خلا قول العقيلي- ومع هذا فقد قال فى "التقريب": "مقبول"!!. بينما الثانى اتفق الجمهور على تضعيفه. وعلى كل فالحديث أعله الدارمى والحاكم بالانقطاع بين الحسن وأبى سعيد، وقد جزم بعدم سماعه منه أيضًا على بن المدينى لكن للحديث شاهد من حديث ابن عمر عند ابن ماجه (٢١٣٩) وابن حبان فى "المجروحين" (٢/ ٢٣٠) والدارقطنى (٣/ ٧) والحاكم (٦/ ٢) والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٥/ ٢٦٦) وفى "شعب الإيمان" (٢/ ١٢٣٠) (٤/ ٤٨٥٥) وفى إسناده كلثوم بن جوشن ضعفه أبو حاتم الرازى، وبه أعل الحديث كما فى "العلل" لابنه (١/ ١١٥٦) وأبو داود وابن حبان، لكن وثقه البخارى وقال ابن معين: "ليس به بأس" واعتمد ضعفه ابن حجر فى "التقريب" ولم يذكر الذهبى فى "الكاشف" و"الديوان" إلا قول من ضعفه واستدرك على الحاكم فى "تلخيص المستدرك" ناقلًا عن أبي حاتم تضعيفه، مع أنه ذكر هذا الحديث فى ترجمته فى "الميزان" وقال: "حديث جيَّدُ الإسناد، صحيح المعنى، ولا يلزم من المعية أن يكون فى درجتهم، ومنه قوله تعالى:
[ ٤ / ١٥٤ ]
جابر، شيخ بصري.
واُعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحاح [¬١] والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة (^٦١٢) عن جماعة من الصحابة أن رسول الله ﷺ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم فقال: "المرء مع من أحب". قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث.
وفي رواية (^٦١٣) عن أنس أنه قال: إنى لأحب [¬٢] رسول الله ﷺ وأحب [¬٣] أبا بكر وعمر ﵄، وارجو أُن يبعثني الله معهم، وإن لم أعمل كعملهم.
قال [¬٤] الإِمام مالك بن أنس (^٦١٤)، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، [قال: قال] [¬٥] رسول الله ﷺ [] [¬٦]: "إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم [¬٧]، كما تتراءون [¬٨] الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم". قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: "بلي، والذي نفسى بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك واللفظ [¬٩] لمسلم.
قال [¬١٠] الإِمام أحمد [ابن حنبل] (^٦١٥): حدثنا فزارة، أخبرني فليح، عن هلال -يعني ابن
_________________
(١) = ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ …﴾ الآية، ومن هذا تعلم أن تحسين الترمذي للحديث متجه، والله أعلم.
(٢) - يأتى تخريجه سورة الأعراف/ آية ١٨٧.
(٣) - أخرجها البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب (٣٦٨٨) ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: المرء مع من أحب (١٦٣) (٢٦٣٩).
(٤) - أخرجه البخارى، كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء فى صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٥٦)، ومسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إحلال الرضوان على أهل الجنة (١١) (٢٨٣١).
(٥) - " المسند" (٢/ ٣٣٩) وأخرجه أيضًا (٢/ ٣٣٥) والترمذى، كتاب صفة الجنة، باب: ما جاء فى تَرائى أهل الجنة فى الغُرَفِ (٢٢٥٦) من طريق فليح به وقال الترمذى: "حديث صحيح". [¬١]- فى خ: "الصحيح". [¬٢]- في ز: "أحب". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]-في ز: "وقال". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "أن". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "قال". [¬٧]- في ز: "قولهم". [¬٨]- في ز: " تراءون". [¬٩]- في ز، خ: "ولفظه". [¬١٠]- في ت: "ورواه".
[ ٤ / ١٥٥ ]
علي- عن عطاء، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون -أو ترون- الكوكب الدري الغارب في الأفق و[¬١] الطالع في تفاضل الدرجات". قالوا: يا رسول الله! أولئك النبيون. قال: "بلي، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".
قال الحافظ الضياء المقدسي: هذا الحديث على شرط البخاري، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير (^٦١٦): حدثنا على بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدَّثنا [¬٢] [على بن عفيف بن سالم] [¬٣]، عن أيوب بن [¬٤] عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ يسأله، فقال له رسول الله ﷺ: "سل واستفهم". فقال: يا رسول الله؟ فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوة. [ثم قال] [¬٥]، أفرأيت إن آمنت بمثل ما آمنت به، وعملت بما [¬٦] عملت به، إني لكائن معك في الجنة؟ قال [رسول الله ﷺ] [¬٧] "نعم، [والذي نفسي بيده أنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام"] [¬٨]. قال: ثم قال رسول الله ﷺ: "من قال لا إله إلا الله كان له بها عهد عند
_________________
(١) - وسيعيده المصنف سورة الإنسان/ آية ١٣ وقال: "غريب جدًّا" والحديث فى "المعجم الكبير" (١٢/ ١٣٥٩٥) وعنه أبو نعيم فى "الحلية" (٣/ ٣١٩) ومن طريق أبي نعيم ابن الجوزى فى "الموضوعات" (٢/ ٢٣١) وأخرجه ابن حبان فى "المجروحين" (١/ ١٦٩، ١٧٠) ومن طريقه أورده السيوطى فى "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٤٠٨، ٤٠٩) ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمد بن عبد الله بن عمار به -وتصحف عند ابن حبان "ابن عمر" إلى "ابن عباس" وجاء على الصواب عند السيوطى- وقال أبو نعيم عقبه: "حديث غريب من حديث عطاء، تفرد به عفيف عن أيوب بن عتبة اليمامى، وكان عفيف أحد العباد والزهاد من أهل الموصل، كان الثورى يسميه الياقوتة" وهو صدوق كما فى "التقريب" لكن شيخه أيوب بن عتبة ضعفه الجمهور لاسيما إذا روى عنه أهل العراق، وعفيف بن مسلم سالم موصلى وبه أعل الحديث ابن حبان فأورده فى ترجمته ونقل ابن الجوزى والسيوطى عنه قال: "باطل لا أصل له، وأيوب فاحش الخطأ، وقال المنذرى فى "الترغيب والترهيب" (٢/ ٤٢١): "رواه الطبرانى بإسناد فيه نظر" وأعله الهيثمى أيضًا به فقال فى "المجمع" (١٠/ ٤٢٣): "رواه الطبرانى، وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف" لكن أفاد السيوطى أنه متابع حيث أخرجه ابن عساكر من طريق أبي عبد الله البحرانى عن الحسن بن ذكوان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به، والحسن بن ذكوان= [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ت: علي بن عفيف بن سالم. [¬٤]- في الأصول: عن، وهو تحريف. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "مثل ما". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٥٦ ]
الله، ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له بها [¬١] مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة" فقال رجل: كيف نهلك بعدها يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله، إلا أن يتغمده [¬٢]، الله برحمته". ونزلت هذه السورة [¬٣]: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ إلى قوله: ﴿نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحَبشي: وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنة؟ فقال رسول الله ﷺ: "نعم". فاستبكي حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فلقد [¬٤] رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيديه. فيه غرابة ونكارة، وسنده ضعيف.
ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عند الله برحمته و[¬٥] هو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي: هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا﴾
_________________
(١) ="صدوق يخطئ ويدلس" لكن قال ابن حبان: "وقد روى نحو هذا المتن أيضًا عن عامر بن يساف عن النضر بن عبيد عن الحسين بن ذكوان عن عطاء" كذا وقع فيه: "الحسين بن ذكوان وهو ثقة -غير أنه مصحف حيث وجدت هذه الرواية عند الطبرانى (١٢/ ١٣٥٩٧) من طريق عامر بن يساف به فسماه الحسن بن ذكوان مقتصرًا على قوله: "من قال لا إله إلا الله … " وذكره الهيثمى فى "المجمع" (١٠/ ٩٠) وقال: "رواه الطبرانى وفيه النضر بن عبيد ولم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا" قلت: والحسن بن ذكوان متكلم فيه وهو مدلس وقد عنعن، ولا يحتمل حاله أن يصحح له مثل هذا المتن، راجع ترجمته فى "التهذيب". [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "يتطاول". [¬٣]- في ت: "الآيات". [¬٤]- في ر: "لقد". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٥٧ ]
عَظِيمًا (٧٤)﴾.
يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في [سبيل الله] [¬١].
﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، والثبات جمع ثبة، وقد تجمع الثبة على ثبين.
قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: عصبا، يعني سرايا متفرقين. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني كلكم.
وكذا روي عن مجاهد: عكرمة والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وخصيف الجزري.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال مجاهد وغير واحد: نزلت في المنافقين.
و[¬٢] قال مقاتل بن حيان: ﴿لَيُبَطِّئَنّ﴾ أي: ليتخلفن عن الجهاد.
ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو فى نفسه ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله ابن أبي ابن سلول قبحه الله يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبط الناس عن الخروج فيه، وهذا قول ابن جريج وابن جرير، ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق: إنه يقول إذ تأخر عن الجهاد: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي: إذ لم أحضر معهم وقعة القتال، يعد ذلك من نعم الله عليه، [ولم يدر] [¬٣] ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.
﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: نصر وظفر وغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ [¬٤] كَأَنْ لَمْ تَكُنْ [¬٥] بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: كأنه ليس من أهل دينكم ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده.
ثم قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أي: المؤمن النافر ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "سبيله". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "وما يدري". [¬٤]- في ز: "قال". [¬٥]- في: "يكن".
[ ٤ / ١٥٨ ]
بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعون دينهم بعرض قليل من الدنيا، وما ذلك [¬١] إلا لكفرهم وعدم إيمانهم. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [أي: كل من قاتل فى سبيل الله سواء] [¬٢] قتل أو غلب [] [¬٣] فله عند الله مثوبة عطمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين (^٦١٧). وتكفل الله للمجاهد فى سبيله إن توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه [نائلًا ما] [¬٤] نال من أجر أو غنيمة.
﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥)﴾
يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلي السعي فى استنقاذ [¬٥] المستضعفين بمكة من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين [من المقام] [¬٦] بها، ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني: مكة، كقوله [¬٧] تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾.
ثم وصفها بقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أي سخر لنا من عندك وليًّا وناصرًا.
قال البخاري (^٦١٨): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن [¬٨] عبيد الله، قال: سمعت ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.
_________________
(١) - صحيح البخارى، كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبى ﷺ: "أُحِلَّتْ لكم الغنائم" (٣١٢٣) ومسلم، كتاب الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج فى سبيل اللَّه (١٠٤) (١٨٧٦) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٣٩٨)، والنسائى (٦/ ١٦) كلهم عن أبى هريرة.
(٢) - صحيح البخارى، كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤٥٨٧، ٤٥٨٨). [¬١]- في ز: "ذاك". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "وسلب". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "بما". [¬٥]- في ز: "استنقاد". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "بالمقام". [¬٧]- في ز: "لقوله". [¬٨]- في ز، خ: "بن".
[ ٤ / ١٥٩ ]
حدثنا سليمان [بن حرب] [¬١]، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، أن ابن العباس [¬٢] تلا: ﴿إلاّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله -عز رجل-.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي: المؤمنون يقاتلون فى طاعة الله ورضوانه، والكافررن يقاتلون فى طاعة الشيطان.
ثم هيج تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "عباس".
[ ٤ / ١٦٠ ]
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾
كان المؤمنون في ابتداء الإسلام وهم بمكة مأمورين [¬١] بالصلاة والزكاة، وإن لم تكن ذات النصب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين، والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال؛ ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبًا لأسباب كثيرة؛ منها قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقًا [¬٢] [] [¬٣] فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلَّا بالمدينة لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة النَّاس خوفًا شديدًا ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: [لو ما] [¬٤] أخرت فريضته [¬٥] إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْمَ الأبناء [¬٦]، وتأَيّمَ النساء. وهذه الآية [في معنى] [¬٧] قوله [¬٨] تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ
_________________
(١) [¬١]- في ز: "مأمورون". [¬٢]- خ: "لا". [¬٣]- ما بين المعكوفين في خ: يقال. [¬٤]- في خ: "لولا". [¬٥]- في خ: "فرضه". [¬٦]- في ت: "الأولاد". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ت: "كقوله". [¬٨]- زيادة من: خ.
[ ٤ / ١٦١ ]
فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ الآيات.
قال ابن أبي حاتم (^٦٢٠): حدّثنا على بن الحسين، حدّثنا محمَّد بن عبد العزيز بن [¬١] أبي رزمة وعلى بن زنجة؛ قالا: حدّثنا على بن الحسن، عن الحسين بن واقد [¬٢]، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النَّبيُّ ﷺ بمكة فقالوا: يا نبي الله، كُنَّا في عز [¬٣] ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة قال: "إنِّي أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم". فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية.
ورواه النَّسائيّ والحاكم وابن مردويه من حديث على بن الحسن بن شقيق، به.
وقال أسباط، عن السدي: لم يكن عليهم إلَّا الصَّلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما كتب [¬٤] عليهم القتال ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو الموت. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
وعن مجاهد: أن هذه الآيات نزلت في اليهود. رواه ابن جرير (^٦٢١).
وقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: آخرة المتقي خير من دنياه.
﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء. وهذه تسلية لهم عن الدُّنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٢٢): حدّثنا أبي، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٦٣٠) ورواه النسائى في فاتحة كتاب الجهاد من "السنن الصغرى" (٦/ ٢، ٣) وفي "التفسير" عن "الكبرى" (٦/) وابن جرير (٨/ ٩٩٥١) والحاكم (٢/ ٦٦ - ٦٧، ٣٠٧) - وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ١١) - والواحدى في "أسباب النزول" (٣٣٩) كلهم من طريق عليّ بن الحسن به، وقال الحاكم: "صحيح على شرط البُخاريّ" ووافقه الذَّهبيّ، والحسين بن واقد إنما أخرج له البُخاريّ تعليقًا وهو ثقة.
(٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٥٥).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٦٣٥) وإسناده صحيح، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٣٢٩) إلى ابن المنذر وأبى الشَّيخ. [¬١]- في ت: "عن". [¬٢]- في ز: "وافد". [¬٣]- في خ: "عزة". [¬٤]- في ت: "فرض".
[ ٤ / ١٦٢ ]
عبد الرحمن [¬١] ابن مهدي، حدّثنا حماد بن زيد، عن هشام قال: قرأ الحسن ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ قال: رحم الله عبدًا صحبها على حسب ذلك، وما الدُّنيا كلها أودها وآخرها إلا كرجل نام نومة [¬٢] فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه.
وقال ابن معين: كان أبو مُشهر ينشد:
ولا خيرَ في الدُّنيا لمن لم يكن له … منَ الله في دار المقام نصيبُ
فإنْ تُعجِبِ الدُّنيا رجالًا فإنها … متاعٌ قليل والزَّوال قريب
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ [¬٣] الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: أنتم صائرون إليَّ الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ والمقصود، أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، [وسواء عليه] [¬٤] جاهد أو لم يجاهد؛ فإن له أجلًا محتومًا، وأمدًا [¬٥] مقسومًا، كما قال خالد بن الوليد حين جاءه الموت على فراشه: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء.
وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصينة منيعة عالية رفيعة. وقيل: هي بروج في السماء. قاله السدي، وهو ضعيف، والصحيح أنها المنيعة، أي: لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال [زهير بن أبي سلمى] [¬٦]:
ومَنْ هاب [¬٧] أسبابَ المنية يَلْقَها … ولو رام أسبابَ السماء بسُلَّمِ
ثم قيل [¬٨]: المشيدة هي المشيدة، كما قال ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ وقيل: بل بينهما فرق، وهو أن المشيدة بالتشديد هي المطوّلة، وبالتخفيف هي المزينة بالشيد، وهو الجص.
وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم (^٦٢٣) ها هنا حكاية مطوّلة عن مجاهد أنَّه ذكر أن امرأة فيمن
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٥٨) - ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٨٨، ٢٨٩) - حدثني = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "يدركم". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "سواء". [¬٥]- في خ: "وأمرا". [¬٦]- في ز، خ: "طرفة بن العبد". [¬٧]- في ز: "خاف"، خ: "خاب". [¬٨]- في ت: "قال".
[ ٤ / ١٦٣ ]
كان قبلنا أخذها الطلق، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال: ما ولدت المرأة؟ فقال: جارية. فقال: أما إنَّها [¬١] ستزني بمائة رجل ثم يتزوّجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت. قال فكرّ راجعًا فبعج بطن [¬٢] الجارية بسكين [] [¬٣] فشقه، ثم ذهب هاربًا وظنّ أنَّها قد ماتت، فخاطت أمّها بطنها فبرئت وشبت وترعرعت ونشأت أحسن امرأة ببلدتها، فذهب ذاك الأجير [¬٤] ما ذهب ودخل البحور فاقتنى أموالًا جزيلة، ثم رجع إلى بلده وأراد التزويج فقال لعجوز: أريد أن أتزوّج بأحسن امرأة بهذه البلدة. فقالت له [¬٥]: ليس ها هنا [¬٦] أحسن من فلانة. فقال: اخطبيها على. فذهبت إليها، فأجابت فدخل بها، فأعجبته إعجابا شديدًا، فسألته من أمره ومن أين مقدمه فأخبرها خبره وما كان من أمره في هربه [¬٧]، فقالت: أنا هي. وأرته مكان السكين. فتحقق ذلك، فقال: لئن كنت إياها فلقد أخبرتني [¬٨] باثنتين لابد منهما؛ إحداهما أنك قد زنيت بمائة رجل. فقالت: لقد كان شيء من ذلك ولكن لا أدري ما عددهم. فقال: هم مائة، والثانية [¬٩] أنك تموتين بالعنكبوت. فاتخذ لها قصرًا منيعًا شاهقًا ليحرزها من ذلك، فبينما هم يومًا إذا [¬١٠] بالعنكبوت في السقف، فأراها إياها، فقالت: أهذه التى تحذرها على، والله لا يقتلها إلَّا أنا. فأنزلوها من السقف فعمدت إليها فوطئتها [¬١١] بإبهام رجلها فقتلتها [¬١٢]، فطار [¬١٣] من سمها شيء فوقع بن ظفرها ولحمها فاسودّت [¬١٤] رجلها، وكان [¬١٥] في ذلك أجلها فماتت [¬١٦].
_________________
(١) = على بن سهل قال: حدّثنا مؤمل بن إسماعيل، وابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٥٦٤٠) ثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، كلاهما (مؤمل، وأبو سعيد) ثنا عيسى بن حميد الراسبي أبو همام - تصحفت كنيته في "الحلية" إلى أبي حازم - ثنا كثير أبو الفضل الكوفيِّ عن مجاهد به، وكثير مترجم في "التهذيب" ولم يذكروا فيه جرحًا ولا تعديلًا، غير أنَّه روى عنه جمع من الثقات، وعيسى بن حميد ترجمه ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ٢٧٤) ولم ينقل فيه جرحًا ولا تعديلًا. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "في بطنها". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ت. [¬٦]- في ز: هنا. [¬٧]- في ت: "الجارية". [¬٨]- في ز: "أخبرتيني". [¬٩]- في خ: "والثَّاني". [¬١٠]- في خ: "فإذا". [¬١١]- في ز: "فأوطيتها". [¬١٢]- في ز: "فقتلها". [¬١٣] في ز: "وطار". [¬١٤]- في خ: "واسودت". [¬١٥]- في خ: "فكان". [¬١٦]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٦٤ ]
ونذكر [¬١] ها هنا قصَّة صاحب الحضر وهو الساطرون لما احتال عليه سابور حتَّى حصره [¬٢] فيه [¬٣] وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب في ذلك أشعارًا منها:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … لة تجبى إليه والخابورُ
شاده مرمرًا وجد له كلـ … سا فللطير في ذراه وُكورُ
لم تهبه أيدي المنون فباد إلـ … ملكُ عنه فبابُه مهجورُ
ولما دخل على عثمان جعل يقول: اللَّهم اجمع أمّة محمَّد. ثم تمثل بقول الشَّاعر:
أرى الموت لا يبقي عزيزًا ولم يدع … لعاد ملاذًا في البلاد ومربعا
يبيِّت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتي الجبال في شماريخها معًا [¬٤]
[قال ابن هشام: وكان كسرى سابور ذو الأكتاف قتل الساطرون ملك الحضر، وقال ابن هشام: إن الذي قتل صاحب الحضر سابور بن أردشير بن بابك أوّل ملوك بني ساسان، وأذل ملوك الطوائف، وردّ الملك إلى الأكاسرة، فأمَّا سابور ذو الأكتاف فهو من بعد ذلك بزمن طويل، والله أعلم. ذكره السهيلي.
قال ابن هشام: فحصره سنتين، وذلك لأنَّه كان أغار على بلاد سابور في غيبته وهو في العراق، وأشرفت بنت الساطرون وكان اسمها النضيرة، فنظرت إلى سابور، وعليه ثياب ديباج، وعلى رأسه تاج من ذهب مكلل بالزبرجد والياقوت واللؤلؤ فدست إليه أن تتزوّجني إن فتحت لك باب الحصن. فقال: نعم. فلما أمسى ساطرون شرب حتَّى سكر وكان لا يبيت إلَّا سكران، فأخذت مفاتيح باب الحصن من تحت رأسه فبعثت بها مع مولى لها ففتح الباب، ويقال دلتهم على طلسم كان في الحصن، لا يفتح حتَّى تؤخذ حمامة ورقاء، فتخضب رجلاها بحيض جارية بكر زرقاء، ثم ترسل فإذا وقعت على سور الحصن سقط ذلك ففتح الباب، ففعل ذلك فدخل سابور فقتل ساطرون واستباح الحصن وخرّبه، وسار بها معه وتزوّجها، فبينما هي نائمة على فراشها إذ جعلت تتململ لا تنام، فدعا لها بالشمع ففتش فراشها فوجد فيه ورقة آس، فقال لها سابور: هذا الذي أسهرك فما كان أبوك يصنع بك؟ قالت: كان يفرش لي الديباج ويلبسني الحرير، ويطعمني المخ، ويسقيني الخمر.
قال الطبري: كان يطعمني المخ والزبد، وشهد أبكار النحل، وصفو الخمر. وذكر أنَّه كان
_________________
(١) [¬١]- في ز: "ويذكر". [¬٢]- في ز، خ: "حصنه". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز، خ: "العلا".
[ ٤ / ١٦٥ ]
يرى مخ ساقها. قال: فكان جزاء أبيك ما صنعت به، أنت إلى بهذا أسرع. ثم أمر بها فربطت قرون رأسها بذنب فرس فركض الفرس حتَّى قتلها، وفيه يقول عدي بن زيد العبادي أبياته المشهورة السائرة:
أيها الشامت المعير بالدهـ … ر أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيَّـ … ام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلد أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أنوشر … وإن أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك إلـ … روم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دجـ … لة تحبى إليه والخابور
شاده مرمرًا وجد له كلـ … سًا فللطير في ذراه وكور
لم تهبه أيدي المنون فباد إلـ … ملك عنه فبابه مهجور
وتذكر رب الخورنق إذ أشر … ف يومًا وللهدى تفكير
سره ماله وكثرة ما يمـ … لك والبحر معرضًا والسدير
فارعوى قلبه وقال فما غبـ … طة حي إليَّ الممات يصير
ثم أضحوا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور
ثم بعد الفلاح والملك والأمـ … ة وارتهم هناك القبور] [¬١]
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: خصب ورزق، من ثمار وزروع وأولاد وغير [¬٢] ذلك، هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع، أو موت أولاد أو نتاج، أو غير ذلك؛ كما يقول أبو العالية والسدي، ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من قبلك، وبسبب اتباعنا لك، واقتدائنا بدينك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾، وكما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية، وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإِسلام ظاهرًا وهم كارهون له في نفسه، الأمر، ولهذا إذا أصابهم شر إنَّما يسندونه إلى اتباعهم للنبي، ﷺ. وقال السدّي: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ قال: والحسنة الخصب، تنتج مواشيهم وِخيولهم وأنعامهم، ويحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، والسيئة: الجدب والضرر في
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "ونحو".
[ ٤ / ١٦٦ ]
أموالهم - تشاءموا بمحمد ﷺ، وقالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، يقولون: بتركنا ديننا واتباعنا محمدًا أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [] [¬١] أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البر والفاجر والمؤمن والكافر.
قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: الحسنة والسيئة وكذا قال الحسن البصري.
ثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾.
ذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
قال الحافظ أبو بكر البزار (^٦٢٤): حدّثنا السكن بن سعيد، حدّثنا عمر بن يونس، حدّثنا إسماعيل بن حماد، عن مقاتل بن حيان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ قال: كُنَّا جلوسًا عند رسول الله، ﷺ، فأقبل [¬٢] أبو بكر وعمر في قبيلتين من النَّاس، وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قربها من النَّبيُّ، ﷺ، وجلس عمر قريبًا [عن أبي بكر] [¬٣]، فقال رسول الله، ﷺ: "لم ارتفعت أصواتكما؟ "، فقال رجل: يا رسول (١) الله، قال أبو بكر [] [¬٤]: الحسنات من الله، والسيئات من أنفسنا، فقال رسول الله ﷺ: "فما قلت يا
_________________
(١) - " كشف الأستار" (٣/ ٢١٥٣) و"مختصر الزوائد" لابن حجر (٢/ ١٥٩٧) وقال ابن حجر عقبه: "هذا خبر مُنكرٌ، وفى الإسناد ضعف" وأبانه شيخه الهيثمى فقال في "المجمع" (٧/ ١٩٥): "شيخ البزار السكن بن سعيد لم أعرفه، وبقية رجال البزار ثقات، وفى بعضهم كلام لا يضر" لا سيما وأن لهم متابعًا فقد أودع الألبانى هذا الحديث في "الصحيحة" (٤/ ١٦٤٢) بلفظ: "لو أراد الله ألا يعصى ما خلق إبليس" ونقل كلام ابن كثير الذي هنا وقال: "إسماعيل بن حماد إن كان الأشعرى مولاهم فهو صدوق، وإن كان حفيد الإمام أبي حنيفة فقد تكلموا فيه، وأيهما كان فلم يتفرد به، فقد أخرجه البيهقي [في "الأسماء والصفات" (١/ ٣٢٩) وكذا في "شعب الإيمان" كما في اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٣٤) و"الاعتقاد" (ص ١٥٩) وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٧٦٧)] من طريق عباد بن عباد عن عمر بن ذر قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: لو أراد الله ألا يُعصى ما خلق إبليس. وحدثنى مقاتل بن حيان عن عمرو بن شعيب به مرفوعًا، وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات على الخلاف المعروف في عمرو بن شعيب، فالإسناد حسن، وعباد بن عباد هو ابن علقمة المازنى = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "فقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ". [¬٢]- في خ: "فقال". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "يا رسول الله".
[ ٤ / ١٦٧ ]
عمر؟ " فقال: قلت: الحسنات والسيئات من الله تعالى [¬١]، فقال رسول الله ﷺ: "إن أول من تكلم فيه جبريل ومكائيل، فقال ميكائيل مقالتك يا أبا بكر، وقال جبريل مقالتك يا عمر"، فقال: "فيختلف أهل السماء، وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض، فتحاكما إلى إسرافيل فقضى بينهما: إن الحسنات والسيئات من الله". ثم أقبل على أبي بكر وعمر، فقال: "احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله أن لا يعصى [لم يخلق] [¬٢] إبليس".
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس بن تيمية: هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة.
ثم قال تعالى مخاطبًا لرسوله، ﷺ والمراد جنسٍ الإِنسان ليحصل الجواب -: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ أي: من فضل الله ونِّه [¬٣] ولطفه ورحمته، ﴿أي: فمن قِبَلِكَ، ومن عملك أنت [¬٤]، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾.
قال السدي والحسن البصري وابن جريج وابن زيد: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: بذنبك، قال قتادة (^٦٢٥) [في الآية] [¬٥]: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ
_________________
(١) = البصري، ومقاتل بن حيان ثقة من رجال مسلم، وهو غير مقاتل بن سليمان المفسر المتهم، ولعل شيخ الإسلام توهم أنَّه هو راوي هذا الحديث، وإلا فلا وجه للحكم عليه بالوضع من حيث إسناده؛ فإنَّه ليس فيه متهم، ولا من حيث متنه؛ فإنَّه غير مستنكرٍ، فقد اتفق أهل السنة على أن كل شئ من الطاعات والمعاصى فبإرادة الله ﵎، لا يقع شئ من ذلك رغمًا عنه ﷾، لكنَّه يحب الطاعات ويكره المعاصى. وقد أخرج الحديث الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣/ ٢٦٤٨) من طريق عمر بن الصبح عن مقاتل بن حيان به، وعمر بن الصبح ضعيف جدًا؛ كما قال الهيثمى. وقد ورد الحديث من طريق آخر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به، لكن في سنده جهالة، وشاهد من حديث ابن عمر، وفى إسناده بقية بن الوليد، وهو مدلس وعنعنه عن شيخ له مجهول، راجع "الصحيحة" وشاهد آخر - لم يورده الألبانى - أخرجه الآجرى في "الشريعة" (١/ ٤٥٤) وييبى بنت عبد الصَّمد في "جزئها" (ح ١٠٥ وابن بطة في "الإبانة" (خ ١٥٥٩) وفى إسناده يَحْيَى بن سابق أبو زكريا وهو متروك كما قال الدارقطني وغيره، ولذا كان من نصيب موضوعات ابن الجوزي (١/ ٢٧٣).
(٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٦٩) ثنا بشر بن معاذ، ثنا يزيد، ثنا سعيد عن قتادة به، وإسناده = [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "لما خلق". [¬٣]- في ت: "ومنبته". [¬٤]- في ز: "أتيت". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٤ / ١٦٨ ]
نَفْسِكَ﴾ عقوبة لك [¬١] يا ابن آدم بذنبك.
قال: وذكر لنا أن النَّبيَّ، ﷺ [كان يقول] [¬٢]: "لا يصيب رجلًا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلَّا بذنب، وما يعفو الله أكثر".
وهذا الذي أرسله قتادة، قد روي متصلًا في الصَّحيح (٦٢٦): "والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هم ولا حزن، ولا نصب حتَّى الشوكة يشاكها، إلَّا كفر الله عنه بها من [¬٣] خطاياه".
وقال أبو صالح: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ] أي: بذنبك، وأنا الذي قدرتها عليك، رواه ابن جرير (^٦٢٧).
وقال ابن أبي حاتم (^٦٢٨): حدّثنا محمَّد بن عمار، حدّثنا سهل - يعني [¬٤] بن بكار - حدّثنا الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل ابن أخي مطرف، عن مطرف بن عبد الله قال: ما تريدون منى القدر، أما تكفيكم [¬٥] الآية التي في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من نفسك، والله ما وكلوا إليَّ القدر، وقد أمروا وإليه يصيرون.
وهذا كلام متين [¬٦] قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضًا، ولبسطه موضع آخر.
_________________
(١) = صحيح غير أنَّه مرسل، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٣٣١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد. (٦٢٦) - أخرجه البُخاريّ، كتاب المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرض (٥٦٤١، ٥٦٤٢)، ومسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب: في ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض (٥٢) (٢٥٧٣)، والترمذي، كتاب الجنائز، باب: ما جاء في ثواب المريض (٩٦٦)، وأحمد (٣/ ٤، ١٨/ ومواضع آخر) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد، وعند أحمد في الموضع الأوَّل من حديث أبي سعيد فحسب.
(٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٩٧٦، ٩٩٧٨) وإسناده صحيح إلى أبي صالح.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٦٤٨) ورجاله ثقات غير عقبة بن واصل، فقد ذكره البُخاريّ في "التاريخ الكبير" (٦/ ٤٣٩) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ٣١٨) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وأودعه ابن حبان في "الثقات" (٧/ ٢٤٥). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "قال". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- في ز: "يكفيكم". [¬٦]- في ز: "مبين".
[ ٤ / ١٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أي: تبلغهم شرائع الله، وبما [¬١] يحبه الله وورضاه، وبما [¬٢] يكرهه ويأباه.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على أنَّه أرسلك، وهو شهيد أيضًا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إيَّاه، وبما يردّون عليك من الحق كفرًا أو عنادًا.
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾
يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمَّد، ﷺ، بأن من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، [إِنْ هُوَ] [¬٣] إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
قال ابن أبي حاتم (^٦٢٩): حدّثنا أحمد بن سنان، حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبيِ هريرة، قال: قال رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى الله وسلم: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقده عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني".
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين عن الأعمش، به.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٦٦٤)، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٥٢، ٤٧١) وابن أبي شيبة في "المصنف" فاتحةكتاب الجهاد (٧/ ٥٦٦) وعنه وعن غيره ابن ماجة في "السنن" (٣/ ٢٨٥٩) والبغوي في "شرح السنة" (١٠/ ٢٤٥٠) من طريق (أبي معاوية ووكيع) عن الأعمش به، ليس هو عند الشيخين من هذه الطَّريق، وإنما أخرجه البُخاريّ (٢٩٥٧)، ومسلم (٣٢) (١٨٣٥) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة، وأخرجاه أيضًا: البُخاريّ (٧١٣٧)، ومسلم (٣٣) (١٨٣٥) وكذا النسائى (٧/ ١٥٤) من طريق الزُّهريّ عن أبي سلمة عن أبي هريرة به، وأخرجه مسلم أيضًا من طريق (أبي علقمة وهمام بن منبه وأبي يونس) عن أبي هريرة به. [¬١]- في ت: "وما". [¬٢]- في ت: "وما". [¬٣]- ما بين المكوفتين سقط من: ز.
[ ٤ / ١٧٠ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ [¬١] تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: لا [¬٢] عليك منه، إن عليك إلا البلاغ، فمن اتبعك سعد ونجا، وكان لك من الأجر نضير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث (^٦٣٠): " من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه".
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا [مِنْ عِنْدِكَ] [¬٣]﴾ أي: خرجوا [من عندك] [¬٤]، وتواروا عنك، ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي: استسروا ليلًا فيما بينهم بغير ما ظهروه لك [¬٥]، فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظه الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد، يعلمون ما يفعلون، والمعنى في هذا التهديد: أنه [¬٦] تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلًا من مخالفة الرسول، ﵌، وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: اصفح عنهم واحلم عليهم [¬٧] ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تخف منهم أيضًا، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: كفى به وليًّا وناصرًا ومعينًا لمن توكل عليه وأناب إليه.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذَا
_________________
(١) - أخرجه أبو داود، كتاب النكاح، باب: فى خطبة النكاح (٢١١٩)، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٣/ ٢١٥)، والطبرانى فى " المعجم الكبير" (١٠/ ١٠٤٩٩) - ومن طريقه المزى فى "تهذيب الكمال" (١٦/ ت ٣٧٤٥) - من طريق عمران القطان عن قتادة عن عبد ربه عن أبى عياض عن عبد الله بن مسعود به، فى حديث خطبة الحاجة، وعبد ربه وأبو عياض مجهولان، ومع هذا فقد صحح إسناده النووى فى "شرح صحيح مسلم" (٦/ ٢٢٧) وانظر ما يأتى سورة الأعراف/ آية ١٧٨، وقد صح الحديث بلفظ: " … ومن يعص الله ورسوله فقد عوى" أخرجه مسلم، كتاب الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة (٤٨) (٨٧٠)، وأحمد (٤/ ٢٥٦، ٣٧٩) وأدو داود (١٠٩٩، ٤٩٨١)، والنسائى (٦/ ٩٠) من حديث عدى بن حاتم. [¬١]- في ز: "فمن". [¬٢]- في ت: "ما". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- سقط من خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط ز: "فإنه". [¬٧]- في خ: "عنهم".
[ ٤ / ١٧١ ]
جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده [¬١] بتدبر القرآن، وناهيًا [لهم] [¬٢] عن الإِعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة [¬٣]، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، [ولا تضاد] [¬٤]، ولا تعارض؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حقٌّ من حقٍّ، ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ ثم قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أي: لو كان مفتعلًا مختلقًا كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم؛ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، أي: اضطرابًا وتضادًّا كثيرًا، أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى مخبرًا عن الراسخين في العلم، حيث قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردّوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردّوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين.
قال الإِمام أحمد (^٦٣١): حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: لقد جلست أنا وأخي مجلسًا ما أحب أن لي به حُمر النَّعَم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله، ﷺ، على باب من أبوابه، فكرهنا
_________________
(١) - " المسند" (٢/ ١٨١) ورواه عبد الرزاق فى "المصنف" (١١/ ٢٠٣٦٧) ومن طريقه أحمد (٢/ ١٨٥)، والبخارى فى "خلق أفعال العباد" (رقم ٢١٨) والآجرى فى "الشريعة" (١/ رقم ١٥٠)، والبيهقى فى "المدخل" (٧٩٠)، والبغوى فى "شرح السنة" (١/ رقم ١٢١) - أنا معمر عن الزهرى، والحارث بن أبى أسامة كما فى "البغية" (٧٣٤) من طريق ليث بن أبى سليم، ثلاثتهم (أبو حازم سلمة ابن دينار والزهرى وليث) عن عمرو بن شعيب به، وإسناده حسن للخلاف المشهور فى صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وكذا رواه أبو حازم سلمة بن دينار والزهرى وليث، بأن تنازعهم كان فى القرآن، ورواه داود بن أبى هند أن ذلك كان فى القدر، انظر الآتى. [¬١]- فى ت: "لهم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- فى خ: "الغربية". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٤ / ١٧٢ ]
أن نفرق بينهم فجلسنا حَجْرَةً [¬١]، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله، ﷺ، مُغْضَبًا حتى احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: "مهلًا يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضًا، [بل] [¬٢]، يصدّق بعضه بعضًا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردّوه إلى عالمه"، وهكذا رواه أيضًا (^٦٣٢) عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: [¬٣] خرج رسول الله، ﷺ، ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمّان من الغضب، فقال لهم: "ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟! بهذا هلك من كان قبلكم"، قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله ﷺ ولم أشهده، ما غبطت نفسي بذلك المجلس أني لم أشهده.
ورواه ابن ماجة، من حديث داود بن أبى هند، به نحوه.
وقال أحمد (^٦٣٣): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، قال: كتب إلي عبد اللَّه بن رباح، يحدّث عن عبد الله بن عمرو قال: هَجَّرت إلى رسول الله، ﷺ، يومًا، فإنا لجلوس؛ إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما، فقال: "إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب". ورواه مسلم والنسائى من حديث حماد بن زيد، به.
_________________
(١) - " المسند" (٢/ ١٧٨) وأخرجه ابن ماجة فى المقدمة، باب: فى القدر (٨٥) ثنا على بن محمد ثنا أبو معاوية به، ورواه أحمد أيضًا (٢/ ١٩٥ - ١٩٦) ثنا إسماعيل - وهو ابن علية - عن داود به، ورواه أيضًا (١٩٦/ ٢) ثنا يونس ثنا حماد بن سلمة عن حميد ومطر الورَّاق وداود بن أبى هند عن عمرو به، وقال البوصيرى فى "الزوائد" (١/ ٥٨): "إسناده صحيح، رجاله ثقات" وهو حسن كما بينا فى السابق وبالله التوفيق.
(٢) - " المسند" (٢/ ١٩٢) وأخرجه مسلم، كتاب العلم، باب: النهى عن اتباع متشابه القرآن (٢) (٢٦٦٦)، والنسائى فى "فضائل القرآن" من "الكبرى" (٥/ ٨٠٩٥) من طريقين عن حماد بن زيد به. [¬١]- في ز، خ: "حجزة". وجلسنا حجرة، أي: ناحية منفردين. [¬٢]- ما بين العكوفين في خ: "بل نزل، وفي ت: إنما نزل". [¬٣]- مكررة في ز، خ.
[ ٤ / ١٧٣ ]
وقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة.
وقد قال مسلم في مقدّمة صحيحه (^٦٣٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا على بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب [¬١] بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة عن النبي، ﷺ، قال: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع".
وكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه، عن محمد بن الحسين بن إشكاب، عن علي ابن حفص، عن شعبة مسندًا، ورواه مسلم أيضًا (^٦٣٥) من حديث معاذ بن هشام العنبري، وعبد الرحمن بن مهدي، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث حفص بن عمر النَّمَري [¬٢]،
_________________
(١) - مقدمة مسلم لصحيحه، باب: النهى عن الحديث بكل ما سمع (٥/ ٥) ورواه أبو داود، كتاب الأدب، باب: التشديد فى الكذب (٤٩٩٢) وابن حبان فى صحيحه (١/ رقم ٣٠) والدارقطنى فى "العلل" (١٠/ ٢٧٦ / ص ٢٠٠٨) من طريق محمد بن الحسين بن إشكاب، والحاكم فى "المستدرك" (١/ ١١٢) من طريق محمد بن رافع، كلاهما (ابن إشكاب، وابن رافع) عن علي بن حفص - تحرف فى المستدرك إلى جعفر - به، ورجاله ثقات غير أن أبي داود قال: "لم يسنده إلا هذا الشيخ، يعنى على ابن حفص المدائنى" وهو وان وثقه ابن معين وابن المدينى وأبو داود وقال النسائى: ليس به بأس، فقد قال أبو حاتم: صالح الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به وذكره ابن حبان فى "الثقات" وقال: "ربما أخطأ" ووسمه فى "التقريب" بأنه: "صدوق" وعليه فإن القلب لا يطمئن لزيادة هذه لا سيما. وقال الدارقطني: "تفرد به على بن حفص عن شعبة متصلًا، وخالفه أصحاب شعبة؛ رووه عن شعبة عن خبيب عن حفص بن عاصم مرسلًا عن النبى ﷺ كذلك قال غندر والنضر بن شميل وسليمان ابن حرب وغيرهم والقول قولهم" غير أن ابن أبي شيبة رواه في "المصنف" (٦/ ١٢٥) ثنا أسامة عن شعبة به متصلًا، وأخشى أن يكون وصله خطأ من الناسخ واللهُ أعلم. وانظر ما بعده.
(٢) - وفى النسخ التى بين أيدينا من صحيحه وقعت رواية معاذ بن هشام العنبرى وعبد الرحمن بن مهدى متصلة الإسناد، قال المنذرى فى "مختصر سنن أبى داود" (٧/ ٢٨١)، أخرجه مسلم فى المقدمة مسندًا ومرسلًا، وعند بعض رواة مسلم كلاهما مسند، وقال الدارقطني: والصواب مرسل. وقد أرسله أيضًا عن شعبة، حفص بن عمر [عند أبى داود] ومحمد بن جعفر [عند القضاعى فى "مسند الشهاب" (٢/ ١٤١٦)] وآدم بن أبى إياس وسليمان بن حرب وكذا حفص بن عمر [عند الحاكم (١/ ١١٢)] وغيرهم كما قال الدارقطني، وأعله بالإرسال ومن قبله أبو داود، ولكن صححه الحاكم ووافقه الذهبى استنادًا إلى أنها زيادة ثقة فهى مقبولة، وكذا صححه الألبانى فأودعه "الصحيحة" = (*) هجَّر إلى الشيء: بكَّر وبادر إليه. [¬١]- فى ز: "حبيب". [¬٢]- فى ز: "التمري".
[ ٤ / ١٧٤ ]
ثلاثتهم عن شعبة، عن خُبيب، عن حفص بن عاصم، به مرسلًا.
وفي الصحيحين (^٦٣٦) عن المغيرة بن شعبة، أن رسول الله، ﷺ، نهى عن قيل وقال. أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت، [ولا تدبر] [¬١]، ولا تبين.
وفى سنن أبي داود (^٦٣٧): أن رسول الله، ﷺ، قال [¬٢]: "بئس مطية
_________________
(١) = (٢٥/ ٢٠٥) لكن كأنه لم يقف على الخلاف فى وصل رواية معاذ وابن مهدى وإرسالهما عند مسلم، فأجاب على قول أبى داود بأنهما تابعا عليَّ بن حفص على وصله، ولم يشر لهذا الخلاف، وجزم المصنف وغير واحد بأن أصحاب شعبة رووه مرسلًا غير على بن حفص يقوى إرسال هذه الرواية. والحديث أخرجه ابن المبارك فى "الزهد" (٧٣٥) عن يحيى بن عبيد الله بن موهب القرشى عن أبيه عن أبى هريرة به، ويحيى ضعفه غير واحد واستنكر له ابن عدى هذا الحديث فأودعه "الكامل" (٧/ ٢٦٦٠) وله شاهد بإسناد ضعيف من حديث أبى أمامة عند القضاعى (١٤١٥) والحاكم (٢/ ٢٠، ٢١) وصححه وفيه علل، راجع "الضعيفة" (٥/ ٢٢٣٤).
(٢) - صحيح البخارى، كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١٤٧٧)، ومسلم، كتاب الأقضية، باب: النهى عن عرة المسائل من غير حاجة (١٢) (٥٩٣) مكرر "شرح النووى" (١٧/ ١٢/ ط قرطبة)، وهو فى "المسند" (٤/ ٢٤٦ /ومواضع أخر).
(٣) - سنن أبى داود، كتاب الأدب، باب: قول الرجل: "زعموا" (٤٩٧٢) ثنا أبو بكر بن أبى شيبة [وهو فى "المصنف" (٦/ ١٤٥)] ثنا وكيع، عن الأوزاعى عن يحيى، عن أبى قلابة، قال: قال أبو مسعود لأبى عبد الله، أو: قال أبو عبد الله لأبى مسعود: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول فى "زعموا"؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره، وقال أبو داود: "أبو عبد الله هذا حذيفة" وكأن أحمد رجح هذا، فرواه فى مسند حذيفة "المسند" (٥/ ٤٠١)، ورواه البخارى فى "الأدب المفرد" (٧٦٢) والطحاوى فى "مشكل الآثار" رقم ١٣٨) والقضاعى فى "مسند الشهاب" (٢/ ١٣٣٤) من طريق أبى عاصم الضحاك بن مخلد عن الأوزاعى به، ورواه ابن المبارك فى "الزهد" (٣٧٧) [ومن طريقه أحمد (٩/ ١١٤) والقضاعى (٢/ ١٣٣٦) والبغوى فى "شرح السنة" (١٢/ ٨٨٩٢)] عن الأوزاعى به ليس فيه ذكر لأبى عبد الله الصحابي، ورجال هذه الأسانيد ثقات من رجال "التهذيب" غير أن أبا قلابة - واسمه عبد اللَّه بن زيد - ذكر الحافظ أبو القاسم الدمشقى فى "الأطراف" أنه لم يسمع منهما - يعنى حذيفة وأبا مسعود ﵄؛ قاله المنذرى فى "مختصر السنن" (٧/ ٢٦٧) وكذا مال العلائى فى "جامع التحصيل" (ص ٢١١) إلى عدم سماعه من حذيفة ومع هذا فقد صححه من هذا الوجه الألبانى فى "الصحيحة" (٢/ ٨٦٦)، وقد أشار إلى هذا الحديث البخارى فى صحيحه - كتاب الأدب (٣٤)، "الفتح" (١٠/ ٥٥١) - فقال: = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ر.
[ ٤ / ١٧٥ ]
الرجل زعموا". وفي الصحيح (^٦٣٨): " من حدث بحديث، وهو يرى أنه كذب؛ فهو أحد الكاذبين".
_________________
(١) = باب: ما جاء فى "زعموا" قال ابن حجر: كأنه يشير إلى حديث أبى قلابة قال: "قيل لأبى مسعود … " الحديث، أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعًا، وكان البخارى أشار إلى ضعف هذا الحديث بإخراجه حديث أم هانئ وفيه قولها: "زعم ابن أمى" فإن أم هانئ أطلقت ذلك فى حق على، ولم ينكر عليها النبى ﷺ والأصل فى "زعم" أنها تقال فى الأمر الذى لا يوقف على حقيقته … ومع جزم ابن حجر هنا بالانقطاع إلا أنه صحح إسناده من طريق آخر، فقال فى "الإصابة" (٤/ ١٢٦/ ط دار الفكر): (أبو عبد الله غير منسوب روى حديثه الحسن بن سفيان فى مسنده من طريق الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعى، حدثنا يحيى بن أبى كثير حدثنى أبو قلابة حدثنى أبو عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ … الحديث، وسنده صحيح متصل أمن فيه من تدليس الوليد وتسويته، وقد أخرجه أبو داود في "السنن" من طريق وكيع عِن الأوزاعى فقال فيه: عن أبى قلابة قال: قال أبو مسعود لأبى عبد الله … قال أبو داود: أبو عبد الله هذا هو حذيفة بن اليمان، كذا قال، وفيه نظر لأن أبا قلابة لم يدرك حذيفة، وقد صرح فى رواية الوليد بأن أبا عبد الله حدثه، والوليد أعرف بحديث الأوزاعى من وكيع، وقال ابن منده: "أبو عبد الله هذا هو الذى روى عنه أبو نضرة وهو محتمل" اهـ وقد مال ابن أبى عاصم إلى أن أبا عبد الله الصحابي ليس هو حذيفة، حيث رواه فى كتابه "الآحاد والمثانى" (٥/ ٢٧٩٨) تحت ترجمته "أبو عبد الله" صحابى غير منسوب فقال: "حدثنا عمرو بن عثمان نا الوليد بن مسلم به" وفي طريق الوليد أخرجه أيضًا الطحاوى (١/ ١٣٧)، ومن طريقة القضاعى (٢/ ١٣٣٥) ثنا محمد بن عبد الله بن ميمون البغدادى أبو بكر، ثنا الوليد بن مسلم به، ورواه البيهقى فى "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٤٧) من طريق العباس بن الوليد بن مزيد أنبأ أبى قال: سمعت الأوزاعى قال: فذكره بنحو رواية أبى داود، وغيره، غير أنه نسب أبا عبد الله فقال: "أبو عبد الله الجرمى" ورواه الخرائطى فى "مساوئ الأخلاق" (رقم ٦٨٨) من طريق يحيى بن عبد العزيز عن يحيى - ابن أبى كثير - عن أبى قلابة عن أبى مهلب أن عبد الله بن عامر قال: يا أبا مسعود ما سمعت من رسول الله ﷺ يقول فى "زعموا"؟ … فذكر الحديث ورجاله ثقات غير يحيى بن عبد العزيز هذا فقد وسمه الحافظ فى "التقريب" بأنه "مقبول" يعنى عند المتابعة وإلا فهو لين عند التفرد كما هو اصطلاحه، فكيف وفد خولف ولذلك قال الألبانى: "رواية شاذة، بل منكرة" فالعجب إذن من العجلونى حيث قطع إسناده من عند يحيى هذا فقال فى: "كشف الخفاء" (١/ ٢٦٢): "رواه الخرائطى فى "المساوئ عن أبى قلابة … ورجاله موثقون فثبت اتصاله، وتأكد الجزم بأنه عن أبى مسعود"!!.
(٢) - صحيح رواه مسلم فى مقدمة صحيحه، باب: وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين (١/ ٩٧/ شرح النووى ط قرطبة) من حديث سمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة، وحديث سمرة رواه أحمد (٥/ ١٤، ٢٠) وابن ماجه (٣٩) والطيالسى فى مسنده (١/ ٣٨) وابن عدى فى "الكامل" (١/ ٣٩) وابن حبان فى "المجروحين" (١/ ٧) وفى صحيحه (١/ح ٢٩) والطبرانى فى "طرق حديث من كذب على متعمدًا" (١/ ح ١٣٣) وإسناده صحيح، وحديث المغيرة - بهذا اللفظ - رواه أيضًا أحمد (٥/ ٢٥٠، ٢٥٢، ٢٥٥)، والترمذى (٢٦٦٢) وابن ماجه (٤١) وابن عدى وابن حبان والطبرانى (١/ ح ١٣٠ - ١٣٢) والحاكم فى "المدخل" ص ١٠٣) وإسناده صحيح أيضًا.
[ ٤ / ١٧٦ ]
ولنذكر هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق [عليه] (^٦٣٩) [¬١]، حين بلغه أن رسول الله، ﷺ، طلق نساءه، فجاء من منزله حتى دخل المسجد، فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على النبي، ﷺ، فاستفهمه: أطلقت نساءك؟ فقال: "لا"، فقلت: الله أكبر، وذكر الحديث بطوله.
وعند مسلم فقلت: أطلقتهن؟ فقال: "لا"، فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطق [رسول الله، ﷺ،] [¬٢] نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
ومعنى قوله: ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أي: يستخرجونه ويستعملونه من معادنه، يقال: استنبط [¬٣] الرجل العين، إذا حفرها واستخرجها من قعورها [¬٤].
وقوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس، يعني: المؤمنين (^٦٤٠).
وقال عبد الرزاق (^٦٤١)، عن معمر، عن قتادة: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ يعني:
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: العلم، باب: التناوب فى العلم (٨٩) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم، كتاب: الطلاق، باب: فى الإيلاء واعتزال النساء تخييرهن (٣٠: ٣٥) (١٤٧٩) والترمذى (٢٤٦١، ٣٣١٨)، والنسائى (٤/ ١٣٧) من طريق عبد الله بن عبد الله بن أبى ثور، ورواه البخارى ومسلم من طريق عبيد بن حنين، ورواه مسلم والترمذى (٢٦٩١) من طريق سماك الحنفى أبى زميل، وأبو داود (٥٢٠١) من طريق سعيد بن جبير - مختصر جدًا - أربعتهم (عبيد الله وعبيد وأبو زميل وسعيد) عن ابن عباس عن عمر به مطولًا ومختصرًا، ورواية أبى زميل عند مسلم هى التى فيها نزول هذه الآية ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ …﴾.
(٢) - رواه ابن جرير (٨/ ١٠٠١١)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٧٠٢) وعلى بن أبى طلحة لم يسمع من ابن عباس، والأثر ذكره فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٣٤) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٣) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٦) - ومن طريقه ابن جرير (٨/ ١٠٠٠٨) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٧٠٢) وإسناده صحيح ورواه ابن جرير أيضًا (٨/ ١٠٠٠٩) من طريق سويد بن نصر، أخبرنا ابن المبارك قراءة، عن سعيد به وإسناده صحيح أيضًا، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٣٤) وزاد نسبته إلى ابن المنذر. [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "على صحته". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "استبط". [¬٤]- في ز، خ: "قعارها".
[ ٤ / ١٧٧ ]
كلكم، واستشهد من نصر هذا القول بقول الطِّرِمَّاح بن حكيم، في مدح يزيد بن المهلب:
أشم [كثير يُدِيَّ] [¬١] النوال … قليل المثالب والقادحهْ
يعني: لا مثالب له ولا قادحة فيه.
﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾
يأمر تعالى عبده ورسوله محمدًا، ﷺ، بأن يباشر القتال بنفسه ومن نكل عنه [¬٢] فلا عليه منه ولهذا قال ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٤٢): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن [زُنَيْج] (*)، حدثنا حكام، حدثنا الجرّاح الكندي، عن أبي إسحاق قال: سألت البراء بن عازب، عن الرجل يلقى مائة [¬٣] من العدوّ، فيقاتل، أيكون ممن قال الله فيه: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قال: قد قال الله تعالى [لنبيه، ﷺ] [¬٤]: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٧٠٤) وإسناده حسن لكلام فى الجراح - وهو ابن الضحاك ابن قيس الكندى - فقد وسمه الحافظ ابن حجر فى "التقريب" بأنه "صدوق"، لكنه متابع فقد رواه أحمد (٤/ ٢٨١) وابن مردويه من طريق أبى بكر بن عياش. مقرونًا به على بن صالح عند ابن مردويه - كلت أبى إسحاق به. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "ندي كثير النوادي" وفي خ: كثير النوادي. [¬٢]- في ز، خ: "عليه". (*) في ز، خ: بن نبيح. بدون نقط الاسم الأخير. وهو تحريف. والصواب ما أثبته. وانظر ترجمته في الجرح والتعديل [٨/ ٣٤]، تهذيب الكمال [٢٦/ ١٩٩]. [¬٣]- في خ: "المائة". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.
[ ٤ / ١٧٨ ]
وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ورواه الإِمام أحمد، عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين؛ أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟ قال: لا؛ لأن الله بعث رسوله، ﷺ، وقال: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾، إنما ذلك فى النفقة.
وكذا رواه ابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش: على بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء، به.
ثم قال ابن مردويه (^٦٤٣): حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدّثنا مسلم بن عبد الرحمن الجرمي، حدثنا محمد بني حمير، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت على النبي، ﷺ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال لأصحابه: "قد أمرني ربي بالقتال فقالوا". حديث غريب.
وقوله: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [] [¬١]﴾ أي: على القتال، ورغبهم فيه وشجعهم [¬٢] عنده، كما قال لهم، ﷺ، يوم بدر، وهو يسوّي الصفوف: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" (^٦٤٤).
وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري (^٦٤٥)، عن أبي
_________________
(١) - وعزاه إلى ابن مردويه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٣٥) ولم أهتد له فى المعاجم الثلاثة لسليمان بن أحمد الطبرانى، كما أن شيخ الطبرانى وشيخ شيخه لم أجد لهما ترجمة، وكأن لهذا استغربه المصنف - وباقى الإسناد رجاله رجال "التهذيب".
(٢) - جزء من حديث طويل رواه مسلم، كتاب: الإمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد (١٤٥) (١٩٠١)، وأحمد (٣/ ١٣٦، ١٣٧) من حديث أنس بن مالك، وهو عند أبى داود (٢٦١٨) مختصرًا.
(٣) - رواه البخارى، كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين فى سبيل الله (٢٧٩٠)، وكتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤٢٣) من طريق فليح بن سليمان حدثنى هلالٌ عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة مرفوعًا به دون لفظة، "وآتى الزكاة". وكان المصنف أورده عند تفسير (آية: ٧٢/ سورة التوبة) كالجادة - دون هذه اللفظة - غير أنه عزاه إلى = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: على القتال. وهو خطأ. [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٧٩ ]
هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها"، قالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس بذلك؟ فقال: "إن في الجنة مائة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله [¬١] فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، [وأعلى الجنة] [¬٢]، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".
وروي من حديث عبادة (^٦٤٦) ومعاذ (^٦٤٧)
_________________
(١) = الصحيحين!!، وإنما انفرد به البخارى، وأغرب من ذلك أن يستدركه الحاكم على الشيخين ويوافقه الذهبى "المستدرك" (١/ ٨٠)!! قال ابن حجر فى "الفتح" (٦/ ١٢): "قال ابن بطال: لم يذكر الزكاة والحج لكونه لم يكن فرض - قلت - ابن حجر: بل سقط ذكره على أحد الرواة، فقد ثبت الحج فى الترمذى فى حديث معاذ بن جبل - يأتى تخرجه (٦٥٠) - وقال فيه: "لا أدرى أذكر الزكاة أم لا"، وأيضًا فإن الحديث لم يذكر لبيان الأركان فكان الاقتصار على ما ذكر إن كان محفوظًا لأنه هو المتكرر غالبًا، وأما الزكاة فلا تجب إلا على من له مال بشرطه، والحج فلا يجب إلا مرة على التراخى".
(٢) - رواه أحمد (٥/ ٣١٦، ٣٢١) وابن أبى شيبة فى "المصنف" (٨/ ٨٥/ ط: دار الفكر: عبد ابن حميد فى "المنتخب" (١٨٢)، والترمذى فى "الجامع" (٢٥٣١)، وابن أبى الدنيا فى "صفة الجنة" (رقم ١٨)، وابن جرير فى تفسيره (٣٧١١٦) وابن خزيمة فى "التوحيد" (رقم: ١٥٣)، والحاكم فى "المستدرك" (١/ ٨٠) والبيهقى فى "البعث والنشور" (رقم ٢٢٦) وأبو نعيم فى "صفة الجنة" (٢ / رقم ٢٢٥). كلهم من طريق همام ابن يحيى ثنا زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت مرفوعًا بلفظ: "الجنة مائة درجة، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض - وفى رواية ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام - ومن فوقها يكون العرش، وإن الفردوس من أعلاها درجة، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، فسلوه الفردوس". وصحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبى، وأقرهما أبو عبد الرحمن الألبانى فسود به حديث رقم (٩٢٢) من "الصحيحة" لكن أعله أبو عيسى الترمذى بالمخالفة، فانظر الآتى.
(٣) - رواه أبو عيسى الترمذى فى "الجامع" (٢٥٣٠) وأحمد فى "المسند" (٥/ ٢٤٠)، والبزار - كما فى "كشف الأستار" (١/ رقم ٢٦) - وابن جرير فى "تفسيره" (١٦/ ٣٧، ٣٨)، والدارمى فى "الرد على الجهمية" (ص ١٥)، وأبو نعيم فى "صفة الجنة" (٢ / رقم ٢٢٧) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردى - مقرونًا به محمد بن جعفر عند ابن جرير - ورواه ابن ماجه (٤٣٣١) وأبو نعيم - معلقا - من طريق حفص بن ميسرة، وأحمد (٥/ ٢٣٢) من طريق زهير بن محمد، والبيهقى فى "البعث والنشور" (٢٢٧) من طريق هشام بن سعد، خمستهم (الدراوردى، وابن جعفر، = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٨٠ ]
وأبي الدرداء (^٦٤٨) نحو ذلك.
وعن أبي سعيد الخدري (^٦٤٩)، أن رسول الله، ﷺ، قال: "يا أبا سعيد، من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا و[¬١] نبيًّا وجبت له الجنَّةَ ". قال: فعجب لها أَبو سعيد، فقال: أَعدها عليَّ يا رسول الله؛ ففعل، ثم قال رسول الله، ﷺ: "وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة؛ في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء إلى [¬٢] والأرض"، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: الجهاد في سبيل الله". رواه مسلم.
وقوله: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: بتحريضك إياهم على القتال؛ تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإِسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.
_________________
(١) = وابن ميسرة وزهير وهشام) عن زيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل … الحديث. قال أَبو عيسى: "هكذا رُوِيَ هذا الحديث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل، وهذا عندى أصح من حديث همام عن هشام بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبادة بن الصامت - وهو السابق - وعطاء لم يُدْرك معاذ بن جبل: ومعاذ قديم الموت، مات فى خلافة عمر" وأعله بالانقطاع أيضًا البزار فقال عقبة: "لا نعلمه بهذا اللفظ إلا عن معاذ، ولا نعلم لعطاء منه سماعًا"، وذكره الهيثمى فى "المجمع " (١/ ٥١، ٥٢): قال: "رواه البزار، وهو من رواية عطاء بن يسار عن معاذ، ولم يسمع منه" وبهذا أعله أيضًا الحافظ ابن حجر ﵀ فى "الفتح" (٦/ ١٢) وأبو عبد الرحمن الألبانى - كما فى "الصحيحة" (٤/ ١٩١٣) - لكنه أجاب عن العلة الأولى التى أشار إليها الترمذى بأن: "همام بن يحيى ثقة محتج به فى الصحيحين، فيمكن أن يكون لعطاء فيه إسنادان: أحدهما عن عبادة، حفظه هو، والآخر: عن معاذ حفظه الجماعة، فلا تعارض. ومما يؤيد هذا أن البخارى أخرجه - تقدم (٦٤٨) - من طريق هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أَبى هريرة مرفوعًا به. فهذا إسناد ثالث لعطاء، فالجمع أولى من تخطئة ثقتين، وقد أشار الحافظ ابن حجر ﵀ إلى هذا الجمع، كما فى نقل المباركفورى عنه، والله أعلم" راجع "الصحيحة" (١/ ح ٩٢٢).
(٢) - رواه النسائى فى "سننه" (٦/ ٢٠) وفى "عمل اليوم والليلة" (١١٢٧)، وإسناده حسن وأشار له الحافظ ابن حجر ﵀ فى "الفتح" (٦/ ١٢) وزاد عزوه إلى الطبرانى.
(٣) - رواه مسلم فى "صحيحه"، كتاب: الإمارة، باب: بيان ما أعده الله تعالى للمجاهد فى الجنَّةَ ١١٦ - (١٨٨٤) وأَبو داود، كتاب: الصلاة، باب: فى الاستغفار (١٥٢٩)، والنسائى، كتاب: الجهاد، باب: درجة المجاهد فى سبيل الله ﷿ (٦/ ١٩) وفى "عمل اليوم والليلة" (٩٨٣٣، ٩٨٣٤) وأحمد فى "المسند" (٣/ ١٤). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ت: "و".
[ ٤ / ١٨١ ]
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أي: هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ أي: من سعى [¬١] في أمر، فترتَّب عليه خير، كان له نصيب من ذلك، ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ أي: يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح (^٦٥٠) أن [¬٢] النبي، ﷺ، [قال] [¬٣]: "اشفعوا تؤجروا [¬٤] "، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء".
وقال مجاهد بن جَبْر [¬٥]: نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض.
وقال الحسن البصري: قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ﴾ ولم يقل: من يشفع.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال ابن عبَّاس وعطاء وعطية وقَتَادة ومطر الوراق: ﴿مقيتًا﴾ أي: حفيظًا، وقال مجاهد: شهيدًا، وفى رواية عنه: حسيبًا. وقال سعيد [¬٦] بن جبير والسدي وابن زيد: قديرًا، وقال عبد الله بن كثير: المقيت: الواصب [¬٧]، وقال الضحاك: المقيت: الرزاق.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٥١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدَّثنا عيسى بن
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الزكاة، باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها (١٤٣٢)، ومسلم، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام ١٤٥ (٢٦٢٧)، وأَبو داود، كتاب: الأدب، باب: فى الشفاعة (٥١٣١)، والترمذى، كتاب: العلم، باب: ما جاء الدال على الخير كفاعله (٢٦٧٢)، والنسائى، كتاب: الزكاة، باب: الشفاعة فى الصدقة (٥/ ٧٧، ٧٨)، وأحمد (٤/ ٤٠٠) من حديث أبي موسى الأشعرى.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٢٠) ورواه ابن المنذر () كما فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٦٣) ولم يعزه لغيرهما - من طريق عيسى بن يونس به وإسناده فيه جهالة، وإسماعيل يحتمل أن يكون "ابن عياش". [¬١]- في خ: "يسعى". [¬٢]- في خ: "عن". [¬٣]- في خ: أنَّه قال. [¬٤]- في ز، خ: " فلتؤجروا". [¬٥]- في ز: "جبير". [¬٦]- سقط من: ت. [¬٧]- في ز: "المواضب" وهو تحريف صوبناه عن تفسير الطبري. والواصب: هو من يحسن تدبير الأمور والقيام عليها.
[ ٤ / ١٨٢ ]
يونس، عن إسماعيل، عن رجل، عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قال: يقيت كل [¬١] إنسان بقدر [¬٢] عمله.
وقوله: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ أي: إذا سلم عليكم السلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل مما سلم [¬٣] فالزِّيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.
قال ابن جرير (^٦٥٢): حدَّثنا موسى بن سهل الرملي، حدَّثنا عبد الله بن السري الأنطاكي، حدَّثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: السلام عليك يا رسول الله، فقال: "وعليك [¬٤] السلام ورحمة الله". ثم أتى آخر، فقال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، فقال [له] [¬٥]، رسول الله، ﷺ: " وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليك [يا رسول الله] [¬٦] ورحمة الله وبركاته،
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ١٠٠٤٤) وعلقه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٧٢٦) من طريق عبد الله بن السرى به، ورواه أحمد فى "الزهد" كما فى "الدر المنثور" للسيوطى (٢/ ٣٣٦) ولم أجده فى "كتاب الزهد" المطبوع، ومن طريقه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (٦/ ٦١١٤) والدارقطني، ومن طريق الدارقطني ابن الجوزي فى "العلل المتناهية" (٢/ ١١٦٩) ابن مردويه كما ذكره المصنف - ثنا هشام بن لاحق به، وحسن إسناده السيوطى: مع أن هشام بن لاحق لا يحتمل تفرده بمثل هذا المتن، فقد قال الهيثمى فى "المجمع" (٨/ ٣٦): "رواه الطبرانى، وفيه هشام بن لاحق، قواه النسائى، وترك أحمد حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح"، وقال ابن الجوزى: "هذا حديث لا يصح، قال أحمد: تركت حديث هشام بن لاحق، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به" لا سيما فى روايته عن عاصم (فقد ذكره العقيلى فى "الضعفاء" (٤/ ٣٣٧)، ونقل عن أحمد قال: حدَّثنا هشام ابن لاحق أَبو عثمان المَدَائنى، حدَّثنا عاصم، فذكر حديثًا ثم قال: كتبت عنه أحاديث عن عاصم رفعها لا يرفعها الناس، وقال العقيلى والساجى: قال البخاري: هو مضطرب الحديث، عنده مناكير، أنكر شبابة أحاديثه، قال الساجى: وهو لا يتابع، وقال ابن عدى: "أحاديثه حسان، وأرجو أنَّه لا بأس به"، وذكره ابن حبان أيضًا فى "الثقات"، فقال: "يروى عن عاصم - وعنه أحمد بن هشام بن بهرام نسخة فى القلب من بعضها") راجع "اللسان" لابن حجر ﵀ (٦/ ٩٠١٢). فائدة: أشار ابن حجر ﵀ فى "الفتح" (١١/ ٤٦) إلى هذا الحديث، وعزاه إلى الطبرانى فى "الأوسط"!! ولم أجده فيه، ولم يعزه الهيثمى، والسيوطى إلَّا "للمعجم الكبير" والله أعلم. [¬١]- في ت: "لكل". [¬٢]- في خ: "على قدر". [¬٣]- في خ: "به". [¬٤]- في ت: "وعليكم". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٤ / ١٨٣ ]
فقال له: "وعليك" فقال له الرجل: يا نبي الله؛ بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك، فرددت عليهما أكثر مما رددت عليَّ، فقال: "إنك لم تدع لنا شيئًا. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ فرددناها عليك".
وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقًا، فقال: ذكر عن أحمد بن الحسن التِّرمِذي، حدَّثنا عبد الله بن السري - أَبو محمد الأنطاكي - قال أَبو الحسن - وكان رجلًا صالحا -: حدَّثنا هشام بن لاحق … فذكر بإسناده مثله.
ورواه أَبو بكر بن مردويه: حدَّثنا عبد الباقي بن قانع، حدَّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن لاحق - أبو عثمان - فذكره مثله، ولم أره في المسند، والله أعلم.
وفي هذا الحديث دلالة على أنَّه لا زيادة في السلام على هذه الصفة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك لزاده رسول الله، ﷺ.
وقال الإِمام أحمد (^٦٥٣): حدَّثنا محمد بن كثير - أخي [¬١] سليمان بن كثير - حدَّثنا جعفر ابن سليمان، عن عوف، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران بن حصين، أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه، ثم جلس فقال: "عشر"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، ثم جلس فقال [¬٢]: ["عشرون"، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه¬ السلام، ثم جلس] [¬٣]
_________________
(١) - " المسند" (٤/ ٤٣٩، ٤٤٠) وعنه النسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٣٧) ومن "الكبرى" (٦/ ١٠١٦٩) - ورواه أَبو داود، كتاب: الأدب، باب: كيف السلام (٥١٩٥) والدارمى فى "سننه" (٢/ح ٢٦٤٣) - ومن طريقه وطريق غيره الترمذى فى "الجامع" كتاب: الاستئذان، باب: ما ذكر فى فضل السلام (٢٦٨٩) - والبزار فى "مسنده" (٩/ ٣٥٨٨ /البحر الزخار)، والطبرانى فى "المعجم الكبير" (١٨/ ح ٢٨٠)، والبيهقى فى "الشعب" (٦/ ٨٨٧٠)، كلهم من طريق محمد بن كثير وهو أَبو عبد الله العبدى ثقة، ووهم ابن الجوزى فظنه أبا إسحاق القرشى الكوفى فأعل الحديث به!! ومن طريقه ابن الجوزى فى "العلل المتناهية" (٢/ ١١٩٤) به. ورواه ابن أبي الدنيا - ومن طريقه البيهقى - ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة نا جعفر بن سليمان قال البزار: "وهنا الحديث قد روى نحو كلامه عن النبيّ - صلى الىَه عليه وسلم - من وجوه، وأحسن إسناد يروى فى ذلك عن النبى ﷺ هذا الإسناد، وإن كان قد رواه من هو = [¬١]- كذا. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٨٤ ]
فقال [¬١]: "ثلاثون".
وكذا رواه أَبو داود، عن محمد بن كثير، وأخرجه التِّرمِذي والنَّسائي والبزار من حديثه، ثم قال التِّرمِذي: حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي سعيد، وعلى (^٦٥٤)، وسهل بن حنيف (^٦٥٥).
وقال البزار: قد روي هذا عن النبي، ﷺ، من وجوه هذا أحسنها إسنادًا. وقال ابن أبي حاتم (^٦٥٦): حدَّثنا على بن حرب الموصلي، حدَّثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن الحسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس فال: من سلم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسيًّا، ذلك بأن الله يقول: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾.
وقال قتادة: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ يعني للمسلمين [¬٢]، ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ يعني لأهل الذمة.
وهذا التنزيل فيه نظر، كما تقدم في الحديث، من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن
_________________
(١) = أجل من عمران فإسناد عمران حسن". وقال أبو عيسى: "حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه … " وقوى إسناده ابن حجر ﵀ فى "الفتح" (١١/ ٦) وحسن إسناده من هذا الوجه البيهقى أيضًا وذلك لكلام فى جعفر بن سليمان، ففى "التقريب": صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع … ".
(٢) - ذكره الهيثمى فى "المجمع" (٨/ ٣٣، ٣٤) وقال: "رواه البزار، وفيه مختار بن نافع التيمى، وهو ضعيف، وفيه عبيد بن إسحاق العطار، وهو متروك" وذكره ابن حجر ﵀ فى "الفتح" (١١/ ٦) وعزاه إلى أبى نعيم فى "عمل اليوم والليلة".
(٣) - رواه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (٦ / ح ٥٥٦٣)، والبيهقى فى "الشعب" (٦/ ٨٨٧٥) وأشار إليه الحافظ ابن حجر ﵀ فى "الفتح" (١١/ ٦) وضعف إسناده إذ إنه من رواية موسى بن عبيدة الربذى: وهو ضعيف، وبه أعله الهيثمى فى "المجمع" (٨/ ٣٤): ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٣٧) لغير البيهقى. وفى الباب عن أبي هريرة عند البخارى فى "الأدب المفرد" (٩٨٦) وصححه أبو حاتم بن حبان (١/ ٤٩٣/ إحسان)، وعن ابن عمر ومالك بن التيهان وفى إسنادهما مقال انظر "المجمع" (٨/ ٣٤) و"الفتح".
(٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٢٩) ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٣٧، ٣٣٨) لغيره، ورواية سماك عن عكرمة مضطربة كما قال ابن المدينى وغيره، ومع هذا فقد جزم بنسبته إلى ابن عبَّاس الحافظ فى "الفتح" (١١/ ٤٢). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "المسلمين".
[ ٤ / ١٨٥ ]
بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام، رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يبدءون بالسلام، ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين (^٦٥٧)، عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ، قال: "إذا سلم عليكم اليهود، فإنما يقول أحدهم السام عليك فقل: وعليك [¬١] ".
وفي صحيح مسلم (^٦٥٨) عن أبي هريرة أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه".
وقال سفيان الثَّوري (^٦٥٩): عن رجل، عن الحسن البصري قال: السلام تطوّع، والرد فريضة.
وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة: إن الرد واجب على من سلم عليه؛ فيأثم إن لم يفعل لأنه خالف أمر الله في قوله ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ وقد جاء في الحديث الذي رواه [¬٢] [أبو داود بسنده (^٦٦٠) إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: "والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنَّةَ حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؛ افشوا السلام بينكم] [¬٣] ".
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الاستئذان، باب: كيف الردُّ، على أهل الذِّمة بالسلام (٦٢٥٧)، ومسلم، كتاب: السلام، باب: النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام … ٨، ٩ - (٢١٦٤)، وأَبو داود، كتاب: الأدب، باب: فى السلام على أهل الذمة (٥٢٠٦)، والترمذى، كتاب: السير، باب: ما جاء فى التسليم على أهل الكتاب (١٦٠٣)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٧٨ - ٣٨٠) من طرق عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر به. وفى لفظه الرد على اليهود بـ "عليك" أو "عليكم" تحرير انظره فى "الفتح" لابن حجر ﵀ (١١/ ٤٣، ٤٤).
(٢) - صحيح مسلم، كتاب: السلام، باب: النهى عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام (١٣ - ٢١٦٧) وكذا رواه أحمد (٢/ ٢٦٣ / ومواضع أخر) وأَبو داود (٥٢٠٥) والترمذى (١٦٠٢، ٢٧٠٠).
(٣) - رواه ابن جرير (٨/ ١٠٠٤٦) وفى إسناده جهالة، لكن رواه البخارى فى "الأدب المفرد، (١٠٤٠) بإسناد صحيح، ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٣٨) لغيرهما.
(٤) - رواه أَبو داود، كتاب: الأدب، باب: فى إفشاء السلام (٥١٩٣) واقتصار المصنف على عزوه لأبى داود تقصير!! فقد رواه مسلم فى صحيحه، كتاب: الإيمان، باب: بيان أنَّه لا يدخل الجنَّةَ = [¬١]- قال الإمام الخطابي عند شرحه لقوله ﷺ: "فقولوا: وعليكم": "هكذا يرويه عامة المحدثين "وعليكم" بالواو، وكان سفيان بن عيينة يرويه: "عليكم" بحذف الواو، وهو الصواب. وذلك: أنَّه إذا حذف الواو صار قولهم الذي قالوه بعينه مردودًا عليهم، وبإدخال الواو يقع الاشتراك معهم والدخول فيما قالوه؛ لأن الواو حرف للعطف والجمع بين الشيئين. معالم السنن [٨/ ٧٥]. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- مكانها بياض في ز، وسقط من: خ.
[ ٤ / ١٨٦ ]
وقول [¬١] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إخبار بتوحيده، تفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمن قسمًا لقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ خبر وقسم أنَّه سيجمع الأولين: الآخرين في صعيد واحد؛ فيجازي كل عامل بعمله.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي: لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره ووعده ووعيده، فلا إله إلَّا هو، ولا رب سواه.
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾
يقول تعالى منكرًا على المؤمنين، في اختلافهم في المنافقين على قولين: واختلف في سبب ذلك، فقال الإِمام أحمد (^٦٦١): حدَّثنا بهز، حدثا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني
_________________
(١) = إلَّا المؤمنون (٩٣، ٩٤) (٥٤)، والترمذى، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء فى إفشاء السلام (٢٦٦٨)، وابن ماجة فى المقدمة، باب: فى الإيمان (٦٨)، وفى الأدب، باب: فى إفشاء السلام (٣٦٩٢)، وأحمد (٢/ ٣٩١، ٤٤٢، ٤٧٧، ٤٩٥، ٥١٢).
(٢) - " المسند" (٥/ ١٨٤، ١٨٧)، ورواه أيضًا (٥/ ١٨٨، ٢٨٧)، والبخارى، كتاب: = [¬١]- مكانها بياض في ز.
[ ٤ / ١٨٧ ]
[] [¬١] عبد الله بن يزيد عن زيد بن ثابت، أن رسول الله، ﷺ، خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله، ﷺ، فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا [هم المؤمنون] [¬٢]، فأنزل الله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فقال رسول الله، ﷺ: "إنها طيبة، وإنها تنفي الخبث، كما تنفي النار خبث الفضة".
أخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار فى وقعة أحد: أن عبد الله بن أبي ابن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة، وبقي النبي، ﷺ، في سبعمائة.
وقال العوفي، عن ابن عبَّاس: نزلت فى قوم كانوا بمكة، قد تكلموا بالإسلام، وكانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصَحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وإن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم بم فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! أو كما قالوا، أتقتلون قومًا قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟، أمن أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم، نستحل دماءهم وأموالهم، فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدًا [¬٣] من الفريقين عن شيء، فأنزل الله [¬٤]: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾.
رواه ابن أبي حاتم (^٦٦٢)، وقد روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم: قريب من هذا.
_________________
(١) = فضائل المدينة (١٨٨٤) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم، كتاب: الحج، باب: المدينة تنفى شرارها (٤٩٠) (١٣٨٤)، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم (٦) (٢٧٧٦)، والترمذى: "كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء (٢٨، ٣)، والنسائى فى التفسير من "الكبرى" (٦/ ١١١٣)، من طرق عن شعبة، وفى بعض ألفاظه خلاف تجده محررًا فى "الفتح" (٤/ ٩٧).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٤١) وكذا رواه ابن جرير (٩/ ١٠٠٥٤) بإسناد مسلسل بالضعفاء أولهم عطية العوفى راوية عن ابن عبَّاس. [¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز: "عن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- بعده في خ: "منهم". [¬٤]- في خ: "فنزلت".
[ ٤ / ١٨٨ ]
وقال زيد بن أسلم (^٦٦٣)، عن ابنٍ سعد بن معاذ: إنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي، حين استعذر منه رسول الله، ﷺ، على المنبر في قضية الإِفك.
وهذا غريب، وقيل غير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ.
قال ابن عباس (^٦٦٤): ﴿أَرْكَسَهُمْ﴾ أي: أوقعهم. وقال حمَّادة: أهلكهم، وقال السدي: أضلهم.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول، واتباعهم الباطل.
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أي: لا طريق له إلى الهدى، ولا مخلص له إليه.
[ثم قال] [¬١]: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلَّا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي، عن [¬٢] ابن عبَّاس. وقال السدي: أظهروا كفرهم ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ أي: لا توالوهم، ولا تستنصروا بهم على [أعداء الله] [¬٣] ما داموا كذلك.
- ثم استثنى له [¬٤] سبحانه من هؤلاء، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: إلَّا الذين لجئوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة،
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٧٤٠) وزاد نسبته السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٤٠) إلى سعيد بن منصور وابن المنذر. ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٠٥٩، ١٠٠٦٠) من كلام زيد بن أسلم.
(٢) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٠٦٢) وابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٤٥) من طريق على بن أبي طلحة عنه به، ورواه عطاء الخراسانى عنه بلفظ: "ردَّهم"، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٠٦١) وعلى وعطاء لم يسمعا من ابن عباس. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "وقوله". [¬٢]- في خ: "و". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "الأعداء". [¬٤]- في خ: "الله".
[ ٤ / ١٨٩ ]
فاجعلوا [¬١] حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي وابن زيد وابن جرير.
وقد روى ابن أبي حاتم (^٦٦٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو سلمة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن على بن زيد بن جدعان، عن الحسن، أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم، قال: لما ظهر النبي، ﷺ، على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنَّه يريد أن يبعث خالد ابن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته، فقلت: أنشدك النعمة، فقالوا: صه. فقال النبي، ﷺ: "دعوه، مما تريد؟ " قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم؛ فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإِسلام، وإن لم يسلموا لم تخشن [¬٢] قلوب [¬٣] قومك عليهم. فأخذ رسول الله، ﷺ، بيد خالد بن الوليد، فقال: "اذهب معه فافعل ما يريد". فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله، ﷺ، وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، فأنزل الله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
ورواه ابن مردويه من طريق حمَّاد بن سلمة، وقال: فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم، وهذا أنسب لسياق الكلام.
وفى صحيح البخاري (^٦٦٦)، فى قصة صلح الحديبية، فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد، ﷺ، وأصحابه وعهدهم.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٧٥٠)، ورواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٨/ ٤٥٨) ثنا أسود بن عامر ثنا حمَّاد بن سلمة به ورواه ابن مردويه - كما قال المصنف هنا - من حديث حمَّاد بن سلمة به، وأشار إلى هذه الرواية الحافظ فى "الفتح" (٧/ ٢٤٢)، وزاد عزوه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٤٢) إلى أبي نعيم فى "الدلائل" ولم أجده من هذا الوجه عنده. والخبر إسناده ضعيف، لضعف ابن جدعان، وعنعنة الحسن، وفى "جامع التحصيل" للعلائى (ص ١٦٣): "قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: مثل أبي سمع الحسن من سراقة؟ قال: لا، هذا على بن زيد - هو ابن جدعان يعنى يرويه - كأنه لم يقنع به. وقال ابن المدينى: هو إسناد ينبو عنه القلب أن يكون الحسن سمع من سراقة، إلا إن عنى حدثهم حدث الناس فهذا أشبه".
(٢) - صحيح البخارى، كتاب: الشروط، باب: الشروط فى الجهاد (٢٧٣١، ٢٧٣٢). [¬١]- في ز، خ: "فافعلوا". [¬٢]- في ز: "تحسن"، خ: "تخش". [¬٣]- في خ: "بقلوب".
[ ٤ / ١٩٠ ]
وقد روي عن ابن عباس (^٦٦٧) أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ الآية، هؤلاء قوم آخرون من المستثنين من [¬١] الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف، وهم حصرة صدورهم أي: ضيقة صدورهم، مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضًا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾ أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم، ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾، أي: المسالمة؛ ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أي: فليس لكم أن تقاتلوهم [¬٢] ما دامت حالهم كذلك وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي، ﷺ، يومئذ عن قتل العباس، وأمر بأسره (^٦٦٨).
وقوله: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن [¬٣] تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك؛ فإن هؤلاء توم [¬٤] منافقون، يظهرون للنبي، ﷺ، ولأصحابه الإسلام ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم، ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، وقال هاهنا: ﴿كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ أي: انهمكوا فيها.
وقال السدي: الفتنة هاهنا الشك [¬٥]. وحكى ابن جرير، عن مجاهد، أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي، ﷺ، فيسلمون رياءً، ثم يرجعون إلى قريش، فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتلهم [¬٦] إن لم يعتزلوا ويصلحوا، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾،
_________________
(١) - رواه ابن أبى حاتم (٣/ ٥٧٥٦) بإسناد فيه ضعف وانقطاع.
(٢) - انظر تخريجه في الرحيق المختوم بتحقيقنا. [¬١]- في ز: "عن". [¬٢]- في خ: "تقتلوهم". [¬٣]- في ز: "لمن". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في الطبري: "الشرك". [¬٦]- في ز: "باتقائهم".
[ ٤ / ١٩١ ]
[المهادنة والصلح] [¬١]، ﴿وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ أي: عن القتال ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أسراء، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أي: أين لقيتموهم ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾، أي: بينا واضحًا.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾
يقول تعالى، ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين (^٦٦٩) عن ابن مسعود، أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة".
ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإِمام أو نائبه.
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ …﴾ (٦٨٧٨)، ومسلم، كتاب: القسامة والمحاربين …، باب: ما يباح به دم المسلم (٢٥، ٢٦) (١٦٧٦)، وأبو داود، كتاب: الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد (٤٣٥٢)، والترمذى: كتاب: الديات، باب: ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (١٤٠٢)، والنسائى، كتاب: تحريم الدم، باب: ما يحل به دم المسلم (٧/ ٩٠)، وابن ماجة، كتاب: الحدود، باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا فى ثلاث (٢٥٣٤)، وأحمد (١/ ٣٨٢ ومواضع أخر). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٩٢ ]
وقوله: ﴿إِلَّا خَطَأً﴾ قالوا: هو استثناء منقطع، كقول الشاعر:
من البيض لم تظعن [¬١] بعيدًا ولم تطأ … على الأرض إلا رَيْط بُرْدٍ مُرَحَّل [¬٢] ولهذا شواهد كثيرة. واختلف في سبب نزول هذه، فقال مجاهد وغير واحد (^٦٧٠): نزلت في عياش بن أبي ربيعة - أخي أبي جهل لأمه - وهى أسماء بنت مُخَرِّبة، وذلك أنه قتل رجلًا كان [¬٣] يعذبه مع أخيه على الإِسلام، وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عياش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه فظن أنه على دينه؛ فحمل عليه فقتله فأنزل الله هذه الآية.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٦٧١): نزلت فى أبي الدرداء؛ لأنه قتل رجلًا، وقد قال كلمة الإسلام [¬٤] حين رفع عليه [¬٥] السيف، فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي، ﷺ، قال: إنما قالها متعوذًا، فقال له: "هلا شققت عن قلبه؟! ".
وهذه القصة في الصحيح (^٦٧٢) لغير أبي الدرداء.
وقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هذان واجبان [¬٦] في قتل الخطأ: أحدهما الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة.
وحكى ابن جرير، عن ابن عباس والشعبي، وإبراهيم النخعي والحسن البصري أنهم قالوا: لا يجزئ الصغير، حتى يكون قاصدًا للإِيمان. وروى (^٦٧٣) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن
_________________
(١) - كعكرمة وسعيد بن جبير والقاسم بن محمد والسدى، انظر هذه الآثار عند ابن جرير (٩/ ٣٢، ٣٣)، وابن أبى حاتم (٣/ ص ١٠٣١) و"الدر المنثور" للسيوطى (٢/ ٣٤٤، ٣٤٥).
(٢) - رواه ابن جرير (٩٣/ ١٠٠٩) حدثنى يونس أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد فذكره، وهذا مرسل، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٤٥) ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٣) - أخرجه البخارى، كتاب: المغازى، باب: بعث النبى ﷺ أسامة بن زيد إلى الحُرقان من جهينة (٤٢٦٩)، ومسلم: كتاب: الإيمان، باب: تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إلا الله (١٥٨، ١٥٩) (٩٦)، وصاحب القصة: هو أسامة بن زيد ﵄.
(٤) - لم أجده فى تفسير عبد الرزاق، ومن طريقه رواه ابن جرير (٩/ ١٠١٠١) وإسناده صحيح إلى قتادة. وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٤٥): عزاه إلى عبد الرزاق وعبد ابن حميد. [¬١]- في ز: "يضعن"، خ: "تضعن". [¬٢]- فى ز: "مرجل". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ت: "الإيمان". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "واحدان".
[ ٤ / ١٩٣ ]
قتادة قال: فى حرف أي ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، لا يجزئ فيها صبي.
واختار ابن جرير: أنه إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا، والذي عليه الجمهور أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.
قال الإِمام أحمد (^٦٧٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عُبيد [¬١] الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار، أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله، إنّ على عتق [¬٢] رقبة مؤمنة؛ فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها، فقال لها رسول الله، ﷺ: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ " قالت: نعم، قال: "أتشهدين أني رسول الله؟ " قالت: نعم، قال: "أتؤمين بالبعث بعد الموت"، قالت: نعم، قال: "أعتقها".
وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره [¬٣].
وفي موطأ مالك ومسندي [¬٤] الشافعي وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن أبي داود
_________________
(١) - " المسند" (٣/ ٤٥١، ٤٥٢) والحديث فى "المصنف" لعبد الرزاق (٩/ ١٦٨١٤)، ومن طريقه أيضًا انتقاه ابن الجارود، "المنتقى" (٩٣١). ورواه مالك فى "الموطأ"، كتاب: العتق والولاء، باب: ما يجوز من العتق فى الرقاب (٢/ ٥٩٥) - ومن طريقه البيهقى فى "السنن الكبرى" (٧/ ٣٨٨) - ورواه البيهقى أيضًا (١٠/ ٥٧) من طريق يونس ابن يزيد، كلاهما (مالك ويونس) عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن رجلًا من الأنصار أتى النبى ﷺ بوليدة سوداء … قال البيهقى: "وهذا مرسل"، وقال أبو عمر بن عبد البر فى "التمهيد" (٩/ ١١٤، ١١٥)، "وهذا الحديث، وإن كان ظاهره الانقطاع فى رواية مالك - ويونس - فإنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة". وتعقبه الزرقانى فى شرحه على "الموطأ" (٤/ ٨٥) فقال: "فيه نظر، إذ لو كان كذلك ما وجد مرسل قط، إذ المرسل ما رفعه التابعى - وهو من لقى الصحابى - قال: ومثل هذا لا يخفى على أبى عمر، فلعله أراد لقاء عبيد الله جماعة من الصحابة الذين رووا هذا الحديث" ويؤيد ذلك رواية "معمر" فظاهرها الاتصال حيث قال فيها: "عن رجل من الأنصار". وصحح إسناده من هذا الوجه المصنف، حيث إن جهالة الصحابى لا تضر، وذكره الهيثمى فى "المجمع" (١/ ٢٨) وقال: "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح"، وأشار له الحافظ ابن حجر فى "التلخيص الحبير" (٣/ ٢٥٠) وقال: "وهذه الرواية تدل على استحباب امتحان الكافر عند إسلامه بالإقرار بالبعث كما قال الشافعى". وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٤٥) وعزاه إلى عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد. [¬١]- في خ: "عبد". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "تضر". [¬٤]- في خ: "مسند".
[ ٤ / ١٩٤ ]
والنسائي (^٦٧٥) من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم: أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء، قال لها رسول الله، ﷺ: "أين الله؟ " قالت: في السماء، قال: "من أنا"؟ قالت: أنت رسول الله، ﷺ، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
وقوله: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ هو الواجب الثاني [¬١] فيما بين القاتل وأهل القتيل، عوضًا [لهم] [¬٢] عما فاتهم من قريبهم.
وهذه الدية [¬٣] إنما تجب أخماسًا [¬٤]، كما رواه الإِمام أحمد وأهل السنن (^٦٧٦)، من حديث الحجاج بن أرطاة، عن زيد بن جبير، عن خِشْف بن مالك، عن ابن مسعود قال: قضى رسول
_________________
(١) - رواه مالك فى "الموطأ"، كتاب: العتق والولاء، باب: ما يجوز من العتق فى الرقاب الواجبة (٢/ ٥٩٥) - ومن طريقه الشافعى فى "الرسالة" (٢٤٢) والنسائى فى "التفسير" (٢/ح ٤٨٥)، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (١٠/ ٥٧) - عن هلال بن أبى أسامة عن عمر بن الحكم به - كذا سمى مالك صحابى الحديث "عمر بن الحكم" وهو وهم منه، نبه عليه الحافظ أبو الحجاج المزى فى "تهذيب الكمال" و"تحفة الأشراف" وكذا الحافظ أبو الفضل بن حجر فى "التهذيب" و"تقريبه"، وقال ابن عبد البر فى "تجريد التمهيد" (ص ١٨٧): "هكذا يقول مالك فى هذا الحديث: عمر بن الحكم، ولم يتابع عليه، وهو مما عُدَّ من وهمه، وسائر الناس يقولون فيه: معاوية بن الحكم، وليس فى الصحابة عمر بن الحكم … ". والحديث رواه على الجادة، أحمد (٥/ ٤٤٧، ٤٤٨)،: مسلم، كتاب: الساجد ومواضع الصلاة، باب: تحريم الكلام فى الصلاة (٣٣) (٥٣٧)، وأبو داود (٩٣٠، ٣٢٨٢، ٣٩٠٩)، والنسائى (٣/ ١٤) من طرق عن يحيى بن أبى كثير، عن هلال بن أبى ميمونة، عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم به مطولًا ومختصرًا.
(٢) - رواه أحمد (١/ ٤٥٠)، والترمذى، فاتحة كتاب الديات (١٣٨٦)، والنسائى، كتاب: الديات، باب: ذكر أسنان دية الخطأ (٨/ ٤٣، ٤٤) كلاهما (الترمذى والنسائى) ثنا على بن سعيد الكندى. وعلقه الدارقطنى فى "السنن (٣/ ١٧٦) من طريق سريج بن يونس. ثلاثتهم (أحمد والكندى وسريج) ثنا يحيى بن زكريا بن أبى زائدة، ورواه أبو داود، كتاب: الديات، باب: الدية كم هى؟ (٤٥٤٥) - ومن طريقه البيهقى فى "السنن" (٨/ ٧٥) - من طريق عبد الواحد بن زياد، وابن ماجه، كتاب: الديات، باب: دية الخطأ (٢٦٣١) من طريق الصباح بن مُحارب، وأبو الحسن الدارقطنى (٣/ ١٧٣) من طريق عبد الرحيم بن سليمان أربعتهم (يحيى، عبد الواحد، الصباح، عبد الرحيم) ثنا الحجاج بن أرطاة به. ورواه أحمد (١/ ٣٨٤) - ومن طريقه المزى فى "تهذب الكمال"= [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٤ / ١٩٥ ]
الله، صلى الله عليه وآله ومسلم، في [¬١] دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جَذَعَة، وعشرين حِقَّةً [¬٢]. لفظ النسائي.
رقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا [¬٣]، كذا [¬٤]
_________________
(١) = (٨/ ٢٥٠) - والدارمى (٢٢٧٢) أخبرنا عبد الله بن سعيد، والبزار فى "مسنده" (٥/ ١٩٢٢/ البحر الزخار) ثنا طليق بن محمد الواسطى، والدارقطنى فى "السنن" (٣/ ١٧٥) والبيهقى (٨/ ٧٥) من طريق سعدان بن نصر، أربعتهم (أحمد وعبد الله وطليق وسعدان) ثنا أبو معاوية محمد بن خازم عن الحجاج عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ جعل الدية فى الخطأ أخماسًا - لم يزد على هذا - وتابع أبا معاوية على هذه الرواية: "حفص بن غياث، وعمرو بن هاشم أبو مالك الجنبى، وأبو خالد الأحمر" عن الحجاج عن زيد به، ورواه كذلك أيضًا يحيى بن زكريا من رواية أبى هشام الرفاعى عنه عن زيد به رواه من هذا الوجه أبو عيسى الترمذى، وابن جرير (٩/ ١٠١٣٨) وانظر "السنن" لأبى الحسن الدارقطنى (٣/ ١٧٥، ١٧٦) ورواه أبو بكر بن أبى شيبة فى "المصنف" (٦/ ٢٧٣) ثنا أبو خالد الأحمر وأبو معاوية عن حجاج به لكن بلفظ: "دية الخطأ أخماسًا، عشرون حِقَّة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون بنات مخاض" فجعل مكان بنى المخاض الذكور، بنى لبون. ورواه الدارقطنى (٣/ ١٧٥) من طريق يحيى بن سعيد الأموى - وهو من الثقات - عن الحجاج به غير أنه جعل مكان الحقاق: بنى لبون. كما رواه إسماعيل بن عياش عن الحجاج به غير أنه جعل مكان بنى الخاض: بنى لبون - أى مثل رواية ابن أبى شيبة عن أبى خالد الأحمر وأبى معاوية عن الحجاج به. علق الدارقطنى رواية إسماعيل في السنن (٣/ ١٧٥)، وقد رواه الدارقطني أيضًا (٣/ ١٧٢) من طريقين عن أبى مجلز عن أبى عبيدة عن ابن مسعود موقوفًا قال: "دية الخطأ خمسة أخماس، عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون ذكر" قال الدارقطنى: "وهذا إسناد حسن ورواته ثقات، وقد روى عن علقمة عن عبد الله نحوه" ثم أسنده من طريق وكيع عن سفيان عن أبى إسحاق عن علقمة به، وكذا أسنده (٣/ ١٧٣، ١٧٤) من طريق وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم النخعى عن عبد الله قال: دية الخطأ أخماسًا، ثم فسرها كما فسرها أبو عبيدة، وعلقمة عنه سواء. وقال: "فهذه الرواية، وإن كان فيها إرسال، فإبراهيم النخعى هو أعلم الناس بعبد الله وبرأيه وبفتياه، قد أخذ عن أخواله علقمة والأسود، وعبد الرحمن ابنى يزيد وغيرهم من كبراء أصحاب عبد الله، وهو القائل: إذا قلت لكم: قال عبد الله بن مسعود - فهو عن جماعة من أصحابه عنه، وإذا سمعته من رجل واحدٍ سميته لكم".= [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- بنت المخاض: هي التي أتى عليها الحول، وبنت اللبون: التي أتى عليها حولان، والحقة: هي التي دخلت في السنة الرابعة. [¬٣]- في ز، خ: "مرفوعًا" وهو تحريف. [¬٤]- في ت: "وكما".
[ ٤ / ١٩٦ ]
روي عن علي (^٦٧٧) [¬١] و[¬٢] طائفة. وقيل: تجب أرباعًا، وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل لا في ماله، وقال الشافعي ﵀: لم أعلم مخالفًا أن رسول الله، ﷺ، قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر من حديث الخاصة.
وهذا الذي أشار إليه، ﵀، قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين (^٦٧٨) عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله، ﷺ، فقضى أن دية جنينها غرّة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها.
وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه
_________________
(١) = وقد رواه البيهقى فى "السنن" (٨/ ٧٤، ٧٥) من طريق أبى عبيدة وعلقمة عن ابن مسعود به موقوفًا، غير أنه جعل مكان بنى لبون، بنى مخاض. وقال البيهقى: "هذا هو المعروف عن عبد الله بن مسعود، وقد روى بعض حفاظنا وهو الشيخ أبو الحسن الدارقطنى هذه الأسانيد عن عبد الله وجعل مكان بنى المخاض بنى اللبون وهو غلط منه، وقد رأيته أيضًا فى كتاب محمد بن إسحاق بن خزيمة وهو إمام من رواية وكيع عن سفيان بإسناديه كذلك بنى لبون … ". قال ابن حجر فى "التلخيص" (٤/ ٢٦): "قول البيهقى: وقد رأيته فى كتاب ابن خزيمة … بنى لبون كما قال الدارقطنى ينفى أن يكون الدارقطنى غيره فلعل الخلاف فيه من فوق". وعلى كل حال فالصواب فى هذا الحديث الوقف كما أشار أبو داود عقبه وقال البيهقى: "لا يصح رفعه" وبين أبو الحسن الدارقطنى علل المرفوع بيانًا شافيًا، فانظر "السنن" (٣/ ١٧٢ - ١٧٦)، و"العلل" (٥/ ٦٩٤).
(٢) - رواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (٦/ ٢٧٣)، وأبو داود فى "السنن" (٤٥٥٣) - ومن طريقه البيهقى فى "الكبرى" (٨/ ٧٤) - وأبو الحسن الدارقطنى فى "السنن" (٣/ ١٧٧) - ومن طريقه البيهقى أيضًا - من طريق سفيان عن أبى إسحاق عن عاصم بن ضمرة، قال: قال على ﵁. - فى الخطأ أرباعًا: خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض" وهذا إسناد حسن ولا تضر عنعنة أبى إسحاق لأن سفيان - وهو الثورى - ثبت فيه، وللحديث طريقان آخران عن علي عند ابن أبى شيبة والدارقطنى، والأول منقطع والثانى فيه الحارث الأعور وهو ضعيف، وكذبه الشعبى، فالتعويل على الإسناد الأول والله الموفق.
(٣) - رواه البخارى، كثاب: الطب، باب: الكهانة (٥٧٥٨)، ومسلم: كتاب: القسامة والمحاربين …، باب: دية الجنين (٣٤ - ٣٦) (١٦٨١) وكذا رواه أحمد (٢/ ٢٣٦، ٤٣٨، ٥٣٥)، وأبو داود (٤٥٧٦، ٤٥٧٩)، والترمذى (١٤١٠)، والنسائى (٨/ ٤٨)، وابن ماجه (٢٦٣٩). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٩٧ ]
الدية أثلاثًا [لشبهة العمد] [¬١].
وفي صحيح البخاري (^٦٧٩) عن عبد الله بن عمر؛ قال: بعث رسول الله، ﷺ، خالد بن الوليد إلى بني خزيمة، فدعاهم إلى الإِسلام، فلم يحسنوا أن [¬٢] يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول اللَّه، ﷺ، فرفع يديه، وقال: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، وبعث عليًّا فودى قتلاهم، وما أتلف من أموالهم، حتى ميلغة [¬٣] الكلب.
وهذا الحديث [¬٤] يؤخذ منه أن خطأ الإِمام أو نائبه يكون في بيت المال.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أي: فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدّقوا بها، فلا تحب.
وقوله: ﴿فَإِنْ [¬٥] كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أي: إذا كان القتيل مؤمنًا ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل [¬٦] تحرير رقبة مؤمنة لا غير.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، أي:
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: المغازى، باب: بعث النبى ﷺ خالدَ بن الوليد إلى بنى خزيمة (٤٣٣٩)، وكذا رواه أحمد (٢/ ١٥٠، ١٥١)، والنسائى (٨/ ٢٣٦، ٢٣٧)، وليس عندهم جميعًا قوله الأخير: "وبعث عليًّا … " وهذا أشار له الحافظ فى "الفتح" (٥٨/ ٨) فقال: "وزاد الباقر فى روايته" ثم دعا رسول الله ﷺ عليًّا، فقال: اخرج إلى هؤلاء القوم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك، فخرج حتى جاءهم ومعه مال فلم يبق لهم أحد إلا وداه" وهذا رواه ابن إسحاق فى "السيرة" - كما فى "السيرة" لابن هشام (٤/ ٤٣، ٤٤) - ومن طريقه البيهقى فى "دلائل النبوة" (٥/ ١١٤، ١١٥) - المصنف فى "البداية والنهاية" (٤/ ٣٥٨) معلقًا - ثنا حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن أبى جعفر - الباقر - محمد بن علي قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد. فذكر حديثًا طويلًا وهذا مرسل. [¬١]- في ز، خ: "لا العمد لشبهه به". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ميلغة الكلب: هي الإناء الذي يلغ فيه أي يشرب فيه الكلب. يعنى: أعطاهم قيمة كل ما ذهب لهم، حتى قيمة الميلغة. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "وإن". [¬٦]- في خ: "قاتله".
[ ٤ / ١٩٨ ]
فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنًا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرًا أيضًا عند طائفة من العلماء. وقيل: يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل: ثلثها [¬١] كما هو مفصل [في كتاب الأحكام] [¬٢]. ويجب أيضًا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة.
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: لا إفطار بينهما، بل يسرد صومهما إلى آخرهما؛ فإن أفطر من غير عذر من مرض أو حيض أو نفاس استأنف، واختلفوا في السفر: هل يقطع أم لا؟ على قولين.
وقوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي: هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين.
واختلفوا فيمن لا يستطع الصيام؛ هل يجب عليه إطعام ستين مسكينًا، كما في كفارة الظهار؟ على قولين: أحدهما: نعم، كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر هاهنا؛ لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه [¬٣] الإِطعام لما فيه من التسهيل والترخيص. والقول الثاني: لا يعدل إلى الإطعام؛ لأنه لو كان واجبًا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قد تقدّم تفسيره غير مرّة.
ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد فقال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية. وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في [¬٤] كتاب الله، حيث يقول سبحانه في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ إلى أن قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، والآيات والأحاديث فى تحريم القتل كثيرة جدًا؛ فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين (^٦٨٠) عن ابن مسعود؛ قال: قال
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الرقاق، باب: القصاص يوم القيامة (٦٥٣٣)، ومسلم، كتاب: القسامة والمحاربين ..، باب: المجازاة بالدماء فى الآخرة (٢٨) - (١٦٧٨)، وكذا رواه أحمد (١/ ٣٨٨، ٤٤٠، ٤٤٢)، والترمذى (١٣٩٦)، والنسائى (٧/ ٨٣)، وابن ماجه (٢٦١٥). [¬١]- في ز: "ثلث دية المسلم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في خ: "من".
[ ٤ / ١٩٩ ]
رسول الله، صلى الله عديه وسلم: "أوّل ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود (^٦٨١) من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله، ﷺ: "لا يزال المؤمن مستعفًى [¬١] صالحًا،
_________________
(١) - وكذا عزاه لأبى داود من هذا الوجه المزى فى "تحفة الأشراف" (٤/ ح ٥١٠٥) وفى "تهذيب الكمال" (٢٢ / ت ٤٤٧٠) وابن حجر فى "التهذيب" (٣/ ٣١٢ / ط الرسالة) وهو ليس موجودًا فى المطبوع من "السنن" من هذا الوجه، وقد أشار لذلك المزى فقال: "أغفله أبو القاسم، وهو فى السماع". وعمرو بن الوليد هذا جهله ابن حجر، وقال الذهبى فى "الميزان" (٤ / ت ٦٤٦٨): "عمرو بن الوليد نكرة. عن عبادة بن الصامت، وعنه هانئ بن كلثوم فقط". لكن توبع عمرو عليه، فرواه أبو داود فى "السنن" كتاب: الفتن واللاحم، باب: فى تعظيم قتل المؤمن (٤٢٧٠) - ومن طريقه البيهقى فى "الكبرى" (٨/ ٢٢) - ثنا مؤمل بن الفضل الحرانى، ثنا محمد بن شعيب، عن خالد بن دهقان قال: كنا فى غزوة القسططنية بِذُلقية، فأقبل رجل من أهل فلسطين من أشرافهم وخيارهم، يعرفون ذلك له، يقال له هانئ بن كلثوم بن شريك الكنانى، فسلم على عبد الله بن أبى زكريا، وكان يعرف له حقه، قال لنا خالد: فحدثنا عبد الله بن أبي زكريا قال: سمعت أم الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا" فقال هانئ بن كلثوم: سمعت محمود بن الربيع يحدث عن عبادة ابن الصامت، أنه سمعه يحدث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قتل مؤمنًا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلا" قال لنا خالد: ثم حدثنى ابن أبى زكريا، عن أم الدرداء، عن أبى الدرداء، أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال المؤمن معنقًا صالحًا ما لم يصب دمًا حرامًا، فإذا أصاب دمًا حرامًا بلَّح" وحدث هانئ بن كلثوم، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، عن رسول الله ﷺ مثله سواء. ورواه البيهقى (٨/ ٢١) من طريق محمد بن مبارك ثنا صدقة ثنا خالد بن دهقان به مطولًا، وقد رواه مختصرًا مفرقًا البخارى فى "التاريخ الكبير" (٨/ ٢٣٠، ٢٣١)، والبزار فى "مسنده" (٧/ ٢٧٢٩، ٢٧٣٠) / البحر الزخار) وابن حبان فى صحيحه (١٣/ ٥٩٨٠ / إحسان)، والطبرانى فى "المعجم الصغير" (٢/ ١٢١) - ومن طريقه وطريق غيره أبو نعيم فى "الحلية" (٥/ ١٥٣)، (٦/ ١١٩) - ومن طريق أبى نعيم وغيره اختاره الضياء فى "المختارة" (٨/ ٤١٥، ٤١٩) وابن عساكر فى "تاريخ دمشق" (٥/ ٤١٩ / مخطوط) من طريق صدقة بن خالد ومحمد بن شعيب قالا: ثنا خالد بن دهقان به. ووقع عند أبى نعيم وابن عساكر: "محمود بن ربيعة عن عبادة" وصوابه "محمود بن ربيع" وهو صحابى صغير. قال الطبرانى: "لا يروى عن أبى الدرداء إلا بهذا الإسناد، تفرد به خالد بن دهقان". يعنى بحديث أبى الدرداء وكذلك بحديث عبادة بن الصامت - وهو ثقة وثقه ابن معين وأبو مُشهِر ودحيم، وأبو زرعة الدمشقى، وابن حبان، وروى عنه غير واحد، ولم يتكلم فيه أحدٌ، ومع هذا فقد = [¬١]- في ت: "معنقا" وكذا فى سنن أبي داود [٤/ ١٠٤].
[ ٤ / ٢٠٠ ]
ما لم يصب دمًا حرامًا؛ فإذا أصاب دمًا حرامًا بَلَّح [¬١] ". وفي حديث آخر (^٦٨٢): " لزوال الدنيا
_________________
(١) = قال فيه الحافظ في "التقريب": "مقبول"!! ومن فوقه في الإسنادين ثقات فالإسنادان صحيحان وقد صححه أبو عبد الله الحاكم (٤/ ٣٥١) ووافقه الذهبى والحديث قصر في عزوه جدًّا السيوطى فلم يعزه في "الدر المنثور" لغير أبي نعيم الأصبهانى!!. ولبعض فقرات هذا الحديث شاهد من حديث معاوية بن أبي سفيان تقدم هنا برقم (٥١٩).
(٢) - رواه الترمذى، كتاب: الديات، باب: ما جاء في تشديد قتل المؤمن (١٣٩٥)، والنسائى، كتاب: تحريم الدم، باب: تعظيم الدم (٧/ ٨٢) والنحاس في "ناسخه" (ص ٣٤٧) من طريق ابن أبي عدى، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا به. ورواه أبو نعيم في "الحلية" (٧/ ٢٧٠)، والبيهقى في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٢، ٢٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٢٩٦، ٢٩٧) من طريقين عن أبي أسامة ثنا مسعر وسفيان - مقرونًا بهما شعبة عند البيهقى - عن يعلى بن عطاء به ولفظه عند الخطيب - "لزوال الدنيا أيسر - أهون - عند (على) الله من قتل المؤمن". وقال أبو نعيم: "تفرد به أبو أسامة عنه" يعنى هكذا بهذا الإسناد مرفوعًا، وأبو أسامة ثقة غير أنه لا يعرف سماع لمسعر من يعلى، وسفيان اختلف عليه في وقفه ورفعه وكذلك شعبة، وأكثر الرواة رووه عنهما موقوفًا. فقد رواه البيهقى (٨/ ٢٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي ثنا سفيان عن يعلى بن عطاء به موقوفًا وقال البيهقى: "هذا هو المحفوظ موقوف … ورواه أيضًا ابن أبي عدى عن شعبة مرفوعًا، ورواه غندر وغيره عن شعبة موقوفًا، والموقوف أصح". وطريق محمد بن جعفر - غندر - الموقوف رواه الترمذى والنسائي، ورواه النسائى أيضًا (٧/ ٨٢، ٨٣) من طريق مخلد بن يزيد عن سفيان عن منصور عن يعلى به موقوفًا بلفظ: "قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا". قال أبو عيسى الترمذى: "حديث عبد الله بن عمرو هكذا، رواه ابن أبى عدى عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو عن النبى ﷺ وروى محمد بن جعفر وغير واحدٍ عن شعبة عن يعلى بن عطاء فلم يرفعه، وهكذا روى سفيان الثورى عن يعلى بن عطاء موقوفًا، وهذا أصح من الحديث المرفوع"، لكن للحديث طريق آخر رواه النسائى أيضًا (٧/ ٨٢) والبيهقى في "الشعب" (٤/ ٥٣٤١) من طريق إبراهيم بن مهاجر عن إسماعيل مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله به مرفوعًا بنحوه، غير أن النسائى أعله فقال عقبه: "إبراهيم بن المهاجر ليس بالقوى". والحديث أورده المنذرى في "الترغيب والترهيب" (٣/ ٢٩٣) وعزاه لمسلم!! فوهم. نبه على ذلك أبو عبد الرحمن الألبانى في "غاية المرام" (ح ٤٣٩/ ص ٢٥٤) وأخرج له النسائى شاهدًا من حديث بريدة بإسناد حسنه الألبانى مع أنه فيه بشير بن مهاجر الغنوى وهو "صدوق فيه لين" كما في "التقريب" وقد = [¬١]- بَلَّح الرجل: إذا انقطع من الإعياء فلم يقدر أن يتحرك وقد أبلحه السير فانقطع به، يريد وقوعه في الهلاك بإصابة الدم الحرام.
[ ٤ / ٢٠١ ]
أهون عند الله من قتل رجل مسلم". وفي الحديث الآخر (^٦٨٣): " لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم لأكبهم الله في النار". وفي الحديث الآخر (^٦٨٤): " من أعان
_________________
(١) = استنكر له ابن عدى في "الكامل" (٢/ ٤٥٤) هذا الحديث بعينه!! ومن طريق ابن عدى رواه البيهقى في "الشعب" (٥٣٤٣، ٥٣٤٥)، وله شاهد آخر من حديث البراء بن عازب رواه ابن ماجه (٢٦١٩) وابن عدى في "الكامل" (٣/ ١٠٠٤) بإسنادين إلى البراء بن عازب، وفيهما الوليد بن مسلم، يدلس تدليس التسوية، وقد عنعنه. لكن الحديث بمجموع ما ذكرنا حسن والله الموفق.
(٢) - ورد هذا من حديث أبي سعيد الخدرى وأبي هريرة وابن عباس وأبي بكرة: أما حديث أبي سعيد وأبي هريرة: فقد رواه الترمذي (١٣٩٨) من طريق الحسين بن واقد عن يزيد الرقاشى ثنا أبو الحكم البجلى قال: "سمعت أبا سعيد الخدري، وأبا هريرة، يذكران عن رسول الله ﷺ … وقال أبو عيسى: "هذا حديث غريب، وأبو الحكم البجلى هو عبد الرحمن بن أبي نعم الكوفى" وهو "صدوق عابد" - كما في "التقريب" - لكن الراوي عنه - يزيد بن أبان الرقاشى - ضعيف ومع هذا فقد صححه أبو عبد الرحمن الألبانى من هذا الوجه فأورده في "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ٥١٢٣) وبشواهده الآتية يحتمل التحسين. ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٢/ ١٤٢١)، (٩/ ٩٢٤٢) من طريق أبي حمزة الأعور، عن أبي الحكم البجلى عن أبى هريرة - وحده مرفوعًا به، قال الهيثمى في "المجمع" (٧/ ٣٠٠): "فيه أبو حمزة الأعور وهو متروك، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وبقية رجاله رجال الصحيح". ورواه البزار - كما في "كشف الأستار" (٣/ ٣٣٤٨) و"مختصر الزوائد" (٢/ ١٦٤٦) - من طريق داود بن عبد الحميد ثنا عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد ضمن حديث طويل وقال البزار: "أحاديث داود، عن عمرو لا نعلم أحدًا تابعه عليها" وداود هذا ضعيف، وعطية مثله، وقال الهيثمى في "المجمع" (٧/ ٢٩٩): "فيه داود بن عبد الحميد وغيره من الضعفاء". وأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ١٢٦٨١)، وابن عدى في "الكامل" (٥/ ٢٠٠٤) ومن طريقه وطريق غيره البيهقى في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٢) - والخطيب في "تاريخ بغداد" (٣/ ٣٣٤) من طريق عطاء بن مسلم الخفاف عن العلاء بن المسيب عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس به مرفوعًا نحوه وفى إسناد الخطيب ذكر "سعيد بن جبير" بين حبيب وابن عباس. وعطاء بن مسلم، ضعيف، وبه أعل الحديث الهيثمى فقال (٧/ ٣٠٠): "رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح غير عطاء بن مسلم - تحرف إلى أبي مسلم - وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة" وأما حديث أبي بكرة: فرواه الطبراني في "المعجم الصغير" (١/ ٢٠٥) والخطيب (١١/ ٣٧٧) من طريق جسر بن فَرقَد عن الحسن عن أبي بكرة به مرفوعًا، وقال الطبراني: "لم يرو عن الحسن إلا جسر" وهو ضعيف، وبه أعله الهيثمى في "المجمع" (٧/ ٣٠٠).
(٣) - رواه ابن ماجه (٢٦٢٠) وغيره من طريق يزيد بن زياد عن الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا. وفى "الزوائد": "في إسناده يزيد بن زياد، بالغوا في تضعيفه، حتى قيل: كأنه حديث موضوع" ولذلك رقم به أبو عبد الرحمن الألبانى (ح ٥٠٣) من "الضعيفة" فانظر تخريجه ثمة.
[ ٤ / ٢٠٢ ]
على قتل مسلم، ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله".
وقد كان ابن عباس يرى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمدًا.
وقال البخاري (^٦٨٥): حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا المغيرة بن النعمان، قال: سمعت ابن جبير قال: اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت إلى ابن عباس، فسألته عنها [¬١]، فقال: نزلت هذه الآية ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ هي آخر ما نزل [¬٢]، وما نسخها شيء.
وهكذا رواه هو أيضًا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة، به. ورواه أبو داود (^٦٨٦) عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس في [¬٣] قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ فقال: لم ينسخها شيء.
[وقال ابن جرير (^٦٨٧): حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن عون، حدثنا شعبة، عن سعيد بن جبير، قال: قال عبد الرحمن بن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا﴾ الآية. قال: لم ينسخها شيء] [¬٤]. وقال في هذه الآية: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى آخرها، قال: نزلت في أهل الشرك.
وقال ابن جرس أيضًا (^٦٨٨) [¬٥]: حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ (٤٥٩٠) وكذا رواه، كتاب: التفسير، باب: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر …﴾ (٤٧٦٣) وانظر أطرافه عند رقم (٣٨٥٥) - ومسلم، كتاب التفسير (١٦، ١٧) (٣٠٢٣)، والنسائى (٧/ ٨٥) من طرق عن شعبة به، وانظر ما بعده.
(٢) - رواه أبو داود، كتاب: الفتن والملاحم، باب: في تعظيم قتل المؤمن (٤٢٧٥) وإسناده صحيح، والحديث لم أجده عند أحمد في "المسند".
(٣) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠١٩٢) وإسناده صحيح، وقد رواه البخارى (٤٧٦٦) من طريق عثمان والد عبدان، ومسلم (١٨) (٣٠٢٣)، والنسائى (٧/ ٨٦) من طريق محمد بن جعفر، كلاهما (عثمان ومحمد) ثنا شعبة عن منصور عن سعيد بن جبير به.
(٤) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠١٨٧)، ورواه البخارى (٣٨٥٥) حدثنى عثمان بن أبي شيبة = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "نزلت". [¬٣]- في ز: "عن". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
ابن جبير - أو حدثني الحكم، عن سعيد بن جبير - قال: سألت ابن عباس عن قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ قال: إن الرجل إذا عرف الإسلام، وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه جهنم، ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد، فقال: إلا من ندم.
حدثنا ابن حميد وابن [¬١] وكيع؛ قالا (^٦٨٩): حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجعد؛ قال: كنا عند ابن عباس، بعدما كف بصره، فأتاه رجل، فناداه: يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا؟ فقال: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾. قال: أفرأيت إن تاب وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال ابن عباس: ثكلته أمّه! وأنى له التوبة والهدى؟ والذي نفسي بيده، لقد سمعت نبيكم، ﵌، يقول: "ثكلته أمه! قاتل مؤمن متعمدًا [¬٢]، جاء يوم القيامة [¬٣] أخذه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا [¬٤] في قبُل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله، و[¬٥] بيده الأخرى رأسه [¬٦]، ويقول: يارب [¬٧] سل هذا فيم قتلني"، وايم الذي نفس عبد الله بيده، لقد أنزلت هذه الآية، فما نسختها من آية، حتى قبض نبيكم، ﵌، وما نزل بعدها من برهان.
_________________
(١) = ورواه إسحاق بن إبراهيم في تفسيره، كما في "الفتح" (٨/ ٤٩٥) ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٠٣) كلاهما (عثمان وإسحاق) أنبا جرير به، وهذا إسناده صحيح أيضًا. قال ابن حجر (٨/ ٤٩٦): "وحاصل ما في هذه الروايات أن ابن عباس كان تارة يجعل الآيتين في محل واحدٍ، فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفًا، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التى في الفرقان خص منها مباشرة المؤمن القاتل متعمدًا، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض، وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ ثم رجع عنه، وقول ابن عباس بأن المؤمن إذا قتل مؤمنًا متعمدًا لا توبة له مشهور عنه … " وقد جاء ذلك صريحًا عنه، فانظر الآتى.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠١٨٨)، وهذا إسناد فيه لين لكلام في يحيى الجابر - وهو يحيى بن عبد الله الحارث الجابر، ويقال المجبِّر التيمى - فقد ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، والنسائى، وقال ابن حبان: "منكر الحديث، يروى المناكير الكثيرة لا تشبه حديث الأئمة، حتى ربما سبق إلى القلب أنه كان يتعمد لذلك، لا يجوز الاحتجاج به بحال". بينما قال أحمد وابن عدى: "ليس به بأس" وروى عنه شعبة، وشيوخ شعبة جياد كما قال غير واحد، واعتمد ضعفه ابن حجر فلينه - راجع "تهذيب الكمال" (٣١/ ٦٨٥٩) وعلى كل فقد توبع، فانظر الآتى. [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- في ز: "متعمدٍ". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
وقال الإمام أحمد (^٦٩٠): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت يحيى بن المجبر [¬١] يحدث عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس: أن رجلًا أتاه، فقال: أرأيت رجلًا قتل رجلًا متعمدًا؟ فقال: ﴿جزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ الآية. قال. لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء، حتى قبض رسول الله، ﵌، وما نزل وحي بعد رسول الله ﷺ. قال: أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له بالتوبة، وقد سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "ثكلته أمّه! رجل قتل رجلًا متعمدًا، يجيء يوم القيامة آخذًا قاتله بيمينه أو بيساره، وآخذًا رأسه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا في [¬٢] قبل العرش، يقول: يارب: سل عبدك فيم قتلني".
وقد رواه النسائي، عن قتيبة، وابن ماجة عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدهني [¬٣] ويحيى الجابر [¬٤] وثابت الثمالي، عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس فذكره. وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة (^٦٩١).
_________________
(١) - " المسند" (١/ ٢٤٠ / رقم ٢١٤٢/ شاكر) ومن طريقه الضياء في "المختارة" (١٠/ رقم ٤٠) - ورواه أحمد أيضًا (١/ ٢٩٤، ٣٦٤) والحميدى (١/ ٤٨٨) وعبد بن حميد في "المنتخب" (٦٨٠) وابن جرير (٩/ ١٠١٨٩) من طرق عن يحيى الجابر به. ورواه الحميدى (١/ ٤٨٨)، وأحمد (١/ ٢٢٢)، والنسائى (٧/ ٨٥)، (٨/ ٦٣) وابن ماجه (٢٦٢١) وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٣/ ٥٨١٣) وسعيد بن منصور وابن مردويه - كما في "الدر المنثور" (٢/ ٣٥٠) - ومن طريقهما الضياء (١٠/ رقم ٤١، ٤٢) - كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمار الدهنى - مقرونًا به يحيى الجابر، وثابت الثمالى عند الضياء - ورواه ابن جرير (٩/ ١٠١٩١) من طريق عمار بن رزيق، عن عمار الدهنى. والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ١٢٥٩٧) من طريق ليث بن أبي سليم أربعتهم (عمار ويحيى وثابت وليث) عن سالم بن أبي الجعد به. وهذا إسناده حسن عمار الدهنى، "صدوق" ومتابعوه متكلم فيهم ولا يضره وانظر الآتى.
(٢) - منها ما رواه أبو عيسى الترمذى في "الجامع" (٣٠٢٩)، والنسائى (٧/ ٨٧) من طريقين عن شبابة بن سوَّار ثنا ورقاء بن عمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس عن النبى ﷺ قال: "يجئ المقتول بالقاتل يوم القيامة … " وقال أبو عيسى: "حديث حسن غريب، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن دينار عن ابن عباس نحوه، ولم رفعه" وكأن ورقاء هو المتهم برفعه حيث استنكره له ابن عدى في "الكامل" (٧/ ٢٥٥٣): على كل فلا يضر ذلك الحديث لأنه قد صح وصله من وجه آخر - كما في السابق - ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ ١٠٧٤٢) من وجه آخر مرفوعًا لكن في إسناده ضعف، فالمعتمد على الأول قد صححه أبو عبد الرحمن الألباني = [¬١]- في ز: "المجير". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "الذهبي". [¬٤]- في ت: "الجابري".
[ ٤ / ٢٠٥ ]
وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف: زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سلمة [بن عبد الرحمن] [¬١]، وعبيد بن عمير، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم (^٦٩٢).
وفي الباب أحاديث كثيرة، فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره (^٦٩٣): حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي (ح). وحدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن فهد، قالا: حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي، ﷺ، قال: "يجيء المقتول متعلقًا بقاتله يوم القيامة، آخذًا رأسه بيده الأخرى، فيقول: يا رب، سل هذا فيم قتلني؟ [قال: فيقول: قتلته لتكون العزة] [¬٢] لك [¬٣]، [فيقول: فإنها لي، قال: ويجئ آخر متعلقًا بقاتله فيقول: رب سل هذا فيما قتلني] [¬٤]؟ [قال: فيقول: قتلته لتكون العزة لفلان] [¬٥]، قال: فإنها ليست له بؤ بإثمه، قال: فيهوي في النار سبعين خريفًا".
وقد رواه النسائي عن إبراهيم بن المستمر العُروقي، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان، به.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٦٩٤): حدثنا صفوان بن عيسى، حدّثنا ثور بن يزيد، عن
_________________
(١) = وأودعه في "الصحيحة" (٦/ ٢٦٩٧) وقد صح ولله الحمد.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨١٥).
(٣) - ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ ١٠٠٧٥) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٤٧)، والبيهقى في "السنن الكبرى" (٨/ ١٩١) وفي "شعب الإيمان" (٤/ ٥٣٢٨)، من طريق عبيد بن عبيدة به - وفي إسناد أبي نعيم تحريف يصحح من هنا - ورواه النسائى في "السنن الصغرى" (٧/ ٨٤) وأبو نعيم، من طريق عمرو بن عاصم عن معتمر به. وقال أبو نعيم: "غريب من حديث سليمان التيمى، عن الأعمش لم يروه عنه إلا ابنه معتمر … ": هو ثقة، ومن فوته ثقات من رجال الشيخين فالإسناد صحيح على شرط الشيخين، ولذلك رقم به أبو عبد الرحمن الألبانى (ح ٢٦٩٨) من "الصحيحة".
(٤) - تقدم تخريجه (٥١٦). [(تعليق الشاملة): في المطبوع: ٥١٩، وهو خطأ طباعي] [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "لفلان"، وسقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية، ﵁، يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا".
وكذا رواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن صفوان بن عيسى، به.
وقال ابن مردويه (^٦٩٥): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا سمويه، حدثنا عبد الأعلى بن مسهر، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا خالد بن دهقان، حدثنا ابن أبي زكريا قال: سمعت أمِّ الدرداء تقول: سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا من مات مشركًا، أو من قتل مؤمنًا متعمدًا".
وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. والمحفوظ حديث معاوية المتقدم، فالله أعلم.
ثم روى ابن مردويه (^٦٩٦) من طريق بقية بن الوليد، عن نافع بن يزيد، حدثني ابن جبير الأنصاري، عن داود بن الحصين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من قتل مؤمنًا متعمدًا فقد كفر بالله ﷿".
وهذا حديث منكر أيضًا، وإسناده [¬١] [مظلم] [¬٢] جدًّا.
وقال الإِمام أحمد (^٦٩٧): حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد قال: أتاني
_________________
(١) - تقدم تخريجه (٦٨٥).
(٢) - ورواه أيضًا ابن عدى في "الكامل" (٣/ ١٠٥٩) مستنكره لـ "زيد بن جبيرة الأنصاري"، وقال: "عامة ما يرويه عن من روى عنهم، لا يتابعه عليه أحد" وقد تركه البخارى، وفى رواية عنه فال: "منكر الحديث"، وقال ابن معين: "لا شيء"، وقال النسائى: "ليس بثقة" وقال أبو حاتم: "ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًّا، متروك الحديث، لا يكتب حديثه"، وقال الساجى: حدَّث عن داود بن الحصين بحدث منكر جدًّا - يعنى: حديث النهى عن الصلاة في سبعة مواطن … وقال الفسوى: ضعيف، منكر الحديث، قال ابن حبان: يروى المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته، وقال الحاكم: روى عن أبيه، وداود بن الحصين وغيرهما المناكير، وضعفه الدارقطني، وقال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنه ضعيف" "التهذيب" (١/ ٦٦٠، ٦٦١/ ط الرسالة).
(٣) - " المسند" (٥/ ٢٨٨، ٢٨٩) مقرونًا بأبي النضر "بهز"، ورواه أيضًا (٤/ ١١٠) = [¬١]- في خ: "فإسناده". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "متكلم فيه".
[ ٤ / ٢٠٧ ]
أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا: هلما، فأنتما أشب شيئًا مني؛ وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بشر بن عاصم، فقال له أبو العالية: حدث هؤلاء حديثك فقال: حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال: بعث النبي، ﷺ، سرية فأغارت على قوم، فشدّ من القوم رجل، فاتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه [¬١]، فقال الشاد من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله. فنمى الحديث إلى رسول الله، ﷺ، فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، فبينا رسول الله، ﵌، يخطب، إذ قال القاتل: والله ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، قال: فأعرض رسول الله، ﵌، عنه [وعمَّن] [¬٢] قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضًا: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل، فأعرض عنه وعمَّن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر [فقال] [¬٣] الثالثة: والله يا رسول الله، ما قال [الذي قال] [¬٤] إلا تعوذًا من القتل، فأقبل عليه رسول الله، ﷺ، تعرف المساءة في وجهه، فقال: "إن الله أبى عليَّ من قتل مؤمنًا ثلاثًا". ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة.
_________________
(١) = وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (ح/ ١٩٩/ مخطوط) من طريق أبي النضر هاشم بن القاسم، والنسائى في "الكبرى" (٥/ ٨٥٩٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ رقم ٩٨٠) وأبو نعيم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/ ٦٥٣) وفى "المسند" (٢/ رقم ٦٥٣) ثنا شبابة بن سوار، وأبو يعلى (١٢/ ٦٨٢٩) وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثانى" (٢/ ٩٤٢) ثنا شيبان بن فروخ، والروياني في "مسنده" (٢/ ح ١٤٩٤) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد، والطبراني أيضًا، من طرق هدبة بن خالد والقعنبى، وأسد بن موسى كلهم (أبو النضر وأبو نعيم وشبابة وشيبان وعبيد الله وهدبة والقعنبى وأسد) ثنا سليمان بن المغيرة به وكلهم قالوا: "بشر بن عاصم الليثى" بينما رواه ابن سعد في "الطبقات" (٧/ ٣٤)، والفسوى في "المعرفة والتاريخ" (١/ ٣٤٥) - ومن طريقه البيهقى في "السنن الكبرى" (٨/ ٢٢) - ثنا عمرو بن عاصم ثنا سليمان بن المغيرة به غير أنه قال: "نصر بن عاصم الليثى" وقد رواه أبو عبد الرحمن المقرئ - عبد الله بن يزيد - ثنا سليمان بن المغيرة به، ورراه من طريقه الطبراني، وأبو نعيم، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٨، ١٩) - ومن طريقه البيهقى (٩/ ١١٦) - من طريق بشر بن موسى وأبي يحيى المكى ثنا عبد الله بن يزيد به غير أن الحاكم سمى شيخ "أبى العالية وحميد": "نصر بن عاصم" وعند الطبراني وأبى نعيم "بشر بن عاصم". وقال الحاكم: "هذا حديث مُخرج مئله في المسند الصحيح لمسلم، فقد احتج بنصر بن عاصم الليثى … " وقد وثقه النسائى، وابن حبان، واعتمد ذلك ابن حجر في "التقريب". غير أنهم لم يذكروا في ترجمته أنه هو الراوى عن "عقبة بن مالك"، وإنما ذكروا أن الراوي عن "عقبة" إنما هو "بشر" وبشر هذا نقل عن النسائى توثيقه - ورد ذلك ابن القطان، وأفاد أن الذى وثقه النسائي إنما هو = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "ولمن". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "حتى قال". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٠٨ ]
والذي عليه الجمهور من سلف الأمّة وخلفها، أن القاتل له توبة فيما بينه وبين الله، ﷿، فإن تاب وأناب، وخشع وخضع، وعمل عملًا صالحا بدّل الله سيئاته حسنات، وعوّض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن طلابته، قال الله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا﴾ الآية. وهذا خبر لا يجوز نسخه، وحمله على المشركين وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله [¬١] إلى دليل، والله أعلم.
وقال تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله﴾ الآية. وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذلك، تاب الله عليه.
وقال الله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ فهذه الآية عامّة في جميع الذنوب، ما عدا الشركَ، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة، بعد هذه الآية وقبلها؛ لتقوية الرجاء. والله أعلم.
_________________
(١) = "بشر بن عاصم الطائفى" - ووثقه أيضًا ابن حبان - فصحح له حديث (١١/ ٤٧٤٠/ إحسان) - وقال الذهبى في "الكاشف": "وثق"، وقال ابن حجر في "التقريب": "صدوق يخطئ" وقد أفاد المزى أنه: "أخو نصر بن عاصم" راجع حاشية "تهذيب الكمال" (٤/ ت ٩٦٥). ومما يؤكد أنه حديث "بشر" وليس حديث "نصر" أن الجمع رووه عن "بشر" وأما رواية "عمرو بن عاصم" فهو: "صدوق في حفظه شيء" فيخشى أن يكون وهم في التسمية، وأما رواية أبى عبد الرحمن المقرئ - والتى اعتمد عليها الحاكم فصحح الحديث بها - فإنه قد تبين أنه اختلف عليه فيها وترجيح الرواية الموافقة للجماعة أولى، ومما يؤكد صحة رواية الجماعة أنه قد رواه أحمد (٤/ ١١٠) والطبراني (١٧/ ٩٨١) وأبو نعيم من طريق حماد بن سلمة عن يونس بن عبيد عن حميد بن هلال به وسماه "بشر بن عاصم" وتابع حماد يزيد ابن زريع عند أبي نعيم، بينما رواه الحاكم (٢/ ١٩) من طريق حماد بن سلمة، فقال فيه: "نصر بن عاصم"!! وعلى كُل حالٍ، فإن "بشرًا" مما يحسن حديثه، لا سيما وأن له شاهدًا من حديث أنس بن مالك سود به أبو عبد الرحمن الألبانى حديث رقم (٦٨٩) من " الصحيحة". وقد ذكر حديث عقبة الهيثمى في "المجمع" (١/ ٣١، ٣٢) وقال: "رواه الطبراني في الكبير وأحمد وأبو يعلى إلا أنه قال: عقبة بن خالد بدل عقبة بن مالك - وكأنه خطأ قديم من أحد النساخ، أو وهم من أبي يعلى، ومع هذا فقد صوبه محقق مسند أبي يعلى في المتن!! - ورجاله ثقات كلهم". [¬١]- سقط من: خ.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
وثبت في الصحيحين (^٦٩٨) خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالمًا: هل لي من توبة؟ فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه، فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة كما ذكرناه غير مرة، وإن كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمّة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى؛ لأنَّا [¬١] وُضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبينا بالحنيفية السمحة. فأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا﴾؛ فقد قال أبو هريرة وجماعة من السلف: هذا جزاؤه إن جازاه، وقد رواه ابن مردويه بإسناده [¬٢] مرفوعًا، من طريق محمد بن جامع العطار، عن العلاء بن ميمون العنبري، عن حجاج الأسود، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٦٩٩)، ولكن لا يصح، ومعنى هذه الصيغة: أن هذا جزاؤه إن جوزي عليه، وكذا كل وعيد على ذنب، لكن قد يكون ذلك [¬٣] معارضًا من أعمال صالحة، تمنع وصول ذلك الجزاء إليه، على قولي أصحاب الموازنة أو الإحباط، وهذا أحسن ما يسلك [¬٤] في باب الوعيد، والله أعلم بالصواب، وبتقدير دخول القاتل في [¬٥] النار، إما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به، فليس يخلد فيها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل، وقد تواردت الأحاديث عن رسول الله، ﷺ (^٧٠٠): " أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال [¬٦] ذرة من إيمان". وأما
_________________
(١) - أخرجه البخارى، كتاب: الأنبياء (٣٤٧٠)، ومسلم: كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (٤٨٤٦) (٢٧٦٦).
(٢) - ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٣/ ٥٨١٩)، والعقيلى في "الضعفاء" (٣/ ٣٤٦)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٨/ ٨٦٠٦)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٨٠، ٢٨١) وفى إسناده تصحيف يصحح - كلهم من طريق محمد بن جامع به. وقال الطبرانى: "لم يرو هذا الحديث عن محمد بن سيرين إلا حجاج بن الأسود، ولا رواه عن الحجاج إلا العلاء بن ميمون، تفرَّد به محمد بن جامع" وهو ضعيف، ضعفه أبو يعلى وأبو حاتم وابن عدى، وقال: "لا يتابع على أحاديثه"، وتركه ابن عبد البر - راجع "لسان الميزان" (٥ / ت ٧١٨٦) - وبه أعله الهيثمى في "المجمع" (٧/ ١١) وشيخه - العلاء بن ميمون - استنكر له العقيلى هذا الحديث، وقال: "لا يتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به"، وضعف إسناده السيوطى في "الدر المنثور" (٢/ ٣٥٢) وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي القاسم ابن بشران.
(٣) - انظر ما تقدم تخرجه (رقم: ٤٣١). [¬١]- في ت: "لأن الله". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "كذلك". [¬٤]- في خ: "سلك". [¬٥]- في ز، خ: "إلى". [¬٦]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٢١٠ ]
حديث معاوية (^٧٠١): " كل ذنب عسى الله أن يغفره إلَّا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا" فعسى للترجي، فإذا انتفى الترجي في هاتين الصورتين، لا ينتفي [¬١] وقوع ذلك في أحدهما، وهو القتل، لما ذكرنا من الأدلة. وأما من مات كافرًا، فالنص [أنَّه] [¬٢] لا يغفر له البتة، وأما مطالبة المقتول القاتل يوم القيامة، فإنه حق من حقوق الآدميين، وهي لا تسقط بالتوبة، [ولكن لابد من ردّها إليهم] [¬٣]: لا فرق بين المقتول والمسروق منه والمغصوب منه والمقذوف وسائر حقوق الآدميين، فإن الإِجماع منعقد على أنَّها لا تسقط بالتوبة، ولكنه [¬٤] لابد من أدائها [¬٥] إليهم في صحة التوبة؛ فإن تعذر ذلك فلابد من الطلابة [¬٦] يوم القيامة، لكن لا يلزم من وقوع الطلابة [¬٧] وقوع المجازاة، إذا [¬٨] قد يكون للقاتل أعمال صالحة تصرف إلى المقتول أو بعضها، ثم يفضل له أجر يدخل به الجنَّةَ، أو يعوض الله المقتول من فضله بما يشاء، من قصور الجنَّةَ ونعيمها، ورفع درجته فيها، ونحو ذلك. والله أعلم [¬٩].
ثم للقتل العمد أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة؛ فأما [¬١٠] في الدنيا فتسلط أولياء المقتول عليه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾، ثم هم مخيرون بين أن يقتلوا، أو يعفوا، أو يأخذوا دية مغلظة أثلاثًا - ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة - كما هو مقدر [¬١١] في كتب الأحكام.
واختلف الأئمة: هل تجب عليه كفارة عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أُو إطعام؟ على أحد القولين كما تقدَّم في كفارة الخطأ - على قولين، فالشَّافعي وأصحابه وطائفة من العلماء يقولون: نعم يجب عليه؛ لأنه إذا وجبت عليه [¬١٢] الكفارة في الخطأ، فلأن تجب عليه في العمد أولى، فطردوا [¬١٣] هذا في كفارة اليمين الغموس [¬١٤]، واعتضدوا بقضاء
_________________
(١) - تقدم تخريجه (رقم: ٥١٩). [¬١]- في ز: "ينبغي". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "أن الله". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ت: "ردها". [¬٦]- في ت: "المطالبة". [¬٧]- في ت: "المطالبة". [¬٨]- في ز: "و". [¬٩]- سقط من: ز. [¬١٠]- في ز: "أما". [¬١١]- فى ت: "مقرر". [¬١٢]- سقط من: ز. [¬١٣]- في ز: "وطردوا". [¬١٤]- في ز: "المغموس".
[ ٤ / ٢١١ ]
الصلوات [¬١] المتروكة عمدًا، كما أجمعوا على ذلك في الخطأ. وقال أصحاب الإِمام أحمد وآخرون: قتل العمد أعظم من أن يكفر فلا كفارة فيه، وكذا اليمين الغموس، ولا سبيل لهم إلى الفرق ببن هاتين الصورتين وبين الصلاة المتروكة عمدًا، فإنهم يقولون بوجوب قضائها إذا [¬٢] تركت عمدًا، وقد احتج من ذهب إلى وجوب الكفارة فى قتل العمد؛ بما رواه الإِمام أحمد (^٧٠٢)، حيث قال: حدَّثنا عارم بن الفضل، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن الغريف بن عياش، عن واثلة بن الأسقع قال: أتى النبي ﷺ، نفر من بني سليم، فقالوا: إن صاحبًا لنا قد أوجب [¬٣]، قال [¬٤]: "فليعتق رقبة؛ يفدي الله بكل عضو منها عضوًا [¬٥] منه من النار".
_________________
(١) - " المسند" (٤/ ١٠٧) ورواه الطحاوى فى "مشكل الآثار" (١/ ٢١٥) من طريق عارم به، ورواه النسائى فى "الكبرى" (٣/ ٤٨٩١) وأَبو يعلى فى "مسنده" (١٣/ ٧٤٨٤)، والطبراني فى "المعجم الكبير" (٢٢/ح ٢٢١) من طريق عبد الله بن المبارك به ورواه أحمد (٣/ ٤٩٠، ٤٩١) من طريق إبراهيم ابن إسحاق، وأَبو داود فى "السنن" (٣٩٦٤) - ومن طريقه الخطيب البغدادى فى "الفقيه والمتفقه" (٢/ح ٧٢٥) - ثنا عيسى بن محمد الرملى، والحاكم فى "المستدرك" (٢/ ٢١٢) - وعنه البيهقي فى "السنن الكبرى" (٨/ ١٣٢، ١٣٣) - من طريق أبي عتبة أحمد بن الفرج، والطحاوى (١/ ٢١٦) من طريق أسد بن موسى، والبيهقى أيضًا (٨/ ١٣٣) من طريق الحكم بن موسى. كلهم (إبراهيم وعيسى وأحمد وأسد والحكم) ثنا ضمرة بن ربيعة به ولفظه: "أعتقوا عنه … " ورواه الطبرانى (٢٢/ ح ٢١٨) - ومن طريقه المزى فى "تهذيب الكمال" (٢٣/ ٩٨ / ت ٤٦٨٤) - ثنا يحيى بن أيوب العلَّاف المصرى، ثنا مهدى بن جعفر الرملى، ثنا ضمرة بن ربيعة عن الأوزاعى عن إبراهيم بن أَبى عبلة، كذا زاد "الأوزاعى" بين ضمرة، وإبراهيم. قال الطبرانى: هكذا حدثناه ابن أيوب العلَّاف عن مهدى بن جعفر عن الأوزاعى عن إبراهيم بن أبي عبلة من أصل كتابه، وحدثنا محمد بن علي الصائغ المكى ثنا مهدى بن جعفر الرملى، ثنا ضمرة بن ربيعة عن إبراهيم بن أبي عبلة … نحوه ولم يذكر الأوزاعى". من هو الصواب، وابن الصائغ أوثق من العلَّاف، وقد تابعه غير واحدٍ، كما تقدم - على عدم ذكر الأوزاعى. ورواه أحمد (٣/ ٤٩٠) من طريق ابن علاثة ثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن واثلة فأسقط من الإسناد "غريف"، وابن عُلاثة فيه ضعف ورواه النسائى (٣/ ٤٨٩٠) من طريق مالك بن مهران عن إبراهيم عن رجل قال: قلنا لواثلة … الحديث، ورواه الطبرانى (٢٢/ ح ٢٢٠) - ومن طريقه الخطيب (٢/ ح ٧٢٤) - والطحاوى (١/ ٢١٦) من طريق أبي مسهر حدثنى يحيى بن حمزة حدثنى إبراهيم بن أبي عبلة حدثنى الغريف بن عياش بن فيروز الديلمى عن واثلة بن الأسقع قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فى غزوة تبوك فجاء ناس من بنى سليم … فذكر الحديث ولفظه: (فليعتق عنه رقبة … ".= [¬١]- في ت: "الصلاة". [¬٢]- في ز: "وإن". [¬٣]- أوجب الرجل: إذا فعل فعلًا وجبت له به الجنَّةَ أو النار. النهاية [٥/ ١٥٣]. [¬٤]- في ز: "قالوا". [¬٥]- في ز: "عضو".
[ ٤ / ٢١٢ ]
وقال أحمد: حدَّثنا إبراهيم بن إسحاق، حدَّثنا ضمرة بن ربيعة، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن [¬١] الغريف [¬٢] الديلمي قال: أتينا واثلة بن الأسقع الليثي، فقلنا: حدِّثنا حديثًا سمعته من رسول الله، ﷺ، [قال: أتينا رسول الله، ﷺ،] [¬٣] في
_________________
(١) = ورواه الطحاوى (١/ ٢١٥) من طريق هانئ بن عبد الرحمن حدثنى إبراهيم بن أبي عبلة به بمثل رواية يحيى ابن حمزة، غير أنَّه قال: "مروه فليعتق رقبة … " ورواه النسائى (٣/ ٤٨٩٢)، وابن حبان (١٠/ ٤٣٠٧ / إحسان)، (٤/ ١٢٠٦)، والطحاوى (١/ ٢١٦، ٢١٧)، والبغوى فى "شرح السنة" (٩/ ٢٤١٧) من طريق عبد الله بن يوسف التنيسى ثنا عبد الله بن سالم الأشعرى، حدثنى إبراهيم بن أبي عبلة، قال: كنت جالسًا بأريحا، فمر بي واثلة بن الأسقع متوكئًا على عبد الله بن الديلمى، فأجلسه، ثم جاء إلى فقال: عجبت مما حدثنى به هذا الشيخ - يعنى واثلة - قلت: ما حدثك؟ قال: كنا مع النبيّ ﷺ فأتاه نفر من بنى سليم، فقالوا: يا رسول الله، إن صاحبًا لنا قد أوجب، فقال النبيّ ﷺ: "أعتقوا عنه رقبة … " ورواه الطحاوى (١/ ٢١٦) من طريق الوليد بن مسلم، حدثنى مالك بن أَنس وغيره عن إبراهيم بن أبي عبلة أنَّه حدثهم عن عبد الله بن الديلمى عن واثلة به. ورواه الحاكم من طريق أيوب بن سويد ثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن عبد الأعلى بن الديلمى عن واثلة بن الأسقع سمع رسول الله ﷺ يقول: "من أعتق مسلمًا كان فكاكه من النار بكل عضو من هذا عضوا من هذا". وقال الحاكم: "غريف - ابن عياش - هذا لقب لعبد الله بن الديلمى … فصار حديث واثلة بهذه الروايات صحيحًا على شرط الشيخين … وعبد الأعلى هذا أيضًا هو عبد الله بن الديلمى، بلا شك فيه كما قلناه فى غريف" ووافقه الذهبى، وأقرهما أَبو عبد الرحمن الألبانى على أن الغريف، لقب لعبد الله ابن الديلمى، لكن تعقبهما بأن "عبد الله الديلمى، المذكور فى هذه الروايات، ليس هو الذى عناه الحاكم - عبد الله بن فيروز الديلمى أبا بشر، وهو الذى وثقه ابن معين والعجلى وغيرهما، وروى له أصحاب السنن إلَّا الترمذى- بل هو ابن أخى هذا" حيث إنه قد صرح باسمه فى بعض الروايات بأنه "الغريف بن عياش بن فيروز الديلمى ولذلك قال الحافظ فى ترجمة أبي بشر من "التهذيب": "هو أخو الضحاك بن فيروز، وعم الغريف بن عياش بن فيروز"، وإذا ثبت أنَّه عبد الله بن عياش بن فيروز - وهو غير عبد الله بن فيروز - علم أن هذا الإسناد ضعيف من أجل غريف هذا حيث لم يرو عنه غير إبراهيم بن أبي عبلة، ولم يوثقه غير ابن حبان (١/ ١٨٣) وجهله ابن حزم ثم إن للحديث علة أخرى، وهى الاضطراب فى متنه، ففى رواية ضمرة وعبد الله بن سالم: "أعتقوا عنه"، وفى رواية ابن المبارك ومالك: "فليعتق رقبة"، وتابعهما عليها يحيى بن حمزة، وهانئ بن عبد الرحمن عند الطحاوى ولفظ هانئ: "مروه فليعتق رقبة"، فهذه الرواية أرجح لاتفاق هؤلاء الأربعة عليها، وفيهم مالك وابن المبارك وهما في التثبت والحفظ على ما هما عليه كما قال الطحاوى" بتصرف من "الضعيفة" (٢/ح ٩٠٧) وانظر أيضًا "الإرواء" (٧/ح ٢٣٠٩). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "العريف". [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٢١٣ ]
صاحب لنا قد أوجب، فقال: "أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا مه من النار".
وكذا رواه أَبو داود والنَّسائي من حديث إبراهيم بن أبي عبلة، به، ولفظ أبي داود عن [الغريف الديلمي] [¬١] قال: أتينا واثلة بن الأسقع، فقلنا له [¬٢]: حدَّثنا حديثًا ليس فيه زيادة ولا نقصان، فغضب فقال: إن أحدكم ليقرأ ومصحفه [معلق في] [¬٣] بيته [¬٤] فيزيد وينقص، قلنا: إنما [¬٥] أردنا حديثًا سمعته من رسول، ﷺ، قال: أتينا رسول الله، ﷺ، في صاحب لنا قد أوجب، يعني النار بالقتل فقال: "اعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو فه عضوًا [¬٦] من [¬٧] النار".
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤)﴾
قال الإِمام أحمد (^٧٠٣): حدَّثنا يحيى بن أبي بكير، وخلف بن الوليد، وحسين بن محمد،
_________________
(١) - " المسند" (١/ ٢٢٩، ٢٧٢)، ورواه أيضًا (١/ ٢٤٣) ثنا يحيى بن آدم، ورواه عبد بن حميد - كما فى "الدر المنثور" (٢/ ٥٦٣)، وعنه أَبو عيسى الترمذى فى "الجامع" كتاب: تفسير القرآن (٣٠٣٠) - ثنا عبد العزيز بن أَبى رِزْمَة. وابن جرير فى "تفسيره" (٩/ ١٠٢١٧، ١٠٢١٨) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، وعبيد الله بن موسى، وابن حبان (١١/ ٤٧٥٢) من طريق عبد الرحيم بن سليمان، والطبرانى فى "المعجم الكبير" (١١/ ١١٧٣١) من طريق محمد بن يوسف الفريابي - وخلف ابن الوليد، والحاكم فى "المستدرك" (٢/ ٢٣٥) - وعنه البيهقى فى "السنن الكبرى" (٩/ ١١٥) من طريق عبيد الله بن موسى، ستتهم (يحيى وعبد العزيز وعبد الرحيم وعبيد الله ومحمد وخلف) أنبأ إسرائيل به وقال الترمذى: "حديث حسن"، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبى، مع أن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، كما قال ابن المدينى وغيره، لكنه صح من وجه آخر فانظر الآتى. [¬١]- في ز: "العريف بن الديلمي". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- مكانها بياض في ز، وسقط من: خ. [¬٥]- في ز: "إنا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: منه. [¬٧]- سقط من: ت.
[ ٤ / ٢١٤ ]
قالوا: حدَّثنا إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس؛ قال: مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي، ﷺ، وهو يسوق غنمًا له، فسلم عليهم، فقالوا: [ما سلم] [¬١] علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه وأتوا بغنمه النبي، ﷺ، [فنزلت هذه الآية] [¬٢] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخرها.
ورواه التِّرمِذي في التفسير، عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رِزْمة، عن إسرائيل، به، و[¬٣] قال: هذا حديث حسن صحيح [¬٤]. وفي الباب عن أسامة بن زيد.
ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، به. ثم قال: صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل، به. وقال في بعض كتبه غير التفسير: وقد رواه من طريق عبد الرحمن فقط، وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيفًا، لعلل منها: أنَّه لا يعرف له مخرج عن سماك إلَّا من هذا الوجه، ومنها: أن عكرمة: في روايته عندهم نظر، ومنها: أن الذي أنزلت [¬٥] فيه هذه [¬٦] الآية عندهم مختلف فيه؛ فقال بعضهم: أنزلت [¬٧] في مُحَلِّم بن جثامة، وقال بعضهم: أسامة بن زيد، وقيل: غير ذلك.
قلت: وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه أحدها: أنَّه ثابت عن سماك، حدث به عنه غير واحد من الأئمة [¬٨] الكبار. الثاني: أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث: أنَّه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عبَّاس؛ كما قال البخاري (^٧٠٤): حدَّثنا على بن عبد الله،
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (٤٥٩١)، مسلم، كتاب: التفسير (٢٢) (٣٠٢٥)، وأَبو داود، كتاب: الحروف والقراءات (٣٩٧٤)، والنسائى فى "التفسير" (١٣٦) كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به وانظر رقم (٧١٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين فى ت: "لا يسلم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين مكانها بياض في ز، وسقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "ثم". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- فى خ: "نزلت". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في خ: "نزلت". [¬٨]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢١٥ ]
حدَّثنا سفيان، عن عمرو [بن دينار] [¬١]، عن عطاء، عن ابن عبَّاس: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قال: قال ابن عبَّاس: كان رجل في غنيمته، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، [فنزلت] [¬٢]: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾.
[قال ابن عبَّاس: عرض الدنيا تلك الغنيمة، وقرأ ابن عبَّاس: ﴿السلام﴾ [¬٣].
وقال سعيد بن منصور (^٧٠٥): حدَّثنا منصور، عن عمرو بن دينار، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبَّاس قال: لحق المسلمون رجلًا في غنيمة له، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فنزلت: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾] [¬٤].
[وقد رواه] [¬٥] ابن جرير وابن أبي حاتم (^٧٠٦) من طريق سفيان بن عيينة، به.
[وقال في ترجمته: إن أخاه فزارًا هاجر إلى رسول الله، عن أمر أبيه، بإسلامهم وإسلام قومهم، فلقيته سرية لرسول الله في عماية الليل، وكان قد قال لهم: إنه مسلم، فلم يقبلوا منه فقتلوه، فقال أَبوه: فقدمت إلى رسول الله فأعطاني ألف دينار، ودية أخرى، وسيرني، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية] [¬٦].
وأما قصة محلم بن جثامة، فقال الإِمام أحمد ﵀ (^٧٠٧): حدثنا يعقوب، حدثني أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن القعقاع بن عبد الله ابن أبي حدرد ﵁ قال: بعثنا رسول الله إلى إضم [¬٧]، فخرجت في نفر
_________________
(١) - لم أهتد إليه من هذا الوجه، وقد عزاه "سعيد بن منصور" السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٥٦).
(٢) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٢١٥، ١٠٢١٦) من طريق عبد الرزاق - وهو فى تفسيره (١/ ١٧٠) - وسعيد ابن الربيع. وابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٢٥) ثنا العباس بن يزيد العبدى، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ أربعتهم (عبد الرزاق وسعيد والعباس ومحمد) ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار عن عطاء به.
(٣) - " المسند" (٦/ ١١) - والحديث فى "السيرة" لابن هشام (٤/ ١٤٨٣) - ورواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٨/ ٥٦٣) - وعنه ابن أبي عاصم فى "الآحاد والمثانى" (٤/ ٢٣٧٨) - ثنا أبو خالد الأحمر عن محمد بن إسحاق به، وتابع أبا خالد الأحمر عليه هكذا يحيى بن سعيد الأموى، علقه = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ت: "فأنزل الله في ذلك". [¬٣]- وهي قراءة الكسائى وابن كثير وأبي عمرو وعاصم. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة (السَّلَمَ) بدون ألف. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "ورواه". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- إضم اسم جبل.
[ ٤ / ٢١٦ ]
من المسلمين فيهم أَبو قَتَادة الحارث بن ربعي، ومحلم بن جثامة بن قيس، فخرجنا حتَّى إذا كنا ببطن إضم؛ مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي على قعود له، معه متيع ووَطْبٌ [¬١] من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله بشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره ومتيعه.
فلما قدمنا على رسول الله، ﷺ، وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن [¬٢]: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
تفرد به أحمد. وقال ابن جرير (^٧٠٨): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا جرير، عن ابن إسحاق،
_________________
(١) = البيهقى فى "السنن الكبرى" (٩/ ١١٥) ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٢١٢) من طريق سلمة عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه به، ورواه البيهقى أيضًا من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثنى يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي القعقاع ابن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه أبي حدرد به، قال البيهقى: "كذا رواه يونس بن بكير عن ابن إسحاق، ورواه محمد بن سلمة - رواه فى "الدلائل" (٤/ ٣٠٥) - عن محمد بن إسحاق عن يزيد عن ابن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه، ورواه أَبو خالد الأحمر عن ابن إسحاق عن يزيد عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه، وكذلك قاله يحيى بن سعيد الأموى عن ابن إسحاق، ورواه حماد بن سلمة - كما عند ابن أبي حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٨٢٧) - فى رواية حجاج بن منهال عنه عن ابن إسحاق عن يزيد عن أبي حدرد الأسلمى عن أبيه، وقيل غير ذلك، ورواه عبد الله بن إدريس عن ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمى ﵁ قال: كنت فى سرية بعثها رسول الله ﷺ إلى إضم واد من أودية أشجع، ورواه سلميان التيمى عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن القعقاع بن عبيد الله عن أبي عبد الله قال: بعثنا رسول الله ﷺ … ورواه الوليد بن كثير عن يزيد بن عبد الله بن قسيط أن رجلًا من أسلم حدثه أنَّه سمع ابن أبي حدرد الأسلمى ﵁ يحدث أنَّه كان فى سرية … " ورواه ابن الجارود فى "المنتقى" (٧٧٧) وابن جرير (١٣/ ١٠٢٩) وابن أَبى حاتم (٣/ ٥٨٢٦) من طريق المحاربي محمد بن عبد الرحمن، وابن أبي حاتم أيضًا (٣/ ٥٨٢٧) من طريق أبي سلمة، ثنا حمَّاد بن سلمة، كلاهما (المحاربي وحماد) ثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن ابن أبي حدرد الأسلمى عن أبيه به. ورواه محمد بن عمر الواقدى - وعنه ابن سعد في "الطبقات" (٤/ ٢١١، ٢١٢) - ثنا عبد الله بن يزيد بن قسيط عن أبيه عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمى عن أبيه به، والواقدى متروك مع سعة علمه. وذكر الحديث الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ١١) وقال: "رواه أحمد والطبرانى، ورجاله ثقات"!! وانظر ما بعده.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٢١١) ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٥٦، ٣٥٧) لغيره. وشيخ ابن جرير هو سفيان بن وكيع، "ضعيف"، ومحمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، = [¬١]- الوطب: الوعاء يكون فيه السمن واللبن. [¬٢]- سقط من: ت.
[ ٤ / ٢١٧ ]
عن نافع، أن [¬١] ابن عمر قال [¬٢]: بعث رسول الله محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحياهم بتحية الإِسلام، وكانت بينهم حِنَّةٌ [¬٣] [في الجاهلية] [¬٤] فرماه محلم بسمهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: يا رسول الله، سُنَّ اليوم وغير غدًا، فقال عيينة: لا والله، حتَّى تذوق نساؤه من الثكل ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين فجلس بين يدي رسول الله ليستغفر له، فقال رسول الله: "لا غفر الله لك" فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض فجاءوا إلى النبي، ﷺ، فذكروا ذلك له، فقال: (إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من حرمتكم". ثم طرحوه بين [¬٥] صدفي [¬٦]، جبل، وألقوا عليه من [¬٧] الحجارة، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية.
وقال البخاري (^٧٠٩): قال حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله للمقداد: "إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت [أنت] [¬٨] تخفي إيمانك بمكة من قبل".
هكذا ذكره البخاري معلقًا مختصرًا وقد روي مطولًا موصولًا. فقال الحافظ أَبو بكر البزار (^٧١٠): حدَّثنا حمَّاد بن علي البغدادي، حدَّثنا جعفر بن سلمة، حدَّثنا أَبو بكر بن
_________________
(١) = وأصل القصة عند أحمد (٦/ ١٠) (٥/ ١١٢) وأبي داود (٤٥٠٣) وابن ماجة (٢٦٢٥) وغيرهم من حديث سعد بن ضميرة السلمى غير أنَّه من رواية ابنه زياد عنه، وزياد لم يوثقه غير ابن حبان - "الثقات" (٦/ ٣٢٥) - وجهله الذهبى، وقال ابن حجر ﵀ فى "التقريب": مقبول.
(٢) - صحيح البخارى، كتاب: الديات، باب: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ (٦٨٦٦) وانظر ما بعده.
(٣) - كما فى "كشف الأستار" للهيثمى (٣/ ٢٢٠٢) و"مختصر الزوائد" لابن حجر ﵀ (٢/ ١٤٥٨) ومن هذا الوجه عزاه ابن حجر ﵀ فى "التغليق" (٥/ ٢٤٣) إلى أسلم بن سهل فى "تاريخ واسط" ورواه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (١٢/ ١٢٣٧٩) - ومن طريقه الضياء المقدسى فى "المختارة" = [¬١]- في ت: "عن". [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- في ز: "جنه". والحِنَة: لغة قليلة في الإحنة، وهي العقد. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ز: "في". [¬٦]- سقط من: ز. وصدف الجبل: جانبه الذي يقابلك منه. [¬٧]- سقط من: ت. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من خ.
[ ٤ / ٢١٨ ]
علي بن مُقَدَّم، حدَّثنا حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عنْ ابن عبَّاس، قال: بعث رسول الله سرية فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلًا شهد أن لا إله إلَّا الله؛ والله لأذكرن ذلك للنبي، ﷺ، فلما قدموا على رسول الله، ﷺ، قالوا: يا رسول الله، إن رجلًا شهد أن لا إله إلَّا الله، فقتله المقداد، فقال: (ادعوا لي المقداد، يا مقداد، أقتلت رجلًا يقول: لا إله إلَّا الله، فكيف لك بلا إله إلَّا الله غدًا؟! " قال: فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ فقال رسول الله، ﷺ، للمقداد: "كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل".
وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا؛ الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم [¬١] الإِيمان؛ فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية لتبتغوا عرض الحياة الدنيا فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من
_________________
(١) = (١٠/ ح ١٤٧) وابن حجر ﵀ فى "تغليق التعليق" (٥/ ٢٤٢، ٢٤٣) - من طريق الحكم بن ظَبْيَان المازنى أَبو الحسن الدارقطني فى "الأفراد" - كما فى "الفتح"، لابن حجر (١٢/ ١٩٠) و"الدر المنثور" للسيوطى (٢/ ٣٥٧) - ومن طريقه رواه ابن حجر ﵀ فى "التغليق" (٥/ ٢٤٣) من طريق محمد بن عبد الملك بن زنجويه، كلاهما (الحكم ومحمد) ثنا جعفر بن سلمة به. وقال البزار: "لا نعلمه يُروى عن ابن عبَّاس إلَّا من هذا الوجه، ولا له عنه إلَّا هذا الطَّرِيقِ". وقال الدارقطني: "هذا حديث غريب من حديث سعيد بن جبير عن ابن عبَّاس، تفرد به حبيب بن أبي عمرة، وتفرد به أَبو بكر بن علي بن مقدم، وهو أخو عمر بن علي، وأَبو بكر هذا والد محمد، وهو غريب الحديث ولم يذكره أحدٌ بجرح، وقد روى له النسائي - وهو من المتشددين - وروى عنه أيضًا عبد الله بن المبارك، والراوى عنه هنا وثقه أَبو حاتم وغيره، وذكر الحديث الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ١١، ١٢) وغفل عن عزوه للطبرانى وقال: "رواه البزار، إسناده جيد"!! وقد تفرد المقدمى بوصله كما قال ابن حجر ﵀ فى "التهذيب" (ترجمة جعفر بن سلمة) وخالف المقدمى، سفيان الثورى فرواه مرسلًا خرجه ابن أبي شيبة فى "المصنف" كما فى "التغليق" (٥/ ٤٤٣) ولم أهتد إليه فى المطبوع - وابن جرير فى تفسيره (٩/ ١٠٢٢٤) من طريق وكيع وعزاه له ابن حجر ﵀ فى "الفتح" (١٢/ ١٩١) من طريق أبى إسحاق الفزارى، وأخشى أن يكون وهمًا، فالذي أخرجه من هذا الوجه: إنما هو الحارث كذا قال هو نفسه فى "التغليق"، ورواه الحارث بن أبي أسامة (رقم ٣/ بغية الباحث) من طريق أبي إسحاق الفزارى كلاهما (وكيع والفزاري) عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير قال = [¬١]- في ت: "لكم".
[ ٤ / ٢١٩ ]
مال هذا.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: قد كنتم من قبل هذه الحال كهذا الذي يسر إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفًا؛ وكما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ [¬١] قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية. وهذا [هو] [¬٢] مذهب سعيد بن جبير، لما رواه الثَّوري (^٧١١)، عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير فى قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين.
ورواه عبد الرزاق (^٧١٢)، عن ابن جريج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تستخفون بإيمانكم كما استخفى هذا الراعي بإيمانه.
وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم (^٧١٣)، وذكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لم تكونوا مؤمنين ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تاب عليكم. فحلف أسامة لا يقاتل [¬٣] رجلًا يقول لا إله الا الله بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله فيه.
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ تأكيدًا [¬٤]، لما تقدم، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قال سعيد بن جبير: هذا تهديد ووعيد.
_________________
(١) =: خرج المقداد بن الأسود …
(٢) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٢٢٩) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٣٤) من طريق وكيع عن سفيان به وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.
(٣) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٠) ومن طريقه ابن جرير (٩/ ١٠٢٢٨) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٣)، وإسناده صحيح، وزاد نسبته السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٥٩) إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) - الذى وقع فى تفسير ابن أبي حاتم (٣ / ص ١٠٤١، ١٠٤٢) أنَّه روى هذا اللفظ عن مسروق: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لم تكونوا مؤمنين: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا﴾ ثم قال: ذكر عن قيس عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ توزعون عن مثل هذا … ثم روى بإسناده إلى السدى قال: قوله: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ كقول: تاب عليكم … [¬١]- في ز: "كنتم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- في ت: "يقتل". [¬٤]- في ز: " تأكيدًا".
[ ٤ / ٢٢٠ ]
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾
قال البخاري (^٧١٤): حدّثنا حفص بن عمر، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ دعا رسول الله زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته، فأنزل الله: ﴿غير أولي الضرر﴾.
حدّثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: لما نزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾، قال النبي، صدى الله عليه وسلم: "ادع فلانًا" فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف، فقال: "اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) " وخلف النبي ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، أنا ضرير؛ فننرلت مكانها: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾.
قال البخاري أيضًا (^٧١٥): حدّثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح ابن كيسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، قال: فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره: أن رسول الله أملى علي (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاءه ابن أم مكتوم وهو يمليها على، قال: يا رسول الله، والله [¬١] لو أستطيع الجهاد لجاهدت، وكان
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿لا يستوى القاعدون من المؤمنين والمجاهدون فى سبيل الله﴾ (٤٥٩٣، ٤٥٩٤) ورواه أيضًا، كتاب: إجهاد (٢٨٣١)، وكتاب: فضائل القرآن (٤٩٩٠)، ومسلم، كتاب: الإمارة، باب: سقوط فرض الجهاد عن المعذورين (١٤١، ١٤٢) (١٨٩٨)، والترمذى (١٦٧٠، ٣٠٣١)، والنسائى (٦/ ١٠، ٤٣)، وأحمد (٤/ ٢٨٢، ٢٨٤، ٢٩٠، ٢٩٩، ٣٠١) كلهم من طريق أبى إسحاق به.
(٢) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٤٥٩٢)، ورواه أيضًا، كتاب: الجهاد (٢٨٣٢)، والترمذى (٣٠٣٣)، والنسائى (٦/ ٩)، وأحمد (٥/ ١٨٤) من طربق ابن شهاب الزهرى به. [¬١]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٢١ ]
أعمى، فأنزل الله على رسوله، وفخذه على فخذي، فثقلت على حتى خفت أن ترضَّ [¬١] فخذي، ثم سُري عنه، فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَر﴾. انفرد [¬٢] به البخاري دون مسلم (٥)، وقد روي من وجه آخر عند الإمام أحمد، عن زيد، فقال الإمام أحمد (^٧١٦):
حدثنا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن أبي الزناد [عن أبيه]، عن خارجة بن زيد، قال: قال زيد بن ثابت: إني قاعد إلى جنب رسول الله، ﷺ، إذ أوحي إليه قال [¬٣] وغشيته السكينة، قال: فرفع [¬٤] فخذه على فخذي حين غضيته السكينة. قال زيد: فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله، ﷺ، ثم سري عنه، فقال: "اكتب يا زيد" فأخذت كتفا، فقال: "اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين … والمجاهدون) [الآية كلها] [¬٥] إلى قوله ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " فكتبت ذلك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان رجلًا أعمى فقام حين سمع فضيلة المجاهدين فقال: يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطع الجهاد ممن هو أعمى وأشباه ذلك؛ قال زيد: فوالله ما مضى [¬٦] كلامه أو ما هو إلا أن قضى كلامه - حتى [¬٧] غشيت النبي السكينة فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: "اقرأ" فقرأت عليه: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين … والمجاهدون)، فقال النبي، ﷺ: " ﴿غير أولي الضرر﴾ " قال زيد: فألحقتها، فوالله كأنى أنظر إلى ملحقها عند صدع كان في الكتف.
ورواه أبو داود عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن خارجة ابن زيد بن ثابت، عن أبيه به نحوه.
وقال عبد الرزاق (^٧١٧): أنبأنا معمر، عن الزهريّ، عن قبيصة بن [¬٨]، ذؤيب، عن زيد بن
_________________
(١) - " المسند" (٥/ ١٩٠)، ورواه أيضًا (٥/ ١٩١)، وأبو داود، كتاب: الجهاد (٢٥٠٧)، وكتاب: الحروف والقراءات (٣٩٧٥)، والطبرانى فى "المعجم الكبير" (٥/ ٤٨٥١، ٤٨٥٢) والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٩/ ٢٣، ٢٤) من طرق عن عبد الرحمن ابن أبى الزناد به.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٦٩) ومن طريقه رواه أحمد فى "المسند" (٥/ ١٨٤) وابن جرير= [¬١]- رضه: كسره. [¬٢]- في ت: "تفرد". [¬٣]- سقط من: ت. [¬٤]- في ت: "فوقع". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٦]- في ز: "قضى". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في ز: "عن".
[ ٤ / ٢٢٢ ]
ثابت؛ قال: كنت أكتب لرسول الله، صلى الله عليه: سلم [فقال": "اكتب (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) "] [¬١] فجاء عبد الله بن أم مكتوم فقال: يا رسول الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، و[¬٢] ذهب بصري، قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله، ﷺ، على فخذي حتى خشيت أن ترضها، ثم سري عنه، ثم قال: (اكتب ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله﴾ ".
ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال عبد الرزاق (^٧١٨): أخبرني ابن جريج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزري [¬٣]- أن مقسمًا مولى عبد الله بن الحارث، أخبره أن ابن عباس؛ أخبره: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾، عن بدر والخارجون إلى بدر.
انفرد به البخاري دون مسلم. وقد رواه الترمذي (^٧١٩) من طريق حجاج، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، عن مقسم، عن ابن عباس؛ قال: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ عن بدر، والخارجون إلى بدر. ولا نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش (*)
_________________
(١) = (٩/ ١٠٢٤٠)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٤٦)، والطبرانى فى "المعجم الكبير" (٥/ ٤٨٩٩) - ورواه الطبرانى أيضًا من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر به، وأشار لرواية قبيصة ابن حجر فى "الفتح" (٨/ ٢٦٠) وعزاها لأحمد فحسب، وإسناده صحيح وقبيصة فيت ذؤيب تابعى كبير ثقة، وقيل له رؤية، وباقى رجاله ثقات أثبات.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٠) ومن طريقه رواه البخارى، كتاب: التفسير (٤٥٩٥)، وابن جرير (٩/ ١٠٢٤١)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٤٨) - ورواه البخارى أيضًا، كتاب: المغازى (٣٩٥٤)، وكتاب: التفسير (٤٥٩٥) حدثنى إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال: أخبرنى عبد الكريم به. وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٦٢) وزاد عزوه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) - رواه أبو عيسى الترمذى فى "الجامع" كتاب: تفسير القرآن (٣٠٣٢)، ورواه النسائى فى "التفسير" (رقم ١٣٧)، وابن جرير (٩/ ١٠٢٤٢)، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٩/ ٤٧) من طرق عن الحجاج - وهو ابن محمد الأعور المصيصى - عن ابت جريج به وقال أبو عيسى: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس … " وانظر ما قبله، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٦٢) وزاد عزوه إلى ابن المنذر. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "الحرري".
[ ٤ / ٢٢٣ ]
وابن أم مكتوم، إنا أعميان يا رسول الله، فهل لنا رخصة؛ فنزلت: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾. وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرًا عظيما درجات منه﴾ على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
هذا لفظ الترمذي، ثم قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وقوله: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين﴾ كان مطلقًا، فلما نزل بوحي سريع ﴿غير أولي الضرر﴾ صار ذلك مخرجًا لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد: من العمى، والعرج، والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس: غير أولي الضرر. وكذا ينبغي أن يكون؛ لما [¬١] ثبت في صحيح البخاري (^٧٢٠)، من طريق زهير بن معاوية، عن حميد، عن أنس أن رسول الله، ﷺ، قال: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه،" قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: "نعم، حبسهم العذر".
وهكذا رواه الإمام أحمد، عن محمد بن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، به. وعلقه البخاري مجزومًا. ورواه أبو داود (^٧٢١) عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن
_________________
(١) - رواه البخارى، كتاب: الجهاد، باب: من حبسه العُذْرُ عن الغزو (٢٨٣٨) حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير به، ورواه أيضًا (٢٨٣٩) ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، وكتاب: المغازى (٤٤٢٣) ثنا أحمد بن محمد أخبرنا عبد الله - وهو ابن المبارك. ورواه أحمد (٣/ ١٠٣)، وابن ماجه (٢٧٦٤) من طريق ابن أبى على، وأحمد أيضًا (٣/ ١٨٢) من طريق يحيى بن سعيد القطان، وعبد ابن حميد فى "المنتخب" (١٤٠٢) وأبو يعلى فى "مسنده" (٦/ ٣٨٣٩) وعنه ابن حبان (١١/ ٤٧٣١/ إحسان) والبغوى فى "شرح السنة" (١٠/ ٢٦٣٧) من طريق يزيد بن هارون خمستهم (حماد وعبد الله وابن أبى على ويحيى ويزيد) عن حُميد به وأنظر ما بعده.
(٢) - علقه البخارى فى صحيحه عقب حديث رقم (٢٨٣٩): "وقال موسى - يعنى ابن إسماعيل -. حدثنا حماد - ابن سلمة عن حميد عن موسى بن أنس عن أبيه قال النبى ﷺ " ورواه أحمد (٣/ ١٦٠، ٢١٤) ثنا عفان (٣/ ١٦٠) ثنا أبو كامل الجحدرى، وأبو داود (٢٥٠٨) - ومن طريقه البيهقى فى "السنن الكبرى" (٩/ ٢٤) وابن حجر فى "تغليق التعليق" (٣/ ٤٣٤) - ثنا موسى بن إسماعيل ثلاثتهم (موسى وعفان وأبو كامل) ثنا حماد بن سلمة به لكن سقط فى رواية أبى كامل "حميد" وقال أبو عبد الله البخارى: "الأول أصح" يعنى الإسناد السابق الذى ليس فيه موسى ابن أنس". [¬١]- فى ت: "كما".
[ ٤ / ٢٢٤ ]
مالك، عن أبيه، عن النبي، ﷺ، قال: "لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم فيه"، قالوا: [يا رسول الله كيف] [¬١]، يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم العذر".
لفظ أبي داود، وفي هذا المعنى قال الشاعر:
يا راحلين إلى البيت العتيق لقد … سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحًا
إنا أقمنا على عذر وعن قدر … ومن أقام على عذر فقد راحا
وقوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أي: الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية.
ثم قال تعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ثم أخبر ﷾ بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجنان العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول [¬٢]، الرحمة والبركات، إحسانًا منه وتكريمًا، ولهذا قال: ﴿دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقد ثبت في الصحيحين (^٧٢٢)، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله، ﷺ، قال: "إن في الجنة مائة [¬٣]، درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض".
_________________
(١) = قال ابن حجر فى "التغليق" (٣/ ٤٣٥) - ونحوه فى "فتح" (٦/ ٤٧) - عقب رواية أبى داود: "هذا عندى حديث صحيح لحسن سياقه، وجودة رجاله، من قد رجحه الإسماعيليّ ففال: حماد عالمٌ بحُمَيد، فيقدم فيه على غيره، ثم ساق (حديثه من طريق عفان بن حماد) قلت - ابن حجر -: وإنما رجح البخارى الإسناد الأول لتصريح زُهير عن حميد بسماعه له من أنس، وكذا رواه الإسماعيليّ من حديث معتمر بن سليمان عن حميدٍ "أنه سمع أنسًا" ولا مانع أن يكون حُميد سمعه من موسى بن أنس عن أبيه، ثم سمعه من أنس، بدليل أن سياقته عن موسى بن أنس أتم. والله تعالى أعلم".
(٢) - كذا عزاه للصحيحين من حديث أبى سعيد الخدري!!، ولم يخرجه من حديث أبى سعيد غير مسلم، كتاب: الإمارة، باب: كان ما أعده الله تعالى للمجاهد (١١٦) (١٨٨٤) بلفظ: " … وأخرى يرفَع بها العبدُ مائة درجة من الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض" قال: يا رسول الله؛ وَمَا هِيَ؟ قال: "الجهاد فى سبيل الله. الجهاد فى سبيل الله"، وأما اللفظ الذى أورده المصنف، فقد أخرجه البخارى، كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين فى سبيل الله (٢٧٩٠) من حديث أبى هريرة. [¬١]- في ز، خ: "كيف يا رسوله الله". [¬٢]- قوله ت: "وأحوال". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٢٥ ]
وقال الأعمش (^٧٢٣)، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "من بلغ بسهم فله أجره درجة"، فقال رجل: يا رسول الله، وما الدرجة؟ فقال "أما إنها ليست بعتبة أمك. ما بين الدرجتين مائة عام".
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
قال البخاري (^٧٢٤): حدثنا عبد الله بن يزيد [¬١] المقرئ، حدثنا حيوة وغيره، قال: حدثنا
_________________
(١) - أورده السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٦٥) وعزاه إلى ابن أبى حاتم وابن مردويه، وقد رواه ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٥١) ثنا حماد بن الحسن بن عنبسة، ثنا يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، عن سليمان - يعنى الأعمش - عن عروة بن مرة به. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات غير أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، كما أن فيه عنعنة الأعمش. وقد رواه الحارث بن أبى أسامة (رقم ٦٥٨/ بغية) - ومن طريقه أبو نعيم فى "صفة الجنة" (٢/ ٢٣٣) - ثنا معاوية بن عمرو - سقط من "البغية" ثنا زائدة، ثنا الأعمش به غير أنه أسقط "عبد الله بن مسعود" فذكره مرسلًا. وقد رواه أحمد (٤/ ٢٣٥)، والنسائى (٦/ ٢٧)، وابن حبان (١٠/ ٤٦١٦) وغيرهم من طريق أبى معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السمط قال: قلنا لكعب ابن مُرَّة: يا كعب، حدثنا عن رسول الله ﷺ والخذَرْ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بلغ العُدوَّ بسهم، رفع الله به درجة له" فقال له عبد الرحمن بن النَّحام: يا رسول الله، وما الدرجة؟ قال: "أما إنها ليست بعتبة أمَّك، ما بين الدرجتين مائة عام" وأبو معاوية أثبت الناس فى الأعمش، وقد صححه ابن حجر فى "الإصابة" (٦/ ٣٢٤) وله شاهد من حديث أبى نجيح السلمى يأتي تخريجه (سورة البلد/ آية ١٣).
(٢) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٤٥٩٦)، ررواه أيضًا، كتاب: الفتن، باب: من كره أن يكثِّرَ سواد الفتن والظلم (٧٠٨٥). = [¬١]- في خ: "زيد".
[ ٤ / ٢٢٦ ]
محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: قطع على أهل المدينة بعث.، فاكتتبت فيه، فلقيت عكرمة - مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشدّ النهي، ثم [¬١] قال: أخبرني ابن عباس أن ناسًا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون [سواد المشركين] [¬٢]، على رسول الله، ﷺ، يأتي السهم فيرمى به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه، فيقتل، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ رواه الليث عن أبي الأسود.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٢٥): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري - حدثنا محمد بن شريك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض، قال المسلمونَ: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين [¬٣] وأكرهوا. فاستغفروا لهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ الآية. قال: فكتبت [¬٤] إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية: لا عذر لهم، قال: فخرجوا، فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه الآية: ﴿ومن الناس
_________________
(١) = ورواه النسائى فى "التفسير" (١٣٩) من طريق إسحاق بن إبراهيم نا المقرئ، نا حيوة به. قال ابن حجر فى "الفتح" (٨/ ٢٦٣): "قوله (رواه الليث عن أبى الأسود) وصله الإسماعيليّ، والطبراني فى "الأوسط" - (٣٥٨، ٨٦٣٨) وفى "المعجم الكبير" أيضًا (١١/ ١١٥٠٥، ١١٥٠٦) ومن طريقه ابن حجر فى "تغليق التعليق" (٤/ ١٩٨) من طريق أبى صالح كاتب الليث عن الليث عن أبى الاُسود عن عكرمة فذكره بدون قصة أبى الأسود، قال الطبرانى: لم يروه عن أبى الأسود، إلا الليث وابن لهيعة. قلت - ابن حجر -: ورواية البخارى من طريق حيوة ترد عليه، ورواية ابن لهيعة أخرجها ابن أبى حاتم أيضًا - فى تفسيره (٣/ ٥٨٦٢) وكذا ابن جرير (٩/ ١٠٢٦١) من طريق ابن وهب، والطبرانى فى "الكبير" (١١/ ١١٥٠٥) من طريق أبى صالح الحرانى، كلاهما ثنا ابن لهيعة - وفى هذه القصة دلالة على براءة عكرمة مما ينسب إليه من رأى الخَوارج؛ لأنّه بالغ فى النهي عن قتال المسلمين، وتكثير سواد من يقاتلهم، وغرض عكرمة أن الله ذم من أكثر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم، قال: فكذلك أنت لا تكثر سواد هذا الجيش، وإن كنت لا تريد موافقتم؛ لأنهم لا يقاتلون فى سبيل الله".
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٦٣)، ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٢٦٠) ثنا أحمد بن منصور الرمادى به، ورواه البزار (٤/ ٢٢٠٤ /كشف) من طريق أبى نعيم: ثنا محمد بن شريك به. قال البزار: "لا نعلم أحدًا يرويه عن عمرو إلا محمد بن شريك". وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ١٢، ١٣) وقال: "رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح، غير محمد بن شريك، وهو ثقة، وثقه أحمد وابن معين، وأبو زرعة، والدارقطنى، وقال أبو حاتم والنسائى، والفسوى: "ليس به بأس". [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- سقط ت: "سوادهم". [¬٣]- في ز: "مسلمون". [¬٤]- في ز: "فكتب".
[ ٤ / ٢٢٧ ]
من يقول آمنا بالله﴾ الآية.
وقال عكرمة (^٧٢٦): نزلت [هذه] [¬١] الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإِسلام بمكة، منهم على بن أمية بن خلف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاصي بن منبه بن الحجاج، والحارث ابن زمعة.
وقال الضحاك (^٧٢٧): نزلت في أناس من المنافقين تخلفوا عن رسول الله، ﷺ، بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر؛ فأصيبوا فيمن أصيب، فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهرانَي المشركين، وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنًا من إقامة الدين؛ فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع، بنص هذه الآية، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: بترك الهجرة، ﴿قالوا فيم كنتم﴾ أي: لمَ مكثتم هاهنا، وتركتم الهجرة؟ ﴿قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض؛ ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ الآية.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان ابن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خُبَيب بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة بن جندب، عن سمرة بن جندب أما بعد: قال رسول الله: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله".
_________________
(١) - رواه ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٦٥) من طريق روح بن القاسم عن ابن جريج عن عكرمة به. ورواه ابن جرير (٩/ ١٠٢٦٤) من طريق حجاج عن ابن جريج به غير أنه قال: "نزلت فى قيس بن الفاكه بن المغيرة، والحارث بن زمعة بن الأسود، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبي العاص بن مُنبّه بن الحجاج، وعلى بن أمية بن خلف .. ". وفى حاشية تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٥) قال الشيخ الأديب محمود شاكر: "هكذا جاءت أسماؤهم فى المخطوطة، والمطبوعة، وفى "الدر المنثور" (٢/ ٣٦٥)، واتفاقهم جميعًا جعلنى أتحرج فى إثبات ما أعرفه صوابًا. وهؤلاء الذين قتلوا ببدر معروفة أسماؤهم فى السيرة،: هذا صوابها من سيرة ابن هشام (٢/ ٢٨٥): "وامتاع الأسماع" (١/ ٢٠): "أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة"، "أبو قيس بن الوليد بن المغيرة"، "العاص بن منبِّه بن الحجاج" وأكبر ظنى أن هذا خطأ من النساخ، لا خطأ فى الرواية" اهـ.
(٢) - رواه ابن جرير (٩/ ١٠٢٦٨)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٦٦)، وإسناده صحيح إليه. [¬١]- سقط من خ.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
وقال السدي: لما أسر العباس وعقيل ونوفل، قال رسول الله، ﷺ، للعباس: "افد نفسك وابن أخيك"، فقال: يا رسول الله، ألم نصل إلى [¬١] قبلتك، ونشهد شهادتك؟ قال: "يا عباس، إنكم خاصمتم فخصمتم" ثم تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ " رواه ابن أبي حاتم (^٧٢٨).
وقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم [¬٢] لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ قال مجاهد: عكرمة والسدي يعني: طريقًا. وقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أي: يتجاوز عنهم بتركهم [¬٣] الهجرة، و(عسى) من الله موجبة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ [عَفُوًّا غَفُورًا] [¬٤]﴾.
قال البخاري (^٧٢٩): حدثنا أبو نعيم، حدثنا شيبان، عن يحيى، عِن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: بينا النبي ﷺ يصلي العشاء إذ قال: "سمع الله لمن حمده"، ثم قال قبل أن يسجد: "اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج [¬٥]، سلمة بن هشام، اللهم نج الوليد بن الوليد، اللهم نج [¬٦] المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها سنين كسني يوسف".
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٦٩)، وكذا ابن جرير (٩/ ١٠٢٦٥) كلاهما من طريق أحمد بن مفضل ثنا أسباط عن السدى، وإسناده حسن إلى السدى غير أنه منقطع، وقد ورد موصولًا عند أحمد فى "المسند" (/ ١/ ٣٥٣ ح ٣٣١٠) وإسناده فيه جهالة.
(٢) - رواه البخارى، كتاب: التفسير، باب: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ …﴾ (٤٥٩٨) ورواه أيضًا، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء على المشركين (٦٣٩٣)، ومسلم، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: استحباب القنوت فى جميع الصلاة (٢٩٥) (٦٧٥)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: القنوت فى الصلوات (١٤٤٢)، والنسائى (٢/ ٢٠٢) وأحمد (٢/ ٤٧٠، ٥٢١) من طريق يحيى - وهو ابن أبى كثير به، وقصر السيوطى فى عزوه جدًا، فلم يعزه فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٦٧) لغير البخارى!! [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ح: "بترك". [¬٤]- في ت: "غفورا رحيما". [¬٥]- في خ: "أنج". [¬٦]- في خ: "أنج".
[ ٤ / ٢٢٩ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٠): حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المنقرئ، حدثنا عبد الوارث، حدثنا على بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن رسول الله، صلى الله عليه ومسلم، رفع يده بعد ما سلم، وهو مستقبل القبلة، فقال: "اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، وضعفة المسلمين؛ الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا، من أيدي الكفار".
وقال ابن جرير (^٧٣١): حدثنا المثني، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن عبد الله [¬١]- أو إبراهيم بن عبد الله القرشي، عن أبي هريرة، أن رسول الله، ﷺ، كان يدعو في دبر صلاة الظهر: "اللهم خلص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين، الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا".
ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه، كما تقدم.
وقال عبد الرزاق (^٧٣٢): أنبأنا ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد، قال: سمعث ابن عباس يقول: كنت أنا رأمي من المستضعفين من النساء والولدان.
وقال البخاري (^٧٣٣): أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس ﴿إلا المستضعفين﴾، قال: [كانت أمي] [¬٢] ممن عذر الله ﷿.
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٧٢)، وعلى بن زيد - هو ابن جدعان - ضعيف، وقد استنكره العقيلى فى "الضعفاء" (٣/ ٩٩/ ت ١٠٧٣) لعبد الوارث بن سعيد، فرواه ثنا أحمد ابن داود ثنا أبو معمر عنه به، وقال: "لا يتابع عليه، وقد رويناه من غير هدا الطريق بإسناد صحيح" - يعنى السابق - لكن دون قوله: "الذين لا يستطيعون حيلة … "، ويبدو أن علته على بن زيد، حيث اضطرب فيه، فرواه هكذا عن سعيد، وله إسناد آخر فيه، انظر الآتى.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٢٧٥)، ورواه أحمد فى "المسند" (٢/ ٤٠٧) ثنا عفان، ثما حماد بن سلمة، أنا على بن زيد به، وشيخ ابن جدعان، لم أعرفه، وقد شك الزهرى أيضًا فى شيخ آخر له اسمه (إبراهيم بن عبد الله بن قارظ، أو عبد الله بن إبراهيم بن قارظ) فيحتمل أن يكون هذا، وعلى كُل فعلته ضعف على بن زيد، وانظر ما قبله.
(٣) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٢) - ومن طريقه ابن جرير (٩/ ١٠٢٧٤) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٨٧١) - وإسناده صحيح، وانظر ما بعده.
(٤) - رواه البخارى، كتاب: التفسير (٤٥٩٧)، ورواه (٤٥٨٨) والبيهقى فى "السنن الكبرى"= [¬١]- في ز: "عبيد الله". [¬٢]- في ت: "كنت أنا وأمي".
[ ٤ / ٢٣٠ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وإن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة، وملجأ يتحصن فيه، "والمراغم": مصدر، تقول العرب: راغم فلان قومه مراغمًا ومراغمة، قال نابغة بني جعدة:
كطود يُلاذ بأركانه … عزيز المراغم والمهرب
وقال ابن عباس: "المراغم" التحول من أرض إلى أرض. وكذا روي عن الضحاك والربيع ابن أنس والثوري. وقال مجاهد: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾ يعني: متزحزحًا عما يكره، وقال سفيان ابن عيينة: ﴿مُرَاغَمًا كَثِيرًا﴾، يعني: بروجًا. والظاهر، والله أعلم، [أن المراغم] [¬١] التمنع الذي يتحصن به، ويراغم به الأعداء.
وقوله ﴿وَسَعَةً﴾ يعني [¬٢]: الرزق. قاله غير واحدٍ، منهم قتادة، حيث قال في قوله: ﴿يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾: أي والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: ومن خرج [¬٣] من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من [¬٤] الله ثواب من هاجر. كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن (^٧٣٤)، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله، ﵌: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته [لدنيا] [¬٥] يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".
_________________
(١) = (٩/ ١٣) من طريق سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد به بلفظ: "كنت أنا وأُمي ممن عذر الله" ورواه (٤٥٨٧)، والبيهقى من طريقين عن سفيان به.
(٢) - رواه البخارى، كتاب: بدء الوحى، باب: كيف كان بدءُ الوحى إلى رسول الله ﷺ (١)، ومسلم، كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ " إنما = [¬١]- في خ: "أنه". [¬٢]- في ز: "معنى". [¬٣]- في خ: "يخرج". [¬٤]- في ت: "عند". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "إلى دنيا".
[ ٤ / ٢٣١ ]
وهذا عام في [الهجرة وفى كل] [¬١] الأعمال. ومنه الحديث الثابت فى الصحيحين (^٧٣٥)، في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا [¬٢]، ثم أكمل بذلك العابد [¬٣] المائة، ثم سأل عالمًا هل له من توبة؟ فقال له [¬٤]: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر [¬٥] يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرًا إلى البلد الآخر [¬٦] أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء: إنه جاء تائبًا، وقال هؤلاء: إنه لم يصل بعد، فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب كان [¬٧] منها، فأمر الله هذه أن تقرب [¬٨] من هذه، وهذه أن تبعد، فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة، وفي رواية أنه لما جاءه الموت؛ ناء [¬٩] بصدره إلى الأرض التي هاجر إليها.
[وقال الإمام أحمد (^٧٣٦): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله] [¬١٠] بن عتيك، عن أبيه عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "من خرج من بيته مهاجرًا [¬١١]، في سبِيل الله" ثم قال [¬١٢] بأصابعه [¬١٣] هؤلاء الثلاث: الوسطى، والسبابة، والإبهام فجمعهن وقال: وأين
_________________
(١) = الأعمال بالنية" (١٩٠٧) وأبو داود (٢٢٠١)، والترمذى (١٦٤٧)، والنسائى (١/ ٥٨)، وابن ماجه (٤٢٢٧)، وأحمد (١/ ٢٥، ٤٣) وغيرهم من طرق عن يحيى بن سعيد الأنصارى به.
(٢) - تقدم تخريجه رقم (٧٠٢).
(٣) - " المسند" (٤/ ٣٦)، ولفظ المصنف مغاير له فى بعض الأحرف. ورواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٤/ ٥٦٥) وفى "مسنده" (٢/ ٨٩٧) - ومن طريقه ابن أبي عاصم فى "الآحاد والمثانى" (٤/ ٢١٤٣) وفى "الجهاد" (٢/ ٢٣٦) والطبرانى من طريقه وطريق غيره فى "المعجم الكبير" (٢/ ١٧٧٨) وعنه أبو نعيم فى "معرفة الصحابة" (٢/ ق ٥ ح) والبخارى فى "التاريخ الكبير" (٥/ ١٤) من طريق يزيد بن هارون به. ورواه الفسوى فى "المعرفة والتاريخ" (١/ ٢٦١) من طريق عيسى بن يونس،= [¬١]- مما بين المعكوفتين في خ: "كل". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "العالم". [¬٤]- سقط من. ز. [¬٥]- في خ: "أخرى". [¬٦]- في ز: "الأخرى". [¬٧]- في خ: "فهو". [¬٨]- في ت: "تقترب". [¬٩]- في ز: "باء". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬١١]- في المسند: "مجاهدًا". [¬١٢]- قال هاهنا ليست من القول؛ وإنما هى في هذا السياق بمعنى: أشار، أو جمع، أو مثل. [¬١٣]- في خ: "بأصبعه".
[ ٤ / ٢٣٢ ]
المجاهدون [في سبيل الله] [¬١]، فخرّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حَتْفَ أنفه، فقد وقع أجره على الله". [يعني بحتف أنفه: على فراشه] [¬٢]، والله، إنها لكلمة ما سمعتها من [¬٣] [أحد من] [¬٤] العرب قبل رسول الله، ﷺ، ومن قتلـ قَعْصًا [¬٥] [¬٦] فقد استوجب المآب.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي [¬٧]، حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي [¬٨]، عن المنذر بن عبد الله، عن هشام ابن عروة، عن أبيه أن الزبير بن العوام قال: هاجر خالد بن حزام إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فقال [¬٩] الزبير: فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه، وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني؛ لأنه قل أحد ممن هاجر من قريش إلا و[¬١٠] معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد
_________________
(١) = والطبرانى - وعنه أبو نعيم - والحاكم (٢/ ٨٨)، وعنه البيهقي فى "السنن الكبرى" (٩/ ١٦٩) - من طريق يونس بن بكير. كلاهما (عيسى ويونس) ثنا محمد بن إسحاق به، وفى رواية يونس عند أبي نعيم، تصريح ابن إسحاق بالتحديث، ومع هذا فقد أعله الهيثمى فى "المجمع" (٥/ ٢٨٠) بعنعته فقال: "رواه أحمد والطبرانى، وفيه محمد بن إسحاق مدلس، وبقية رجال أحمد ثقات" وقال الحاكم عقبه: "حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي مع أنه أشار فى "الميزان" إلى جهالة محمد بن عبد الله بن عتيك، فقال: "عن أبيه، وعنه محمد بن إبراهيم التيمى وحده" وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٥/ ٣٥٥) على قاعدته. والخبر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٧١) وعزاه إلى ابن سعد وأحمد والحاكم، ومن قبله زاد نسبته شيخه ابن حجر فى "الإصابة" (٢/ ٣٧١) إلى ابن أبي خيثمة ابن شاهين.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٨٨)، وأورده السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٧٠) ولم يعزه لغيره، وإسناده حسن، غير أن متنه غريب جدًّا، انظر كلام المصنف أعلاه. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "فى". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٥]- في ز، خ: "تعصبا". [¬٦]- قال فى النهاية [٤/ ٨٨]: "القعص: أن يضرب الإنسان فيموت مكانه. يقال: قعصته وأقعصته: إذا قتلته قتلًا سريعًا. وأراد بوجوب المآب حُسْنَ المرجع بعد الموت. [¬٧]- في ز: "الخزامي". [¬٨]- في ز: "الخزامي". [¬٩]- في ز: "قال". [¬١٠]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.
وهذا الأثر غريب جدًّا، فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدني، فلعله أراد أنها أنزات تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٣٨): حدثنا سليمان بن داود، مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن [¬١] بن سليمان، عن أشعث - هو ابن سوار - عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: خرج ضمرة بن جندب إلى رسول الله ﵌، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله، ﵌؛ فنزلت: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.
وحدثنا أبي (^٧٣٩)، حدثنا عبد الله بن رجاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن أبي ضمرة [¬٢] بن العيص الزرقي، الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة، فلما نزلت: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ فقلت: إني لغني، وإني لذو حيلة، فتجهز يريد النبي، ﷺ، فأدركه الموت بالتنعيم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
[وقال الطبراني (^٧٤٠): حدثنا [خير بن عرفة المصري] (٥)، حدثنا حيوة بن شريح الحمصي، حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا ابن ثوبان، عن أبيه، حدثنا مكحول، عن عبد الرحمن بن غنم
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٨٩). وأشعث ضعيف، وقد أشار إلى هذه الطريق ابن حجر فى "الإصابة" (٢/ ١٠٩) وزاد نسبته إلى أبي يعلى. وفيه خلاف على اسم صحابيه، حرره الحافظ ابن حجر فى "الإصابة" (٥/ ١٩٧)، (٢/ ١٠٩، ١١٠) وانظر أيضًا: "الغوامض والمبهمات" لابن بشكوال (٤٧٣، ٤٧٧).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٩٠) وإسناده صحيح، وانظر ما قبله.
(٣) - " المعجم الكبير" للطبرانى (٣/ ٣٤١٨)، ورواه أيضًا - وعنه أبو نعيم فى "الحلية" (٥/ ١٩٠، ١٩١) - ثنا عبدان بن محمد المروزى، ثنا إسحاق بن راهويه ثنا بقية به، ورواه أبو داود (٢٤٩٩) وابن أبي عاصم فى "الجهاد" (١/ رقم ٤٤)، والحاكم (٢/ ٧٨)، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٩/ ١٦٦) من طريق عبد الوهاب بن نجدة ثنا بقية بن الوليد به وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط= [¬١]- في ز، خ: "الرحيم". [¬٢]- في ز: أبي ضميرة. وانظر الاختلاف على إسمه في الإصابة [١/ ٢٥١]. (*) له ترجمة في تاريخ بن عساكر [٥/ ٧٠٢ / مخطوط].
[ ٤ / ٢٣٤ ]
الأشعري، أنبأنا أبو مالك، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه - وسلم، يقول: "إن اللَّه قال من انتدب خارجًا في سبيلي، غازيًا ابتغاء وجهي، وتصديق وعدي، وإيمانًا برسلي فهو في ضمان على الله: إما أن يتوفاه بالجيش فيدخله الجنة، واما أن يسيح في ضمان الله، وإن طالت غيبته حتى يرده إلى أهله مع ما نال من أجر، أو غنيمة، وقال: من فصل في سبيل الله فمات، أو قتل، أو رفصته فرسه، أو بعيره، أو لدغته هامة، أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فهو شهيد". وروى أبو داود من حديث بقية "من فصل في سبيل الله" إلى آخره، وزاد بعد قوله: "فهو شهيد، وإن له الجنة] [¬١].
وقال الحافظ أبو يعلي (^٧٤١): حدثنا إبراهيم بن زياد سبلان، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد ابن إسحاق، عن [جميل بن أبي ميمونة] [¬٢]، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ: "من خرج حاجًا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرًا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيًا في سبيل الله فمات؛ كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة".
_________________
(١) = مسلم، ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي بأن: "أبي ثوبان لم يحتج به مسلم، وليس بذاك، وبقية: ثقة، وعبد الرحمن بن غنم لم يدركه مكحول فيما أظن" والأخير منتقد بما أفاده المزى فى "تهذيب الكمال" وابن حجر فى مختصره بأن عبد الرحمن بن غنم من شيوخ مكحول، ثم إن مكحولًا توفى سنة مائة وثلاث عشرة، وابن غنم توفى سنة ثمان وسبعين، فاحتمال الإدراك ظاهر، وقد ذكر الذهبى نفسه فى "الكاشف" (٢/ ١٨١) أن مكحولًا روى عن ابن غنم. على كُلٍّ فالإسناد فيه عنعنة بقية وهو يدلس ويسوّى، فلا بد أن يصرح بسماعه على مدار الإسناد، ثم إن شيخه متكلم فيه، ووسمه ابن حجر بأنه: "صدوق يخطئ، ورمى بالقدر، فالإسناد لا يحتمل التحسين، فضلًا عن الصحة، والله أعلم.
(٢) - رواه أبو يعلى فى "مسنده" (١١/ ٦٣٥٧) وفى "المعجم" (رقم ١٠١). ورواه الطبرانى فى "المعجم الأوسط" (٥/ ٥٣٢١) من طريق إبراهيم بن زياد به، ورواه البيهقى فى "الشعب" (٣/ ٤١٠٠)، والضياء فى "المنتقى من مسموعاته بمرو" (٣٣/ ١) - كما فى "الضعيفة لأبي عبد الرحمن الألبانى" (٢/ح ٧٤٥) - من طريق أبي معاوية به. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن عطاء بن يزيد الليثى إلا جميل بن أبي ميمونة، ولا عن جميل إلا محمد بن إسحاق، تفرَّد به أبو معاوية" وهو ثقة واسمه محمد بن خازم الضرير، غير أن شيخه مدلس، وقد عنعنه، وبذلك أعله المنذرى، فقال فى "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٧٨، ٢٧١): "رواه أبو يعلى من رواية محمد بن إسحاق، وبقية إسناده ثقات" وبنحوه قاله الهيثمى فى "المجمع" (٥/ ٢٨٦)، وشيخ ابن إسحاق أيضًا لم يوثقه غير ابن حبان "الثقات"، وأعله بذلك أيضًا الهيثمى فقال في "المجمع" (٣/ ٢١٢): "رواه الطبرانى فى "= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- فى ز، خ: "حميد بن أبي حميد". وما أثبتناه هو الموجود فى مسند أبي يعلى ومجمع الزوائد.
[ ٤ / ٢٣٥ ]
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: سافرتم في البلاد، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ أي: تخففوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلوا بها على قصر الصلاة في السفر على اختلافهم في ذلك، فمن [¬١] قائل: لا بد [¬٢] أن يكون سفر طاعة من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو [¬٣] زيارة، أو غير ذلك كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء، ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
ومن قائل: لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحًا، لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الآية، فما [¬٤] أباح له تناول [¬٥] الميتة مع اضطراره [¬٦]، إلا [¬٧] بشرط أن لا يكون عاصيًا بسفره. وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من [¬٨] الأئمة.
_________________
(١) = الأوسط"، وفيه جميل بن أبي ميمونة، وقد ذكره اكن أبي حاتم - "الجرح والتعديل" ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان فى الثقات". وذكره الزيلعى فى "نصب الراية" (٣/ ١٥٩، ١٦٠) من رواية أبي يعلى، والطبرانى وقال: " … وأخرجه الإمام أبو حفص عمر بن شاهين - فى "كتاب الترغيب" له - عن أبي معاوية عن هلال بن أبي ميمونة الفلسطينى عن عطاء به … " وهذا فيه انقطاع بين أبي معاوية وهلال، وأورده السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٧١) ولم يعزه لغير أبي يعلى، والبيهقى فى "الشعب". [¬١]- في ز: ومن. [¬٢]- في ز: "لا". [¬٣]- في ز: "و". [¬٤]- في ت: "كما". [¬٥]- في خ: "تناوله". [¬٦]- في خ: "الاضطرار". [¬٧]- سقط من: ت. [¬٨]- في ز: "عن".
[ ٤ / ٢٣٦ ]
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة (^٧٤٢): حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، إني رجل تاجر، أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين. وهذا مرسل.
ومن قائل: يكفي مطلق السفر، سواء كان مباحًا أو محظورًا، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، ترخص لوجود مطلق السفر. وهذا قول أبي حنيفة [﵀] [¬١] والثوري وداود لعموم الآية وخالفهم الجمهور.
وأمّا قول تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد يكون هذا خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإنّ في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو سرية خَاصة، وسائر الأحياء [¬٢] حرب للإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة، فلا مفهوم له، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ الآية.
وقد [¬٣] قال الإِمام أحمد (^٧٤٣): حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جريج، عن ابن [¬٤] أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية قال: سألت عمر بن الخطاب، قلت [] [¬٥]: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد أمن [] [¬٦] الناس، فقال لي عمر بن الخطاب ﵁: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله أصلى الله عليه: سلم، عن ذلك] [¬٧] فقال: "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته".
_________________
(١) - رواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٢/ ٣٣٦)، وهذا منقطع، وإبراهيم هو ابن زيد النخعى، وقد أورد هذا الخبر السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٧٢) ولم يعزه لغير ابن أبي شيبة.
(٢) - " المسند" (١/ ٢٥)، ورواه أيضًا (١/ ٣٦)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين (٦٨٦)، وأبو داود، باب: صلاة المسافر (١١٩٩، ١٢٠٠)، والترمذى، كتاب: تفسير القرآن (٣٠٣٤)، والنسائى، فاتحة كتاب تقصير الصلاة (٣/ ١١٦، ١١٧)، وابن ماجه، باب: تقصير الصلاة فى السفر (١٠٦٥) من طرق عن ابن جريج به. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في خ: "الأحيان". [¬٣]- في خ: "و". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: له قوله. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: الله. [¬٧]- ط بين المعكوفتين سقط من: ت.
[ ٤ / ٢٣٧ ]
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن من حديث ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال على بن المدينى: هذا حديث صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٧٤٤): حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مغول، عن أبي حنظلة الحذاء، قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان، فقلت: أين قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونحن آمنون؟ فقال [¬١]: سنة رسول الله، ﷺ.
وقال ابن مردويه (^٧٤٥): حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا على بن محمد بن سعيد، حدثنا منجاب، حدثنا شريك، عن قيس بن وهب، عن أبي الوداك قال [¬٢]: سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر؟ فقال: هي رخصة نزلت من السماء؛ فإن شئتم فردوها.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (^٧٤٦): حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عون، عن ابن سيرين، ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله، ﷺ، بين مكة والمدينة، ونحن
_________________
(١) - لم أجده فى "المصنف" بهذا الإسناد، ويحتمل أن يكون فى تفسيره هكذا، وقد رواه أيضًا فى "المصنف" (٢/ ٣٣٦) ثنا وكيع وأحمد (٢/ ٢٠، ٣١) ثنا يحيى ويزيد، ثلاثتهم (وكيع، ويحيى، ويزيد)، ثنا ابن أبي خالد، عن أبي حنظلة به. ورواه ابن عبد البر فى "التمهيد" (١١/ ١٦٧) من طريق محمد بن إسماعيل الترمذى ثنا أبو نعيم به، وأبو حنظلة، قال أبو زرعة الرازى: "كوفى لا أعرف اسمه"، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (٩/ ٣٦٣)، ونقل ابن حجر فى "تعجيل المنفعة" (٢/ ت ١٢٦٠) عن أبي زرعة العراقى قوله فيه: "لا يعرف"، وتعقبه بقوله: "بل هو معروف، يقال له الحذاء بمهملة ثم معجمة، ولم يسم، وقد روى أيضًا عن رجل من أهل مكة عن علي، وروى عنه أيضًا مالك ابن مغول، ذكره أبو أحمد الحاكم "الكنى" (٤/ ت ١٩٠٣) وقال: حديثه فى الكوفيين، قلت: ولا أعرف فيه جرحًا، بل ذكره ابن خلفون فى "الثقات") والحديث أورده السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٧١) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.
(٢) - شريك هو ابن عبد الله القاضى، سيئ الحفظ، ومنجاب هو ابن الحارث، ثقة، وباقى رجال الإسناد ثقات، والخبر لم أجده فى غير هذا الموضع، والله أعلم.
(٣) - رواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٢/ ٣٣٧) ورواه أحمد (١/ ٣٥٤) ثأ يزيد بن هارون به ورواه أحمد أيضًا (١/ ٢٢٦) ثنا يحيى (١/ ٣٦٢) ثنا محمد بن أبي عدى (١/ ٣٦٩) ثنا معاذ، والنسائى (٣/ ١١٧) أخبرنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا خالد الحذاء والطبرانى فى "الكبير" (١٢/ ١٢٨٥٥) من طريق عبد الرحمن بن حماد خمستهم (يحيى وابن أبي عدى ومعاذ وخالد وعبد الرحمن) ثنا عبد الله= [¬١]- فى ز: "قال". [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٣٨ ]
آمنون، لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين.
وهكذا [¬١] رواه النسائي عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن عون، به. قال أبو عمر بن عبد البر: وهكذا رواه أيوب وهشام ويزيد بن إبراهيم التستري، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس ﵄ عن النبي، ﷺ، مثله.
قلت: وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعًا، عن قتيبة، عن هشيم، عن [¬٢] منصور بن زاذان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس: أن رسول الله، ﷺ، خرج من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا رب العالمين، يصلي [¬٣] ركعتين، ثم قال الترمذي: صحيح.
وقال البخاري (^٧٤٧): حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يحيى بن أبى إسحاق، قال: سمعت أنسًا يقول: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين [¬٤]، حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئًا، قال: أقمنا بها عشرًا.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، به.
_________________
(١) =ابن عون به. ورواه أحمد (١/ ٢٢٦)، والترمذى (٥٤٧)، والنسائي (٣/ ١١٧) من طريق هشيم عن منصور ابن زاذان، ورواه أحمد أيضًا (١/ ٣٥٥) من طريق قرة بن خالد ويزيد بن إبراهيم، ورواه عبد بن حميد فى "المنتخب" (٦٦٢، ٦٦٣) من طريق هشام بن حسان، وأبى هلال الراسبى، ورواه الطبرانى (١٢/ ١٢٨٥٦ - ١٢٨٦٤) من طريق سعيد بن عبد الرحمن وقرة بن خالد وأبى هلال وأيوب وهشام - وهو عند عبد الرزاق فى "المصنف" (٢/ ٤٢٧٠، ٤٢٧١) من الوجهين الآخرين - ومنصور بن زاذان وأشعث بن سوَّار، كلهم (منصور وقرة ويزيد وهشام وأبى هلال وسعيد وأيوب وأشعث) عن ابن سيرين به.
(٢) - رواه البخارى فاتحة كتاب تقصير الصلاة ٦ (١٠٨١)، ورواه أيضًا، كتاب: المغازى، باب: مقام النبى ﷺ بمكة زمن الفتح (٤٢٩٧)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها (١٥) (٦٩٣)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: متى يتم المسافر؟ (١٢٣٣)، والترمذى، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فى كم تُقْصَرُ الصلاةُ (٥٤٨) والنسائى، كتاب: تقصير الصلاة فى السفر (٣/ ١١٨، ١٢١)، وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة (١٠٧٧) من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق به. [¬١]- في ز: " وكذا". [¬٢]- في خ: "بن". [¬٣]- في ت: "فصلى". [¬٤]- سقط من: خ.
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وقال الإِمام أحمد (^٧٤٨): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخزاعي، قال: صليت مع النبي، ﷺ، الظهر والعصر بمنى [¬١] أكثر ما كان الناس وآمنَه ركعتين.
ورواه الجماعة سوى ابن ماجة من طرق عن [¬٢] ابن أبي إسحاق السبيعي، عنه، به. ولفظ البخاري (^٧٤٩): حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب قال: صلى بنا رسول الله، ﷺ، آمن ما كان بمنى ركعتين.
وقال البخارى (^٧٥٠): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرنا نافع، عن عبد الله ابن عمر؛ قال: صليت مع رسول الله، ﷺ، ركعتين وأبي بكر وعمر ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها.
وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان، به.
وقال البخاري (^٧٥١): حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد، عن الأَعمش، حدثنا إبراهيم،
_________________
(١) - " المسند" (٤/ ٣٠٦)، وكذا رواه النسائى، كتاب: تقصير الصلاة فى السفر (٣/ ١٢٠) من طريق يحيى بن سعيد، ثنا سفيان به. ورواه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: قصر الصلاة بمنى (٢٠) (٦٩٦)، والترمذى، كتاب: الحج، باب: ما جاء فى تقصير الصلاة بمنى (٨٨٢)، والنسائى، كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى (٣/ ١١٩، ١٢٠) من طريق أبي الأحوص، ورواه مسلم أيضًا «٢) (٦٩٦)، وأبو داود، كتاب: المناسك، باب: القصر لأهل مكة (١٩٦٥) من طريق زهير بن معاوية كلاهما (أبو الأحوص وزهير) عن أبي إسحاق به وتابعهما شعبة عنه، وهو الآتى.
(٢) - رواه البخارى، كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى (١٠٨٣)، ورواه أيضًا، كتاب: الحج، باب: الصلاة بمنى (١٦٥٦) ثنا آدم، ورواه أحمد (٤/ ٣٠٦) من طريق محمد بن جعفر، والنسائى (٣/ ١١٩) من طريق يحيى بن سعيد ثلاثتهم (آدم ومحمد ويحيى) ثنا شعبة به.
(٣) - رواه البخارى، كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى (١٠٨٢)، ورواه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: قصر الصلاة بمنى (١٧) (٦٩٤)، وأحمد (٢/ ١٦، ٥٥)، والنسائى (٣/ ١٢١) من طرق عن عبيد الله بن عمر به.
(٤) - رواه البخارى، كتاب: تقصير الصلاة، باب: الصلاة بمنى (١٠٨٤)، ورواه أيضًا، كتاب: الحج، باب: الصلاة بمنى (١٦٥٧)، ومسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: قصر الصلاة بمنى (١٩) (٦٩٥)، وأحمد (١/ ٣٧٨، ٤٢٢، ٤٢٥)، وأبو داود (١٩٦٠)، والنسائى (٣/ ١٢٠) من طرق عن سليمان الأعمش به. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: "على".
[ ٤ / ٢٤٠ ]
سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلي بنا عثمان بن عفان، ﵁، بمني أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود، ﵁، فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله، ﷺ، بمني ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمني ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمني ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان.
ورواه البخاري أيضًا من حديث الثوري، عن الأعمش، به. وأخرجه مسلم من طرق، عنه منها عن قتيبة كما تقدم.
فهذه الأحاديث دالة صريحًا على [¬١] أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف؛ ولهذا قال من قال من العلماء: إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية. وهو قول مجاهد والضحاك والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا [¬٢] أيضًا بما رواه الإِمام مالك (^٧٥٢)، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، ﵂، أنها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
وقد روي هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيي بن يحيي، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة؛ أربعتهم عن مالك، به.
قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمية؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾؟.
وأصرح من ذلك دلالة على هذا، ما رواه الإِمام أحمد (^٧٥٣): حدّثنا وكيع، حدثنا [¬٣] سفيان وعبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زبيد اليامي [¬٤]، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي،
_________________
(١) - " الموطأ" كتاب: قصر الصلاة في السفر (١/ ١٣٨)، ومن طريق مالك رواه البخاري، كتاب: الصلاة، باب: كيف فُرضت الصلاة ..؟ (٣٥٠) ثنا عبيد الله بن يوسف، ومسلم، فاتحة كتاب صلاة المسافرين وقصرها (٦٨٥) ثنا يحيي بن يحيي، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: صلاة السفر (١١٩٨) ثنا القعنبي، والنسائي، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة؟ (١/ ٢٢٥، ٢٢٦) أخبرنا قتيبة أربعتهم (عبد الله ويحيى والقعنبي وقتيبة) عن مالك به.
(٢) - " المسند" (١/ ٣٧)، ورواه أبو يعلي في "مسنده" (١/ ح ٢٤١) - ومن طريقه ابن حبان (٧/ ٢٧٨٣) / إحسان)، (٢/ ٥٤٣ /موارد)، والضياء في "المختارة" (١/ ٢٣٨، ٢٣٩) - ثنا أبو خيثمة، ثنا وكيع به. ورواه الطيالسي (ص ١٠، ١١)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٢/ ٤٢٧٨)، والنسائي في "الصغري" (٣/ ١٨٣) من طريق يزيد بن زريع، وفي "الكبري" = [¬١]- في ز: "عن". [¬٢]- في ز: "واعتضوا". [¬٣]- في ز: "و". [¬٤]- في ز، خ: "الإمامي".
[ ٤ / ٢٤١ ]
عن عمر، ﵁، قال: صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان محمد ﷺ.
وهكذا رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه (^٧٥٤) من طرق عن زبيد اليامي [¬١]،
_________________
(١) = (١/ح ٤٩١، ١٧٣٤) من طريق يحيي بن سعيد، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٢١) من طريق أبي عاص العقدي، والبيهقي في "السنن الكبري" (٣/ ٢٠٠) من طريق محمد بن أبي كثير، وأبي نعيم الفضل بن دكين، سبعتهم (الطيالسي وعبد الرزاق ويزيد ويحيي وأبو عامر ومحمد وأبو نعيم) عن سفيان الثوري به، وتابعهم أيضًا "زائدة وعبد الله بن الوليد العدني ومهران بن أبي عمر وأبو حمزة السكري وغيرهم" كما قال أبو الحسن الدارقطني في "العلل" (٢ / س ١٥٠ / ص ١١٥، ١١٦) بينما رواه معاذ بن معاذ عن الثوري عن زبيد عن ابن أبي ليلي عن أبيه عن عمر به ذكره الدارقطني في "العلل" وفي "الافراد" و"أطراف الغرائب" مسند عمر (٢٨/ ١)، ورواه يحيي القطان عن الثوري عن زبيد عن ابن أبي ليلي عن الثقة عن عمر به رواه من هذا الوجه أبو يعلي - كما في "مسند عمر" للمصنف (١/ ٢٠٣) وكذا قاله الضياء، ولم أجده في المطبوع منه - والطحاوي (١/ ٤٢٢) من طريق القواريري ثنا يحيي به، ورواية الجماعة أرجح، بل إن يحيي رواه كالجادة كما عند النسائي في "الكبري" (١/ ٤٩١، ١٧٣٤) وانظر ما بعده.
(٢) - رواه النسائي (٣/ ١١١) وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/ ٣٣٥) - وعنه ابن ماجه (١٠٦٣) - وعبد بن حميد في "المنتخب" (٢٩) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٢٢) من طريق شريك إبن عبد الله القاضي. ورواه النسائي أيضًا (٣/ ١١٨)، والبزار في "مسنده" (١/ ٣٣١ / البحر الزخار)، وأبو نعيم في "الحلية" (٧/ ١٨٧) وفي "أخبار أصبهان" (١/ ١٩٠)، وقال أبو نعيم: "تفرد به سفيان بن حبيب عن شعبة". ورواه الطحاوي (١/ ٤٢١) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٥٣، ٣٥٤)، من طريق محمد بن طلحة بن مصرف ثلاثتهم (شريك وشعبة ومحمد) عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن عمر به وتابعهم سفيان الثوري كما في السابق - عن زبيد به. وكذا رواه عن زبيد هكذا: "عمرو بن قيس الملائي، وقيس بن الربيع، وأبو وكيع الجراح بن مليح، وعلى بن صالح بن حيي، وسعيد بن سماك بن حرب، وعبد الله بن ميمون الطهوي، وياسين الزيات، وعبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن، ويزيد بن عبد الله، وعمار بن رزيق، والقاسم بن الوليد، وعبد الرحمن بن زبيد ويحيي ابن أبي أنيسة" قاله أبو الحسن الدارقطني في "العلل" (٢ / س ١٥٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٥٤)، إلا أنه اختلف فيه على ياسين الزيات، فرواه جماعة عنه مثل رواية الجماعة ورواه يزيد بن أبي حكيم عن ياسين الزيات عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عمر به. رواه من هذا الوجه البزار في "مسنده" (١/ح ٣٣٠) ثنا سلمة بن شبيب، ثنا يزيد بن أبي حكيم به وقال: "ولا نعلمه يروي عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عمر إلا من حديث ياسين عن الأعمش" وياسين هذا تركه النسائي وأبو داود وابن الجنيد، وقال البخاري: "منكر الحديث" ثم إن أبا الحسن الدارقطني قال: "والمحفوظ = [¬١]- في ز، خ: "الإمامي".
[ ٤ / ٢٤٢ ]
به. وهذا إسناد على شرط مسلم. وقد حكم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابي أبي ليلي عن عمر، وقد جاء مصرحًا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله، وإن كان يحيي بن معين وأبو حاتم والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضًا [¬١]- فقد وقع في بعض طرق أبي يعلي الموصلي (^٧٥٥)، من طريق الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن [بن أبي ليلي] [¬٢]، عن الثقة، عن عمر فذكره، وعند ابن ماجة (^٧٥٦) من طريق يزيد بن [] زياد بن
_________________
(١) = عن ياسين عن زبيد عن ابن أبي ليلي عن عمر، وهو الصواب إن شاء الله تعالى".
(٢) - لم أجده من هذا الوجه في المطبوع من "مسنده"، وقد أورده بسند أبي يعلي المصنف في "مسند الفاروق" (١/ ٢٠٣) وكذا الضياء المقدسي في "المختارة" (١/ ص ٣١٨) - قال أبو يعلي: ثنا القواريري عن يحيي بن سعيد - وهو القطان - عن سفيان الثوري به، ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٤٢٢) ثنا ابن أبي داود ثنا القواريري به ورواية الجماعة عن الثوري - وهي المتقدمة (٧٥٧)، بإسقاط قوله: "عن الثقة" - أرْجَحُ بل إن يحيي رواه كالجادة كما عند النسائي في "الكبرى" (١/ ٤٩١، ١٧٣٤) كذا رواه الجماعة عن الثوري عن زبيد عن ابن أبي ليلي عن عمر، وتابع الثوري عليه هكذا جماعة تقدم ذكرهم في السابق. بينما رواه أبو خيثمة في "مسنده" كما في "التهذيب" (ترجمة/ عبد الرحمن بن أبي ليلي) والهيثم بن كليب في "مسنده" - كما في "مسند الفاروق" للمصنف (١/ ٢٠٣) - ثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، كلاهما (أبو خيثمة والعسقلاني) ثنا يزيد بن هارون أخبرنا سفيان الثوري، عن زبيد اليامي عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، سمعت عمر يقول: فذكره. قال أبو خيثمة: "تفرد به يزيد بن هارون هكذا، ولم يقل أحدًا سمعت عمر غيره … " وقال أبو الحسن الدارقطني في "العلل" (٢/ ص ١١٦): "ولم يُتابع يزيد بن هارون على قوله هذا". وتعقبه المصنف في "مسند الفاروق" بأن: "يزيد بن هارون أحد أئمة الإسلام، فيقبل تفرّده، وسماع عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن عمر قد ثبت في غير هذا الحدث كما قال الحافظ أبو يعلي الموصلي - "مسنده" (١/ رقم ٢١١) - حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق، سمعت أبي: حدثنا الحسين بن واقد، عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الرحمن بن أبي ليلي حدثه قال: خرجت مع عمر إلى مكة … " وهذا صريح في ذلك، وقد أثبت سماع جماعة من الصحابة بدون هذا والله أعلم" وقد أورد هذا الخبر الضياء في "المختارة" وقال: "وهذا الطريق دليلٌ على صحبة عبد الرحمن بن الي ليلي لعمر ﵁". وفاتهما أن الأعمش مدلس، وقد عنعنه، ولذلك قال أبو خيثمة: "وقد روي سماعه من عمر، من طُرق وليست بصحيحة". وقد نفي سماع ابن أبي ليلي من عمر، ابن معين، وأبو حاتم وقال النسائي (١/ ١١١) عقب الحديث: "عبد الرحمن بن أبي ليلي، لم يسمع من عمر"، وقال ابن المديني: كان شعبة ينكر أن يكون سمع من عمر، وقال الخليلي في "الإرشاد": "الحفاظ لا يثبتون سماعه من عمر" وقد ورد موصولًا، إلا أنه أُعِلَّ، فانظر الآتي.
(٣) - " السنن" لابن ماجه (١٠٦٤) ثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا محمد بن بشر، أنبأ يزيد بن زياد ابن أبي الجعد به. ورواه النسائي في "الكبرى" (١/ ح ٤٩٠) ومن طريقه ابن حزم في "المحلي" = [¬١]- بعده في خ: "فقال". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٤ / ٢٤٣ ]
أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن؛ عن كعب بن عجرة، عن عمر، به. فالله أعلم.
وقد روي مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث (^٧٥٧) أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، زاد مسلم والنسائي: وأيوب بن عائذ [¬١]، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس؛ قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد [¬٢] في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، [وفي الخوف ركعة] [¬٣]، فكما يصلي في الحضر قبلها وبعدها، فكذلك يصلي في السفر.
ورواه ابن ماجة (^٧٥٨) من حديث أسامة بن زيد، عن طاوس نفسه.
_________________
(١) = (٤/ ٢٦٥) أبنأ محمد بن رافع، وابن خزيمة في صحيحه (٢/ ١٤٢٥) ثنا محمد بن رافع، ح وثنا عبدة بن عبد الله الخزاعي، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ١٩٩) من طريق محمد بن رافع، كلاهما (ابن رافع وعبدة) ثنا محمد بن بشر به وصحح إسناده أبو عبد الرحمن الألباني في "حاشيته على صحيح ابن خزيمة"!! مع أن البزار أعله فقال في "مسنده" (١/ح ٣٣١/ ص ٤٦٥/ البحر الزخار): "هذا الحديث رواه يزيد بن زياد عن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلي عن كعب بن عجرة عن عمر، ورواه شعبة والثوري فلم يذكرا كعب بن عجرة، وهما حافظان ويزيد بن زياد فغير حافظ" يعني بالنسبة إلى شعبة والثوري وإلَّا فقد وثقه أحمد وابن معين، العجلي وابن حبان، وقال أبو زرعة: شيخ، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس، وهو صالح الحديث، وقال النسائي: ليس به بأس، صالح الحديث. غير أن حفظه بجوار حفظ شعبة والثوري لا يساوي شيئًا ولا سيما وقد رواه جمع من الثقات - تقدم ذكرهم - مثل رواية شعبة والثوري، وعليه فالوهم إليه مؤكد: قد قال ابن أبي حاتم في "العلل" (١/ س ٣٨١): "سألت أبي عن حديث رواه محمد بن بشر عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد عن زبيد، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلي عن كعب بن عجرة عن عمر قال: … الحديث، ورواه الثوري عن زبيد عن عبد الرحمن ابن أبي ليلي عن عمر ليس فيه عن كعب … . قال أبي: الثوري أحفظ" والله الموفق.
(٢) - رواه مسلم، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين وقصرها، (٥) (٦٨٧)، وأبو داود، كتاب: الصلاة، باب: من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين (١٢٤٧)، والنسائي، كتاب: الصلاة، باب: كيف فرضت الصلاة (١/ ٢٢٦)، وابن ماجه، كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: تقصير الصلاة في السفر (١٠٦٨)، وأحمد (١/ ٢٣٧، ٢٥٤، ٢٥٥) من طرق عن أبي عوانة، ورواه مسلم (٦) (٦٨٧)، والنسائي، كتاب: تقصير الصلاة (٣/ ١١٨، ١١٩) وأحمد (١/ ٢٤٣) من طريقين عن أيوب بن عائذ كلاهما (أبو عوانة وأيوب) عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال: "فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعًا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة" ورواه طاوس عن ابن عباس بلفظ آخر انظر الآتي.
(٣) - ورواه ابن ماجه (١٠٧٢)، وأحمد (١/ ٢٣٢) من طريق وكيع، وعبد بن حميد في = [¬١]- في ز: "عابد". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٢٤٤ ]
فهذا ثابت عن ابن عباس، ﵄، ولا ينافي ما تقدم عن عائشة، ﵂؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زِيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك، صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، والله أعلم، لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر، ﵁، وإذا كان كذلك، فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ قصر الكيفية كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾، ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ الآية [¬١]، فبين المقصود من القصر هاهنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد [¬٢] البخاري (^٧٥٩): " كتاب صلاة الخوف"، صدره بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
وهكذا قال جوبير، عن الضحاك في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، قال: ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.
وقال أسباط عن السدي في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ الآية، إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، التقصير لا يحل إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يفتنوك عن الصلاة. فالتقصير ركعة.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ يوم
_________________
(١) = "المنتخب" (٦١٨) من طريق رَوْح بن عُبادة، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ١٥٨) من طريق الأوزاعي ثلاثتهم (وكيع وروح والأوزاعي) ثنا أسامة بن زيد، قال: سألت طاوسًا عن السبحة في السفر، والحسن بن مسلم بن يَنَّاق جالس عنده، فقال: حدثني طاوسُ أنه سمع ابن عباس يقول: فرض رسول الله ﷺ صلاة الحضر، وصلاة السفر، فكنا نصلي في الحضر قبلهما وبعدها، وكُنا نصلي في السفر قبلها وبعدها". قال البوصيري في "الزوائد" (١/ ٣٥٦): "هذا إسناد حسن لقصور أسامة بن زيد عن درجة أهل الحفظ والضبط، وباقي رجال الإسناد ثقات" غير أنه صح عن عبد الله بن عمر - عند البخاري (١١٠٢) ومسلم (٦٨٩) وغيرهما - أنه قال: صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك، ﵃.
(٢) - انظر: "فتح الباري" (٢/ ٤٢٩). [¬١]- في ز: "إلى آخرها". [¬٢]- في ز، خ: "اعتضد".
[ ٤ / ٢٤٥ ]
كان النبي، ﷺ، وأصحابه بعُسْفَان، والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النبي بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات، ركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمَّ بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم.
روي ذلك ابن أبي حاتم (^٧٦٠)، ورواه ابن جرير (^٧٦١)، عن مجاهد والسدي، وعن جابر ابن عمر. واختار ذلك أيضًا؛ فإنه قال - بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك -: وهو الصواب.
وقال ابن جرير (^٧٦٢): حدّثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن أبي فديك، حدّثنا ابن أبي ذئب، عن ابن شهاب، عن أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد، أنه قال لعبد الله ابن عمر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف، ولا نجد قصر صلاة المسافر، فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا، ﷺ، يعمل عملًا عملنا به.
فقد سمي صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع لا [¬١] بنص القرآن.
وأصرح من هذا ما رواه ابن جرير أيضًا (^٧٦٣): حدثني أحمد بن الوليد القرشي، حدّثنا محمد ابن جعفر، حدّثنا شعبة، عن سماك الحنفي، قال [¬٢]: سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإِمام بطائفة [¬٣] ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء،
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم (٣/ ٥٨٩٥).
(٢) - تفسير ابن جرير (٩ / ص ١٣٣ - ١٣٨).
(٣) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٣١٨) وهذا إسناد صحيح، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ١٣٦) من طريق يونس عن أبن شهاب أخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أمية به، وهذا إسناد صحيح أيضًا، وعبد الملك بن أبي بكر، ثقة من رجال الجماعة، فلا تضر زيادته في الإسناد وقد قال البيهقي: "ورواه الليث عن ابن شهاب عن عبد الله بن أبي بكر، وأسنده جماعة عن عبد الله بن أبي بكر، وأسنده جماعة عن ابن شهاب فلم يقيموا إسناده"، والخبر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٣٧٢) ولم يعزه لغير ابن جرير.
(٤) - تفسير ابن جرير (٩/ ١٠٣٢٧) ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٢/ ١٣٤٩) ثنا أحمد بن المقدام ثنا روح ثنا شعبة به، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٢٦٣) من طريق يحيى بن سعيد عن مسعر عن سماك به، وإسناده صحيح. والخبر أورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٣٧٣) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن جرير. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "وطائفة".
[ ٤ / ٢٤٦ ]
فيصلي بهم ركعة، فيكون للإِمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.
﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)﴾
صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكونون [¬١]- تجاه القبلة، وتارة يكونون [¬٢] في غير صوبها، والصلاة تكون رباعية، وتارة تكون [¬٣] ثلاثية كالمغرب؛ وتارة تكون [¬٤] ثنائية كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالًا وركبانًا. ولهم أن يمشوا والحالة هذه، ويضربوا الضرب المتتابع في من الصلاة.
ومن العلماء من قال: يصلون والحالة هذه ركعة واحدة؛ لحديث ابن عباس المتقدم. وبه قال أحمد بن حنبل، قال المنذري في الحواشي، وبه قال عطاء وجابر والحسن ومجاهد والحكم وقتادة وحماد [¬٥]، وإليه ذهب طاوس والضحاك.
وقد حكي أبو عاصم العبادي [¬٦]، عن محمد بن نصر المروزي أنه يري ردّ الصبح إلى ركعة في الخوف. وإليه ذهب ابن حزم أيضًا.
وقال إسحاق بن راهويه: أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماء. فإن لم تقدر [¬٧] فسجدة واحدة؛ لأنها ذكر الله.
_________________
(١) [¬١]- في خ: "يكون". [¬٢]- في خ: "يكون". [¬٣] سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "العادي". [¬٧]- في ز: "يقدر".
[ ٤ / ٢٤٧ ]
وقال آخرون: يكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة، كما قاله الإِمام [¬١]- أحمد بن حنبل وأصحابه، [وبه قال جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر، وكعب، وغير واحد من الصحابة، والسدي، ورواه ابن جرير] [¬٢]، ولكن الذني حكوه إنما حكوه على ظاهره [في الاجتزاء] [¬٣]، بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بخت المكي، حتى قال: فإن لم يقدر على التكبيرة [¬٤] فلا يتركها في نفسه، يعني بالنية. رواه سعيد بن منصور [في سننه] [¬٥]، عن إسماعيل بن عياش، عن شعيب ابن دينار، عنه. فالله أعلم.
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي، صلى الله عليه ومسلم، يوم الأحزاب صلاة العصر (^٧٦٤)، قيل: والظهر، فصلاهما [¬٦] بعد الغروب، ثم صلي بعدهما المغرب، ثم العشاء، وكما قال بعدها، يوم بني قريظة، حين جهز إليهم الجيش: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" (^٧٦٥) فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون: لم يرد منا رسول الله، ﷺ، إلا تعجيل السير [¬٧]، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق، وأخر آخرون منهم صلاة العصر فصلوها فما بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف رسول الله، ﷺ، أحدًا من الفريقين، وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة، وبينا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، إن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة هاهنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد، من الطائفة الملعونة اليهود.
_________________
(١) - رواه مسلم، كتاب: المساجد، ومواضع الصلاة، باب: الدليل لمن قال: الصلاة الوسطي هي صلاة العصر (٢٠٥) (٦٢٧) من طريق شُتَيْر بن شكل عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر … " وقد رواه البخاري (٢٩٣١) ومسلم أيضًا وغيرهما من طرق عن علي وليس فيه تحديد الصلاة الوسطى.
(٢) - رواه البخاري، كتاب: الخوف، باب: صلاة الطالب والمطلوب راكبًا وإيماءً (٩٤٦)، وكتاب: المغازي، باب: مرجع النبي - صلى الله عليه وملم - من الأحزاب (٤١١٩)، ومسلم، كتاب: الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو (٦٩) (١٧٧٠) من حديث عبد الله بن عمر". [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "من الاختيار". [¬٤]- في ز: "التكبير". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "صلاهما". [¬٧]- في ت: "المسير".
[ ٤ / ٢٤٨ ]
وأما الجمهور فقالوا: هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بين في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه الشافعي، ﵀، وأهل السنن (^٧٦٦)، ولكن يشكل [على هذا] [¬١] ما حكاه البخاري، ﵀، في صحيحه (^٧٦٧)، حيث قال: