حدثني ابن المثنى، حدثنا الحجاج بن المنهال، حدثنا حماد، عن حميد، قال: قال عكرمة: لا يموت النصراني ولا اليهودي حتى يؤمن بمحمد، ﷺ. [] [¬٣] قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (^٩٢٦).
ثم قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول؛ وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب بعد نزول عيسى، ﵇، إلا آمن به [قبل موته، أي] [¬٤]: قبل موت عيسى ﵇. ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادّعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة
_________________
(١) - رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٨٣، ٣٨٤) (١٠٨١٦) من طريق محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن أبى هارون الغنوى عن عكرمة عن ابن عباس. وأبو هارون الغنوى هو إبراهيم بن العلاء ثقة روى له البخارى فى كتاب الجنائز من صحيحه.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٧) ومن طريقه رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٣٨٥) (١٠٨٢٤) ورواه ابن جرير أيضًا برقم (١٠٨٢٣) قال: حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبى عن إسرائيل … فذكره مثل رواية عبد الرزاق.
(٣) - تفسير ابن جرير (٩/ ٣٨٦) (١٠٨٢٩). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز، خ: "و". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: يعني في. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.
[ ٤ / ٣٤٤ ]
ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك [¬١]، وإنما كذلك شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة التي سنوردها إن شاء الله قريبا، فيقتل مسيح [¬٢] الضلالة ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فأخبرت هذه الآية الكريمة: أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلَّفَ [¬٣] عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي. قبل موت عيسى ﵇، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء، وبعد نزوله إلى الأرض.
فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى: أن كل كتابي لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد، عليهما الصلاة والسلام، فهذا هو الواقع، وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلًا به؛ فيؤمن به، ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعًا له إذا كان قد شاهد الملك، كما قال تعالى في أوّل [¬٤] هذه السورة: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وهذا يدل على ضعف ما احتج به ابن جرير في ردّ هذا القول حيث قال: ولو كان المراد بهذه الآية هذا لكان كل من آمن بمحمد أو بالمسيح ممن كفر بهما يكون على دينهما، وحينئذ لا يرثه أقرباؤه من أهل دينه، [لأنه قد] [¬٥] أخبر الصادق أنه يؤمن به قبل موته، فهذا ليس بجيد إذ لا يلزم من إيمانه في حالة لا ينفعه إيمانه أنه يصير بذلك مسلمًا، ألا ترى إلى [¬٦] قول ابن عباس: ولو تردّى من شاهق، أو ضرب بسيف، أو افترسه سبع، فإنه لابد أن يؤمن بعيسى، فالإِيمان به [¬٧] في [مثل] [¬٨] هذه الحالات [¬٩] ليس بنافع ولا ينقل صاحبه عن كفره لما قدّمناه، والله أعلم.
_________________
(١) [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ز: "المسيح". [¬٣]- في خ: "يختلف". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "كونه". [¬٦]- سقط من: ت. [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٩]- في ت: "الحال".
[ ٤ / ٣٤٥ ]
ومن تأمّل هذا جيدًا، وأمعن النظر اتضح له [أن هذا وم] [¬١] إن [¬٢] كان [¬٣] هو الواقع، لكن لا يلزم منه أن يكون المراد بهذه الآية هذا، بل المراد بها ما ذكرناه من تقرير وجود عيسى، ﵇، وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة؛ ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت أقوالهم فيه، وتضادت [¬٤] وتعاكست وتناقضت وخلت عن الحق، ففرط هؤلاء اليهود، وأفرط هؤلاء النصارى، تنقَّصه اليهود بما رموه به وأمّه من العظائم، وأطراه النصارى بحيث ادّعوا فيه ما [¬٥] ليس فيه؛ فرفعوه في مقابلة أولئك عن مقام النبوّة إلى مقام الربوبية، تعالى الله، عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوًّا كبيرًا، وتنزه وتقدّس، لا إله إلا هو.