قد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: "فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل" (^٩٤٥). وفي حديث النواس بن سمعان: "فينزل عد المنارة البيضاء، شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه [¬٤] تحدر منه مثل جمان اللؤلؤ، ولا يحل لكافر أن [¬٥] يجد ريح نفسه إلَّا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه" (^٩٤٦).
وروى البخاري ومسلم من طريق الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، ﷺ. "ليلة أسري بي لقيت [¬٦] [موسى"، قال: فنعته "فإذا رجل - قال: حسبته قال - مضطرب، رجل الرأس، كأنه من رجال شنوءة". قال: "و] [¬٧] لقيت [¬٨] عيسى" فنعته النبي، ﷺ، فقال: "ربعة أحمر كأنما
_________________
(١) - رواه البخارى فى "صحيحه" كتاب الطب، باب: ما أنزل الله داء إلَّا أنزل له شفاء، حديث (٥٦٧٨) من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبيّ - صلى الله عليه وصلم - قال: ما أنزل الله داء إلَّا أنزل له شفاء. ورواه النسائى فى الكبرى كتاب الطب، باب: الأمر بالدواء حديث (٧٥٥٥)، وابن ماجة فى الطب، باب: ما أنزل الله داء إلَّا أنزل له شفاء (٣٤٣٩) من حديث عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة.
(٢) - تقدم تخريجه قرييًا.
(٣) - تقدم تخريجه قريبًا. [¬١]- في ز: "عَلَم". [¬٢]- في خ: "إشارة". [¬٣]- في ز: "الصحيح". [¬٤]- في ز: "رفع". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من: خ.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
خرج من ديماس" يعني الحمام، "ورأيت إبراهيم، وأنا أشبه ولده ولده به" (^٩٤٧) الحديث.
وروى البخاري (^٩٤٨) من حديث مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: "رأيت موسى وعيسى وإبراهيم: فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط، كأنه من رجال الزط". وله ولمسلم من طريق موسى بن عقبة، عن نافع، قال [¬١] [قال عبد الله] [¬٢] ابن عمي: ذكر النبي، ﷺ، يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فقال: "إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية" (^٩٤٩).
[ولمسلم عنه مرفوعًا] [¬٣]: "وأراني الله عند الكعبة في المنام، فإذا [¬٤] رجل آدم كأحسن ما ترى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماءً، واضعًا يديه على منكبى رجلين، وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح ابن مريم، ثم رأيت رجلا وراءه جعدًا قططًا أعور العين [¬٥] اليمنى، كأشبه من رأيت بابن قطن، واضعًا
_________________
(١) - يأتى تخرجه فى أول تفسر سورة الإسراء.
(٢) - رواه البخارى فى صحيحه كتاب أحاديث الأنبياء، عن محمد بن كثير عن إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن مجاهد عن ابن عمر كذا فى تحفة الأشراف للحافظ أبي الحجاج المزى (٥/ حديث ٦٤١٣) وكذا وقع فى نسخة صحيح البخارى (٤/ ٢٠٢) طبعة الشعب المصورة عن الطبعة السلطانية فى تسعة أجزاء لكن وقع فى طبعة فؤاد عبد الباقى الحديث (٣٤٣٨) (ابن عبَّاس) مكان (ابن عمر) وهو خطأ فاحش. قال ابن حجر فى فتح البارى (٦/ ٤٨٤): (عن ابن عمر) كذا وقع فى جميع الروايات التى وقعت لنا من نسخ البخارى، وقد تعقبه أَبو ذرٍّ فى روايته فقال: كذا وقع فى جميع الروايات المسموعة عن الفربرى "مجاهد عن ابن عمر" قال: ولا أدرى أهكذا حدث به البخارى أو غلط فيه الفربرى لأنى رأيته فى جميع الطرق عن محمد بن كثير وغيره عن مجاهد عن ابن عبَّاس ثم ساقه بإسناده إلى حنبل بن إسحاق قال حدَّثنا محمد بن كثير وقال فيه (ابن عبَّاس) - قال: وكذا رواه عثمان بن سعيد الدارمى عن محمد بن كثير قال: وتابعه نصر بن علي عن أبي أحمد الزبيرى عن إسرائيل وكذا رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن إسرائيل انتهى والذى يرجح أن الحديث لابن عبَّاس لا لابن عمر ما سيأتى من إنكار ابن عمر على من قال أن عيسى أحمر وحلفه على ذلك، وفى رواية مجاهد هذه "فأما عيسى فأحمر جعد" فهذا يؤيد أن الحديث لمجاهد عن ابن عبَّاس لا عن ابن عمر والله أعلم انتهى كلام الحافظ من الفتح.
(٣) - رواه البخارى فى "صحيحه" كتاب أحاديث الأنبياء، قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ = [¬١]- في خ: "عن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: "وإذا". [¬٥]- في ز: "عين".
[ ٤ / ٣٦٥ ]
يديه على منكبي رجل، يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ قالوا: المسيح الدجال" (^٩٥٠). تابعه عبيد الله، عن نافع.
ثم رواه البخاري (^٩٥١)، عن أحمد بن محمد المكى، عن إبراهيم بن سعد [¬١]، عن الزُّهْريّ، عن سالم، عن أبيه، قال: لا والله، ما قال النبي، ﷺ، لعيسى: أحمر، ولكن قال: "بينما أنا نائم أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم سبط الشعر، يُهَادَى [¬٢] بين رجلين ينطف رأسه ماء - أو يهراق رأسه ماء - فقلت: من هذا؟، فقالوا: ابن مريم، فذهبت ألتفت فإذا رجل أحمر جسيم جعد الرأس أعور عينه اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، قلت: من هذا؟، قالوا: الدجال، وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن. قال الزُّهْريّ: رجل من خزاعة هلك في الجاهلية.
هذه كلها ألفاظ البخاري، ﵀، وقد تقدم في حديث عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة: أن عيسى، ﵇، يمكث في الأرض بعد نزوله أربعين سنة، ثم يُتوفى ويصلي عليه المسلمون (^٩٥٢). وفى حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم (^٩٥٣): أنَّه يمكث سبع سنين، فيحتمل - والله أعلم - أن يكون المراد بلبثه في الأرض أربعين سنة مجموع إقامته فيها قبل رفعه
_________________
(١) = مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ حديث (٣٤٣٩)، ومسلم فى "صحيحه" كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال حديث (٢٧٤) (١٦٩) كتاب الفتن، باب: ذكر الدجال وصفته وما معه حديث (١٠٠) (١٦٩) من طريق مرسى بن عقبة عن نافع عن اين عمر وقد رواه البخارى ومسلم وغيرهما من طرق عن نافع.
(٢) - رواه مسلم فى "صحيحه" كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح ابن مريم حديث (٢٧٤) (١٦٩) من رواية موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر به. وهو عند البخارى فى أحاديث الأنبياء حديث (٣٤٤٠) من طريق موسى بن عقبة أيضًا، ورواه مسلم فى الفتن، باب ذكر الدجال وصفته وما معه حديث (١٠٠) (١٦٩)، والترمذى فى الفتن باب: ما جاء فى صفة الدجال حديث (٢٢٤١)، وأحمد فى مسنده (٢/ ٣٧، ١٢٤) من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وانظر الحديث السابق.
(٣) - رواه البخارى فى "صحيحه" كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ حديث (٣٤٤١)، ورواه أيضًا فى كتاب التعبير، باب: الطواف بالكعبة فى المنام حديث (٧٠٢٦)، وفى الفتن، باب ذكر الدجال حديث (٧١٢٨)، ومسلم فى كتاب الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم والمسيح الدجال حديث (٢٧٧) (١٧١) وأحمد (٢/ ١٢٢، ١٤٤) من طرق عن الزهرى به. دون قول ابن عمر فى أوله: "لا والله ما قال النبيّ ﷺ لعيسى أحمر".
(٤) - تقدم تخريجه برقم (٩٣٦).
(٥) - تقدم تخريجه برقم (٩٤٦). [¬١]- في ز. "سعيد". [¬٢]- في خ: "يتهادى".
[ ٤ / ٣٦٦ ]
وبعد نزوله، فإنه رفع وله ثلاث وثلاثون سنة في الصحيح. وقد ورد ذلك في حديث في صفة أهل الجنَّةَ أنهم على صورة آدم وميلاد عيسى: ثلاث وثلاثين [¬١] سنة. وأما ما حكاه ابن عساكر عن بعضهُم أنَّه رفع وله مائة وخمسون سنة، فشاذ غريب بعيد. وذكر الحافظ أَبو القاسم بن عساكر في ترجمة عيسى ابن مريم من تاريخه عن بعض السلف: أنَّه يدفن مع النبي، ﷺ، في حجرته، فالله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قال قَتَادة: يشهد عليهم أنَّه قد بلغهم الرسالة من الله، وأقر [بالعبودية لله] [¬٢]﷿. وهذا كقوله تعالى في آخر سورة المائدة: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)﴾
يخبر تعالى أنَّه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة؛ حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم كما قال ابن أبي حاتم (^٩٥٤):
حدَّثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو قال: قرأ ابن عبَّاس: (طيبات كانت أحلت لهم).
وهذا التحريم قد يكون قدريًّا بمعنى أنَّه تعالى [قيضهم لأنهم] [¬٣] تأولوا في كتابهم وحرفوا
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (٤/ ١١٤) (٦٢٥٨)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٤) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر. [¬١]- في خ: "ثلاثون". [¬٢]- في خ: "بعبودية الله". [¬٣]- في ز: "قبضهم لأن".
[ ٤ / ٣٦٧ ]
وبدلوا أشياء كانت حلالًا لهم، فحرموها عليه أنفسهم تشديدًا منهم على أنفسهم وتضييقًا وتنطعًا، ويحتمل أن يكون شرعيًّا بمعنى أنَّه تعالى حرم عليهم في التوراة أشياء كانت حلالًا لهم قبل ذلك كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾. أوقد قدمنا الكلام على هذه الآية، وأن المراد أن الجميع من الأطعمة كانت حلالًا لهم من قبل أن تنزل التوراة] [¬١] ما عدا ما كان حرم إسرائيل على نفسه من لحوم الإِبل وألبانها، ثم إنه تعالى حرم أشياء كثيرة في التوراة كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي: إنما حرمنا عليهم ذلك لأنهم يستحقون ذلك؛ بسبب بغيهم وطغيانهم ومخالفتهم رسولهم واختلافهم عليه، ولهذا قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أي: صدّوا الناس وصدُّوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقًا [¬٢] من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهما.
وقوله: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ أي: إن الله قد نهاهم عن الرِّبَا فتناولوه وأخذوه واحتالوا عليه بأنواع من الحيل وصنوف من الشبه، وأكلوا أموال الناس بالباطل، قال الله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
ثم قال تعالى؛ ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ أي: الثابتون في الدين لهم قدم راسخة في العلم النافع، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في سورة آل عمران.
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ عطف على الراسخين، وخبره: ﴿يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
قال ابن عبَّاس: أنزلت فى عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعية [¬٣] [] [¬٤]، وزيد بن سعية، وأسد بن عبيد الذين دخلوا في الإِسلام، وصدّقوا بما أرسل الله به [¬٥] محمدًا، ﷺ.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "خلفًا". [¬٣]- في ز: "شعية". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: وأسد. [¬٥]- سقط من: ز.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
وقوله: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ هكذا هو في جميع مصاحف الأئمة وكذا هو في مصحف أبي بن كعب، وذكر ابن جرير أنها في مصحف ابن مسعود: (والمقيمون الصلاة)، قال: والصحيح قراءة الجميع، ثم ردّ على من زعم أن ذلك من غلط الكتاب [¬١]، ثم ذكر اختلاف الناس فقال بعضهم: هو منصوب على المدح كما جاء في قوله: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ قالوا [¬٢]: وهذا سائغ في كلام العرب، كما قال الشاعر:
لا يَبعدنْ قومِي الَّذينَ هُمُو [¬٣] … سُمُّ [¬٤] العُدَاةِ [¬٥] وآفةُ الحزرِ
النَّازلين بكل مُعْتَرَكٍ … والطَّيِّبونَ مَعَاقِدَ الأزُرِ
وقال آخرون: هو مخفوض عطفًا على قوله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: وبالمقيمين الصلاة، وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة: الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالملائكة، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ يحتمل أن يكون المراد زكاة الأموال، ويحتمل زكاة النفوس، ويحتمل الأمرين، والله أعلم. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي: يصدّقون بأنه لا إله إلَّا الله، ويؤمنون بالبعث بعد الموت والجزاء على الأعمال خيرها وشرها.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ هو الخبر عما تقدَّم، ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنَّةَ ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾
_________________
(١) [¬١]- في ز: "الكاتب". [¬٢]- في خ: "قال". [¬٣]- في ز: "هم". [¬٤]- في ز: "أشدُّ"، خ: "أسد". [¬٥]- في ز: "الغداة".
[ ٤ / ٣٦٩ ]
قال محمد بن إسحاق (^٩٥٥): عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: قال سُكين وعدي بن زيد: يا محمد؛ ما نعلم [] [¬١] [أنزل الله] [¬٢] على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله في ذلك من قولهما، ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى آخر الآيات.
وقال ابن جرير (^٩٥٦): حدَّثنا الحارث، حدَّثنا عبد العزيز، حدَّثنا أَبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي؛ قال: أنزل الله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ قال [¬٣]: فلما تلاها عليهم - يعنى: على اليهود - وأخبرهم بأعمالهم الخبيثة جحدوا كل ما أنزل الله وقالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء ولا موسى ولا عيسى ولا على نبي من شيء، فال: فحل حبوته [¬٤] وقال [¬٥]: ولا على أحد، فأنزل الله عَزَّ رجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وفي هذا الذي قاله محمد بن كعب القرظي نظر، فإن هذه الآية التي [¬٦] في سورة الأنعام مكية [¬٧]، وهذه الآية التي [¬٨] في سورة النساء مدنية، رهي رد عليهم لما سألوا النبي، صلى الله عليه ومسلم، أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ ثم ذكر فضائحهم ومعايبهم وما كانوا عليه وما هم عليه الآن من الكذب والافتراء.
ثم ذكر تعالى أنَّه أوحى إلى عبده ورسوله محمد، ﷺ، كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدِّمين فقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾. والزبور: اسم للكتاب الذي أوحاه الله إلى داود ﵇،
_________________
(١) - سيرة ابن هشام (٢/ ٥٩٦) ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٤٠٠) (١٠٨٤٠)، وابن أبي حاتم (٤/ ١١١٨) (٦٢٧٨)، والبيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ٥٣٥) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٥) وزاد نسبته لابن المنذر.
(٢) - تفسير ابن جرير (٩/ ٤٠١) (١٠٨٤١). [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: أن. [¬٢]- في خ: "الله أنزل". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "حيوته". [¬٥]- في ز: "فقال". [¬٦]- في ز: "مكية". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- سقط من: ت.
[ ٤ / ٣٧٠ ]
وسنذكر ترجمة كل واحد من هؤلاء الأنبياء - عليهم من الله أفضل [¬١] الصلاة والسلام عند قصصهم [في السور الآتية] [¬٢] إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
وقوله: ﴿وَ[¬٣] رُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: من قبل هذه الآية؛ يعني: في السور المكية وغيرها.
وهذه تسمية الأنبياء الذين نص الله [¬٤] على أسمائهم في القرآن، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين، وسيدهم محمد، ﷺ.
وقوله: ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ أي: خلقًا آخرين لم يُذكروا في القرآن، وقد اختلف في عدة [¬٥] الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك حديث أبي ذر الطويل، وذلك فيما رواه ابن مردويه، ﵀، في تفسيره حيث قال (^٩٥٧): حدثنا إبراهيم بن محمد، حدثنا جعفر بن محمد بن الحسن والحسين بن عبد الله بن يزيد قالا: حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثني أبي، عن جدّي، عن أبى [¬٦] إدريس الخولاني، عن أبى ذر قال: قلت: يا رسول الله؛ كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير"، قلت: يا رسول الله، من كان أوّلهم؟ قال: "آدم"، قلت: يا رسول الله، نبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده و[¬٧] نفخ فيه من روحه ثم سواه قبلا"، ثم قال: "يا أبا ذر؛ أربعة سريانيون [¬٨]: آدم وشيث [¬٩] ونوح وخنوخ، وهو إدريس، وهو أوّل من خط بقلم [¬١٠]، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر، وأوّل نبى من
_________________
(١) - رواه ابن حبان فى "صحيحه" (٢/ رقم ٣٦١ - إحسان) وأبو نعيم فى حلية الأولياء (١/ ١٦٦ - ١٦٨) والآجرى كما سينقله عنه المصنف برقم (٥٥) من طرق عن إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسانى به مطولًا. وإسناده ضعيف جدًّا؛ إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسانى كذبه أبو حاتم وأبو زرعة وترجم له الذهبى فى "الميزان" وقد أورده ابن حبان فى "الثقات" (٨/ ٧٩) وصحح حديثه فلم يصب. وانظر الحديث رقم (٩٦٨). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ت: "من سورة الأنبياء". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ت: "عدد". [¬٦]- في خ: "ابن". [¬٧]- فى خ: "ثم". [¬٨]- في ز: "شرياميون". [¬٩]- في ز: "شيت". [¬١٠]- في خ: "بالقلم".
[ ٤ / ٣٧١ ]
بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأوّل النبيين آدم وآخرهم نبيك".
وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان [¬١] البستي [¬٢] فى كتابه الأنواع والتقاسيم، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث فى كتابه "الموضوعات" واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، فالله [¬٣] أعلم.
وقد روي هذا الحديث [¬٤] من وجه آخر، عن صحابي آخر، فقال ابن أبي حاتم (^٩٥٨): حدثنا محمد بن عوف، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قلت: يا نبي الله، كم الأنبياء؟، قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا".
معان بن رفاعة السلامي ضعيف، وعلى بن يزيد ضعيف، والقاسم أبو عبد الرحمن ضعيف أيضًا.
[وقد] [¬٥] قال الحافظ أبو يعلى الموصلى (^٩٥٩): حدثنا أحمد بن إسحاق أبو عبد الله الجوهري البصرى، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الربذي، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله، ﷺ: "بعث الله ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف إلى
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١١٨) (٦٢٨٣)، ورواه أحمد فى مسنده (٥/ ٢٦٥) قال: حدثنا أبو المغيرة، والطبرانى في الكبير (٨/ ٢٥٨، ٢٥٩) (٧٨٧١) قال: حدثنا أحمد بن عبد الوهاب ثنا أبو المغيرة فذكرا الحديث مطولًا وإسناده ضعيف من أجل على بن يزيد والقاسم ومعان بن رفاعة والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (١/ ١٦٤) وقال: رواه أحمد والطبرانى فى الكبير … ومداره على علي ابن يزيد وهو ضعيف. والحديث نقل المصنف جزءًا آخر منه فى سورة الأنعام وعزاه لابن أبى حاتم ويأتى تخريجه هناك فى تفسير الآية (١١٢) وذكر الهيثمى جزء آخر منه فى المجمع (٣/ ١١٨) وقال: رواه أحمد فى حديث طويل والطبرانى فى الكبير وفيه على بن يزيد وفيه كلام. وانظر الحديث (٩٦٩).
(٢) - رواه أبو يعلى فى مسنده (٧/ ١٥٩، ١٦٠) (٤١٣٢) رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء (٣/ ٥٣) من طريق إبراهيم بن زهير الحلوانى قال: حدثنا مكى بن إبراهيم به. والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٨/ ٢١٣) وقال: رواه أبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة الربذى وهو ضعيف جدًّا. وذكره ابن حجر فى المطالب العالية (٣/ ٢٧٠) رقم (٣٤٥٥) وعزاه إلى أبى يعلى وذكره أيضًا السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٦) وعزاه لأبى يعلى وأبى نعيم وقال: بسند ضعيف. [¬١]- في ز: "حاتم". [¬٢]- في ز: "الليتي"، خ: "الليثى". [¬٣]- في خ: "والله". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في خ: "و".
[ ٤ / ٣٧٢ ]
بني إسرائيل، وأربعة آلاف إلى سائر الناس".
وهذا أيضًا إسناد ضعيف، فيه الربذي ضعيف، وشيخه الرقاشي أضعف منه [أيضًا] [¬١]، والله أعلم.
وقال أبو يعلى (^٩٦٠): حدثنا أبو الربيع، حدثنا محمد بن ثابت العبدي، حدثنا معبد [¬٢] بن خالد الأنصاري، عن يزيد الرقاشي، عن أنس قال: قال رسول الله، ﷺ: "كان فيمن خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا".
وقد رويناه عن أنس من وجه آخر، فأخبرنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي (^٩٦١)، أخبرنا أبو الفضل بن عساكر، أنبأنا الإِمام أبو بكر القاسم بن أبي سعيد الصفار، أخبرتنا [عمة أبي] [¬٣] عائشة بنت أحمد بن منصور بن الصفار، أخبرنا الشريف أبو السنابك هبة الله بن أبي الصهباء محمد بن حيدر القرشي، حدثنا الإمام الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، قال: أخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلى، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن طارق، حدثنا مسلم [¬٤] بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن محمد بن المنكدر، عن صفوان بن سليم، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
_________________
(١) - مسند أبى يعلى (٧/ ١٣١، ١٣٢) (٤٠٩٢)، ورواه الحاكم فى المستدرك (٢/ ٥٩٨) من طريق أبى الربيع الزهرانى به وإسناده ضعيف جدًّا، محمد بن ثابت العبدى قال ابن حجر فى التقريب: صدوق لين الحديث، ويزيد الرقاشى قال ابن حجر فى التقريب: زاهد ضعيف، والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٨/ ٢١٤) وقال: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن ثابت العبدى وهو ضعيف وذكره ابن حجر فى المطالب (٣/ ٢٧٠) (٣٤٥٦) وعزاه لأبى يعلى وقد سكت عليه الحاكم لكن قال الذهبى: واهٍ.
(٢) - رواه المصنف هنا بسنده وأعله بأحمد بن طارق لكن رواه أبو نعيم فى حلية الأولياء (٣/ ١٦٢) من طريق زكريا بن عدى ثنا مسلم بن خالد به. وإسناد أبى نعيم جيد رجاله ثقات إلا أن مسلم بن خالد كثير الوهم، ورواه الحاكم (٢/ ٥٩٧)، والطبرانى فى الأوسط (٧٧٤) من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامى ثنا إبراهيم بن المهاجر بن مسمار عن محمد بن المنكدر وصفوان بن سليم عن يزيد الرقاشى عن أنس بن مالك ﵁ وليس فى رواية الطبرانى ذكر ابن المنكدر. والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٨/ ٢١٣) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه مهاجر بن مسمار وهو ضعيف. وقد ضعفه الذهبى أيضًا فى تلخيص المستدرك فقال: إبراهيم ويزيد واهيان. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ". [¬٢]- في ز: "محمد". [¬٣]- ما بين المعكوفتين فى ز، خ: "أمي". [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٣٧٣ ]
وسلم: "بعثت على أثر ثلاثة [¬١] [] [¬٢] من بني إسرائيل". وهذا عزيز [¬٣] من هذا الوجه، وإسناده لا بأس به، رجاله كلهم معروفون إلا أحمد بن طارق هذا فإني لا أعرفه بعدالة ولا جرح، والله أعلم.
[] [¬٤] حديث أبى ذر الغفاري الطويل في عدد الأنبياء ﵈:
قال محمد بن الحسين الآجري (^٩٦٢): حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الفريابى [¬٥] إملاء في شهر رجب سنة سبع وتسعين ومائتين، حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني، حدثنا أبي، عن جدّه، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر قال: دخلت المسجد فإذا رسول الله، ﷺ، جالس وحده، فجلست إليه فقلت: يا رسول الله؛ إنك أمرتني بالصلاة. قال: "الصلاة خير موضوع [¬٦]، فاستكثر أو استقل" قال: قلت: يا رسول الله، فأي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله"، قلت: يا رسول الله، فأي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خلقًا"، قلت: يا رسول الله، فأي المسلمين أسلم؟ قال: "من سلم الناس من لسانه ويده"، قلت [¬٧]: يا رسول الله، فأي الهجرة أفضل؟
_________________
(١) - رواه ابن حبان، وأبو نعيم مطولًا وقد تقدم برقم (٩٦٣) ومن قوله: (أوصيك بتقوى الله … إلى آخر الحديث. أخرجه الطبرانى فى الكبير (١٦٥١) عن أحمد بن أنس بن مالك عن إبراهيم بن هشام به، وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٤/ ٢١٩) وقال: رواه الطبرانى وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغسانى وثقه ابن حبان وضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. وقوله: "قل الحق وإن كان مرًّا" رواه الطبرانى فى مكارم الأخلاق رقم (١) والقضاعى فى "مسند الشهاب" (٦٥١) وروى ابن ماجه فى الزهد، باب: الورع والتقوى حديث (٤٢١٨) عن الماضى بن محمد بن علي بن سليمان عن القاسم بن محمد عن أبى إدريس الخولانى عن أبى ذر مرفوعًا: لا عقل كالتدبير. ولا ورع كالكف. ولا حسب كحسن الخلق. وقال البوصيرى فى الزوائد (٣/ ٣٠٠): هذا إسناد ضعيف لضعف الماضى بن محمد الغافقى المصرى. ورواه أحمد فى مسنده من حديث أبى ذر أيضًا قال الألبانى فى "الضعيفة" (٤/ ٣٨٣): لم أره فى "المسند" ولا عزاه إليه السيوطى فى "الجامع". والحديث رواه ابن عدى فى الكامل (٧/ ٢٦٩٩) والبيهقى فى السنن (٩/ ٤)، وأبو نعيم فى الحلية (١/ ١٦٨) من طريق يحيى بن سعيد الكوفى السعدى ثنا ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن أبى ذر به. وقال ابن عدى،: هذا حديث منكر من هذا الطريق عن ابن جريج عن عطاء، عن عبيد بن عمير = [¬١]- فى ت: "ثمانية". [¬٢]- ما بين المعكوفين في خ: نبي. [¬٣]- في ت: "غريب". [¬٤]- ما بين المعكوفين في خ: و. [¬٥]- في ز: "الغيارنى". [¬٦]- فى خ: "موضع". [¬٧]- في ز: "فقلت".
[ ٤ / ٣٧٤ ]
قال: "من هجر السيئات". قلت: يا رسول الله؛ أي الصلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت" قلت: يا رسول الله فأي الصيام أفضل؟ قال: "فرض مجزئ وعند الله أضعاف كثيرة" قلت: يا رسول الله؛ فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من عقر جواده وأهريق دمه" قلت: يا رسول الله، فأي الرقاب أفضل؟ قال: "أغلاها ثمنًا وأنفسها عند أهلها"، قلت: يا رسول الله، فأي الصدقة أفضل؟ قال: "جهد من مقل، وسر إلى فقير"، قلت: يا رسول الله، فأي آية ما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي"، ثم قال: "يا أبا ذر، وما السموات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على الحلقة"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل من ذلك؟ قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر جم غفير كثير طيب". قلت: فمن كان أولهم؟ قال: "آدم"، قلت: أنبي مرسل؟ قال: "نعم، خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسوّاه قبيلًا".
ثم قال: "يا أبا ذر أربعة سريانيون [¬١]: آدم وشيث [¬٢] وخنوخ - وهو إدريس، وهو أول من خط بقلم - ونوح. وأربعة من العرب: هود، وشعيب، وصالح، ونبيك يا أبا ذر؛ وأوّل أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول الرسل: آدم، وآخرهم: محمد". قال: قلت: يا رسول الله، كم كتابًا أنزله الله؟ قال: "مائة كتاب وأربعة كتب، أنزل الله على شيث خمسين صحيفة، وعلى خنوخ ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى من قبل التوراة عشر صحائف، وأنزل التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان".
قال: قلت: يا رسول الله، ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت كلها يا أيها الملك المسلط المبتلى المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكني بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم، فإني لا أردّها ولو كانت من كافر، وكان فيها أمثال [¬٣]، وعلى العاقل أن
_________________
(١) = عن أبى ذر وهذا الحديث ليس له من الطرق إلَّا من رواية أبى إدريس الخولانى والقاسم بن محمد عن أبى ذر والثالث حديث ابن جريج وهذا أنكر الروايات والجزء الأول من الحديث رواه أيضًا أحمد فى مسنده (٥/ ١٧٨، ١٧٩) والبزار فى مسنده كما فى كشف الأستار (١/ ٩٣) (١٦٠) من طريق المسعودى عن أبى عمر الدمشقى عن عبيد بن الخشخاش - بمعجمات - عن أبى ذر قال الهيثمى فى مجمع الزوائد (١/ ١٦٠): فيه المسعودى وهو ثقة لكنه اختلط. [¬١]- فى ز: "سرانيون"، خ: "اسرائيون". [¬٢]- في ز: "وشيت". [¬٣]- فى ز: "مثال".
[ ٤ / ٣٧٥ ]
يكون له ساعات: ساعة يناجى فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يفكر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب، وعلى العاقل ألا يكون ضاغنًا إلا لثلاث: تزوّد لمعاد، أو مرمة لمعاشٍ، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه".
قال: قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى؟ قال: "كانت عبرًا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، وعجبت لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم [هو] [¬١] يطمئن إليها، وعجبت لمن أيقن بالحساب غدًا ثم هو لا يعمل".
قال: قلت: يا رسول الله، فهل في أيدينا شيء مما كان في أيدي إبراهيم وموسى وما أنزل الله [¬٢] عليك؟، قال: "نعم، اقرأ يا أبا ذر ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ [¬٣] الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.
قال: قلت [¬٤]: يا رسول الله، فأوصني، قال: "أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس أمرك".
قال: قلت: يا رسول الله، زدني، قال: "عليك بتلاوة القرآن وذكر الله، فإنه ذكر لك في السماء ونور لك في الأرض".
قال: قلت: يا رسول الله، زدنى. قال: "إياك وكثرة الضحك، فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه".
قلت: يا رسول الله، زدني، قال: "عليك بالجهاد، فإنه رهبانية أمتي".
قلت: زدني، قال: "عليك بالصمت إلا من خير، فإنه مطردة للشيطان وعون لك على أمر دينك".
قلت: زدني، قال: "انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر لك
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "يؤثرون". [¬٤]- في ز: "فقلت".
[ ٤ / ٣٧٦ ]
أن لا تزدري نعمة الله عليك"، قلت: زدني، قال: "أحبب المساكين وجالسهم، فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عليك".
قلت: زدني، قال: "صِلْ قرابتك وإن قطعوك"، قلت: زدني، قال: "قل الحق وإن كان مرًّا".
قلت: زدني، قال: "لا تخف في الله لومة لائم".
قلت: زدني، قال: "يردّك عن الناس ما تعرف من نفسك، ولا [¬١] تجد عليهم فيما تحب، [وكفى بك عيبًا أن تعرف من الناس ما تجهل [¬٢] من نفسك، أو تجد عليهم فيما تحب] [¬٣].
ثم ضرب بيده صدري فقال: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحُسنِ الخلق".
وروى الإمام أحمد عن أبي المغيرة (^٩٦٣)، عن معان بن رفاعة عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة أن أبا ذر سأل النبي، ﷺ، فذكر: أمر الصلاة والصيام والصدقة، وفضل آية الكرسى ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل الشهداء، وأفضل الرقاب، ونبوة آدم وأنه مكلم، وعدد الأنبياء والمرسلين، كنحو ما تقدّم.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد (^٩٦٤): وجدت في كتاب أبى بِخَطِّهِ: حدثني عبد المتعالي بن
_________________
(١) - رواه أحمد فى مسنده (٥/ ٢٦٥) وقد تقدم قريبًا.
(٢) - المسند (٣/ ٧٩) ونقله الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ٣٤٩) فقال: رواه أحمد وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائى فى رواية وقال فى أخرى: ليس بالقوى وضعفه جماعة. قلت: وفيه أيضًا عبد المتعال بن عبد الوهاب الأنصارى قال أبو زرعة العراقى فى "ذيل الكاشف": لا أعرف حاله لكن تعقبه ابن حجر فى تعجيل المنفعة (ت ٦٦٨) بقوله: "قلت: قد عرفه أبو أحمد الحاكم فذكره فى "الكنى" فيمن يكنى أبا سعيد فقال: عبد المتعال بن عبد الوهاب الأنصارى من ولد زيد بن ثابت، سمع النضر بن شميل ثم ساق من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل عن عبد المتعال بن عبد الوهاب، فعلى هذا قد شارك عبد الله أباه فى الرواية عن عبد المتعال، وقرأت فى كتاب "الرد على الجهمية" لابن أبى حاتم: أخبرنا إبراهيم بن الحارث بن مصعب أنا أبو سعيد عبد المتعال بن عبد الوهاب سمعت أبى يقول … فذكر حكاية فكملت الرواة عنه ثلاثة .. ". = [¬١]- في خ: "أو". [¬٢]- في ز: "يجهل". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ٤ / ٣٧٧ ]
عبد الوهاب، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك قال: قال أبو سعيد: هل تقول الخوارج بالدجال؟ قال: قلت: لا، فقال: قال رسول الله: "إنى خاتم ألف نبي أو أكثر، وما بعث نبي يتبع إلا وقد حذر أمّته منه، وإني قد بين لى فيه ما لم يبين لأحد [¬١]، وأنه أعور وإن ربكم ليس بأعور، وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخامة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري، معه من كل لسان، ومعه صورة الجنة خضراء يجرى فيها الماء وصورة النار سوداء تدخن".
وقد رويناه في الجزء الذي فيه رواية أبي يعلى الموصلي، عن يحيى بن معين، حدثنا مروان بن معاوية، حدثنا مجالد، عن أبي الوداك، عن أبى سعيد قال: قال رسول الله، ﷺ: "إني أختم ألف ألف نبي أو أكثر، ما بعث الله من نبي إلى قومه إلا حذرهم الدجال". وذكر تمام الحديث هذا لفظه بزيادة ألف، وقد تكون مقحمة [¬٢]، والله أعلم. وسياق رواية الإمام أحمد أثبت وأولى بالصحة، ورجال إسناد هذا الحديث لا بأس بهم، وقد [¬٣] روى هذَا الحديث من طريق جابر بن عبد الله، ﵁، قال الحافظ أبو بكر البزار (^٩٦٥):
حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر قال: قال رسول الله، ﷺ: "إني لخاتم ألف نبي أو أكثر، وإنه ليس منهم نبي [¬٤] إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإنه [¬٥] قد بين لي ما لم يبين لأحد منهم، وإنه أعور وإن ربكم ليس بأعور".
وقوله [¬٦]: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وهذا تشريف لموسى، ﵇، بهذه
_________________
(١) = والحديث أخرجه ابن أبى شيبة فى "المصنف" كتاب الفتن باب: "ما ذكر فى فتنة الدجال" (٨/ ٦٤٧): والحاكم فى المستدرك (٢/ ٥٩٧، ٥٩٨) من طريق مروان بن معاوية عن مجالد به، وسكت عنه الحاكم لكن تعقبه الذهبى بقوله: "مجالد ضعيف" ورواية الحاكم مقتصرة على قوله: "إنى خاتم ألف نبى أو أكثر" وذكره المصنف فى البداية والنهاية (٢/ ١٨٣) من طريق أحمد وقال: هذا حديث غريب. ورواية أبى يعلى عن ابن معين التى ذكرها ابن كثير هنا لم أقف عليها فى مسنده ولا وقفت على الجزء المشار إليه.
(٢) - رواه البزار فى "مسنده" كما فى كشف الأستار (٤/ ١٣٥) (٣٣٨٠)، ورواه ابن أبى شيبة = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "معجمة". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- فى ت: "وإنى". [¬٦]- في خ: "قوله".
[ ٤ / ٣٧٨ ]
الصفة، ولهذا يقال له: الكليم، وقد قال الحافظ أبو بكر بن مردُويه (^٩٦٦): حدثنا أحمد بن محمد بن سليمان المالكي، حدثنا مسيح بن حاتم، حدثنا عبد الجبار بن عبد الله قال: جاء رجل إلى أبى بكر بن عياش فقال: سمعت رجلًا يقرأ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، فقال أبو بكر: ما قرأ هذا إلا كافر، قرأت على الأعمش، وقرأ الأعمش على يحيى [¬١] بن وثاب، وقرأ يحيى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السلمي، وقرأ أبو [¬٢] عبد الرحمن السلمي [¬٣] على على بن أبي طالب، وقرأ على بن أبى طالب على رسول الله، ﷺ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
وإنما اشتدّ غضب أبى بكر بن عياش، ﵀، على من قرأ كذلك؛ لأنه حرَّفَ لفظ القرآنِ ومعناه، وكأنَّ [¬٤] هذا من المعتزلة الذين ينكرون أن يكون [¬٥] الله كلم موسى، ﵇، أو يكلم أحدًا من خلقه؛ كما روينا [¬٦] عن بعض المعتزلة أنه قرأ على بعض المشايخ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فقال له: يا بن اللخناء [¬٧]! فكيف [¬٨] تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ يعني أن هذا لا يحتمل التحريف ولا التأويل.
وقال ابن مردُويه (^٩٦٧): حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن الحسين بن بهرام [¬٩]، حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا هانئ بن يحيى، عن الحسن بن أبي جعفر، عن قتادة، عن يحيي بن وثاب، عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ: "لما كلّم الله موسى كان يبصر دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء".
_________________
(١) = (٨/ ٦٤٦)، وابن سعد (١/ ١٥١) مختصرًا، وأبو نعيم فى الحلية (٤/ ٣٣٤، ٣٣٥) من طرق عن مجالد به، ومجالد ضعيف كما تقدم.
(٢) - عزاه أيضًا لابن مردويه السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٨) والحديث رواه الطبرانى فى الأوسط (٨٦٠٨) قال: حدثنا مسيح بن حاتم قال: ثنا عبد الجبار بن عبد الله … فذكره وذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ١٥، ١٦) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، وعبد الجبار بن عبد الله لم أعرفه وبقية رجاله ثقات، والذى وجدته روى عن أبى بكر بن عياش أحمد بن عبد الجبار بن ميمون وهو ضعيف والنسخة سقيمة.
(٣) - سيأتى في تفسير سورة الأعراف الآية (١٤٣). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- فى خ: "كان". [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في خ: "رويناه". [¬٧]- عبارة تستعمل في السب والشتم، يقال: رجل لخن وامرأة لخناء، إذا أنتن. [¬٨]- فى خ: "كيف". [¬٩]- فى ز: "ما بهرام".
[ ٤ / ٣٧٩ ]
وهذا حديث غريب، وإسناده لا يصح، وإذا صح موقوفًا كان جيدًا.
وقد روى الحاكم في مستدركه وابن مردُويه من حديث حميد بن قيس [¬١] الأعرج، عن عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله، ﷺ: "كان على موسى يوم كلمه ربه جبة صوف وكساء صوف وسراويل صوف ونعلان من جلد حمار غير ذكي". (^٩٦٨).
_________________
(١) - رواه الحاكم فى مستدركه (١/ ٢٨) من طريق سعيد بن منصور قال: حدثنا خلف بن خليفة - وفى (٢/ ٣٧٩) عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه وخلف بن خليفة كلاهما عن حميد بن قيس عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود به، وقال الحاكم عقب الحديث فى الموضع الأول: "قد اتفقا جميعًا على الاحتجاج بحديث سعيد بن منصور وحميد هذا ليس بابن قيس الأعرج. قال البخارى فى "التاريخ": حميد بن علي الأعرج الكوفى منكر الحديث وعبد الله بن الحارث النجرانى محتج به واحتج مسلم وحده بخلف بن خليفة، وهذا حديث كبير فى التصوف" وسكت عنه الذهبى، وقال الحاكم فى الموضع الثانى: هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه، فتعقبه الذهبى بقوله: بل ليس على شرط البخارى وإنما غره أن فى الإسناد حميد بن قيس كذا، وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفى بن على - أو ابن عمار - أحد المتروكين فظنه المكى الصادق. ورواه الترمذى فى اللباس، باب: ما جاء فى لبس الصوف حديث (١٧٣٤)، وأبو يعلى فى مسنده (٤٩٨٣)، وابن جرير فى تفسيره (١٦/ ١٤٤)، والعقيلى فى الضعفاء (١/ ٢٦٨)، وابن عدى فى الكامل (٢/ ٦٨٨) وابن حبان فى المجروحين (١/ ٢٦٢)، والبيهقى فى "الأسماء والصفات" (٤١٨) من طرق عن خلف بن خليفة به. وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث حميد الأعرج، وحميد هو ابن علي الكوفى قال: سمعت محمدًا يقول: حميد بن علي الأعرج منكر الحديث وحميد بن قيس الأعرج المكى صاحب مجاهد ثقة. وقال ابن حبان فى ترجمة حميد - سماه حميد بن عطاء -: منكر الحديث يروى عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود نسخة كأنها موضوعة، وقال ابن عدى: لحميد عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود غير هذه الأحاديث التى ذكرتها وله عن غير عبد الله بن الحارث أحاديث وهذه الأحاديث عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود أحاديث ليست بمستقيمة ولا يتابع عليها وهو الذى يحدث به عن عبد الله بن الحارث. والحديث ضعفه ابن جرير أيضًا فى الموضع المشار إليه فى التخريج، ورواه ابن الجوزى فى الموضوعات (١/ ١٩٢، ١٩٣) من طريق أبى عبد الله بن بطة قال: حدثنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا الحسن ابن عرفة قال حدثنا خلف بن خليفة … فذكره، وزاد فى آخره: "فقال: من ذا العبرانى الذى يكلمنى من هذه الشجرة؟ قال: أنا الله" وقال ابن الجوزى عقبه: هذا حديث لا يصح فإن كلام الله = [¬١]- في خ: "قبس".
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وقال ابن مردُويه بإسناده: عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن اللَّه ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام وصايا كلها، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم، مما وقع في مسامعه من كلام الرب ﷿.
وهذا أيضًا إسناد [¬١] ضعيف، فإن جويبرًا ضُعِّف [¬٢]، والضحاك لم يدرك ابن عباس، ﵄. فأما الأثر الذي رواه ابن أبي حاتم وابن مردُويه وغيرهما من طريق الفضل بن عيسى الرقاشي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد اللَّه أنه [¬٣] قال: لما كلم اللَّه موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى: يا رب هذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: لا يا موسى؛ إنما [¬٤] كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسنة كلها وأنا أقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى، صف لنا كلام الرحمن، قال: لا أستطيعه، قالوا: فشبه لنا، قال: ألم تسمعوا إلى صوت الصواعق، فإنها [¬٥] قريب منه وليس به (^٩٦٩).
_________________
(١) = لا يشبه كلام المخلوقين، والمتهم به حميد واختلف فى اسم أبيه فقيل: على. وقيل: عطاء. وقيل: عمار. وليس بحميد بن قيس الأعرج صاحب الزهرى فإنه مخرج عنه فى الصحيحين. وتعقبه السيوطى فى اللآلئ (١/ ١٥٠، ١٥١) بقوله: "قلت: قال الحافظ فى لسان الميزان كلا والله بل حميد بريء من هذه الزيادة فقد أنبأنا به الحافظ أبو الفضل بين الحسين (فساقه ابن حجر بسنده إلى إسماعيل الصفار دون الزيادة) ثم قال: وكذا رواه الترمذى عن علي بن حجر عن خلف بن خليفة بدون هذه الزيادة وكذا رواه سعيد بن منصور عن خلف بدون هذه الزيادة وكذا رواه أبو يعلى فى مسنده عن أحمد بن حاتم عن خلف ابن خليفة بدون هذه الزيادة ورواه الحاكم فى المستدرك ظنًا منه أن حميدًا الأعرج هو حميد بن قيس المكى الثقة وهو وهم منه وقد رواه من طريق عمرو بن حفص بن غياث عن أبيه وخلف بن خليفة جميعًا عن حميد بدون هذه الزيادة وما أدرى ما أقول فى ابن بطة بعد هذا فما أشك أن إسماعيل بين محمد الصفار لم يحدث بهذا قط والله أعلم. ومما تقدم يتبين أن الحديث ضعيف لضعف حميد بن علي الأعرج وأمَّا الزيادة التى أوردها ابن الجوزى فى الموضوعات من طريق ابن بطة فهي باطلة ومن أجلها أورد ابن الجوزى الحديث فى موضوعاته، والله أعلم.
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١١٩) (٦٢٨٦)، وإسناده ضعيف كما قال المصنف ﵀ فإن الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشى ضعفه ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود والنسائى وقال ابن عدى: والضعف بين على ما يرويه. ترجمته فى "تهذيب الكمال" والراوى عنه على بن عاصم الواسطى صدوق لكنه يخطئ ويصر كما فى "التقريب" لكن نقل ابن الجوزى تكذيبه عن يزيد بن هارون، والحديث رواه البزار فى مسنده كما فى كشف الأستار - (٢٣٥٣)، والبيهقى فى الأسماء= [¬١]- في خ: "إسناده". [¬٢]- في ت: "ضعيف". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "إنا". [¬٥]- في خ: "فإنه".
[ ٤ / ٣٨١ ]
وهذا اسناد ضعيف؛ فإن الفضل [الرقاشي هذا] [¬١] ضعيف بمرة.
وقال عبد الرزاق (^٩٧٠): أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن [¬٢] جزء بن جابر الخثعمى، عن كعب قال: إن اللَّه لما كلم موسى كلمه [¬٣] بالألسنة كلها سوى كلامه، فقال له [¬٤] موسى: يا رب، هذا كلامك؟ قال: لا، ولو كلمتك بكلامي لم تستقم له، قال: يارب، فهل من خلقك شيء [¬٥] يشبه كلامك؟ قال: لا، وأشدُّ خلقي شبهًا بكلامي أشدَّ ما تسمعون [¬٦] من الصواعق.
_________________
(١) = والصفات (٦٠١)، وأبو نعيم فى حلية الأولياء (٦/ ٢١٠)، وابن الجوزى فى الموضوعات (١/ ١١٢، ١١٣) كلهم من طريق على بن عاصم عن الفضل بن عيسى به. وقد تعقب السيوطى فى اللآلئ (١/ ١٩) على ابن الجوزى إيراده هذا الحديث فى الموضوعات فقال: "فى الحكم بوضعه نظر فإن الفضل لم يتهم بكذب وأكثر ما عيب عليه الندرة وهو من رجال ابن ماجه" وقال ابن عراق فى "تنزيه الشريعة" (١/ ١٤١): هذا الحديث أعله ابن الجوزى بالفضل وبراويه عنه على بن عاصم ونقل عن يزيد بن هارون أنه قال فى على: ما زلنا نعرفه بالكذب. واقتصر السيوطى على إعلاله بالفضل وتعقبه ولم يتعرض للآخر، واقتصر الذهبى فى التلخيص على إعلاله بعلى - وذكر كلام ابن هارون فيه، والله أعلم.
(٢) - رواه فى تفسيره (١/ ٢٣٨) ومن طريقه رواه عبد الله بن أحمد فى السنة (٥٣٩)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١١٩) (٦٢٨٧)، والبيهقى فى الأسماء والصفات (٦٠٢) ورواه ابن جرير فى تفسيره (٤/ ٤٠٩) (١٠٨٤٣) وفى (٩/ ٤٠٥، ٤٠٦) (١٠٨٤٥، ١٠٨٤٦)، والدارمى فى الرد على الجهمية رقم (٣٢١) كلهم من طريق أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وجزء بن جابر مختلف فى اسمه قال البيهقى: رواه ابن أخى الزهرى عنه عن أبى بكر فقال: عن جرير بن جابر الخثعمى، وقال البخارى: وقال يونس وابن أخى الزهرى والزبيدى: جرو وقال شعيب جرز بن جابر وهو رجل مجهول ثم يحتمل أنه أراد: ما سمع للسماوات والأرض من الأصوات عند إسماع الرب جل ذكره! إياه كلامه، كما روينا عن أهل السماوات أنهم يسمعون عند نزول الوحى للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، وكما روينا فى الحديث الصحيح عن أبى هريرة عن نبى الله ﷺ قال: "إذا قضى الله الأمر فى السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان". وكما روينا عن نبينا ﷺ: أنه كان يأتيه الوحى أحيانًا فى مثل صلصلة الجرس" وكل ذلك مضاف إلى غير الله ﷾ وكذلك الصوت المذكور فى هذا الحديث إن كان صحيحًا فإنه يحدث عن التوراة التى أخبر اللَّه تعالى عن أهلها أنهم حرفوها وبدلوها فليس من قوله ما يلزمنا توجيهه، إذا لم يوافق أصول الدين والله أعلم. والحديث ذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٢١٥) وزاد نسبته لابن المنذر. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "هذا الرقاشي". [¬٢]- في ز، خ: "بن". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في ز: "يسمعون".
[ ٤ / ٣٨٢ ]
فهذا موقوف على كعب الأحبار، وهو يحكي عن الكتب المتقدّمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين.
وقوله: ﴿رسلًا مبشرين ومنذرين﴾ أي: يبشرون من أطاع اللَّه واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب.
وقوله: ﴿لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل وكان اللَّه عزيرًا حكيمًا﴾ أي: إنه تعالى أنزل كتبه وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبين ما يحبه ويرضاه، مما يكرهه ويأباه؛ لئلا يبقى لمعتذر عذر؛ كما قال تعالى: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى﴾ وكذا قوله تعالى: ﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين﴾. وقد ثبت في الصحيحين (^٩٧١) عن ابن مسعود.
قال: قال رسول اللَّه، ﷺ: "لا أحد أغير من اللَّه؛ من أجل ذلك حرم اللَّه [¬١] الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من اللَّه ﷿ من أجل [¬٢] ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من اللَّه؛ من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين". وفي لفظ آخر [¬٣]: "من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه".
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ
_________________
(١) - رواه البخارى فى "صحيحه" فى التفسير، باب: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ حديث (٤٦٣٤)، وفى باب: قول اللَّه ﷿: ﴿قل إنما حرم ربى الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ حديث (٤٦٣٧)، وفى النكاح، باب: الغيرة، حديث (٥٢٢٠)، وفى كتاب التوحيد، باب: قول اللَّه تعالى ﴿ويحذركم اللَّه نفسه﴾ حديث (٧٤٠٣)، ومسلم فى "صحيحه" فى التوبة، باب غيرة اللَّه تعالى وتحريم الفواحش، حديث (٢٧٦٠) من طريقين عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن ابن مسعود به. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "أحد". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ٤ / ٣٨٣ ]
الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠)﴾.
لما تضمن قوله تعالى: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾ إلى آخر السياق - إثبات نبوته، ﷺ، والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب، قال الله تعالى: ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك﴾ أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزل عليه الكتاب وهو القرآن العظيم الذي ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾، ولهذا قال: ﴿أنزله بعلمه﴾ أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه اللَّه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن بعلمه اللَّه به، كما قال تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء﴾ وقال ﴿ولا يحيطون به علمًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٩٧٢): حدثنا على بن الحسين، حدثنا الحسن بن سهل الجعفري وخزز [¬١] ابن المبارك قالا: حدثنا عمران بن عيينة، حدثنا عطاء بن السائب قال: أقرأني أبو عبد الرحمن السلمي القرآن، وكان إذا قرأ عليه أحدنا القرآن قال: قد أخذت علم اللَّه فليس أحد اليوم أفضل منك إلا بعمل ثم يقرأ قوله [¬٢]: ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى باللَّه شهيدًا﴾.
وقوله: ﴿والملائكة يشهدون﴾ [أي] [¬٣]: [بصدق] [¬٤] ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك مع شهادة اللَّه تعالى لك بذلك ﴿وكفى بالله شهيدًا﴾.
وقد قال محمد بن إسحاق (^٩٧٣): عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: دخل على رسول اللَّه، ﷺ، جماعة من اليهود فقال لهم:
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١٢١) (٦٢٩٦).
(٢) - سيرة ابن هشام (٢/ ٥٩٧) ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٤٠٩) (١٠٨٥٠)، والبيهقى فى دلائل النبوة (٢/ ٥٣٥) وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٩) وزاد نسبته لابن المنذر. [¬١]- في ز: "وخرز". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في خ: "تصدق".
[ ٤ / ٣٨٤ ]
"إني لأعلم واللَّه إنكم لتعلمون أني رسول اللَّه"، فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل اللَّه ﷿: ﴿لكن اللَّه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدًا﴾.
وقوله: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللَّه قد ضلوا ضلالًا بعيدًا﴾ أي: كفروا في أنفسهم، فلم يتبعوا الحق وسعوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به، قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه وبعدوا منه بُعدًا عظيمًا شاسعًا.
ثم أخبر تعالى عن حكمه في الكافرين بآياته وكتابه ورسوله، الظالمين لأنفسهم بذلك وبالصد عن سبيله وارتكاب مآثمه [¬١] وانتهاك محارمه [¬٢] بأنه لا يغفر لهم: ﴿ولا ليهديهم طريقًا﴾ أي: سبيلًا إلى الخير، ﴿إلا طريق جهنم﴾ وهذا استثناء منقطع ﴿خالدين فيها أبدًا وكان ذلك على اللَّه يسيرًا﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرًا لكم﴾ أي: قد جاءكم محمد، صلوات اللَّه وسلامه عليه، بالهدى ودين الحق والبيان الشافي من اللَّه ﷿ فآمنوا بما جاءكم به واتبعوه يكن خيرًا لكم.
ثم قال: ﴿وإن تكفروا فإن للَّه ما في السموات والأرض﴾ أي: فهو غني عنكم وعن إيمانكم، ولا يتضرر بكفرانكم؛ كما قال تعالى: ﴿وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعًا فإن اللَّه لغني حميد﴾، وقال هاهنا: ﴿وكان اللَّه عليمًا حكيمًا﴾ أي: بمن يستحق منكم الهداية فيهديه، وبمن يستحق الغواية فيغويه ﴿حكيمًا﴾ أى: في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره.
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾
ينهى تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى، فإنهم تجاوزوا [حد
_________________
(١) [¬١]- في ز: "محارمه". [¬٢]- في ز: "مآثمه".
[ ٤ / ٣٨٥ ]
التصديق] [¬١] بعيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه اللَّه إياها، فنقلوه من حيز النبوة إلى أن اتخذوه إلهًا من دون اللَّه يعبدونه، كما يعبدونه. بل قد غلوا في أتباعه وأشياعه ممن [¬٢] زعم أنه على دينه، فادعوا فيهم العصمة واتبعوهم فى كل ما قالوه، سواء كان حقا أو باطلًا، أو ضلالًا أو رشادًا، أو صحيحًا أو كذبًا، ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون اللَّه والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾.
وقال الإِمام أحمد (^٩٧٤): حدثنا هشيم، قال: زعم الزهري، عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أن سول اللَّه، ﷺ، قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد اللَّه ورسوله".
ثم رواه هو وعلى بن المديني عن سفيان بن عيينة عن الزهري كذلك. وقال على بن المديني: هذا حديث صحيح سنده، وهكذا رواه البخاري: عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به، ولفظه: "فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد اللَّه ورسوله".
وقال الإِمام أحمد (^٩٧٥): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت [¬٣]
_________________
(١) - المسند (١/ ٢٣) (١٥٤ - شاكر) وقال العلامة أحمد شاكر فى التعليق على هذا الحديث فى المسند: "إسناده صحيح. هشيم بن بشير الواسطي: ثقة حجة إلَّا أنهم تكلموا فى سماعه من الزهرى، وأنه سمع منه صحيفة فطارت منه فلم يحفظ منها إلا قليلًا، وأنه يدلس فى بعض روايته وقوله هنا "زعم الزهرى" قد يؤيد أنه لم يسمعه منه، ولكن الحديث ورد بأسانيد أخرى عن الزهرى، فتبين أنه صحيح عنه". والحديث رواه أحمد (١/ ٢٤ رقم ١٦٤) والحميدى (٢٧) ومن طريقه البخارى فى كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول اللَّه تعالى: ﴿واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾ حديث (٣٤٤٥) عن سفيان قال: سمعت الزهرى يقول: أخبرنى عبيد اللَّه بن عبد اللَّه عن ابن عباس: سمع عمر ﵁ يقول على المنبر: سمعت النبى ﷺ يقول: "لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا: عبد اللَّه ورسوله". وهو جزء من حديث السقيفة وقد رواه بتمامه أحمد فى مسنده (١/ ٥٥ - رقم ٣٩١) والبخارى فى كتاب الحدود، باب رجم الحلبى فى الزنا إذا أحصنت حديث (٦٨٣٠) وغيرهما من حديث الزهرى عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بإسناده.
(٢) - المسند (٣/ ١٥٣، ٢٤١) ورواه عبد بن حميد (١٣٣٧) قال: حدثنا الحسن بن موسى به= [¬١]- في ز: "الحد بالتصديق". [¬٢]- في ز: "من". [¬٣]- في ز: "سالم".
[ ٤ / ٣٨٦ ]
البُناني، عن أنس بن مالك أن رجلًا قال: [يا محمد] [¬١]، يا سيدنا، وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا، فقال رسول اللَّه، ﷺ: " [يا] [¬٢] أيها الناس؛ عليكم بقولكم [¬٣]، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد اللَّه، عبد اللَّه ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني اللَّه ﷿". تفرد به من هذا الوجه.
وقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا على اللَّه إلا الحق﴾ أي: لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولدًا، تعالى اللَّه، ﷿، عن ذلك علوًّا كبيرًا، وتنزه وتقدس، وتوحد في سؤدده وكبريائه وعظمته، فلا إله إلا هو ولا رب سواه؛ ولهذا قال: ﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول اللَّه وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ أي: إنما هو عبد من عباد اللَّه، وخلق من خلقه، قال له: كن، فكان، ورسول من رسله ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم﴾ أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل، ﵇، إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه، ﷿، [فكان عيسى بإذن اللَّه، ﷿، وصارت] [¬٤] تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها فنزلت حتى ولجت فرجها بمنزلة لقاح الأب والأم - والجميع مخلوق للَّه، ﷿، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة اللَّه وروح منه؛ لأنه لم يكن له أب تولد منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها: كن، فكان، والروح التي أرسل بها جبريل؛ قال اللَّه تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾ وقال تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند اللَّه كمثل آدم خلقه من تراب لم قال له كن فيكون﴾ وقال تعالى: ﴿والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها [¬٥] وابنها آية للعالمين﴾ وقال تعالى: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين﴾ [] [¬٦]، وقال تعالى إخبارًا عن المسيح ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلًا لبني إسرائيل﴾.
_________________
(١) = ورواه أحمد (٣/ ٢٤١، ٢٤٩)، وعبد بن حميد (١٣٠٩)، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (٢٤٩) وابن حبان فى "صحيحه" (١٤/ ١٣٣) (٦٢٤٠) من طرق عن حماد بن سلمة له. ورواه النسائى فى عمل اليوم والليلة (٢٤٨) من طريق العلاء بن عبد الجبار قال: حدثنا حماد بن سلمة قال حدثنا ثابت وحميد عن أنس له. ورواه أحمد (٣/ ٢٤١) من طريق مؤمل حدثنا حماد عن حميد عن أنس به. وهو حديث صحيح على شرط مسلم وقد صححه الألبانى فى "السلسلة الصحيحة" (١٠٩٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط س: ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٣]- في المسند (٣/ ١٥٣): "بتقواكم". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "وكانت". [¬٥]- في ز: "وجعلنا". [¬٦]- في ت: إلى آخر السورة.
[ ٤ / ٣٨٧ ]
وقال عبد الرزاق (^٩٧٦): عن معمر، عن قتادة: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم [وروح منه] [¬١]﴾ هو كقوله: ﴿كن فيكون [¬٢]﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٩٧٧): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، قال: سمعت شاذ [¬٣] بن يحيى يقول في قول اللَّه: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ قال: ليس الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى.
وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: ﴿ألقاها إلى مريم﴾ أي: أعلمها بها كما زعمه في قوله: ﴿إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللَّه يبشرك بكلمة منه﴾ أي: يعلمك بكلمة منه ويجعل ذلك كقوله [¬٤] تعالى: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾ بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم فنفخ فيها بإذن اللَّه فكان عيسى ﵇.
وقال البخاري (^٩٧٨): حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا [¬٥] الوليد، حدثنا الأوزاعي، حدثني عمير بن هانئ، حدثني جنادة بن أبي أمية، عن عبادة بن الصامت، عن النبي، ﷺ، قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن [¬٦] الجنة حق والنار حق - أدخله الله الجنة على ما كان من العمل". [] [¬٧] قال الوليد: فحدثنى عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، عن عمير بن هانئ عن جنادة زاد: "عن أبواب الجنة الثمانية يدخل [¬٨] من أيها شاء".
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ١٧٧) ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٩/ ٤١٩) (١٠٨٥٤)، وابن أبى حاتم فى تفسيره (٤/ ١١٢٣) (٦٣٠٩)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٣٩) وزاد نسبته لابن المنذر.
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١٢٣) (٦٣١٠).
(٣) - صحيح البخارى كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا فى دينكم﴾ حديث (٣٤٣٥) ورواه مسلم فى "صحيحه" كتاب الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت .. حديث (٢٨)، والنسائى فى عمل اليوم والليلة (١١٣٠، ١١٣١)، وأحمد= [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "فكان". [¬٣]- في ت: "شاذان". [¬٤]- في ز: "كما قال". [¬٥]- في ز، خ: "بن". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين في خ: و. [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٤ / ٣٨٨ ]
وكذا رواه مسلم عن داود بن رشيد، عن الوليد، عن ابن جابر، به. ومن وجه آخر عن الأوزاعي به، فقوله في الآية والحديث: "وروح منه"، كقوله: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعًا منه﴾ أي: من خلقه ومن عنده، وليست (من) للتبعيض كما تقوله النصارى عليهم لعائن اللَّه المتتابعة، بل هي لابتداء الغاية كما في الآية الأخرى.
وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وروح منه﴾ أي: ورسول منه. وقال غيره: ومحبة منه. والأظهر الأوّل، وهو [¬١] أنه مخلوق من روح مخلوفة، وأضيفت الروح إلى اللَّه على وجه التشريف كما أضيفت الناقة والبيت إلى اللَّه في قوله: ﴿هذه ناقة اللَّه﴾ وفي قوله: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ وكما ورد في الحديث الصحيح: "فأدخل على ربي في داره"، أضافها إليه إضافة تشريف لها، وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد.
وقوله: ﴿فآمنوا باللَّه ورسله [¬٢]﴾ أي: فصدقوا بأن اللَّه واحد أحد لا صاحبة [¬٣] له ولا ولد [¬٤]، واعلموا وتيقنوا بأن عيسى عبد اللَّه ورسوله؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ أي: لا تجعلوا عيسى وأمه مع اللَّه شريكين، تعالى اللَّه عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وهذه الآية والتي تأتى [¬٥] في سورة المائدة حيث يقول تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾ وكما قال في آخر السورة المذكورة: ﴿وإذ قال اللَّه يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون اللَّه قال سبحانك﴾ الآية، وقال في أولها: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن اللَّه هو المسيح ابن مريم﴾ الآية.
فالنصارى [¬٦] عليهم لعنة [¬٧] اللَّه من جهلهم ليس لهم ضابط ولا لكفرهم حد، بل أقوالهم وضلالهم منتشر، فمنهم من يعتقده [¬٨] إلهًا، ومنهم من يعتقده شريكًا، ومنهم من يعتقده ولدًا، وهم طوائف كثيرة لهم آراء مختلفة، وأقوال غير مؤتلفة، ولقد أحسن بعض المتكلمين حيث قال: لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على [¬٩] أحد عشر قولًا، ولقد ذكر بعض علمائهم المشاهير عندهم وهو سعيد بن بطريق بطرق [¬١٠] الإسكندرية في حدود
_________________
(١) = (٥/ ٣١٣، ٣١٤) من طريق عمير بن هانئ قال حدثنى جنادة بن أبى أمية به. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: " رسوله ". [¬٣]- في خ: "ولد". [¬٤]- في خ: "صاحبة". [¬٥]- سقط من: ت. [¬٦]- في خ: "والنصارى". [¬٧]- في خ: " لعائن ". [¬٨]- في ز: "يعتقد". [¬٩]- فى ز: "عن". [¬١٠]- في خ: "بترك".
[ ٤ / ٣٨٩ ]
سنة أربعمائة من الهجرة النبوية أنهم اجتمعوا المجمع الكبير الذي عقدوا فيه الأمانة الكبيرة التي لهم، وإنما هي الخيانة الحقيرة الصغيرة، وذلك في أيام قسطنطين باني المدينة المشهورة، وأنهم اختلفوا عليه اختلافًا لا ينضبط ولا ينحصر، فكانوا أزيد من ألفين أسقفًّا فكانوا أحزابًا كثيرة، كل خمسين منهم على مقالة، وعشرون على مقالة، ومائة على مقالة، وسبعون على مقالة، وأزيد من ذلك وأنقص.
فلما رأى [عصابة منهم] قد زادوا على الثلاثمائة وثمانية [¬١] عشر نفرًا، وقد توافقوا على مقالة فأخذها الملك ونصرها وأيدها وكان فيلسوفًا داهية [¬٢]، ومحق ما عداها من الأقوال، وانتظم دست أولئك الثلاثمائة وثمانية [¬٣] عشر، وبنيت لهم الكنائس، ووضعوا لهم كتبًا وقوانين، وأحدثوا فيها [¬٤] الأمانة التى يلقنونها الولدان من الصغر [¬٥] ليعتقدوها، ويُعَمِّدونهم عليها، وأتباع هؤلاء هم الملكية [¬٦]، ثم أنهم اجتمعوا مجمعًا ثانيًا فحدث فيهم اليعقوبية، ثم مجمعًا ثالثًا فحدث فيهم النسطورية، وكل هذه الفرق تثبت الأقانيم الثلاثة فى المسيح، ويختلفون في كيفية ذلك وفي اللاهوت والناسوت على زعمهم هل اتحدا أو ما اتحدا أو امتزجا أو حل فيه؟ على ثلاث مقالات، وكل منهم يكفر الفرقة الأخرى، ونحن نكفر الثلاثة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿انتهوا خيرًا لكم﴾ أي: يكن خيرًا لكم ﴿إنما اللَّه إله واحد سبحانه أن يكون له ولد﴾ أي: تعالى وتقدس عن ذلك علوا كبيرًا ﴿له ما في السموات وما في الأرض وكفى باللَّه وكيلًا﴾ أي: الجميع ملكه وخلقه، وجميع [ما فيهما] [¬٧] عبيده وهم تحت تدبيره وتصريفه، وهو وكيل [¬٨] على كل شيء، فكيف يكون له منهم صاحبة أو [¬٩] ولد، كما قال في الآية الأخرى: ﴿بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد ولم يكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم﴾. وقال تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدًا لقد جئتم شيئًا إدًّا﴾ إلى قوله: ﴿فردًا﴾.
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
_________________
(١) [¬١]- في خ: "بثمانية". [¬٢]- في ز: "ذا هيئة". [¬٣]- في خ: "الثمانين". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "الصغار". [¬٦]- في خ: "المالكية". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز: "من فيها". [¬٨]- في خ: "الوكيل". [¬٩]- في خ: "و".
[ ٤ / ٣٩٠ ]
فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧٣)﴾.
قال ابن أبي حاتم (^٩٧٩): حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾: لن يستكبر.
وقال قتادة: لن يحتشم ﴿الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وقد استدل بعض من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر بهذه الآية حيث قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ وليس له في ذلك دلالة؛ لأنه إنما عطف الملائكة على المسيح، لأن الاستنكاف هو الامتناع، والملائكة أقدر على ذلك من المسيح، فلهذا قال: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ولا يلزم من كونهم أقوى وأقدر على الامتناع أن يكونوا أفضل.
وقيل: إنما ذكروا؛ لأنهم اتخذوا آلهة مع الله، كما اتخذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عبيده وخلق من خلقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ الآيات.
ثم [¬١] قال: ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أي: فيجمعهم إليه [¬٢] يوم القيامة، ويفصل بينهم بحكمه العدل الذي لا يجور فيه ولا يحيف. ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني [¬٣]: فيعطهم من الثواب على قدر أعمالهم الصالحة، ونريدهم على ذلك من فضله وإحسانه وسعة رحمته وامتنانه.
وقد روى ابن مردويه (^٩٨٠) من طريق بقية، عن إسماعيل بن عبد الله الكندي، عن الأعمش،
_________________
(١) - تفسير ابن أبى حاتم (٢٤/ ١١٤) (٦٣١٧)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٤٠)، ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم.
(٢) - رواه الطبرانى فى الكبير (١٠/ ٢٤٨) (١٠٤٦٢) وفى الأوسط (٥٧٧٠) والإسماعيلى "معجمه" رقم (٢٠١) من طريق بقية بن الوليد عن إسماعيل به. وإسناده ضعيف لضعف إسماعيل بن عبد الله الكندى ترجم له الذهبى فى الميزان (١/ ٢٣٥) وقال: عن الأعمش وعنه بقية بخبر عجيب منكر = [¬١]- فى ت: "ولهذا". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في خ: "أي".
[ ٤ / ٣٩١ ]
عن شَقِيق [¬١]، عن عبد الله [] [¬٢] قال: قال رسول الله، ﷺ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: [] [¬٣]: "أجورهم: أدخلهم الجنة". ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: "الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا [¬٤] ".
وهذا إسناد لا يثبت، وإذا روي عن ابن مسعود موقوفًا فهو جيد.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا﴾ أي: امتنعوا من طاعة الله وعبادته واستكبروا عن ذلك ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [كما قال تعالى] [¬٥]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ أي: صاغرين حقيرين ذليدين كما كانوا ممتنعين مستكبرين.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾
يقول تعالى مخاطبًا جميع الناس ومخبرًا [لهم] [¬٦] بأنه قد جاءهم منه برهان عظيم، وهو الدليل القاطع للعذر [] [¬٧] والحجة المزيلة للشبهة؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ أي: ضياء واضحًا على الحق، قال ابن جريج وغيره: وهو [¬٨] القرآن.
_________________
(١) = والحديث ذكره الهيثمى فى مجمع الزوائد (٧/ ١٦) وقال: رواه الطبرانى فى الأوسط، والكبير وفيه إسماعيل بن عبد الله الكندى ضعفه الذهبى من عند نفسه فقال: أتى بخبر منكر، وبقية رجاله وثقوا. وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٤٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبى حاتم وأبى نعيم ولم أقف عليه عند ابن أبى حاتم فى تفسيره إلا من كلام الأعمش فى (٢٤/ ١١٤) (٦٣٢٠، ٦٣٢١) عن بقية عن إسماعيل عن الأعمش من قوله. [¬١]- في ز، خ: سفيان. وهو تحريف. والصواب ما أثبتناه؛ كما جاء في معجم الإسماعيلي. وشقيق هو ابن سلمة، أبو وائل الكوفي، يروي عن عبد الله بن مسعود، وعنه الأعمش. [¬٢]- ما بين المعكوفين في ت: مرفوعًا. [¬٣]- ما بين المعكوفين في ت: قال. [¬٤]- في ت: "دنياهم". [¬٥]- في خ: "كقوله". [¬٦]- سقط من خ. [¬٧]- في ز: "المقدر". [¬٨]- في خ: "هو".
[ ٤ / ٣٩٢ ]
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله فى جميع أمورهم. وقال ابن جريج [] [¬١]: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن، رواه ابن جرير (^٩٨١). ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ [¬٢] فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ أي: يرحمهم، فيدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم، ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: طريقًا واضحًا قصدًا قوامًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف، وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات والعمليات، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنات. وفي حديث الحارث الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي، ﷺ، أنه قال: "القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين".
وقد تقدم الحديث بتمامه فى أول التفسير، ولله الحمد والمنة.
﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾
قال البخارى (^٩٨٢): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن أبى إسحاق؛ قال: سمعت البراء قال: آخر سورة نزلت براءة، وآخر آية [نزلت] [¬٣] ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٩/ ٤٢٩) (١٠٨٦٣)، وذكره السيوطى فى الدر المنثور (٢/ ٤٤١) وزاد نسبته لابن المنذر.
(٢) - صحيح البخارى كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ حديث (٤٦٠٥) ورواه البخارى فى المغازى، باب: حج أبى بكر بالناس فى سنة تسع حديث (٤٣٦٤)، وفى التفسير، باب: سورة براءة حديث (٤٦٥٤)، وفى الفرائض باب: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ …﴾ حديث (٦٧٤٤)، ومسلم فى كتاب الفرائض، باب: آخر آية أنزلت آية الكلالة حديث (١٦١٨) من طرق عن أبى إسحاق قال سمعت البراء بن عازب به. [¬١]- ما بين المعكوفين في ت: وغيره هو القرآن. [¬٢]- في ز: "فيدخلهم". [¬٣]- سقط من خ.
[ ٤ / ٣٩٣ ]
وقال الإِمام أحمد (^٩٨٣): حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن محمد بن المنكدر؛ قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: دخل عليَّ رسول الله، ﷺ، وأنا مريض لا أعقل قال: فتوضأ [¬١] ثم صب عليَّ - أو قال: صَبُّوا عليَّ [¬٢]-[فعقلت] [¬٣] فقلت: إنه [¬٤] لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث؟ [فنزلت] [¬٥] آية الفرائض. أخرجاه فى الصحيحين من حديث شعبة، ورواه الجماعة من طريق سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر به، و[¬٦] في بعض الألفاظ: فنزلت آية الميراث ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية.
وقال ابن أبى حاتم (^٩٨٤): حدثنا محمد بن عبد الله بن يريد، حدثنا سفيان، وقال أبو الزيير: قال - يعنى جابرًا -: نزلت فيَّ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وكأن معنى الكلام - والله أعلم -: يستفتونك [عن الكلالة] [¬٧] ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾ فيها، فدل المذكور على المتروك. وقد تقدم الكلام على الكلالة واشتقاقها وأنها مأخوذة من الإكليل الذى يحيط بالرأس من جوانبه، ولهذا فسرها أكثر العلماء بمن يموت وليس له ولد ولا [والد] [¬٨]، ومن الناس من
_________________
(١) - المسند (٣/ ٢٩٨) ورواه البخارى فى الوضوء، باب: صب النبى ﷺ وضوءه على المغمى عليه حديث (١٩٤)، وفى كتاب المرضى، باب: وضوء العائد للمريض حديث (٥٦٧٦)، وفى الفرائض، باب: ميراث الأخوات والإخوة حديث (٦٧٤٣)، ومسلم فى صحيحه فى الفرائض، باب: ميراث الكلالة حديث (١٦١٦) (٨)، والنسائى فى الكبرى كتاب الفرائض، باب: ذكر الكلالة حديث (٦٣٢١) والدارمى (٧٣٩) من طرق عن شعبة به. ورواه أحمد (٣/ ٣٠٧)، والحميدى (١٢٢٩)، والبخارى فى كتاب المرض، باب: عيادة المغمى عليه حديث (٥٦٥١)، وفى الفرائض، باب: وقول الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦٧٢٣)، وفى كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة باب: ما كان النبى ﷺ يسأل مما لم ينزل عليه الوحى حديث (٧٣٠٩)، ومسلم فى (١٦١٦) (٥)، وأبو داود فى الفرائض، باب: فى الكلالة حديث (٢٨٨٦)، والترمذى فى كتاب الفرائض، باب: ميراث الأخوات، حديث (٢٠٩٧)، وفى تفسير القرآن، باب ومن سورة النساء حديث (٣٠١٥)، والنسائى فى المجتبى كتاب الطهارة، باب: الانتفاع بفضل الوضوء (١/ ٨٧)، وابن ماجه فى الفرائض، باب: الكلالة، حديث (٢٧٢٨) من طرق عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر به. وللحديث طرق أخرى عند البخارى وغيره عن ابن المنكدر بألفاظ مختصرة.
(٢) - تفسير ابن أبى حاتم (٤/ ١١٢٦) (٦٣٢٩). [¬١]- في خ: "فوضأ". [¬٢]- في م: "عليه". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "فأنزل الله". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ولد ولدٍ".
[ ٤ / ٣٩٤ ]
يقول: الكلالة من لا ولد له كما دلت عليه هذه الآية ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ وقد أشكل حكم الكلالة على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵁، كما ثبت عنه فى الصحيحين أنه قال: ثلاث وددت أن رسول الله، ﷺ، كان عهد إلينا فيهن عهدًا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب [¬١] من أبواب الربا.
وقال الإِمام أحمد (^٩٨٥): حدثنا إسماعيل، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن سالم بن أبي الجعد، عن معدان بن أبي طلحة، قال: قال عمر بن الخطاب: ما سألت رسول الله، ﷺ، عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعه فى صدري وقال: "يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء". هكذا رواه مختصرًا، وقد [¬٢] أخرجه مسلم [¬٣] مطولًا أكثر من هذا.
(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٩٨٦): حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك - يعني: ابن مغول -[] [¬٤] سمعت الفضل بن عمرو، عن إبراهيم، عن عمر؛ قال: سألت رسول الله، ﷺ، عن الكلالة فقال: "يكفيك آية الصيف" فقال: لأن أكون سألت رسول الله، ﷺ، عنها أحب إلى من أن يكون لي حُمر النعَم. وهذا إسناد جيد إلا أن فيه انقطاعًا بين إبراهيم وبين عمر، فإنه لم يدركه.
وقال الإِمام أحمد (^٩٨٧): حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا أبو بكر، عن أبي إسحاق، عن البراء بن
_________________
(١) - المسند (١/ ٢٦)، ورواه أحمد فى المسند أيضًا (١/ ١٥، ٢٧، ٤٨)، ومسلم فى "صحيحه" كتاب المساجد، باب: نهى من أكل ثومًا أو بصلًا أو كراثًا أو نحوها حديث (٥٦٧)، وفى الفرائض، باب: ميراث الكلالة حديث (١٦١٧) من طريق قتادة عن سالم بن أبى الجعد بهذا الإسناد مطولًا.
(٢) - المسند (١/ ٣٨) وإسناده ضعيف بسب الانقطاع بين إبراهيم النخعى وعمر بن الخطاب فإنه لم يدركه كما قال المصنف وكذا العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على هذا الوضع من المسند لكن يشهد له الطريق السابق قبل هذا عند مسلم وغيره.
(٣) - المسند (٤/ ٢٩٥)، ورواه أبو داود فى الفرائض، باب: من كان ليس له ولد وله أخوات حديث (٢٨٨٩)، والترمذى فى تفسير القرآن، باب: ومن سورة النساء حديث (٣٠٤٢)، وابن عبد البر فى "التمهيد" (٥/ ١٨٧) من طريق أبى بكر بن عياش عن أبى إسحاق به، وأبو إسحاق السبيعى مدلس وقد عنعن لكن رواه أحمد فى مسنده (٤/ ٢٩٥، ٣٠١)، وأبو يعلى فى مسنده (٣/ ٢١٦، ٢١٧) (١٦٥٦) والرويانى فى مسنده (٣٠٢) من طريق حجاج بن أرطأة عن أبى إسحاق به. وحجاج أيضًا ضعيف مدلس. وسماعه من أبى إسحاق متأخر وكذا أبو بكر بن عياش فالحديث ضعيف بالإسنادين لكن يشهد = [¬١]- في خ: "باب" [¬٢]- في خ: "و". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفين في ت: يقول.
[ ٤ / ٣٩٥ ]
عازب؛ قال: جاء رجل إلى النبى، ﷺ، فسأله عن الكلالة؛ فقال: "يكفيك آية الصيف"، وهذا إسناد جيد، رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر بن عياش، به. وكأن المراد بآية الصيف أنها نزلت فى فصل الصيف والله أعلم. ولما أرشده النبي، ﷺ، إلى تفهمها؛ فإن فيها كفاية نسي أن يسأل النبي، ﷺ، عن معناها؛ ولهذا قال: فلأن أكون سألتُ رسول الله، ﷺ، عنها أحب إلى من أن يكون لي حُمْرُ النَّعَم.
وقال ابن جرير (^٩٨٨): حدثنا ابن وكيع، حدثنا جرير، عن [¬١] الشيباني، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب؛ قال: سأل عمر بن الخطاب النبي، ﷺ، عن الكلالة؛ فقال: "أليس قد بين الله ذلك؟ "؛ فنزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا بكر الصديق قال فى خطبته: ألا إن الآية التي أنزلت [¬٢] فى أول سووة النساء فى شأن الفرائض أنزلها الله فى الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها فى الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التى ختم بها سورة النساء أنزلها فى الإخوة والأخوات من الأب والأُم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال أنزلها فى أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة، رواه ابن جرير (^٩٨٩).