وإنما ذكرنا ذلك هاهنا؛ لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على [¬٢] آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحتم تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أحد بيسير [¬٣]. يقال: في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير [بعد أحد بيسير] [¬٤]، وأما المائدة! فإنها من أواخر [¬٥] ما نزل، ولا سيما صدرها، فناسب أن يذكر السبب هاهنا، وبالله الثقة.
وقال الإمام أحمد (^٥٠٥): حدّثنا ابن نمير، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة، أنها استعارت من أسماء قلادة، فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجالًا في طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوها [¬٦] بغير وضوء، فشكوا ذلك إلى النبي ﷺ، فأنزل الله آية التيمم. فقال أسيد بن الحضير لعائشة: جزاك الله خيرًا، فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله لك [¬٧] وللمسلمين فيه خيرًا.
(طريق [¬٨] أخرى): قال البخاري (^٥٠٦): حدثنا عبد الله بن يوسف، أنبأنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء [¬٩] أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة، أقامت برسول الله ﷺ وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله ﷺ
_________________
(١) -) " المسند" (٦/ ٥٧) وأخرجه البخارى، كتاب التيمم، باب: إذا لم يجد ماء ولا ترابًا (٣٣٦) وانظر أطرافه عند رقم (٣٣٤) - ومسلم، كتاب الحيض، باب: التيمم (١٠٩) (٣٦٧)، وأبو داود (٣١٧)، والنسائي (١/ ١٧٢)، وابن ماجة (٥٦٨) من طرق عن هشام بن عروة به، وانظر ما بعده.
(٢) - صحيح البخارى، فاتحة كتاب التيمم (٣٣٤) مختصرًا، كتاب النكاح، باب: قول الرجل لصاحبه: هل أعرستم الليلة … (٥٢٥٠)، وأخرجه، كتاب فضائل الصحابة (٣٦٧٢) ثنا قتيبة بن سعيد، كتاب التفسير (٤٦٠٧) حدثنا إسماعيل، كلاهما (قتيبة وإسماعيل) حدثنى مالك به، ورواه مسلم (١٠٨) (٣٦٧) حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك به. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "عن". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٥]- في ت: "آخر". [¬٦]- في ز، خ: "فصلوا". [¬٧]- مكانها بياض فى: ز. [¬٨]- في خ: "طريقة". [¬٩]- في ز: "في البيداء".
[ ٤ / ٩١ ]
واضع رأسه على فخذي، قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، قالت عائشة [¬١]: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، ولا يمنعني بن [¬٢] التحرك إلا مكان رأس [¬٣] رسول الله ﷺ على فخذي، فقام رسول الله ﷺ [على غير ماء حين أصبح] [¬٤]، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فوجدنا العقد تحته.
وقد رواه البخاري أيضًا عن قتيبة، وإسماعيل، ورواه مسلم [¬٥]، عن [¬٦] يحيى بن [¬٧] يحيى، عن مالك.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٥٠٧): حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح، قال: قال ابن شهاب: حدثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عمار بن ياسر، أن رسول الله ﷺ عرس بأولات الجيش [¬٨] ومعه [زوجته عائشة] [¬٩]، فانقطع عقد لها من جزع ظفار، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء، فأنزل الله على رسول الله ﷺ رخصة التطهر بالصعيد الطيب، فقام المسلمون مع رسول الله ﷺ فضربوا بأيديهم إلى [¬١٠] الأرض، ثم رفعوا أيديهم ولم يقبضوا [¬١١] من التراب شيئًا، فمسحوا بها وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ومن بطون أيديهم إلى الآباط.
_________________
(١) - " المسند" (٤/ ٢٦٣، ٢٦٤) - ومن طريقه البيهقى فى "السنن الكبرى" (١/ ٢٠٨، ٢٠٩) وابن الجوزى فى "التحقيق" (١/ ٢٧٣) وأخرجه أيضًا أبو داود، كتاب الطهارة، باب: التيمم (٣٢٠)، والنسائى، كتاب الطهارة، باب: التيمم فى السفر (١/ ١٦٧) وأبو يعلى فى مسنده (٣/ ١٦٢٩) من طريق يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبى به، وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين، وأخرجه والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١/ ١١٠، ١١١) حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسى، ثنا إبراهيم بن سعد به، وأخرجه الطحاوى وأبو يعلى (٣/ ١٦٣٠) من طريق محمد ابن إسحاق عن الزهرى به. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "حين أصبح على غير ماء". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في ز، خ: "عن". [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- في ز: "عائشة زوجته". [¬١٠]- سقط من: ت. [¬١١]- فى ز، خ: "ينفضوا".
[ ٤ / ٩٢ ]
وقد رواه ابن جرير (^٥٠٨): حدثنا أبو كريب، حدثنا الصيفي، عن ابن أبي ذئب [عن الزهري] [¬١] عن عبيد الله بن عبد الله عن [] [¬٢] أبى اليقظان، قال: كنا مع رسول الله ﷺ، فهلك عقد لعائشة، فأقام رسول الله ﷺ حتى أضاء الفجر [¬٣]، فتغيظ أبو بكر على عائشة، فنزلت عليه [رخصة المسح] [¬٤] بالصعيد الطيب، فدخل أبو بكر فقال لها: إنك لمباركة، نزلت [¬٥] فيك رخصة. فضربنا بأيدينا ضربة لوجوهنا، وضربة لأيدينا إلى المناكب والآباط.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٦٧٠) أبو اليقظان هو عمار بن ياسر، وصيفى هو ابن ربعى، "صدوق يهم" كما فى "التقريب" وباقى رجاله ثقات غير أن عبيد الله بن عبد الله لم يسمع من أبى اليقظان، وقد أخرجه أحمد فى "المسند" (٤/، ٣٢) ثنا حجاج، والطيالسى فى مسنده (٦٣٧) - ومن طريقه البيهقى فى "الكبرى" (١/ ٢٠٨) - والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١/ ١١١) وأبو يعلى (١٦٣٣) من طريق يزيد بن هارون، ثلاثتهم (حجاج والطيالسى ويزيد) عن ابن أبى ذئب به، وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٣٢٠، ٣٢١) من طريق معمر ويونس بن يزيد، وأبو يعلى (١٦٣٢) من طريق معمر، وأبو داود (٣١٨، ٣١٩) وابن ماجة (٥٧١) من طريق يونس وحده، وابن ماجة أيضًا (٥٦٥) من طريق الليث بن سعد به ثلاثتهم (معمر ويونس والليث) عن الزهرى به، وقال البيهقى: "رواه معمر بن راشد ويونس بن يزيد الأيلى والليث بن سعد وابن أخى الزهرى وجعفر بن برقان عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عمار … " وهو هكذا منقطع وقد وصله صالح بن كيسان ومحمد بن إسحاق كما فى السابق، ووصله أيضًا مالك وسفيان بن عيينة وعمرو بن دينار عن الزهرى عن عبيد الله ابن عبد الله عن أبيه عن عمار به، أخرجه من طريق مالك النسائى (١/ ١٦٨)، والطحاوى (١/ ١١٠)، وابن حبان (٤/ ١٣١٠)، والبيهقى (١/ ٢٠٨) وقال الأخير: "وكذلك رواه أبو أويس المدنى عن الزهرى -عند أبى يعلى (١٦٣١) - وأما سفيان بن عيينة فإنه شك فى ذكر أبيه فى إسناده، رواه مرة عن ابن دينار عن الزهرى -عند ابن ماجة (٥٦٦) - ومرة عن الزهرى نفسه، عند الحميدى (١٤٣) " قال أبو الأشبال فى "حاشية ابن جرير" (٨/ ٤١٩): "وأيا ما كان، فالحديث صحيح، ولسنا نرى هذا اضطرابًا، بل هى طرق متعددة ثابتة، لا تكون واحدة منها علة لغيرها" غير أن ابن أبى حاتم قال فى "العلل" (١/ رقم ٦١): "سألت أبى وأبا زرعة عن حديث رواه صالح بن كيسان وعبد الرحمن بن إسحاق -كذا فى "العلل" والذى فى هذا الطريق إنما هو محمد بن إسحاق- عن الزهرى عن عبيد الله ابن عبد الله عن ابن عباس، عن عمار عن النبى ﷺ فى التيمم، فقالا: هذا خطأ رواه مالك وابن عيينة عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عن عمار وهو الصحيح وهما أحفظ. قلت: قد= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "ابن". [¬٣]- في ز، خ: "الصبح". [¬٤]- في ز: "الرخصة المسيح". [¬٥]- في ز: "نزل".
[ ٤ / ٩٣ ]
(حديث آخر): قال الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٥٠٩): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا الحسن بن أحمد بن الليث، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا العلاء (*) بن أبي سوية، حدثني الهيثم بن رزيق المالكي من بني مالك بن كعب بن سعد -وعاش مائة وسبعة عشر سنة- عن أبيه، عن الأسلع بن شريك، قال: كنت أرحل ناقة رسول الله ﷺ، فأصابتني جنابة في ليلة باردة، وأراد رسول الله ﷺ الرحلة، فكرهت أن أرحل [ناقة رسول الله ﷺ] [¬١] وأنا جنب، وخشيت أن أغتسل بالماء البارد؛ فأموت أو أمرض، فأمرت رجلًا من الأنصار فرحلها، ثم رضفت أحجارًا فأسخنت بها ماء فاغتسلت، ثم لحقت رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: "يا أسلع، مالي أرى رحلتك قد [¬٢] تغيرت". قلت: يا رسول الله لم أرحلها، رحلها رجل من الأنصار. قال: "ولم؟ " قلت: إني أصابتني جنابة، فخشيت القرّ على نفسي، فأمرته أن يرحلها، ورضفت أحجارًا، فأسخنت بها ماء، فاغتسلت به. فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾.
وقد روي من وجه آخر عنه (^٥١٠).
_________________
(١) = رواه يونس وعقيل وابن أبى ذئب عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله عن عمار عن النبى ﷺ وهم أصحاب الكتب، فقالا: مالك صاحب كتاب وصاحب حفظ، وعليه فقد صح الحديث من هذه الطريق ولله الحمد، لكن قال أبو حاتم بن حبان فى صحيحه: "كان هذا حيث نزل أنه التيمم قبل تعليم النبىِّ ﷺ عمارًا كيفية التيمم، ثم علمه ضربة واحدةً للوجه والكفين لما سأل عمار النبيَّ ﷺ عن التيمم " وفى "نصب الراية" (١/ ١٥٦) عن الأثرم قال: "إنما حكى فيه فعلهم دون النبى ﷺ كما حكى فى الآخر أنه أجنب، فعلمه ﵇ ".
(٢) - وعزاه لابن مردويه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٢٩٥) وقد أخرجه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (١/ رقم ٨٧٧) حدثنا سهل بن موسى شيران الرامهرمزى، وأبو نعيم فى "المعرفة" (٣/ رقم ١٠٧١) ثنا أبو عمرو بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان، كلاهما (سهل والحسن) ثنا محمد بن مرزوق به، وذكره الهيثمى فى "المجمع" (١/ ٢٦٦، ٢٦٧) من هذا الوجه وقال: (رواه الطبرانى فى "الكبير" وفيه الهيثم بن رزيق قال بعضهم: لا يتابع على حديثه" والعلاء بن أبى سوية "ضعيف" كما فى "التقريب" وعلقه ابن الأثير فى "أسد الغابة" (١/ ٩١) وقال: "فيه نظر" وانظر ما بعده. (*) في الأصول: العباس، وهو تحريف.
(٣) - أخرجه ابن سعد فى "الطبقات" (٧/ ٤٦)، وابن جرير فى "التفسير" (٨/ ٩٦٣٧، ٩٦٣٨)، والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (١/ ١١٣)، والطبرانى فى "المعجم الكبير" = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "ناقته". [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٩٤ ]
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (٤٦)﴾
يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة [¬١] إلى يوم القيامة أنهم يشترون الضلالة بالهدى، ويعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأوّلين [¬٢] في صفة محمد ﷺ، ليشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أي: -يودّون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾ أي: هو أعلم [¬٣] بهم، ويحذركم منهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ أي: كفى به وليًّا لمن لجأ إليه، ونصيرًا لمن استنصره.
_________________
(١) = (١/ رقم ٨٧٥، ٨٧٦) - ومن طريقه وطرق أخرى أبو نعيم فى "المعرفة" (٣/ ١٠٦٩، ١٠٧٠) - والدارقطنى فى "السنن" (١/ ١٧٩) - ومن طريقه ابن الجوزى فى "التحقيق" (١/ رقم ٢٧٩) - والبيهقى فى "السنن الكبرى" (١/ ٢٠٨) من طرق عن الربيع بن بدر قال: حدثنى أبى عن جدى عن رجل يقال له الأسلع قال … فذكر الحديث بنحو اللفظ السابق، لكن فيه أن النبى ﷺ "أراه التيمم ضربتين ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين" وفى إسناده الربيع بن بدر، قال أبو حاتم الرازى: لا يشتغل به، وقال النسائى والدارقطنى: متروك الحديث -وضعفه البخارى وأبو داود وابن معين وغيرهم- وبه أعله ابن الجوزى والهيثمى فى "المجمع" (١/ ٢٦٧) والزيلعى فى "نصب الراية" (١/ ١٥٣) وابن حجر فى "التلخيص" (١/ ١٦١) وراجع "الإصابة" أيضًا (١/ ٥٤) بينما قال البيهقى: "الربيع بن بدر ضعيف، إلا أنه لم ينفرد به" قال ابن التركمانى فى "الجوهر النقى" متعقبًا: "لم يذكر من وافقه على ذلك ولا يكفى فى الاحتجاج أنه غير منفرد حتى ينظر مرتبته ومرتبة مشاركه، فليس كل من وافقه غيره يقوى ويحتج به" وانظر ما قبله، والحديث زاد نسبته السيوطى فى "الدر المنثور" إلى الباودى فى "الصحابة" والقاضى إسماعيل فى "الأحكام" والضياء فى "المختارة" وعبد بن حميد. [¬١]- في ز: "التابعة". [¬٢]- في ز، خ: "الأقدمين". [¬٣]- في ز: "يعلم".
[ ٤ / ٩٥ ]
ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ "من" [في هذا] [¬١] لبيان الجنس، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾.
وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ أي: [يتأولون الكلام] [¬٢] على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ﷿؛ قصدًا منهم وافتراء ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ أي: يقولون: سمعنا ما قلته يا محمد، ولا نطيعك فيه. هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في [كفرهم وعنادهم] [¬٣]، و[¬٤] أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة.
وقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي: اسمع ما نقول لا سمعت. رواه الضحاك عن ابن عباس (^٥١١).
وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك.
قال ابن جرير: والأوّل أصح. وهو كما قال. وهذا استهزاء منهم واستهتار عليهم لعنة الله.
﴿وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم: راعنا وإنما يريدون الرعونة [بسبهم النبي] [¬٥]، وقد تقدم الكلام في هذا عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾.
ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه ليًّا بألسنتهم وطعنا في الدين، يعني بسبهم النبي ﷺ.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: قلوبهم مطرودة عن الخير، مبعدة منه، فلا يدخلها من الإِيمان شيء نافع لهم. [وقد تقدم الكلام على] [¬٦] قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٦٩٨) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٣٩٣) وزاد نسبته السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٠) إلى الطبرانى. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "هذه". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "يتأولونه". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "عنادهم وكفرهم". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٩٦ ]
يُؤْمِنُونَ﴾ والمقصود أنهم لا يؤمنون إيمانًا نافعًا.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾
يقول تعالى آمرًا أهل الكتاب بالإِيمان بما [أنزل الله] [¬١] على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم، الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهددًا لهم إن لم [¬٢] يفعلوا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ قال بعضهم: معناه من قبل أن نطمس وجوهًا، فطمسها [¬٣] هو ردّها إلى [¬٤] الأدبار، وجعل أبصارهم من ورائهم. ويحتمل أن يكون المراد من قبل أن نطمس وجوهًا، فلا [يبقى لها سمع ولا بصر ولا أثر] [¬٥]، [ومع ذلك نردها] [¬٦] إلى ناحية الأدبار.
وقال العوفي عن ابن عباس ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ وطمسها: أن تعمى ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ يقول: نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين من قفاه.
وكذا قال قتادة وعطية العوفي، وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا [¬٧] مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة، يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾: إن هذا مثل سوء [¬٨] ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "نزل". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "وطمسها". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين فى ت: "نبقى لهم سمعا ولا بصرا ولا أنفا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "ونردها مع ذلك". [¬٧]- في ز: "وهو". [¬٨]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٩٧ ]
قال مجاهد: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يقول: عن صراط الحق، فنردها على أدبارها أي: في الضلالة.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا.
قال السدي: ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فنمنعها عن الحق. قال: نرجعها كفارا ونردهم قردة.
[قال ابن] [¬١] زيد: نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز.
وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية.
قال [¬٢] ابن جرير (^٥١٢): حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة، قال: تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال: أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة فخرج إليه عمر، فقال: يا كعب أسلم، فقال [¬٣]: ألستم تقولون [¬٤] في كتابكم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ وأنا قد حملت التوراة. قال: فتركه عمر، ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلًا من أهلها حزينًا وهو يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية قال كعب: يا رب [آمنت يارب] [¬٥]، أسلمت؛ مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين.
وقد [¬٦] رواه ابن أبي حاتم [بلفظ آخر من وجه آخر] [¬٧] فقال (^٥١٣): حدثنا أبي، حدثنا ابن
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٧٢٥) والخبر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠١) ولم يعزه لغير ابن جرير، وإسناده ضعيف، فإن عيسى بن المغيرة لم يوثقه غير ابن حبان "الثقات" (٧/ ٢٣٢) وقال الذهبى فى "الميزان": "ما علمت روى عنه سوى الثورى" وهنا زيادة راوٍ آخر عنه، وفى "التقريب": "مقبول" وشيخه هو إبراهيم التيمى. وجابر بن نوح ضعفه ابن معين وغيره وقال النسائى: "ليس بالقوى".
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤١٣)، ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠١) لغير ابن أبى حاتم، وفى إسناده عمرو بن واقد الدمشقى وهو "متروك" كما فى "التقريب". [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "وقال أبو". [¬٢]- في ز: "فقال". [¬٣]- في ز: "قال". [¬٤]- في ز: "تقرءون"، خ: "تقرأون". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ت: "وكذا". [¬٧]- في ز: "من وجه آخر بلفظ آخر".
[ ٤ / ٩٨ ]
نفيل، حدثنا عمرو بن [¬١] واقد، عن يونس بن حَلْبَس [¬٢]، عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني، قال: كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله ﷺ، قال: فبعثه إليه ينظر [¬٣] أهو هو. قال كعب: فركبت [¬٤] حتى أتيت المدينة، فإذا تال [¬٥] يقرأ القرآن يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ فبادرت الماء فاغتسلت، وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس، ثم أسلمت.
وقول: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾ يعني: الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع.
ثم أخبر تعالى أنه: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أي: من عباده.
وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر:
(الحديث الأول): قال الإِمام أحمد (^٥١٤): حدثنا يزيد [بن هارون] [¬٦]، حدثنا [¬٧] صدقة
_________________
(١) - الحديث فى "المسند" (٦/ ٢٤٠) وأخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٤/ ٥٧٥، ٥٧٦) من طريق يزيد بن هارون به، وأخرجه أبو نعيم فى "أخبار أصبهان" (٢/ ٢) من طريق زيد بن الحباب والبيهقى فى "شعب الإيمان" (٦/ ٧٤٧٣، ٧٤٧٤) من طريق سليمان بن حرب وعبد الصمد بن عبد الوارث، ثلاثتهم (زيد وسليمان وعبد الصمد) نا صدقة بن موسى به، وقال الحاكم: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وقال الهيثمى فى "المجمع" (١٠/ ٣٥١): "رواه أحمد وفيه صدقة بن موسى وقد ضعفه الجمهور … وبقية رجاله ثقات" وقول الهيثمى الأخير بعيد وكذا قول الذهبى متعقبًا الحاكم: "صدقة ضعفوه وابن بابنوس فيه جهالة" فابن بابَنُوس لم يوثقه غير ابن حبان "الثقات" (٥/ ٥٤٨) - وقال الدارقطنى: "لا بأس به" وقال أبو أحمد بن عدى: "أحاديثه مشاهير وروى له النسائى مع تعنته، غير أن ابن الجوزى نقل فى "الضعفاء" أن أبا حاتم قال فيه: "مجهول" لكن تعقبه الحافظ المنذرى بأنه لم يجد قول أبي حاتم هذا وهو كما قال، راجع "تهذيب الكمال" مع حاشيته (٣٢/ ت ٦٩٦٨) وقد قال فيه الحافظ فى "التقريب": مقبول. وعلى كل فالحديث معل بصدقة بن موسى = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "حليس". [¬٣]- في ز: "لينظر". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: "تالي". [¬٦]- في ز: "أنا"، وسقط من: خ. [¬٧]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٩٩ ]
ابن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسدم: "الدواوين عند الله ثلاثة؛ ديوان لا يعبأ الله به شيئًا، وديوان لا يترك الله منه شيئًا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله، قال الله ﷿: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية. وقال: ﴿إِنَّهُ] [¬١] مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئًا، فظلم العبد نفسه [فيما بينه وبين ربه من صوم يومٍ تركه أو صلاة تركها، فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء] [¬٢]، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئًا، فظلم العباد بعضهم بعضًا، القصاص لا محالة".
تفرد به أحمد.
(الحديث الثاني): قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^٥١٥): حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "الظلم ثلاثة؛ فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم [لا يترك الله منه شيئًا] [¬٣]: فأما الظلم الذي لا يغفره الله، فالشرك، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وأما الظلم الذي يغفره الله؛ فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه؛ فظلم العباد بعضهم بعضًا حتى يدين لبعضهم من بعض".
_________________
(١) = وبه، أعله العراقى فى "تخريج أحاديث الأحياء" (٥/ ٣٢٩٥ /المستخرج) وزاد نسبة الحديث السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٣) إلى ابن المنذر وابن مردويه وابن أبى حاتم.
(٢) - كما فى "كشف الأستار" (٤/ رقم ٣٤٣٩) وذكره الهيثمى فى "المجمع" (١٠/ ٣٥١) وقال: "رواه البزار عن شيخه أحمد بن مالك القشيرى ولم أعرفه، وبقية رجاله قد وثقوا على ضعفهم" والراجح فيهم الضعف؛ فإن زائدة بن أبى الرقاد قال البخارى والنسائى: "منكر الحديث" وقال أبو حاتم الرازى: "يُحَدِّثُ عن زياد النُّميرى عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة، ولا ندرى منه أو من زياد … " وشيخه زياد النميرى ضعفه ابن معين وأبو داود، وقال أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به" وقال ابن حبان فى "الضعفاء": "منكر الحديث، يروى عن أنس أشياء لا تشبه حديث الثقات" لكن للحديث إسناد آخر فأخرجه الطيالسى فى مسنده (٢١٠٩) - ومن طريقه أبو نعيم فى "الحلية" (٦/ ٣٠٩) - ثنا الربيع عن يزيد عن أنس به، وهو إسناد ضعيف أيضًا لضعف يزيد وهو الرُّقاشى، والراوى عنه هو الربيع بن صبيح السعدى "صدوق سيئ الحفظ" كما فى "التقريب" لكن الحديث حسنه الألبانى بشاهد حديث عائشة السابق، فانظر "الصحيحة" (٤/ ١٩٢٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "لا يتركه الله".
[ ٤ / ١٠٠ ]
(الحديث الثالث): قال الإِمام أحمد (^٥١٦): حدَّثنا صفوان بن عيسى، حدَّثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس، قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن [¬١] يغفره إلَّا الرجل يموت كافرًا، أو [¬٢] الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا".
و[¬٣] رواه النَّسائي عن محمد بن مثنى عن صفوان بن عيسى، به.
(الحديث الرابع) قال الإِمام أحمد (^٥١٧): حدَّثنا هاشم بن القاسم، حدَّثنا عبد الحميد، حدَّثنا شهر، حدَّثنا [ابن غنم] [¬٤]: أن أبا ذر حدثه عن رسول الله ﷺ قال "إن الله يقول: يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، يا عبدي إنك [¬٥] إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة، [ثم لقيتني] [¬٦] لا [¬٧] تشرك بي شيئًا [¬٨] لقيتك بقرابها مغفرة" تفرد به أحمد من هذا الوجه.
(الحديث الخامس) قال الإِمام أحمد (^٥١٨): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا أبي، حدَّثنا حسين
_________________
(١) - " المسند" (٤/ ٩٩) - ومن طريقه المزى فى "تهذيب الكمال" (٣٤/ ت ٧٥٥١) - وأخرجه النسائى (٧/ ٨١) ثنا محمد بن المثنى، والحاكم فى "المستدرك" (٤/ ٣٥١) من طريق بكار بن قتيبة، كلاهما (ابن المثنى وابن قتيبة) ثنا صفوان بن عيسى به، ورواه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (١٩/ ٨٥٨) من طريقين عن ثور بن يزيد به، و(١٩/ ٨٥٦، ٨٥٧) من طريقين عن أبي عون به، وقال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبى مع أن أبا عون وهو الأنصارى لم يوثقه غير ابن حبان والعجلى، وقال ابن حجر ﵀ فى "التقريب": "مقبول" يعنى إذا توبع، وقد تابعه راشد ابن سعد عن أبي إدريس به، رواه من هذا الوجه أَبو نعيم فى "الحلية" (٦/ ٩٩) من طريق طلحة بن زيد عن الأوزاعى عن ثور عن راشد به، وقال أَبو نعيم: "لم نكتبه إلَّا من حديث طلحة من حديث الأوزاعى عن ثور" وطلحة بن زيد هذا هو القرشى "متروك" وقال أحمد وعلى وأَبو داود: "كان يضع" كذا فى "التقريب" وعليه فهذا الحديث بهذا الإسناد لا يثبت، والله أعلم.
(٢) - " المسند" (٥/ ١٥٤) وشهر بن حوشب مختلف فيه وفى "التقريب": صدوق كثير الإرسال والأوهام، والحديث ذكره السيوطى فى "الدر النثور" (٢/ ٣٠٣) وعزاه إلى أحمد وابن مردويه.
(٣) - " المسند" (٥/ ١٦٦) وأخرجه البخارى، كتاب اللباس، باب: الثياب البيض (٥٨٢٧) = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "و". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "تميم". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ما لم". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٠١ ]
عن ابن بريدة: أن يحيى بن يعمر حدثه، أن أبا الأسود الدّيلي حدثه، أن أبا ذر حدثه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقال: "ما من عبد قال لا إله إلَّا الله، ثم مات على ذلك إلَّا دخل الجنَّةَ". قلت وإن زنى وإن سرق، قال: "وإن زنى وإن سرق"، قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: "وإن زنى وإن سرق" ثلًاثا، ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر" قال: فخرخ أَبو ذرٍّ وهو يجر إزاره وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر، وكان أَبو ذرٍّ يحدث بهذا بعد ويقول: وإن رغم أنف أبي ذر. أخرجاه من حديث حسين، به
(طريق [¬١] أخرى [لحديث أبي ذر] [¬٢] قال أحمد (^٥١٩): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن زيد ابن وَهْب، عن أبى ذر قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ في حرة المدينة عشاء ونحن ننظر إلى أحد فقال: "يا أبا ذر". قلت [¬٣]: لَبَّيكَ يا رسول الله، قال [¬٤]: "ما أحب أن لي أحدًا ذاك عندي ذهبًا أمسى ثالثة وعندي منه دينارًا إلَّا دينارًا [¬٥] أرصده - يعني لدين إلَّا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا [¬٦] فحثا [¬٧] عن يمينه [وعن يساره وبين يديه] [¬٨] ". قال: ثم مشينا. فقال: "يا أبا ذر إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلَّا من قال هكذا وهكذا فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره" قال: ثم مشينا. فقال: "يا أبا ذر، كما أنت حتَّى آتيك". قال: فانطلق حتَّى توارى عني، قال: فسمعت لغطًا، فقلت: لعل رسول الله ﷺ عرض له. قال: فهممت أن أتبعه، [قال: فذكرت] [¬٩] قوله: "لا برح حتى آتيك" فانتظرته حتَّى
_________________
(١) = ثنا أَبو معمر ثنا عبد الوارث به، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّةَ (١٥٤) (٩٤) حدثنى زهير بن حرب وأحمد بن خراش قالا: حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث به.
(٢) - " المسند" (٥/ ١٥٢) وأخرجه مسلم، كتاب الزكاة، باب: الترغيب فى الصدقة (٣٢) (٩٤) من طرق عن أبي معاوية به. وأخرجه أحمد أيضًا (٥/ ١٦١) والبخارى، كتاب الاستقراض، باب: أداء الديون (٢٣٨٨) وكتاب الاستئذان، باب: من أجاب بـ "لَبَّيكَ وسعديك" (٦٢٦٨) وكتاب الرقاق، باب: قول النبيّ ﷺ: "ما يسرنى أن عندى مثل أحُدٍ هذا ذهبًا" (٦٤٤٤) وانظر باقى أطرافه عند رقم (١٢٣٧)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (١١١٩) من طرق عن الأعمَش به. [¬١]- في خ: "طريقة". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "عنه". [¬٣]- في ز: "فقلت". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "دينار". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: "وحثا". [¬٨]- ما بين المعكوفتين فى ز: "وبين يديه وعن يساره". [¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز: "ثم ذكرت".
[ ٤ / ١٠٢ ]
جاء، فذكرت له الذي سمعت. فقال: "ذاك جبريل أتانى فقال: من مات من أمّتك لا يشرك باللَّه شيئًا دخل الجنة". قلت: وإن زنى وإن سرق، قال: "وإن زنى وإن سرق".
أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمَش به: قد رواه البخاري ومسلم (^٥٢٠) أيضًا كلاهما عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وَهْب، عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي؛ فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده و[¬١] ليس معه إنسان. قال: فظننت أنَّه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني فقال: "من هذا"؟ فقلت: أبو ذر جعلني الله فداك. قال: "يا أبا ذر، تعال [¬٢] " قال: فمشيت معه ساعة فقال لي [¬٣]: "إن المكثرين هم المقلون وم القيامة إلَّا من أعطاه الله خيرًا، فنفخ [¬٤] فيه عن [¬٥] يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرًا" قال: فمشيت معه [¬٦] ساعة فقال لي: "اجلس هاهنا" [] [¬٧] فأجلسني في قاع حوله حجارة فقال لي: "اجلس هاهنا حتَّى أرجع إليك". قال: فانطلق في الحرة حتَّى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، حتَّى [¬٨] إني سمعته وهو مقبل، وهو يقول: "وإن سرق وإن زنى" قال: فلما جاء لم أصبر حتَّى قلت: يا نبي الله جعلني الله فداءك من تكلمه [¬٩] في جانب الحرة؛ [ما سمعت أحدًا يرجع إليك شيئا؟ قال: ذلك جبريل عرض لي من جانب الحرة] [¬١٠] فقال: "بشر أمّتك [] [¬١١] من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّةَ، قلت: يا جبريل: وإن سرق وإن زنى؟ قال: نعم، قلت: وإن سرق وإن زنى. قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنى. قال: نعم وإن شرب الخمر".
(الحديث السادس) فال عبد بن حميد في مسنده (^٥٢١): أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن
_________________
(١) - أخرجه البخارى، كتاب الرقاق، باب: المكثرون هم المُقِلُّون (٦٤٤٣)، ومسلم، كتاب الزكاة، باب: الترغيب فى الصدقة (٢٣) (٩٤) كلاهما حدَّثنا قتيبة بن سعيد به.
(٢) - " المنتخب" من مسنده (رقم ١٠٦٠) وأخرجه أحمد فى "المسند" (٣/ ٣٩١، ٣٩٢) ثنا = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "تعاله". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "فنفح". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: "قال". [¬٨]- في ت: "ثم". [¬٩]- في ز: "تكلم". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز، خ. [¬١١]- ما بين المعكوفتين فى ز: "أنه".
[ ٤ / ١٠٣ ]
ابن أبي ليلى، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: جاء رجل إِلى رسُول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما الموجبتان؟ قال: " من مات لا يشرك باللِّه شيئًا وجبت له الجنَّةَ، ومن مات يشرك بالله شيئًا وجبت له النار": [تفرد به من هذا الوجه، وذكر تمام الحديث] [¬١].
(طريق [¬٢] أخرى) قال ابن أبي حاتم (^٥٢٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا [الحسن بن] [¬٣] عمرو بن خلاد الحراني، حدَّثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدَّثنا موشى بن عبيدة الربذي [¬٤]، أخبرني عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من نفس تموت لا تشرك بالله شيئا إلَّا حلت لها المغفرة إن شاء اللَّه عذبها، وإن شاء غفر لها، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ".
ورواه الحافظ أَبو يعلى في مسنده (^٥٢٣) من حديث موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، [عن جابر] [¬٥]: أن النبي ﷺ قال: "لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب". قيل: يا نبي الله وما الحجاب؟ قال: "الإشراك بالله. قال: ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئًا إلَّا حلت لها [¬٦] المغفرة من الله تعالى إن يشأ أن يعذبها، وإن يشاء أن يغفر لها [غفر لها] [¬٧] "، ثم قرأ نبي الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
_________________
(١) = النضر ابن إسماعيل أَبو المغيرة، ثنا ابن أبي ليلى به، وإسناده ضعيف لعنعنة أبي الزبير وضعف ابن أبي ليلى وهو محمد بن عبد الرحمن، لكن أخرجه أحمد (٣/ ٣٩١)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب: من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنَّةَ (١٥١) من طريق الأعمَش عن إبى سفيان عن جابر به نحوه.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢٥) وموسى بن عُبيدة الربذى "ضعيف" وأخوه عبد الله مختلف فيه، فوثقه يعقوب بن شيبة والدارقطنى، وقال النسائى: ليس به به بأس، وروى له البخارى فى "الصحيح" لكن ضعفه أحمد وابن معين وابن عدى، وقال ابن معين: "لم يسمع من جابر شيئًا" وانظر ما بعده.
(٣) - وعزاه إِلى أبى يعلى السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٣) ولم أهتد له فى مسنده المطبوع وكذا لم أجده فى "مجمع الزوائد" للهيثمى، فلعله فى مسند أبي يعلى "الكبير" والله أعلم. ورواه ابن أبي الدنيا فى "حسن الظن بالله" (رقم ٥٦) عن موسى بن عبيدة به، والحديث استنكره ابن عدى لموسى ابن عبيدة فأورده فى ترجمته من "الكامل" (٦/ ٢٣٣٤) مع أحاديث أخر: قال: "وهذه الأحاديث = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "ذكر تمام الحديث وتفرد به من هذا الوجه". [¬٢] في خ: "طريقة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ت: "ابن". [¬٤] في خ: "التِّرمِذي". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز، خ. [¬٦]- في ز: "له". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٤ / ١٠٤ ]
(الحديث السابع) قال الإِمام أحمد (^٥٢٤): حدثت أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه: سلم: "من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنَّةَ". تفرد به من هذا الوجه.
(الحديث الثامن) قال الإِمام أحمد (^٥٢٥): حدثنا حسن بن موسى، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا أَبو قبيل، عن [عبد الله بن ناشر] (*) من بني سريع قال: سمعت أبا رهم قاص أهل الشام يقول: سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول: إن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم: "إن ربكم ﷿ خيرني بين سبعين ألفًا يدخلون الجنَّةَ عفوًا [¬١]، بغير حساب، وبين الخبيئة [¬٢] عنده لأمتي". فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله أيخبأ ذلك ربك؟ فدخل رسول الله ﷺ [ثم خرج] [¬٣] وهو يكبر فقال: "إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفًا والخبيئة عنده". قال أُبو رهم: يا أبا أيوب، وما تظن خبيئة رسول الله صلى الله عليه: سلم؟ فأكله الناس بأفواههم. فقالوا: وما أنت وخبيئة رسول الله ﷺ. فقال أبو أيوب: دعوا الرجل عنكم، أخبركم عن خبيئة رسول الله ﷺ كما أظن، بل كالمستيقن إن خبيئة رسول الله ﷺ أن يقول: "من شهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله مصدقًا لسانه قلبه أدخله [¬٤] الجنَّةَ".
_________________
(١) = التى ذكرتها لموسى بن عبيدة بأسانيدها مختلفة عامتها مما ينفرد بها عمن يرويها عنه وعامتها متونها غير محفوظة وله غير ما ذكرت من الحديث، والضعف على رواياته بين".
(٢) - " المسند" (٣/ ٧٩) وأخرجه عبد بن حميد فى "المنتخب" (٨٩٠) ثنا أَبو نعيم به، وأخرجه أَبو يعلى (٢/ رقم ١٠٢٦)، والبزار (١/ رقم ٦) "كشف الأستار" من طريقين عن زكريا بن أبي زائدة به، وقال البزار: "لا نعلم رواه عن عطية أثبت من زكريا، غير أن عطية العوفى مجمع على ضعفه كما قال الذهبى فى "الميزان" ولم يرو له أى من الشيخين، مع هذا فقد قال الهيثمى فى "المجمع" (١/ ٢٢، ٢٣): "رواه أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح"!! والحديث لم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٣) لغير أحمد. (*) كذا في المسند وأطراف ابن حجر، والذي في المجمع والحلية والكبير للطبراني "عباد بن ناشرة"
(٣) - " المسند" (٥/ ٤١٣) وأخرجه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (٤/ رقم ٣٨٨٢) وعنه أَبو نعيم فى "الحلية" (١/ ٣٦٢، ٣٦٣) ثنا أحمد بن حمَّاد بن زغبة ثنا سعيد بن أبي مريم ثنا ابن لهيعة به، غير أنَّه سمى شيخ أبي قبيل "عباد بن ناشرة" وقال أَبو نعيم: "هذا حديث غريب تفرد به أَبو قبيل عن عباد: حدَّث به الكبائر عن سعيد بن أبي مريم مثل محمد: سهل بن عسكر وأشكاله" وذكره الهيثمى = [¬١]- في ز: "غفرًا". [¬٢]- فى ز: "الخبيئة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "فخرج". [¬٤]- في ز، خ: "فأدخل".
[ ٤ / ١٠٥ ]
(الحديث التاسع) قال ابن أبي حاتم (^٥٢٦): حدَّثنا أبي، [حدَّثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدَّثنا] [¬١] عيسى بن يونس (ح) وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني - فيما كتب إليَّ - قال: حدَّثنا عيسى بن يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن [أخي أبي] [¬٢] أيوب الأنصاري [¬٣]، عن أبي أيوب [] [¬٤] قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال "وما دينه"؟ قال: يصلي ويوحد اللَّه تعالى. قال "استوهب منه دينه، فإن أَبى فابتعه منه" فطلب الرجل ذاك [¬٥] منه فأبى عليه، فأتى النبي ﷺ فأخبره. فقال: "وجدته شحيحًا في دينه" قال: فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
(الحديث العاشر) قال الحافظ أبو يعلى (^٥٢٧): حدَّثنا عمرو بن الضحاك، حدَّثنا أبي، حدَّثنا مستور أَبو همام الهنائي، حدَّثنا ثابت، عن أَنس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما تركت حاجة ولا داجة [¬٦] إلَّا قد أتيت، قال: "أليس تشهد أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول اللَّه؟ " ثلاث مرات قال نعم، قال "فإن ذلك يأتي على ذلك كله ".
(الحديث الحادي عشر) قال الإِمام أحمد (^٥٢٨): حدَّثنا أبو عامر، حدَّثنا عكرمة بن عمار،
_________________
(١) = فى "المجمع" (١٠/ ٧٨٣) وقال: "رواه أحمد والطبرانى وفيه عباد بن ناشرة من بنى سريع ولم أعرفه وابن لهيعة ضعفه الجمهور" وذكره أيضا فى (١٠/ ٤٠٩) وقال: "رواه أحمد والطبرانى وفى إسنادهما ضعف".
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢٤): وأخرجه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (٤ / رقم ٤٠٦٣) ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل ثنا أحمد بن جناب المصيصى ثنا عيسى بن يونس به، وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ٨) وقال: "رواه الطبراني: فيه واصل بن السائب وهو ضعيف، وهو مُعَلٍّ قبل بشيخه أبي سورة فقد ضعفه ابن معين والترمذى والدراقطني وقال البخارى: "منكر الحديث" يروى عن أبي أيوب مناكير، لا يتابع عليه" والحديث له يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٢) لغير ابن أبي حاتم والطبراني.
(٣) - مسند أبي يعلى (٦ / رقم ٣٤٣٣) إسناده صحيح وتصحف فى "المسند" "مستور" إلى "مستورد" وعمرو بن الضحاك هو ابن مخلد الشيبانى، ويأتى تخريج الحديث بأوسع مما هنا فى سورة هود / آية ١١٤.
(٤) - " المسند" (٢/ ٢٣٣) وأخرجه أيضًا (٢/ ٣٦٢)، وأبو داود، كتاب الأدب، باب: فى = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "أبي أخي". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "الأنصاري". [¬٥]- في ز: "ذلك". [¬٦]- في ت: "ذا حاجة".
[ ٤ / ١٠٦ ]
عن ضمضم بن جوش اليمامي [¬١] قال: قال لي أَبو هريرة: يا يمامي [¬٢] لا تقولنَّ لرجل والله [¬٣] لا يغفر الله لك، أو [¬٤] لا يدخلك الجنَّةَ أبدًا. قلت: [يا أبا هريرة] [¬٥] إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب، قال: لا تقلها؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٦]: "كان في بني إِسرائيل رجلان أحدهما مجتهد في العبادة، وكان الآخر مسرفًا على نفسه وكانا متآخيين، وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على الذنب [¬٧] فيقول: يا هذا أقصر، فيقول: خلني وربي أبعثت عليَّ رقيبًا قال [¬٨]: إلى أن رآه يومًا على ذنب استعظمه، فقال له [¬٩]: ويحك أقصر، قال [¬١٠]: خلني وربي أبعثت على رَقيبًا، فقال: والله لا يغفر الله [¬١١] لك أو لا يدخلك الله الجنَّةَ أبدًا، قال: فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما واجتمعا عنده. فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنَّةَ برحمتي، وقال للآخر أكنت بي [¬١٢] عالمًا، أكنت على ما في يدي قادرًا اذهبوا به إلى النار، قال: فو الذي نفس أبي القاسم بيده إنه [¬١٣] لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته".
و[¬١٤] رواه أَبو داود من حديث عكرمة بن عمار حدثني ضمضم بن جوش، به.
(الحديث الثاني عشر) قال الطبراني (^٥٢٩): حدَّثنا أَبو الشيخ [¬١٥]، [محمد بن الحسين] (*)
_________________
(١) = النهى عن البغى (٤٩٠١) وابن المبارك فى "الزهد" (رقم ٩٠٠) ومن طريقه البغوى فى "شرح السنة" (١٤/ ٤١٨٧) والمزى فى "تهذيب الكمال" (١٣/ ٣٢٦/ ت ضمضم بن جوس) عن عكرمة به، وإسناده حسن للخلاف فى عكرمة بن عمار، وهو "صدوق فى غير روايته عن يحيى بن أبي كثير".
(٢) - " المعجم الكبير" للطبراني (١١/ ١١٦١٥) وأخرجه عبد بن حميد فى "المنتخب" (رقم ٦٠٢)، والبيهقى فى "الأسماء والصفات" (٢/ رقم ٢٤٧)، والبغوى فى "شرح السنة" (١٤/ ٣٨٨) من طريق إبراهيم ابن الحكم له، وإبراهيم ضعيف كما فى "التقريب" وتابعه حفص بن عمر العدنى، ثنا الحكم به، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٤/ ٢٦٢) وقال: "حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبى بأن حفص بن عمر العدنى واه. والحديث ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٣) وعزاه إلى الطبراني والبيهقى. (*) في الأصول: عن محمد بن الحسن. [¬١]- في ز: "الهماني"، خ: "عن الهلالي". [¬٢]- في ز: "يماني". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "و". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "يا رسول الله"، وسقط من: خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: "ذنب". [¬٨]- سقط من: ت. [¬٩]- سقط من: خ. [¬١٠]- في ز: "فيقول". [¬١١]- سقط من: ت. [¬١٢]- سقط من: ز، خ. [¬١٣]- سقط من: ز، خ. [¬١٤]- سقط من: ز. [¬١٥]- في ز: "شيخ".
[ ٤ / ١٠٧ ]
ابن عجلان الأصبهانى، حدَّثنا سلمة بن شبيب حدَّثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس عن رسول الله ﷺ قال [¬١] "قال الله ﷿: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب [¬٢] غفرت له ولا أبالي ما لم يشرك بي شيئًا".
(الحديث الثالث عشر) قال الحافظ أَبو بكر البزار والحافظ أَبو يعلى (^٥٣٠): حدَّثنا هدبة - هو ابن خالد - حدَّثنا سهيل [¬٣] بن أبي حازم [¬٤]، عن ثابت، عن أَنس قال: قال رسول الله ﷺ: "من وعده الله على عمل ثوابًا فهو منجزه له، ومن توعده [¬٥] على عمل عقابًا فهو فيه بالخيار" تفردا به.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٣١): حدَّثنا بحر بن نصر الخولاني، حدَّثنا خالد - يعني ابن عبد الرحمن الخراساني - حدَّثنا الهيثم بن جماز عن سلام بن أبي مطيع، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عمر قال: كنا أصحاب النبيّ ﷺ لا نشك في قاتل النفس؛ وآكل مال اليتيم وقاذف [¬٦] المحصنات؛ وشاهد [¬٧] الزور حتَّى نزلت هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءً﴾ فأمسك أصحاب النبي ﷺ عن الشهادة، ورواه ابن جرير من حديث الهيثم بن جمَّازٍ [¬٨]، به. وقال ابن
_________________
(١) - أخرجه البزار (٢/ رقم ٢٢٠٤) مختصر الزوائد لابن حجر ﵀، وأَبو يعلى فى مسنده (٦/ ٣٣١٦) ثنا هدبة به، وأخرجه ابن عدى فى "الكامل" (٣/ ١٢٨٨) - من طريق أبي يعلى وغيره - وابن أبي عاصم فى "السنة" (٢/ ٩٦٠) والطبرانى فى "الأوسط" (٨/ ٨٥١٦)، والبيهقى فى "البعث والنشور" (رقم ٤٥) وغيرهم - راجع "الصحيحة" للألبانى (٥/ ٢٤٦٣) - كلهم من طريق هدبة بن خالد به، وقال الطبرانى: "لم يرو هذين الحديثين إلا سهيل بن أبي حزم، تفرَّد بهما هُدبة" قال البزار: "سهيل لا يتابع على حديثه" وقال البيهقى: "تفرد به سهيل وليس بالقوى" وبه أعله الألبانى فقال: "إسناده ضعيف، رجاله كلهم ثقات، غير سهيل هذا فهو ضعيف كما فى "التقريب" وقد ضعفه الجمهور" ثم قال: "والحديث مع ضعف إسناده فهو ثابت المتن". يعنى لشواهده فراجعها ثمة وبالله التوفيق.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢٦)، وأخرجه ابن جرير (٨/ ٩٧٣٢) حدثنى محمد بن خلف العسقلاني، حدَّثنا آدم، حدَّثنا الهيثم بن جمَّاز به، وإسناده ضعيف لضعف الهيثم هذا فقد ضعفه أحمد وابن معين والنسائى وغيرهم، وهو مترجم فى "لسان الميزان" (٦/ ت ٩٠٣٣) وانظر ما بعده. [¬١]- في ز: "فقال". [¬٢]- في ز، خ: "الذنب". [¬٣]- في ت: "سهل". [¬٤]- في ز: "حزم". [¬٥]- في ز، خ: "وعده". [¬٦]- في ز: "وقذف". [¬٧]- في ز: "وشهادة". [¬٨]- في ت: "حماد".
[ ٤ / ١٠٨ ]
أبي حاتم أيضًا (^٥٣٢): حدَّثنا عبد الملك بن أبي عبد الرحمن المقري حدَّثنا [عبد الله بن عاصم، حدَّثنا صالح - يعني المرى أَبو بشر] [¬١] عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا لا نشك فيمن أوجب الله له النار في الكتاب حتَّى نزلت علينا هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال: فلما سمعناها كففنا عن الشهادة وأرجينا الأمور إلى الله - عَزَّوَجّلَ -.
وقال البزار حدَّثنا (^٥٣٣): محمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا شيبان بن أبي شيبة، حدَّثنا حرب بن سُريج، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتَّى سمعنا نبينا ﷺ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: "أخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة" وقال أَبو جعفر الرازي، عن الربيع، أخبرني مُجَبَّر [¬٢]، عن عبد الله بن عمر: أنَّه قال: لما نزلت ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قام رجل فقال: والشرك بالله [¬٣]، يا نبي الله؟ فكره ذلك رسول الله صلى الله
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢١) ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٢) من هذه الطَّرِيقِ لغير ابن أبي حاتم، وصالح بن بشير المرى أَبو بشر ضعيف كما فى "التقريب" لكن تابعه حرب بن سريج عن أيوب به نحوه، وهو الآتى.
(٢) - كما فى "مختصر زوائد البزار" لابن حجر ﵀ (٢ / رقم ٢٢١٩) وأخرجه ابن أَبى عاصم فى "السنة" (٢/ رقم ٨٣٠)، وأَبو يعلى فى مسنده (١٠/ ٥٨١٣) - ومن طريقه وطريق غيره ابن عدى فى "الكامل" (٢/ ٨٢٥) - والطبراني فى "الأوسط" (٦/ ٥٩٤٢) كلهم من طريق شيبان به، وقال ابن عدى: "هذا لا يرويه عن أيوب بهذا الإسناد غير حرب بين سريج" وقال الطبرانى: "لم يرو هذا الحديث عن أيوب السختيانى إلَّا حربُ بن سُرَيج، تفرد به شيبان" وهو صدوق غير أن شيخه حرب بن سُريج مختلف فيه فقال أَبو الوليد الطيالسي وأحمد وابن عدى: "ليس له بأسًا ووثقه ابن معين، وقال الدارقطني: صالح، لكن قال البخارى: "فيه نظر" وقال أَبو حاتم: "ينكر عن الثقات، ليس بقوى" وقال ابن حبان: "يخطئ كثيرًا حتَّى خرج عن حد الاحتجاج إذا انفرد" وفى "التقريب": صدوق يخطئ ومع هذا فقد أطلق توثيقه الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ٨) فذكر هذا الحديث وقال: "رواه أَبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة" ثم ضبطه فى موضع آخر فقال -: (١٠/ ٢١٣، ٢١٤): رواه البزار وإسناده جيد. ولم يجزم به في موضع ثالث (١٠/ ٣٨١) فقال: "رواه الطبرانى فى "الأوسط" وفيه حرب بن سريج وقد وثقه غير واحد وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح" غير أن الحديث وقع فى هذا الموضع من مسند ابن عبَّاس وهو خطأ لأن الذى فى "الأوسط" هو حديث ابن عمر، وعلى الرغم من الخلاف فى "حرف بن سريج" فقد صحح الإسناد السيوطى = [¬١]- في ت: "عبد الله بن عاصم يعني المرى أَبو بشر حدَّثنا صالح". [¬٢]- في خ: "مخبر". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٠٩ ]
تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ رواه ابن جرير (^٥٣٤)، وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر.
وهذه الآية التي في سورة "تنزيل" مشروطة بالتوبة، فمن تاب من أي ذنب وإن تكرر منه تاب الله عليه، ولهذا ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ أي: بشرط التوبة، ولو لم يكن كذلك لدخل الشرك فيه، ولا يصح ذلك؛ لأنه تعالى قد حكم [¬١] هاهنا بأنه لا يغفر الشرك، وحكم بأنه يغفر ما عداه لمن يشاء، أي: وإن لم يتب صاحبه فهذه أرجى من تلك من هذا الوجه والله أعلم.
وقوله ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ كقوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وثبت في الصحيحين (^٥٣٥) عن ابن مسعود أنَّه قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" وذكر تمام الحديث. وقال ابن مردويه (^٥٣٦): حدَّثنا إسحاق ابن إبراهيم بن زيد، حدَّثنا أحمد بن عمرو، حدَّثنا إبراهيم بن المنذر، حدَّثنا معن، حدَّثنا سعيد ابن بشير، حدَّثنا قتادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين: أن رسول الله ﷺ قال:
_________________
(١) = فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٢) وزاد عزوه إلى ابن الضريس وابن المنذر!!.
(٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٣٠) حدثنى المثنى قال: حدَّثنا إسحاق قال: حدَّثنا ابن أبي جعفر عن أبيه به، وأخرجه ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٢٢) حدَّثنا أبي ثنا أحمد بن عبد الرحمن، ثنا عبد الله بن أبي جعفر به. ومُجَبَّر لقب واسمه "عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأصغر بن عمر بن الخطاب" وهو ابن أخى عبد الله بن عمر ترجم له الشيخ أَبو الأشبال فى الحاشية ترجمة وافية ثم خلص إلى أنَّه "تابعى عرف شخصه، ولم يذكر بجرح، فأقل حالاته أن يكون حديثه حسنًا" غير أن عبد الله بن أبي جعفر وأباه متكلم فيهما؛ وسم الحافظ الأول بأنه "صدوق يخطئ" والثانى "صدوق سيئ الحفظ" والخبر لم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٢) لغير ابن جرير وابن أبي حاتم.
(٣) - تقدم تخريجه في سورة البقرة / آية ٢٢.
(٤) - وأخرجه ابن أبي حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٤٢٩) من طريق محمد بن بكار، والطبرانى فى "المعجم الكبير" (١٨/ ٢٩٣) من طريق أبي الجماهر محمد بن عثمان التنوخى، والحارث بن أبي أسامة فى مسنده كما فى "زوائد الهيثمى" (رقم ٢٤) والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٨/ ٢٠٩) من طريق عمر ابن سعيد الدمشقى، ثلاثتهم (ابن بكار وأَبو الجماهر والدمشقى) ثنا سعيد بن بشير به، وسعيد بن بشير ضعيف، وتابعه من هو مثله؛ فأخرجه البخارى فى "الأدب المفرد" (رقم ٣٠) والرويانى فى مسنده (١/ رقم ٨٦) من طريق الحسن بن بشر، نا الحكم بن عبد الملك عن قَتَادة به، والحديث مُعَلٌّ قبل ذلك بعنعنة الحسن وقتادة، قال الهيثمى فى "المجمع" (١/ ١٠٨): "رواه الطبرانى فى "الكبير" = [¬١]- في ز: "حتم".
[ ٤ / ١١٠ ]
"أخبركم بأكبر الكبائر: الشرك بالله، ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، وعقوق الوالدين، ثم قرأ ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ".
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾
قال الحسن وقتادة: نزلت هذه الآية، وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ في اليهود والنصارى، حين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه.
[وقال ابن زيد: نزلت في قولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [¬١] وفي قولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾.
وقال مجاهد: كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم.
وكذا قال عكرمة وأبو مالك، وروى ذلك ابن جرير (^٥٣٧).
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾: وذلك أن اليهود قالوا: إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وسيشفعون [¬٢] لنا [¬٣]، ويزكوننا، فأنزل الله على محمد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ
_________________
(١) = ورجاله ثقات إلا أن الحسن مدلس وعنعنه" وأعله البيهقى بعلة أخرى فقال: "تفرد به عمر بن سعيد الدمشقى -وهو متابع كما تقدم- وهو منكر الحديث، إنما يعرف من حديث النعمان بن مرة مرسلًا" ثم أخرجه من طريق الشافعى -[وهو فى مسنده (١/ ٢٩٣)،- عن مالك [وهو فى الموطأ (١/ ١٥٣)] عن يحيى بن سعيد عن النعمان بن مرة بالزيادة الأولى المشار إليها هنا.
(٢) - انظر تفسير ابن جرير (٨/ ص ٤٥٢، ٤٥٣). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "ويشفعون". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١١١ ]
فَتِيلًا﴾. و[¬١] رواه ابن جرير (^٥٣٨).
وقال ابن أبي حاتم (^٥٣٩): حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفي، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشير [¬٢] بن أبي عمرو [¬٣]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان [¬٤] اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم، ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب، وكذبوا، قال الله: إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له، وأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
ثم قال: وروي عن مجاهد وأبي مالك والسدي وعكرمة والضحاك نحو ذلك.
وقال الضحاك: قالوا: ليس لنا ذنوب، كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ فيهم] [¬٥].
وقيل: نزلت في ذم التمادح [¬٦] والتزكية [¬٧].
[وقد جاء في الحديث الصحيح] [¬٨] عند [¬٩] مسلم (^٥٤٠)، عن المقداد بن الأسود قال: أمرنا رسول الله ﷺ ان نحثوَ في وجوه المداحين [¬١٠] التراب.
وفي [الحديث الآخر المخرج في] [¬١١] الصحيحين (^٥٤١)، من طريق خالد الحذاء، عن
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٧٤٣) بإسناد مسلسل بالضعفاء أولهم العوفى.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٤٣٠) ورجاله ثقات حاشا ابن لهيعة؛ فإنه سيئ الحفظ. وقد تصحف فى تفسير ابن أبى حاتم ونسخة "ز" فى تفسير ابن كثير "بشير بن أبى عمرو" إلى "بشير بن أبى عمرة" وانظر "التهذيب" (٦/ ٢٣٥/ الرسالة).
(٣) - صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب: النهى عن المدح إذا كان فيه إفراط (٦٨، ٦٩) (٣٠٠٢) وكذا أخرجه أحمد (٦/ ٥)، وأبو داود (٤٨٠٤)، والترمذى (٢٣٩٣)، وابن ماجة (٣٧٤٢).
(٤) - صحيح البخارى، كتاب الشهادات، باب: إذا زكى رجلًا رجلًا كفاه (٢٦٦٢)، ومسلم = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ت: "بشر". [¬٣]- في ز: "عمرة". [¬٤]- في ز: "كانت". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "ذلك فيهم". [¬٦]- في ز، خ: "المتمادح". [¬٧]- في خ: "والزكية". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ت: "وفي صحيح". [¬٩]- زيادة من: خ. [¬١٠]- في ز، خ: "المادحين". [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت.
[ ٤ / ١١٢ ]
عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يثني على رجل، فقال: "ويحك! قطعت عنق صاحبك". ثم قال: " إن كان أحدكم مادحًا صاحبه لا محالة، فليقل: أحسبه كذا [¬١]، ولا يزكي على الله أحدًا".
و[¬٢] قال الإِمام أحمد (^٥٤٢): حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال: قال عمر ابن الخطاب: من قال: أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال هو عالم فهو جاهل، ومن قال: هو في الجنة فهو في النار.
ورواه ابن مردويه من طريق موسى بن عبيدة، عن صلحة بن عبيد الله بن كريز [¬٣]، عن عمر أنه قال: إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، فمن قال: إنه مؤمن فهو [¬٤] كافر [¬٥]، [ومن قال] [¬٦]: [إنه عالم] [¬٧] [فهو جاهل] [¬٨]: من قال هو [¬٩] في الجنة فهو في النار.
وقال الإمام أحمد (^٥٤٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة، عن
_________________
(١) = كتاب الزهد والرقائق، باب: النهى عن المدح إذا كان فيه إفراط (٦٥، ٦٦) (٣٠٠٠) وكذا أخرجه أحمد (٥/ ٤١، ٤٥، ٤٧)، وأبو داود (٤٨٠٥)، وابن ماجة (٣٧٤٤) من طرق عن خالد الحذاء به.
(٢) - لم أجده فى المسند، وقد أورده المصنف فى "مسند الفاروق" (٢/ ٥٧٤) من طريق حنبل بن إسحاق ثنا أحمد بن حنبل له، ورواه اللالكائى فى "شرح أصول الاعتقاد" (٥/ رقم ١٧٧٧) من طريق عثمان بن أحمد قال: نا حنبل به، ورجاله ثقات، غير أنه منقطع بين نعيم وعمر، ورواه ابن مردويه [أورده كذلك المصنف فى "مسند الفاروق" (٢/ ٥٧٣، ٥٧٤) ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا عبد الله بن داود عن موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبيد الله بن كَريز عن عمر، باللفظ المذكور أعلاه، وموسى بن عبيدة هو الربذى ضعيف، وطلحة بن عبيد الله لم يذكروا له سماعًا من عمر غير أن المصنف عضد أحد الطريقين بالآخر.
(٣) - " المسند" (٤/ ٩٣) وأخرجه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (١٩/ رقم ٨١٥) من طريق حجاج بن منهال به، وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٩٢) ثنا عفان، ثنا شعبة به، وأخرجه أيضًا (٤/ ٩٨)، والبيهقى فى "الشعب" (٤/ ٤٨٧٠) من طريق يزيد بن هارون، وأحمد (٤/ ٩٩) من طريق يعقوب بن إبراهيم، والطبرانى (١٩/ رقم ٨١٦، ٨١٧) من طريق إبراهيم بن حمزة ومنصور بن أبى مزاحم، أربعتهم (يزيد ويعقوب وإبراهيم ومنصور) نا إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد بن إبراهيم به مفرقا. وأخرجه ابن = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "كزير". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ز: "جاهل"، وسقط من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- مما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٩]- في ز، خ: "إنه".
[ ٤ / ١١٣ ]
سعد بن إبراهيم، عن معبد الجهني قال: كان معاوية قلما يحدث عن النبي ﵌، قال: وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح".
وروى ابن ماجة منه: "إياكم والتمادح فإنه الذبح" عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة به، ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عُليم [¬١] البصري القدري.
وقال ابن جرير (^٥٤٤): حدثنا ابن [¬٢] يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: قال عبد الله بن مسعود: إن الرجل ليغدو بدينه ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعًا ولا ضرًّا فيقول له [¬٣]: إنك [كنت والله] [¬٤] [كيت وكيت] [¬٥]، فلعله أن يرجع ولم يحظ [¬٦] من حاجته بشيء وقد أسخط الله. ثم قرأ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.
وسيأتي الكلام على ذلك مطولًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: المرجع في ذلك إنى الله ﷿؛ لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامضها.
_________________
(١) = أبى شيبة فى "المصنف" (٦/ ٢٠٦) وعنه ابن ماجة، كتاب الأدب، باب: المدح (٣٧٤٣) ثنا غندر محمد بن جعفر عن شعبة به مقتصرًا على قوله: "إياكم والتمادح … " وقال البوصيرى فى "الزوائد" (٣/ ١٨١): "إسناده حسن، معبد مختلف فيه، وباقى رجال الإسناد ثقات" وأقره الألبانى فأودعه فى "الصحيحة" (٣/ رقم ١٢٨٤).
(٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٧٤٤) ويحيى بن إبراهيم هو ابن محمد بن أبى عُبيدة بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودى، قال النسائى: "صدوق" وذكره ابن حبان فى "الثقات" مترجم فى "التهذيب" غير أن أباه وجدَّه لم أجد لهما ترجمة، وجدُّ هو أبو عبيدة عبد الملك بن معن، ثقة كما فى "التقريب". والخبر لم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٥) لغير ابن جرير. [¬١]- في ز، خ: "عوين". وفي ت: "عويم". خطأ. [¬٢]- سقط من: ت. [¬٣]- في ز: "والله"، وسقط من: ح. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط س: ر. [¬٥]- في ز، خ: "لديت وديت". [¬٦]- في ز، خ: "يحل".
[ ٤ / ١١٤ ]
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وغير واحد من السلف: هو ما يكون في شق النواة.
وعن ابن عباس أيضًا: هو ما فتلت بين أصابعك. وكلا القولين متقارب.
وقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أي: في تزكيتهم أنفسهم، ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ وقولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال [¬١] الآباء لا تجزي [¬٢] عن الأبناء شيئًا، في قوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ثم قال: ﴿وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ أي: وكفى بصنيعهم [¬٣] هذا كذبًا وافتراء ظاهرًا.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أما "الجبت"، فقال [محمد بن إسحاق] (^٥٤٥)، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب، أنه قال: "الجبت" السحر، و"الطاغوت" الشيطان.
وهكذا روي عن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد: عطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والشعبي والحسن والضحاك والسدي.
_________________
(١) - كذا وقع هنا "محمد بن إسحاق" وهو وهم أو خطأ من الناسخ، فالحبر معروف من رواية أبى إسحاق وقد ذكره المصنف بالصواب فيما تقدم سورة البقرة/ آية ٢٥٦. وأخرجه أيضًا ابن جرير (٥/ ٥٨٣٤. ٥٨٣٥)، (٨/ ٩٧٦٦، ٩٧٦٧)، وابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٤٣، ٥٤٤٩) وابن حجر فى "تغليق التعليق" (٤/ ١٩٦) من طرق عن أبى إسحاق به. وعلقه البخارى فى صحيحه، كتاب التفسير، سورة النساء، باب: رقم (١٠) عن عمر قال … فذكره. قال الحافظ فى "الفتح" (٨/ ٢٥٢): "وصله عبد بن حميد فى تفسيره، ومسدد فى مسنده، وعبد الرحمن بن رُسْتَه فى "كتاب الإيمان" كلهم من طريق أبى إسحاق عن حسان بن قائد عن عمر مثله، وإسناده قوى، وقد وقع التصريح بسماع أبى إسحاق له من حسان، وسماع حسان من عمر فى رواية رسته، وحسان بن فائد بالفاء عبسى بالموحدة، قال أبو حاتم: شيخ وذكره ابن حبان فى "الثقات". [¬١]- في ز: "عمل". [¬٢]- في ز: "يجزى". [¬٣]- في ز: "بصنعهم".
[ ٤ / ١١٥ ]
وعن ابن عباس وأبي العالية ومجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، وعطية: "الجبت" الشيطان. و[¬١] زاد ابن عباس: بالحبشية. وعن ابن عباس أيضًا: الجبت: الشرك. وعنه: "الجبت" الأصنام. وعن الشعبي: "الجبت" الكاهن. وعن ابن عباس: "الجبت" حيي بن أخطب. وعن مجاهد: "الجبت" كعب بن الأشرف.
وقال العلامة أبو نصر بن [¬٢] إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه "الصحاح": "الجبت" كلمة تقع على الصنم والكاهن [¬٣] والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث: "الطيرة والعيافة والطرق من الجبت". قال: وليس هذا من محض العربية؛ لاجتماع الجيم والتاء في [كلمة واحدة من غير حرف] [¬٤] ذَوْلَقِيّ [¬٥]. وهذا الحديث الذي ذكره رواه الإمام أحمد في مسنده فقال (^٥٤٦): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا عوف، عن [¬٦] حيان أبي العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه- وهو قبيصة بن مخارق- أنه سمع النبي ﷺ قال: "إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت".
و[¬٧] قال عوف: "العيافة" زجر الطير. "والطرق" الخط يخط في الأرض، "والجبت" - قال الحسن- إنه [¬٨] الشيطان.
وهكذا رواه أبو داود في سننه والنسائي، وابن أبي حاتم في تفسيرهما [¬٩] من حديث عوف الأعرابي به.
وقد تقدم الكلام على "الطاغوت" في سورة البقرة بما [¬١٠] أغنى عن إعادته هاهنا.
_________________
(١) -" المسند" (٥/ ٦٠) وأخرجه أيضًا (٣/ ٤٧٧)، أبو داود (٣٩٠٧، ٣٩٠٨)، والنسائى فى "التفسير" من "الكبرى" (٦/ ١١١٠٨)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٤٤٣) وغيرهم من طرق عن عوف الأعرابى به، وصححه ابن حبان (١٣/ ٦١٣١) وحسن إسناده النووى [كما فى "فيض القدر" للمناوى (٤/ ٣٩٦)، ورمز لصحته السيوطى فى "الجامع الصغير" مع أن الرواة اختلفوا فى إسناده عن عوف وهو ابن أبى جميلة الأعرابى، فقال بعضهم: حيان، لم ينسبه، وقال بعضهم: حيان أبى العلاء، وقال آخرون: حيان بن عمير، وقال آخر: حبان بن مخارق. وضعفه الألبانى لهذا الاضطراب فقال فى "غاية المرام" (ص ١٨٤): "وهذا اضطراب شديد يدل على أن الراوى لم يحفظ ولم يضبط، فكان دليلًا على ضعف الحديث، على أن بعض هذه الوجوه من الاضطراب يمكن= [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "والكافر". [¬٤]- في ز، خ: "حرف واحد". [¬٥]- في ز، خ: "لولقى". [¬٦]- في ز: "بن". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في ز: "رنة". [¬٩]- فى ر: "تفسيريهما". [¬١٠]- في ر: "له".
[ ٤ / ١١٦ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٥٤٧): حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله، أنه سئل عن الطواغيت فقال [¬١]: هم كهان تنزل عليهم الشياطين.
وقال مجاهد: الطاغوت: الشيطان في سورة إنسان [¬٢]، يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
وقال الإمام مالك: [] [¬٣] هو كل ما يعبد من دون الله ﷿.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أي: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.
وقد روى ابن أبي حاتم (^٥٤٨)، حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرى، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال [¬٤]: جاء حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد. فقالوا: ما أنتم وما محمد. فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا واتبعه سراق الحجيج بنو غفار، فنحن خير أم
_________________
(١) = إرجاعه إلى وجه واحد، فحيان أبو العلاء هو حيان فى عمير أبو العلاء البصرى القيسى، وهو ثقة كما قال النسائى وابن حبان، لكن قال إسحاق منصور عن أحمد: يحيى: ليس هو ابن عمير [يعنى راوى هذا الحديث] والآخرون لا يعرفون، والله أعلم".
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٥٢) ورجاله ثقات رجال مسلم، غير أن شيخ أبى حاتم وسمه الحافظ فى "التقريب" بأنه "صدوق يخطئ" ولم يرو له سوى أبى داود.
(٣) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٤١) ورواه الواحدى فى "أسباب النزول" (رقم ٣٢٠) من طريق عبد الجبار بن العلاء ثنا سفيان به، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أنه مرسل، وقد ورد موصولًا من هذه الطريق؛ فأخرجه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (١١/ ١١٦٤٥) ثنا المنتصر بن محمد بن المنتصر البغدادى ثنا يونس بن سليمان الحمال ثنا سفيان فى عيينة بن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس بنحوه، هكذا وقع بهذا الإسناد فى "المعجم" وفيه تصحيف قديم فى شيخ شيخ الطبرانى؛ ولذلك لم يعرفه الهيثمى فقال فى "المجمع" (٩/ ٧): "رواه الطبرانى فيه يونس بن سليمان الجمال ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح" وصوابه: "محمد بن يونس الجمال" فقد أخرجه البيهقى فى "الدلائل" (٣/ ١٩٣) من طريق أحمد بن علي الخزار أخبرنا محمد بن يونس بالإسناد السابق، ومحمد بن يونس هذا قال ابن عدى فى "الكامل" (٦/ ٢٢٨٢): "هو ممن يسرق حديث الناس" وفى = [¬١]- في ز: "قال". [¬٢]- في ز: "الإنسان". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "الطاغوت". [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١١٧ ]
هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى سبيلًا. فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾.
وقد روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف.
وقال الإِمام أحمد (^٥٤٩): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور [¬١] المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية. قال: أنتم يخر. قال: فنزلت فيهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ونزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ إلى ﴿نَصِيرًا﴾.
و[¬٢] قال ابن إسحاق (^٥٥٠): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق وأبو رافع والربيع [بن الربيع] [¬٣] بن أبي الحقيق، وأبو عمار [¬٤] ووحوح بن عمار [¬٥] وهوذة [¬٦] بن قيس. فأما وحوح، وأبو عمار [¬٧] وهوذة [¬٨] فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا [¬٩]: هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول، فسلوهم أدينكم خير أم دين محمد؟ فسألوهم، فقالوا: بل دينكم خير من دينه،
_________________
(١) = "التقريب" ضعيف ولم يثبت أن مسلمًا روى عنه" لكن صح الحديث من طريق آخر عن ابن عباس، وهو الآتى.
(٢) - لم أجده فى "المسند" وقد عزاه له أيضًا السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٦)، لكن لم يذكره الحافظ ابن حجر فى كتابه "أطراف المسند" وكذا الهيثمى فى "المجمع" وقد أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٧٨٦) و(٣٠/ ٣٣٠) وابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٤٠) والبزار كما سيذكره المصنف عند تفسير سورة الكوثر/ آية رقم ٣، وصحح إسناده، وكذا صححه أبو حاتم بن حبان (١٤/ ٦٥٧٢) كلهم من طريق محمد بن أبى عدى له.
(٣) - ومن طريقه رواه ابن هشام فى "السيرة" (٣/ ١٠٢٤)، وابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٧٩٢)، ومحمد بن أبى محمد وهو الأنصارى "مولى زيد بن ثابت، مدنى، مجهول، تفرد عنه ابن إسحاق" كذا فى "التقريب". [¬١]- في ز: "الصنبر". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "عامر". [¬٥]- في ز: "عامر". [¬٦]- في ز: "وهودة". [¬٧]- في ز: "عامر". [¬٨]- في ز: "وهودة". [¬٩]- في ز: "فقالوا".
[ ٤ / ١١٨ ]
وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ إلى قوله ﷿: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾.
وهذا لعن [¬١] لهم، وإخبار [¬٢] بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم وجاءوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي صلى الله عليه: سلم وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾
يقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ وهذا استفهام إنكار، أي: ليس لهم نصيب من الملك، ثم وصفهم بالبخل، فقال: ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي؛ لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لا أعطوا أحدًا من الناس، ولا سيما محمدًا ﷺ شيئًا ولا ما يملأ النقير، وهو النقطة التي في النواة، في قول ابن عباس والأكثرين.
وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي [¬٣] إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ أي: خوف [¬٤] أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاذه، وإنما هو من بخلكم وشحكم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ أي: بخيلًا.
ثم قال: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني: بذلك حسدهم النبي ﷺ على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.
_________________
(١) [¬١]- في ز: "لعنًا". [¬٢]- في ز: "وإخبارًا". [¬٣]- في ز: "ربك". [¬٤]- في ز: "خوفا".
[ ٤ / ١١٩ ]
و[¬١] قال الطبراني (^٥٥١): حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمى، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس فى [¬٢] قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال ابن عباس: نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل الذين هم من ذرية إبراهيم النبوة، وأنزلنا عليهم الكتاب، وحكموا فيهم بالسنن، وهى الحكمة، وجعلنا منهم [¬٣] الملوك، ومع هذا ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بهذا الإِيتاء وهذا [¬٤] الإنعام، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ أي: كفر به، وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم أي [¬٥]: من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد، ولست من بني إسرائيل؟
وقال مجاهد: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي: بمحمد ﷺ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾، فالكفرة منهم أشد تكذيبًا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين.
ولهذا قال متوعدًا لهم: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾
يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته، وصد عن رسله، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
_________________
(١) - " المعجم الكبير" للطبرانى (١١/ ١١٣١٣) وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ٩) وقال: "رواه الطبرانى، وفيه يحيى الحمانى وهو ضعيف" وقيس بن الربيع "صدوق تغير لما كبر" وزاد عزوه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣٠٩) إلى ابن المنذر. [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "فيهم". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٢٠ ]
كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾، أي: ندخلهم فيها دخولًا يحيط بجميع أجرامهم وأجزائهم. ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم فقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [قال الأعمش، عن ثوير، عن ابن عمر] [¬١]: إذا احترقت [¬٢] جلودهم بدلوا جلودًا غيرها [¬٣] بيضاء أمثال القراطيس. رواه ابن أبي حاتم (^٥٥٢).
وقال يحيى بن يزيد الحضرمي، أنه بلغه في قول الله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية: قال يجعل للكافر مائة جلد بين كل جلدين لون من العذاب. رواه ابن أبي حاتم (^٥٥٣).
وقال ابن أبي حاتم (^٥٥٤): حدثنا أبي، حدثنا على بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن، قوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ قال: تنضجهم [¬٤] في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين: وزاد فيه فضيل، عن هشام، عن الحسن: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [¬٥] قيل لهم: عودوا، فعادوا.
وقال أيضًا (^٥٥٥): ذكر عن هشام بن عمار، حدثنا سعيد بن يحيى (يعني سعدان)، حدثنا
yyy
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٩٢، ٥٤٩٤) ثنا على بن الحسين ثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن الأعمش به، ورواه ابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٨٣٣) ثنا ابن حميد، ثنا جرير به، ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١٠) لغيرهما. وثوير هو ابن فاختة "ضعيف رُمى بالرَّفض".
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٩٧) ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (١/ ٣١٢) لغيره.
(٣) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٩٦) ورواه ابن أبي شيبة فى "المصنف" (٨/ ٩٧) ثنا يزيد بن هارون، وابن جرير (٨/ ٩٨٣٧) من طريق أبى عبيدة الحداد، وابن أبى الدنيا فى "صفة النار" (رقم ١١٦، ١١٧، ٢٤٥، ٢٦٢) من طريق فضيل بن عياض وإسحاق بن يوسف، ورواه عبد الله بن اْحمد فى "زوائد الزهد" (ص ٣٢٩) من طريق فضيل بن عياض، أربعتهم (يزيد وأبو عبيدة وفضيل وإسحاق) عن هشام به، وزاد فضيل الزيادة المشار إليها أعلاه، ورواه نعيم بن حماد فى "زوائد زهد ابن المبارك" (رقم ٣٢٩) أنا رجل عن الحسن به، وزاد عزوه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١١) إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(٤) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٤٩٣) وأخرجه ابن عدى فى "الكامل" (٤/ ٢٥١٧) ثنا ابن حريم، والطبراني فى "الأوسط" (٥/ ٤٥١٧) وابن مردويه -كما قال المصنف- من طريق عبدان بن محمد المروزى، كلاهما (ابن حريم والمروزى) عن هشام بن عمار به، وقال الطبرانى: "لا يُروى هذا = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "أحرقت". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "ينضجهم". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم"، خ: "كلما نضجت لهم فأكلت لحومهم".
[ ٤ / ١٢١ ]
نافع مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر هذه الآية ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ فقال عمر: أعدها على. فأعادها، فقال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها: تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ.
وقد رواه ابن مردويه، عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار - به.
ورواه من وجه آخر بلفظ آخر فقال (^٥٥٦): حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال: تلا رجل عند عمر هذه الآية: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾. الآية: قال: فقال عمر: أعدها [¬١] على. وثَمَّ كعب، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام. قال: فقال: هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله ﷺ صدقناك وإلا لم ننظر إليها. فقال: إنى قرأتها قبل الإِسلام: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة. ففال عمر: هكذا سمعت من رسول الله ﷺ.
وقال الربيع بن أنس: مكتوب في الكتاب الأوّل: أن جلد أحدهم أربعون ذراعًا وسنه تسعون ذراعًا، وبطه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودًا غيرها.
_________________
(١) = الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به هشام بن عمار" وهو صدوق فى حديثه القديم، غير أن نافعًا مولى يوسف السلمى هذا ضعفه أحمد وجماعة، وكذبه ابن معين فى رواية، وقال أبو حاتم: متروك. وقال النسائى: ليس بثقة. مترجم فى "لسان الميزان" واستنكر له ابن عدى هذا الحديث مع عدة أحاديث أخر وقال: "ولنافع أبو هرمز غير ما ذكرت، وعامة ما رويه غير محفوظ والضعف على روايته بيِّنٌ" وبه أعله الهيثمى فقال فى "المجمع" (٧/ ٩): "رواه الطبرانى فى "الأوسط" وفيه نافع مولى يوسف السلمى وهو متروك" وذكره المصنف فى "مسند الفاروق" (٢/ ٥٧٤) من طريق ابن أبى حاتم وفال: "حديث غريب من هذا الوجه" وعزاه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١٠) إلى "الطبرانى فى "الأوسط" وابن أبى حاتم وابن مردويه بسند ضعيف. وانظر ما بعده.
(٢) - وعزاه لابن مردويه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١١) ورواه أبو نعيم فى "الحلية" (٥/ ٣٧٤، ٣٧٥) ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا ابرإهيم بن محمد بن الحارث به، وفيه نفس علة السابق؛ وهى ضعف "نافع أبي هرمز" ولاحظ اضطرابه فى اسم مفسرها فى مجلس عمر. [¬١]- في ز: "أعده".
[ ٤ / ١٢٢ ]
وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، فقال الإِمام أحمد (^٥٥٧)، حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبى ﷺ قال: "يعظم أهل النار في النار حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعًا، وإن ضرسه مثل أحد".
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
وقيل: المراد بقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ أي: سرابيلهم. حكاه ابن جرير، وهو ضعيف؛ لأنه خلاف الظاهر.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن التى [تجري فيها] [¬١] الأنهار في جميع فجاجها، ومحالها [¬٢] وأرجائها حيث شاءوا، وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدًا، لا يحولون ولا يزولون، ولا يبغون عنها حولًا.
وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي: من الحيض والنفاس والأذى [والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة. كما قال ابن عباس: مطهرة من الأقذار والأذى] [¬٣]. وكذا قال عطاء والحسن والضحاك والنخعي وأبو صالح وعطية والسدي.
_________________
(١) - " المسند" (٢/ ٢٦) (رقم ٤٨٠٠/ شاكر) ورواه ابن أبى شيبة فى "المصنف" (٨/ ٩٧) ثنا وكيع له، والطبرانى فى "المعجم الكبير" (١٢/ ١٣٤٨٢) وفى "الأوسط" (٣/ ٢٤١٠) من طرق عن عمران ابن زيد التغلبى أبى يحيى الطويل به، وقال: "لم يرو هذا الحديث عن أبى يحيى إلا عمران" وهو وشيخه "لين الحديث" كما فى "التقريب" وأعل الهيثمى الحديث بالأول؛ فقال فى "المجمع" (١٠/ ٣٩٤): "رواه أحمد والطبرانى فى "الكبير" و"الأوسط" وفى أسانيدهم أبو يحيى القتات، وهو ضعيف وفيه خلاف، وبقية رجاله أوثق منه" ومع هذا فقد رمز لحسنه السيوطى فى "الجامع الصغير" ولم يعزه لغير الطبرانى فى "الأوسط" وقصر أيضًا فى عزوه فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١١) فلم يعزه لغير ابن أبى شيية. قال المناوى فى "فيض القدير" (٢/ ٤٣٨): "كأنه أغفل عزوه لأحمد ذهولًا، لا لقولهم: إن الحديث إذا كان فى مسند أحمد لم يعزه لغيره، وغفل المنذرى فى "الترغيب والترهيب" (٤/ ٤٨٤) فجعله من مسند عبد الله بن عمرو وقال: "رواه أحمد والطبرانى فى "الكبير" و"الأوسط" وإسناده قريب من الحسن"!! ولبعضه شاهد من حديث أبى سعيد وأبى هريرة، قد خرجتهما فى "مسند أحمد" الجزء الأول من الثالث حديث رقم ١١٢٤٨) وبالله التوفيق. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "تخترقها". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٢٣ ]
وقال مجاهد: [مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد.
وقال قتادة] [¬١]: مطهرة من الأذى والمآثم، ثم لا حيض ولا كلف.
وقوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ أي: ظلًا عميقًا كثيرًا غزيرًا طيبًا أنيقًا.
قال ابن جرير (^٥٥٨): حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا ابن المثنى [¬٢]، حدثنا ابن جعفر، قالا: حدثنا شعبة قال: سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد".
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾
يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه الإمام أحمد وأهل السنن (^٥٥٩)، وهو [¬٣] يعم جميع الأمانات الواجبة على الإِنسان؛ من حقوق الله -عز
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٣٨) وأبو الضحاك تابعى، لم يعرف إلا بهذا الحديث، ولم يرو عنه أحد غير شعبة، قال الذهبى فى "الميزان": "حدث عنه شعبة، لا يعرف، لكن شيوخ شعبة جِيَاد" والحديث يأتى تخرجه موسعًا فى سورة الرعد/ آية: ٢٩، وأصله ثابت عن أبي هريرة فى الصحيحين وغيرهما دون زيادة "شجرة الخلد" وانظر أيضًا الآتى فى سورة طه/ آية ١٢٠، والواقعة/ ٣٠.
(٢) - كذا جعله المصنف من حديث سمرة، ولم أجد لسمرة رواية فى هذا الباب، وإنما أخرجه ابن جرير (٨/ ٩٨٥٠) بإسناد صحيح عن الحسن مرسلا، وأخرجه أحمد (٤/ ٤١٣)، وأبو داود (٣٥٣٤) [ومن طريقه البيهقى فى "السنن الكبرى" (١٠/ ٢٧٠)، من طريق يوسف بن ماهك المكى عن رجل عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ … قال البيهقى راجع الروض البسام رقم (٧٠٧) فسوف ينقل منه تخريج الحديث مباشرة. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "مثنى". [¬٣]- في ز: "وهذا".
[ ٤ / ١٢٤ ]
وجل- على عباده، من [الصلاة، والزكاة] [¬١]، والصيام [¬٢]، والكفارات، والنذور، وغير ذلك مما هو مؤتمن عليه لا يطع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض، كالودائع وغير ذلك، مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير اطلاع بنية [¬٣] على ذلك، فأمر الله ﷿ بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لتؤدّن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء" (^٥٦٠).
وقال ابن أبي حاتم (^٥٦١): حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي [¬٤]، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان [¬٥]، عن عبد الله بن مسعود قال: إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة، وإن كان قد قتل في سبيل الله، فيقال: أدِّ أمانتك. فيقول: وأنَّى أؤديها وقد ذهبت الدنيا؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم فيهوي إليها، فيحملها على عاتقه، قال: فتنزل عن عاتقه، فيهوي [¬٦] على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان [¬٧]: فأتيت البراء، فحدّثته، فقال: صدق أخي ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
_________________
(١) - أخرجه مسلم فى صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم (٦٠) (٢٥٨٢) وكذا أحمد (٢/ ٢٣٥) وفى مواضع أخر) والترمذى (٢٤٢٠) من حديث أبى هريرة وانظر ما يأتى سورة الأنعام/ آية ٣٨.
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥١٢) ورواه أيضًا (٣/ ٥٥١٣) ثنا على بن الحسين، ثنا تميم بن المنتصر، ثنا إسحاق الأزرق، عن شريك عن الأعمش عن عبد الله بن السائب به مرفوعًا، وفيه أيضًا: "قال شريك: ثنا عياش العامرى عن زاذان عن عبد الله عن النبى ﷺ نحو ذلك، ولم يذكر فيه الأمانة فى الصلاة، والأمانة فى كل شئ" ورواه الطبرانى فى "المعجم الكبير" (١٠/ ١٠٥٢٧). وعنه أبو نعيم فى "الحلية" (٤/ ٢٠١)، وابن جرير فى تفسيره (٢٢/ ٥٦) وينقله من طريقه المصنف فى سورة الأحزاب/ آية ٧٢ - من طريق تميم بن المنتصر به، وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٥/ ٢٩٦) وقال: "رواه الطبرانى ورجاله ثقات" كذا قال، وشريك سيئ الحفظ، وقد خالفه من هو أوثق منه فوقفه على ابن مسعود، فرواه البيهقى فى "الشعب" (٤/ ٥٢٦٦) من طريق عبد الله بن بشر عن الأعمش به موقوفًا، بل إنه قد اختلف فيه على شريك نفسه؛ فرفعه إسحاق الأزرق كما تقدم، ووقفه منجاب بن الحارث كما عند أبى نعيم، وإسحاق ومنجاب ثقتان؛ فالاضطراب فيه من شريك نفسه، ومع هذا فقد جود المصنف إسناده فى سورة الأحزاب!!. والخبر زاد نسبته السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١٣) إلى عبد الرزاق وابن أبى شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر. [¬١]- في ز: "الصلوات والزكوات". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ت: "بينة". [¬٤]- في ز: "الأخمسي". [¬٥] في ز: "زادان". [¬٦]- في ز: "فتهوى". [¬٧]- في ز: "زادان".
[ ٤ / ١٢٥ ]
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن رجل، عن ابن عباس قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: هي مبهمة للبر والفاجر. وقال محمد بن الحنفية: هي مُسْجَلَةٌ للبر والفاجر. وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٦٢): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها.
وقال الربيع بن أنس": هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: يدخل فيه وعظ السلطان النساء -يعني يوم العيد-.
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدرى حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان [بن طلحة] [¬١] بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين هم أحد، وقتل يومئذ كافرًا، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرًا من المفسرين قد يشتبه عليه [¬٢] هذا بهذا، وسبب نزولها فيه، لما أخذ منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة ووم الفتح ثم رده عليه.
وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح (^٥٦٣): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله [] [¬٣] ابن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله ﷺ لما نزل بمكة واطمان الناس خرج حتى جاء إلى [¬٤] البيت، فطاف به سبعًا على راحلته يستلم الركن بمحجن في كده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن [] [¬٥] طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحه [¬٦] له،
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٥٥١٧) وإسناده صحيح.
(٢) - كما فى "السيرة" لابن هشام (٤/ ١٢٥٣، ١٢٥٤) وإسناده حسن غير أن صفية بنت شيبة نفى سماعها من النبى ﷺ ابن حبان والدراقطنى، بينما أثبته البخارى وهو مقدم على غيره. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "عليهم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "بن عبد الله". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز: "أبي". [¬٦]- في ت: "ففتحت".
[ ٤ / ١٢٦ ]
فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان، فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف [¬١] له الناس في المسجد.
قال ابن إسحاق (^٥٦٤): فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ قام على باب الكعبة، فقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة، أو دم، أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت، وسقاية الحاج". وذكم بقية الحديث في خطة النبي ﷺ يومئذ، إلى أن قال: ثم جلس رسول الله ﷺ في المسجد، فقام إليه على بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله ﷺ: "أين عثمان بن طلحة؟ ". فدعي له، فقال له: "هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر".
قال ابن جرير (^٥٦٥): حدثني القاسم، حدثنا الحسين، عن [¬٢] حجاج، عن ابن جريج [في الآية] [¬٣]، قال نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه رسول الله ﷺ مفتاح الكعبة، فدخل في [¬٤] البيت سوم الفتح فخرج وهو يتلو هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية، فدعا عثمان إليه فدفع [¬٥] إليه المفتاح. قال: وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله ﷺ من الكعبة وهو يتلو هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك.
حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري، قال دفعه إليه وقال: "أعينوه [¬٦] " (^٥٦٦).
_________________
(١) - كما فى "السيرة" لابن هشام (٤/ ١٢٥٤) وهو هكذا منقطع، وروى الطبرانى فى "الكبير" (١١/ ١١٢٣٤) وفى "الأوسط" (١/ رقم ٤٨٨) من طريق عبد الله بن المؤمل عن ابن أبى مليكة عن ابن عباس مرفوعًا: "خذوها يا بنى طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم" يعنى حجابة الكعبة، لكن قال الهيثمى فى "المجمع" (٣/ ٢٨٨): "فيه عبد الله بن المؤمل وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، ووثقه ابن معين فى رواية وضعفه جماعة" وله شواهد انظرها فى فتح البارى (٨/ ١٩) وانظر ما بعده.
(٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٤٦، ٩٨٤٧) والإسناد الأول معضل والثانى مرسل، وخبر ابن جريج زاد نسبته السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١٢) إلى ابن المنذر.
(٣) - أخرجه ابن ماجه، كتاب الأحكام، باب: التغليظ فى الحيف والرشوة (٢٣١٢) ثنا أحمد بن [¬١]- في ز: "استلف". [¬٢]- في ز، خ: "بن". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "قوله". [¬٤]- في ز: "به". [¬٥]- مكانها في ز: بياض. [¬٦]- في ز: "غيبوه".
[ ٤ / ١٢٧ ]
وروى ابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة دعا عثمان بن طلحة بن أبى طلحة فلما أتاه قال: "أرني المفتاح". فأتاه به، فلما بسط يده إليه، قام إليه [¬١] العباس، فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي اجمعه لى مع السقاية، فكف عثمان يده، فقال رسول الله ﷺ "أرني المفتاح يا عثمان". فبسط يده يعطه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده، ثم قال رسول الله ﷺ: "يا عثمان إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر [فهاتني المفتاح] [¬٢] " فقال: هاك بأمانة الله. قال: فقام رسول الله ﷺ ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم ﵊ معه قداج يستقسم بها، ففال رسول الله ﷺ: "ما للمشركين قاتلهم الله، وما شأن إبراهيم وشأن القداح، ثم دعا بجفنة
_________________
(١) =سنان، والبزار فى مسنده (٨/ ٣٣٣٥، ٣٣٣٧) أخبرنا محمد بن مؤمل والحسن بن يحيى الأرزى، وابن عدى فى "الكامل" (٦/ ٢١٤٥) [ومن طريقه البيهقى فى "السنن الكبرى" (١٠/ ٨٨)، ثنا ابن صاعد أنبا أحمد بن سنان، والمزى فى "تهذيب الكمال" (٦/ ٤٥٨) عن الطبرانى من طريق محمد بن عبد الله بن نمير وعلى بن نصر -كلهم (أحمد بن سنان وابن مؤمل والحسن وابن نمير وعلى) ثنا محمد ابن بلال ثنا عمران القطان عن حسين بن عمران عن أبى إسحاق الشيبانى عن عبد الله بن أبى أوفى مرفوعًا به. وفى إسناد ابن عدى "حسين المعلم عن أبى إسحاق" وعند البزار "حسين بن عبد الله" والظاهر أنه تحريف؛ ولذلك قال البزار: "وهذا الحدث لا نعلم رواه عن الشيبانى إلا عمران فأدخل محمد بن بلال بين عمار والشيبانى: حسين بن عبد الله" ولا نعلم مَنْ حسين بن عبد الله هذا! " واستنكر ابن عدى هذا الحدث لـ "محمد بن بلال" وقال: " قال ابن صاعد: رواه عمرو بن عاصم عن عمران القطان، فلم يذكر فى إسناده حسينًا، ومحمد بن بلال هذا له غير ما ذكرت من الحديث وهو يغرب عن عمران القطان، له عن غير عمران أحاديث غرائب، وليس حديثه بالكثير، وأرجو أنه لا بأس به" غير أن العقيلى ذكره فى "الضعفاء" وقال: "يهم فى حديثه كثيرًا" وقال الذهبى: "غَلِط فى حديثه كما يغلط الناس". ورواه: عمرو بن عاصم المشار إليها أخرجها الترمذى (١٣٣٠) والبزار (٨/ ٣٣٣٦) وأبو حاتم بن حبان فى صحيحه (١١/ ٥٠٦٢)، والحاكم (٤/ ٩٣)، والبيهقى (١٠/ ٨٨، ١٣٤) من طرق عن عمرو بن عاصم ثنا عمران القطان عن أبى إسحاق الشيبانى به، ليس فيه "حسين"، ولفظ ابن حبان والبزار مختصر، ولفظ الترمذى: "إن الله مع القاضى ما لم يجر، فإذا جار تخلى عنه ولزمه الشيطان" وعند الحاكم: "فإذا جار تبرأ الله ﷿ منه" وقال الترمذى: "حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمران القطان" وقال الحاكم: "إسناده صحيح، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبى، وتحسينه؛ أشبه فإن عمرو بن عاصم وشيخه فى حفظهما شيء، وله شواهد بأسانيد ضعيفة من حديث معقل بن يسار وابن مسعود وزيد بن أرقم. راجع "المجمع" (٤/ ١٩٦، ١٩٧). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "فهاته".
[ ٤ / ١٢٨ ]
فيها ماء، فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة [فألزقه في حائط الكعبة] [¬١]، ثم قال: "يا [¬٢] أيها الناس هذه القبلة". قال: ثم خرج رسول الله ﷺ فطاف بالبيت شوطا أو شوطين، ثم نزل عليه جبريل فيما ذكر لنا برد المفتاح، [ثم قال] [¬٣] رسول الله ﷺ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ حتى فرغ من الآية".
وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أولا، فحكمها عام، ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: هي [¬٤] للبر والفاجر، أي: هي أمر لكل أحد.
وقوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن ًا سلم وشهر بن حوشب: [إن هذه الآية] [¬٥] إنما نزلت في الأمراء، يعني: الحكام بين الناس.
وفي الحديث: "إن الله مع الحاكم مما لم يجر، فإذا جار وكله الله إلى نفسه" وفي الأثر: "عدل يوم كعبادة أربعين سنة".
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة.
وقولى تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: سميعًا لأقوالكم، بصيرًا بأفعالكم. كما قال [¬٦] ابن أبي حاتم (^٥٦٧): حدثنا أبو زرعة، حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثنا عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله ﷺ وهو يقرأ هذه الآية ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يقول: "بكل شيء بصير".
وقد قال ابن أبي حاتم (^٥٦٨): أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني، أنبأنا المقري -يعني أبا
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٢٦) وإسناده رجاله ثقات رجال الشيخين، غير ابن لهيعة وهو ضعيف لسوء حفظه. ولم يعزه السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١٤) لغير ابن أبى حاتم.
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٢٤) وتصحف فيه "أبو يونس" إلى "أبو سليمان"، = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "فدعا". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "قالا".
[ ٤ / ١٢٩ ]
عبد الرحمن عبد الله بن يزيد -حدثنا حرملة- يعني ابن عمران التجيبي المصري- حدثني أبو يونس، سمعت أبا هريرة: يقرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا] ويضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، ويقول: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرأها ويضع إصبعيه [¬١]. وقال أبو زكريا: وصفه لنا المقري، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا فقال: هكذا وهكذا [¬٢].
رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وابن مردويه في تفسيره من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده نحوه. وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة، واسمه سليم بن جبير.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾
قال البخاري (^٥٦٩): حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا حجاج بن محمد [¬٣] الأعور، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
_________________
(١) =وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. ورواه أبو داود، كتاب السنة، باب: فى الجهمية (٤٧٢٨) [ومن طريقه البيهقى فى "الأسماء والصفات" (١/رقم ٣٩٠)] وابن خزيمة فى "التوحيد" (١/ رقم ٤٦، ٤٧) [وعنه ابن حبان فى صحيحه (١/ رقم ٢٦٥)، والحاكم فى "المستدرك" (١/ ٢٤) وعنه البيهقى أيضًا] واللالكائى فى "شرح أصول الاعتقاد" (٦٨٨١٣) من طرق عن عبد الله بن يزيد به. وقال الحاكم: "حديث صحيح ولم يخرجاه، وقد احتج مسلم بحرملة بن عمران وأبى يونس، والباقون متفق عليهم" ووافقه الذهبى وقال اللالكائى: "هو إسناد صحيح على شرط مسلم يلزمه إخراجه" وذكره الحافظ ابن حجر فى: "الفتح" (١٣/ ٣٧٣): وقال: "سنده قوى على شرط مسلم" وأفاد أن البيهقى أخرج له شاهدًا من حديث عقبة بن عامر: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "إن ربنا سميع بصير" وأشار إلى عينيه. وسنده حسن. وله أجد هذا الشاهد عند البيهقى فى "الأسماء والصفات" وأخشى أن يكون هو حديث عقبة بن عامر السابق، فإن كان هو فالإسناد ضعيف كما بينا. والله أعلم.
(٢) - صحيح البخارى، كتاب التفسير، باب: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ذوى الأمر (٤٥٨٤)، ومسلم، كتاب الإمارة: باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية وتحريمها = [¬١]- في ت: "إصبعين". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٣٠ ]
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي، إذ بعثه النبي ﷺ في سرية.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث رواية [¬١] حجاج بن محمد الأعور، به، وقال الترمذي: حديث [¬٢] حسن غريب، و[¬٣] لا نعرفه إلا من حديث ابن جريج.
وقال الإِمام أحمد [] [¬٤] (^٥٧٠): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي، قال: بعث رسول الله ﷺ سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وجد عليهم في شيء، قال: فقال لهم: أليس قد أمركم رسول الله ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا [¬٥] حطبًا. ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال: عزمت عليكم لتدخلنها. قال [¬٦]: [فَهَمَّ القوم أن يدخلوها] [¬٧]. قال [¬٨]: فقال لهم شاب منهم: إنما فررتم إلى رسول الله ﷺ من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله ﷺ، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. قال: فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه. فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف". أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.
_________________
(١) = فى المعصية (٣١) (١٨٣٤)، وأحمد (١/ ٣٣٧)، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب: الطاعة (٢٦٢٤)، والترمذى، كتاب الجهاد، باب: ما جاء فى الرجل يعث وحده سَرِيَّة (١٦٧٢)، والنسائى، كتاب الجهاد، باب: قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٧/ ١٥٤، ١٥٥) من طرق عن حجاج بن محمد به.
(٢) - " المسند" (١/ ٨٢) وأخرجه أيضًا (١/ ١٢٤)، والبخارى، كتاب المغازى، باب: سرية عبد الله بن حذافة (٤٣٤٠)، وكتاب الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام (٧١٤٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية (٤٠) (١٨٤٠) من طرق عن الأعمش به، وأخرجه أحمد (١/ ٩٤، ١٢٩)، والبخارى، كتاب أخبار الآحاد، باب: ما جاء فى إجازة خبر الواحد الصدوق (٧٢٥٧)، ومسلم (٣٩) (١٨٤٠)، وأبو داود، كتاب الجهاد، باب: فى الطاعة (٢٦٢٥)، والنسائى، كتاب البيعة، باب: جزاء من أمر بمعصية فأطاع (٧/ ١٥٩، ١٦٠) من طريق شعبة عن زبيد الإيامى عن سعد بن عبيدة به. [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]-سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "بن حنبل". [¬٥]- في ز: "اجمعوا لي". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٣١ ]
وقال أبو داود (^٥٧١): حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثني نافع، عن عبد الله ابن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".
وأخرجاه من حديث يحيى القطان.
وعن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا [] [¬١] عندكم فيه من الله برهان". أخرجاه (^٥٧٢).
وفي الحديث الآخر عن أنس، أن رسول اللَّه ﷺ قال: "اسمعوا وأطيعوا، وان أمر عليكم [عبد حبشي] [¬٢] كأن رأسه زبيبة". رواه البخاري (^٥٧٣).
وعن أبي هريرة (^٥٧٤) ﵁ قال: أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًّا مُجَدّع [¬٣] الأطراف. رواه مسلم.
وعن أُم الحصين، أنها سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجة الوداع
_________________
(١) - سنن أبى داود، كتاب الجهاد، باب: فى الطاعة (٢٦٢٦)، والبخارى، كتاب الجهاد، باب: السمع والطاعة للإمام (٢٩٥٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية. (١٨٣٩)، وأحمد (٢/ ١٧) من طريق يحيى القطان به، واْخرجه البخارى ومسلم أيضًا والترمذى (١٧٠٧)، وابن ماجه (٢٨٦٤) من طرق عن عبيد الله بن عمر به، وأخرجه النسائى فى "الصغرى" (٧/ ١٦٠) نا قتيبة ثنا الليث عن عبيد الله بن أبى جعفر عن نافع به.
(٢) - أخرجه البخارى، كتاب الفتن، باب: قول النبى ﷺ: سترون بعدى أمورًا تنكرونها" (٧٠٥٥، ٧٠٥٦)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية (٤١، ٤٢) (١٧٠٩)، وكذا أخرجه أحمد (٣/ ٤٤١) (٥/ ٣١٦، ٣٢١)، والنسائى (٧/ ١٣٧: ١٣٩)، وابن ماجة (٢٨٦٦).
(٣) - صحيح البخارى، كتاب الأذان، باب: إمامة العبد والمولى (٦٩٣)، وكذأ أخرجه أحمد (٣/ ١١٤)، وابن ماجة، كتاب الجهاد، باب: طاعة الإمام (٢٨٦٠).
(٤) - كذا عزاه المصنف لمسلم من حديث أبى هريرة وإنما أخرجه في كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية (٣٦) (١٨٣٧) من حديث أبى ذر، وكذا أخرجه أحمد (٥/ ١٦١) وابن ماجة (٢٨٦٢)، والبخارى فى"الأدب المفرد" (١١٣) من حديث أبى ذر. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "فيه". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "عبدًا حبشيًا". [¬٣]- في ز: "مجذوع".
[ ٤ / ١٣٢ ]
يقول: "ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا". رواه مسلم (^٥٧٥)، وفي لفظ له: "عبدًا حبشيًّا مجذوعًا".
وقال ابن جرير (^٥٧٦): حدثنى على بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ [قال: "سيليكم] [¬١] بعدىِ ولاة، فيليكم البر ببره ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق [¬٢]، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم".
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب الحج، باب: استحباب رمى جمرة العقبة يوم النحر راكبًا (٣١١) (١٢٩٨)، كتاب الإمارة، باب: وجوب طاعة الأمراء فى غير معصية (٣٧) (١٨٣٨) وكذا أخرجه أحمد (٤/ ٦٩) (٥/ ٣٨١) (٦/ ٤٠٢، ٤٠٣)، والنسائى (٧/ ١٥٤)، وابن ماجة (٢٨٦١) من طريق يحيى بن حصين قال: سمعت جَدَّتى تُحدِّثُ أنها سمعت النبى ﷺ يخطب فى حجة الوداع وهو يقول … الحديث. وأخرجه أحمد (٦/ ٤٠٢، ٤٠٣)، والترمذى (١٧٠٦) من طريق العيزار بن حُريث عن أم الحصين به نحوه. وقصر فى عزوه السيوطى جدا فلم يعزه فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١٧) لغير ابن أبى شيبة والترمذى!!.
(٢) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٧٦) وأخرجه الدارقطنى فى: "السنن" (٢/ ٥٥) [ومن طريقه ابن الجوزى فى "العلل المتناهية" (١/ رقم ٧١٧)، نا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمى قال: نا على بن مسلم. به. وأخرجه الطبرانى فى "الأوسط" (٦/ ٦٣١٠) حدثنا محمد بن علي، ثنا إبراهيم بن المنذر ثنا عبد الله ابن محمد به. وقال الطبرانى: "لم يرو هذا الحديث عن هشام بن عروة إلا عبد الله بن محمد بن عروة، تفرد به إبراهيم بن المنذر، ولم يُسند هشام بن عروة عن أبى صالح حديثا غير هذا، وإبراهيم بن المنذر لم ينفرد به، بل تابعه ابن أبى فديك كما ترى. والحديث ذكره الهيثمى فى "المجمع" (٥/ ٢٢١) وقال: "رواه الطبرانى في "الأوسط" وفيه عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة وهو ضعيف جدًّا" كذا قال أبو حاتم الرازى وزاد: "هو متروك الحديث" وقال العقيلى: "لا يتابع على كثير من حديثه" وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الثقات" واستنكر له ابن عدى في "الكامل" (٤/ ١٥٠١) اْحاديثه وقال: "أحاديث عامتها مما لا يتابعه عليه الثقات" وهو مترجم فى "اللسان"، وقد أعله الحافظ ابن حجر فى "التلخيص الحبير" (٢/ ٣٦) به وعزاه إلى ابن حبان فى "الضعفاء" ولم أجده فى ترجمة عبد الله بن محمد فى "الضعفاء" فلعله فى موضع آخر والله أعلم. وقصر السيوطى فى عزوه فلم يعزه فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١٦) لغير ابن جرير وبالله التوفيق. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ٤ / ١٣٣ ]
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كانت بنو إسرائل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون" قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: "أوفوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم". أخرجاه (^٥٧٧).
وعن ابن عباس-﵄ قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت إلا مات ميتة جاهلية". أخرجاه (^٥٧٨).
وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "من خلع يدًا من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". رواه مسلم (^٥٧٩).
وروى مسلم أيضًا (^٥٨٠) عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة والناس [] [¬١] مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه فقال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا، فمنا مز يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله ﷺ: [الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ] [¬٢] فقال: "إنه لم يكن
_________________
(١) - أخرجه البخارى، كتاب الأنبياء، باب: ما ذكر عن بنى إسرائيل (٣٤٥٥)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٤٤) (١٨٤٢) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٧)، وابن ماجة (٢٨٧١).
(٢) - أخرجه البخارى، كتاب الفتن، باب: قول النبى ﷺ: "سترون بعدى أمورًا تنكرونها" (٧٠٥٣، ٧٠٥٤)، ومسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (٥٥، ٥٦) (١٨٤٩).
(٣) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن (٥٨) (١٨٥١).
(٤) - صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٤٦) (١٨٤٤) وكذا أخرجه أحمد (٢/ ١٦١ ومواضع أخر) وأبو داود (٤٢٤٨)، والنسائى (٧/ ١٥٢)، وابن ماجة (٣٩٥٦) مطولًا ومختصرًا. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "حوله". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٣٤ ]
نبي من [¬١] قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، [وينذرهم شر ما يعلمه لهم] [¬٢]، وان أمتكم هذه جعلت [¬٣] عافيتها في أولها، وسيصيب [¬٤] آخرها بلاء، وأمور تنكرونها، وتجيء فتن يرفق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: [هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن] [¬٥]: هذه هذه. فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر" قال: فدنوت منه فقلت: أنشدك الله أأنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال [¬٦]: سمعته أذناي؛ ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ قال [¬٧]: فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله؛ واعصه في معصية الله.
والأحاديث في هذا كثيرة.
وقال ابن جرير (^٥٨١): حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن الفضل، حدثنا أسباط، عن السدي [في قوله] [¬٨]: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: بعث رسول الله صلي الله تعالى عليه وآله وسلم سرية عليها [¬٩] خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبًا منهم عرسوا، وأتاهم ذو العيينتين فأخبرهم،
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٨/ ٩٨٦١)، وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٥٣١) ثنا أحمد بن عثمان ابن حكيم، ثنا أحمد بن مفضل به. وهو مرسل وأفاد المصنف أن ابن مردويه وصله من طريق "الحكم ابن ظهير عن السدى عن أبى صالح عن ابن عباس" لكن الحكم بن ظهير متفق على تضعيفه، وأصل القصة ورد موصولًا من حديث خالد بن الوليد عند أحمد (٤/ ٨٩، ٩٠)، والطبراني (٤/ ٣٨٣٠: ٣٨٣٤) من طرق عن الأشتر مالك بن الحارث عن خالد بن الوليد … فذكر الحديث، وقال الهيثمى عن أحد طرقه: "رجاله رجال الصحيح" "المجمع" (٩/ ٢٩٦، ٢٩٧) وصححه الحاكم ووافقه الذهبى. انظر "المستدرك" (٣/ ٣٩٠، ٣٩١). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "جعل". [¬٤]- في ر: "ونصيب". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "فقال". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٩]- في ز: "فيها".
[ ٤ / ١٣٥ ]
فأصبحوا وقد هربوا، غير رجل أمر [¬١] أهله فجمعوا [¬٢] متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال: ياأبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدًا وإلا هربت؟ قال عمار: بل هو ينفعك، فأقم. فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل فأخذه وأخذ ماله، فبلغ عمارًا الخبر، فأتى خالدًا فقال: خل عن الرجل، فإنه قد أسلم، وإنه في أمان مني. فقال خالد: وفيم أنت تجير؟ فاستبَّا وارتفعا إلى النبي ﷺ فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبَّا عند رسول الله ﷺ، فقال خالد: يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يسبني. فقال رسول الله ﷺ: "يا خالد، لا تسب عمارًا، فإنه من سب عمارًا يسبه الله؛ ومن [يبغض عمارًا] [¬٣] يبغضه الله [¬٤]؛ ومن يلعن عمارًا يلعنه [¬٥] اللَّه". فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله ﷿ قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدي مرسلا، ورواه ابن مردويه من رواية الحكم بن ظهير، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكره بنحوه، والله أعلم.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصري وأبو العالية ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني: العلماء. والظاهر والله أعلم أنها [¬٦] عامة في [¬٧] كل أولي الأمر من الأمراء والعلماء كما تقدم. وقد قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وَفي الحديث الصحيح المتفق [على صحته] [¬٨] عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى اللَّه، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصانى" (^٥٨٢).
_________________
(١) - يأتى تخريجه هنا برقم (٦٣٢). [¬١]- في ز: "فأمر". [¬٢]- في ت: "فأحرقوا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "يبغضه". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "لعنه". [¬٦]- في ز: "أن الآية". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "جميع". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز: "عليه".
[ ٤ / ١٣٦ ]
فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أي: اتبعوا كتابه ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: خذوا بسنته ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي: فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح (^٥٨٣): " إنما الطاعة في المعروف". وقال الإِمام أحمد (^٥٨٤): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبى مراية، عن [] [¬١] عمران بن حصين، عن النبي ﷺ قال: "لا طاعة في معصية الله".
وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وهذا أمر من الله- ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا [¬٢] له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فدل على أن من لم [¬٣] يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع في فصل النزاع إليهما ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسن عاقبة ومآلا، كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد: و[¬٤] أحسن جزاء. وهو قريب.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا
_________________
(١) - تقدم تخريجه هنا برقم (٥٧٤).
(٢) -" المسند" (٤/ ٤٢٦) وأخرجه الطبرانى فى "الكبير" (١٨/ ٧٥١) من طريق هدبة بن خالد ثنا همام به. وأخرجه أحمد أيضًا (٤/ ٤٢٧، ٤٣٦)، والطيالسى فى مسنده (٨٥٠) [ومن طريقه وطريق آخر البزار فى مسنده (٩/ ٣٥٩٩) "البحر الزخار"، والطبرانى (١٨/ ٥٧٠)، من طريق شعبة عن قتادة به. ورجاله ثقات رجال الشيخين غير أبى مراية هذا ذكره ابن حبان فى "الثقات" (٥/ ٣١) والحديث قد صح من طريق آخر وله شواهد، فراجع "الصحيحة" للألبانى (١/ ١٧٩: ١٨١). [¬١]- ما بين المعكوفتين فى ز: "عمران عن". [¬٢]- في ز: "وشهد". [¬٣]- في ز: "لا". [¬٤]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٣٧ ]
بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)﴾
هذا إنكار من الله -عز رجل- على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد [أن يتحاكم] [¬١] في فصل الخصومات [¬٢] إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر فى سبب نزول هذه الآية أنها فى رجل من الأنصار، ورجل من اليهود تخاصما فجعل اليهودي يقول بيني وبينك محمد. وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل: في جماعة من المنافقين ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك. والآية أعم من ذلك كله؛ فإنها ذامّه لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما [¬٣] سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ولهذا قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾.
[وقوله: ﴿و] [¬٤] يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون عنك إعراضًا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا [¬٥] عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [وهؤلاء] [¬٦] بخلاف المؤمنين الذين قال اللَّه فيهم: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
ثم قال تعالى في ذم المنافقين: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي:
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "التحاكم". [¬٢]- في ز: "الحكومات". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "ألفينا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين تكررت في ز.
[ ٤ / ١٣٨ ]
فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرفهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي: يعتذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى أعدائك [¬١] إلا الإِحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقادًا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرَ تعالى عنهم في قوله: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ [إلى قوله] [¬٢]: ﴿فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾.
وقد قال الطبراني (^٥٨٥): حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحوطي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمرو [¬٣]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان أبو برزة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم] [¬٤]، وسيجزيهم على ذلك؛ فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإنه عالم بظواهرهم وبواطنهم. ولهذا قال له: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ اي: وانههم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلَا
_________________
(١) -" المعجم الكبير" للطبرانى (١١/ ١٢٠٤٥) وأخرجه ابن أبى حاتم فى تفسيره (٣/ ٥٥٤٧) ثنا محمد بن عوف الحمصى، ثنا أبو اليمان يه. وذكره الهيثمى فى "المجمع" (٧/ ٩) وقال: "رواه الطبرانى ورجاله رجال الصحيح" وصحح إسناده السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٣١٩) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم والطبرانى. [¬١]- في ت: "عداك". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- في ت: "عمر". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٤ / ١٣٩ ]
وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾
يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أي: فرضت طاعته على من أرسله اليهم. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد الا بإذني، يعني: لا يطيعهم الا من وفقته لذلك. كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ أي: عن أمره وقدره ومشيئته وتسليطه إياكم عليهم.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ الآية [¬١] يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقعٍ منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول ﷺ فيستغفروا اللَّه عنده ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب اللَّه عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد ذكر جماعة منهم الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه "الشامل" الحكاية المشهورة عن العتبي قال: كنت جالسًا عند قبر النبي ﷺ، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وقد جئتك مستغفرًا لذنبي مستشفعًا بك إلى ربي. ثم أنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم
ثم انصرف الأعرابي، فغلبتني عيني، فرأيت النبي ﵌ فى النوم فقال: "يا عُتَبِى الحق الأعرابي فبشره أن الله قد غفر له".
وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول ﷺ فى جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له [باطنا وظاهر] [¬٢]. ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: إذا حكموك يطعونك في بواطنهم، فلا يجدون [¬٣] في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون [¬٤] له في الظاهر
_________________
(١) [¬١]- بعده فى خ: "وقد ذكر جماعة". [¬٢]- في ز: "ظاهرا وباطنا". [¬٣]- في ز: "يجدوا". [¬٤]- في ز: "ينقادوا".
[ ٤ / ١٤٠ ]
والباطن [¬١]، فيسلمون [¬٢] لذلك تسليمًا كليًّا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث (^٥٨٦): " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به".
وقال البخاري (^٥٨٧): حدثنا على بن عبد الله، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة قال: خاصم الزبير رجلًا في شريج من الحرة، فقال النبي ﷺ: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك". فقال الأنصاري: يا رسول الله، أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه زسلم ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك". فاستوعى [¬٣] النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما ﷺ بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية [¬٤] إلا نزلت في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [¬٥].
_________________
(١) - أخرجه ابن أبى عاصم فى "السنة" (١/ رقم ١٥)، والبغوى فى "شرح السنة" (١/ رقم ١٠٤) وابن بطة العُكبرى فى "الإبانة" (١/ رقم ٢٧٩)، والخطيب البغدادى فى "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٦٩) وزاد عزوه الألبانى فى "حاشية السنة" إلى الحسن بن سفيان فى "الأربعين" له (ق ١/ ٦٥) وعنه السلفى فى "الأربعين البلدانية" (ق ٢/ ٣٢) وفى "معجم السفر" (ق / ١٩٢/ ١) والهروى فى "ذم الكلام" (٢/ ٢/٤٠) والقاسم بن عساكر فى "طرق الأربعين" (ق/ ٥٩/ ٢) - كلهم من طريق نعيم بن حماد ثنا عبد الوهاب الثقفى ثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عقبة بن أوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا به، قال الألبانى: "إسناده ضعيف، رجاله ثقات، غير نعيم بن حماد ضعيف لكثرة خطه وقد اتهمه بعضهم" ومع هذا فقد قال النووى: "حديث حسن صحيح" رويناه فى كتاب "الحجة" ياسناد "صحيح" وتعقبه الحافظ ابن رجب بأن "تصحيح هذا الحديث بعيدٌ من وجوه … " ثم شرع فى ذكر هذه الوجوه فراجع "جامع العلوم والحكم" (٢/ ٤٣١: ٤٣٤) وسها الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (١٣/ ٢٨٩) فجعله من مسند أبى هريرة وقال: "أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وقد صجحه النووى فى آخر "الأربعين"!!.
(٢) - صحيح البخارى، كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٤٥٨٥) ورواه فى كتاب: المساقاة، باب: شرب الأعلى قبل الأسفل" (٢٣٦١)، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٦/ ١٥٣، ١٥٤) (١٠/ ١٠٦) من طريق عبد الله بن المبارك أخبرنا معمر به، وأخرجه البخارى أيضًا (٢٣٦٢) ثنا محمد بن سلام أخبرنا مخلد بن يزيد الحرَّانى قال: أخبرنى ابن جريج قال: حدثنى ابن شهاب الزهرى به. وانظر ما بعده. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "فيسلموا". [¬٣]- في ز: "واستوعى". [¬٤]- في ز: "الآيات". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٤١ ]
وهكذا رواه البخاري هاهنا، أعني في كتاب "التفسير" من [¬١] صحيحه من حديث معمر، و[¬٢] في كتاب "الشرب" من حديث ابن جريج ومعمر أيضا، وفي كتاب "الصلح" من حديث شعيب بن أبي حمزة ثلاثتهم عن الزهري، عن عروة فذكره، وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى، وقد رواه الإِمام أحمد (^٥٨٨) من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير، أنَّ الزبير كان يحدث أنه كان يخاصم رجلًا من الأنصار فد شهد بدرًا إلى النبي ﷺ في شراج الحرة، كانا يسقيان بها كلاهما فقال النبي ﷺ للزبير: "اسق ثم أرسل إلى جارك". فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". فاستوعى النبي ﷺ للزبير حقه، وكان النبي ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ [¬٣] الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى النبي ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم. [ثم قال] [¬٤]: قال عروة: فقال الزبير: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا
_________________
(١) - " المسند" (١/ ١٦٥، ١٦٦)، وأخرجه البخارى، كتاب الصلح، باب: إذا أشارَ الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم البَين (٢٧٠٨) [ومن طريقه البغوى فى "شرح السنة" (٨/ ٢١٩٤)] والواحدى فى "أسباب النزول" (٣٣٣) من طريق أبى اليمان به. وقول المصنف: "هو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير، فإنه لم يسمع منه، والذى يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله … " تعقبه الشيخ أبو الأشبال فى حاشية "المسند" (٣/ ١٤/ رقم ١٤١٩) فقال: "الحديث حديث الزبير، ولا يبعد أن يكون سمعه منه ابناه عبد الله وعروة، وأن يكون عروة سمعه أيضًا من أخيه عبد الله، أو ثبته عبد الله في، وأما ادعاء أن عروة لم يسمع من أبيه فالأدلة تنقضه فإنه كان مراهقًا أو بالغًا عند مقتل أبيه، كانت سنه ثلاث عشرة سنة، وفى "التهذيب": قال مسلم بن الحجاج فى كتاب "التمييز": حج عروة مع عثمان، وحفظ عن أييه فمن دونهما من الصحابة" ونقل ذلك أيضًا فى حاشية تفسير ابن جرير (٨/ ٥٢١) وزاد هناك بـ "أن البخارى صرح في ترجمة "عروة" فى "التاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٣١) بسماعه من أبيه فقال: "سمع أباه وعائشة وعبد الله بن عمر، وأن الإمام أحمد روى حديثًا آخر قبله (١٤١٨) من طريق هشام بن عروة، عن عروة، قال: أخبرنى أبى الزبيرُ وإسناده صحيح، وفيه التصريح بسماع عروة من أبيه، وأن الحافظ فى "الفتح" (٥/ ٣٥)، قال: "وإنما صححه البخارى -مع هذا الاختلاف- اعتمادًا على صحة سماع عروة من أبيه وعلى صحة سماع عبد الله بن الزبير من النبى ﷺ فكيفما دار فهو على ثقة" اهـ. [¬١]- في ت: "في". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "أخفظ". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ١٤٢ ]
يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
هكذا رواه الإِمام أحمد، وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير؛ فإنه لم بسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في تفسيره، فقال (^٥٨٩): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا الليث ويونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه، أن عبد الله بن الزبير حدثه، عن الزبير بن العوام، أنه خاصم رجلًا من الأنصار قد شهد بدرا مع النبي ﷺ إلى رسول الله ﷺ في شراج في الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر. فأبى عليه الزبير [¬١]، فقال رسول الله ﷺ: "اسق يا زبير، ثم أرسل إلى جارك". فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر". واستوعى رسول الله ﷺ للزبير حقه، وكان رسول الله ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير: ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب، به. ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث به (^٥٩٠)، وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير، وكذا ساقه الإِمام
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٣/ ٥٥٥٨)، وأخرجه النسائى فى "السنن" (٨/ ٢٣٨) أخبرنا -يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين، وابن الجارود فى "المنتقى" (١٠٢١) أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وابن جرير فى تفسيره (٨/ ٩٩١٢) حدثنى يونس بن عبد الأعلى ثلاثتهم- (يونس والحارث ومحمد) أخبرنا ابن وهب به. ورواه الإسماعيلى أيضًا -كما فى "الفتح" (٥/ ٣٥) - من طريق ابن وهب به، قال ابن حجر: "كأن ابن وهب حمل رواية الليث على رواية يونس، وإلا فرواية الليث ليس فيها ذكر الزبير والله أعلم" وخطأ هذه الرواية أبو حاتم، فقال ابنه فى "العلل" (١/ ١١٨٥): "سمعت أبى وذكر حديثًا رواه ابن وهب عن يونس يزيد والليث بن سعد عن الزهرى عن عروة بن الزبير عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام … الحديث قال: سمعت أبى يقول: أخطأ ابن وهب فى هذا الحديث؛ الليث لا يقول: عن الزبير، قال أبو محمد -ابن أبى حاتم-: إنما يقول الليث: عن الزهرى عن عروة أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلًا .. الحديث" قلت: وقد رواه جماعة عن الليث هكذا دون ذكر "الزبير" في وهو الآتى.
(٢) - أخرجه أحمد (٤/ ٤، ٥) ثنا هاشم بن القاسم، والبخارى، كتاب المساقاة: باب: سكر = [¬١]- سقط من: ز.
[ ٤ / ١٤٣ ]
أحمد في مسند عبد الله بن الزبير. والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري؛ فإنه روى هذا الحديث (^٥٩١) من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير، فذكره ثم قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحدًا أقام بهذا الإِسناد عن الزهري بذكر عبد الله بن الزبير غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف.
وقال [] [¬١] أبو بكر بن مردويه (^٥٩٢): حدثنا محمد بن علي أبو دحيم، حدثنا أحمد بن
_________________
(١) =الأنهار (٢٣٥٩، ٢٣٦٠) حدثنا عبد الله بن يوسف، ومسلم كتاب الفضائل، باب: وجوب اتباعه ﷺ (١٢٩) (٢٣٥٧) ثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح، والترمذى (١٣٦٣، ٣٠٢٧)، والنسائى ومن طريقه ابن بشكوال فى "الغوامض والمبهمات" (٢/ ٥٧١) (٨/ ٢٤٥) عن قتيبة، وابن ماجة (١٥، ٢٤٨٠) ثنا محمد بن رمح، وأبو داود (٣٦٣٧) وعبد بن حميد فى "المنتخب" (٥١٩)، والبزار فى مسنده "البحر الزخار" (٣/ ٩٦٩) من طريق أبى الوليد الطيالسى - خمستهم (هاشم وعبد الله وقتيبة ومحمد وأبو الوليد) أخبرنا الليث عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير، أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلًا من الأنصار … وقال البخارى عقبه: "ليس أحد يذكر عُروة عن عبد الله إلا الليث فقط" قال ابن حجر فى "الفتح" (٥/ ٣٨): "هو مصرح بتفرد الليث بذكر عبد الله بن الزبير فى إسناده: فإن أراد مطلقًا ورد عليه ما أخرجه النسائى وغيره من طريق ابن وهب عن الليث ويونس جميعًا عن الزهرى. وإن أراد بقيد أنه لم يقل فيه "عن أبيه" بل جعله من مسند عبد الله بن الزبير فمسلَّم؛ فإن رواية ابن وهب فيها عن عبد الله عن أبيه … وقد نقل الترمذى عن البخارى أن ابن وهب روى عن الليث ويونس نحو رواية كعيبة عن الليث".
(٢) - " المستدرك" (٣/ ٣٦٤) من طريق أبى نعيم ضرار بن صرد، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى، ثنا محمد بن عبد الله بن مسلم الزهرى عن عمه عن عروة به، قال أبو الحسن الدارقطنى فى "العلل" (٤/س ٥٢٦): "هو حديث يرويه الزهرى، واختلف عنه؛ فرواه ابن أخى الزهرى عن الزهرى عن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال ذلك ضرار بن صرد عن الدراوردى عن ابن أخى الزهرى، وكذلك قال ابن وهب عن يونس بن يزيد والليث بن سعد عن الزهرى عن عروة عن ابن الزبير عن الزبير، وقال غيره: عن الليث بن سعد عن الزهرى عن عروة عن ابن الزبير أن رجلًا خاصم الزبير عند النبى ﷺ جعلوه من مسند عبد الله بن الزبير عن النبى ﷺ ورواه شعيب بن أبى حمزة ومحمد بن أبى عتيق وابن جريج ومعمر وعمر بن سعيد عن الزهرى عن عروة عن الزبير، ولم يذكروا فيه عبد الله بن الزبير، وكذلك قال شيب بن سعيد عن يونس، وتابعه أحمد بن صالح وحرملة عن ابن وهب عن يونس، وهو المحفوظ عن الزهرى والله أعلم".
(٣) - سلمة هو ابن عبد الله بن عمر بن أبى سلمة ذكره ابن حبان فى ثقات أتباع التابعين وروى عنه أكثر من واحد، وفى "التقريب": "مقبول"، وباقى رجاله ثقات غير أحمد بن حازم فقد ترجم له = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "الحافظ".
[ ٤ / ١٤٤ ]
حازم، حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا ابن عيينة، عن عمر: بن دينار، عن سلمة- رجل من آل أبي سلمة- قال: خاصم الزبير رجلًا إلى النبي ﷺ، فقضى للزبير، فقال الرجل له [¬١]: إنما قضى له لأنه ابن عمته. فنزلت: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ الآية.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٩٣): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [] [¬٢] قال: نزلت [¬٣] فى الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء فقضى النبي ﷺ أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. هذا مرسل، ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري.