_________________
(١) - المسند حديث ٢٤٦٤٢ - (٦/ ٨٢).
(٢) - إسناده ضعيف، وهو في المسند حديث ٢٤٥٥٤ - (٦/ ٧٣).
(٣) - الحديث في سنن الترمذي، أبواب فضائل القرآن، باب: ما جاء في سورة القرة وآية الكرسي برقم (٢٨٧٦). وتقدم برقم (١٥).
(٤) - فضائل القرآن لأبي عبيد ص (٢٢٧)، وابن جرير (٤/ ٥٣)، والبيهقي في الشعب (٢١٩٥ هـ). [¬١]- في ز: عبد. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- في خ: "الطوال". [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ن: أوس. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٤٧ ]
والبقرة جميعها مدنية بلا خلاف، [وهي من أوائل ما نزل بها، لكن قوله تعالى فيها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، يقال: إنها آخر ما نزل من القرآن ويحتمل أن تكون منها، وكذلك آيات الربا من آخر ما نزل، وكان خالد بن معدان يسمي البقرة فسطاط القرآن] [¬١].
قال بعض العلماء: وهي مشتملة على ألف خبر، وألف أمر، وألف نهي.
وقال العادّون: آياتها مائتان وثمانون وسبع آيات، وكلماتها ستة آلاف كلمة ومائة وإحدى وعشرون كلمة، وحروفها خمسة وعشرون ألفًا وخمسمائة حرف، فالله أعلم.
قال ابن جريج (^٤٢): عن عطاء، عن ابن عباس: نزلت بالمدينة سورة البقرة.
وقال خصيف (^٤٣): عن مجاهد، عن عبد الله بن الزبير، قال: نزلت [¬٢] بالمدينة سورة البقرة.
وقال الواقدي (^٤٤): حدثني الضحاك بن عثمان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، قال: نزلت البقرة بالمدينة. وهكذا قال غير واحد من الأئمة والعلماء والمفسرين ولا خلاف فيه.
وقال ابن مردويه: حدَّثنا محمد بن معمر، حدَّثنا الحسن بن علي بن الوليد الفارسي [¬٣]، حدَّثنا خلف بن هشام، وحدّثنا عبيس [¬٤] بن ميمون، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء وكذا القرآن كله، ولكن قولوا: السورة [¬٥] التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذا القرآن كله" (^٤٥).
_________________
(١) - رواة ابن الضريس (١٨)، وعزاه في الدر المنثور (١/ ١٧) لأبي جعفر النحاس، في الناسخ والمنسوخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل من طرقٍ عن ابن عباس، وعطاء الخرساني لم يسمع من ابن عباس.
(٢) - خصيف هو ابن عبد الرحمن: ضعيف، والحديث عزاه في الدر المنثور (١/ ١٧) لابن مردويه.
(٣) - الواقدي: متروك.
(٤) - منكر، والحديث رواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٤٥٠ مجمع البحرين)، والبيهقي في شعب الإيمان برقم (٢٥٨٢)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٤١٨)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/ ٢٥٠) من طريق عُبيس بن ميمون، عن موسى بن أنس، به، وهو في اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٣٩)، وقال البيهقي: "عُبيس بن [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز: انزل. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز، خ: عيسى، وهو تحريف. [¬٥]- في ز، خ: "سورة".
[ ١ / ٢٤٨ ]
هذا حديث غريب لا يصح رفعه، وعبيس [¬١] بن ميمون هذا هو أبو [¬٢] سلمة الخوّاص، وهو ضعيف الرواية، لا يحتج به، وقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود أنه رمى الجمرة من بطن الوادي، فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ثم قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة. أخرجاه (^٤٦).
وروى ابن مردويه (^٤٧)، من حديث شعبة، عن عقيل بن طلحة، عن عتبة بن فرقد [¬٣]، قال: رأى النبي ﷺ في أصحابه تأخرًا فقال: "يا أصحاب سورة البقرة". وأظنّ هذا كان يوم حنين حين ولوا مدبرين، أمر العباس فناداهم- "يا أصحاب الشجرة" -يعني: أهل بيعة الرضوان- وفي رواية: "يا أصحاب سورة [¬٤] البقرة"- لينشطهم [¬٥] بذلك، فجعلوا يقبلون من كل وجه.
وكذلك يوم اليمامة مع أصحاب مسيلمة، جعل الصحابة يفرون لكثافة [جيش بني] [¬٦]
_________________
(١) = ميمون منكر الحديث، وهذا لا يصح، وإنما روى عن ابن عمر من قوله". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٧) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عُبيس بن ميمون وهو متروك.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب الحج، باب: رمى الجمار من بطن الوادي برقم (١٧٤٧)، ومسلم في كتاب الحج، برقم ٣٠٥ - (١٢٩٦).
(٣) - رواه الطبراني في المعجم الكبير (١٧/ ١٣٣) من طريق علي بن قتيبة، عن شعبة، عن عقيل بن طلحة، به، ورواه ابن أبي عاصم، من طريق أسد بن قتيبة، عن عقيل بن طلحة، به، وأورده الهيثمي (٥/ ٣٣٧) وقال: رواه الطبراني، وفيه علي بن قتيبة وهو ضعيف. ورواه عبد الرزاق (٥/ ٩٧٤١)، ومن طريق عبد الرزاق رواه مسلم ٧٦ - (١٧٧٥)، وأحمد (١٧٧٥) من حديث كثير بن العباس، عن أبيه. ورواه أحمد ١٧٧٦ - (١/ ٢٠٧) من حديث كثير بن عباس قال: كان عباس وأبو سفيان -يعني بن الحارث- معه -يعني النبي، ﷺ، فخطبهم وقال: "الآن حمي الوطيس- وقال-: نادِ يا أصحاب سورة البقرة". ورواه أحمد في فضائل الصحابة ١٧٧٦ - (٢/ ٩٢٨) من حديث كثير بن العباس، به. ورواه أبو يعلى -من حديث أنس- في مسنده ٣٦٠٦ - (٦/ ٢٨٩)، والطبراني في الأوسط (٢٧٥٨) من طريق عمرو بن عاصم، عن أبي العوام، عن معمر، عن الزهري، عن أنس، ﵁. وأورده الهيثمي (٦/ ١٨١) وعزاه لأبي يعلى والطبراني وقال: رجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور القطان، وهو أبو العوام، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره. [¬١]- في ز، خ: عيسى. [¬٢]- في ز: ابن. [¬٣]- في ز، خ: "مربد". [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز: ينشطهم. [¬٦]- في خ: "حسدى"، وفي ز: حشري.
[ ١ / ٢٤٩ ]
حنيفة، فجعل المهاجرون والأنصار يتنادون يا أصحاب سورة البقرة! حتى فتح الله عليهم (^٤٨) رضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين.
﷽
الم ﴿١﴾
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور؛ فمنهم من قال: هي مما استأثر اللَّه بعلمه، فردّوا علمها إلى الله ولم يفسروها.
[حكاه القرطبي في تفسيره (^٤٩) عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ﵃ أجمعين، وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خُثيم، واختاره أبو حاتم بن حبان] [¬١] ".
ومنهم من فسرها، واختلف هؤلاء في معناها؛ فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنما هي أسماء السور. قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره (^٥٠): وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه] [¬٢] ويعتضد لهذا [¬٣] بما ورد في الصحيحين (^٥١) عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
وقال سفيان الثوري (^٥٢): عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أنه قال: ﴿الم﴾، و﴿حم﴾، و
_________________
(١) - رواه عبد الرزاق (٥/ ٩٤٦٥) عن معمر، وابن أبي شيبة في المصنف (١٢/ ٥٠٢) عن وكيع، وسعيد بن منصور، عن يعقوب بن عبد الرحمن، ثلاثتهم، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: "كان شعار أصحاب النبي، ﷺ، يوم مسيلمة: يا أصحاب سورة البقرة".
(٢) - تفسير القرطبي (١/ ١٥٤).
(٣) - الكشاف (١/ ١٠).
(٤) - رواه البخاري في الجمعة، باب: ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة برقم (٨٩١)، ومسلم في الجمعة برقم ٦٥، ٦٦ - (٨٨٠).
(٥) - رواه ابن جرير برقم (٢٣٠)، وعزاه السيوطي في الدر لابن المنذر، وأبي الشيخ، وقد قيل: إن ابن أبي نجيح لم يسمع التفسير من مجاهد، قاله يحيى بن سعيد القطان، ولكن الواسطة بينهما هو القاسم بن أبي بزة، وهو ثقة، قال ابن حبان: لم يسمع التفسير من مجاهد غير القاسم، وكل من يروي عن مجاهد [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: هذا.
[ ١ / ٢٥٠ ]
﴿المص﴾، و﴿ص﴾ فواتح افتتح الله بها القرآن.
وكذا قال غيره عن مجاهد (^٥٣)، وقال مجاهد (^٥٤) في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عنه أنه قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء القرآن.
وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم (^٥٥).
ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد [بن أسلم] [¬١]: إنه اسم من أسماء السور؛ فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون المص اسمًا [¬٢] للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول: قرأت المص، إنما ذلك عبارة عن [¬٣] سورة الأعراف لا لمجموع القرآن، والله أعلم.
وقيل: هي اسم من أسماء الله تعالى، فقال الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى. وكذلك قال سالم بن عبد الله، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير. وقال شعبة: عن السدي: بلغني أن ابن عباس قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء الله الأعظم. هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة.
ورواه (^٥٦) ابن جرير عن بندار، عن ابن مهدي، عن شعبة، قال: سألت السدي عن حم وطس والم؛ فقال: قال ابن عباس: هي اسم الله الأعظم.
وقال ابن جرير (^٥٧): وحدّثنا محمد بن المثنى، حدَّثنا أبو النعمان، حدَّثنا شعبة، عن إسماعيل السدي، عن مرة الهمداني قال: قال عبد الله: … فذكر نحوه.
[وحكي مثله عن علي وابن عباس] [¬٤]. وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^٥٨): هو
_________________
(١) = التفسير إنما أخذه من كتاب القاسم.
(٢) - رواه ابن جرير برقم (٢٢٨، ٢٣١)، وابن أبي حاتم برقم (٥١) من طريق ابن جريج.
(٣) - رواه ابن جرير برقم (٢٢٦).
(٤) - رواه عبد الرزاق (١/ ٣٩)، ومن طريقه ابن جرير (٢٢٥).
(٥) - تفسير ابن جرير ٢٣٣ - (١/ ٢٠٦). وفيه (محمد بن المثنى) بدل (بندار- محمد بن بشار).
(٦) - تفسير ابن جرير ٢٣٤ - (١/ ٢٠٦).
(٧) - رواه ابن جرير برقم (٢٣٦)، وعلي بن طلحة لم يسمع من ابن عباس، ولم يره. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: اسم. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٥١ ]
قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله تعالى.
وروى ابن أبي حاتم (^٥٩) وابن جرير من حديث ابن عُليّة عن خالد الحذاء، عن عكرمة، أنه قال: ﴿الم﴾ قسم.
ورويا (^٦٠) أيضًا من حديث شريك بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس: ﴿الم﴾ قال: أنا الله أعلم.
وكذا قال سعيد بن جبير (^٦١).
وقال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [¬١] عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ (^٦٢): ﴿الم﴾ قال: أما [¬٢] الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء [¬٣] الله تعالى.
وقال أبو جعفر الرازي (^٦٣): عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الم﴾ قال: هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفًا دارت فيها الألسن كلها، ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه، وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام [¬٤] وآجالهم.
قال عيسى ابن مريم ﵇ وعجب فقال: وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه، ويعيشون في رزقه، فكيف يكفرون به. فالألف مفتاح اسمه الله. واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم مفتاح اسمه مجيد، فالألف آلاء الله، واللام لطف الله، والميم مجد الله، والألف ستة [¬٥] واللام ثلاثون [] [¬٦]، والميم أربعون [] [¬٧].
_________________
(١) - إسناده صحيح، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٥٢ - (١/ ٣٠)، وتفسير ابن جرير ٢٣٧ - (٧/ ٢٠١).
(٢) - إسناده ضعيف، لضعف شريك، واختلاط عطاء، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٤٣ - (١/ ٢٧) وتفسير ابن جرير ٢٣٨ - (١/ ٢٠٧).
(٣) - رواه ابن جرير (٢٣٩).
(٤) - رواه ابن جرير (٢٤٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (١/ ١٦٥).
(٥) - تفسير ابن أبي حاتم ٤٩ - (١/ ٢٨). [¬١]- في خ: الهمذاني. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز، خ: "اسم". [¬٤]- في ز: قوم. [¬٥]- في ت، وابن جرير: "سنة". [¬٦]- في ت وابن جرير: سنة. [¬٧]- في ت وابن جرير: سنة.
[ ١ / ٢٥٢ ]
هذا لفظ ابن أبي حاتم.
ونحوه رواه ابن جرير (^٦٤)، ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها، وأنه لا منافاة بين كل [¬١] واحد منها وبين الآخر، وأن الجمع ممكن، فهي أسماء للسور، ومن أسماء اللَّه تعالى يفتتح بها السور، فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته، كما افتتح سورًا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه.
قال: ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله، وعلى صفة من صفاته، وعلى مدة وغير ذلك، كما ذكره الربيع بن أنس، عن أبي العالية؛ لأن الكلمة الواحدة تطلق على معاني كثيرة، كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، وتطلق ويراد بها الرجل المطيع للَّه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد حين على أصح القولين، قال: فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجهًا، ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية، فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا، وعلى هذا معنى، ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام، فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول، ليس هذا موضع البحث فيها، والله أعلم.
ثم إن لفظة [¬٢] الأمة تدل [¬٣] على كل [من معانيها] [¬٤] في سياق الكلام بدلالة الوضع، فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره، فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف؛ والمسألة مختلف فيها، وليس فيها إجماع حتى يحكم به.
وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة، فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا، كما قال الشاعر:
قلنا لها قفي لنا فقالت قاف … لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف [¬٥]
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٢٤٣ - (١/ ٢٠٨) موقوفًا على الربيع بن أنس. [¬١] سقط من ز. [¬٢]- في ز: لفظ. [¬٣] في ز: يدل [¬٤]- في ز: معانيه. [¬٥]- في ز، خ: "الإلحاف". والإيجاف: حث الدابة على سرعة السير، وهو الوجيف.
[ ١ / ٢٥٣ ]
تعني وقفت.
وقال الآخر:
ما للظليم عَال [¬١] كَيفَ لا يا … ينقَدُّ عنه جلده إذا يا
فقال ابن جرير: كأنه أراد أن يقول: إذا يفعل كذا وكذا، فالفاء بالياء من يفعل.
وقال الآخر:
بالخير خيرات وإن شرًّا فا … ولا أريد الشرَّ إلا أن تا
يقول: وإن شرًّا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء، فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما، ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام، والله أعلم.
[قال القرطبي (^٦٥): وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان: هو أن يقول في اقتل "اق"] [¬٢].
_________________
(١) - تفسير القرطبي (١/ ١٥٦)، والحديث رواه ابن ماجة في الديات، باب: التغليظ في قتل مسلم ظلمًا برقم (٢٦٢٠)، والبيهقي (٨/ ٢٢)، وأبو يعلى ٥٩٠٠ - (١٠/ ٣٠٦)، ورواه العقيلي (٤/ ٣٨٢)، وابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٠٤)، وابن عدي (٧/ ٢٧١٤ - ٢٧١٥)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٢)، من طريق يزيد بن أبي زياد، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة، ﵁، به، مرفوعًا، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٣٣٤): "هذا إسناد ضعيف، يزيد بن أبي زياد الدمشقي قال فيه البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث"، ونقل الذهبي في الميزان (٤/ ٤٢٥) وابن حجر في التلخيص (١٨٧٠) أن أبا حاتم الرازي قال: "باطل، موضوع"، ونقل ابن الجوزي عن أحمد قال: ليس هذا الحديث بصحيح. وقال ابن عدي: ليس بمحفوظ، وكل رواياته مما لا يتابع عليه. ورواه الطبراني في الكبير ١١١٠٢ - (١١/ ٧٩) من حديث العوام بن حوشب، عن مجاهد، عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ: "من شرك في دمٍ حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله". ورواه البيهقي (٨/ ٢٢) من حديث نوح بن الهيثم، عن الفرج بن فضالة، عن الضحاك، عن الزهري- معضلًا - يرفعه. وفرج: مُضعف. وقد رواه أبو نعيم في الحلية (٥/ ٧٤) من طريق حكيم بن نافع، عن خلف بن حوشب، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن المسيب، سمعت عمر فذكره. وقال: تفرد به حكيم، عن خلف. قال الحافظ: وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٣/ ١٠٤) من طرق أخرى، منها عن أبي سعيد الخدري بلفظ: "يجيء القاتل يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه: آيس من رحمة الله". وأعله بعطية، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ومحمد لا يستحق أن يحكم على أحاديثه بالوضع- وثقه صالح جزرة، وقال ابن [¬١]- في ز، خ: "غال". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقال خصيف (^٦٦): عن مجاهد أنه قال: فواتح السور كلها ﴿ق وص وحم وطسم والر﴾ وغير ذلك هجاء موضوع.
وقال بعض أهل العربية: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفًا، كما يقول القائل: ابني يكتب في ا ب ت ث، أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين، فيستغنى بذكر بعضها عن مجموعها. حكاه ابن جرير (^٦٧).
قلت: مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفًا، وهي - ال م ص رك هـ ي ع ط س خ ق ن- يجمعها قولك: نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ لهُ سرٌّ. وهي نصف الحروف عددًا والمذكور منها أشرف من المتروك، وبيان ذلك من صناعة التصريف.
[قال الزمخشري (^٦٨): وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة، ومن الرخوة والشديدة، ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة، ومن حروف القلقلة. وقد سردها مفصلة ثم قال: فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته. وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله] [¬١]، ومن هاهنا لخص [¬٢] بعضهم في هذا المقام كلامًا فقال: لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها ﷾ عبثًا ولا سدىً، ومن قال من الجهلة: إنه في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأً كبيرًا، فتعين أن لها معنى في نفس الأمر، فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به، وإلا، وقفنا حيث وقِفنا وقلنا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾. ولم يجمع العلماء فيها على [¬٣] شيء معين، وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين. هذا مقام.
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور، ما هي؟ مع قطع
_________________
(١) = عدي: لم أر له حديثًا منكرًا وهو على ما وصف لي أنه لا بأس به. وأما عبد الله بن أحمد بن حنيل فقال: كذاب. وقال ابن خراش: كان يضع الحديث. وقال البرقاني: لم أزل أسمعهم يذكرون أنه مقدوح فيه. (الميزان ٣/ ٦٤٢) - وأما عطة فضعيف، لكن حديثه يحسنه الترمذي إذا توبع.
(٢) - رواه ابن جرير (٢٤٢)، وعزاه السيوطي في الدر (١/ ٢٣) لابن المنذر.
(٣) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٠٩).
(٤) - الكشاف (١/ ١٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: لحظ. [¬٣]- سقط من ز.
[ ١ / ٢٥٥ ]
النظر عن معانيها في أنفسها؛ فقال بعضهم: إنما ذكرت ليعرف [¬١] بها أوائل السور. حكاه ابن جرير (^٦٩) وهذا ضعيف؛ لأن الفصل حاصل بدونها، فيما لم تذكر فيه، وفيما ذكرت فيه البسملة [¬٢] تلاوة وكتابة.
وقال آخرون: بل ابتدئ بها لتُفْتَحَ لاستماعها أسماع المشركين، إذ [¬٣] تواصوا بالإعراض عن القرآن، حتى إذا استمعوا له تُلي [¬٤] عليهم المؤلَّف منه.
حكاه ابن جرير أيضًا (^٧٠)، وهو ضعيف أيضًا؛ لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها، بل غالبها ليس كذلك، ولو كان كذلك أيضًا لانبغي الابتداء بها في أوائل الكلام معهم، سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك.
ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابًا للمشركين، فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه.
وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب [¬٥] من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين.
وحكى القرطبيُّ عن الفراء وقطرب نحو هذا.
وقرره الزمحشري في كشافه ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية.
[قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت، كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن.
قال: وجاء منها على حرف واحد كقوله- ﴿ص﴾ ﴿ن﴾ ﴿ق﴾ - وحرفين مثل ﴿حم﴾ وثلاثة مثل ﴿الم﴾ وأربعة مثل ﴿المر﴾ ﴿والمص﴾ وخمسة مثل ﴿كهيعص﴾ ﴿وحم
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٢٠ - ٢٢٤).
(٢) - تفسير ابن جرير (١/ ٢١٠). [¬١]- في ز: لنعرف. [¬٢]- في ز: بالبسملة. [¬٣]- في خ: "إذا". [¬٤]- في ز: تلا. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٥٦ ]
عسق﴾ لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات، ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك.
(قلت] [¬١] ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع [في تسع وعشرين سورة] [¬٢]، ولهذا يقول تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ﴾ ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾، ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾، ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾، ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾ [الشورى: ٣] ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر، والله أعلم.
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد، وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم، فقد ادعى ما ليس له، وطار في غير مطاره، وقد ورد في ذلك حديث ضعيف، وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته، وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار -صاحب المغازي (^٧١) -: حدّثني الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، عن جابر بن عبد الله بن رئاب [¬٣] قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله ﷺ وهو يتلو فاتحة سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ فأتى أخاه حُيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمدًا يتلو فيما أنزل اللَّه تعالى عليه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ فقال: أنت سمعته؟ قال: نعم. قال: فمشى حُيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود [¬٤] إلى رسول اللَّه ﷺ، فقالوا: يا محمد، ألم تذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾؟ فقال رسول الله ﷺ: "بلى". فقالوا: جاءك [¬٥] بهذا جبريل من عند الله؟ فقال: "نعم" قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك، فقام [¬٦] حُييّ بن أخطب وأقبل على من كان معه، فقال لهم: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، [أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟] [¬٧] ثم أقبل على رسول
_________________
(١) - رواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨)، وابن جرير في تفسيره ٢٤٦ - (١/ ٢١٦ - ٢١٨) من طريق ابن إسحاق، وهو في السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٩٤ - ١٩٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "زياب". [¬٤]- في ز: يهود. [¬٥]- في ز: أجاءك. [¬٦]- في ز: فقال. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٢٥٧ ]
اللَّه، ﷺ فقال: يا محمد! هل مع هذا غيره؟ فقال: "نعم" قال: ما ذاك؟ قال: ﴿المص﴾ قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد سبعون [¬١]، فهذه إحدى وثلاثون [¬٢] ومائة [¬٣] سنة. هل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: "نعم" قال: ما ذاك [¬٤]؟ قال ﴿الر [¬٥]﴾. قال: هذا [¬٦] أثقل وأطول الألف واحدة، واللام ثلاثون، والراء مائتان، فهذه إحدى وثلاثون ومائتا [¬٧] سنة. [فهل مع هذا يا محمد غيره؟ قال: "نعم"، [قال: ماذا؟ قال] [¬٨] ﴿المر﴾ قال: هذه أثقل وأطول؛ الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون والراء مائتان، فهذه إحدى وسبعون ومائتان] [¬٩]. ثم قال: لقد لُبِّسَ علينا أمرك يا محمد؛ حتى ما ندري أقليلًا أعطت أم كثيرًا، ثم قال: قوموا عنه، ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار: ما يدريكم؟ لعله قد جمع هذا لمحمد كله، إحدى وسبعون، وإحدى وثلاثون ومائة، وإحدى وثلاثون ومائتان، وإحدى وسبعون ومائتان، فذلك سبعمائة وأربع سنين.
فقالوا: لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.
فهذا الحديث [¬١٠] مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن [¬١١] لا يحتج بما انفرد به، ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحًا أن يحسب [¬١٢] ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة، وإن حُسبت مع التكرر فأطم [¬١٣]، وأعظم، والله أعلم.
﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾
قال ابن جريج (^٧٢): قال ابن عباس: ذلك الكتاب أي [¬١٤]: هذا الكتاب، وكذا [¬١٥] قال
_________________
(١) - منقطع، ابن جريج لم يسمع من ابن عباس. [¬١]- في ن: تسعون. [¬٢]- هكذا وجد في خ، م، والأصح "إحدى وأربعون ومائة". [¬٣]- مكررة في خ. [¬٤]- في خ: "ماذا". [¬٥]- في ز: ﴿المر﴾ [¬٦]- في ز، خ: "هذه". [¬٧]- في خ: "إحد وسبعون ومائتان. [¬٨]- سقط من ز. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ [¬١٠]- سقط من ز. [¬١١]- في ز، خ: "مما". [¬١٢]- في ز: بحسب. [¬١٣]- في ت: فأتم. [¬١٤]- سقط من: ز، خ. [¬١٥]- سقط من: خ.
[ ١ / ٢٥٨ ]
مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير والسدى، ومقاتل بن حيان [¬١] وزيد بن أسلم، وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا، والعرب تقارض بين اسمي [¬٢] الإشارة، فيستعملون كلًّا منهما مكان الآخر، وهذا معروف في كلامهم. [وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى أبي عبيدة وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى ﴿الم﴾ كما قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾ وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ﴾ وقال: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره، والله أعلم.
وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي (^٧٣) وغيره إلى أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول ﷺ بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة. وقد ضعفت هذا المذهب كثيرون، والله أعلم [¬٣].
والكتاب: القرآن.
ومن قال: إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والإنجيل كما حكاه ابن جرير [¬٤] (^٧٤) وغيره فقد أبعد النجعة، وأغرق في النزع، وتكلّف ما لا علم له به.
والريب: الشك.
قال السديُّ: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، في ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ (^٧٥): ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾: لا شك فيه.
وقال أبو الدرداء (^٧٦) وابن عباس (^٧٧)، ومجاهد وسعيد بن جبير، وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر، وعطاء وأبو العالية، والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان [¬٥]، والسديُّ وقتادة، واسماعيل بن أبي خالد- وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم في هذا خلافًا.
_________________
(١) - تفسير القرطبي (١/ ١٥٧، ١٥٨).
(٢) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٢٧ - ٢٢٨).
(٣) - تفسير ابن جرير (٢٥٤)، وتفسير ابن أبي حاتم (٥٥).
(٤) - تفسير ابن أبي حاتم (٥٥)، وأحمد في الزهد (١١).
(٥) - تفسير ابن جرير (٢٥٥، ٢٥٦)، بإسنادين ضعيفين. [¬١]- في ز، خ: "مقاتل بن حبان". [¬٢]- في ز: هذي الاسمين. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "ابن جبَير". [¬٥]- في خ: "مقاتل بن حبان".
[ ١ / ٢٥٩ ]
[وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل:
بثينة قالت يا جميل أربتني … فقلت كلانا يا بثين مريب
واستعمل أيضًا في الحاجة كما قال بعضهم:
قضينا من تهامة كل ريب … وخيبر ثم أجمعنا السيوفا] [¬١]
ومعنى الكلام هنا [¬٢] أن هذا الكتاب [و] [¬٣] هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال اللَّه تعالى في السجدة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ [وقال بعضهم: هذا خبر ومعناه النهي أي: لا ترتابوا فيه] [¬٤] ومن القرّاء من يقف على قوله تعالى: ﴿لَا رَيبَ﴾ ويبتدئ بقوله تعالى: ﴿فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ والوقف على [قوله تعالى]: ﴿لَا رَيبَ فِيهِ﴾ أولى للآية التي ذكرناها [¬٥] ولأنه يصير قوله تعالى: ﴿هُدًى﴾ صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدىً.
وهدًى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعًا على النعت ومنصوبًا على الحال وخصت الهداية المتقين كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾. ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (٨٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة [¬٦] على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو [¬٧] في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.
وقد قال السدي عن أبي مالك، و[¬٨] عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن أناس [¬٩] من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (^٧٨): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني نورًا اللمتقين.
وقال الشعبي: هدى من الضلالة.
وقال سعيد بن جبير: تبيان للمتقين. وكل [¬١٠] ذلك صحيح.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢٦٠، ٢٦٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- زيادة من ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: ذكرنا. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: م. [¬٨] سقط من: خ. [¬٩]- في ز، خ: "ناس". [¬١٠]- مكررة في خ.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وقال السدى: عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: هم المؤمنون.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد [بن أبي محمد] [¬١] مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو عن [¬٢] سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^٧٩): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، وهجون رحمته في التصديق بما جاء به.
وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: المؤمنين [¬٣] الذين يتقون الشرك بي، ويعملون بطاعتي.
وقال سفيان الثوري: عن رجل، عن الحسن البصري قوله تعالى (^٨٠): ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: اتقوا ما حرم اللَّه [¬٤] عليهم، وأدَّوْا ما افترض الله [¬٥] عليهم.
وقال أبو بكر بن عياش: سألني الأعمش عن ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾، قال: فأجبته. فقال لي: سل عنها الكلبي، فسألته، فقال: الذين يجتنبون كبائر الإثم قال [¬٦]: فرجعت إلى الأعمش، فقال: نرَى [¬٧] أنه كذلك ولم ينكره.
وقال قتادة: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ هم الذين نعتهم الله [¬٨] بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ الآية و[¬٩] التي بعدها.
واختار ابن جرير (^٨١) أن الآية تعم ذلك كله، وهو كما قال.
وقد روى الترمذي وابن ماجة (^٨٢) من رواية أبي عقيل عبد اللَّه بن عقيل، عن عبد اللَّه بن
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢٦٢)، وابن أبي حاتم (٦٢)، وإسناده ضعيف.
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٦١).
(٣) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(٤) - ضعيف، والحديث رواه الترمذي في أبواب صفة القيامة برقم (٢٤٥١)، وابن ماجة في الزهد، باب الورع والتقوى برقم (٤٢١٥)، ورواه عبد بن حميد (٤٨٤)، والبخاري في التاريخ (٣/ ١ / ١٥٨)، وابن [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- زيادة من ز، خ. [¬٣]- في ز: للمؤمنين. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: م. [¬٧]- في ز: ترى: أي. [¬٨]- سقط من ز. [¬٩]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٦١ ]
يزيد، عن ربيعة بن يزيد، وعطية بن قيس، عن عطية السعدي قال: قال رسول الله ﷺ "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما [¬١] به بأس" ثم قال الترمذي: حسن غريب.
وقال ابن أبي حاتم (^٨٣): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عبد الله بن عمران، حدثنا إسحاق بن سليمان - يعني الرازي - عن المغيرة بن مسلم، عن ميمون أبي حمزة قال: كنت جالسًا عند أبي وائل، فدخل علينا رجل يقال له: أبو عفيف - من أصحاب معاذ، فقال له شقيق بن سلمة: يا أبا عفيف؛ ألا تحدّثنا عن معاذ بن جبل! قال: بلى، سمعته يقول: يحبس الناس يوم القيامة في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر. قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة، فيمرون إلى الجنة.
[ويطلق الهدى ويراد به ما يقرّ في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلقه في قلوب العباد إلا الله ﷿.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. وقال: ﴿لَيسَ عَلَيكَ هُدَاهُمْ﴾.
وقال: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وقال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ويطلق ويراد به بيان الحق وتوضيحه والدلالة عليه والإرشاد إليه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ وقال: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ (١٠)﴾ على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر. وهو الأرجح، والله أعلم، وأصل التقوى: التوقي مما يكره، لأن أصلها وقى من الوقاية قال النابغة:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه … فتناولته واتقتنا باليد
_________________
(١) = أبي حاتم في التفسير (٦٠)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٤٤٦)، والحاكم (٤/ ٣١٩)، والبيهقي في سننه (٥/ ٣٣٥)، وفي الشعب (٥٣٦١)، والقضاعي في مسند الشهاب (٩٠٩: ٩١٢)، وعزاه السيوطي في الدر (١/ ٢٤) لأحمد، ولم نقف عليه، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، قال ابن القطان: عبد الله بن يزيد لا أعرف روى عنه إلا أبو عقيل ومحمد بن سعد، ولا تعرف حاله. وفي الميزان: قال الجوزجاني: أحاديثه منكرة.
(٢) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٦١ - (١/ ٣٣) في إسناده ميمون القصاب، قال أحمد: متروك الحديث، وقال الدارقطني ضعيف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وقال البخاري: ليس بالقوي عندهم. وقال النسائي: ليس بثقة. [¬١]- في ز: لما.
[ ١ / ٢٦٢ ]
وقال الآخر:
فألقت قناعًا دونه الشمس واتقت … بأحسن موصولين كف ومعصم
وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى. قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. وقد أخذ هذا المعنى ابن العتز فقال:
خل الذنوب صغيرها … وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماشٍ فوق أو … ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى
وأنشد أبو الدرداء يومًا:
يريد المرء أن يؤتى مناه … ويأبى الله إلا ما أرادا
يقول المرء فائدتي ومالي … وتقوى الله أفضل ما استفادا
وفي سنن ابن ماجة (^٨٤) عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ما استفاد المرء بعد تقوى الله خيرًا من زوجة صالحة؛ إن نظر إليها سرته، وإن أمرها أطاعته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله"] [¬١].
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
قال أبو جعفر الرازي، عن العلاء بن المسيب بن رافع، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله (^٨٥) قال: الإيمان التصديق.
_________________
(١) - ضعيف، والحديث رواه ابن ماجة في النكاح، باب: أفضل النساء برقم (١٨٥٧) من طريق عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة ﵁، ورواه الطبراني (٨/ ٧٨٨١)، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ٧٠): "هذا إسناد فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف - كذا قال - وعثمان بن أبي العاتكة مختلف فيه". وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، رواه مسلم وغيره. ورواه النسائي من طريق أبي هريرة، وأبو داود في سننه، وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنده من حديث ابن عباس ﵄. ا هـ - وفي المطبوعة من سنن ابن ماجه: "علي بن يزيد"، وهو الصواب، وهو الألهاني، وقول البوصيري السابق: إنه علي بن زيد بن جدعان، ليس بصحيح، وانظر تحفة الأشراف (١/ ١٧٩)، وتهذيب الكمال (١٩/ ٣٩٧).
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٧١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٦٣ ]
وقال علي بن أبي طلحة وغيره: عن ابن عباس (^٨٦) ﵄: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يصدّقون.
وقال معمر، عن الزهري: الإيمان: العمل (^٨٧).
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس (^٨٨): ﴿يُؤْمِنُونَ﴾: يخشون.
قال ابن جرير (^٨٩) وغيره: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولًا واعتقادًا وعملًا. قال: وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله، وتصديق الإقرار بالفعل.
(قلت): أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض، وقد يستعمل في القرآن والمراد به ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وكما قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ وكذلك إذا استعمل مقرونًا مع الأعمال كقوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فأما إذا استعمل مطلقًا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادًا وقولًا وعملًا، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إِجماعًا أن الإيمان: قول وعمل، يريد وينقص. وقد ورد فيه آثار كثيرة، وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
ومنهم [¬١] من فسره بالخشية كقوله [¬٢] تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ﴾ وقوله: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ والخشية خلاصة الإيمان والعلم، كما قال تعالى [¬٣]: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
[وقال بعضهم: يؤمنون بالغيب كما يؤمنون بالشهادة، وليسوا كما قال تعالى: عن المنافقين: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ وقال: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ فعلى هذا يكون قوله: بالغيب حالًا، أي: في حال كونهم غيبًا عن
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢٦٨).
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٧٠).
(٣) - تفسير ابن جرير (٢٦٩).
(٤) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٣٥). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "لقوله". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ١ / ٢٦٤ ]
الناس] [¬١].
وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد.
قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية (^٩٠) في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال: يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كله. وكذا قال قتادة بن دعامة.
وقال السُّدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي ﷺ: أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة وأمر النار وما ذكر في القرآن.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو عن سعيد بن جبير- عن ابن عباس (^٩١): ﴿بِالْغَيبِ﴾ قال: بما جاء منه -يعني من الله تعالى. وقال سفيان الثوري عن عاصم عن زر قال: الغيب: القرآن.
وقال عطاء بن أبي رباح (^٩٢): من آمن بالله فقد آمن بالغيب.
وقال إسماعيل بن أبي خالد: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال: بغيب الإسلام.
وقال زيد بن أسلم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ قال بالقدر.
فكل هذه متقاربة [في معنى] [¬٢] واحد؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به.
وقال سعيد بن منصور (^٩٣): حدَّثنا: أبو [¬٣]، معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا، فذكرنا
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢٧٦)، وابن أبي حاتم (٦٧).
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٧٣).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٧٠).
(٤) - سنن سعيد بن منصور برقم (١٨٠)، وابن أبي حاتم (٦٦)، وابن منده في الإيمان (٢٠٩)، والحاكم (٢/ ٢٦٠) وقال: على شرط الشيخين. [¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "بمعنى". [¬٣]- في ز، خ: "ابن معاوية".
[ ١ / ٢٦٥ ]
أصحاب النبي ﷺ وما سبقونا [¬١] به، قال: فقال عبد الله: إن أمر محمد ﷺ كان بينًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب. ثم قرأ: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ﴾ إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق، عن الأعمش به (^٩٤). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
وفي معنى هذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٩٥): حدَّثنا أبو المغيرة، أخبرنا [¬٢] الأوزاعي، حدّثني أسيد [¬٣] بن عبد الرحمن، عن خالد بن دريك، عن ابن مُحَيريز [¬٤] قال: قلت لأبي جمعة: حدَّثنا حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ، قال: نعم، أحدّثك حديثًا جيدًا، تغدينا مع رسول الله ﷺ ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فقال: يا رسول اللَّه؛ [هل] [¬٥] أحد خير منَّا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "نعم، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني".
طريق أخرى: قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره (^٩٦):
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ٦٦ - (٣٤١١)، والمستدرك (٢/ ٢٦٠).
(٢) - المسند حديث ١٧٠٢٧ - (٤/ ١٠٦)، ورواه الدارمي حديث (٢٧٤٧) بنفس الإسناد، وأخرجه الطبراني في الكبير حديث (٣٥٣٧ - ٣٥٣٩) (٤/ ٢٢ - ٢٤)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٨٥)، وأبو يعلى في مسنده ١٥٥٩ - (٣/ ١٢٨)، ورواه البخاري في خلق أفعال العباد صـ ٥٠ برقم (١٢٤)، وفي التاريخ (١/ ٢ / ٣١١)، وابن أبي عاصم (٢١٣٦)، وابن عساكر (٨/ ١٨٧ - ١٨٨) من حديث عبد الله بن صالح قال: ثنا معاوية بن صالح، عن ابن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري … فذكره نحوه. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ٦٩) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، والطبراني بأسانيد، وأحد أسانيد أحمد رجاله ثقات. ا هـ. وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤/ ٣٣): "واختلف فيه على الأوزاعي، فقال الأكثر: عن أسيد، عن خالد بن دريك، عن ابن محيريز. وقال ابن شماسة: عن الأوزاعي، عن أسيد، عن صالح بن محمد: حدثني أبو جمعة به" قال الحافظ: وأغرب البزار فزعم أن الأوزاعي تفرد بالرواية عنه وذكر ابن عساكر: أن الأوزاعي روى عن أسيد بن عبد الرحمن عنه؛ فسمى أباه: محمدًا؛ قال: والصواب صالح بن جبير. (التهذيب ٤/ ٣٨٣ - ٣٨٤). وقال في فتح الباري (٧/ ٦): "إسناده حسن".
(٣) - رواه الطبراني في المعجم الكبير ٣٥٤٠ - (٤/ ٢٣) عن بكر بن سهل، عن عبد الله بن صالح به، ومن طريق ضمرة بن ربيعة به، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥ - ٦٦) وقال: رواه الطبراني واختلف في رجاله. [¬١]- في ز، خ: "سبقوا". [¬٢]- في ز، خ: "حدثنا". [¬٣]- في ت: "أسد". [¬٤]- في ز، خ: "ابن جبير". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ١ / ٢٦٦ ]
حدَّثنا عبد اللَّه بن جعفر، حدَّثنا إِسماعيل بن عبد اللَّه بن مسعود، حدَّثنا عبد اللَّه بن صالح، حدَّثنا معاوية بن صالح، [عن صالح] [¬١] بن جبير قال: قدم علينا أبو جمعة الأنصاري صاحب رسول اللَّه ﷺ بيت المقدس ليصلي فيه، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة [﵁] فلما انصرف [¬٢] خرجنا نشيعه، فلما أراد الانصراف قال: إن لكم جائزة وحقًّا أحدّثكم بحديث سمعته من رسول اللَّه ﷺ. قلنا: هات رحمك اللَّه! قال: كنا مع رسول اللَّه ﷺ ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة، فقلنا: يا رسول اللَّه، هل من قوم أعظم منَّا أجرًا [¬٣]، آمنا باللَّه [¬٤] واتبعناك؟ قال: "ما يمنعكم من ذلك ورسول اللَّه بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجرًا". مرتين.
ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة، عن مرزوق بن نافع (^٩٧)، عن صالح بن جبير، عن أبي جمعة بنحوه.
وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث كما قررته في أول شرح البخاري؛ لأنه مدحهم على ذلك، وذكر أنهم أعظم أجرًا من هذه الحيثية لا مطلقًا.
وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي، حدَّثنا إِسماعيل بن عياش الحمصي، عن المغيرة بن قيس التميمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟ " قالوا الملائكة. [قال: "وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم؟ ". قالوا: فالنبيون.] [¬٥] قال "وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزله عليهم؟ ". قالوا: فنحن. قال: "وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم؟ ". قال: فقال رسول اللَّه، ﷺ: "ألا إن أعجب الخلق إليَّ إيمانًا لقومٌ يكونون من بعدكم يجدون صحفًا فيها كتاب يؤمنون بما فيها" (^٩٨).
_________________
(١) - رواه الطبراني (٣٥٤١)، ومرزوق بن نافع: ذكره ابن حبان في الثقات (٩/ ١٨٩).
(٢) - جزء الحسن بن عرفة برقم (١٩)، ومن طريقه البيهقي في الدلائل (٦/ ٣٥٨)، ورواه الخطيب في شرف أصحاب الحديث (٦١)، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (٤٨)، وإسناده ضعيف لعلتين: الأولى: إسماعيل بن عياش رواه عن المغيرة بن قيس، وهو من روايته عن غير الشاميين - أهل بلده - وهي ضعيفة، والثانية: المغيرة؛ قال ابن أبي حاتم (٨/ ٢٢٧): منكر الحديث. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: انصرفنا. [¬٣]- في ز، خ: "أجرًا منا". [¬٤]- في ز: بك. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٢٦٧ ]
قال أبو حاتم الرازي: المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث.
[قلت]: ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده (^٩٩)، وابن مردويه في تفسيره، والحاكم في مستدركه من حديث محمد بن أبي حميد - وفيه ضعف - عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ بمثله أو نحوه.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقد رُوي نحوه عن [¬١] أنس بن مالك مرفوعًا (^١٠٠)، واللَّه أعلم.
وقال ابن أبي حاتم (^١٠١): [حدَّثنا أبي] [¬٢] حدَّثنا عبد اللَّهِ بن محمد المسندي، حدَّثنا إسحاق بن إدريس، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري، أخبرني جعفر بن محمود، عن جدته نُوَيلة [¬٣] بنت أسلم قالت: صليت الظهر -أو العصر- في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين، ثم جاءنا من يخبرنا أنّ رسول اللَّه ﷺ قد استقبل البيت [¬٤] الحرام، فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلو [¬٥] البيت الحرام.
قال إبراهيم: فحدثني رجال من بني حارثة أنّ رسول اللَّه ﷺ حين بلغه ذلك
_________________
(١) - ضعيف، وهو في مسند أبي يعلى ١٦٠ - (١/ ٤٧)، والمستدرك (٤/ ٨٥)، والبزار (٣/ ٢٨٣٩)، والعقيلي (٤/ ٢٣٨)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (٣٦ - ٣٧)، وابن عساكر (١٦/ ٤٨٦)، وقال البزار: إنما نعرف هذا من حديث محمد بن أبي حميد، وهو مدني، ليس بالقوي، حدث بهذا وبحديث آخر لم يتابع عليه. وتعقب الذهبي الحاكمَ فقال: "بل محمد بن أبي حميد ضعفوه".
(٢) - رواه البزار في مسنده برقم (٢٨٤٠ كشف الأستار) وهو في مختصر زوائد البزار (٢٠٧١) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس ﵁، وقال: "غريب من حديث أنس". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٥) وقال: رواه البزار، وفيه سعيد بن بشير، وقد اختلف فيه، فوثقه قوم وضعفه آخرون وبقية رجاله ثقات.
(٣) - إسناده ضعيف جدًّا، وهو تفسير ابن أبي حاتم ٧٣ - (١/ ٣٦) وفي إسناده إسحاق بن إدريس قال البخاري "تركه الناس". وقال ابن معين: "يضع الحديث"، ورواه الطبراني في المعجم الكبير ٥٣٠ - (٢٤/ ٢٠٧)، وابن الأثير في أسد الغابة (٧/ ٤٤)، من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري - وهي متابعة لإسحاق بن إدريس - عن إبراهيم بن جعفر، عن أبيه، به نحوه، وأورده في مجمع الزوائد (٢/ ١٤) وقال: ورجاله موثقون. [¬١]- زيادة من ز، خ:. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ويقال: تويلة. ويقال: بديلة. [¬٤]- في ز: بيت. [¬٥]- في ز، خ: مستقبلون، والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم.
[ ١ / ٢٦٨ ]
قال: "أولئك قوم آمنوا بالغيب".
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
قال ابن عباس: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ أي يقيمون الصلاة بفروضها.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: إقامة الصلاة إتمام [¬١] الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها فيها.
وقال قتادة: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها.
وقال مقاتل بن حيان [¬٢]: إقامتها المحافظة على مواقيتها وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي ﷺ، فهذا إقامتها. وقال علي بن أبي طلحة وغيره: عن ابن عباس: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: زكاة أموالهم.
وقال السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال: [هي [¬٣]] نفقة الرجل على أهله، وهذا قبل أن تنزل الزكاة.
وقال جوبير (^١٠٢) عن الضحاك: كانت النفقات قرباتٍ [¬٤] يتقربون بها إلى اللَّه تعالى على قدر ميسرتهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات سبع آيات في سورة براءة، مما يذكر فيهنّ الصدقات هنّ الناسخات المثبتات.
وقال قتادة: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ فأنفغوا مما أعطاكم الله هذه الأموال، عواري وودائع عندك يا بن آدم؛ يوشك أن تفارقها.
واختار ابن جرير أنّ الآية عامة في الزكاة والنفقات، فإنه قال: وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم، مؤدين زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته، من أهلٍ أو [¬٥] عيال وغيرهم، ممن يجب [¬٦] عليهم نفقته بالقرابة والملك وغير ذلك؛ لأنّ اللَّه تعالى عم
_________________
(١) - جويبر: تالف، وهو عند ابن جرير في تفسيره (٢٨٧). [¬١]- في خ: "تمام". [¬٢]- في خ: "مقاتل بن حبان". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: قربانًا. [¬٥]- في ز، خ: "و". [¬٦]- في ز، خ: "تجب".
[ ١ / ٢٦٩ ]
وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه.
(قلت): كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه، والإنفاق هو [] [¬١] الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات والأهلون والمماليك ثم الأجانب، فكل من النفقات الواجبة والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾، ولهذا ثبت في الصحيحين (^١٠٣) عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "بُني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلا الله، [وأن محمدًا رسول الله،] [¬٢] وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ، وصوم رمضان، وحج البيتِ الحرام [¬٣] ". والأحاديث في هذا كثيرة.
وأصل الصلاة في كلام العرب: الدعاء، قال الأعشى:
لها حارس لا يبرحُ الدّهر بيتها … وإن ذُبِحَت صلَّى عليها وَزَمْزَما
وقال أيضًا [¬٤]:
وقابلها الريح في دنها … وصلى على دنها وارتسم
أنشدهما ابن جرير مستشهدًا على ذلك.
وقال الآخر [وهو الأعشى أيضًا] [¬٥]:
تقول بنتي [¬٦] وقد قَربتُ مرتحلًا … يارب جنِّب أبي الأوصابَ والوَجَعَا
عليكِ مثلُ الذي صليت [¬٧] فاغتمضي … نومًا فإن لجِنَبِ المرء مُضطجعًا [¬٨]
يقول: عليك من الدعاء مثل الذي دعوت [¬٩] لي، وهذا ظاهر. ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة، بشروطها المعروفة، وصفاتها وأنواعها المشهورة.
_________________
(١) - صحيح البخاري في كتاب الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم برقم (٨)، وصحيح مسلم كتاب الإيمان، برقم ١٩ - (١٦). [¬١]- في ن: من. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- زيادة في: خ. [¬٤]- في ز، خ: "الآخر". [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز: بنيتي. [¬٧]- في م: "ضليت". [¬٨]- في خ: "معتطجعًا". [¬٩]- في ز، خ: "دعيت".
[ ١ / ٢٧٠ ]
قال ابن جرير: وأرى أن الصلاة الفروضة سميت صلاة؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل ربه فيها [¬١] من حاجته [¬٢].
[وقيل: هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب.
ومنه سمي المصلي وهو التالي للسابق في حلبة الخيل، وفيه نظر.
وقيل: هي مشتقة من الصلي وهو الملازمة للشيء من قوله تعالى: ﴿لا يصلاها﴾ أي لا يلزمها ويدوم فيها: ﴿إلا الأشقى﴾.
وقيل: مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوَّم، كما أن المصلي يقوَّم عوجه بالصلاة: ﴿إن الصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر، والله أعلم] [¬٣].
وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله تعالى.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾
قال ابن عباس (^١٠٤): ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ أي: يصدّقون بما جئت به من الله، وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرّقون بينهم، ولا يجحدون ما جاءوهم به من ربهم.
﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾ أي بالبعث والقيامة، والجنة والنار، والحساب والميزان.
وإنما سميت الآخرة؛ لأنها بعد الدنيا، وقد اختلف الفسرون في الموصوفين هاهنا هل هم الموصوفون بما تقدم من قوله تعالى: ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون﴾ ومن هم؟ على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير:
أحدها أن الموصوفين أوّلًا هم الموصوفون ثانيا، وهم كل مؤمن، مؤمنو العرب ومؤمنو [¬٤] أهل الكتاب وغيرهم. قاله مجاهد وأبو العالية والربيع أنس وقتادة.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٨٩)، وابن أبي حاتم (٨٠) بإسنادٍ ضعيف. [¬١]- زيادة من خ. [¬٢]- في ز، خ: "حاجاته". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: خ.
[ ١ / ٢٧١ ]
والثاني: هما واحد وهم مؤمنو أهل الكتاب.
وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات كما قال تعالى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى﴾.
وكما قال الشاعر:
إلى الملك القَرم وابن الهُمام … وليثِ الكتيبة [¬١] في المُزدَحَم
فعطف الصفات بعضها على بعض، والموصوف واحد.
والثالث: أن الموصوفين أوّلًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾. الآية مؤمنو [¬٢] أهل الكتاب. نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة [¬٣]، واختاره ابن جرير ﵀ ويستشهد لما قال بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ الآية. وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وبما [¬٤] ثبت في الصحيحين (^١٠٥) من حديث الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي، ورجل مملوك أدَّى حق الله وحق مواليه، ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها".
وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة، وهي أن الله تعالى وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين، فكما أنه صنف الكافرين إلى صنفين: كافر، ومنافق، فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين: عربي، وكتابي.
(قلت): والظاهر قول مجاهد، فيما رواه الثوري عن رجل، عن مجاهد. ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، أنه قال: أربع آيات من أوّل [¬٥] سورة البقرة في نعت المؤمنين، وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب العلم، باب: تعليم الرجل أمته وأهله رقم (٩٧) وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم ٢٤١ - (١٥٤) بمعناه. [¬١]- في ز: الكثيبة. [¬٢]- في ز، خ: "لمؤمنى". [¬٣]- في ز، خ: "أصحابه". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١ / ٢٧٢ ]
فهذه الآيات الأربع عامة [¬١] في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي، وكتابي من إنسي وجني، وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى، بل كل واحدة مستلزمة للأخرى وشرط معها، فلا يصح الإيمان بالغيب وإقام الصلاة والزكاة إلا مع الإيمان بما جاء به الرسول [ﷺ] وما جاء به من قبله من [الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين] [¬٢] والإيقان بالآخرة، كما أنّ هذا لا يصح إلا بذاك.
وقد أمر الله تعالى المؤمنين بذلك، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَينَا وَأُنْزِلَ إِلَيكُمْ﴾. الآية وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [¬٣]؛ آمنوا بما نزلنا مصدّقًا لما معكم﴾. وقال تعالى: ﴿قل يا أهل الكاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم﴾. وأخبر تعالى عن المؤمنين كلهم [¬٤] بذلك فقال تعالى: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبة ورسله [لا نفرق بين أحد من رسله] [¬٥]﴾ وقال تعالى: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم﴾. إلى [¬٦] غير ذلك من الآيات الدالة على أمر جميع المؤمنين بالإيمان باللَّه ورسله وكتبه.
لكن لمؤمني أهل الكتاب خصوصية، وذلك أنهم يؤمنون بما بأيديهم [¬٧] مفصلًا، فإذا دخلوا في الإسلام وآمنوا به مفصلًا كان لهم على ذلك الأجر مرتين، وأما غيرهم فإنما يحصل له الإيمان بما تقدم مجملًا. كما جاء في الصحيح (^١٠٦): " إذا حدّثكم أهل الكتاب [فلا تكذبوهم ولا تصدّقوهم] [¬٨]، و[لكن] [¬٩] قولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم".
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا﴾ برقم (٤٤٨٥) وانظر (٧٣٦٢، ٧٥٤٢) من حديث أبي هريرة، ﵁، وليس في واحدٍ منهم "إذا حدثكم أهل الكتاب"، ولفظ: كان أهل الكتاب يقرؤن التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله، ﷺ: "لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم ﴿وقولوا آمنا بالله﴾ الآية. وروى أبو داود نحوه برقم (٣٦٤٤) من حديث أبي نملة ﵁ وكذلك أحمد (٤/ ١٣٦)، وعبد الرزاق (١١/ ٢٠٠٥٩)، وابن حبان (١١٠ موارد). [¬١]- في ن: عامات. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ر، خ. [¬٣]- في ز، خ: "يا أهل الكتاب". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: و [¬٧]- في خ: "في أيديهم". [¬٨]- في ز، خ: "فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم". [¬٩]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ولكن قد يكون إيمان كثير من العرب بالإسلام [الذي] [¬١] بعث به محمد ﷺ أتم وأكمل وأعم وأشمل من إيمان من دخل منهم في الإسلام، فهم وإن حصل لهم أجران من تلك الحيثية، فغيرهم [قد] [¬٢] يحصل له من التصديق ما ينيف ثوابه على الأجرين اللذين حصلا لهم، والله أعلم.
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾
يقول الله تعالى ﴿أولئك﴾ أي المتصفون بما تقدّم من الإيمان بالغيب وإقام الصلاة، والإنفاق من الذي رزقهم الله، والإيمان بما أنزل الله [¬٣] إلى الرسول ومن قبله من الرسل، والإيقان بالدار الآخرة، وهو يستلزم الاستعداد لها من الأعمال الصالحة وترك المحرّمات- ﴿على هدى﴾ أي: على [¬٤] نور وبيان وبصيرة من الله تعالى. ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي في الدنيا والآخرة.
وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد (^١٠٧)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ أي: على نور من ربهم، واستقامة على ما جاءهم به [¬٥]. ﴿وأولئك هم المفلحون﴾. أي الذين أدركو ما طلبوا، ونجوا من شرّ ما منه هربوا.
وقال ابن جرير (^١٠٨): وأمّا معنى قوله تعالى: ﴿أولئك على هدى من ربهم﴾ فإن معنى ذلك: أنهم [¬٦] على نور من ربهم وبرهان واستقامة وسداد بتسديده [¬٧] إياهم وتوفيقه لهم.
وتأويل قوله تعالى: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ أي المنجحون المدركون ما طلبوا عند الله بأعمالهم وإيمانهم بالله وكتبه ورسله، من الفوز بالثواب، والخلود في الجنات، والنجاة مما أعدّ الله لأعدائه من العقاب.
وقد حكى ابن جرير قولًا عن بعضهم أنه أعاد اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أولئك على
_________________
(١) - محمد بن أبي محمد: قال الذهبي في الميزان (٤/ ٢٦): لا يعرف، وهو عند ابن جرير (٢٩٣، ٢٩٤)، وابن أبي حاتم (٨٤، ٨٨).
(٢) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٤٩). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- زيادة من ز. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في م: "فإنهم". [¬٧]- في ز: بتسدسد الله.
[ ١ / ٢٧٤ ]
هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ إلى مؤمنى أهل الكتاب الموصوفين بقوله تعالى [¬١]: ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾. الآية.
على ما تقدم من الخلاف.
[] [¬٢]: وعلى هذا فيجوز أن يكون قوله تعالى ﴿والذين يؤمنون بما أنزل إليك﴾ منقطعًا [¬٣] مما [¬٤] قبله، وأن يكون [¬٥] مرفوعًا على الابتداء وخبره ﴿[أولئك على هدًى من ربهم] [¬٦]﴾ ﴿أولئك هم المفلحون﴾. واختار أنه عائد إلى [¬٧] جميع من تقدم ذكره من مؤمني العرب وأهل الكتاب؛ لما رواه السدّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: أما الذين يؤمنون بالغيب، فهم المؤمنون من العرب والذين يؤمنون بما أنزل إليك [وما أنزل من قبلك هم] [¬٨] المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: ﴿أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾.
وقد تقدّم من الترجيح أنّ ذلك صفة للمؤمنين [¬٩] عامّة، والإشارة عائدة عليهم، والله أعلم.
وقد نقل هذا عن مجاهد وأبي العالية والرّبيع بن أنس وقتادة، ﵏.
وقال ابن أبي حاتم (^١٠٩): حدَّثنا أبي، حدَّثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدَّثنا أبي، حدثنا ابن لهيعة، حدّثني عبيد الله بن المغيرة، عن أبي الهيثم -واسمه سليمان بن عمرو [¬١٠]- عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ وقيل له: يا رسول الله! إنا نقرأ من القرآن فنرجو، ونقرأ من القرآن فنكاد أن نيأس -أو كما قال- قال: فقال: "أفلا [¬١١] أخبركم عن أهل الجنة وأهل النار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ﴿الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين﴾ إلى -قوله تعالى- ﴿المفلحون﴾ هؤلاء أهل الجنة". قالوا: إنا نرجو أن نكون
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ٨٦ - (١/ ٤٠). وفي إسناده ابن لهيعة، وهو متكلم فيه. وعثمان بن صالح المصري: أورد له الذهبي (٣/ ٤٠) في الميزان حديثين، ثم نقل عن أبي حاتم قوله: هذا كذب. وقال الذهبي: صدوق، لينه أحمد بن صالح المصري؛ فإن أحمد بن صالح قال: دعه، دعه. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز قال. [¬٣]- في ز: متقطعًا. [¬٤]- في خ: "عما". [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٧]- في ز: على. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ز: للمؤمنين. [¬١٠]- في ز، خ: "عبدٍ". [¬١١]- في ز، خ: "ألا".
[ ١ / ٢٧٥ ]
هؤلاء. ثم قال: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ﴾ إلى قوله ﴿عظيم﴾ هؤلاء أهل النار".
قالوا لسنا هم يا رسول الله. قال: "أجل".
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾
يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي غطوا الحق [¬١] وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارُك وعدمُه، فإنهم لا يؤمنون بما جئتهم، به. كما قال تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم﴾ وقال تعالى: في حق المعاندين من أهل الكتاب: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك﴾. الآية. أي إن من كتب الله عليه الشقاوة فلا مُسْعِدَ له، ومن أضله فلا هادي له، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبلغهم الرسالة، فمن استجاب لك فله الحظ الأوفر، ومن تولى فلا تحزن عليهم [ولا يهمنك ذلك] [¬٢] ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ و﴿إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل﴾.
وقال علي [¬٣] بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^١١٠) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ قال: كان رسول الله ﷺ يحرصُ أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكَر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة [¬٤] في الذكر الأول.
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (^١١١)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك، وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق، وقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك، فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا وقد كفروا بما عندهم من علمك.
وقال أبو [¬٥] جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: نزلت هاتان الآيتان في
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٩٧)، والبيهقي (١٤٦) في الأسماء والصفات، والطبراني (١٢/ ١٣٠٢٥)، وسنده ضعيف لانقطاعه.
(٢) - محمد بن أبي محمد: مجهول، والأثر عند ابن جرير في تفسيره (٢٩٥)، وابن أبي حاتم (٩٢). [¬١]- في ز: الكفر. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز: الشقاء. [¬٥]- في ز: ابن.
[ ١ / ٢٧٦ ]
قادة الأحزاب، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين بدّلوا نعمةَ اللَّه كفرًا وأحلوا قومهم دار البوار [جهنم يصلونها] [¬١]﴾ والمعنى الذي ذكرناه أوّلا، وهو المروي عن ابن عباس في رواية علي [¬٢] ابن أبي طلحة- أظهر، ويفسر ببقية الآيات التي في معناها والله أعلم.
وقد ذكر ابن أبي حاتم (^١١٢) هاهنا حديثًا، فقال: حدثنا أبي، حدَّثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري، حدثنا أبي، حدَّثنا ابن لهيعة، حدثني عبيد الله [¬٣] بن المغيرة، عن أبي الهيثم، عن عبد الله بن عمرو، قال: قيل: يا رسول الله! إنا نقرأ من القرآن نرجو [¬٤]، ونقرأ فنكاد أن نيأس. فقال: "ألا أخبركم". ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ [¬٥] أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هؤلاء أهل النار". قالوا: لسنا هم يا رسول اللَّه؟ قال: "أجل".
[وقوله تعالى ﴿لا يؤمنون﴾ محله من الإعراب أنه جملة مؤكدة للتي قبلها.
﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ أي هم كفار في كلا الحالين؛ فلهذا أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿لا يؤمنون﴾، ويحتمل أن يكون لا يؤمنون خبرًا لأنّ تقديره. إن الذين كفروا لا يؤمنون، ويكون قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ جملة معترضة والله أعلم] [¬٦].
خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾
قال السدّي: ختم الله؛ أي: طبع الله.
وقال قتادة في هذه الآية: استحوذ عليهم الشيطان إذ أطاعوه، فختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة، فهم لا يبصرون هدًى، ولا يسمعون ولا يفقهون ولا يعقلون.
وقال ابن جريج (^١١٣): قال مجاهد: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ قال: [نبئت أن] [¬٧]
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ٩١ - (١/ ٤٢). وإسناده ضعيف.
(٢) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٥٩). ونقل العلائي في جامع التحصيل: قال ابن الجنيد: سألت يحيى بن معين سمع ابن جريج من مجاهد؟ قال: في حرف أو حرفين في القراءة لم يسمع غير ذلك، وكذلك قال البرديجي. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: عبد الله. والمثبت من تفسير ابن أبي حاتم. [¬٤]- في ت: "فنرجوا". [¬٥]- في ز: أنذرتهم. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: الطبع ينبت، والمثبت من تفسير الطبري.
[ ١ / ٢٧٧ ]
الذنوب على القلب تحف [¬١] به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فالتقاؤها عليه الطبع، والطبع الختم. قال ابن جريج: الختم على القلب والسمع.
قال ابن جريج: وحدّثني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول: الران أيسر من الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد من [¬٢] ذلك كله.
وقال الأعمش: أرانا مجاهد بيده، فقال: كانوا يرون أن القلب في مثل هذه [¬٣]-يعني الكف، فإذا أذنب العبد ذنبًا ضم منه، وقال بأصبعه الخنصر هكذا، فإذا أذنب ضم، وقال بإصبع أخرى، فإذا أذنب ضم، وقال بأصبع أخرى هكذا، حتى ضم أصابعه كلها، [قال: ثم] [¬٤] يطبع عليه بطابع.
[وقال مجاهد] [¬٥]: كانوا يُرَون أنّ ذلك الرين [¬٦]. ورواه ابن جرير عن أبي كريب، عن وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد، بنحوه.
قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما معنى قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ إخبار من الله عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دُعوا إليه من الحق، كما يقال: إن فلانًا لأصم عن هذا الكلام، إذا امتنع من سماعه، ورفع نفسه عن تفهمه تكبرًا.
قال: وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنه هو الذي ختم على قلوبهم وأسماعهم.
[(قلت): وقد أطنب الزمخشري (^١١٤) في تقرير ما ردّه ابن جرير هاهنا، وتأوّل الآية من خمسة أوجه وكلها ضعيفة جدًّا، وما جرّأه على ذلك إلا اعتزاله؛ لأنّ الختم على قلوبهم ومنعها من وصول الحق إليها قبيح عنده، يتعالى الله عنه في اعتقاده، ولو فهم قوله تعالى: ﴿فما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، وقوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى إنما ختم على قلوبهم، وحال بينهم وبين الهدى جزاء وفاقًا على تماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا عدل منه تعالى حسن وليس بقبيح، فلو أحاط علمًا بهذا لما قال ما قال، والله أعلم.
قال القرطبي: وأجمعت الأمّة على أن الله ﷿ قد وصف نفسه بالختم والطبع على قلوب
_________________
(١) - تفسير الزمخشري (١/ ٢١). [¬١]- في ز: فتحف، والمثبت من تفسير الطبري. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: هذا. [¬٤]- في خ: ثم قال. [¬٥]- في ز: قال مجاهد: و. [¬٦]- في خ: "الدين".
[ ١ / ٢٧٨ ]
الكافرين مجازاة لكفرهم، كما قال: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾. وذكر حديث تقليب القلوب (^١١٥): و"يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك" (^١١٦)، وذكر حديث حذيفة الذي في الصحيح (^١١٧)، عن رسول الله ﷺ قال: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا (*) فلا تضره فتنة ما دامت السمواتُ والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مُجخيًّا، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا" الحديث] [¬١].
قال [ابن جرير (^١١٨)] [¬٢]: والحق عندي في ذلك ما صح بنظيره الخبر عن رسول الله ﷺ، وهو ما حدَّثنا به محمد بن بشار، حدَّثنا صفوان بن عيسى، حدَّثنا ابن عجلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستعتب [¬٣] صقل قلبه وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه، فذلك الران الذي قال الله تعالى: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾.
_________________
(١) - يعني حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: "مثل القلب مثل ريشة يقلبها الرياح بفلاةٍ"، رواه أحمد (١٩٧١٦) من حديث عفان، ثنا عبد الواحد بن زياد، ثنا عاصم الأحول، عن أبي كبشة، قال: سمعت أبا موسى يقول على المنبر: قال رسول الله، ﷺ، فذكره، ورواه ابن ماجه (٨٨)، وابن أبي عاصم في السنة (٢٢٨) كلاهما من طريق يزيد الرقاشي: -وهو ضعيف- عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى مرفوعًا، ورواه أحمد (١٩٨١١) (٤/ ٤١٩)، وعبد بن حميد (٥٣٥)، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ١٠٢) حديث (٢٢٧)، والبغوى في شرح السنة (١/ ١٦٤) (٨٧) من حديث يزيد بن هارون، عن الجريري، عن غنيم بن قيس، عن أبي موسى مرفوعًا، وقال أحمد: ولم يرفعه إسماعيل، عن الجريري. وقال الألباني في تعليقه على السنة: إسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، على شرط مسلم.
(٢) - رواه النسائي في الكبرى (٤/ ٤١٤)، وابن ماجه (١٩٩)، وأحمد (٤/ ١٨٢)، وابن أبي عاصم في السنة (٢١٩، ٢٣٠)، وابن حبان (٢٤١٩) موارد، والحاكم (٢/ ٢٨٩، ٤/ ٣٢١)، والطبراني في الدعاء (١٢٦٢).
(٣) حديث حذيفة رواه مسلم في الإيمان ٢٣١ - (١٤٤)، وأحمد (٥/ ٣٨٦، ٤٠٥). (*) - قال القاضي عياض ﵀: ليس تشبيهه للصفا بيانًا لبياضه، لكن لصفة أخرى: لشدته على عقد الإيمان وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به، ولم تؤثر فيه، كالصفا، وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء.
(٤) - تفسير ابن جرير ٣٠٤ - (١/ ٢٦٠)، ورواه أحمد ٧٩٣٩ - (٢/ ٢٩٧)، ورواه الحاكم (٢/ ٥١٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في الطبري: واستغفر.
[ ١ / ٢٧٩ ]
وهذا الحديث من هذا الوجه قد رواه الترمذي والنسائي (^١١٩)، عن قتيبة، عن الليث بن سعد وابن ماجة عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل والوليد بن مسلم، ثلاثتهم عن محمد بن عجلان، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ثم قال ابن جرير: فأخبر رسول [¬١] الله ﷺ: أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختم من قِبل الله تعالى والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها [¬٢] مخلص، فذلك هو الختم والطبع الذي ذكر [¬٣] في قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم وعلى سمعهم إلا بعد فض خاتمه وحله رباطها عنها.
وأعلم أنّ الوقف التام على قوده تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ وقوله: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ جملة تامة؛ فإنّ الطبع يكون على القلب وعلى السمع، والغشاوة - وهي الغطاء - تكون على البصر، كما قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول [¬٤] الله ﷺ (^١٢٠) في قوله: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾ [] [¬٥] يقول: فلا يعقلون ولا يسمعون، يقول وجعل على أبصارهم غشاوة، يقول: على أعينهم فلا يبصرون.
وقال ابن جرير (^١٢١): حدّثني محمد بن سعد، حدَّثنا أبي، حدّثني عمي الحسين بن الحسن،
_________________
(١) - الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة ويل للمطففين برقم (٣٣٣٤)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٦٥٨)، وابن ماجة في الزهد، باب: ذكر الذنوب برقم (٤٢٤٤)، وابن حبان (١٧٧١ موارد)، والحاكم (٢/ ٥١٧)، والبيهقي (١٠/ ١٨٨) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم على شرط مسلم.
(٢) - رواه ابن جرير (٣٠٨)، ورواه ابن أبي حاتم (٩٥) موقوفًا على السدي.
(٣) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن جرير ٣٠٥ - (١/ ٢٦٣). وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء، محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطية العوفي: لين، وأبوه سعد بن محمد بن الحسن ضعيف جدًّا. والحسين بن الحسن بن عطية ضعيف كذلك. والحسن بن عطية ضعيف أيضًا، وكذلك عطية بن سعد العوفي. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "منها". [¬٣]- في خ: "النبي". [¬٤]- في ز: ذكره الله. [¬٥]- في خ: و.
[ ١ / ٢٨٠ ]
عن أبيه، عن جدّه، عن ابن عباس ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم﴾، والغشاوة على أبصارهم.
وقال (^١٢٢) و[¬١] حدَّثنا القاسم، حدَّثنا الحسين -يعني ابن داود وهو سنيد- حدثني حجاج - وهو ابن محمد الأعور - حدّثني ابن جريج قال: الختم على القلب والسمع، والغشاوة على البصر، قال الله تعالى: ﴿فإن يشأ الله يختم على قلبك﴾، وقال: ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾.
قال ابن جرير: ومن نصب غشاوة من قوله تعالى: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾، فيحتمل [¬٢] أنه نصبها بإضمار فعل، تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة، ويحتمل أن يكون نصبها على الإتباع على محل: ﴿وعلى سمعهم﴾ كقوله تعالى: ﴿وحور عين﴾ وقول الشاعر:
عَلَفْتُها [¬٣] تبنًا وماء باردًا … حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها
وقال [¬٤] الآخر:
ورأيت زَوْجَكِ في الوغى … متقلِّدًا سيفًا ورُمْحا
تقديره: وسقيتها ماء باردًا، ومعتقلًا رمحًا.
لما تقدّم وصف المؤمنين في صدر السورة بأربع آيات، ثم عرف حال الكافرين بهاتين الآيتين، شرع تعالى في بيان حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ولما كان أمرهم يشتبه على كثير من الناس أطنب في ذكرهم بصفات متعدّدة، كلٌّ منها نفاق، كما أنزل سورة براءة فيهم، وسورة المنافقين فيهم، وذكرهم في سورة النور وغيرها من السور؛ تعريفًا لأحوالهم لتجتنب، ويجتنب من تلبس بها أيضًا فقال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)
النفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو أنواع: اعتقادي: وهو الذي يخلد صاحبه في النار، وعملي: وهو من أكبر الذنوب، كما سيأتي تفصيله في موضعه، إن شاء الله تعالى، وهذا
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٣٠٦ - (١/ ٢٦٥). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "يحتمل". [¬٣]- في ز: فَعَلَفْتُها. [¬٤]- في ز: وقول.
[ ١ / ٢٨١ ]
كما قال ابن جريج: المنافق يخالف قوله فعله، وسره علانيته، ومدخله مخرجه، ومشهده مَغِيبهُ.
وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية؛ لأنّ مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، من الناس من كان يظهر الكفر مُسْتَكْرَهًا وهو في الباطن مؤمن، فلما هاجر رسول الله صلى الله تعالى [¬١] عليه وعلى آله [¬٢] وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام، على طريقة مشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل؛ بنو قينقاع حلفاء الخزرج، وبنو النضير وبنو قريظة حلفاء الأوس، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار من قبيلتي الأوس والخزرج، وقل من أسلم من اليهود إلا عبد الله بن سلام ﵁، ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعد شوكة تخاف، بل قد كان ﵊ وَادَعَ اليهود وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعلى [¬٣] الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم، فجاءهم الخيرُ وأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله، فلما كانت وقعة بدر- قال: هذا أمر قد تَوَجَّه. فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممن هو على طريقته ونِحلته وآخرون من أهل الكتاب، فمن ثَمَّ وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب، فأمّا المهاجرون فلم يكن فيهم أحد [نافق]، لأنه لم يكن أحد يهاجر مُكْرَهًا، بل يهاجر فيترك [¬٤] ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة.
قال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (^١٢٣)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم. وكذا فسرها بالمنافقين [من الأوس والخزرج] [¬٥] أبو العالية والحسن وقتادة والسدّي.
ولهذا نبَّه الله سبحانه على صفات المنافقين؛ لئلا يغتر بظواهر [¬٦] أمرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم، وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير، فقال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ أي يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى:
_________________
(١) - محمد بن أبي محمد مجهول، وهو عند ابن جرير (٣١٢)، وابن أبي حاتم (١٠٤). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ت: "وأعز" [¬٤]- في ز: ويترك. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ [¬٦]- في ز: بظاهر.
[ ١ / ٢٨٢ ]
﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله [والله يعلم إنك لرسوله] [¬١]﴾ أي: إنما يقولون [¬٢] ذلك إذا جاءوك فقط، لا في نفس الأمر، ولهذا يؤكدون في [¬٣] الشهادة بإن ولام التأكيد في خبرها. كما أكدوا قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وليس الأمر كذلك، كما [كذبهم الله] [¬٤] في شهادتهم، وفي خبرهم هذا بالنسبة إلى اعتقادهم، بقوله تعالى: ﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾، وبقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾.
وقوله تعالى: ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ أي بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأنّ ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: ﴿يوم يبعثهم الله جميعًا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾. ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك بقوله: ﴿وما يخدعون [¬٥] إلا أنفسهم وما يشعرون﴾. يقول: وما يغرّون بصنيعهم هذا ولا يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون بذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾.
ومن القرّاء من قرأ: ﴿وما يخدعون [¬٦] إلا أنفسهم﴾ وكلا القراءتين ترجع إلى معنى واحد.
قال ابن جرير: فإن قال قائل: كيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟.
قيل: لا تمتنع العرب من أن تسمي من أعطى بلسانه غير الذي في ضميره تقية لينجو مما هو له خائف مخادعًا، فكذلك المنافق سُمي مخادعًا لله وللمؤمنين، بإظهاره ما أظهره [¬٧] بلسانه تقية، بما يخلص [¬٨] به من القتل والسبي [¬٩] والعذاب العاجل، وهو لغير ما أظهره [¬١٠] مستبطن وذلك من فعله - وإن كان خداعًا للمؤمنين في عاجل الدنيا - فهو لنفسه بذلك من فعله خادعٌ؛ لأنه يظهر لها بفعله ذلك بها أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهو موردها [] [¬١١] حياض عطبها، ومجرعها به كأس عذابها، ومُزيرُها من غضب الله وأليم عقابه ما لا قبَلَ لها به، فذلك خديعته نفسه ظنًّا منه - مع إساءته إليها في أمر معادها - أنه [¬١٢] إليها محسن، كما قال تعالى:
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: نقول. [¬٣]- زيادة من: ز، خ. [¬٤]- في ز: أكذبهم. [¬٥]- في ز، خ: "يخادعون". [¬٦]- في ت: "يخادعون". [¬٧]- في ز، خ: "أظهر". [¬٨]- في ز، خ: "تخلص". [¬٩]- في ز، خ: "السبا". [¬١٠]- في ز: أظهر. [¬١١]- في تفسير الطبري به. [¬١٢]- في خ: "أن".
[ ١ / ٢٨٣ ]
﴿وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ إعلامًا منه عباده المؤمنين أنّ المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم في إسخاطهم عليها ربهم بكفرهم وشكهم وتكذيبهم غير شاعرين ولا دارين، ولكنهم على عمياء [¬١] من أمرهم مقيمون.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢٤): أنبأنا علي بن المبارك [فيما كتب إلي، حدثنا زيد بن المبارك] [¬٢]، حدثنا محمد بن ثور، عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿يخادعون الله﴾ قال: يظهرون لا إله إلا الله يريدون أن يحرزوا بذلك دماءهم وأموالهم، وفي أنفسهم غير ذلك.
وقال سعيد: عن قتادة: ﴿ومن الناس من يقول آمنا باللَّه وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون [¬٣] إلا أنفسهم وما يشعرون﴾ نعت المنافق عند كثير خَنِعُ الأخلاق، يصدّق بلسانه وينكر بقلبه، ويخالف بعمله، يصبح على حال ويمسي على غيره، ويمسي على حال ويصبح على غيره، و[¬٤] يتكفأ تكفأ السفينة كلما هبت ريح هبّ معها.
﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾
قال السدي: عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب رسول [¬٥] الله ﷺ في هذه الآية: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: شك، ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ قال: شكًّا (^١٢٥).
وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: شك (^١٢٦).
وكَذلك قال مجاهد وعكرمة، والحسن البصري وأبو العالية، والربيع بن أنس وقتادة.
وعن عكرمة وطاوس، ﴿في قلوبهم مرض﴾ يعني: الرياء [¬٦].
وقال الضحاك: عن ابن عباس: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: نفاق: ﴿فزادهم الله مرضا﴾
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ١٠٧ - (١/ ٤٦) وسنده جيد.
(٢) - رواه ابن جرير (٣٢٤).
(٣) - رواه ابن جرير (٣٢٢)، وابن أبي حاتم (١١٢، ١١٤) وسنده ضعيف. [¬١]- في ت: "عمى" [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ت: "يخدعون". [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في خ: "النبي". [¬٦]- في ز: الزنا.
[ ١ / ٢٨٤ ]
قال: نفاقًا. وهذا كالأول (^١٢٧).
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿في قلوبهم مرض﴾ قال: هذا مرض في الدين وليس مرضًا في الأجساد، وهم المنافقون.
والمرض: الشك الذي دخلهم في الإسلام: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ قال: زادهم رجسًا، وقرأ: ﴿فأمّا الذين آمنوا فزادتهم إيمانًا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسًا إلى رجسهم﴾. قال: شرًّا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم.
وهذا الذي قاله عبد الرحمن ﵀ حسنٌ، وهو الجزاء من جنس العمل، وكذلك قاله الأوّلون، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: ﴿والذين اهتدوا زادهم هدىً وآتاهم تقواهم﴾.
[وقوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾ وقرئ: ﴿يكذبون﴾ وقد كانوا متصفين بهذا وهذا، فإنهم كانوا كذبة، ويكذِّبون بالغيب يجمعون بين هذا وهذا.
وقد سئل القرطبي وغيره من المفسرين عن حكمة كفه ﵊ عن قتل المنافقين مع علمه بأعيان بعضهم؟ وذكروا أجوبة عن ذلك؛ منها ما ثبت في الصحيحين (^١٢٨) أنه ﷺ قال لعمر ﵁: "أكره أن يتحدث العرب أن محمدًا يقتل أصحابه".
ومعنى هذا خشية أن يقع بسبب ذلك تغير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، ولا يعلمون حكمة قتله لهم، وأنّ قتله اياهم إنما هو على الكفر، فإنهم إنما يأخذونه بمجرّد ما يظهر لهم، فيقولون: إن محمدًا يقتل أصحابه.
قال القرطبي: وهذا قول علمائنا وغيرهم، كما كان يعطي المؤلفة مع علمه بسوء اعتقادهم.
قال ابن عطية: وهي طريقة أصحاب مالك نص عليه محمد بن الجهم والقاضي إسماعيل والأبهري وعن ابن الماجشون.
ومنها ما قال مالك: إنما كف رسول الله ﷺ عن المنافقين ليبين لأمّته أن
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٣٢٣)، وابن أبي حاتم (١١١)، وسنده ضعيف.
(٢) - رواه البيهقي (٨/ ١٩٨، ٩/ ٣٢ - ٣٣)، وفي الدلائل (٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨) من طريق ابن إسحاق معضلًا، وروى نحوه البخاري (٦/ ٥٤٦، ٨/ ٦٤٨، ٦٥٢ الفتح)، ومسلم ٦٣ - (٢٥٨٤)، وأحمد (٣/ ٣٣٨، ٣٩٢ - ٣٩٣)، وأبو يعلى (١٨٢٤، ١٩٥٧)، وابن حبان (٥٩٩٠، ٦٥٨٢)، والطحاوي في المشكل (٤/ ٢٣٩) من حديث جابر.
[ ١ / ٢٨٥ ]
الحاكم لا يحكم بعلمه.
قال القرطبي: وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أنّ القاضي لا يقتل بعلمه. وإن اختلفوا في سائر الأحكام.
قال: ومنها ما قال الشافعي: إنما مَنَعَ رسول الله ﷺ من قتل المنافقين ما كانوا يظهرونه من الإسلام مع العلم بنفاقهم؛ لأن ما يظهرونه يَجُبُّ ما قبله.
ويؤيد هذا قوله ﵊ في الحديث المجمع على صحته في الصحيحين (^١٢٩) وغيرهما: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله ﷿".
ومعنى هذا أن من قالها جرت عليه أحكام الإسلام ظاهرًا، فإن كان يعتقدها وجد ثواب ذلك في الدار الآخرة، وإن لم يعتقدها لم ينفعه [في الآخرة] جريان الحكم عليه في الدنيا، وكونه كان خليط أهل الإيمان ﴿ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرّتكم الأماني حتى جاء أمر الله﴾ الآية. فهم يخالطونهم في بعض المحشر، فإذا حقت المحقوقية تميزوا منهم وتخلفوا بعدهم ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون﴾ ولم يمكنهم أن يسجدوا معهم، كما نطقت بذلك الأحاديث.
ومنها: ما قاله بعضهم أنه إنما لم يقتلهم لأنه كان يخاف [¬١] من شرهم مع وجوده ﵊ بين أظهرهم يتلو عليهم آيات الله مبينات، فأما بعده فيقتلون إذا أظهروا النفاق وعلمه المسلمون.
قال مالك: المنافق في عهد الرسول ﷺ هو الزنديق اليوم.
(قلت): وقد اختلف العلماء في قتل الزنديق إذا أظهر الكفر، هل يستتاب أم لا؟ أو يفرق بين أن يكون داعية أم لا؟ أو يتكرّر منه ارتداده أم لا، أو يكون إسلامه ورجوعه من تلقاء نفسه، أو بعد أن ظُهِر عليه؟ على أقوال متعدّدة، موضع بسطها وتقريرها وعزوها كتاب "الأحكام".
[تنبيه]: قول من قال: كان ﵊ يعلم أعيان بعض المنافقين، إنما مستنده حديث حذيفة بن اليمان (^١٣٠) في تسمية أولئك الأربعة عشر منافقًا في غزوة تبوك، الذين
_________________
(١) - البخاري في كتاب الإيمان برقم (٢٥) ومسلم في الإيمان برقم ٣٦ - (٢٢) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) - رواه مسلم ٩: ١١ - (٢٧٧٩)، وأحمد (٥/ ٣٩٠). [¬١]- في ن: لا يخاف.
[ ١ / ٢٨٦ ]
هموا أن يفتكوا برسول الله ﷺ في ظلماء الليل عند عقبة هناك، عزموا على أن ينفروا به الناقة ليسقط عنها، فأوحى الله إليه أمرهم فأطلع على ذلك حذيفة ولعل الكف عن قتلهم كان لمدرك من هذه المدارك أو لغيرها، والله أعلم.
فأمّا غير هؤلاء فقد قال الله تعالى: ﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلًا﴾ ففيها دليل على أنه لم يغر بهم ولم يدرك على أعيانهم، وإنما كان تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم، كما قال تعالى: ﴿ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾.
وقد كان من أشهرهم بالنفاق عبد الله بن أبيّ بن سلول، وقد شهد عليه زيد بن أرقم بذلك الكلام الذي سبق في صفات المنافقين، ومع هذا لما مات صلى عليه النبي ﷺ وشهد دفنه كما يفعل ببقية المسلمين، وقد عاتبه عمر بن الخطاب ﵁ فيه فقال: "إني أكره أن تتحدّث العرب أنّ محمدًا يقتل أصحابه".
وفي رواية في الصحيح: "إني خيرت فاخترت". وفي رواية (^١٣١): " لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت] [¬١] ".
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾
قال السدي في تفسيره عن أبي مالك و[عن] [¬٢] أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة الطَّيَّب الهمداني [¬٣]، عن ابن مسعود، وعن أناس [¬٤] من أصحاب النبي [¬٥] ﷺ: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ [قال: هم المنافقون] [¬٦]، أمّا ﴿لا تفسدوا في الأرض﴾ قال: الفساد هو الكفر، والعمل بالمعصية.
وقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا
_________________
(١) - رواه البخاري برقم (١٣٦٦) من حديث ابن عمر. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز، خ: "ناس". [¬٥]- في خ: "رسول الله". [¬٦]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٨٧ ]
تفسدوا في الأوض﴾ قال: يعني لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك معصية الله؛ لأنه من عصى الله في الأرض أو أمر بمعصيته [¬١] فقد أفسد في الأرض؛ لأنّ صلاح الأرض والسماء بالطاعة.
وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة.
وقال ابن جريج: عن مجاهد: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأوض﴾ قال: إذا ركبوا معصية الله فقيل لهم: لا تفعلوا كذا وكذا، قالوا: إنما نحن على الهدى، مصلحون.
وقد قال وكيع وعيسى بن يونس وعَثَّام [¬٢] بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو عن عباد بن عبد الله الأسدي (^١٣٢)، عن سلمان الفارسي: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأوض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ قال سلمان: لم يجئ أهل هذه الآية بعد.
وقال ابن جرير (^١٣٣): حدّثني أحمد بن عثمان بن حكيم، حدَّثنا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وغيره، عن سلمان الفارسي [¬٣] في هذه الآية، قال: ما جاء هؤلاء [بَعْدُ [¬٤]].
قال ابن جرير (^١٣٤): يحتمل أن سلمان [﵁] أراد بهذا أن الذين يأتون بهذه الصفة أعظم فسادا من الذين كانوا في زمن [¬٥] النبي ﷺ لا أنه عنى أنه لم يمض ممن تلك صفته أحد.
قال ابن جرير (^١٣٥): فأهل النفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه وشكهم في دينه الذي لا يُقْبَل من أحد عمل إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبِهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون [¬٦] من الشك
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٣٣٧)، وابن أبي حاتم (١٢٣)، وعباد بن عبد الله الأسدي: أورده الذهبي في الميزان (٢/ ٣٦٨) وقال: قال البخاري: سمع منه المنهال بن عمرو، فيه نظر. قال ابن المديني: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات.
(٢) - تفسير ابن جرير ٣٣٨ - (١/ ٢٨٨)، وعبد الرحمن بن شريك ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم: واهي الحديث.
(٣) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٨٩).
(٤) - تفسير ابن جرير (١/ ٢٨٩). [¬١]- في ز: بمعصية لله [¬٢]- في ز، خ: "غنام". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ، وهي مثبتة عند الطبري. [¬٥]- في ز: زمان. [¬٦]- في ز، خ: "مقيمين".
[ ١ / ٢٨٨ ]
والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها.
وهذا الذي قاله حسن؛ فإن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء كما قال تعالى: ﴿والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأوض وفساد كبير﴾ فقطع الله الموالاة بين [المؤمنين والكافرين] كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانًا مبينًا﴾، ثم قال: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا﴾، فالمنافق لما كان ظاهره الإيمان اشتبه أمره على المؤمنين، فكأن الفساد من جهة المنافق حاصل؛ لأنه هو الذي غرّ المؤمنين بقوله الذي لا حقيقة له، ووالى الكافرين على المؤمنين، ولو أنه استمر على حاله الأول لكان شره أخف، ولو أخلص العمل لله وتطابق قوله وعمله لأفلح وأنجح، ولهذا قال تعالى: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي نريد أن نداري الفريقين من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء، كما قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد (^١٣٦)، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون﴾ أي إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب. يقول الله: ﴿ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون﴾ يقول: ألا إن هذا الذي يعتمدونه ويزعمون أنه إصلاح هو عين الفساد، ولكن من جهلهم لا يشعرون بكونه فسادًا.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾
يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: آمنوا كما آمن الناس، أي كإيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والجنة والنار وغير ذلك، مما أُخبر المؤمنون [¬١] به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر ﴿قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ يعنون - لعنهم الله - أصحابَ رسول الله ﷺ ﵃ قاله أبو العالية والسدي في تفسيره بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وغير واحد من الصحابة (^١٣٧)، وبه يقول الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء؟!.
_________________
(١) - محمد بن أبي محمد: مجهول، ورواه ابن جرير (٣٤١)، وابن أبي حاتم (١٢٤).
(٢) - رواه ابن جرير (٣٤٤). [¬١]- في ت: "المؤمنين".
[ ١ / ٢٨٩ ]
والسفهاء جمع سفيه، كما أن الحكماء جمع حكيم [والحلماء جمع حليم] [¬١]، والسفيه هو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المصالح والمضار، ولهذا سمى الله النساء والصبيان سفهاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، قال عامة علماء التفسير [¬٢]: هم النساء والصبيان.
وقد تولى الله سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلها فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ فأكد وحصر السفاهة فيهم.
﴿وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني ومن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم، وأبلغ في العمى والبعد عن الهدى.
﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.
يقول تعالى: وإذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ أي أظهروا لهم الإيمان والموالاة والمصافاة، غرورًا منهم للمؤمنين ونفاقًا ومصانعة وتقية، وليَشْركوهم فيما أصابوا من خير ومغنم، ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: و[¬٣] إذا انصرفوا و[¬٤] ذهبوا و[¬٥] خلصوا إلى شياطينهم، فضمَّن ﴿خَلَوْا﴾ معنى انصرفوا، لتعديته بإلى، ليدل على الفعل المضمر والفعل الملفوظ به. ومنهم من قال: "إلى" هنا [¬٦] بمعنى "مع"، والأول أحسن وعليه يدور كلام ابن جرير.
وقال السدّي عن أبي مالك: ﴿خَلَوْا﴾ يعني مضوا، و﴿شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني: سادتهم [وكبراءهم ورؤساءهم] [¬٧] من أحبار اليهود ورءوس المشركين والمنافقين.
قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [¬٨]، عن ابن مسعود، وعن [¬٩] ناس من أصحاب النبي ﷺ ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ يعني [¬١٠]: هم رءوسهم في الكفر.
وقال الضحاك عن ابن عباس؛ وإذا خلوا إلى أصحابهم وهم شياطينهم.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز، خ: "السلف". [¬٣]- زيادة من: ز، خ. [¬٤]- في ز: أو. [¬٥]- في ز: أو. [¬٦]- في ز: ها هنا. [¬٧]- في ز: وكبراؤهم ورؤساؤهم. [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٩٠ ]
وقال محمد بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد (^١٣٨)، عن عكرمة أو [¬١] سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به الرسول ﷺ. وقال مجاهد: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ إلى أصحابهم من المنافقين والمشركين.
وقال قتادة: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ قال: إلى رءوسهم وقادتهم في الشرك والشر.
وبنحو ذلك فسره أبو مالك وأبو العالية والسدي والربيع بن أنس.
قال ابن جرير: وشياطين كل شيء [¬٢] مَرَدَتُه، ويكون الشيطان من الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾.
وفي المسند (^١٣٩) عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "تعوَّذ بالله من شياطين الإنس والجن" فقلت: يا رسول الله! أو [¬٣] للإنس شياطين؟ قال: "نعم".
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ قال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^١٤٠) أي إنا على مثل ما أنتم عليه ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ أي إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم.
_________________
(١) - محمد بن أبي محمد: مجهول، وهو عند ابن جرير (٣٥٠)، وابن أبي حاتم (١٣٧).
(٢) - ضعيف، وهو في المسند ٢١٦٢٩ - (٥/ ١٧٨) ثنا وكيع، ثنا المسعودى، أنبأني أبو عمر الدمشقي، عن عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر. وأبو عمر الدمشقي قال الدارقطني: متروك. وعبيد بن الخشخاش: قال الحافظ: روى عن أبي ذر في الاستعاذة من شياطين الإنس والجن، وعنه أبو عمر الدمشقي ذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: قلت: وقال: روى عنه الكوفيون، وقال البخاري لم يذكر سماعًا من أبي ذر، وضعفه الدارقطني. وأخرجه أيضًا البزار كما في كشف الأستار (١/ ٩٣، ٩٤ / رقم: ١٦٠). والطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين (١/ ٢٦٨ - ٢٦٩ / رقم: ٣١٣). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٥٩، ١٦٠) وقال "رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، وعند النسائي طرف منه، وفيه المسعودي وهو ثقة، ولكنه اختلط. ورواه أحمد من حديث أبي أمامة ٢٢٣٣٨ - (٣/ ٢٦٥)، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني: منكر الحديث.
(٣) - رواه ابن جرير (٣٥٠)، وابن أبي حاتم (١٤١). [¬١]- في ز، خ: "أن". [¬٢]- في خ: "نبي". [¬٣]- في خ: "و".
[ ١ / ٢٩١ ]
وقال الضحاك عن ابن عباس (^١٤١): ﴿[قَالُوا] [¬١] إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ساخرون بأصحاب محمد ﷺ. وكذلك قال الربيع بن أنس وقتادة.
وقوله تعالى جوابًا لهم ومقابلة على صنيعهم: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
وقال ابن جرير: أخبر الله تعالى أنه فاعل بهم ذلك يوم القيامة في قوله [تعالى]: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَينَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ [¬٢] الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ الآية، قال: فهذا وما أشبهه من استهزاء الله تعالى ذكره وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به، عند قائل هذا القول ومتأوّل هذا التأويل.
قال: وقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ركبوا من معاصيه، والكفر به.
قال: وقال آخرون: هذا وأمثاله على سبيل الجواب، كقول الرجل لمن يخدعه إذا ظفر به: أنا الذي خدعتك. ولم يكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذا صار الأمر إليه.
قالوا: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ الْمَاكِرِينَ﴾ و﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على الجواب والله لا يكون منه المكر ولا الهزء. والمعنى أنّ المكر والهزء حاق بهم.
وقال آخرون قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، وقوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ و﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وما أشبه ذلك إخبار من الله تعالى أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه [¬٣] إياهم وعقابه لهم مُخْرَجَ خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ، وإن اختلف المعنيان كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ [¬٤] سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ] [¬٥]﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ [بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ] [¬٦]﴾ فالأوّل ظلم والثاني عدل، فهما وإن اتفق لفظاهما فقد اختلف معناهما.
_________________
(١) رواه ابن جرير (٣٥٩)؛ وابن أبي حاتم (١٤٢)، وسنده ضعيف. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "تحسبن". [¬٣]- في ز، خ: "جوابه". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.
[ ١ / ٢٩٢ ]
قال: وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك.
[قال: وقال آخرون: إنّ معنى ذلك] [¬١] أنّ الله أخبر عن المنافقين أنهم إذا خَلَوا إلى مردتهم قالوا: إنا معكم على دينكم، في تكذيب محمد [صلى الله تعالى عليه وآله وسلم] وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم: [صدقنا بمحمد ﵇ وبما جاء به] [¬٢] مستهزئون، فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا، يعني من عصمة [¬٣] دمائهم وأموالهم خلافَ الذي لهم عنده في الآخرة يعني من العذاب والنكال (^١٤٢).
ثم شرع ابن جربر يوجه هذا القول وينصره؛ لأنّ المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتفٍ عن الله ﷿ بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك.
قال: وبنحو ما قلنا فيه رُوي الخبر عن ابن عباس:
حدثنا (^١٤٣) أبو كريب، حدثنا عثمان، حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني [¬٤]، عن ابن مسعود، وعن أناس [¬٥] من [أصحاب النبي ﷺ] [¬٦] يمدهم: يملي لهم (^١٤٤).
وقال مجاهد: يزيدهم.
[وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقال: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال بعضهم: كلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (١/ ٣٠٣).
(٢) - تفسير ابن جرير ٣٦٣ - (١/ ٣٠٥)، وسنده ضعيف جدًّا.
(٣) - رواه ابن جرير (٣٦٤)، وابن أبي حاتم (١٤٤). [¬١]- ما بن المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ، ومثبت في تفسير الطبري. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: ناس. [¬٦]- في ز، خ: "الصحابة".
[ ١ / ٢٩٣ ]
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾] [¬١].
قال ابن جرير: والصواب نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عُتُوّهم وتمردهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
والطغيان هو المجاوزة في الشيء كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في كفرهم يتردّدون (^١٤٥).
وكذا [¬٢] فسره السدي بسنده عن الصحابة، وبه يقول أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس ومجاهد وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد في كفرهم وضلالتهم.
قال ابن جرير: والعَمَه: الضلال، يقال: عمه فلان يَعْمَه عَمَهًا وعُمُوهًا إذا ضلَّ.
قال: وقوله: ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ في ضلالتهم [¬٣]، وكفرهم الذي قد [¬٤] غمرهم دنسه وعلاهم رجسه، يتردّدون حيارى ضُلَّالًا، لا يجدون إلى المخرج منه سبيلًا؛ لأن الله تعالى قد طبع على قلوبهم وختم عليها، وأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها فلا يبصرون رشدًا ولا يهتدون سبيلًا.
[وقال بعضهم: العمى في العين، والعمه في القلب.
وقد يستعمل العمى في القلب أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، وتقول: عمه الرجل يعمه عموهًا فهو عمه، وعامه وجمعه عُمه، وذهبت إبله العمهاء إذا لم يدر أين ذهبت [¬٥].
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٣٦٦)، وابن أبي حاتم (١٤٨)، وسنده ضعيف جدًّا. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "وكذلك". [¬٣]- في ز: ضلالهم. [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٩٤ ]
قال السدي في تفسيره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ قال: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى.
وقال ابن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد (^١٤٦)، عن عكرمة أو عن سعيد [بن جبير] [¬١]، عن ابن عباس: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ أي: الكفر بالإيمان.
وقال مجاهد: آمنوا ثم كفروا.
وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى.
وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود: ﴿وَأَمَّا [¬٢] ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.
وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عَدَلُوا عن الهدى إلى الضلال [¬٣]، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ أي: بذلوا الهدى ثمنًا للضلالة، وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر، كما قال تعالى فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾. أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى، كما قد [¬٤] يكون حال فريق آخر [¬٥] منهم، فإنهم أنواع وأقسام، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
[أي: ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾] [¬٦] أي: راشدين في صنيعهم ذلك.
وقال ابن جرير (^١٤٧): حدثنا بشر، حدثنا نريد، حدثنا سعيد، عن قتادة: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
_________________
(١) - محمد بن أبي محمد: لا يعرف، وهو عند ابن جرير (٣٨٠)، وابن أبي حاتم (١٥٣).
(٢) - تفسير ابن جرير- ٣٨٥ - (٢/ ٣١١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "فأما". [¬٣]- في ز، خ: "الضلالة". [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وهكذا رواه ابن أبي حاتم (^١٤٨) من حديث يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة، بمثله سواء.
﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾
[يقال: مَثَل ومِثْل ومَثِيل أيضًا والجمع أمثال، قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾] [¬١]، وتقرير هذا المثل أن الله سبحانه شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة [¬٢] إلى العمى، بمن استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها وأبصر بها ما عن يمينه وشماله وتأنس بها، فبينا هو كذلك إذ طُفئت ناره وصار في ظلام شديد لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا [¬٣] أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضًا عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد، وفي هذا المثل دلالة على أنهم آمنوا ثم كفروا، كما أخبر تعالى [¬٤] عنهم في غير هذا الموضع، والله أعلم.
[وقد حكى هذا الذي قلناه الرازي في تفسيره عن السدي، ثم قال: والتشبيه هاهنا في غاية الصحة؛ لأنهم بإيمانهم اكتسبوا أولًا نورًا ثم بنفاقهم ثانيًا أبطلوا ذلك فوقعوا في حيرة عظيمة، فإنه لا حيرة أعظم من حيرة الدين] [¬٥].
وزعم ابن جرير أن المضروب لهم المثل هاهنا لم يؤمنوا في وقت من الأوقات، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
والصواب: أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك، ثم سُلبوه وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير ﵀ هذه الآية هاهنا وهي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾. فلهذا [¬٦] وجه هذا المثل بأنهم استضاءوا بما أظهروه من كلمة الإيمان -أي في الدنيا- ثم أعقبهم ظلمات يوم القيامة.
قال: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد، كما قال: ﴿رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (١٥٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "التبصرة". [¬٣]- في ز، خ: "ذلك". [¬٤]- في ز، خ: "عنهم تعالى". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "فهذا".
[ ١ / ٢٩٦ ]
كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ أي: كدوران [عيني] الذي يغشى عليه من الموت، وقال تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾. وقال بعضهم: تقدير الكلام مثل قصتهم كقصة الذين استوقدوا نارًا] [¬١].
[وقال بعضهم: المستوقد واحد لجماعة معه. وقال آخرون: الذي هاهنا بمعنى الذين، كما قال الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم … هم القوم كل القوم يا أم خالد] [¬٢] «^١٤٩)
قلت: وقد التفت في أثناء المثل من الواحد [¬٣] إلى الجمع في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. وهذا أفصح في الكلام وأبلغ في النظام، وقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ أي أذهب عنهم ما [¬٤] ينفعهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يضرهم، وهو الإحراق والدخان. ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ وهو ما هم فيه من الشك والكفر والنفاق: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾ لا يهتدون إلى سبل خير ولا يعرفونها، وهم مع ذلك ﴿صُمٌّ﴾ لا يسمعون خيرًا ﴿بُكْمٌ﴾ لا يتكلمون بما ينفعهم ﴿عُمْيٌ﴾ في ضلالة وعماية البصيرة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ فلهذا لا يرجعون إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة.
(ذكر أقوال المفسرين من السلف بنحو ما ذكرناه)
قال السدّي في تفسيره (^١٥٠) عن أبي مالك و[¬٥] عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة الهمداني [¬٦] عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ زعم أنّ ناسًا دخلوا في الإسلام مَقْدَم نبي الله ﷺ المدينة ثم إنهم نافقوا، وكان [¬٧] مثلهم كمثل رجُل كان في ظلمة، فأوقد نارًا، فلما أضاءت [] [¬٨] ما حوله من قذى أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه [¬٩]، فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره فأقبل لا يدري ما يتقي
_________________
(١) - البيت للأشهب بن رميلة، كما في اللسان، مادة "فلج".
(٢) - رواه ابن جرير (٣٨٨)، وابن أبي حاتم (١٦٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: الموحدة. [¬٤]- في خ: بما. [¬٥]- زيادة من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "فكان". [¬٨]- في ز: له. [¬٩]- في ز: منها.
[ ١ / ٢٩٧ ]
من أذى، فكذلك [¬١] المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم فعرف الحلال والحرام، والخير من [¬٢] الشرِّ، فبينما هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشرِّ.
وقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ أمّا إضاءة النار فإقبالهم [¬٣] إلى المؤمنين والهدى.
وقال عطاء الخراساني في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا [¬٤] مثل المنافق، يبصر أحيانًا ويحرف أحيانًا، ثم يدركه عمى القلب.
و[¬٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة والحسن، والسدّي والربيع بن أنس نحو قول عطاء الخراساني.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ إلى آخر الآية، قال: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم، كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارًا [¬٦]، ثم كفروا فذهب الله بنورهم فانتزعه، كما ذهب بضوء هذه النار فتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال العوفي عن ابن عباس (^١٥١) في هذه الآية، قال: أمّا [¬٧] النور فهو إيمانهم الذي كانوا يتكلمون به، وأمّا الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم [الذي كانوا] [¬٨] يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى ثم نُزع منهم فعتوا بعد ذلك.
وأمّا قول ابن جرير، فيشبه ما رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^١٥٢) في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ قال: هذا مثل ضربه الله للمنافقين أنهم كانوا يعتزون بالإسلام، فيناكحهم المسلمون ويوارثونهم ويقاسمونهم الفيء، فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العزَّ كما سُلب صاحب النار ضَوءه.
[وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي] [¬٩] اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فإنما ضوء النار ما أوقدتها فإذا خمدت ذهب نورها، وكذلك المنافق، كلما تكلم
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٣٨٩)، وسنده ضعيف جدًّا.
(٢) رواه ابن جرير (٣٨٧)، وابن أبي حاتم (١٥٨)، وإسناده ضعيف. [¬١]- في ز، خ: "فذلك". [¬٢]- في ت: و.. [¬٣]- في ز: فإقباله. [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٢٩٨ ]
بكلمة الإخلاص، بلا إله إلا الله، أضاء له، فإذا شك وقع في الظلمة.
وقال الضحاك [في قوله] [¬١]: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [أمّا نورهم] [¬٢] فهو إيمانهم الذي تكلموا به.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة (^١٥٣): ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ فهي لا إله إلا الله، أضاءت لهم فأكلوا بها وشربوا وأمنوا في الدنيا، ونكحوا النساء، وحقنوا دماءهم، حتى إذا ماتوا ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
وقال سعيد عن قتادة في هذه الآية: إنّ [¬٣] المعنى أنّ المنافق تكلم بلا إله إلا الله فأضاءت له في الدنيا، فناكح بها المسلمين، وغازاهم بها، ووارثهم بها وحقن بها دمه وماله، فلما كان عند الموت سُلبها المنافق؛ لأنه [¬٤] لم يكن لها أصل في قلبه، ولا حقيقة في عمله.
﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ [لَا يُبْصِرُونَ] [¬٥]﴾ قال علي بن أبي [¬٦] طلحة عن ابن عباس: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ يقول: في عذاب إذا ماتوا (^١٥٤).
وقال محمد [¬٧] بن إسحاق: عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [¬٨]- عن ابن عباس (^١٥٥): ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ أي يبصرون الحق ويقولون به، حتى [إذا خرجوا] [¬٩] من ظلمة الكفر [أطفئوه بكفوهم] [¬١٠] ونفاقهم فيه، فتركهم الله في ظلمات الكفر، فهم لا يبصرون هدًى ولا يستقيمون على حق.
وقال السدي في تفسيره بسنده: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ فكانت الظلمة نفاقهم.
وقال الحسن البصري: ﴿وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ فذلك حين يموت المنانق، فيظلم عليه عمله عمل السوء، فلا يجد له عملا من خيرٍ عمل به يصدق به قول لا إله إلا الله [¬١١].
_________________
(١) - رواه عبد الرزاق في تفسيره (١/ ٣٩)، وعنه ابن جرير (٣٩١)، وابن أبي حاتم (١٦٤).
(٢) - رواه ابن جرير (٣٨٧)، وابن أبي حاتم (١٦٧).
(٣) - رواه ابن جرير (٣٨٦)، وابن أبي حاتم (١٦٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "لأنها". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من ز. [¬٩]- في ز: خرجوا به. [¬١٠]- في ز: اطفئوا بكفرهم به. [¬١١]- في ز، خ: "هو".
[ ١ / ٢٩٩ ]
﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ قال السدي بسنده: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ [عُمْيٌ] [¬١]﴾ فهم خرس عمي.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٥٦): ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ يقول: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه ولا يعقلونه. وكذا قال أبو العالية ص وقتادة بن دعامة.
﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ قال ابن عباس (^١٥٧): أي لا يرجعون إلى هدى، وكذا قال الربيع بن أنس.
وقال السدي بسنده: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ [البقرة: ١٨] إلى الإِسلام.
وقال قتادة: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: لا يتوبون، ولا هم يذكرون.
﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.
وهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لضرب آخر من المنافقين، وهم قوم يظهر لهم الحق تارة، ويشكون تارة أخرى، فقلوبهم في حال شكهم وكفرهم وترددهم ﴿كَصَيِّبٍ﴾ والصيب: المطر، قاله ابن مسعود (^١٥٨) وابن عباس (^١٥٩) وناس من الصحابة، [وأبو العالية ومجاهد، وسعيد بن جبير] [¬٢] وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطة العَوْفى، وعطاء الخراساني، والسُّدّي، والربيع بن أنس.
وقال الضحاك: هو السحاب.
والأشهر هو المطر نزل من السماء، في حال ظلمات، وهي الشكوك والكفر والنفاق.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٣٩٩)، وابن أبي حاتم (١٧٣).
(٢) - رواه ابن أبي حاتم (١٧٨)، وسنده ضعيف.
(٣) - ابن جرير (٤٠٨).
(٤) - ابن جرير (٤٠٥). [¬١] سقط من: ز، خ. [¬٢]- مكرر في: خ.
[ ١ / ٣٠٠ ]
و﴿وَرَعْدٌ﴾ وهو ما يزعج القلوب من الخوف، فإن من شأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، كما قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيحَةٍ عَلَيهِمْ﴾ قال ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأ أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾.
والبرق: هو ما يلمع في قلوب هؤلاء الضرب من المنافقين في بعض الأحيان، من نور الإيمان، ولهذا قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ أي: ولا [¬١] يُجْدي عنهم حذرهم شيئًا؛ لأن الله محيط بهم [¬٢] بقدرته، وهم تحت مشيئته وإرادته، كما قال: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠)﴾. بهم [¬٣].
ثم قال ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [أي لشدته] [¬٤] وقوته في نفسه، وضعف بصائرهم، وعدم ثباتها للإيمان، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٦٠): ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ يقول: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين.
وقال ابن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد (^١٦١)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: لشدة [¬٥] ضوء الحق ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: كما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، وتارة تَعْرضُ لهم الشكوك أظلمت قلوبَهم فوقفوا حائرين.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس (^١٦٢): ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا﴾ يقول: كما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإذا [¬٦] أصاب الإِسلامَ نكبةٌ قاموا ليرجعوا إلى الكفر، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾.
وقال محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد [بن أبي محمَّد] [¬٧] (^١٦٣)، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [¬٨]- عن ابن عباس: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيهِمْ قَامُوا﴾ أي: يعرفون
_________________
(١) - ابن أبي حاتم (٢٠٤)، وابن جرير (٤٥٤) مطولًا.
(٢) - محمَّد بن أبي محمَّد: لا يعرف. وهو عند ابن جرير (٤٥١) مطولًا، وابن أبي حاتم (٢٠٧) مختصرًا.
(٣) - رواه ابن جرير (٤٥٤)، وابن أبي حاتم (٢٠٩) وسنده ضعيف.
(٤) - محمَّد بن أبي محمَّد: لا يرف. وهو عند ابن أبي حاتم (٢١٢)، وابن جرير (٤٥١). [¬١]- في ز، خ: "لا" [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: لشدته أي. [¬٥]- في ز: بشدة [¬٦]- في ز: وإن. [¬٧]- سقط من ز. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٠١ ]
الحق ويتكلمون به، فهم في قولهم به على استقامة، فإذا ارتكسوا منه إلى الكفر ﴿قَامُوا﴾ أي: متحيرين.
وهكذا قال أبو العالية والحسن البصري وقتادة [والربيع بن أنس] [¬١] والسدي بسنده عن الصحابة، وهو أصح وأظهر، والله أعلم.
وهكذا يكونون يوم القيامة عندما يعطى الناس النور بحسب إيمانهم؛ فمنهم من يعطى من النور ما يضيء له مسيرة فراسخ وأكثر من ذلك وأقل من ذلك، ومنهم من يطفأ نوره تارة ويضيء له أخرى، [ومنهم من يمشي] [¬٢] على الصراط تارة ويقف أخرى، ومنهم من يطفأ نوره بالكلية وهم الخُلَّص من المنافقين، الذين قال تعالى: فيهم ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾. وقال في حق المؤمنين: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ [تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ] [¬٣]﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [نُورُهُمْ يَسْعَى] [¬٤] بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
(ذكر الحديث الوارد في ذلك)
قال سعيد بن أبي عروبة، [عن قتادة] [¬٥] في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية: ذكر لنا أن [نبي الله] [¬٦] ﷺ كان يقول: "من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن، [أو بين صنعاء] [¬٧] ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه". رواه ابن جرير (^١٦٤).
ورواه ابن أبي حاتم من حديث عمران بن دَاوَر القطان عن قتادة، بنحوه.
وهذا كما قال المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله بن مسعود، قال: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يؤتى [¬٨] نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى [¬٩] نوره كالرجل
_________________
(١) - مرسل، ومراسيل قتادة من أضعف المراسيل، وهو عند ابن جرير (٢٧/ ١٢٨) وسيأتي في سورة الحديد. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "فيمشي". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "يسعى نورهم". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "النبي". [¬٧]- في الطبري: (٢٧/ ٢٢٢) أبين فصنعاء. [¬٨]- في ز، خ: "يرى". [¬٩]- في ز، خ: "يرى".
[ ١ / ٣٠٢ ]
القائم، وأدناهم نورًا على إبهامه يطفأ مرة ويتقد [¬١] مرة.
وهكذا [¬٢] رواه ابن جرير (^١٦٥)، عن ابن مثنى، عن ابن إدريس، عن أبيه، عن المنهال.
وقال ابن أبي حاتم (^١٦٦): حدَّثنا أبي، حدثنا علي بن محمَّد الطافسي [¬٣]، حدَّثنا ابن إدريس، سمعت [أبي يذكر] [¬٤] عن المنهال بن عمرو، عن قيس بن السكن، عن عبد الله [بن مسعود] [¬٥]: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ﴾ قال: على قدر أعمالهم [يمرّون على الصراط] [¬٦]؛ منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نورًا من نوره في إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا [¬٧] (^١٦٧): حدَّثنا محمَّد بن إسماعيل الأحمسي [¬٨]، حدثنا أبو يحيى الحماني [¬٩]، حدثنا عتبة بن اليقظان [¬١٠]، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة، فأما المنافق فيطفأ نوره، فالمؤمن مشفق [¬١١] مما يرى من إطفاء نور المنافقين، فهم يقولون: ربنا؛ أتمم لنا نورنا.
وقال الضحاك بن مزاحم: يعطي كل من كان يظهر الإيمان في الدنيا يوم القيامة نورًا؛ فإذا انتهى إلى الصراط طُفيء نور المنافقين، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا فقالوا: ربنا؛ أتمم لنا نورنا.
فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا: مؤمنون [¬١٢] خُلص وهم الموصوفون بالآيات الأربع في أول البقرة، وكفارٌ خُلص وهم الموصوفون بالآيتين بعدها، ومنافقون وهم قسمان: خلص وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يتردّدون [¬١٣] تارة يظهر لهم لُمعٌ من الإيمان وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل [¬١٤] المائي، وهم أخف حالًا من الذين قبلهم.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٧/ ١٢٨)، وأخرجه ابن أبي شيبة (١٣/ ٢٩٩)، ومن طريقه الحاكم (٢/ ٤٧٨).
(٢) - أورده السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٥٨)، وعزاه لابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والحاكم وصححه. وانظر الذي قبله.
(٣) - عتبة بن اليقظان: وثقه النسائي، وقال علي بن الجنيد: لا يساوي شيئًا وذكره ابن حبان في الثقات. [¬١] في ز، خ: "يقد". [¬٢]- في ز، خ: "هكذا". [¬٣]- في ز: الطيالسي. [¬٤]- في ز، خ: "أبي بكر". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من: خ، وفي ز: الأحمس. [¬٩]- في خ: "الجماني". [¬١٠]- في ز، خ: "القطان". [¬١١]- في ز: يشفق. [¬١٢]- في ت: مؤمنين. [¬١٣]- في خ: "مترددون". [¬١٤]- في خ: "الشك".
[ ١ / ٣٠٣ ]
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذُكر في سورة النور، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله في قلبه من الهدى والنور بالمصباح في الزجاجة التي كأنها كوكب دُري، وهي قلب المؤمن المفطور على الاٍ يمان واستمداده من الشريعة الخالصة الشافعية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله.
ثم ضرب مثل العُبّاد من الكفار، الذين يعتقدون أنهم على شيء وليسوا على شيء، وهم أصحاب الجهل المركب في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ الآية.
ثم ضرب مثل الكفار الجُهَّال الجَهْلَ البسيط، وهم الذين قال تعالى فيهم [¬١]: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾، فقسم الكفار هاهنا الي قسمين: داعية، ومقلد، كما ذكرهما في أول سورة الحج [﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ﴾ وقال بعده: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [¬٢] وقد قسم الله المؤمنين في أوّل [¬٣] الواقعة وفي آخرها، وفي سورة الإنسان إلى قسمين: سابقون [¬٤] وهم المقرّبون، وأصحابُ يمين وهم الأبرار.
فتلخص من مجموع هذه الآيات الكريمات أن المؤمنين صنفان: مقرّبون وأبرار، وأن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون؛ وأنّ المنافقين أيضًا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين (^١٦٨)، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ: "ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها من إذا حدّث كذب، وإذا ومحمد أخلف، وإذا ائتمن خان".
استدلوا به على أنّ الإنسان قد تكون [¬٥] فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق؛ إما عملي، لهذا [¬٦] الحديث، أو اعتقادي، كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف، وبعض العلماء، ما تقدم وكما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) - رواه البخاري في كتاب الإيمان، باب: علامات النفاق برقم (٣٤) ومسلم في الإيمان برقم ١٠٦ - (٥٨) ولفظه: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا -والرابعة- وإذا خاصم فجر". [¬١]- زيادة من ز، خ. [¬٢]- في ز الآية الثانية قبل الأولى. [¬٣]- في ز، خ: سورة. [¬٤]- في ت: "سابقين". [¬٥]- في ز: يكون. [¬٦]- في خ: "كهذا".
[ ١ / ٣٠٤ ]
قال الإِمام أحمد (^١٦٩): حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو [¬١] معاوية [-يعني شيبان-] [¬٢] عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتري [¬٣]، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله، ﷺ: "القلوب أربعة: قلب أجرد، فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، [وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص] [¬٤]، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومَثَل الإيمان فيه [¬٥] كمثل البقلة، يَمُدّها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يَمُدّها القيح والدم، فأي المادتين [¬٦] غلبت على الأخرى غلبت عليه". وهذا إسناد [¬٧] جيد حسن.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال محمَّد بن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس (^١٧٠) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ قال: لِما تركوا
_________________
(١) - المسند (٣/ ١٧)، وإسناده ضعيف لعلتين: الأولى: الإرسال؛ فإن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد، قاله أبو داود، عقب إخراج حديث له عن أبي سعيد -كتاب الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة، حديث ١٥٥٩ -: "وأبو البختري لم يسمع من أبي سعيد". ونقله عنه ابن حجر في التهذيب. وأبو البختري، اسمه سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي الكوفي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه -في المراسيل-: لم يدرك أبا ذر، ولا أبا سعيد. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: سعيد بن فيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل غير ذلك، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يرسل حديثه، ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال عنه في التقريب: ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال. والعلة الثانية: هي أنه من طريق ليث وهو ابن أبي سليم، واسم أنس أيمن، وقيل: أنس، وقيل غير ذلك، وهو صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه، فتُرك، قاله ابن حجر. وقال الذهبي: فيه ضعف يسير من سوء حفظه، كان ذا صلاة وصيام، وعلم كثير، وبعضهم احتج به. روى له مسلم مقرونًا. وأما عمرو بن مرة، فهو ثقة. والحديث أخرجه الطبراني في الصغير (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٨٥)، وقال أبو نعيم: وقد رواه جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة مرسلًا. وقال أيضًا الحافظ ابن كثير في تفسيره - سورة النور آية ٢٠ -: إسناده جيد ولم يخرجوه. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٣) وقال: رواه أحمد والطبراني في الصغير، وفي إسناده ليث بن أبي سليم.
(٢) - رواه ابن جرير (٤٧٠)، وابن أبي حاتم (٢١٠). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: خ، وفي ز: يعني: سبان. [¬٣]- في ز: البحتري. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز، خ: "منه". [¬٦]- في ز: المسندتين. [¬٧]- في ز، خ: "إحسان".
[ ١ / ٣٠٥ ]
من الحق بعد معرفته.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
قال ابن عباس [¬١] (^١٧١): أي إن الله على كل ما أراد بعباده من نقمة أو عفو قدير.
وقال ابن جرير: إنما وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع؛ لأنه حذر المنافقين بَأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير. ومعنى ﴿قَدِيرٌ﴾: قادر، كما أن معنى عليم عالم.
[وذهب ابن جرير ومن تبعه من المفسرين إلى أن هذين المثلين مضروبان لصنف واحد من المنافقين، وتكون "أو" في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أو تكون للتخيير، أي: اضرب لهم مثلًا بهذا وإن شئت بهذا.
قال القرطبي (^١٧٢): " أو" للتساوي، مثل جالس الحسن أو ابن سيرين، على ما وجهه الزمخشري (^١٧٣) أن كلًّا منهما مساو للآخر في إباحة الجلوس إليه، ويكون معناه على قوله: سواء ضربت لهم مثلًا بهذا أو بهذا فهو مطابق لحالهم.
(قلت): وهذا يكون باعتبار جنس المنافقين؛ فإنهم أصناف، ولهم أحوال وصفات، كما ذكرها الله تعالى في سورة براءة، ومنهم، ومنهم، ومنهم، يذكر أحوالهم وصفاتهم وما يعتمدونه من الأفعال والأقوال، فجعل هذين المثلين لصنفين منهم أشد مطابقة لأحوالهم وصفاتهم، والله أعلم.
كما ضرب المثلين في سورة النور لصنفي الكفار الدعاة والمقلدين في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ الآية. فالأول للدعاة الذين هم في جهل مركب، والثاني لذوي الجهل البسيط من الأتباع المقلدين، والله أعلم بالصواب] [¬٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم (٢١٢).
(٢) - القرطبي (١/ ٢١٥).
(٣) - الكشاف (١/ ٣٣). [¬١]- عند ابن أبي حاتم: "ابن إسحاق". [¬٢]- سقط من ز.
[ ١ / ٣٠٦ ]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.
شرع ﵎ في بيان [¬١] وحدانية ألوهيته، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده، بإخراجهم من العلم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة، بأن جعل لهم الأرض فراشا، أي مهدًا كالفراش، مقررة [¬٢] موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢] وأنزل [لهم] [¬٣] من السماء ماء -والمراد به السحاب هاهنا- في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهدٌ؛ رزقًا لهم ولأنعامهم، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية [¬٤] بهذه الآية قوله تعالى: ﴿[] [¬٥] الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾. ومضمونه أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا [¬٦] يستحق أن يعبد وحده ولا يُشْرَك به غَيره، ولهذا قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك … " (^١٧٤) الحديث. وكذا حديث معاذ: "أتدري ما حق الله على عباده؟ كان يعبدوه لا يشركوا به شيئًا … " (^١٧٥) الحديث، وفي الحديث الآخر: "لا يقولنّ أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان" (^١٧٦).
وقال حماد بن سلمة: حدَّثنا عبد الملك بن عمير، عن رِبْعيِّ بن حِراش [¬٧] عن الطفيل ابن
_________________
(١) - البخاري في التفسير برقم (٤٧٦١)، ومسلم في الإيمان برقم ١٤١ - (٨٦).
(٢) - رواه البخاري في كتاب التوحيد، باب: ما جاء في دعاء النبي، ﷺ، أمته. برقم (٧٣٧٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، برقم ٤٨ - (٣٠).
(٣) - صحيح، رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: لا يقل أحدكم: خبثت نفسي برقم (٤٩٨٠)، ورواه النسائي برقم (٩٨٥) في عمل اليوم والليلة، ورواه أحمد (٥/ ٣٨٤، ٣٩٤، ٣٩٨)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٤١)، وابن أبي شيبة (١٧/ ١٩، ١٠/ ٣٤٦)، والطيالسي (٤٣٠)، وابن السني (٦٧١)، والطحاوي (١/ ٩٠)، والبيهقي في الكبرى (٣/ ٢١٦) من حديث حذيفة، ﵁. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "مقدرة". [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: الله. [¬٦]- في: خ "فهذا". [¬٧]- في ز: خراش.
[ ١ / ٣٠٧ ]
سَخْبرَة [¬١] أخي عائشة أم المؤمنين لأمها، قال: رأيت فيما هي النائم، كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ فقالوا: نحن اليهود. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عُزَير ابن الله. قالوا: وإنكم [¬٢] لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد. قال: ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى. قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته فقال: "هل أخبرت بها أحدًا؟ " فقلت: نعم. فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد، فإن طُفَيلًا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم: كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمَّد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده". هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة به (^١٧٧)، وأخرجه ابن ماجه (^١٧٨) من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به، بنحوه.
وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن الأجلح بن عبد الله الكندي، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني [¬٣] لله ندًّا؟ قل: ما شاء الله وحده".
رواه ابن مردويه وأخرجه النسائي وابن ماجه (^١٧٩) من حديث عيسى بن يونس، عن الأجلح،
_________________
(١) - ورواه الإِمام أحمد في المسند ٢٠٧٥١ - (٥/ ٧٢) من طريق بهز، وعفان، عن حماد بن سلمة، به، وابن أبي عاصم في الآحاد (٢٧٤٣)، والطبراني في الكبير (٤/ ٨٢١٤)، والحاكم (٣/ ٤٦٣).
(٢) - رواه ابن ماجه في كتاب الكفارات، باب: النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت، عقب حديث (٢١١٨) من حديث محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، ثنا أبو عاونة، عن عبد الملك، عن ربعي بن حراش، عن الطفيل، به نحوه، وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٥١): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم، رواه الدارمي في مسنده -كذا قال- عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، به، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن عبد الملك بن عمير فذكره مطولًا جدًّا. وكذا رواه أبو يعلى من طريق عبد الملك، به.
(٣) - رواه النسائي في الكبرى برقم (١٠٨٢٥)، وابن ماجه في كتاب الكفارات، باب: النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت برقم (٢١١٧)، ورواه البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣)، وأحمد (١/ ٢١٤، ٢٢٤، ٢٨٣، ٣٤٧)، وابن أبي شيبة (١٧/ ١٩ - ١١٨، ١٠/ ٣٤٦)، وابن أبي الدنيا في الصمت (٣٤٢)، وابن السني (٦٧٢)، والطحاوي في المشكل (١/ ٩٠)، والطبراني في الكبير (١٣٠٠٥، ١٣٠٠٦)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٩٩)، والبيهقي (٣/ ٢١٧)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١٥٠): هذا إسناد فيه الأجلح بن عبد الله، مختلف فيه، ضعفه أحمد، وأبو حاتم والنسائي، وأبو داود وابن سعد، = [¬١]- في ز، خ: "سميرة". [¬٢]- في ز، خ: "وأنتم". [¬٣]- في ز، خ: "أجعلت".
[ ١ / ٣٠٨ ]
به.
وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم.
وقال محمَّد بن إسحاق: حدّثني محمَّد بن أبي محمَّد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين، أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم (^١٨٠).
وبه عن ابن عباس (^١٨١): ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول، ﷺ، من التوحيد [¬١] هو الحق الذي [¬٢] لا شكَّ فيه. وهكذا قال قتادة.
وقال ابن أبي حاتم (^١٨٢): حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، حدثنا أبي عمرو، حدثنا أبي -الضحاك بن مخلد- أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس، في قول الله ﷿: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة [¬٣] سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلان، وحياتي ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها "فلان"، هذا كله به شرك.
وفي الحديث (^١٨٣) أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: ما شاء الله وشئت. فقال: "أجعلتني لله ندًّا".
وفي الحديث الآخر (^١٨٤): " نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون، تقولون: ما شاء الله وشاء
_________________
(١) = ووثقه ابن معين والعجلي ويعقوب بن سفيان، وباقي رجال الإسناد ثقات. رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس أيضًا. ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده إلا أنه قال: "جعلتني لله عدلًا! قل: ما شاء الله".
(٢) - رواه ابن جرير (٤٧٢)، وابن أبي حاتم (٢١٦).
(٣) - رواه ابن جرير (٤٨٦)، وابن أبي حاتم (٢٣٢).
(٤) - ابن أبي حاتم ٢٣٠ - (١/ ٨١)، وسنده جيد.
(٥) - تقدم.
(٦) - النسائي (٧/ ٦) من حديث قتيلة بنت صيفي، وأحمد (٦/ ٣٧١ - ٣٧٢)، وابن الأثير في = [¬١]- في ز: توحيده. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز، خ: "صفا".
[ ١ / ٣٠٩ ]
فلان".
قال أبو العالية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أي [عدلاء شركاء].
وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة، والسدي وأبو مالك، واسماعيل بن أبي خالد.
وقال مجاهد: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل.
(ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة)
قال الإمام أحمد (^١٨٥): حدثنا عفان، حدثنا أبو خلف -موسى بن خلف، وكان يُعَدُّ من البُدَلاء- حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري أن نبي اللَّه ﷺ قال: "إن اللَّه ﷿ أمر يحيى بن زكريا- ﵇ بخمس كلمات، أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فكاد [¬١] أن [¬٢] يبطئ بها [¬٣]، فقال له عيسى ﵇: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهنّ وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهنّ، فإما أن تبلغهنّ وإما أن أبلغهنّ فقال: يا أخي، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس، حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهنّ، [وأولهنّ] [¬٤]، أن تعبدوا الله [و] [¬٥] لا تشركوا به شيئًا، فإن مثل ذلك مَثَلُ رجل اشترى عبدًا من خالص ماله بوَرِق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته [¬٦] إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن اللَّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وآمركم بالصلاه؛ فإن اللَّه
_________________
(١) = أسد الغابة (٧/ ٢٣٩)، وصححه الحافظ في الفتح (٤/ ٣٨٩).
(٢) - صحيح، والحديث في المسند ١٧٢١٩ - (٤/ ١٣٠)، وأخرجه الترمذي في كتاب الأمثال، باب: ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة (٥/ ١٣٦) حديث (٢٨٦٣)، والنسائي في التفسير، وفي السير من السنن الكبرى، والطيالسي (١١٦١، ١١٦٢)، وأبو يعلى (٣/ ١٥٧١)، وابن خزيمة (٣/ ١٨٩٥)، والحاكم في المستدرك (١/ ١١٧، ١١٨، ٢٣٦، ٤٢١)، والطبراني في الكبير (٤/ ٣٢٣) حديث (٣٤٢٧)، وابن حبان كما في الموارد (١٢٢٢)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غرب. وصححه الألباني في صحيح الترمذي حديث ٢٢٩٨. [¬١]- في ز: وكان، والمثبت من المسند. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من المسند. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز، خ: "الذي عليه".
[ ١ / ٣١٠ ]
ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلفت، فإذا صليتم فلا تلعفتوا، وآمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة، كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ فشدّوا يديه إلى عنقه وقدّموه ليضربوا عنقه، وقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم [¬١]؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله كثيرًا؛ فإن [¬٢] مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سِرَاعًا في أثره، فأتى حصنًا حصينًا فتحصن فيه، وإن العبد أحصنُ ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللَّه.
قال: وقال رسول اللَّه ﷺ: (وأنا آمركم بخمس، اللَّهُ أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل اللَّه؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع رِبْقة [¬٣] الإسلام من عنقه، إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية [¬٤] فهو من جُثَى (^١٨٦) جهنم".
قالوا: يا رسول اللَّه؛ وإن صام وصلَّى [¬٥]؟ [فقال: "وإن صام وصلَّى] [¬٦] وزعم أنه مسلم؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم [على ما] [¬٧] سماهم اللَّه ﷿ المسلمين المؤمنين عباد اللَّه".
هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: "وإن اللَّه خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا".
[وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل بها كثير من المفسرين -كالرازي وغيره- على وجود الصانع تعالى، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمّل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها، وطباعها ومنافعها، ووضعها في مواضع النفع بها محكمة- علم قدرة خالقها وحكمته، وعلمه وإتقانه، وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب وقد سئل: ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان اللَّه! أن البعرة لتدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟
_________________
(١) - الجثا: جمع جُثوة -بالضم- وهو الشيء المجموع. النهاية (١/ ٢٣٩). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: وإن. [¬٣]- في ز: زيق. [¬٤]- في ز: جاهلية. [¬٥]- في ز: وإن صلى. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ز: بل بما.
[ ١ / ٣١١ ]
وحكى الرازي عن الإمام مالك أنّ الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أنّ بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه، ذكروا لي أنّ سفينة في البحر موقرة، فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها، وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد. فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل. فقال: وَيحَكُم! هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة أليس لها صانع؟ فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه.
وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد؛ تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعرًا وروثا، وتأكله الطاء فيخرج منها المسك، وهو شيء واحد.
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح.
يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة، وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:
تأمّل في نبات الأرض وانظر … إلى آثار ما صنع المليك
عيون من لجين شاخصات … بأحداق هي الذهب السبيك
على قضب الزبرجد شاهدات … بأن الله ليس له شريك
وقال ابن المعتز:
فيا عجبًا كيف يعصى الإلـ … ـه أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية … تدل على أنه واحد
وقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة ومن الثوابت، وشَاهَدَها كيف تدور مع الفلك العظيم، في كل هم وليلة دويرة، ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقرّ ويسكن ساكنوها، مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.
[ ١ / ٣١٢ ]
وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع، وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوّعة، والنبات المختلف الطعوم والأراييح، والأشكال [والألوان] مع اتحاد طبيعة التربة والماء- استدل على وجود الصانع وقدرته العطمة، وحكمته ورحمته [بخلقه]، ولطفه بهم وإحسانه إليهم، وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدًّا] [¬١].
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾.
ثم شرع تعالى في تقرير النبوّة بعد أن قرّر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطبًا للكافرين: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزَّلنا على عبدنا﴾ يعني محمدًا صلى اللَّه تعالى عليه وآله وسلم ﴿فأتوا بسورة﴾ من مثل ما جاء به إن زعمتم أنه من عند غير اللَّه، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون اللَّه فإنكم لا تستطعون ذلك.
قال ابن عباس (^١٨٧) ﴿شهداءكم﴾ أعوانكم. [أي قومًا آخرين يساعدونكم على ذلك] [¬٢].
وقال السدي: عن أبي مالك: شركاءكم [¬٣] أي استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدّونكم وينصرونكم [¬٤]
وقال مجاهد: ﴿وادعوا شهداءكم﴾ قال: ناس يشهدون به. [يعني حكام الفصحاء] [¬٥].
وقد تحدّاهم اللَّه تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال [في سورة "القصص": ﴿قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين﴾. وقال] [¬٦] في سورة سبحان: ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا﴾. وقال في سورة هود: ﴿أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللَّه إن كنتم صادقين﴾.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٤٩٦)، وابن أبي حاتم (٢٤١) بإسناد ضعيف. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: شركاؤكم. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣١٣ ]
وقال في سورة يونس: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون اللَّه ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل [¬١] الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين﴾.
وكل هذه الآيات مكية، ثم تحدّاهم بذلك أيضًا في المدينة فقال في هذه الآية: ﴿وإن كنتم في ريب﴾ أي شك ﴿مما نزلنا على عبدنا﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ يعني من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير [الطبري والزمخشري والرازي، ونقله عن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن البصري، وأكثر المحققين، ورجَّح ذلك بوجوه من أحسنها أنه تحدّاهم كلهم متفرّقين ومجتمعين، سواء في ذلك أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل في التحدّي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئًا من العلوم] [¬٢]، وبدليل قوله تعالى: ﴿فأتوا بعشو سور مثله﴾ وقوله: ﴿لايأتون بمثله﴾ وقال بعضهم: من مثل محمد ﷺ يعني من رجل أمي مثله.
والصحيح الأول؛ لأن التحدي عام لهم كلهم مع أنهم أفصح الأم، وقد تحدّاهم بهذا في مكة والمدينة مرّات عديدة، مع شدّة عداوتهم له وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا﴾ ولن لنفي التأييد [في المستقبل] [¬٣]، أي ولن تفعلوا ذلك أبدًا. [وهذه أيضًا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبرًا جازمًا قاطعًا مقدمًا غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد] [¬٤] [الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زمننا هذا، ولا يمكن، وأنى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء، وكيف يشبه كلام الخالق كلام الخلوقين، ومن تدبر القرآن، وجد فيه من وجوه الإعجاز فنونًا ظاهرة وخفية من حيث اللفظ، ومن جهة المعنى. قال الله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير﴾ فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يجارى ولا يدانى؛ فقد أخبر عن مغيبات ماضية ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير ونهى عن كل شر، كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك صدقًا وعدلًا﴾ أي: صدقًا في الإخبار، وعدلا في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، ليس فيه مجازفة ولا كذب ولا افتراء، كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إنّ أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين أو فرس أو ناقة أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئًا إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتًا أو بيتين أو أكثر
_________________
(١) [¬١]- في خ: "وتفصيل كل شيء". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣١٤ ]
هي بيوت القصيد وسائرها هذر لا طائل تحته.
وأما القرآن فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة، عند من يعرف ذلك تفصيلًا واجمالًا، ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكررت حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الردّ، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصُم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات، وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. وقال: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون﴾. وقال في الترهيب: ﴿أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر﴾. ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبًا فستعلمون كيف نذير﴾.
وقال في الزجر: ﴿فكلًّا أخذنا بذنبه﴾ وقال في الوعظ: ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت اللَّه تعالى يقول في القرآن: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فارعها سمعك؛ فإنها خير يأمر به، أو شر ينهى عنه.
ولهذا قال تعالى: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ الآية. وإن جاءت الآيات في وصف المعاد، وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعدّ اللَّه فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم، والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت، ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهَّدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبَّتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط اللَّه المستقيم، وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم] [¬١].
ولهذا ثبت في الصحيحين (^١٨٨) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل برقم (٤٩٨١)، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم ٢٣٩ - (١٥٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣١٥ ]
وسلم قال: "ما [من الأنبياء من نبي] [¬١] إلا قد أعطي من الآيات [ما مثله آمن عليه البشر] [¬٢]، وإنما [كان الذي أوتيت] [¬٣] وحيًا أوحاه اللَّه إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". لفظ مسلم.
وقوله [ﷺ]: "وإنما كان الذي أوتيت [¬٤] وحيًا" أي الذي اختصصت [¬٥] به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليست معجزة [عند كثير من العلماء] [¬٦]، واللَّه أعلم. وله أعليه الصلاة والسلام، من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما [¬٧] لا يدخل تحت حصر، وللَّه الحمد والمنة.
[وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصرفة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزًا في نفسه، لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلًا على أنه من عند اللَّه، لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية -لأن القرآن في نفسه معجز، لا يستطع البشر معارضته كما قررنا- إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق. وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار؛ كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر] [¬٨].
وقوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وَقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين﴾ أما الوَقود بفتح الواو فهو ما يُلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال تعالى: ﴿وأما القاسِطون فكانوا لجهنم حطبًا﴾ وقال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون اللَّه حَصَبُ جهنمَ أنتم لها واردون [لو كان هؤلاء آلهةً ما وَرَدُوها وكلٌّ فيها خالدون] [¬٩]﴾.
والمراد بالحجارة هاهنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء [¬١٠] الصلبة المنتنة، وهي أشدّ الأحجار حرًّا إذا حميت، أجارنا اللَّهُ منها!
وقال عبد [¬١١] الملك بن ميسرة الزرّاد، عن عبد الرحمن بن سابط، عن عمرو بن ميمون، عن
_________________
(١) [¬١]- في ت: "ما من نبي من الأنبياء". [¬٢]- في ت: "ما آمن على مثله البشر". [¬٣]- في ت: "وإنما الذي كان أوتيته". [¬٤]- في ت: "أوتيته". [¬٥]- في ز: اختصيت. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- سقط من ز. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سفط من: ز، خ. [¬١٠]- في ز: السود. [¬١١]- في ز: عبيد.
[ ١ / ٣١٦ ]
عبد اللَّه بن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَقُودُها الناس والحجارة﴾ قال: هي حجارة من كبريت، خلقها اللَّه يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا، يُعدها للكافرين.
رواه ابن جرير، وهذا لفظه، وابن أبي حاتم، والحاكم في مستدركه، وقال: على شرط الشيخين (^١٨٩).
وقال السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿فاتقوا [¬١] النار التي وقودها الناس والحجارة﴾. أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار (^١٩٠).
وقال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة. وقال أبو جعفر محمد بن علي: حجارة من كبرسا. وقال ابن جريج: حجارة من كبريت أسود في النار. وقال لي [¬٢] عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم.
[وقيل: المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تُعبد من دون اللَّه، كما قال تعالى: ﴿إنكم وما تعبدون من دون اللَّه حصب جهنم﴾ الآية، حكاه القرطبي والرازي، ورجحه على الأوَّل، قال: لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر، فجعلها هذه الحجارة أولى.
وهذا الذي قاله ليس بقوي؛ وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشدّ لحرها وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم إن أخذ النار بهذه الحجارة أيضًا مشاهد، وهذا الجص يكون أحجارًا فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك.
وكذلك سائر الأحجار تفجرها النار وتحرقها، وإنما سيق هذا في حرّ هذه النار التي وعدوا بها وشدة إضرامها وقوة لهبها كما قال تعالى: ﴿كلما خَبَتْ زِدْنَاهُم سعيرًا﴾.
وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تُسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها، قال: ليكون ذلك أشد عذابًا لأهلها.
قال: وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: "كل مؤذٍ في
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٥٠٣ - (١/ ٣٨١)، وتفسير ابن أبي حاتم ٢٤٥ - (١/ ٨٥) والمستدرك (٢/ ٢٦١). وعبد الرزاق (١/ ٤٠)، وهناد في الزهد (٦٣)، والطبراني (٩/ ٩٠٢٦). وقول الحاكم: على شرط الشيخين فيه نظر؛ فإن عبد الرحمن بن سابط من رجال مسلم دون البخاري.
(٢) - رواه ابن جرير (٥٠٥). [¬١]- في ز: اتقوا. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ١ / ٣١٧ ]
النار" (^١٩١). وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف. ثم قال القرطبي: وقد فسر بمعنيين:
أحدهما أن كل من آذى الناس دخل النار.
والآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك] [¬١].
وقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ الأظهر أن الضمير في أعدت، عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده إلى الحجارة، كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان.
وأعدت؛ أي: أرصدت وحصلت للكافرين باللَّه ورسوله، كما قال ابن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.
[وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن، لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ﴾ أي أُرصدت وهُيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك منها: "تحاجَّت الجنة والنار" (^١٩٢). ومنها: "استأذنت النار وبها فقالت: ربِّ أَكَلَ بعضي بعضًا. فأذِنَ لها بنفسين نفسٍ في الشتاء، ونفسٍ في الصيف" (^١٩٣).
وحديث ابن مسعود: سمعنا وجبة فقلنا ما هذه؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها". وهو عند مسلم (^١٩٤).
_________________
(١) - موضوع، رواه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٩٩) من طريق المفيد عن الأشج، عن علي ﵁ به، مرفوعًا. وآفته عثمان بن الخطاب بن عبد اللَّه العوام البلوي الأشج المغربي أبو عمرو يعرف بأبي الدنيا قال الخطيب: والعلماء من أهل النقل لا يثبتون قوله ولا يحتجون بحديثه. وقال أيضًا: حدث ببغداد خمسة أحاديث حفظت منها ثلاثة، هذا أحدها، وما علمت أن أحدًا ببغداد كتب عنه حرفا واحدًا، ولم يكن عندي بذاك الثقة. وقال الذهبي في المغني: كذبوه. ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/ ٩٢) وابن الجوزي في العلل المتناهية (٢/ ٢٦٣). وقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، والأشج غير موثوق بقوله عند العلماء. وقال المناوي في فيض القدير: وأورده الذهبي في المتروكين، وقال: خبر غريب.
(٢) - البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم ٣٦ - (٢٨٤٦).
(٣) - رواه البخاري (٥٣٧)، وأحمد (٢/ ٢٣٨).
(٤) - رواه مسلم من حديث أبي هريرة في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها برقم ٣١ - (٢٨٤٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣١٨ ]
وحديث صلاة الكسوف (^١٩٥)، وليلة الإسراء، وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى، وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس.
(تنبيه ينبغي الوقوف عليه)
قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بسورة من مثله﴾، وقوله في سورة يونس: ﴿بسورة مثله﴾ يعم كل سورة في القرآن طويلة كانت أو قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعُم، كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين، كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين الناس سلفًا وخلفًا.
وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل قوله تعالى: ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر، وقل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن. فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر، كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين. (قلنا): فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني. وقلنا: إن بلغت هذه السورة في الفصاحة حدّ الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزا، فعلى التقديرين يحصل المعجز. هذا لفظه بحروفه.
والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة، لا يستطع البشر معارضتها طويلة كانت أو قصيرة، قال الشافعي ﵀ لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾.
وقد رُوينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال ﴿والعصر إنّ الإنسان لفي خسر﴾ ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال: ولقد أنزل عليَّ مثلها. فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر، إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: واللَّه إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب] [¬١].
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
_________________
(١) - حديث ابن عباس في الخسوف رواه البخاري (١/ ٨٣)، ومسلم ١٧ - (٩٠٧). [¬١] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣١٩ ]
الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾
لما ذكر تعالى ما أعدَّه لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله، الذين صدَّقوا إيمانهم [¬١] بأعمالهم الصالحة.
وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء، كما سنبسطه في موضعه، وهو أن يذكر الإيمان ويتبع بذكر الكفر أو عكسه، أو حال السعداء [¬٢] ثم الأشقياء [¬٣] أو عكسه، وحاصله ذكر الشيء ومقابله.
وأمّا ذكر الشيء ونظيره فذاك التشابه، كما سنوضحه إن شاء الله، فلهذا قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار] [¬٤]، كما وصف النار بأن وقودها الناسُ والحجارة، ومعنى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها وغرفها.
وتد جاء فِي الحديث (^١٩٦) أن أنهارها تجري في [¬٥] غير أخدود، وجاء في الكوثر أن حافتيه [¬٦] قباب اللؤلؤ المجوَّف، ولا منافاة بينهما، وطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله إنه هو البر الرحيم.
وقال ابن أبي حاتم (^١٩٧): قرئ على الربيع بن سليمان، حدَّثنا أسد بن موسى، حدَّثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قُرَّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أنهار الجنة تُفَجَّر من تحت تلال أو [¬٧] من تحت جبال المسك".
_________________
(١) - رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٢٠٥)، وفي صفة الجنَّة (٣١٦) من حديث أنس بن مالك، وإسناده ضعيف.
(٢) - إسناده حسن من أجل ابن ثوبان، وعبد الله بن ضمرة: وثقه العجلي وابن حبان. والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٢٥٣ - (١/ ٨٧)، ورواه أَبو نعيم في صفة الجنَّة برقم (٣١٣) من طريق الربيع بن سليمان، به، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٢٢ موارد) من حديث أسد بن موسى، عن ابن ثوبان، له، ورواه العقيلي (٢/ ٣٢٦)، والبيهقي في البعث (٢٦٦). [¬١]- في ز، خ: أيمانهم الصادقة. [¬٢]- في ز: البعداء. [¬٣]- في ز، خ: الأتقياء. [¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: من. [¬٦] في ز: حافتاه. [¬٧]- في ز، خ: "أخر".
[ ١ / ٣٢٠ ]
وقال [أيضًا (^١٩٨)] [¬١]: حدَّثنا أَبو سعيد، حدَّثنا وكيع، عن الأعمش، عن عبد الله [بن مرّة، عن مسروق قال: قال عبد الله] [¬٢]: أنهار الجنَّة تفجر من جبل مسك.
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾. قال [¬٣] السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، وعن مرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة قالوا: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: إنهم أتوا بالثمرة في الجنَّة، فلما نظروا إليها قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا (^١٩٩).
وهكذا قال قَتَادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ونصره [¬٤] ابن جرير.
وقال عكرمة: ﴿قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ قال: معناه مثل الذي كان بالأمس. وكذا قال الربيع بن أَنس.
وقال مجاهد: يقولون: ما أشبهه به!
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل تأويل ذلك: هذا الذي رزقنا من ثمار الجنَّة من قبل هذا [¬٥]؛ لشدة [¬٦] مشابهة بعضه بعضا لقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال سُنَيد بن داود (^٢٠٠): حدَّثنا شيخ من أهل المصيصة، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، قال: يؤتى أحدهم بالصحفة [من الشيء] [¬٧] فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل. فتقول الملائكة: كُلْ، فاللون واحد والطعم مختلف.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٠١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا سعيد بن سليمان، حدَّثنا عامر بن يسَاف، عن يحيى بن أبي كثير قال: عُشب الجنَّة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها، فيقول لهم أهل الجنَّة: هذا الذي أيتمونا آنفًا به. فتقول [¬٨] لهم
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم (٢٥٥)، وابن أبي شيبة (١٣/ ٩٦)، والبيهقي (٢٦٧)، وعبد الرزاق (١١/ ٢٠٨٧٣).
(٢) - رواه ابن جرير (٥١٢)، وابن أبي حاتم (٢٥٨) عن السدي قوله.
(٣) - ابن جرير (٥١٨).
(٤) - إسناده حسن، والحديث عند ابن أبي حاتم ٢٦٢ - (١/ ٩٠)، وأَبو نعيم في صفة الجنة (٣٥٣). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ز: وقال. [¬٤]- في ز: ونصر. [¬٥]- في خ: "هذه". [¬٦]- في خ: "الشدة". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز: فيقول.
[ ١ / ٣٢١ ]
الولدان: كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف. وهو قول الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.
وقال أَبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس، عن أبي العالية: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه بعضه بعضًا، ويختلف في الطعم.
وقال ابن أبي حاتم: ورُوي عن مجاهد والربيع بن أَنس والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير بإسناده (^٢٠٢): عن السدي في تفسيره، عن أبي مالك، وعن [¬١] أبي صالح؛ عن ابن عبَّاس، وعن مرَّةٍ عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ يعني: في اللون والمرأى [¬٢]. وليس يشتبه في الطعم.
وهذا اختيار ابن جرير.
وقال عكرمة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنَّة أطيب.
وقال سفيان الثَّوري عن الأعمَش، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنَّة ما في الدنيا إلَّا في الأسماء (^٢٠٣).
وفي رواية ليس في الدنيا مما في الجنَّة إلَّا الأسماء.
ورواه [¬٣] ابن جرير من رواية الثَّوري، وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية، كلاهما عن الأعمَش، به.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا؛ التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنَّة: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابهًا، يعرفونه وليس هو مثله في الطعم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عبَّاس: مطهرة من القذر والأذى.
وقال مجاهد: من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد. وقال قَتَادة: مطهرة من الأذى والمأثم. وفي رواية عنه: لا حيض ولا كلف. ورُوي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٥٢٤).
(٢) - رواه ابن جرير (٥٣٤). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "والرأى". [¬٣]- في ز، خ: "رواه".
[ ١ / ٣٢٢ ]
صالح وعطية والسدي نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^٢٠٤): حدثني يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [¬١] ابن وَهْب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: المطهرة التي لا تحيض، قال: وكذلك خلقت حوّاء ﵍ حتَّى عصت، فلما عصت قال الله تعالى: إني خلقتك مطهرة، وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة.
وهذا غريب.
وقال الحافظ أَبو بكر بن مردويه: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، حدثني جعفر بن محمد بن حرب، وأحمد بن محمد الجُوري [¬٢] قالا: حدَّثنا محمد بن عبيد الكندي، حدَّثنا عبد الرزاق بن عمر البريعيّ، حدَّثنا عبد الله بن المبارك، عن شعبة، عن قَتَادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قال: من الحيض والغائط، والنخاعة [¬٣] والبزاق (^٢٠٥).
هذا حديث غريب، وقد رواه الحاكم في مستدركه، عن محمد بن يعقوب، عن الحسن بن علي بن عفان، عن محمد بن عبيد، به. وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وهذا الذي ادعاه فيه نظر؛ فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أَبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به (^٢٠٦).
(قلت): والأظهر ال هذا من كلام قَتَادة، كما تقدَّم، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذا هو تمام السعادة، فإنهم مع هذا النعيم في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسئول أن يحشرنا في زمرتهم إنه جواد كريم، بر رحيم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٥٥٠).
(٢) - ورواه أَبو نعيم في صفة الجنَّة برقم (٣٦٣) من طريق عبد الله بن محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبيد به. وقال الحافظ في الفتح: لا يصح إسناده؛ إلا أنَّه قال في تغليق التعليق (٣/ ٤٩٩): إسناده لا بأس به.
(٣) - المجروحين (٢/ ١٦٠) وتمام كلام ابن حبان: يقلب الأخبار، ويسند المراسيل لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد، ثم ذكر الحديث، وتجال: وهذا قول قَتَادة رفعه، لا أصل له من كلام النبي ﷺ. [¬١]- في خ: "أخذنا". [¬٢]- في ز، خ: "الحوازى". [¬٣]- في خ: "النخامة".
[ ١ / ٣٢٣ ]
آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ ﴿(٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾
قال السدي في تفسيره (^٢٠٧): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عبَّاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله تعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَل الذي استوقد نارًا﴾، وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله تعالى ﴿هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾.
وقال عبد الرزاق (^٢٠٨)، عن [¬١] معمر، عن قَتَادة: لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
وقال سعيد: عن قَتَادة: أي: إنَّ الله لا يَسْتَحْيي من الحق أن يذكر شيئًا ما، قلّ أو كثر، وإن الله [ذكر] [¬٢] في كتابه [الذباب و] [¬٣] العنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾.
قلت: العبارة الأولى عن قَتَادة فيها [¬٤] إشعار أنَّ هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد [عن قَتَادة] [¬٥] أقرب، والله أعلم.
وروى ابن جريج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قَتَادة.
وقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقَتَادة.
_________________
(١) - ابن جرير (٥٥٤).
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤١) ومن طريقه ابن جرير (٥٥٨)، وابن أبي حاتم (٢٧٤). [¬١]- في ز: بن. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- زيادة من: خ. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١ / ٣٢٤ ]
وقال أَبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس في هذه الآية قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله للدنيا، إِذْ البعوضة [¬١] تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت. وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب الله [¬٢] لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلئوا من الدنيا ريًّا أخذهم الله عند ذلك، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ﴾.
هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم، من حديث أبي جعفر، عن الربيع [بن أَنس] [¬٣]، عن أبي العالية، بنحوه، فالله أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول، وقد اختار ابن جرور ما حكاه السُّدي؛ لأنه أمسَّ بالسورة، وهو مناسب، ومعنى الآية أنَّه تعالى أخبر أنَّه لا يستحي أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلًا ما، أي مثل كان، بأي شيء كان صغيرًا كان [¬٤]، أو كبيرًا.
و"ما" هاهنا للتقليل [¬٥]، وتكون بعوضة منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربن ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء، [أو تكون "ما" نكرة موصوفة ببعوضة] [¬٦] واختار ابن جرير أن "ما" موصولة، وبعوضة معربة بإعرابها، قال: وذلك سائغ في كلام العرب، أنهم يعربون صلة "ما" ومن" إعرابهما؛ لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى، كما قال حسان بن ثابت:
يَكْفِي [¬٧] بِنَا فَضْلًا عَلَى من غَيرِنَا … حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا
قال: ويجوز أن تكون بعوضة منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها.
[وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء، وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ﴿بَعُوْضَةً﴾ بالرفع.
قال ابن جني: وتكون صلة لـ "ما"، وحذف العائد، كما في قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي: على الذي هو أحسن.
وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا، أي: بالذي هو قائل لك شيئًا] [¬٨].
وقوله تعالى: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ فيه قولان:
_________________
(١) [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- زيادة من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "التعليل". [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ت، وتفسير الطبري: "وكفى". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٢٥ ]
أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة، كما إذا وُصف رجل باللؤم والشحِّ، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك. يعني: فيما وصفت، [وهذا قول الكسائي وأبي عبيد. قاله الرازي وأكثر المحققين.
وفي الحديث: "لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرًا منها شربة ماء" (^٢٠٩)] [¬١].
والثاني: فما فوقها فما هو أكبر منها، لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة.
وهذا [قول قَتَادة بن دعامة] [¬٢] واختيار ابن جرير، [فإنه يؤيده ما رواه مسلم، عن عائشة، ﵂،: أن رسول الله، ﷺ، قال: "ما من مسلم يُشَاك شَوْكةً فما فوقها إلَّا كُتب له بها درجةٌ ومُحيت عنه بي خطيئة" (^٢١٠)] [¬٣].
فأخبر أنَّه لا يستصغر شيئًا يضرب به مثلًا، ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، [كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها] [¬٤]، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ [¬٥] لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ
_________________
(١) - إسناده ضعيف، رواه التِّرمِذي في الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله، ﷿، برقم (٢٣٢٠)، من طريق عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، ﵁، به، مرفوعًا، وقال أَبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه. وفي الباب عن أبي هريرة. ورواه العقيلي (٣/ ٤٦)، وابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٥٦)، وأَبو نعيم في الحلية (٣/ ٢٥٣) - جميعهم من طريق عبد الحميد بن سليمان. ورواه ابن ماجة من طريق زكريا بن منظور (٤١١٠)، وكذا الحاكم (٤/ ٣٠٦)، ورواه الطبراني (٦/ ٥٩٢١) من طريق زمعة بن صالح - ثلاثتهم: عبد الحميد، وزكريا، وزمعة - عن أبي حازم. وقال الحاكم: صحيح الإسناد فردَّه الذهبي بقوله: زكريا ضعفوه. وزمعة وعبد الحميد أيضًا ضعيفان.
(٢) - صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب برقم ٤٦ - (٢٥٧٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: خ.
[ ١ / ٣٢٦ ]
مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ﴾ الآية. ثم قال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَينَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾] [¬١] الآية. كما قال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية. وقال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾. الآية. وقال [¬٢]: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾. وفي القرآن أمثال كثيرة. قال بعض السلف: إذا سمعتُ المثل في القرآن فلم أفهمه بكيتُ على نفسي؛ لأن الله تعالى قال [¬٣]: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون [¬٤] ويعلمون أنَّها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها.
وقال قَتَادة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: يعلمون أنَّه كلام الرحمن، وأنه من عند الله.
وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أَنس نحو ذلك.
وقال أَبو العالية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: هذا المثل. الذين كفروا ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ كما قال في سورة المدثر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إلا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [¬٥] وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾. وكذلك قال هاهنا: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾.
قال السُّدي في تفسيره: عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عبَّاس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: يضل به كثيرًا يعني به المنافقين، ويهدي به كثيرًا يعني به المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم [¬٦] لتكذيبهم بما قد علموه حقًّا يقينًا، من المثل الذي ضربه
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: وقد قال تعالى. [¬٣]- في ز: يقول. [¬٤]- في ز، خ: "الأولون". [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز: ضلالهم.
[ ١ / ٣٢٧ ]
الله بما ضربه [لهم، وأنه لما ضُرب] [¬١] له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾ يعني: المثل [¬٢] كثيرًا من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم وإيمانًا إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقا يقينًا أنَّه موافق لما [¬٣] ضربه الله له مثلًا وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾ [قال: هم المنافقون.
وقال أَبو العالية: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾] [¬٤]، قال: هم أهل النفاق. وكذا قال الربيع بن أَنس.
وقال ابن جريج (^٢١١): عن مجاهد، عن ابن عبَّاس: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾: قال: يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به.
وقال قَتَادة: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾ فسقوا فأضلهم الله على فسقهم.
وقال ابن أبي حاتم (^٢١٢): حُدِّثت عن إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، عن سعد ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ يعني: الخوارج.
وقال شعبة (^٢١٣)، عن عمرو بن مرة، عن مصعب بن سعد، قال: سألت أبي فقلت: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى آخر الآية، فقال: هم الحرورية.
وهذا الإسناد [إن] [¬٥] صح عن سعد بن أبي وقاص ﵁ فهو تفسير على المعنى، لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج، الذين خرجوا على عليٍّ بالنهروان؛ فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنَّما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم عن [¬٦] طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام.
والفاسق في اللغة: هو الخارج عن الطاعة أيضًا، وتقول العرب: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، ولهذا يقال للفأرة: فويسقة لخروجها عن جحرها للفساد.
وثبت في الصحيحين عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "خمس فواسق
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٢٨٧).
(٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٢٨٢)، وإسناده ضعيف.
(٣) - رواه ابن أبي حاتم (٢٨٨، ٢٩٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز: بالمثل. [¬٣]- في ز، خ: "ما". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ر: وإن. [¬٦]- في ز: على.
[ ١ / ٣٢٨ ]
يُقْتَلن في الحِل والحرَم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفارة، والكلب العقور" (^٢١٤).
فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم؛ بدليل أنَّه وصفهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين، كما قال تعالى في سورة الرعد ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ الآيات. إلى أن قال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو [¬١] تركهم العمل به.
وقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها واتباع محمد ﷺ إذا بعث والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن [¬٢] الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا، وهذا اختيار ابن جرير ﵀ و[هو] [¬٣] قول مقاتل بن حيان.
وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق، وعهده إلى جميعهم في توحيده ما [¬٤] وضع لهم [¬٥] من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما [¬٦] احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها [¬٧]، الشاهدة لهم على صدقهم [¬٨].
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب: إذا وقع الذباب. برقم (٣٣١٤)، وصحيح مسلم في الحج برقم ٦٧ - (١١٩٨). [¬١]- في ز: و. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: بما. [¬٥]- في ز: إليهم. [¬٦]- في ز: بما. [¬٧]- في ز، خ: "بمثله". [¬٨]- في ز: صدقه.
[ ١ / ٣٢٩ ]
قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت [¬١] لهم صحته بالأدلة وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وروي عن مقاتل بن حيان أيضًا نحو هذا، وهو حسن.
[وإليه مال الزمخشري فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [¬٢].
وقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [¬٣] وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [شَهِدْنَا] [¬٤]﴾. الآيتين، ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضًا، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: هي ست خصال من المنافقين إذا كانت فيهم الظَّهْرَة على الناس أظهروا هذه الخصال: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهْرَةُ عليهم أظهروا الخصال الثلاث [¬٥]: إذا حدّثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا ائتمنوا خانوا، وكذا قال الربيع بن أنس أيضًا، وقال السدي في تفسيره بإسناده: قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ قال: هو ما عُهد إليهم في القرآن فأقروا به ثم كفروا فنقضوه.
وقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات، كما فسره قتادة، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيتُمْ إِنْ تَوَلَّيتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ورجحه ابن جرير، وقيل: المراد [¬٦] أعم من ذلك، فكل ما أمر الله بوصله وفعله قطعوه وتركوه.
وقال مقاتل بن حيان في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ قال: في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾.
وقال الضحاك: عن ابن عباس (^٢١٥): كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٥٧٥)، وسنده ضعيف. [¬١]- في ز: ثبتت. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: ذرياتهم. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٣٠ ]
خاسر، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذنب.
وقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾: الخاسرون جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك المنافق والكافر خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر خَسرًا وخُسرانًا وخَسَارًا، كما قال جرير بن عطية.
إن سَلِيطًا في الخَسَارِ إنه … أولادُ قَوم خُلقُوا أقِنَّه
﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾
يقول تعالى محتجًّا على [وجوده وقدرته] [¬١]، وأنه الخالق المتصرف في عباده: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده، أو تعبدون معه غيره؟! ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: وقد كنتم عدمًا فأخرجكم إلى الوجود، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا﴾ والآيات في هذا كثيرة.
وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁ (^٢١٦) - ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾. قال: هي التي في البقرة ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وقال ابن جريج: عن عطاء (^٢١٧)، عن ابن عباس: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أمواتًا في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم. قال: وهي مثل قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾. وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾ قال: كنتم ترابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٥٧٧)، وابن أبي حاتم (٣٠١)، والطبراني (٩/ ٩٠٤٤)، والحاكم (٥/ ٤٣٧) وقال: على شرط الشيخين، وإنما هو على شرط مسلم وحده.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم (٣٠٣)، وابن جرير (١/ ١٨٦ الحلبي)، وعطاء هو الخرساني، لم يسمع من ابن عباس، فهو منقطع. [¬١]- في ت: وجود قدرته.
[ ١ / ٣٣١ ]
ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى [¬١]، فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وهكذا روي عن السُّدي بسنده، [] [¬٢] عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك.
وقال الثوري عن السدي، عن أبي صالح: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾ قال: يحييكم في القبر، ثم يميتكم.
وقال ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خلقهم في [¬٣] ظهر آدم [ثم أخذ] [¬٤] عليهم الميثاق، ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة، وذلك كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيتَنَا اثْنَتَينِ﴾.
وهذا غريب والذي قبله، والصحيح ما تقدّم عن ابن مسعود وابن عباس، وأولئك الجماعة من التابعين، وهو كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الآية [وعبر عن الحال، قبل الوجود بالموت لجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس، كما قال تعالى في الأصنام: ﴿أَمْوَاتٌ غَيرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ الآية.
وقالا: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾] [¬٥].
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾
لما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه في أنفسهم، ذكر دليلًا آخرَ مما يشاهدونه من خَلْق السموات والأرض فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ أي قصد إلى السماء، والاستواء هاهنا تضمن معنى القصد و[¬٦] الإقبال؛ لأنه عُدي بإلى ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ أي: فخلق السماء سبعًا، والسماء هاهنا اسم جنس، فلهذا قال: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق. كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾، وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة،
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ [¬٢]- في ز، غ: [و]. [¬٣]- في ز: من. [¬٤]- في ز: فأخذ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: أو.
[ ١ / ٣٣٢ ]
وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولًا، ثم خلق السموات سبعًا، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك، كما سنذكره بعد هذا أن شاء الله. فأما قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ فقد قيل: إن "ثم" هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه … ثم [¬١] قد ساد قبل [¬٢] ذلك جده
وقيل: إن الدحيَ كان بعد خلق [¬٣] السموات.
رواه علي [¬٤] بن أبي طلحة عن ابن عباس (^٢١٨).
وقد قال السدي في تفسيره (^٢١٩)، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾ قال: أن الله ﵎ كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانًا، فارتفع فوق الماء فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والإثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوتُ هو [النون] [¬٥] الذي ذكره الله في القرآن ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (٥٩٤)، وعلي لم يسمع من ابن عباس كما تقدم.
(٢) - رواه ابن جرير (٥٩١)، والبيهقي في الأسماء (٢/ ١١٨ - ١١٩)، وابن أبي حاتم (٣٠٧). [¬١]- سقط من. [¬٢]- في ز: بعد. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٣٣ ]
الجبال فقرّت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: ﴿[وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ] [¬١] رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، وخلق الجبال فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها [¬٢] وما ينبغي لها في يومين؛ في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ [¬٣] أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا﴾ يقول: أنبت شجرها ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [يقول: أقواتها] [¬٤]، لأهلها ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ يقول: من سأل فهكذا الأمر ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين؛ في الخميس والجمعة، وإنما سُمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ قال: خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومما [¬٥] لا يعلم [¬٦]، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظًا تحْفَظُ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش [فذلك حين يقول: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ويقول: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا [وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾.
وقال ابن جرير (^٢٢٠): حدثني المثنى، حدثنا عبد اللَّه بن صالح، حدثني أبو معشر، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله بدأ الخلق يوم الأحد فخلق الأرضين في الأحد والإثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عَجَل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ قال: خلق الله الأرض قبل السماء فلما خلق الأرض [¬٧] ثار [¬٨] منها دخان، فذلك حين يقول: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ قال: بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين، يعني بعضهن تحت بعض.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٥٩٥)، وأبو الشيخ في العظمة (٨٨٢)، وإسناده ضعيف لضعف أبي معشر واسمه نجيح بن عبد الرحمن. وأخرجه ابن منده في التوحيد (٦١)، والبيهقي في الأسماء (٢/ ١٢٣ - ١٢٤)، وابن عبد البر (٤٨/ ٢٣)، والفريابي في القدر بإسناد آخر صحيح. [¬١]- في ز، خ: "جعل". [¬٢]- في ز، خ: "وسخرها". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز: وما. [¬٦]- في ز، خ: "نعلم". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ: "بان".
[ ١ / ٣٣٤ ]
[وهذه الآية دالة على أنّ الأرض خُلقت قبل السماء، كما قال في آية السجدة: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فهذه وهذه دالتان على أنّ الأرض خُلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعًا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير، عن قتادة أنه زعم أنّ السماء خُلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾. قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض وفي صحيح البخاري (^٢٢١) أنّ ابن عباس سئل عن هذا بعينه فأجاب بأنّ الأرض خلقت قبل السماء، وأنّ الأرض إنما دُحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديمًا وحديثًا، وقد حرّرنا ذلك في سورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾ ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعًا فيها بالقوة إلى الفعل لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية، ثم السماوية، دحا بعد ذلك الأرض فأخرجت ما كان مودعًا فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك، فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله ﷾ أعلم] [¬١].
وقد ذكر ابن أبي حاتم (^٢٢٢) وابن مردويه في تفسير هذه الآية- الحديث الذي رواه مسلم
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير (٨/ ٥٥٥ - ٥٥٦ الفتح).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٠٥ - (١/ ١٠٣)، وصحيح مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم برقم (٢٧٨٩)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠١٠)، ورواه أحمد (٢/ ٣٢٧)، وأبو يعلى (١٠/ ٥١٣ - ٥١٤)، وابن منده في التوحيد رقم (٥٨)، وابن جرير في التفسير (٢٤/ ٩٥)، وأخرجه ابن معين في تاريخه رواية الدوري برقم (٢١٠)، ومن طرف الدولابي (١/ ١٥٧)، وذكره البخاري في التاريخ (١/ ٤١٣، ٤١٤)، من طريق إسماعيل بن أمية به، ثم قال: وقال بعضهم: عن أبي هريرة عن كعب وهو أصح. والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٢٥٠ - ٢٥٦)، قال البيهقي: هذا حدث أخرجه مسلم في كتابه عن سريج بن يونس وغيره، عن حجاج بن محمد، وزعم بعض أهل العلم بالحدث أنه غير محفوظ لمخالفته = [¬١]- ما بين المعكوفين سقط من: خ.
[ ١ / ٣٣٥ ]
والنسائي في التفسير أيضًا، من رواية ابن جُرَيج قال: أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أيوب بن خالد، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الإثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل".
وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم وقد تكلم عليه علي بن المديني، والبخاري، وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأنّ أبا هريرة إنما سمعه من كلام [¬١] كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه [¬٢] مرفوعًا، وقد حرّر ذلك البيهقي.
﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾
يخبر تعالى بامتنانه علي بني آدم، بتنويهه بذكرهم في الملإ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك [¬٣]، وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [-وهو أبو عبيدة-] [¬٤] أنه زعم أن "إذ" هاهنا زائدة، وأنّ تقدير الكلام "وقال ربك"، وردّه ابن جرير.
[قال القرطبي: وكذا ردّه جميع المفسرين حتى قال الزجاج: هذا اجتراء من أبي عبيدة] [¬٥]. ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أي: قومًا يخلف [¬٦] بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلًا بعد
_________________
(١) = ما عليه أهل التفسير وأهل التواريخ، وزعم بعضهم أن إسماعيل بن أمية إنما أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن أيوب بن خالد، وإبراهيم غير محتج به. قال علي بن المديني: وما أرى إسماعيل بن أمية أخذ هذا إلا من إبراهيم بن أبي يحيى. قلت: وقد تابعه على ذلك موسى بن عبيدة الربذي، عن أيوب بن خالد؛ إلا أن موسى بن عبيدة ضعيف، وروي عن بكر بن الشرود، عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن صفوان بن سليم، عن أيوب بن خالد، وإسناده ضعيف، والله أعلم. وللعلامة عبد الرحمن المعلمي كلام متين في تصحيح هذا الحديث ورد الشبه عنه في كتابه "الأنوار الكاشفة" (ص ١٨٥ - ١٩٠). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز، خ: "فجعله". [¬٣]- في ز: ذاك. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "تخلف".
[ ١ / ٣٣٦ ]
جيل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ وقال [¬١]: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ وقال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [وقرئ في الشاذ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ حكاها الزمخشري وغيره، ونقل القرطبي، عن زيد بن علي] [¬٢] وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم ﵇ فقط [كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر بل الخلاف في ذلك كثير حكاه الرازي في تفسير وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا] [¬٣]؛ إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ فإنهم إنما [¬٤] أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، [فإن الله] [¬٥] أخبرهم أنه يخلق هذا المصنف من صلصال من حمإ مسنون، [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي] [¬٦]، أو أنهم قاسوهم [¬٧] على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك.
وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين، [وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه، وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا، قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية] [¬٨]، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا! ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي نصلي لك، كما سيأتي، أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك وهلا] [¬٩] وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى -مجيبًا لهم عن هذا السؤال-: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [أي إني [¬١٠] أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا المصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون] [¬١١] أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم [¬١٢] الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون والمحبون له ﵎ المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم.
_________________
(١) [¬١] سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: قاسوه. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ز، خ: "هلالا". [¬١٠]- زيادة من ز. [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬١٢]- في ز، خ: "فيهم".
[ ١ / ٣٣٧ ]
[وقد ثبت في الصحيح (^٢٢٣) أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم -وهو أعلم- كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون.
وذلك لأنهم يتعاقبون فينا، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيمكث هؤلاء، ويصعد أولئك بالأعمال. كما قال ﵊: "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل" (^٢٢٤). فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وقيل معنى قوله جوابًا لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إني لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها. وقيل: إنه جواب ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من وجود إبليس بينكم، وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل: بل تضمن قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم] [¬١].
ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه
قال ابن جرير (^٢٢٥): حدثني القاسم بن الحسن، [قال حدثنا الحسين، قال] [¬٢] حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك [عن الحسن، وأي بكر] [¬٣]، عن الحسن وقتادة قالوا: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال لهم: إني فاعل.
وهذا، معناه أنه أخبرهم بذلك.
وقال السدّي: استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم قال: وروي عن قتادة
_________________
(١) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة برقم ٢١٠ - (٦٣٢) من حديث أبي هريرة، ﵁.
(٢) - رواه مسلم برقم ٢٩٣، ٢٩٤ - (١٧٩)، وابن ماجه (١٩٥)، وأحمد (٤/ ٤٠٤)، وابن أبي عاصم في السنة (٦١٤)، وابن خزيمة في التوحيد (٢٨، ٢٩، ٣٠، ١٠٠) من حديث أبي موسى الأشعري، ﵁.
(٣) - تفسير ابن جرير رقم ٥٩٧ - (١/ ٤٤٧)، وأبو بكر هو الهذلي: ضعفه ابن المديني جدًّا، وقال ابن معين: ليس بشيء. والحسين هو ابن داود الملقب بسنيد. والمبارك هو ابن فصالة، مدلس وقد عنعن؛ إلا أنه صرح بالتحديث عند ابن أبي حاتم ٣١٦ - (١/ ١٠٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٣٣٨ ]
نحوه (^٢٢٦).
وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم.
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٢٢٧): حدثنا أبي، حدثنا [أبو سلمة] [¬١]، حدثنا حماد، حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله، ﷺ، قال: "دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يعني مكة".
وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم. فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك، [والله أعلم] [¬٢].
﴿خَلِيفَةً﴾ قال السدي في تفسيره (^٢٢٨)، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: إن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون [] [¬٣] ويقتل بعضهم بعضًا.
قال ابن جرير (^٢٢٩): فكان تأويل الآية على هذا ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مني [¬٤]، يخلفني في الحكم [بالعدل] [¬٥] بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقدمه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه.
قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قَرْنٍ منهم قَرْنًا، قال: والخليفة
الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلانًا في هذا الأمر، إذا قام مقدمه فيه بعده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله فقام بالأمر مقامه، فكان منه خلفًا.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ٣١٥ - (١/ ١٠٧). وقال محققه: هذا خبر منكر.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ٣١٨ - (١/ ١٠٨)، ورواه ابن جرير (٥٩٦)، وعزاه السيوطي في الدر (١/ ٤٦) لابن عساكر، وعطاء بن السائب اختلط؛ إلا أن حماد بن سلمة سمع منه قبل الاختلاط.
(٣) - رواه ابن جرير برقم (٦٠٥).
(٤) - تفسير ابن جرير (١/ ٤٥٠). [¬١]- في ز: ابن سلم. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- في خ: وقال:. [¬٤]- في خ: "متى". [¬٥]- زيادة من ز، خ.
[ ١ / ٣٣٩ ]
قال: وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ يقول: ساكنًا وعامرًا يعمرها ويسكنها خلقًا ليس منكم.
[قال ابن جرير (^٢٣٠)،] [¬١]: وحدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان [¬٢] بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إن [¬٣] أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضًا، قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم وأسكنه إياها فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
وقال سفيان الثوري (^٢٣١): عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يعنون به [¬٤] بني آدم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقًا وأجعل فيها خليفة، وليس لله ﷿ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها!.
وقد تقدّم ما رواه السُّدّي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن الله أعلم الملائكة بما تفعله [¬٥] ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك، وتقدم آنفًا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٣٢): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان الجن [¬٦] بنو الجان، في الأرض قبل أن يُخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جندًا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) - ضعيف، منقطع والحديث في تفسير ابن جرير ٦٠١ (١/ ٤٥٠). وروى الحاكم معناه (٢/ ٢٦١).
(٢) - رواه ابن جرير (٦٠٣، ٦٠٨)، وابن أبي حاتم (٣٢٧).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٢ - (١/ ١٠٩)، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦١) بسنده من طريق أبي معاوية، عن ابن عباس -لا عن عبد الله بن عمرو- وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "عمر". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "يفعله" وفي ز: يفعل. [¬٦]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٤٠ ]
وقال أبو جعفر الرازي: عن الريبع [بن أنس،] [¬١]، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قوله ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: خلق الله الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة؛ فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم [ببغيهم] [¬٢]، فكانت الدماء بينهم، وكان [¬٣] الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ كما أفسدت الجن ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما سفكوا.
قال ابن أبي حاتم (^٢٣٣): وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن قال: قال الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، قال لهم: إني فاعل. [أفاضوا برأيهم] [¬٤]، فعلمهم علمًا وطوي عنهم علمًا، علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهمم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
قال الحسن: إن ابن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون، فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم.
وقال عبد الرزاق (^٢٣٤) كلت معمر، عن قتادة في قوله: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
كان الله [¬٥] أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٣٥): حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف،
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٤ - (١/ ١١١٠)، ورواه ابن جرير (٦١١)، ومبارك بن فضالة. مدلس؛ إلا أنه صرح بالتحديث.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٢) ومن طريقه ابن جرير (٦١٠)، وابن أبي حاتم (٣٢٦).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٨ - (١/ ١١٢)، وهو ضعيف لجهالة الراوي عن أبي جعفر، ومعروف بن خربوذ -مولى عثمان، قال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، قال: ويقال: إن الناس أخذوا عنه شعر بديل، وذكره ابن حبان في الثقات، له في البخاري حديثه عن أبي الطفيل، عن علي، في العلم، وعند الباقين حديثه عن أبي الطفيل أنه رأى النبي، ﷺ، في الحج. قلت: وقال أحمد: ما أدري كيف حديثه. وقال الساجي: صدوق. وقال ابن حبان = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: فكان. [¬٤]- من "ز" وابن أبي حاتم، وفي ت: [آمنوا بربهم]. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٤١ ]
يعني ابن خَرّبوذ المكي، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السِّجِل ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في [¬١] كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أمّ الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور، فأسَرَّ ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قالا [¬٢] ذلك استطالة على الملائكة.
وهذا أثر غريب، وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب ردّه، والله أعلم. ومقتضاه: أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق.
وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم أيضًا، حيث قال (^٢٣٦): حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عبيد [¬٣] الله، حدَّثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، قال سمعت أبي يقول؛ إنّ الملائكة الذين قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم.
_________________
(١) = في الضعفاء: كان يشتري الكتب فيحدث بها ثم تغير حفظه، فكان يحدث على التوهم، فكأنه ترجم لغيره، فإن هذه الصفة مفقودة في حديث معروف (التهذيب). وهشام بن عبيد الله الرازي السِبتي، بكسر السين المهملة، قال أبو حاتم الوازي: صدوق، وقد قال أبو حاتم: ما رأيت أعظم قدرا منه، ومن أبي مسهر بدمشق، وكان يقول: لقيت ألفًا وسبعمائة شيخ وأنفقت في العلم سبعمائة ألف درهم، وأما ابن حبان فذكره في الضعفاء فقال: كان يهم ويخطيء على الثقات، وروى عن ابن أبي ذئب، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: "الدجاج غنم فقراء أمتي، والجمعة حج فقرائها" وروى عن مالك، عن الزهري، عن أنس مرفوعًا: "مثل أمتي مثل المطر … " الحديث، قال الذهبي في الميزان: كلاهما باطلان. قلت: ذكر الدارقطني أنه تفرد بحديث مالك، وأنه وهم فيه، فدخل عليه حديث في حديث، وأما الأول: فأخرجه ابن حبان، عن عبد الله بن محمد القيراطي، عن عبد الله بن يزيد محمش عنه، ومحمش تقدم في العبادلة- في الميزان أنه كان يتهم بوضع الحديث فبرئ هشام من عهدته. ا هـ من التهذيب.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٢٩ - (١/ ١١٢)، وعبد الله بن يحيى بن أبي كثير اليمامي روى عن أبيه وجعفر بن محمد بن علي، قال أبو طالب عن أحمد: ثقة لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عدي: لم أجد للمتقدمين فيه كلامًا، ولا أعرف له ما أنكره؛ إلا حديث النهي عن أكل أذني القلب، ورواه عن أبيه، عن رجل من الأنصار مرفوعًا، وأرجو أنه لا بأس به. قلت: قال البخاري: أثنى عليه مسدد لقيه باليمامة أي عبد الله. التهذيب. وأما يحيى بن أبي كثير: فهو كثير الإرسال، ومراسيله قال عنها يحيى القطان: شبه الريح. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: قالوا. [¬٣]- في خ: "ابن أبي عبد الله".
[ ١ / ٣٤٢ ]
وهذا أيضًا إسرائيلي منكر كالذي قبله، والله أعلم.
قال ابن جريج (^٢٣٧): إنما تكلموا بما أعلمهم الله [¬١] أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء.
قال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ لأنّ الله أذن لها [¬٢] في السؤال عن ذلك، بعد ما أخبرها [¬٣] أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة فقالت -على [¬٤] التعجب منها-: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن ذلك كائن منهم وإن لم تعلموه أنتم [ومن بعض ما] [¬٥] ترونه لي طائعًا.
قال: وقال بعضهم ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب! خبرنا، مسألة استخبار منهم، لا على وجه الإنكار. واختاره ابن جرير.
[وقال سعيد، عن قتادة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ وقد علمت الملائكة أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنوا الجنة، قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم ﵇، قالت الملائكة: ما الله خالق خلقًا أكرم عليه منا ولا أعلم منا، فابتلوا بخلق آدم -وكل خَلْق مُبتَلى- كما ابتُليت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله تعالى ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾.
وقوله تعالى] [¬٦]: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال عبد الرزاق (^٢٣٨) عن معمر، عن قتادة: التسبيحُ: التسبيحُ، والتقديس: الصلاة.
وقال السدي (^٢٣٩): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس- وعن مرة، عن ابن
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير ٦١٦ - (١/ ٤٦٩).
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٢).
(٣) - رواه ابن جرير (٦١١). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ت: لهم. [¬٣]- في ت: أخبرهم. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: ومن يعصيني ممن. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٤٣ ]
مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يقولون: نصلي لك.
وقال مجاهد: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.
وقال الضحاك: التقديس: التطهير.
وقال محمد بن إسحاق: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: لا نعصي، ولا نأتي شيئًا تكرهه.
وقال ابن جرير: التقديس هو التعظيم والتطهير، ومنه قولهم: سبوح قدُّوس، يعني بقولهم: سبوح: تنزيه له [¬١]، وبقولهم: قدوس: طهارة وتعظيم له، وكذلك [¬٢] قيل للأرض: أرض مقدّسة، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذا: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾، ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك.
[وفي صحيح مسلم (^٢٤٠)، عن أبي ذرٍّ ﵁ أنْ رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده".
وروى البيهقي (^٢٤١) عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أُسري به سمع تسبيحًا في السموات العلى: "سبحان العلي الأعلى، ﷾"] [¬٣]. ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ و[¬٤] قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في [¬٥] علم تلك الخليقة [¬٦] أنبياء
_________________
(١) - رواه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة، برقم (٢٧٣١). ورواه الترمذي في الدعوات برقم (٣٥٩٣). ورواه أحمد (٥/ ١٦١) والبخاري في الأدب (٦٣٨).
(٢) - رواه الطبراني في الأوسط (٣٧٤٢)، وكذا عزاه للبيهقي في الأسماء والصفات السيوطي في الدر (٤/ ١٨٣). ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٧) من طريق مسكين بن ميمون، عن عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط، ﵁، به، مرفوعًا، ومسكين بن ميمون: قال الذهبي (٤/ ١٠١): لا أعرفه، وخبره منكر، وذكر له هذا الحديث، وكذا تبعه الحافظ في اللسان (٦/ ٢٨)، والهيثمي في المجمع (١/ ٧٨)، ومسكين هذا وثقه اين معين (٤/ ٤٧١ تاريخ الدورى) وأورده ابن شاهين في الثقات، وابن حبان (٧/ ٥٠٥)، وعبد الرحمن بن قرط الثمالي الحمصي: قال ابن معين والبخارى وأبو حاتم: كان من أهل الصفة، وروى البخاري وابن السكن من طريق سكين المؤذن: حدثني عروة بن رويم، عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله، ﷺ، ليلة أمرى به إلى المسجد الأقصى كان بين المقام = [¬١]- في ز: لله. [¬٢]- في ز: ولذلك. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- زيادة من: خ. [¬٥]- في ز: عن. [¬٦]- في ز: الخليفة.
[ ١ / ٣٤٤ ]
ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة.
وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير [¬١] واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
[وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والإمامة تُنال بالنص، كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده. كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، واللَّه أعلم.
أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نص عليه الشافعي.
وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف؛ فمنهم من قال: لا يشترط، وقيل: بلى، ويكفي شاهدان، وقال الجبائي: يجب أربعة، وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر ﵁ الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم.
ويجب أن يكون ذكرا حرًّا بالغًا عاقلًا مسلمًا عدلًا مجتهدًا بصيرا سليم الأعضاء خبيرا بالحروب والآراء قرشيًّا على الصحيح، ولا يشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطأ، خلافًا للغلاة الروافض، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله ﵊ "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" (^٢٤٢).
_________________
(١) = وزمزم، جبرائيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، فطارا به حتى بلغ السماوات السبع، فلما رجع قال: سمعت تسبيحًا في السماوات العلا. الحديث. وأخرجه سعيد بن منصور، عن سكين لكن أرسله. وسيأتي عند تفسير الآية: ٤٤ من سورة الإسراء.
(٢) - رواه البخاري في الفتن، باب: قول النبي، ﷺ: سترون بعدي أمورًا برقم (٧٠٥٥)، ومسلم في الإمارة برقم ٤٢ - (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت، ﵁. [¬١]- في خ: "وعن".
[ ١ / ٣٤٥ ]
وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي ﵁ نفسه وسلم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مُدح على ذلك.
فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز؛ لقوله ﵊ "من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان" (^٢٤٣).
وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غيرُ واحدٍ؛ منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية: يجوز اثنين فأكثر، كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر، جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوّز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك.
قلت: وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب، ولنقرر هذا كله في موضع آخر من كتاب "الأحكام". إن شاء الله تعالى] [¬١].
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾
هذا مقام ذَكَرَ الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه [به] [¬٢] من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له، وإنما قدّم هذا الفصل على ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة [¬٣] خلق الخليفة [¬٤]، حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون؛ ولهذا ذكر الله هذا المقام عقيب هذا؛ ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.
_________________
(١) - رواه مسلم في الإمارة من صحيحه برقم ٦٠ - (١٨٥٢) من حديث عرفجة، ﵁. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- زيادة من ز. [¬٣]- في خ: "بحكم". [¬٤]- في خ: "الخليقة".
[ ١ / ٣٤٦ ]
وقال السدي عمن حدّثه عن ابن عباس (^٢٤٤): ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ قال: علمه [¬١] أسماء ولده إنسانًا [إنسانًا] [¬٢] والدواب، فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس.
وقال الضحاك عن ابن عباس (^٢٤٥): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [قال: هي هذه الأسماء] [¬٣] التي يتعارف بها الناس إنسان، ودواب [¬٤]، وسماء [¬٥]، وأرض، وسهل، وبحر، وخيل [¬٦]، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير (^٢٤٦) من حديث عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد [¬٧]، عن ابن عباس: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه اسم الصحفة والقدر؟ قال: نعم حتى الفسوة والفُسَيَّة [¬٨].
وقال مجاهد: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ قال: علمه [¬٩]، اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء.
وكذلك رُوي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف أنه علمه أسماء كل شيء. وقال الربيع في رواية عنه: أسماء الملائكة.
وقال حميد الشامي: أسماء النجوم.
وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم.
واختار ابن جرير أنه علمه أسماء اللائكة وأسماء الذرية، لأنه قال: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ﴾ وهذا عبارة عما يعقل. وهذا الذي رجح به ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب. كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ
_________________
(١) - ابن أبي حاتم (٣٤٠)، وسنده ضعيف.
(٢) - ابن جرير (٦٤٦)، وسنده ضعيف.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٤١ - (١/ ١١٥)، ورواه ابن جرير ٦٥١ - (١/ ٤٨٣)، وسعيد بن معبد: ذكره البخاري (٢/ ١ / ٤٦٨)، وابن أي حاتم (٢/ ١ / ٦٣) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. [¬١]- في ز، خ: "عرض عليه". [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "دابة". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "جمل". [¬٧]- في خ: "سعيد". [¬٨]- في خ: "الفسو". [¬٩]- في ز: علم.
[ ١ / ٣٤٧ ]
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾.
[وقد قرأ عبد الله بن مسعود ﴿ثم عرضهن﴾. وقرأ أبي بن كعب: ﴿ثم عرضها﴾، أي: السموات] [¬١].
والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها [¬٢] وأفعالها، كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفُسيّة، يعني: أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية في [¬٣] كتاب التفسير من صحيحه (^٢٤٧):
حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا هشام، حدثنا قتادة، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال -وقال لي خليفة: حدَّثنا يزيد بن زُرَيع، حدَّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا؟ فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُنَاكُم، ويذكر ذنبه فيستحي، فيقول [¬٤]: ائتوا نوحًا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحي، فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم. فيقول [¬٥]: ائتوا موسى عبدًا كلمه [¬٦] الله وأعطاه التوراة، فيأتونه، فيقول: لست هناكم. في يذكر قتل النفس بغير نفس؛ فيستحي من ربه. فيقول [¬٧]: ائتوا عيسى عبدَ الله ورسوله وكَلِمَةَ الله وروحه، فيأتونه [¬٨]، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمدًا عبدًا غَفَر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي، فإذا رأيت ربي وقعتُ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقُل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فَيَحدُّ لي حدًّا فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا [¬٩] رأيت ربي مثله، ثم أشفع فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة، [ثم أعود الثالثة] [¬١٠]، ثم أعود الرابعة فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود.
هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا، وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن
_________________
(١) - البخاري في كتاب التفسير باب: وعلم آدم الأسماء كلها برقم (٤٤٧٦). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: من. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "كلم". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من ز. [¬٩]- في ز: وإذا. [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٤٨ ]
أبي عبد الله الدستوائى، عن قتادة، به (^٢٤٨).
وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة من حديث سعيد، و[¬١] هو ابن أبي عروبة، عن قتادة (^٢٤٩).
ووجه إيراده هاهنا والمقصود منه قوله ﵊ "فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء".
فدل هذا على [¬٢] أنه علمه [¬٣] أسماء جميع المخلوقات؛ ولهذا قال ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾ يعني المسميات، كما قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة: ﴿فَقَال أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وقال السدي في تفسيره (^٢٥٠): عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة ﴿وعلم آدم الاسماء كلها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة.
وقال ابن جريج، عن مجاهد ﴿ثم عرضهم﴾: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.
وقال ابن جرير (^٢٥١): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة، عن الحسن -وأبي بكر، عن الحسن وقتادة- قال: علمه اسم كل شيء، [وجعل يسمي كل شيء] [¬٤] باسمه، وعُرضت عليه أمَّة، أمَّة.
وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: ﴿إن كنتم صادقين﴾. إني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.
وقال الضحاك: عن ابن عباس (^٢٥٢): ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إن كنتم تعلمون أني [¬٥] لم
_________________
(١) - مسلم في الإيمان برقم (١٩٣)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٩٨٤).
(٢) - مسلم في الإيمان برقم (١٩٣)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٢٤٣)، وابن ماجة في الزهد، باب: ذكر الشفاعة برقم (٤٣١٢).
(٣) - رواه ابن جرير (٦٦٢)، وابن أبي حاتم (٣٤٥).
(٤) - رواه ابن جرير (٦٦٧).
(٥) - رواه ابن جرير (٦٧١)، وسنده ضعيف. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١ / ٣٤٩ ]
أجعل في الأرض خليفة.
وقال السدي (^٢٥٣) عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.
وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك فقال: أنبئوني بأسماء من عَرَضْتُه عليكم أيها [¬١] الملائكة القائلون: أتجعل فيها [¬٢] من يفسد فيها [¬٣] ويسفك الدماء؟ من غيرنا، أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتم صادقين في قِيلكم، إني إنْ جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني و[¬٤] ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم [¬٥] أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإذا [¬٦] كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا [¬٧] غير عالمين. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
هذا تقديس وتنزيه من الملائكة للَّه تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئًا إلا ما علمهم الله تعالى؛ ولهذا قالوا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ [الْحَكِيمُ] [¬٨]﴾ أي: العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك من تشاء ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام.
قال ابن أبي حاتم (^٢٥٤): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، عن حجاج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس: سبحان الله. قال: تنزيه الله نفسه عن السوء، قال [¬٩]: ثم قال عمر لعلي -وأصحابه عنده-: لا إله إلا الله قد عرفناها، فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال:
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٦٧٢).
(٢) - إسناده ضعيف، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٣٤٧ - (١/ ١١٧). والحجاج هو ابن أرطأة مدلس وقد عنعن. [¬١]- في ز: أيتها. [¬٢]- في ز: في الأرض. [¬٣]- في ز: في الأرض. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز، خ: "أتيتم". [¬٦]- في ز: فإذًا إذا. [¬٧]- في خ: "يكونوا". [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- زيادة من: ز، خ.
[ ١ / ٣٥٠ ]
قال (^٢٥٥): وحدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا النضر بن عربي [¬١] قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن "سبحان الله" قال [¬٢]: اسم يُعَظّمُ الله به ويحاشى به من السوء.
وقوله تعالى: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
قال زيد بن أسلم: قال: أنت جبرائيل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدّد الأسماء كلها، حتى بلغ الغراب.
وقال مجاهد في قول الله: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ قال اسم الحمامة، والغراب، واسم كل شيء.
وروي عن سعيد بن جبير، والحسن، وقتادة نحو ذلك. فلما ظهر فضل آدم ﵇ على الملائكة ﵈ في سرده ما [¬٣] علمه اللَّه تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾. وكما قال تعالى إخبارًا عن الهدهد أنه قال لسليمان: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
وقيل في معنى [¬٤] قوله تعالى ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ غيرُ ما ذكرناه؛ فروى الضحاك عن ابن عباس ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قال: يقول [¬٥]: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كَتَم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
وقال السدي (^٢٥٦): عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابه قال: قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. الآية] [¬٦]. فهذا الذي أبدوا ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون﴾ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر، وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري، [واختاره مالك و] [¬٧] ابن
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٤٨ - (١/ ١١٧)، وإسناده حسن.
(٢) - رواه ابن جرير (٦٧٩). [¬١]- في ز، خ: "عدي". [¬٢]- في ز، خ: "فقال". [¬٣]- في ز: من. [¬٤]- زيادة من ز. [¬٥]- زيادة من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ت: "اختار ذلك".
[ ١ / ٣٥١ ]
جرير.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة: هو قولهم: لم يخلق ربنا خلقًا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فكان الذي أبدوا هو [¬١]، قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا [وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [¬٢]﴾ وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لم يخلق ربنا خلقًا إلا كنا [¬٣] نحن أعلم منه وأكرم. فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم.
وقال ابن جرير (^٢٥٧): حدَّثنا يونس، حدَّثنا ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قصة الملائكة وآدم فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته، ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطعني، قال: وقد [¬٤] سبق من الله ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه، قال: فلما [¬٥] رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقرّوا له بالفضل.
وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس، وهو أن معنى قوله تعالى ﴿وأعلم ما تبدون﴾ وأعلم -مع علمي غيب السموات والأرض- ما تظهرونه [¬٦] بألسنتكم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ تخفونه] [¬٧] في أنفسكم، فلا يخفى علي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم.
والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها، والذي كانوا يكتمونه [¬٨] ما كان منطويا عليه إبليس من الخلاف على الله في أوامره [¬٩]، والتكبر عن طاعته.
قال: وصح ذلك كما تقول العرب: قُتِل الجيش وهُزموا، وإنما قتل الواحد أو [¬١٠] البعض، وهزم الواحد أو [¬١١] البعض، فيخرج الخبر عن المهزوم منه و[¬١٢] المقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ذُكِر أن الذي نادى إنما كان واحدًا من بني تميم، قال: وكذلك قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٦٧٧ - (١/ ٤٩٧). وسنده صحيح. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ز: ولما. [¬٦]- في ت: تظهرون. [¬٧]- في ت: تخفون. [¬٨]- في ت: "يكتمون". [¬٩]- في ز: أمره. [¬١٠]- في ز: و. [¬١١]- في ز: و. [¬١٢]- في ز، خ: "أو".
[ ١ / ٣٥٢ ]
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.
وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم، امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك أحاديث أيضًا كثيرة، منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى ﵇ "رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله [¬١] بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته … (^٢٥٨). قال وذكر الحديث كما سيأتي [إن شاء الله] [¬٢].
وقال ابن جرير (^٢٥٩): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا عثمان بن سعيد، حدَّثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الحن، خلقوا من نار السموم، من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازنًا من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من غير غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، [وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا ألهبت.
قال: وخلق الإنسان من طين] [¬٣]، فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء [¬٤]، وقتل بعضهم بعضًا.
قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي اللذين [¬٥] يقال لهم: الجن - فقتلهم إبليس ومن معه، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه، فقال: قد صنعت شيئًا لم يصنعه أحد.
قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطع [¬٦] عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله تعلى للملائكة الذين كانوا [¬٧] معه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت الملائكة مجيبين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقول: إِني قد اطلعت
_________________
(١) - رواه أبو داود في كتاب السنة، باب: في القدر، برقم (٤٧٠٢).
(٢) - تفسير ابن جرير ٦٠٦ - (١/ ٤٥٥)، وابن أبي حاتم (٣٦٦)، وأصله متفق عليه كما سيأتي إن شاء الله. [¬١]- سقط من. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "الذي" [¬٦]- في ز، خ: "يطلع". [¬٧]- سقط من ز.
[ ١ / ٣٥٣ ]
من [¬١] قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره. قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب، واللازب اللزج الصلب [¬٢]، من حمإ مسنون منتن، وإنما كان حمأ مسنونًا بعد التراب، فخلق منه آدم بيده.
قال: فمكث أربعين ليلة جسدًا ملقى، وكان [¬٣] إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل [أي] [¬٤] فيصوت قال: فهو قول الله تعالى: ﴿من صلصال كالفخار﴾ يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت.
قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فِيه، ثم يقول: لست شيئًا للصلصلة، وَلِشَيء مَا خُلِقْتَ ولئن سلَّطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطتَ عليَّ لأعصينك [¬٥].
قال: فلما نفخ الله فيه من روحه، أتت النفخة من قِبل رأسه فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه [ما رأى من جسده] [¬٦] فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: ﴿وكان [¬٧]، الإنسان عجولًا﴾ قال: ضَجِرًا [¬٨] لا صبرَ له على سراء ولا ضراء.
قال: فلما تمت النفخة في جسده عطس، فقال: "الحمد لله رب العالمين" -بإلهام الله- فقال الله له: "يرحمك الله يا آدم! ". قال: ثم قال تعالى: للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات-: اسجدوا لآدم؛ فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبي واستكبر، لما كان حدّث نفسه من الكبر والاغترار.
فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، خلقتني من نار وخلقته من طين. يقول: إن النار أقوى من الطين. قال: فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله، أي [¬٩]: آيسه من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته.
ثم علّم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة، وأرض وسهل، وبحر وجبل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "علي". [¬٢]- في ز، خ: "الطيب". [¬٣]- في خ: "فكان". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "لأعطينك. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ: "فأعجبه". [¬٧]- في ز: وخلق. [¬٨]- في خ: "ضجر". [¬٩]- سقط من: خ.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾ أي [¬١] يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء ﴿إن كنتم صادقين﴾ إن كنتم تعلمون لِم أجعل في الأرض خليفة.
قال: فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب، الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم ﴿قالوا سبحانك﴾ تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره- و[¬٢] تبنا إليك ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إلا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ تبريًّا منهم من علم الغيب، إلا ما علمتنا كما علمت آدم فقال: ﴿قَال يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ يقول: أخبرهم بأسمائهم ﴿[فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ] [¬٣] قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيتها [¬٤] الملائكة خاصة ﴿إني أعلم غيب السموات والأرض﴾ ولا يعلم غيري ﴿وأعلم ما تبدون﴾ يقول: ما تظهرون ﴿وما كنتم تكتمون﴾ يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار.
هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور.
وقال السدي في تفسيره (^٢٦٠)، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي [¬٥] ﷺ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش، فجعل إبلس على مُلك السماء [¬٦] الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن، لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع مُلكه خازنًا، فوقع في صدره [كبر] [¬٧] وقال: ما أ عطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة.
فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه فقال [¬٨] الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالوا: [¬٩] ربنا؛ وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضًا.
قالوا: [ربنا] أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال: إني أعلم ما لا تعلمون. يعني: من شأن إبليس. فبعث الله [¬١٠] جبريل إلى الأرض ليأتيه
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٦٠٧). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ [¬٤]- في ز، خ: "أيها". [¬٥]- في خ: "رسول الله". [¬٦]- في ز: سماء. [¬٧]- سقط من: ز، خ، وهي زيادة من الطبري. [¬٨]- في خ؛ "وقال". [¬٩]- في ز، خ: "قالوا". [¬١٠]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٥٥ ]
بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تقبض [¬١] مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب مني عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه فأعاذها [¬٢]، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به فَبَلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا، واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه، ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه يخلقه بشرًا، فكان جسدًا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرّت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم فزعًا منه [¬٣] إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة فذلك [¬٤] حين يقول: ﴿من صلصال كالفخار﴾ ويقول: لأمر ما خلقت.
ودخل من فيه فخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله ﷿ أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفختُ فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس فقالت الملائكة: قل: الحمد لله، [فقال: الحمد لله] [¬٥]، فقال له الله: "رحمك ربك".
فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوبه اشتهى المام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿خُلق الإنسان من عجل﴾ ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين﴾ ﴿أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾.
قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقتُ بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر [¬٦] خلقته من طين.
قال الله له: ﴿فاهبط [¬٧] منها فما يكون لك﴾ يعني ما ينبغي لك ﴿أن تتكبر فيها فاخرج [¬٨] إنك من الصاغرين﴾ والصغار هو الذل.
_________________
(١) [¬١]- في تفسير الطبري: تنقص. [¬٢]- في ز، خ: "فعاذها". [¬٣]- زيادة في: خ. [¬٤]- في ز، خ: "بذلك". [¬٥]- زيادة من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "لمن". [¬٧]- في: اخرج. [¬٨]- في ز، خ: "اخرج".
[ ١ / ٣٥٦ ]
قال: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ ثم عرض الخلق على الملائكة ﴿فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا له [¬١]: ﴿سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾ قال الله: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾.
قال: قولهم: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ فهذا الذي أبدوا ﴿[وما كنتم] [¬٢] تكتمون﴾ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.
فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السديّ، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج [¬٣] ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء، ويقول: على شرط البخاري (^٢٦١).
والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل إبليس في خطابهم، لأنه -وإن لم يكن من عنصرهم- إلا أنه كان قد تشبه بهم وترسم [¬٤] بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر، وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾.
ولهذا قال محمد بن إسحاق، عن خلاد (^٢٦٢)، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهادًا، وأكثرهم علمًا، فذلك [¬٥] دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمون حنًّا [¬٦].
وفي رواية عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس -أو مجاهد- عن ابن عباس، أو غيره، بنحوه (^٢٦٣).
_________________
(١) - كذا قال الحافظ. ولم أقف على قول الحاكم: "على شرط البخاري"، وإنما يقول: "على شرط مسلم"، والله أعلم. والصواب -والله أعلم- أن الإسناد ليس على شرط واحدٍ منهما.
(٢) - رواه ابن جرير ٦٨٦ - (١/ ٥٠٢). وخلاد هو ابن عبد الرحمن، ثقة. ولكن السند إلى ابن إسحاق ضعيف.
(٣) - رواه ابن جرير ٦٨٧ - (١/ ٥٠٧). وإسناده كالذي قبله. [¬١]- زيادة من ز. [¬٢]- في ز: وأعلم ما. [¬٣]- في ز، خ: "مدرجًا". [¬٤]- في ت: "توسم". [¬٥]- في ز: فلذلك. [¬٦]- في ز، خ: "جنًا".
[ ١ / ٣٥٧ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٢٦٤): حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد -يعني ابن العوّام- عن سفيان بن حسين، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف [¬١] الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس [¬٢] بعد.
وقال سُنَيد [¬٣]، عن حجاج، عن ابن جريج (^٢٦٥)، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان على [¬٤] الأرض.
وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس، سواء (^٢٦٦).
وقال صالح مولى التَّوأمة [¬٥] (^٢٦٧) عن ابن عباس: إن من الملائكة قَبيلًا يقال لهم: الحن، وكان [¬٦] إبليس منهم، وكان [يسوس] [¬٧] ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطانًا رجيمًا. رواه ابن جرير.
وقال قتادة، عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا (^٢٦٨).
وقال ابن جرير (^٢٦٩): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عدي [¬٨] بن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس.
وهذا إسناد صحيح عن الحسن. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء.
_________________
(١) - رجال إسناده ثقات، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٣٦٥ - (١/ ١٢٢).
(٢) - منقطع، ابن جريج لم يسمع من ابن عباس. والأثر رواه ابن جرير ٦٨٩ - (١/ ٥٠٣).
(٣) - منقطع، الضحاك لم يسمع من ابن عباس، وهو عند ابن جرير (٦٨٥).
(٤) - ابن جرير (٦٩٠، ٧٠٠) وصالح مولى التوأمة: صدوق، اختلط، وروى أثره هذا ابن كثير معلقًا؛ فلم نعرف الراوي عنه ليتبين لنا هل روى عنه قبل الاختلاط أم بعده؛ إلا أن ابن جرير رواه ٦٩٠ - (١/ ٥٠٤) من حديث ابن جريج، عن صالح، به. وابن جريج ممن روى عنه قبل الاختلاط. ورواه من طريق شريك بن أبي نمر برقم ٧٠٠ - (١/ ٥٠٧).
(٥) - رواه ابن جرير ٦٩٢ - (١/ ٥٠٤).
(٦) - رواه ابن جرير ٦٩٦ - (١/ ٥٠٦). [¬١]- في ز، خ: "أشرف". [¬٢]- في خ: "إبليس". [¬٣]- في خ: "سفيان". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "التومة". [¬٦]- في ز: فكان. [¬٧]- في ت: "يوسوس". [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء. رواه ابن جرير.
وقال سنيد بن داود (^٢٧٠): حدثنا هشيم، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة، يتعبد [¬١] معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا [¬٢]، فأبى إبليس فلذلك قال تعالى: ﴿إلا إبليس كان من الجن﴾.
وقال ابن جرير (^٢٧١): حدثنا محمد بن سنان القزاز، حدثنا أبو عاصم، عن شريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إن الله خلق خلقًا فقال: اسجدوا لآدم. فقالوا: لا نفعل. فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم [¬٣]. ثم خلق خلقًا آخر فقال: ﴿إني خالق بشرًا من طين﴾ اسجدوا لآدم. قال: فأبوا. فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم. ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم. قالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم.
وهذا غريب ولا يكاد يصح إسناده، فإن فيه رجلًا مبهمًا ومثله لا يحتج به، والله أعلم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾ فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم أكرم الله آدم بها [¬٤] أن أسجد له ملائكته.
وقال في قوله تعالى: ﴿فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ حسد عدو الله إبليس آدم ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني. وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو اللَّه أن يسجد لآدم ﵇.
وقال بعض الناس: كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام، كما قال تعالى: ﴿ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدًا وقال: يا أبت، هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًّا﴾.
وقد كان هذا مشروعًا في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا. قال معاذ: قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله؛ أحق أن يسجد لك. فقال: "لا، لو كنت آمرًا بشرًا أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها" (^٢٧٢).
_________________
(١) - رواه ابن جرير ٦٩٩ - (١/ ٥٠٧)، وسنده ضعيف.
(٢) - تفسير ابن جرير ٧٠٢ - (١/ ٥٠٨)، وسنده ضعيف.
(٣) - ورد من حديث جماعة من الصحابة منهم معاذ، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن أبي أوفى = [¬١]- في ز، خ: "فتعبد". [¬٢]- في ز، خ: "فسجدوا". [¬٣]- في خ: "فحرقهم"، وفي ز: تحرقهم. [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٥٩ ]
ورجحه الرازي وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها. كما قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكرامًا وإعظامًا واحترامًا وسلامًا، وهي طاعة لله ﷿؛ لأنها امتثال لأمره تعالى.
وقد قوّاه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما: كونه جُعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف.
والآخر: أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض. وهو ضعيف كما قال:
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ حسد عدوّ الله إبليس آدم ﵇، على ما أعطاه الله من الكرامة، وقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدوّ الله أن يسجد لآدم ﵇.
قلت: وقد ثبت في الصحيح "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر" (^٢٧٣).
_________________
(١) = وأبي هريرة، وأنس، وقيس بن سعد، وعائشة، وسلمان، ﵃. فرواه أحمد في المسند ٢٢٠٨٢، ٢٢٠٨٣ - (٥/ ٢٢٧) من حديث الأعمش، عن أبي ظبيان، عن معاذ بن جبل، ومن حديث الأعمش، قال: سمعت أبا ظبيان يحدث، عن رجل من الأنصار، عن معاذ بن جبل فذكره، وأبو ظبيان لم يلق معاذًا ولا أدركه، قاله ابن حزم، كما في التهذيب، وإسناده الآخر فيه مجهول. وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ ١٧٤، ١٧٥ رقم: ٣٧٣) من حديث أبي ظبيان، عن معاذ. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٠٩) وقال: "رواه البزار بتمامه، وأحمد باختصار، ورجاله رجال الصحيح، وكذلك طريق من طرق أحمد، وروى الطبراني بعضه". ورواه الترمذي (١١٥٩) من حديث أبي هريرة، وكذا ابن حبان (١٢٩١)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٩١). ورواه البزار كما في كشف الأستار (٢/ ٢٧٩ / رقم: ١٤٦٨) من حديث صدقة بن عبد الله، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن القاسم الشيباني، وهو ابن عوف، عن زيد بن أرقم؛ قال: بعث رسول الله ﷺ، معاذًا إلى الشام … فذكر الحديث. وأورده الهيثمي (٤/ ٣١٠) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح؛ خلا صدقة بن عبد الله السمين، وثقه أبو حاتم وجماعة، وضعفه البخاري وجماعة. ا هـ. وأخرجه أحمد ١٩٤٦١ - (٤/ ٣٨١)، وابن ماجة، كتاب: النكاح، باب: حق الزوج على المرأة (١٨٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٩٢)، وصححه ابن حبان (٩/ ٤١٧١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى، وإسناده حسن. وانظر الإرواء (٣/ ٥٤ - ٥٨).
(٢) - رواه مسلم في الإيمان برقم ١٤٧، ١٤٨، ١٤٩ - (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود، ﵁.
[ ١ / ٣٦٠ ]
وقد كان في قلب إبليس من الكبر والكفر والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٧٤) حدثنا أبو [¬١] سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا صالح بن حيان، حدثنا عبد الله بن بريدة: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ من الذين أبوا، فأحرقتهم النار.
وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: من العاصين.
وقال السدي: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الذين لم يخلقهم الله يومئذ [¬٢] يكونون بعد.
وقال محمد بن كعب القرظي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره الله إلى ما [ابتدأه] عليه خلقه من الكفر، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
[وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ فكانت الطاعة لله والسجدة لآدم أكرم الله آدم بها أن أسْجَدَ له ملائكته.
قال بعض المعربين: وكان من الكافرين، أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه، كما قال: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ وقال: ﴿فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وقال الشاعر:
بتيهاء قفرٍ والمطيٌّ كأنها … قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها
أي قد صارت.
وقال ابن فورك: تقديره وقد كان في علم الله من الكافرين.
ورجحه القرطبي وذكر هاهنا مسألة فقال: قال علماؤنا: من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق العادات فليس ذلك دالًّا على ولايته خلافًا لبعض الصوفية والرافضة. هذا لفظه.
ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان وهو لا يقطع لنفسه لذلك، يعني: والولي الذي يقطع له بذلك الأمر.
_________________
(١) - ضعيف، صالح بن حيان: قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وضعفه يحيى بن معين (التاريخ ٢/ ٢ / ٧٥) (الجرح ٤/ ٣٩٨) والأثر رواه ابن أبي حاتم ٣٧٠ - (١/ ١٢٣). [¬١]- في ز: ابن. [¬٢]- مكانها بياض في: ز، خ.
[ ١ / ٣٦١ ]
قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يد غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضًا بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله ﷺ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ (^٢٧٥). وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة؛ من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت؛ وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب؛ وأن يقتل ذلك الشاب ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمور المهولة.
وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء [] [¬١] فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
فقال الشافعي: قصر الليث ﵀ بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة.
وقد حكى الرازي وغيره قولين للعلماء هلي المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض أو عام بملائكة السموات والأرض؟ وقد رجح كلًّا من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إلا إِبْلِيسَ﴾ فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم] [¬٢].
﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾
يقول الله تعالى إخبارًا عما أكرم به آدم: بعد أن أمر الملائكة بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس: إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء، رغدًا، أي: هنيئًا واسعًا طيبًا.
وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، من حديث محمد بن عيسى الدامغاني: حدَّثنا سلمة بن الفضل، عن ميكائيل، عن ليث، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله؟ أرأيت آدم أنبيًّا كان؟ قال: "نعم نبيًّا رسولًا، [كلمه الله قِبَلًا] " [يعني عيانًا. فقال] [¬٣]: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ (^٢٧٦).
_________________
(١) - رواه البخاري (٣/ ٢١٨ الفتح) ومسلم ٥٦٠، ٥٦١ - (١٠).
(٢) - ورواه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/ ١٠) من طريق أبي عمر الشامي، عن عبيد الخشخاش، = [¬١]- في ر: ويطير في الهواء. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٣٦٢ ]
وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء أم [¬١] في الأرض؟ والأكثرون على الأول، [وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض] [¬٢]، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى، وسياق الآية يقتضي أن حوّاء خلقت قبل دخول آدم الجنة.
وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق حيث قال (^٢٧٧): لما فرغ الله من معاتبة إبليس، أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ قال: ثم [¬٣] ألقيت السنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب- من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم، عن ابن عباس وغيره- ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحمًا، وآدم نائم لم يهُب من نومه حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حوّاء، فسوّاها امرأة ليسكن إليها، فلما كُشِف عنه السنة وهبَّ من نومه، رآها إلى جنبه، فقال:- فيما يزعمون والله أعلم-"لحمى ودمي وروحي [¬٤] ". فسكنْ [¬٥] إليها، فلما زوّجه الله وجعل له سكنًا من نفسه قال له قِبَلًا [¬٦]: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
ويقال: إن خلق حوّاء كان بعد دخوله الجنة كما قال السدي في خبر [¬٧] ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس- وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة (^٢٧٨): أخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وحْشًا ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة فاستيقظ، وعند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليَّ. قالت له الملائكة: -ينظرون ما بلغ من علمه- ما اسمها [¬٨] يا آدم؟ قال: حوّاء، قالوا [¬٩]: ولم [سميت] [¬١٠]، حوّاء؟ قال: إنها خلقت من شيء
_________________
(١) = عن أبي ذر بنحوه، ورواه أبو الشيخ في العظمة برقم (١٠١٦) من طريق جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن أبي ذر بنحوه، ورواه أحمد في المسند ٢٣٣٨٩ - (٥/ ٢٦٥) من طريق علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا بنحوه. ورواه الطبراني في الأوسط (٤٢٥٩) (٧٣٣٥)، وقال عقب الأول: لم يروه عن إبراهيم إلا ليث، ولا عن ليث إلا ميكال، وهو شيخ كوفي، ولا نعلمه أسند حديثًا غير هذا. وزاد عقب الثاني: ولا عن ميكال إلا سلمة بن الفضل.
(٢) - ابن جرير برقم (٧١١).
(٣) - ابن جرير برقم (٧١٠). [¬١]- في ز: أو. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في التفسير: زوجتي. [¬٥]- في خ: "يسكن". [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في: ز، خ "تفسيره". [¬٨]- في ز: اسمه. [¬٩]- في ز، خ: "قال". [¬١٠]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٦٣ ]
حي (^٢٧٩). قال الله: ﴿يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا﴾.
وأمّا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة، ما هي؟ فقال السدي: عمن حدّثه، عن ابن عباس (^٢٨٠): الشجرة التي نُهي عنها آدم ﵇ هي الكَرْم. وكذا قال سعيد بن جبير، والسدي، والشعبي، وجَعْدة بن هُبَيرة، ومحمد بن قيس.
وقال السدي أيضًا في خبر ذكره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هي الكرم.
وتزعم يهود أنها الحنطة.
وقال ابن جرير وابن أبي حاتم (^٢٨١): حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي، حدَّثنا أبو يحيى الحماني [¬١]، حدَّثنا النضر أبو عمر الخزّاز [¬٢]، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الشجرة التي نُهي عنها آدم [﵇] هي السنبلة.
وقال عبد الرزاق (^٢٨٢): أنبأنا [¬٣] ابن عيينة وابن المبارك، عن الحسن بن عمارة، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: هي السنبلة.
وقال: محمد بن إسحاق عن رجل من أهل العلم، [] [¬٤]، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: هي البر.
وقال ابن جرير (^٢٨٣): وحدّثني المثنى بن إبراهيم، حدَّثنا مسلم بن إبراهيم، حدَّثنا القاسم، حدّثني رجل من بني تميم، أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد [¬٥] يسأله [¬٦] عن الشجرة التي أكل
_________________
(١) - ابن منده في التوحيد برقم (٨١).
(٢) - ابن جرير برقم (٧٣٠).
(٣) - ضعيف جدًّا، النضر بن عبد الرحمن أبو عمر: قال البخاري: منكر الحديث. وأبو يحيى الحماني عبد الحميد بن عبد الرحمن مختلف فيه. والحديث عند ابن أبي حاتم ٣٨١ - (١/ ١٢٦). وابن جرير ٧١٨ - (١/ ٥١٦ - ٥١٧).
(٤) - رواه ابن جرير بإسناده إلى عبد الرزاق برقم ٧٢٥ - (١/ ٥١٨). والحسن بن عمارة: ضعيف بل متروك.
(٥) - تفسير ابن جرير ٧٢٣ - (١/ ٥١٧). وإسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل من بني تميم. [¬١]- في خ: "الجماني". [¬٢]- في ز، خ: "الخراز". [¬٣]- في ز، خ: "حدثنا". [¬٤]- في ت، ر: [عن حجاج] وقد سقط من: ز، خ، وتفسير الطبري. [¬٥]- في ز: مجلد. [¬٦]- في ز: فسأله.
[ ١ / ٣٦٤ ]
منها آدم والشجرة التي تاب عندها آدم. فكتب إليه [أبو الجلد] [¬١]: سألتني عن الشجرة التي نُهِيَ عنها آدم وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم وهي الزيتونة.
وكذلك فسره الحسن البصري، ووهب بن منبه، وعطية العوفي، وأبو مالك ومحارب بن دثار، وعبد الرحمن بن أبي ليلى.
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل اليمن، عن وهب بن منبه أنه كان يقول: هي [¬٢] البر، ولكن الحبة منها في الجنة ككُلَى البقر، و[¬٣] ألين من الزبد وأحلى من العسل.
وقال سفيان الثوري: عن حصين، عن أبي مالك: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال: النخلة.
وقال ابن جرير: عن مجاهد: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ قال: التينة [¬٤]، وبه قال قتادة وابن جريج.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.
وقال عبد الرزاق (^٢٨٤): حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مُهْرِب قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها في [¬٥] بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الثمرة [¬٦] التي نهى الله عنها آدم وزوجته.
فهذه أقوال ستة في تعيين [¬٧] هذه الشجرة.
قال الإمام العلامة أبو جعفر بن جرير (^٢٨٥) ﵀: والصواب في ذلك أن يقال: إنّ الله جلَّ ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة، دون سائر أشجارها فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين؛ لأن الله لم يضع لعباده دليلًا على ذلك في القرآن ولا من السنة الصحيحة.
_________________
(١) - رواه ابن جرير ياسناده إلى عبد الرزاق ٧٤٢ - (١/ ٥٢٥).
(٢) - تفسير ابن جرير (١/ ٥٢٠ - ٥٢١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز: من. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز، خ: "تيتة". [¬٥]- في ت: "من". [¬٦]- في ت: "الشجرة". [¬٧]- في ت: "تفسير".
[ ١ / ٣٦٥ ]
وقد قيل: كانت شجرة البر وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين. وجائز أن تكون [¬١] واحدة منها، وذلك عِلْمٌ إذا عُلِمَ لم ينفع العالمَ به علمُه، وإن جَهِلَهُ جاهل لم يضره جهله به، والله أعلم.
[وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره وهو الصواب] [¬٢].
وقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾. يصح أن يكون الضمير في قوله: ﴿عَنْهَا﴾ عائدًا إلى الجنة، فيكون معنى الكلام كما قرأ [¬٣] عاصم بن بَهْدلة، وهو ابن أبي النَّجُود: فأزلهما، أي: فنحاهما، ويصح أن يكون عائدًا على أقرب المذكورين، وهو الشجرة، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادة: "فأزلهما"، أي: من قَبِيلِ الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا﴾ أي: بسببها، كما قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ أي: يصرف بسببه من هو مأفوك؟ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة.
﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. أي [¬٤]: قرار وأرزاق وآجال ﴿إِلَى حِينٍ﴾ أي: إلى وقت مؤقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة.
وقد ذكر المفسرون من السلف كالسُّدّي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن منبه وغيرهم، هاهنا أخبارًا إسرائيلية عن قصة الحية [¬٥] وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى [¬٦] الجنة ووسوسته، وسنبسط ذلك، إن شاء الله، في سورة الأعراف، فهناك القصة أبسط منها هاهنا، والله الموفق.
وقد قال ابن أبي حاتم هاهنا (^٢٨٦): حدثنا علي بن الحسن [¬٧] بن إشكاب، حدثنا علي بن
_________________
(١) - علي بن عاصم: صدوق يخطئ ويصر، وقد تابعه يونس بن محمد، عند أحمد في الزهد، والحسن لم يسمع من أبي بن كعب -وقد رواه عن عُتي، عن أبي-كما عند الحاكم والبيهقي، وقتادة مدلس، وقد عنعن؛ إلا أنه صرح عند أحمد في الزهد بالتحدث، والحديث في تفسير ابن أبي حاتم ٣٩٢ - (١/ ١٢٦)، ورواه أحمد في الزهد ص ٤٨، من حديث يونس بن محمد المؤدب، ثنا شيبان، عن قتادة، حدثنا الحسن، عن أبي مرفوعًا، وأخرجه ابن سعد في الطبقات (١/ ٣١)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٢٦٢)، والبيهقي في البحث والنشور ص (١٧٥) من طريق عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن عتي، عن أُبى مرفوعًا. وصححه الحاكم مع اختلافٍ في الألفاظ. وقد رواه الحاكم مختصرًا موقوفًا على أبي (٢/ ٥٤٤). [¬١]- في خ: "يكون". [¬٢]-ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ. "قال". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "الجنة". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ، وابن أبي حاتم: "الحسين".
[ ١ / ٣٦٦ ]
عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله، ﷺ: "إن الله خلق آدم رجلا طُوَالا، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحوق، فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأوّل ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَدَّ في الجنة فأخذت شَعْرَه شجرةٌ، فنازعها، فناداه الرحمن يا آدم؛ مني تَفرُّ؟ فلما سمع كلام الرحمن، قال: يا رب؛ لا، ولكن استحياء".
قال (^٢٨٧): وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القرشي [¬١] سنة أربع وخمسين ومائتين، حدثنا سليمان [¬٢] بن منصور بن عمار، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي ابن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "لما ذاق آدم من الشجرة فرّ [¬٣] هاربًا، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي يا آدم؛ أفرارًا مني؟ قال بل حياء منك. قال: يا آدم؛ اخرج من جواري؛ فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقًا فم عصوني لأسكنتهم دار العاصين".
هذا حديث غريب، وفيه انقطاع، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب، ﵁ [¬٤]!
وقال الحاكم (^٢٨٨): حدَّثنا [¬٥] أبو بكر بن بَالُويَه [¬٦] عن محمد بن أحمد بن النضر، عن معاوية بن عمرو، عن زائدة، عن عمار بن [] [¬٧] معاوية البَجَلي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس.
ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
[وقال عبد بن حميد في تفسيره. حدَّثنا روح، عن هشام، عن الحسن، قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا] [¬٨].
وقال أبو جعفر الرازي (^٢٨٩): عن الربيع بن أنس قال: خرج [¬٩]، آدم من الجنة للساعة التاسعة
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ٣٩٣ - (١/ ١٣٠).
(٢) - رواه الحاكم (٢/ ٥٤٢)، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: عمار بن معاوية لم يرو له البخاري. وقال أحمد: لم يسمع من سعيد بن جبير شيئًا (العلائي ص ٢٤١). فالأثر منقطع.
(٣) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى أبي جعفر الرازي برقم ٣٩٤ - (١/ ١٣١). [¬١]- في ز، خ: "القونسي". وعند ابن أبي حاتم: القومسي. [¬٢]- عند ابن أبي حاتم: سليم. [¬٣]- في ز: مر. [¬٤]- في ت: "عنهما". [¬٥]- في ز، خ: "أخبرنا". [¬٦]- في خ: "حالويه". [¬٧]- في ز، خ: أبي. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٩]- في خ: "أخرج".
[ ١ / ٣٦٧ ]
أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصنًا من شجر الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة، وهو الإكليل من ورق الجنة.
وقال السدي: قال الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ فهبطوا ونزل [¬١] آدم بالهند، [ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة فبثه بالهند] [¬٢] فنبتت شجرة [¬٣] الطب، فإنما أصل ما يجاء به من [الطيب من الهند] [¬٤] من قبضة الورق التي [¬٥] هبط بها آدم، وإنما قبضها [آدم حين أخرج من الجنة] [¬٦] أسفًا على الجنة حين أخرج منها.
وقال عمران بن عيينة (^٢٩٠) عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أهبط آدم من الجنة بدَحْناء أرض بالهند [¬٧].
وقال ابن أبي حاتم (^٢٩١): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدَّثنا جرير، عن عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس؛ قال: أهبط آدم ﵇ إلى أرض يقال لها دَحْناء، بين مكة والطائف.
وعن الحسن البصري قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان. رواه ابن أبي حاتم (^٢٩٢).
وقال [أبو محمد] [¬٨] بن أبي حاتم (^٢٩٣): حدَّثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدَّثنا محمد بن سعيد بن سابق، حدَّثنا عمرو بن أبي قيس، عن الزبير [¬٩] بن عدي، عن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا وحواء بالمروة.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى عمران بن عيينة برقم ٣٩٧ - (١/ ١٣١)، ورواه الحاكم (٢/ ٥٤٢) من حديث عمرو بن علي، عن عمران بن عيينة، به. وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وإسناده ضعيف، عمران بن عيينة: قال أبو حاتم: يأتي بالمناكير، ووصفه العقيلي بالوهم. وعطاء بن السائب: اختلط.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم ٣٩٨ - (١/ ١٣٢). وجرير سمع من عطاء بعد الاختلاط.
(٣) - رواه ابن أبي حاتم ٣٩٩ - (١/ ١٣٢)، وفي إسناده عباد بن ميسرة: لين الحديث. وصدقة بن عمرو الغساني، وهو مجهول.
(٤) - تفسير ابن أبي حاتم: ٣٩٦ - (١/ ١٣١). [¬١]- في ز: فنزل. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "شجر". [¬٤]- في ز، خ: "من الهند من الطيب". [¬٥]- في ز، خ: "الذي". [¬٦]- زيادة من: خ. [¬٧]- في ت: "الهند". [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- سقط من ز، وفي خ: "ابن الزبير".
[ ١ / ٣٦٨ ]
وقال رجاء بن أبي سلمة (^٢٩٤): أهبط آدم ﵇ يداه على ركبتيه مطأطئًا رأسه، وأهبط إبليس مشبكًا [¬١] بين أصابعه رافعًا رأسه إلى السماء.
قال عبد الرزاق (^٢٩٥): قال معمر: أخبرني عوف عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض، علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير.
وقال الزهري: عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها". رواه مسلم والنسائي (^٢٩٦).
[وقال الرازي: اعلم أن في هذه الآية تهديدًا عظيمًا عن كل المعاصي من وجوه: (الأوّل): إنما يتصوّر ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة، كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر:
يا ناظرا يرنو بعينَيْ راقدٍ … ومشاهدًا للأمر غير مشاهدِ
تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوب وترتجي … دَرَجَ الجنَانِ ونيل فوز العابدِ
أنسيتَ ربَّك حين أخرج آدمًا … منها إلى الدنيا بذنب واحدٍ
قال ابن القاسم:
ولكننا سبي العدو فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلم
قال الرازي: عن فتح الموصلي أنه قال: كنا قومًا من أهل الجنة، فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.
فإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء -كما يقول الجمهور من العلماء-
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده ٣٩٥ - (١/ ١٣١)، وفي إسناده ضمرة، وهو ابن ربيعة: ذكر الساجي أنه يهم، ويروي أحاديث مناكير.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٣ - ٤٤)، ومن طريقه ابن أبي حاتم (٤٢١)، ورواه البزار (٢٢٤٥ كشف الأستار)، وابن جرير (٥٣٧)، والحاكم (٢/ ٥٤٣)، من طرقٍ عن قسامة بن زهير، فذكره عن أبي موسى موقوفًا. ورواه البزار (٢٣٤٤ كشف) مرفوعًا، وقال: لا نعلم رفعه إلا ربعي.
(٣) - رواه مسلم في كتاب الجمعة، برقم ١٧ - (٨٥٤)، والنسائي في كتاب الجمعة، باب: ذكر فضل يوم الجمعة برقم ١٣٧٣ - (٣/ ٨٩). [¬١]- في ز، خ: "مشتبكًا".
[ ١ / ٣٦٩ ]
فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة وقد طرد من هنالك طردًا قدريًّا، والقدري لا يخالف ولا يمانع؟ فالجواب: أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء.
كما قد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية، وأجاب الجمهور بأجوبة: أحدها: أنه منع من دخول الجنة مكرمًا، فأما على وجه السرقة والإهانة فلا يمتنع؛ ولهذا قال بعضهم -كما جاء في التوراة: إنه دخل في فم الحية إلى الجنة. وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة.
وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض وهما في السماء، ذكرها الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي (^٢٩٧) هاهنا أحاديث في الحيات وقتلهن وبيان حكم ذلك فأجاد وأفاد] [¬١].
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾
قيل: إن هذه الكلمات [¬٢] مفسرة بقوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
وروي هذا [¬٣] عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي العالية، والربيع بن أنس، والحسن وقتادة، ومحمد بن كعب القرظي، وخالد بن معدان، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال أبو إسحاق السبيعي (^٢٩٨) عن رجل من بني تميم، قال: أتيت ابن عباس فسألته قلت [¬٤]: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج.
وقال سفيان الثوري (^٢٩٩): عن عبد [¬٥] العزيز بن رُفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير - وفي رواية أخبرني مجاهد، عن عبيد بن عمير - أنه قال: قال آدم: يا رب؛ خطيئتي التي أخطأتُ شيءٌ كتبتَه عليَّ قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعتُه من قِبَلِ نفسي؟ قال "بل شيء [¬٦] كتبتُه عليك
yyy
_________________
(١) - تفسير القرطبي (١/ ٣١٣ - ٣١٧).
(٢) - ابن أبي حاتم برقم (٤١٢).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٤١٣)، وابن جرير برقم (٧٨١، ٧٨٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "الآيات". [¬٣]- زيادة من: ز، خ. [¬٤]- زيادة من: خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٧٠ ]
قبل أن أخلقك" قال: فكما كتبته علي فاغفر [¬١] لي. قال فذلك قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬٢]﴾.
وقال السدّي (^٣٠٠): عمن حدثه، عن ابن عباس: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: قال آدم ﵇: يا رب؛ ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى. قال [¬٣]: [ونفخت في من روحك؟ قيل له: بلى] [¬٤] وعطستُ، فقلتَ: يرحمك الله، وسبقت رحمتُكَ غضَبَك؟ قيلَ له: بلى. وكتبت عليَّ أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى. قال: أرأيت [¬٥] إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم.
وهكذا [¬٦] رواه العوفي، وسعيد بن جبير، وسعيد بن مَعْبَد، عن ابن عباس، بنحوه.
ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سعيد [¬٧] بن جبير، عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (^٣٠١). وهكذا فسره السدّي وعطية العَوْفي.
وقد روى ابن أبي حاتم (^٣٠٢) هاهنا حديثًا شبيهًا بهذا فقال: حدثنا علي بن الحسين [¬٨] ابن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "قال آدم ﵇: أرأيت يا رب؛ إن تبتُ ورجعتُ أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم. فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬٩]﴾. قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة قال: يا رب؛ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ قال الله: "إذًا أرجعك إلى الجنة". فهي من الكلمات، ومن الكلمات أيضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
_________________
(١) - ابن أبي حاتم برقم (٤١١).
(٢) - المستدرك (٥/ ٥٤٢)، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ورواه ابن جرير برقم (٧٧٥).
(٣) - تفسير ابن حاتم ٤١٠ - (١/ ١٣٥)، والحسن لم يسمع من أبيٍّ فهو منقطع، وهو الذي أشار إليه ابن كثير. [¬١]- في ز، خ: "فاغفره". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين مكرر في خ. [¬٥]- في ز: أفرأيت. [¬٦]- في ز، خ: "كذا". [¬٧]- زيادة من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ: "الحسن". [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٧١ ]
وقال ابن أبي نَجيح: عن مجاهد، أنه كان يقول في قول الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ [فَتَابَ عَلَيهِ] [¬١]﴾ قال الكلمات اللَّهُمَّ؛ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب؛ إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللَّهُمَّ؛ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب؛ إني ظلمت نفسي [[فارحمني] [¬٢]، إنك خير الراحمين، اللَّهُمَّ لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي] [¬٣] فتب علي، إنك أنت التواب الرحيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب كقوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا [¬٤] أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾. وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ [ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا] [¬٥]﴾. الآية. وقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا [فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا] [¬٦]﴾. إلى [¬٧] غير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب؛ ويتوب على من يتوب، وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم.
﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين [¬٨] أهبطهم من الجنة -والمراد الذرية- إنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل، كما قال أبو العالية: الهُدَى الأنبياء والرسل والبينات [¬٩] والبيان، وقال مقاتل بن حَيَّان: الهدى محمد ﷺ، وقال الحسن: الهدى القرآن، وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعَمّ.
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من أقبل على ما أُنزلتْ به الكتب، وأُرسلتْ به الرسل ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلونه [¬١٠] من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم من أمور الدنيا، كما قال في سورة طه ﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز: فاغفر لي. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "تعلموا". [¬٥]- زيادة من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "و". [¬٧]- في خ: (حتى). [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في ز: يستقبلون.
[ ١ / ٣٧٢ ]
قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. كما قال هاهنا: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي مخلدون فيها، لا محيد لهم عنها، ولا محيص.
وقد أورد ابن جرير ﵀ هاهنا حديثًا ساقه من طريقين عن أبي مَسْلَمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد -واسمه سعد بن مالك بن سِنَان الخدري- قال: قال رسول الله ﷺ: "أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا [¬١] يموتون فيها ولا يحيون، و[¬٢] لكن أقوام [¬٣] أصابتهم النار بخطاياهم أو بذنوبهم فأماتتهم [¬٤]، إماتة، حتى إذا صاروا فحمًا أذن في الشفاعة".
وقد رواه مسلم من حديث شعبة، عن أبي سلمة، به (^٣٠٣).
[وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم أنه تأكيد وتكرير، كما يقال: قم. قم. وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض. والصحيح الأول، والله أعلم] [¬٥].
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾
يقول تعالى آمرًا بني إسرائيل بالدخول [¬٦] في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومُهَيّجًا لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب ﵇، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله؛ كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق، كما تقول: يا بن الكريم؛ افعل كذا. يا بن الشجاع؛ بارز الأبطال. يا بن العالم؛ اطلب العلم. ونحو ذلك.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. فإسرائيل هو يعقوب ﵇ بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حَوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٧٩٧ - (١/ ٥٥٢)، ورواه مسلم في كتاب الإيمان برقم ٣٠٦ - (١٨٥). [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: أقوامًا. [¬٤]- في ز: فأماتهم. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "في الدخول".
[ ١ / ٣٧٣ ]
وآله وسلم فقال لهم: "هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟ " قالوا: اللَّهُمَّ؛ نعم. فقال النبي ﷺ: "اللَّهُمَّ؛ اشهد" (^٣٠٤).
وقال الأعمش: عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير [¬١] مولى ابن عباس. عن [عبد الله] [¬٢] بن عباس: أن إسرائيل كقولك: عبد الله (^٣٠٥).
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك، أن [¬٣] فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجاهم [¬٤] من عبودية آل فرعون.
وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب.
قلت: وهذا كقول موسى ﵇ لهم: ﴿يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالمِينَ﴾. يعني: في زمانهم.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (^٣٠٦)، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ﴾ أي: بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه، [وقال تعالى] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾. قال: بعهدي الذي أخذت في [¬٥] أعناقكم للنبي محمد ﷺ إذا [¬٦] [جاءكم أوف بعهدكم، أي:] [¬٧] أنجز لكم ما وعدتكم [¬٨] عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم.
[وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا وَقَال اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. الآية.
_________________
(١) - إسناده حسن، رواه الطيالسي في حديث طويل برقم ٢٧٣١ ص ٣٥٦ - ٣٥٧. ورواه أحمد في المسند ٢٤٧١ - (١/ ٢٧٣) عن حسين، عن عبد الحميد بن بهرام، به.
(٢) - رواه ابن جرير برقم (٧٩٨).
(٣) - مجهول، وهو عند ابن جرير برقم (٨٠١)، وابن أبي حاتم برقم (٤٣٨)، وسنده ضعيف. [¬١]- في ز، خ: "عمه". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "وأنجاهم". [¬٥]- في ز: من. [¬٦]- في ز، خ: "إذ". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في خ: "وعدكم".
[ ١ / ٣٧٤ ]
وقال آخرون هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة، أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيًّا عظيمًا يطيعه جميع الشعوب، والمراد به محمد ﷺ، فمن اتبعه غفر الله له ذنبه، وأدخله الجنة، وجعل له أجرين.
وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد ﷺ] [¬١]، وقال أبو العالية ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾ قال: عهده إلى عباده دين [¬٢] الإسلام أن يتبعوه.
وقال الضحاك (^٣٠٧): عن ابن عباس ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قال: أرضَ [¬٣] عنكم وأدخلكم الجنة. وكذا قال السدي، والضحاك، وأبو العالية، والربيع بن أنس.
وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي فاخشون، قاله أبو العالية، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة.
وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أي أنزل بكم ما أنزلت [¬٤] بمن كان قبلكم من آبائكم من النّقمَات التي قد عرفتم من المسخ وغيره.
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة، لعلهم يرجعون إلى الحق، واتباع الرسول، ﷺ، والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، والله [يهدي من] [¬٥] يشاء إلى [صراط مستقيم] [¬٦].
ولهذا قال ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يعني به القرآن الذي أنزله على محمد [ﷺ] النبي الأمي العربي، بشيرًا ونذيرًا وسراجًا منيرًا، مشتملًا على الحق من الله تعالى، مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل.
قال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ يقول [يا معشر أهل الكتاب؛ آمنوا بما أنزلت مصدقًا لما معكم، يقول] [¬٧] لأنهم يجدون محمدًا ﷺ مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.
وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك.
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (٨٠٩)، وابن أبي حاتم برقم (٤٤١، ٤٤٤)، وسنده ضعيف. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: دينه. [¬٣]- في ز: أرضي. [¬٤]- في ز: أنزل. [¬٥]- في ز، خ: "الهادي لمن". [¬٦]- في ز، خ: "صراطه المستقيم". [¬٧]- سقط من ز.
[ ١ / ٣٧٥ ]
وقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [قال بعض المعربين: أول فريق كافر به أو نحو ذلك] [¬١].
قال ابن عباس (^٣٠٨): ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم.
و[¬٢] قال أبو العالية: يقول ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ.
[يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه] [¬٣]. وكذا قال الحسن والسدي والربيع بن أنس.
واختار ابن جرير أن الضمير في قوله ﴿بِهِ﴾ عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله ﴿بِمَا أَنْزَلْتُ﴾.
وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان؛ لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد [ﷺ] [¬٤] ومن كفر بمحمد ﷺ، فقد كفر بالقرآن.
وأما قوله: ﴿أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإنّ يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك (^٣٠٩): أنبأنا [¬٥] عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن هارون بن يزيد [¬٦] قال: سئل الحسن - يعني البصري- عن قوله تعالى: ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ قال: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
وقال ابن لهيعة (^٣١٠): حدّثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وإن آياته كتابه الذي أنزله [¬٧] إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا
_________________
(١) - ابن جرير برقم (٨١٩)، وابن أبي حاتم برقم (٤٥٠).
(٢) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره برقم (٤٥٦)، وابن أبي الدنيا في ذم الدنيا برقم (٤٩٧).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم بإسنادٍ ضعيف برقم (٤٥٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "أخبرنا". [¬٦]- في خ: "شريد". [¬٧]- في ز: أنزل.
[ ١ / ٣٧٦ ]
وشهواتها.
وقال السدي: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول لا تأخذوا طمعًا [¬١] قليلًا ولا [¬٢] تكتموا اسم الله لذلك الطمع وهو الثمن.
وقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يا بن آدم؛ عَلِّمْ مجانًا كما عُلِّمْتَ مجانًا.
[وقيل: معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس؛ لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب.
وفي سنن أبي داود، عن أبي هريرة (^٣١١) ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ: "من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا (لم يُرَحْ رائحة الجنة) [¬٣] يوم القيامة".
فأمّا تعليم العلم بأجرة؛ فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء. كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد (^٣١٢) في قصة اللديغ "إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله".
وقوله في قصة المخطوبة: "زَوَّجْتُكَهَا بما معك من القرآن" (^٣١٣).
فأما حديث عبادة بن الصامت أنه علَّم رجلًا من أهل الصفة شيئًا من القرآن، فأهدى له قوسًا، فسأل عنه رسول الله، ﷺ، فقال: "إن أحببت أن تطوَّق بقوس من نار فاقْبَلْه" فتركه.
_________________
(١) - رواه أبو داود في كتاب العلم، باب: في طلب العلم لغير الله برقم (٣٦٦٤). وابن ماجه في المقدمة برقم (٢٥٢)، ورواه أحمد (٢/ ٣٣٨)، وابن أبي شيية (٨/ ٥٤٣)، وابن حبان (٨٩)، والحاكم (١/ ٨٥)، والعقيلي (٣/ ٤٦٧).
(٢) - رواه البخاري في الطب، باب: الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب برقم (٥٧٣٧).
(٣) - رواه البخاري في الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح، برقم (٢٣١٠) و(٥١٤٩) من حديث سهل بن سعد، ﵁. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في سنن أبي داود: لم يجد عرف الجنة.
[ ١ / ٣٧٧ ]
رواه أبو داود (^٣١٤)
وروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعًا (^٣١٥)، فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء، منهم أبو عمر بن عبد البر، على أنه لما علَّمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأمَّا إذا كان من أوّل الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم.
وقوله] [¬١] ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ قال ابن أبي حاتم (^٣١٦): حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو
_________________
(١) - ضعيف، رواه أبو داود في البيوع والتجارات، باب: كسب المعلم برقم (٣٤١٦). وابن ماجه في التجارات، باب: الأجرة على تعليم القرآن حديث (٢١٥٧). ورواه الحاكم (٢/ ٤١)، والبيهقي (٦/ ١٢٥) جميعهم من حديث مغيرة بن زياد الموصلي، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة، به. وقال المنذري: وفي إسناده المغيرة بن زياد -أبو هاشم الموصلي- وقد وثقه وكيع، ويحيى بن معين، وتكلم فيه جماعة، وقال الإمام أحمد: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر. ونقل البيهقي عن علي بن المديني قوله: رواه مغيرة بن زياد، عن عبادة بن نسي، عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة بن الصامت، وإسناده كله معروف؛ إلا الأسود بن ثعلبة؛ فإنا لا نحفظ عنه إلا هذا الحديث. قال البيهقي: وقد قيل: عن عبادة بن نسي، عن جنادة بن أبي أمية، عن عبادة فذكره. ثم قال: وكذلك رواه أبو المغيرة، عن بشر - وقال: هذا حديث مختلف فيه على عبادة بن نسي كما ترى، وحديث ابن عباس، وأبي سعيد أصح إسنادًا منه. والأسود بن ثعلبة: ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح الحاكم حديثه هذا. وقال ابن عبد البر: حديث معروف عند أهل العلم لأنه روى عن عبادة من وجهين. وقد حفظ عنه ثلاثة أحاديث.
(٢) - رواه ابن ماجه في سننه في كتاب التجارات، باب: الأجر على تعليم القرآن (٢١٥٨)، ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٢٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي مسلم، عن عطية بن قيس، عن أبي بن كعب ﵁، به، مرفوعًا، قال البيهقي: وهو منقطع. وفي الزوائد (٢/ ١٦٥): هذا إسناد مضطرب، قاله الذهبي (٢/ ٥٦٧) في ترجمة عبد الرحمن بن سلم. وقال العلائي في المراسيل (٢٣٩): عطية بن قيس، عن أبي بن كعب مرسل. وقال الذهبي أيضًا: ما روى عنه -يعني- عبد الرحمن بن سلم، سوى ثور بن يزيد. قال ابن التركماني: وعطية هذا تابعي، ذكر صاحب الكمال عن أبي مسهر أنه ولد في عهد النبي ﷺ، فعلى هذا روايته عن أبي محمولة على الاتصال. وقد ذكر قاسم بن أصبغ هذا الحديث من جهة أبي إدريس الخولاني، عن أبي، وذكره صاحب الميزان في ترجمة شبابة بن سوار … ثم قال: مرسل جيد الإسناد. وقال المزي في أطرافه: رواه موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن أبي. ورواه محمد بن جحادة، عن رجل يقال له: أبان عن أبي. قال البيهقي: ورُوي من وجهٍ آخر ضعيف عن أبي الدرداء، ثم ذكر الحديث ثم ذكر عن دحيم أنه ليس له أصل. قال ابن التركماني: قلت: أخرجه البيهقي هنا بسند جيد فلا أدري ما وجه ضعفه وكونه لا أصل له.
(٣) - رواه ابن أبي حاتم ٤٥٧ - (١/ ١٤٧)، وسنده حسن. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٧٨ ]
إسماعيل المؤدب، عن عاصم الأحول، عن أبي العالية، عن طلق بن حبيب قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، والتقوى أن تترك معصية الله [مخافة عذاب الله] [¬١]، على نور من الله [تخاف عقاب الله] [¬٢].
ومعنى قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه [¬٣] من كتمان الحق وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾
يقول تعالى ناهيًا لليهود عما كانوا يتعمدونه [¬٤] من تلبيس [¬٥] الحق بالباطل وتمويهه به، وكتمانهم الحق وإظهارهم الباطل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. فنهاهم عن الشيئين معًا، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به؛ ولهذا قال الضحاك: عن ابن عباس (^٣١٧): ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ لا [¬٦] تخلطوا [الحق بالباطل والصدق بالكذب] [¬٧].
وقال أبو العالية: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدّوا النصيحة لعباد الله من أمّة [¬٨] محمد ﷺ.
ويروى [¬٩] عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه.
وقال قتادة ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [] [¬١٠] ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، [وأنتم تعلمون] [¬١١] أنّ دين الله الإسلام، وأنّ اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله.
وروي عن الحسن البصري نحو ذلك.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد (^٣١٨)، عن عكرمة أو سعيد بن جبير،
_________________
(١) - ابن جرير برقم (٨٢٣)، وسنده ضعيف.
(٢) - مجهول، وهو عند ابن جرير برقم (٨٣٢)، وابن أبي حاتم برقم (٤٦١). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: يعتمدونه. [¬٤]- في ز، خ: "يعتمدونه". [¬٥]- في ز، خ: "تلبيسهم". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٨]- في ز، خ: "أمر". [¬٩]- في ز: وروي. [¬١٠]- في ز، خ: "قال". [¬١١]- سقط من ز.
[ ١ / ٣٧٩ ]
عن ابن عباس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوبًا [¬١] عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي العالية نحو ذلك.
وقال مجاهد، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ يعني: محمدًا، ﷺ.
[(قلت): ﴿وَتَكْتُمُوا﴾ يحتمل أن يكون مجزومًا، ويحتمل أن يكون منصوبًا، أي لا تجمعوا بين هذا وهذا، كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود: وتكتمون الحق، أي: في حال كتمانكم الحق ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ حال أيضًا، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق، ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المُفْضِي بهم إلى النار، إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق؛ لتروّجوه عليهم، والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل [¬٢].
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أمرهم أن يصلوا مع النبي ﷺ[﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي ﷺ] [¬٣] ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمّة محمد ﷺ، يقول: كونوا معهم ومنهم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٣١٩): [وآتوا الزكاة] [¬٤] يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص.
وقال وكيع عن أبي جناب [¬٥] (^٣٢٠)، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: ما يوجب الزكاة، قال: مائتان فصاعدًا.
وقال مبارك بن فضالة عن الحسن، في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها [¬٦] وبالصلاة.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٤٦٨).
(٢) - أبو جناب: ضعيف، واسمه: يحيى بن أبي حية، وهو عند ابن أبي حات برقم (٤٦٩). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "خباب". [¬٦]- في ز، خ: "به".
[ ١ / ٣٨٠ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٣٢١): حدثنا أبو زرعة، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن أبي حيان التيمي، عن الحارث العُكلي في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ قال: صدقة الفطر.
[وقوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة.
وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة، وأُبسط ذلك في كتاب "الأحكام الكبير" إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد] [¬١].
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
يقول تعالى كيف يليق بكم -يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر- وهو جماع الخير- أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمرون [¬٢] بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصَّر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا [¬٣] من رقدتكم، وتتبصروا [¬٤] من عمايتكم؟
وهذا كما قال عبد الرزاق (^٣٢٢) عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر، ويخالفون؛ فعيرهم الله ﷿. وكذلك قال السدي.
وقال ابن جريج: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ أهلُ الكتاب والمنافقون، كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، وَيَدَعون العمل بما يأمرون به الناس؛ فعيرهم الله بذلك، [فمن أمر بخير] [¬٥] فليكن أشدّ الناس فيه مسارعة.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد، عن عكرمة -أو سعيد [بن جبير] [¬٦]- عن ابن عباس ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: تتركون أنفسكم ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوّة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم أي وأنتم تكفرون بما
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم ٤٧٢ - (١/ ١٥٠). ورجال إسناده ثقات.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٤)، وابن جرير برقم (٨٤٣)، وابن أبي حاتم برقم (٤٧٨)، وسنده صحيح. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: تأتمروا. [¬٣]- في ز، خ: "فتنبهوا". [¬٤]- في ز، خ: "وتبصروا". [¬٥]- بياض في ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٨١ ]
فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي وتجحدون [¬١] ما تعلمون من كتابي (^٣٢٣).
وقال الضحاك (^٣٢٤): عن ابن عباس في هذه الآية يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد ﷺ وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم؟
وقال أبو جعفر بن جرير (^٣٢٥): حدثني علي بن الحسن، حدثنا مسلم الجَرمي، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أيوب السختياني عن أبي قلابة في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ قال: قال أبو الدرداء ﵁: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشدّ مقتًا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء أمروه بالحق؛ فقال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
والغرض: أنّ الله تعالى ذمّهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له؛ بل على تركهم له، فإن الأمرَ بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن [الواجب و] [¬٢] الأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم، كما قال شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾.
فكُلٌّ من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف. وذهب بعضهم إلى أنّ مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف،
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (٨٤٠)، وابن أبي حاتم برقم (٤٧٧) مختصرًا.
(٢) - ابن جرير برقم (٨٤١). وسنده ضعيف
(٣) - رواه ابن جرير ٨٤٦ - (٢/ ٨)، وابن أبي شيبة (٨/ ١٦٧ ع)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٢١٠). ومسلم الجرمي: هو مسلم بن أبي مسلم، أورده ابن حبان في الثقات (٩/ ١٥٨) وقال: ربما أخطأ، وقال الأزدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها، وأورد له البيهقي حديثًا من وجهين عنه، وقال: غير قوي. قال الحافظ: وليس في إسناده من ينظر فيه غير مسلم هذا (اللسان ٦/ ٣٨). وأبو قلابة: اسمه عبد الله بن زيد: قال الحافظ: ثقة، فاضل كثير الإرسال. قال العجلي: فيه نصب يسير. وذكره العلائي في المدلسين. وقال الذهبي: ثقة في نفسه؛ إلا أنه يدلس عمن لحقهم، وعمن لم يلحقهم، وكان له صحف يحدث منها، ويدلس. [¬١]- في ز: تحجون. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٨٢ ]
وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها.
والصحيح أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، [قال مالك: عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما، ما أمر أحد بالمعروف، ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، مَنْ ذا الذي ليس فيه شيء؟
(قلت):] [¬١] ولكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية؛ لعلمه بها ومخالفته على بصيرة؛ فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم؛ ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير (^٣٢٦):
حدَّثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، والحسن بن علي المعمري، قالا: حدَّثنا هشام بن عمار، حدَّثنا علي بن سليمان الكلبي، حدَّثنا الأعمش، عن أبي تميمة الهُجَيمي، عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مَثَل العالِم الذي يُعلِّم الناس الخير ولا يعمل به؛ كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه".
هذا حديث غريب من هذا الوجه.
حديث آخر، قال الإمام أحمد بن حنبل (^٣٢٧) في مسنده [¬٢]: حدَّثنا وكيع، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد -هو ابن جدعان- عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله، ﷺ: "مررت ليلة أسري بي على قوم شفاهُهم تُقْرضُ بمقاريض من نار. قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمّتك [¬٣] من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون
_________________
(١) - المعجم الكبير ١٦٨١ - (٢/ ١٦٥) وقال الهيثمي في المجمع (١/ ١٨٥): "رجاله موثقون". ورواه الخطيب في اقتضاء العلم العمل (٧٠). وصححه الألباني في تعليقه عليه.
(٢) - إسناده ضعيف، لضعف علي بن زيد بن جدعان؛ إلا أنه توبع عند ابن حبان، وابن أبي حاتم وأبي نعيم، والحديث في المسند ١٢٢٣١ - (٣/ ١٢٠)، ورواه أحمد حديث ١٢٨٧٩ - (٣/ ١٨٠)، ١٣٤٤٥ - (٣/ ٢٣١)، ١٣٥٤٠ - (٣/ ٢٣٩)، ورواه أبو يعلى حديث ٣٩٩٦، ٣٩٩٢ من حديث علي بن زيد أيضًا، عن أنس. ورواه ابن المبارك في الزهد برقم ٨١٩. وأخرجه ابن حبان في صحيحه حديث ٥٣. وهو في الدر المنثور للسيوطي (١/ ١٢٦)، وقد عزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد (١٢٢٢)، والبزار، وابن أبي داود في البعث، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب. ورواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٤٣ - ٤٤) من طريق ابن مصفى، حدثنا بقية، حدثنا إبراهيم بن أدهم، حدثنا مالك بن دينار، عن أنس. ورواه أيضًا في الحلية (٨/ ١٧٢) من طريق عبد الله بن موسى، عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن أنس. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "سنده". [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٨٣ ]
الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون؟ ".
ورواه عبد بن حميد في مسنده (^٣٢٨) وتفسيره عن الحسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، به [¬١].
ورواه ابن مردويه في تفسيره (^٣٢٩)، من حديث يونس بن محمد المؤدب والحجاج بن منهال كلاهما عن حماد بن سلمة به، وكذا رواه يزيد بن هارون، عن حماد بن سلمة، به [¬٢].
ثم قال ابن مردويه: حدَّثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ، حدَّثنا مكي بن إبراهيم، حدَّثنا عمر بن قيس، عن علي بن زيد، عن ثمامة، عن أنس؛ قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطاء أمّتك، الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم".
وأخرجه ابن حبان في صحيحه (^٣٣٠)، وابن أبي حاتم، وابن مردويه أيضًا من حديث هشام الدستوائي، عن المغيرة -يعني ابن حبيب ختن مالك بن دينار [- عن مالك بن دينار] [¬٣]، عن ثمامة، عن أنس بن مالك قال: لما عُرج برسول الله ﷺ مرّ بقوم تُقرض شفاهُهم فقال: "يا جبريل! مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمّتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم؛ أفلا يعقلون؟ ".
حديث آخر، قال الإمام أحمد (^٣٣١): حدثنا يعلى بن عبيد، حدَّثنا الأعمش، عن أبي وائل قال: قيل لأسامة، وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: [ألا] [¬٤] إنكم تُرَون أني لا أكلمه، ألا أسمعكم! إني لأكلمه [¬٥] فيما بيني وبينه ما دون أن أفتتح أمرًا -لا أحب أن أكون أوّل منٍ افتتحه، والله لا أقول لرجل إنك خير الناس وإن كان عليّ أميرًا- بعد أن [¬٦] سمعت رسول الله ﷺ يقول [¬٧]. قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: "يُجاء بالرجل يوم
_________________
(١) - المنتخب (١٢٢٢)، وأحمد (٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠).
(٢) - رواه أحمد (٣/ ٢٣١)، والطيالسي (٢٠٦٠).
(٣) - صحيح ابن حبان برقم (٣٥ موارد) وتفسير ابن أبي حاتم ٤٧٦ - (١/ ١٥١). والمغيرة بن حبيب: قال البخاري: كان صدوقًا عدلًا، ووثقه ابن حبان، وقال: يغرب. وقال الأزدي: منكر الحديث.
(٤) - المسند ٢١٨٧٥ - (٥/ ٢٠٥) وانظر (٥/ ٢٠٧، ٢٠٩)، والبيهقي = [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- زيادة من ز. [¬٥]- في ز: لا أكلمه. [¬٦]- في ز: إذ. [¬٧]- سقط من ز.
[ ١ / ٣٨٤ ]
القيامة، فيلقى في النار، فتندلق [¬١] (^٣٣٢) به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان! ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
ورواه البخاري ومسلم، من حديث سليمان بن مهران [¬٢] الأعمش، به نحوه (^٣٣٣).
[وقال أحمد: حدَّثنا سيار بن حاتم، حدَّثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله يعافي الأمّيين يوم القيامة ما لا يعافي العلماء" (^٣٣٤).
وقد ورد في بعض الآثار: "إنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرّة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة، عن النبي ﷺ قال: "إنّ أناسًا
_________________
(١) = في الكبرى (١٠/ ٩٤ - ٩٥)، وفي الشعب (١٣/ ٧١٦١).
(٢) - الاندلاق: خروج الشيء من مكانه، يريد خروج أمعائه من جوفه. النهاية (٢/ ١٣٠).
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة (رقم: ٣٢٦٧) وطرفه في (٧٠٩٨). ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، باب: عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله وينهى عن المنكر ويفعله رقم (٢٩٨٩). كلاهما من طريق الأعمش، به.
(٤) - حديث منكر، قاله أحمد بن حنبل فيما نقله عنه السيوطي في اللآلئ، ورواه الخطيب في اقتضاء العلم (٨٠)، ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٣٣١، ٩/ ٢٢٣)، ورواه أبو بكر المروزي في الورع (٣/ ٢) والرامهرمزي في الفاصل ص ١٤٣. وابن عساكر في ذم من لا يعمل بعلمه، والضياء المقدسي في المختارة (١/ ٥٠١) كلهم من طريق الإمام أحمد به، وقال أبو نعيم: "هذا حديث غريب تفرد به سيار، عن جعفر، ولم نكتبه إلا من حديث أحمد بن حنبل". وقال عبد الله بن أحمد: "هذا حديث منكر، حدثني به أبي، وما حدثني به إلا مرة". وأورده الذهبي في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي (١٥٠٥). وأورده السيوطي في اللآلئ (١/ ١١٧) وقال: قال أحمد: حديث منكر، وأورده ابن الجوزي في الواهيات (١/ ١٣٣) وأورده المقدسي في المختارة، وهما طرفا نقيض. قال الألباني: علته سيار أبو حاتم، أورده الذهبي في الضعفاء، وقال: قال القواريري: كان معي في الدكان لم يكن له عقل. قيل: أتتهمه؟ قال: لا. وقال غيره: صدوق، سليم الباطن، وضعفه ابن المديني وغيره. قلت -الألباني-: وكأنه لذلك لم يورده في المسند، وقول عبد الله هذا ذكره الضياء أيضًا عقب الحديث فيتعجب منه كيف أورده في المختارة!. وكذلك أورده ابن قدامة في المنتخب، وزاد: قال المروزي: قال أبو عبد الله: الخطأ من جعفر، ليس هذا من قبل سيار- كذا قال الإمام، وجعفر خير من سيار، وحسبه أنه احتج به مسلم، والله أعلم. [¬١]- في خ: "فيتدلق". [¬٢]- في ز، خ: "يريد أن".
[ ١ / ٣٨٥ ]
من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون إنا كنا نقول ولا نفعل" (^٣٣٥).
ورواه من حديث الطبراني (^٣٣٦)، عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي، عن زهير بن عباد الرواسي، عن أبي بكر [الدَّاهري] عبد الله بن حكيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن الوليد بن عقبة فذكره] [¬١].
وقال الضحاك: عن ابن عباس (^٣٣٧): أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عني المنكر، قال أوَبَلَغتَ ذلك؟ قال: أرجو. قال: إن لم تخش أن تُفْتَضَح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل. قال: وما هنّ؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾. أَحْكَمْتَ هذه؟ قال: لا. قال فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ] [¬٢]﴾ أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك.
رواه ابن مَرْدُويه في تفسيره.
وقال الطبراني (^٣٣٨): حدَّثنا عبدان بن أحمد، حدَّثنا زيد بن الحريش، حدَّثنا عبد الله بن خِرَاش، عن العوام بن حوشب، عن المسيب بن رافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله، ﷺ: "من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال، أو دعا إليه".
[إسناده فيه ضعف. وقال إبراهيم النخعي إني لأكره القصص لثلاث آيات؛ قوله تعالى:
_________________
(١) - ضعيف جدًّا، رواه ابن عساكر (١٧ / ل ٨٦٧)، ورواه الطبراني في الكبير (٢٢ / رقم ٤٠٥)، وفي الأوسط (٩٩)، ورواه الخطيب في اقتضاء العلم العمل برقم (٧٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٨٥) وقال: رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو بكر عبد الله بن حكيم الداهري، وهو ضعيف جدًّا. وانظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٦/ ٣٣٦).
(٢) - إسناده ضعيف جدًّا، أبو بكر الداهري: اتهموه بالوضع. وزهير بن عباد ضعيف.
(٣) - البيهقي في الشعب (١٣/ ٧١٦٢).
(٤) - إسناده ضعيف، ورواه أبو نعيم في الحلية (٢/ ٧)، من طريق الطبراني، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٢٧٦): "فيه عبد الله بن خراش وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات". [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٨٦ ]
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وقوله إخبارًا عن شعيب ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ [¬١]﴾.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾.
يقول تعالى آمرًا عبيده، فيما يؤملون من خير الدنيا [والآخرة] [¬٢] بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما [قال مقاتل] [¬٣] بن حَيَّان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، والصلاة.
فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد.
[قال القرطبي وغيره: ولهذا يسمى رمضان شهر الصبر، كما نطق به الحديث] [¬٤]. وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن جُرَيّ بن كليب، عن رجل من بني سليم، عن النبي ﷺ قال: "الصوم نصف الصبر" (^٣٣٩).
وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها فعل الصلاة.
_________________
(١) - الحديث رواه أحمد، ثنا معاذ بن معاذ، أنا شُعْبَة، أنا أبو إسحاق الهمداني، عن جريّ النهدي، عن رجل من بني سليم … ١٨٣٤٠ (٤/ ٢٦٠) وجري النهدي: وهو ابن كليب النهدي الكوفي، قال الحافظ في التقريب ت (٩٢١): مقبول -أي عند المتابعة- وأبو إسحاق الهمداني: هو السبيعي -مدلس وقد عنعن- وتابعه عاصم بن أبي النجود عند أحمد حديث ٢٣٢٠٥. ويونس بن أبي إسحاق حديث ٢٣١٧٩، ٢٣٢٦٦. ورواه الترمذي في كتاب الدعوات، باب: (٨٧) حديث ٣٥١٩. والدارمي في سننه في كتاب الصلاة، باب: ما جاء في الطهور حديث ٦٦٠ (١/ ١٣٢). والبيهقي في شعب الإيمان (٣/ ٢٩١) حديث ٣٥٧٥. من طريق أبي الأحوص وشعبة، عن أبي إسحاق، عن جري النهدي، عن رجل من بني سليم؛ قال: عرض رسول الله، ﷺ، في يدي أو في يده … الحديث. ورواه أحمد في مسنده حديث ٢٣١٧٩، ٢٣٢٠٥، ٢٣٢٤٥، ٢٣٢٦٦ (٥/ ٣٦٥، ٣٧٠). وذكره السيوطي في الدر المنثور (١/ ١٢). وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن. والحديث ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترمذي (٣٧٦٥). ورواه ابن ماجه ١٧٤٥ - (١/ ٥٥٥) من حديث أبي هريرة، وفي إسناده، موسى بن عبيدة، وهو ضعيف. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "كما قال تعالى مقاتل .. " وهو خطأ. [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٨٧ ]
و[¬١] قال ابن أبي حاتم (^٣٤٠): [حدثني أبي حدَّثنا] [¬٢] عبيد الله بن حمزة بن إسماعيل، حدَّثنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان، عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: الصبر صبران؛ صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله.
قال [¬٣]: وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر.
وقال ابن المبارك: عن ابن لَهِيعة، عن مالك بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: الصبر: اعتراف العبد لله بما أصيب [¬٤] فيه، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد، لا يُرى منه إلا الصبر.
وقال أبو العالية في قوله تعالى [¬٥]: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ قال [¬٦]: على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله.
وأما قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ﴾ فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر، كما قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ الآية.
وقال الإمام أحمد (^٣٤١): حدَّثنا خلف بن الوليد، حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي قال: قال عبد العزيز أخو [¬٧] حذيفة -قال حذيفة- يعني ابن اليمان ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلى.
ورواه أبو داود، [عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا، عن عكرمة بن عمار كما
_________________
(١) - منقطع، وهو في تفسير ابن أبي حاتم برقم ٤٨٨ - (١/ ١٥٥). أبو سنان: وهو سعيد بن سنان، لم يسمع من عمر.
(٢) - المسند ٢٣٤٠٦ - (٥/ ٣٨٨)، وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: وقت قيام النبي، ﷺ، من الليل (رقم: ١٣١٩). وعبد العزيز بن أخي حذيفة: قال الذهبي في الميزان (٢/ ٦٣٩): لا يعرف. [¬١]- زيادة من ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "أصاب". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في المسند وأبي داود: ابن أخي. وفي أطراف المسند: (أخو)، وصوَّب أبو نعيم، ووافقه الحافظ أنه (ابن أخي حذيفة). وصوَّب ابن أبي حاتم، وابن حبان أنه (أخو حذيفة).
[ ١ / ٣٨٨ ]
سيأتي] [¬١].
وقد رواه ابن جرير (^٣٤٢) من حديث ابن جريج، عن عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة، عن عبد العزيز بن اليمان، عن حذيفة قال: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
[ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة -ويقال: أخي حذيفة- مرسلًا عن النبي ﷺ.
وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدَّثنا سهل بن عثمان العسكري، حدَّثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي: قال عبد العزيز قال حذيفة: رجعت إلى النبي ﷺ ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى (^٣٤٣).
حدَّثنا [عبد الله] [¬٢] بن معاذ، حدَّثنا أبي، حدَّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع حارثة بن مضرب، سمع عليًّا ﵁ يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله، ﷺ، يصلي ويدعو حتى أصبح (^٣٤٤)] [¬٣].
قال ابن جرير: وروي عنه ﵊ أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه فقال له: "أشكنب [¬٤] دّرْدْ" [ومعناه: أيوجعك بطنك! قال نعم] [¬٥]. قال: "قم فصل فإن الصلاة شفاء" (^٣٤٥).
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٨٤٩ - (٢/ ١٢).
(٢) - تعظيم قدر الصلاة برقم ٢١٢ - (١/ ٢٣١).
(٣) - تعظيم قدر الصلاة برقم ٢١٣ - (١/ ٢٣١)، والحديث رواه النسائي في الكبرى (٨٢٣)، ورواه أحمد (١٠٢٣، ١١٦١)، والطيالسي (١١٦)، وأبو يعلى (٢٨٠، ٣٠٥)، وابن خزيمة (٢/ ٨٩٩)، وابن حبان (٢٢٥٧)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٤٩)، من حديث شعبة، به.
(٤) - منكر، وهو في تفسير ابن جرير (٢/ ١٣). والحديث رواه أحمد (٢/ ٣٩٠، ٤٠٣)، ورواه ابن ماجه ٣٤٥٨ - (٢/ ١١٤٤). وابن. حبان في المجروحين (١/ ١٩٦)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٨٥)، تمام في فوائده (١١٤٣)، والعقيلي (٢/ ٤٨)، وابن الجوزي في الواهيات (١/ ١٧٠، ١٧١) وفي إسناد ابن ماجه: ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. وداود بن علية: وهو ضعيف أيضًا، قال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا يروي عن الثقات ما لا أصل له، وعن الضعفاء ما لا يعرف. وقال ابن حبان أيضًا: = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- صوابه: عبيد الله. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "أسلب". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٨٩ ]
قال ابن جرير (^٣٤٦): وقد حدَّثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم قالا: حدَّثنا ابن عُلَيَّة، حدَّثنا عيينة [¬١] بن عبد الرحمن، عن أبييه، أن ابن عباس نُعِي إليه أخوه قُثَم [¬٢]، وهو في سفر، فاسترجع ثم تنحَّى عن الطريق، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين﴾.
وقال سُنَيد [¬٣]: عن حجاج، عن ابن جريج ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾ قال: إنهما مَعونتان على رحمة اللَّه، والضمير في قوله ﴿وإنها لكبيرة [¬٤]﴾ عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير.
ويحتمل أن يكون عائدًا على ما يدل [¬٥] عليه الكلام وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى: في قصة قارون ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب إلا خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون﴾ وقال تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم وما يُلَقَّاها إلا الذين صبروا [وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا] [¬٦]، وما يلقاها، أي: يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم.
وعلى كل تقدير فقوله تعالى: ﴿وإنها لكبيرة﴾ أي مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين، و[¬٧] قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس يعني المصدقين بما أنزل اللَّه. وقال مجاهد: المؤمنين حقًّا، وقال أبو العالية: إلا على الخاشعين: الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: إلا على الخاشعين، يعني به: المتواضعين.
وقال الضحاك: ﴿وإنها لكبيرة﴾ قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطواته، المصدقين بوعده ووعيده.
وهذا يشبه ما جاء في الحديث: "لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره اللَّه عليه" (^٣٤٧).
_________________
(١) = وقد رُوي هذا الحديث عن أبي هرهة موقوفًا، وهو أصح. والموقوف رواه البخاري في تاريخه الصغير (٢/ ٢٥٨)، والعقيلي (٢/ ٤٨)، وابن عدي (٣/ ٩٨٥)، وابن الجوزي ١/ ١٧٠).
(٢) - تفسير ابن جرير ٨٥٢ - (٢/ ١٤). وإسناده صحيح.
(٣) - حسن بطرقه، رواه أحمد في المسند ٢٢١١٤ - (٥/ ٢٣١) من حديث عبد الرزاق، عن معمر= [¬١]- في ز، خ: ابن عيينة. [¬٢]- في خ: "قتم". [¬٣]- في خ: "سعيد". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "دل". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- زيادة في خ.
[ ١ / ٣٩٠ ]
وقال ابن جرير: معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب، بحبس أنفسكم على طاعة اللَّه، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضاء اللَّه، العطمة إقامتها إلا على [الخاشعين، أي] [¬١] المتواضعين للَّه [¬٢] المستكينين [¬٣] لطاعته المتذللين من مخافته.
هكذا قال، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابًا في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامّه لهم ولغيرهم. واللَّه أعلم.
وقوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم أبيه راجعون﴾ هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي: وإنّ الصلاة أو الوَصَاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظون أنهم ملاقو ربهم، أي: [يعلمون أنهم محشورون] [¬٤] إليه يوم القيامة معروضون [¬٥] عليه، وأنهم إليه راجعون، أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله؛ فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سَهُل عليهم فِعلُ الطاعات وترك المنكرات.
فأما قوله: ﴿يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ فقال [¬٦] ابن جرير، ﵀: العرب قد تسمي اليقين ظنًّا، والشك، ظنًّا، نطر تسميتهم الظلمة "سُدْفة" [¬٧]، والضياء "سُدْفة" [¬٨]، والمغيث "صارخًا"، والمستغيث "صارخًا"، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضدّه، كما قال دريد بن الصِّمة:
فقلت لهم ظُنُّوا بألفي مُدَجَّجٍ [¬٩] … سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِيِّ [¬١٠] المسرَّدِ [¬١١]
_________________
(١) = عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ ﵁. وأخرجه الترمذي في كتاب الإيمان، باب: ما جاء في حرمة الصلاة (رقم: ٢٦١٦). وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ (١١٣٩٤)، وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: كف اللسان في الفتنة (رقم: ٣٩٧٣) كلهم من طريق معمر، عن عاصم بن أبي النجود، به. ورواه أحمد ٢٢١٣١ - (٥/ ٢٣٣) من حديث شعبة، عن الحكم، قال: سمعت عروة بن النزال -أو النزال بن عروة، يحدث عن معاذ بن جبل- قال شعبة: فقلت له: سمعه من معاذ؟ قال: لم يسمعه منه. وقد أدركه- أنه قال: يا رسول اللَّه! أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فذكر مثل حديث معمر، عن عاصم، أنه … قال الحكم: وسمعته من ميمون بن أبي شبيب. ورواه ٢٢١٦٧ - (٥/ ٢٣٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: المستكنين. [¬٤]- في ز: يحشرون. [¬٥]- في ز: معرضون. [¬٦]- في ن: وقال. [¬٧]- في ز: شدفة. [¬٨]- في ز: شدفة. [¬٩]- في ز: مدحج. [¬١٠]- في خ: "بالفارسى". [¬١١]- في ز: المسود.
[ ١ / ٣٩١ ]
يعني بذلك تيقنوا بألفي [¬١] مدجج [¬٢] يأتيكم، وقال عَمِيرة [¬٣] بن طارق:
بأن [¬٤] تغتزوا قومي وأقعُدَ فيكم … وأجعلَ مني الظنَّ غيبًا [¬٥] مرجَّما
يعني وأجعل مني اليقين غيبًا [¬٦] مرجمًا، قال والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أنّ الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية؛ ومنه قول اللَّه تعالى ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها﴾، ثم قال [ابن جرير (^٣٤٨)] [¬٧].
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن جابر، عن مجاهد قال: كل ظنّ في القرآن يقين، أي: ظننت وظنوا.
وحدثني المثنى (^٣٤٩)، حدثنا إسحاق، حدثنا أبو داود الحفري، عن سفيان، عن ابن [¬٨] أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن فهو علم، وهذا سند صحيح.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ قال: الظن هاهنا يقين.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد، والسدي، والربيع بن أنس، وقتادة نحو قول أبي العالية.
وقال سُنَيد: عن حجاج، عن ابن جريج ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾ [علموا أنهم ملاقوا ربهم] [¬٩] كقوله ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ يقول: علمت.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
(قلت): وفي الصحيح (^٣٥٠) أنّ اللَّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: "ألم أزوِّجك، ألم
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٨٦٢ - (٢/ ١٩). وجابر هو ابن يزيد الجعفى: ضعيف.
(٢) - تفسير ابن جرير ٨٦٣ - (٢/ ١٩).
(٣) - صحيح مسلم برقم ١٦ - (٢٩٦٨)، والترمذي (٢٤٢٨). [¬١]- في خ: "ألفي ". [¬٢]- في ز: مدحج. [¬٣]- في ز، خ: "عمير". [¬٤]- في خ: "وإن". [¬٥]- في ز: عيبًا. [¬٦]- في ز: عيبًا. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من ز. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز وخ.
[ ١ / ٣٩٢ ]
أكرمك، ألم [¬١] أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس (^٣٥١) وتربع (^٣٥٢) " فيقول: بلى.
فيقول اللَّه تعالى [¬٢]: "أفظننت أنك ملاقيَّ؟ " [فيقول: لا] [¬٣]. فيقول اللَّه: "اليوم أنساك كما نسيتني"، وسيأتي مبسوطًا عند قوله تعالى: ﴿نسوا اللَّه فنسيهم﴾ [إن شاء اللَّه تعالى] [¬٤].
يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (٤٧)
يذكرهم تعالى بسالف [¬٥] نعمه على آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم و[¬٦] على سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: ﴿ولقد اخترناهم على علم على العالمين﴾ وقال تعالى: ﴿وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين﴾.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله تعالى: ﴿وأني فضلتكم على العالمين﴾ قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عَالم من كان في ذلك الزمان؛ فإنّ لكل زمان عالمًا.
ورُوي عن مجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، ويجب الحمل على هذا؛ لأنّ هذه الأمّة [¬٧] أفضل منهم لقوله تعالى: خطابًا لهذه الأمّة: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم﴾ وفي المسانيد [¬٨] والسنن، عن معاوية بن حَيدَة [¬٩] القُشَيري (^٣٥٣) قال: قال
_________________
(١) - رأس القومَ، يرأسهم، رئاسة: إذا صار رئيسهم، ومُقَدِّمهم. النهاية (٢/ ١٧٦).
(٢) - تربع: أي تأخذ ربع الغنيمة. يقال: ربعت القوم؛ أربعهم: إذا أخذت ربع أموالهم، مثل عشرتهم أعشرهم. يريد: ألم أجعلك رئيسًا مطاعًا؛ لأن الملك كان يأخذ ربع الغنيمة في الجاهلية، دون أصحابه. النهاية (٢/ ١٨٦).
(٣) - رواه أحمد ٢٠٠٦٥ - (٤/ ٤٤٧)، ورواه أحمد برقم ٢٠٠٧٣، ٢٠٠٧٧، ٢٠٠٩٧ (٥/ ٥)، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران، حديث (٣٠٠١)، (٥/ ٢١١). وابن ماجه في كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد، ﷺ، حديث (٤٢٨٧ - ٤٢٨٨)، (٢/ ١٤٣٣). والدارمي في كتاب الرقاق، باب: في قول النبي، ﷺ: "أنتم خير الأمم" حديث (٢٧٦٣)، (٢/ ٢٢١). [¬١]- في ز، خ: "و". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: سالف. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في خ: "الآية". [¬٨]- في ز، خ: "المساند". [¬٩]- في خ: "جندة".
[ ١ / ٣٩٣ ]
رسول اللَّه ﷺ "أنتم تُوفُونَ سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على اللَّه". والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمّة أخرجت للناس﴾.
[وقيل: المراد تفضيل بنوع مَا من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقًا، حكاه الرازي، وفيه نظر. وقيل إنهم فُضِّلوا على سائر الأم لاشتمال أمّتهم على لأنبياء منهم، حكاه القرطبي في تفسيره، وفيه نظر؛ لأن العالمين عام يشتمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، صلوات اللَّه وسلامه عليه.] [¬١]
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)
لما ذكرهم تعالى بنعمه أولًا، عطف على ذلك التحذير من حُلُول نقمه بهم يوم القيامة فقال ﴿واتقوا يومًا﴾ يعني: يوم القيامة ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئًا﴾ أي: لا يغنى أحد عن أحد، كما قال ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وقال ﴿لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه﴾ وقال ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا﴾ فهذه أبدغ المقامات أنّ كلًّا من الوالد وولده لا يغنى أحدهم عن الآخر شيئًا.
وقوله تعالى: ﴿ولا يقل منها شفاعة﴾ يشي: من [¬٢] الكافرين، كما قال: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾ وكما قال عن أهل النار: ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾.
وقوله تعالى: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ أي لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: ﴿إنّ الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا ولو افتدى به﴾ وقال ﴿إنّ الذين كفروا لو أنّ لهم ما في الأرض جميعًا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾ وقال تعالى: ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾. وقال ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا [مأواكم النار هي مولاكم] [¬٣]﴾ الآية، فأخبر تعالى أنهم إن [¬٤] لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا اللَّه يوم القيامة على ما هم عليه، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء ولو بملء الأرض ذهبًا، كما قال تعالى: ﴿من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة﴾ وقال ﴿لا بيع فيه ولا خلال﴾.
_________________
(١) = والطبراني في "الكبير" برقم (١٠٢٣ - ١٠٢٤ - ١٠٢٥)، (١٩/ ٤٢٢ - ٤٢٣). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: عن. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: خ.
[ ١ / ٣٩٤ ]
[قال سنيد: حدّثني حجاج، حدّثني ابن جريج، قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾ قال: بدل، والبدل الفدية، وقال السدّي: أمّا عدل فيعدلها من العدل، يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهبًا تفتدي به ما تُقُبل منها، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم] [¬١]، وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿ولا يؤخذ [¬٢] منها عدل﴾ يعني: فداء.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال عبد الرزاق أنبأنا [¬٣]، الثوري، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي ﵁ في حديث طويل: قال: والصرف والعدل التطوّع والفريضة (^٣٥٤).
وكذا قال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة، عن عمير بن هانئ.
وهذا القول غريب هاهنا [¬٤]، والقول الأوّل أظهر في تفسير هذه الآية، وقد ورد حديث يقوّيه، وهو ما قال ابن جرير:
حدّثني نجيح بن إبراهيم، حدثنا علي بن حكيبم، حدَّثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عَمْرو بني قيس المُلائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام -أحسن عليه الثناء- قال: قيل: يا رسول الله، ما العدل؟ قال: "العدل الفدية" (^٣٥٥).
وقوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم، ولا من غيرهم، كما قال ﴿فما له من قوّة ولا ناصر﴾ أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحدًا من عذابه منقذٌ، [ولا يخلصه منه أحد] [¬٥]، ولا يجيره منه أحد، كما قال تعالى: ﴿وهو يجير ولا يجار عليه﴾ وقال ﴿فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد﴾ وقال ﴿ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾ وقال ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون اللَّه قربانا آلهة بل ضلوا
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٠٦).
(٢) - مرسل أو منقطع، فالرجل المبهم مجهول، والراجح أنه تابعي، فيكون الحديث مرسلًا أو معضلًا، والحديث في تفسير ابن جرير ٨٨٦ - (٢/ ٣٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين ساقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: يقبل. [¬٣]- في خ: "أخبرنا". [¬٤]- في ز، خ: "هنا". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٩٥ ]
عنهم﴾ الآية.
وقال الضحاك (^٣٥٦) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما لكم لا تناصرون﴾ ما لكم اليوم لا تَمانَعُون منا، هيهات! ليس ذلك لكم اليوم.
قال ابن جرير: وتأويل قوله: ﴿ولا هم ينصرون﴾ يعني: أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بَطَت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشى والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحعكم إلى [الجبار العدل] [¬١] الذي لا ينفع لديه الشفعاء ولا [¬٢] النصراء، فيجزي بالسيئة مثلها وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون﴾.
وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَينَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)
يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم؛ ﴿إذ نجيناكم من آل فرعون [يسومونكم سوء العذاب] [¬٣]﴾، أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇، وقد كانوا يسومونكم، أي ورردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون -لعنه اللَّه- كان قد رأى رؤيا هالته؛ رأى نارًا خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها: أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال: بل تحدث سمَّاره عنده بأن بنى إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم، يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في [حديث الفُتُون،] [¬٤] كما سيأتي في موضعه، [في سورة طه،] [¬٥] إن شاء اللَّه تعالى، فعند ذلك أمر فرعون -لعنه اللَّه- بقتل كل ذَكَر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها.
وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه، كما قال ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾، وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص، إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة والعونة والتأييد. [ومعنى يسومونكم: يولونكم قاله أبو
_________________
(١) - ابن جرير برقم (٨٨٧)، وسنده ضعيف. [¬١]- في ز، خ: "عدل الجبار". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "الحديث المضون". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٣٩٦ ]
عبيدة. كما يقال: سامه خطة خسف، إذا أولاه إياها. قال عمرو بن كلثوم:
إذا ما الملْكُ سام الناسَ خَسْفًا … أبَينا أن نُقِرَّ الخسْفَ فينا
وقيل: معناه يديمون عذابكم. كما يقال: سائمة الغنم من إدامتها الرعي، نقله القرطبي. وإنما
قال هاهنا: ﴿يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾ ليكون ذلك تفسيرًا للنعمة عليهم في
قوله: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾ ثم فسره بهذا لقوله هاهنا: ﴿اذكروا نعمتي التي أنعمت
عليكم﴾ وأما في سورة إبراهيم: فلما قال: ﴿وذكرهم بأيام اللَّه﴾ أي: بأياديه ونعمه عليهم،
فناسب أن يقول هناك: ﴿يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾
فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والاُيادي علي بني إسرائيل] [¬١].
وفرعون عَلَمٌ على كل من ملك مصر، كافرًا [من العماليق وغيرهم] [¬٢]، كما أن قيصر علم
على كل من ملك الروم مع الشام كافرًا، وكذلك كسرى لمن [¬٣] ملك الفرس، وتُبَّع لمن ملك
اليمن كافرًا، [والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطيموس لمن ملك الهند] [¬٤]، ويقال: كان اسم
فرعون الذي كان في زمن [¬٥] موسى ﵇ الوليد بن مصعب [بن الريان] [¬٦]، وقيل:
مصعب بن الريان، [فكان من سلالة عمليق بن الاُود بن إرم بن سام بن نوح وكنيته أبو مرة،
وأصله فارسي من إصطخر] [¬٧]، وأيَّاما كان فعليه [¬٨] لعنة اللَّه.
وقوله تعالى: ﴿وفي ذلكم بلاءمن ربكم عظيم﴾.
قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل [¬٩] فرعون،
بلاءلكم من ربكم عطم، أي: نعمة عطمة عليكم في ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس (^٣٥٧) قوله تعالى: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ قال:
نعمة.
وقال مجاهد: ﴿بلاء من ربكم عظيم﴾ قال: نعمة. من ربكم عظيمة، وكذا [¬١٠] قال أبو
العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم، وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال
_________________
(١) - ابن جرير برقم (٨٩٩)، وابن أبي حاتم برقم (٥١١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "لكل من". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "زمان". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٨]- في ز، خ: "فعله". [¬٩]- سقط من: خ. [¬١٠]- في ز، خ: "وكذلك".
[ ١ / ٣٩٧ ]
تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾، وقال ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات [لعلهم
ويرجعون] [¬١]﴾. قال ابن جريو: وأكثر ما يقال في الشر: بلوته أبلوه بَلَاء، وفي الخير أبليه إبلاء
وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى:
جَزَى الله بالإحسان ما فَعَلا يكُمْ … وأبلاهما خَيْرَ البلاء الذي يَبْلُو
قال فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد: فأنعم اللَّه عليهما خير النعم التي يَخْتَبِرُ بها عباده.
[وقيل: المراد بقوله ﴿وفي ذلكم بلاء﴾ إشارة الى ما كانوا فيه من العذاب المهين، من ذبح
الأبناء واستحياء النساء. قال القرطبي: وهذا قول الجمهور ولفظه بعد ما حكى القول الأول، ثم
قال: وقال الجمهور الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هاهنا في الشر، والمعنى: وفي الذبح مكروه
وامتحان] [¬٢].
وقوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾ معناه:
وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم،
فقرقنا بكم البحر، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلًا كما سيأتي في مواضعه، ومن أبسطها ما [¬٣]
فى سورة الشعراء [إن شاء اللَّه] [¬٤].
﴿فأنجيناكيم﴾. أي خلصناكم منهم، وحجزنا يينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون،
ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ فى إهانة عدوكم.
قال عبد الرزاق (^٣٥٨): أنبأنا معمر، عن أبي إسحاق الهَمْداني، عن عمرو بن ميمون الأَوْدي
في قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر﴾ الى قوله ﴿وأنتم [¬٥] تنظرون [¬٦]﴾. قال لما خرج
موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تبعوهم حتى تصيح الديكة. قال فواللَّه ما صاح
ليلتئذ [¬٧] ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فَذُبحت، ثم قال لا أفرغ من كبدها [¬٨] حتى يجتمع
إليَّ ستمائة ألف من القبط، فلم يفرغ من كبدها [¬٩] حتى اجتمع اليه ستمائة ألف من القبطِ، [ثم
سار] [¬١٠] فلما أتى موسى البحر قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون أين أمَرَ [¬١١]
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٥)، وهو عند ابن جرير برقم (٩٠٨)، وابن أبي حاتم برقم (٥١٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ ز،. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "ينظرون". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ. "لبدها". [¬٩]- في ز، خ: "لبدها". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١١]- في ز: أمرك.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ربك؟ قال أمامك. يضير إلِى البحر. فأقحم [¬١] يوشع فرسَه في البحر حتى بلغ الغَمْرَ، فذهب به
الغمر، ثم رجع، فقال أين أمَرَ [¬٢] ربك يا موسى؟ فواللَّه ما كذبتَ، ولا [¬٣] كذِبتَ، فعل ذلك
ثلاث مرات، ثم أوحى الله إلى موسى: ﴿أن اضوب بعصاك البحر﴾ فضربه ﴿فانفلق فكان
كل فرق كالطود العظيم﴾ - يقول مثل الجبل- ثم سار موسى ومن معه، وأتبعهم فرعون في
طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم، فلذلك قال ﴿وأغرقنا آل فرعون وأنتم
تنظرون﴾.
وكذلك قال غير واحد من السلف، كما سيأتي بيانه في موضعه، وقد ورد أن هذا اليوم كان
يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد (^٣٥٩):
حدّثنا عفان، حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا أيوب، عن عبد اللَّه بن سعيد بن جبير، عن أبيه،
عن ابن عباس، قال: قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم
عاشوراء، فقال: "ما هذا اليوم الذي تصومون". قالوا هذا يوم صالح، هذا يوم نجى اللَّه عزَّ
وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم [¬٤]، فصامه موسى ﵇. فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه
وسلم: "أنا أحق بموسى منكم" فصامه رسول الله ﷺ، وأمر بصومه.
وروى هذا الحدثحا البخاريُّ ومسلمٌ والنسائي وابن ماجة (^٣٦٠)، من طرق، عن أيوب
السختياني، به نحو ما تقدم.
وقال أبو يعلى الموصلي: حدّثنا أبو الرييع، حدّثنا سلام- يعني ابن سليم- عن زيد العَمّيّ،
عن يزيد الرقاشى، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "فلق اللَّه البحر لبني إسرائيل
يوم عاشوراء" (^٣٦١).
وهذا ضعيف من هذا الوجه بم فإن زيدًا العمّيّ فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.
_________________
(١) - صحيح، وإلحديث في المسند (١/ ٢٩١، ٣١٠، ٣٣٦)
(٢) - صحيح البخاري، كتاب صلاة التراويح، باب: صوم يوم عاشوراء برقم (٢٠٠٤)، وصحيح مسلم في كتاب الصيام برقم ١٢٨ - (١١٣٠)، وابن ماجه في الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء (١٧٣٤).
(٣) - إسناده ضعيف جدًّا؛ لضعى زيد العمي، ونى يد بن أبان الرقاشي، والحديث فى مسند أبي يعلى ٤٠٩٤ - (٧/ ١٣٣)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٣/ ١٨٨) وقال: رواه أبو يعلى، وفيه يزيد الرقاشي، وفيه كلام وقد وثق. وأورده في المطالب ٣٨٢١ - (٨/ ٤٣٨). [¬١]- في ز، خ: "فاقتحم". [¬٢]- في ز: أمرك. [¬٣]- في خ: "أوما"، وفي ز: وما. [¬٤]- في ز، خ: "غرقهم".
[ ١ / ٣٩٩ ]
﴿أَرْبَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لَمَّا عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه، عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يومًا، وهي المذكورة في الأعراف، في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ قيل: إنها ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من قوم فرعون، وإنجائهم من البحر.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ يعني التوراة ﴿وَالْفُرْقَانَ﴾ وهو ما يَفْرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وكان ذلك أيضًا بعد خروجهم من البحر، كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف. ولقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
[وقيل: الواو زائدة، والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان، وهذا غريب. وقيل: عطف عليه، وإن كان المعنى واحدًا، كما في قول الشاعر:
وقَدَّمَتِ الأدِيمَ لراقشيه … فألفى قولها كذبا ومينا
وقال الآخر:
ألَا حبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ … وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ والبعدُ
فالكذب هو المين، والنأي هو البعد. وقال عنترة:
حُيِّيتَ مِنْ طَلَلٍ تقادم عَهْدُه … أقْوَى وأقْفَرَ بعدَ أُمِّ الهيثم
فعطف الإقفار على الأقواء وهو هو] [¬١].
﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٠٠ ]
هذه صفةُ توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل [¬١]، قال الحسن البصري ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
فقال: ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع، حين قال الله تعالى ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾. الآية.
قال: فذلك حين يقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾.
وقال أبو العالية، وسعيد بن جبير، والربيع بن أنس: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾. أي إلى خالقكم.
قلت: وفي قوله هاهنا ﴿إِلَى [¬٢] بَارِئِكُمْ﴾ تنبيه على عظَم جرمهم. أي فتوبوا إلى الذي خلقكم، وقد عبدتم معه غيره.
وقد [¬٣] روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم (^٣٦٢)، من حديث يزيد بن هارون، عن الأصبغ بن زيد الورّاق، عن القاسم بن أبي أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل [من لقي [¬٤]] [¬٥] من والد وولد، فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن.
فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على [¬٦] ذنوبهم، فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول. وهذا قطعة من حديث الفُتُون، وسيأتي في سورة طه بكماله، إن شاء الله.
وقال ابن جرير (^٣٦٣): حدثني عبد الكريم بن الهيثم، حدثنا إبراهيم بن بَشَّار، حدثنا سفيان بن عيينة، قال: قال أبو سعيد: عن عكرمة، عن ابن عباس، قال قال موسى لقومه: ﴿فَتُوبُوا [¬٧] إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾،
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٢٦)، وابن جرير (١٦/ ١٦٤ حلبي)، وابن أبي حاتم ٥٣١ - (١/ ١٦٨)، وأبو يعلى (٥/ ٢٦١٨)، والطحاوي في المشكل (٦٦) وأصبغ بن زيد: وثقه يحيى بن معين، وأبو داود، والدارقطني، وقال أبو حاتم، والنسائي: ليس به بأس، وضعفه ابن سعد وابن حبان، وفي التقريب: صدوق يغرب. والقاسم بن أبي أيوب: ثقة.
(٢) - تفسير ابن جرير ٩٣٦ - (٢/ ٧٣) وسنده صحيح. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "بقى". [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز، خ: "من". [¬٧]- في ز، خ: "توبوا".
[ ١ / ٤٠١ ]
قال: أمر موسى قومه - عن [¬١] أمر ربه ﷿ أن يقتلوا أنفسهم، قال [¬٢]: واحتبى الذين عبدوا [¬٣] العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل، فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظُلّة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضًا، فانجلت الظُلّة عنهم، وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة.
وقال ابن جريج (^٣٦٤): أخبرني القاسم [بن أبي بَزَّة] [¬٤]: أنه سمع سعيد بن جُبَير ومجاهدًا يقولان في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر، يقتل [¬٥] بعضهم بعضًا، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل. وأن الله أوحى إلى موسى: أن حَسْبي فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه.
[وروي عن علي ﵁ نحو ذلك] [¬٦]. وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار يقتل بعضهم بعضًا، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل فجعله لِحَيِّهم توبة وللمقتول شهادة.
وقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة حنْدس (^٣٦٥)، فقتل بعضهم بعضًا، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك.
وقال السدّي: في قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قُتل من الفريقين شهيدًا، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا حتى قتل منهم [¬٧] سبعون ألفًا، وحتى دعا موسى وهارون ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقيةَ البقيةَ؛ فأمرهم أن يلقوا [¬٨] السلاح وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيدًا، ومن بقي مكفرًا عنه؛ فذلك قوله ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
وقال الزهري: لما أُمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم، قالوا [¬٩]: يا نبي الله؛ ادع الله لنا، وأخذوا بعضُديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك، حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٩٣٥ - (٢/ ٧٣)، وابن أبي حاتم برقم (٥٣٢).
(٢) - حُندس: أي شديدة السواد. [¬١]- في ز: من. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "عكفوا على". [¬٤]- في ز، خ: "بن أبي بره". [¬٥]- في ز، خ: "فقتل". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: بينهم. [¬٨]- في ز، خ: "يضعوا". [¬٩]- في ز: فقالوا.
[ ١ / ٤٠٢ ]
بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى ما يحزنك؟ أما من قُتل منهم [¬١] فحيٌّ عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسُرَّ بذلك موسى وبنو إسرائيل.
رواه ابن جرير (^٣٦٦) بإسناد جيد عنه.
وقال ابن إسحاق لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذَرّاه في اليم، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه فأخذتهم الصاعقة، ثم بُعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل. فقال [¬٢]: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى نَصبر لأمر الله، فَأمَرَ موسى: من لم يكن عَبَدَ العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية وأصْلَتَ [عليهم القومُ] [¬٣] السيوف، فجعلوا يقتلونهم، وبكى موسى، وَبَهَشَ [¬٤] (^٣٦٧) إليه النساء والصبيان، يطلبون العفو عنهم، فتاب الله [¬٥] عليهم، وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين [¬٦] رجلًا قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه. فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم. فقالوا يا موسى؛ ما من توبة؟ قال بلى، ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيكُمْ﴾. الآية. فاخترطوا السيوف والجِرَزَة [¬٧] (^٣٦٨) والخناجر والسكاكين.
قال: وبعث عليهم ضبابة. قال فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضًا. قال ويلقى الرجل أباه وأخاه فيقتله وهو [¬٨] لا يدري. قال ويتنادون فيها [¬٩]، رحم الله عبدًا صبر نفسه [¬١٠] حتى يبلغ الله رضاه، قال فقتلاهم شهداء، وتِيبَ على أحيائهم ثم قرأ ﴿فَتَابَ عَلَيكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾
_________________
(١) - ابن جرير برقم (٩٤١).
(٢) - بهش إليه: أسرع.
(٣) - جمع جُرْز، وهو العمود من الحديد. [¬١]- في ز: منكم. [¬٢]- في ز: قال. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "القوم عليهم". [¬٤]- في خ: "هس". وفي ز: هش. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "سبعون". [¬٧]- في ز: الحررة، وهي سقط من: خ. [¬٨]- سقط من ز. [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٠٣ ]
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق؛ إذ سألتم رؤيتي جهرة عيانًا، مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: علانية (^٣٦٩).
وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق، عن أبي الحويرث، عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي: علانية، أي: حتى نرى الله (^٣٧٠).
وقال قتادة والربيع بن أنس: ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أي عيانًا. وقال أبو جعفر. عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى فساروا معه. قال [¬١] فسمعوا كلامًا، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾. قال: فسمعوا صوتًا فصعقوا، يقول: ماتوا.
وقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة: صيحة من السماء.
وقال السدي في قوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ الصاعقة [¬٢]: نار.
وقال عروة بن رُوَيم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ قال فصُعق بعضهم وبعضٌ ينظرون، ثم بُعث هؤلاء وصُعق هؤلاء.
وقال السدي: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: رب؛ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم، ﴿لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾. فأوحي الله إلى موسى: أنّ هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل، ثم إن الله أحياهم فقاموا وعاشوار [¬٣] رجلٌ رجلٌ، ينظر بعضهم إلى بعض: كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
وقال الربيع بن أنس: كان موتُهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وكذا قال قتادة.
وقال ابن جرير (^٣٧١): حدثنا محمد بن حميد، حدَّثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع موسى إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحَرَّق العجل وذرّاه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلًا؛ الخيِّر فالخيِّر، وقال: انطلقوا
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (٩٤٧)، وسنده ضعيف.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٣٨)، وفي سنده ضعف.
(٣) - تفسير ابن جرير ٩٥٧ - (٢/ ٨٦ - ٨٧)، وسنده ضعيف جدًّا. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: وعاش.
[ ١ / ٤٠٤ ]
إلى الله وتوبوا [إلى الله] [¬١] مما صنعتم، واسألوه [¬٢] التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهِّروا ثيابكم.
فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وَقَّتَهُ له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعِلْم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمرهم به وخرجوا للقاء الله - قالوا: يا موسى؛ اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال أفعل، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم ادنوا - وكان موسى إذا كلمه الله [¬٣] وقع على جبهته نور ساطع، لا يستطع أحد من بني آدم أن ينظر إليه - فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودًا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل. فلما فرغ إليه من أمره انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم فقالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعًا، وقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه، ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ﴾ قد سَفِهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، و[¬٤] اخترت منهم سبعين [¬٥] رجلا، الخيّر فالخيّر، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدّقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ فلم بزل موسى يناشد ربه ﷿ ويطلب إليه حتى ردّ إليهم أرواحهم، وطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم.
هذا سياق محمد بن إسحاق.
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل وتاب الله عليهم بقتل [¬٦] بعضهم لبعض [¬٧]-كما أمرهم الله [¬٨] به - أمر اللهُ موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل، يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موسى، فاختار موسى قومَه سبعين رجلًا على عَينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، وساق البقية.
[وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ والمراد: السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى؛ إنك لا تطلب من الله شيئًا إلا أعطاك فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله
_________________
(١) [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في خ: "وسلوه". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ت: تسعين. [¬٦]- في خ: "يقتل". [¬٧]- في ز: بعضًا. [¬٨]- سقط من ز.
[ ١ / ٤٠٥ ]
دعوته.
وهذا غريب جدًّا؛ إذ لا يعرف في زمان موسى نبيٌّ سوى هارون ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضًا في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله ﷿؛ فإن موسى الكليم ﵇ قد سأل ذلك فمنع منه، كيف يناله هؤلاء السبعون.
القول الثاني في الآية] [¬١]:
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية قال لهم موسى - لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم، ففعلوا، فتاب الله عليهم - فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله؛ فيه أمركم الذي أمركم به ونهيكم الذي نهاكم عنه. فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطع الله علينا ويقول [¬٢]: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؛ وقرأ قول الله: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قال: فجاءت غضبة من اللَّه، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصَعَقَتهم فماتوا أجمعون، قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله. فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا [¬٣]: أصابنا أنا متنا ثم حَيِينا، قال: خذوا كتاب الله. قالوا: لا. فبعث الله ملائكة فنتقت الجبل فوقهم. [وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا.
وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق.
والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف. قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أمورًا عظامًا من خوارق العادات وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح، والله أعلم] [¬٤].
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾
لما ذكر تعالى ما [¬٥] دفعه عنهنم من [¬٦] النقم، شرع يذكرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم،
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "فيقول". [¬٣]- في ز: قالوا. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من ز.
[ ١ / ٤٠٦ ]
فقال: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ وهو جمع غمامة، سُمي بذلك، لأنه يَغُمّ السماء أي: يواريها ويسترها. وهو السحاب الأبيض، ظُلّلوا به في التيه ليقيهم حرّ الشمس، كما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس في حديث الفُتُون قال: ثم ظلل عليهم في التيه بالغمام.
و[¬١] قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عمر والربيع بن أنس، وأبي مِجْلَز والضحاك والسدي نحو قول ابن عباس، وقال الحسن وقتادة: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾: كان هذا في البرية، ظلل عليهم الغمام من الشمس.
وقال ابن جرير [¬٢]: قال آخرون: وهو غمام أبرد من هذا وأطيب.
وقال ابن أبي حاتم (^٣٧٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نَجيِح، عن مجاهد ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: ليس بالسحاب، هو الغمام الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، ولم يكن إلا لهم.
وهكذا رواه ابن جرير (^٣٧٣)، عن المثنى بن إبراهيم، عن أبي حذيفة.
وكذا رواه الثوري، وغيره، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (^٣٧٤).
وكأنه يريد - والله أعلم - أنه ليس من زيِّ هذا السحاب بل أحسن منه وأطيب وأبهى منظرًا، كما قال سنيد في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ قال: غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو [¬٣] الذي يأتي الله فيه في قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [¬٤]﴾ وهو الذي جاءت فهه الملائكة يوم بدر. قال ابن عباس: وكان معهم في التّيه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المنّ ما هو؟ فقال علي ابن أبي طلحة: عن ابن عباس: كان المنّ ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا (^٣٧٥).
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٥٣).
(٢) - رواه ابن جرير برقم (٩٦٣).
(٣) - رواه ابن جرير برقم (٩٦٢).
(٤) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٥٦). [¬١]- زيادة من ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "جريج". [¬٣]- في خ: "وهذا". [¬٤]- سقط من ز.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وقال مجاهد: المنّ صمغة. وقال عكرمة: المنّ شيء أنزله الله عليهم مثل: الطل، يشبه [¬١] الرُّبّ الغليظ.
وقال السدي: قالوا: يا موسى؛ كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان يسقط [¬٢] على شجرة [¬٣] الزنجبيل.
وقال قتادة: كان المنّ ينزل عليهم [¬٤] في محلتهم سُقُوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى ذلك فسد ولم يبق حتى إذا كان يوم سادسه - ليوم [¬٥] جمعته - أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد لا يشخَص فيه لأمر [¬٦] معيشته ولا يطلبه لشيء، وهذا كله في البرية.
وقال الربيع بن أنس: المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه.
وقال وهب بن منبه - وسئل عن المنّ - فقال: خُبز الرقاق مثل الذرة، أو مثل النَقيِّ. وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني محمد [¬٧] بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن جابر، عن عامر - وهو الشعبي - قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءًا من المنّ.
وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه العسل. ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال.
فرأى الله أنهم بِمَضِيع … لا بذي مَزْرَع ولا مَثْمُورا
فسناها عليهمُ غاديات … وتَرى مُزْنهم خلايا وخورا
عسلا ناطفًا وماء فراتًا … وحليبًا ذا بهجة مرمورا
فالناطف: هو السائل، والحليب المرمور: الصافي منه.
والغرض أنّ عبارات المفسرين متقاربة في شرح المنّ؛ فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب. والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك، مما ليس لهم فيه عمل ولا كَدٌّ، فالمن المشهور إن أُكل وحده كان طعامًا وحلاوة، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر، ولكن ليس هو المراد من الآية وحده،
_________________
(١) [¬١]- في ت: "شبه". [¬٢]- في خ: "ينزل". [¬٣]- في ز: الشجرة. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في خ: "كيوم". [¬٦]- في خ: "أمر". [¬٧]- في ز، خ: "أحمد".
[ ١ / ٤٠٨ ]
والدليل على ذلك قول البخاري (^٣٧٦):
حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك بن [¬١] عمرو بن حُرَيث عن سعيد بن زيد ﵁ قال: قال النبي، ﷺ: "الكمأة (^٣٧٧) من المنّ (^٣٧٨)، وماؤها شفاء للعين".
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به.
وأخرجه الجماعة (^٣٧٩) في كتبهم؛ إلا أبا داود، من طرق عن عبد الملك - وهو ابن عمير - به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه البخاري ومسلم والنسائي من رواية الحكم، عن الحسن العُرَني، عن عَمرو بن حريث، به (^٣٨٠).
وقال الترمذي (^٣٨١): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر، ومحمود بن غيلان قالا حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "العجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
تفرد بإخراجه الترمذي ثم قال: هذا حديث حسن غريب، [لا نعرفه إلا من حديث محمد
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: قوله ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ﴾ برقم (٤٤٧٨) والمسند (١/ ١٨٧).
(٢) - الكَمْأَة جمع: كمأ، وهو فُطُرٌ من الفصيلة الكمئية، وهي أرضيَّة تنتفخ حاملاتٍ أبواغها فتُجْنَى وتؤكل مطبوخة، ويختلف حجمها بحسب الأنواع. المعجم الوسيط [٢/ ٨٢٩]
(٣) - المَنّ؛ أي: هي مِمَّا مَنَّ الله به على عباده. وقيل: شبهها بالمَنَّ، وهو العسل الحُلْوُ الذي ينزل من السماء عَفْوًا بلا عِلاجٍ. وكذلك الكمأة لا مؤونة فيها ببَذْرٍ ولا سَقْي. نهاية [٤/ ٣٦٦].
(٤) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الأعراف، باب: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ برقم (٤٦٣٩)، ومسلم في الأشربة برقم (٢٠٤٩)، والترمذي في الطب، باب: ما جاء في الكمأة والعجوة برقم (٢٠٦٧)، والنسائي في الكبرى برقم (٦٦٦٧).
(٥) - صحيح البخاري، كتاب الطب، باب: المن شفاء للعين برقم (٥٧٠٨)، ومسلم في الأشربة برقم (٢٠٤٩)، والنسائي في الكبرى برقم (١٠٩٨٨).
(٦) - الترمذي في الطب، باب: ما جاء في الكمأة والعجوة برقم (٢٠٦٦). [¬١]- في ز: عن.
[ ١ / ٤٠٩ ]
ابن عمرو، وإلا من حديث سعيد بن عامر، عنه،] [¬١] وفي الباب عن سعيد بن زيد وأبي سعيد وجابر.
كذا قال. وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسيره (^٣٨٢)، من طريق آخر، عن أبي هريرة، فقال: حدَّثنا أحمد بن الحسن بن أحمد البصري، حدَّثنا أسلم بن سهل، حدَّثنا القاسم بن عيسى، حدَّثنا طلحة بن عبد الرحمن، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن هذا [السلمي الواسطى] [¬٢]، يكنى: بأبى محمد، وقيل: أبو سليمان المؤدب. قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها (^٣٨٣).
ثم قال الترمذي [¬٣]: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا معاذ بن هشام، حدَّثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جُدَري الأرض، فقال نبي الله ﷺ: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وهذا الحديث قد رواه النسائي عن محمد بن بشار، به (^٣٨٤).
وعنه، عن غندر، عن شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به (^٣٨٥).
وعن محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب. بقصة الكمأة فقط (^٣٨٦).
_________________
(١) - إسناده ضعيف جدًّا، لضعف طلحة بن عبد الرحمن، وانظر الكامل (٤/ ١٤٣٢ - ١٤٣٣).
(٢) - الكامل لابن عدي (٤/ ١١٤).
(٣) - رواه الترمذي برقم (٢٠٦٨) والنسائي في الكبرى برقم (٦٦٧١) عن نصير بن الفرج، عن معاذ بن هشام، به، ولم أقف عليه، عن محمد بن بشار، وقد ذكره المزى، عن محمد بن بشار في تحفة الأشراف (١٠/ ١١٢). وإسناده ضعيف لضعف شهر.
(٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٣). وإسناده ضعيف لضعف شهر.
(٥) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٢). وإسناده ضعيف لضعف شهر. [¬١]- وعبارة الترمذي هكذا: من هذا الوجه، وهو من حديث محمد بن عمرو، ولا نعرفه إلا من حديث سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو. [¬٢]- في ز: يسلمي واسطي [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤١٠ ]
وروى [¬١] النسائي أيضًا وابن ماجة [¬٢] [من حديث] [¬٣] محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجة (^٣٨٧).
وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع [¬٤] منه، بدليل ما رواه النسائي في الوليمة من سننه عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الاعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، في شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض. فقال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (^٣٨٨).
وروي، عن شهر [بن حوشب] [¬٥]، عن أبي سعيد وجابر، كما قال الإمام أحمد (^٣٨٩):
حدَّثنا أسباط بن محمد، حدَّثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد اللَّه، وأبي سعيد الخدري قالا: قال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".
وقال النسائي في الوليمة أيضًا: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا شعبة،
_________________
(١) - سنن ابن ماجة في باب الطب، باب: الكمأة والعجوة برقم (٣٤٥٥).
(٢) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٠).
(٣) - المسند (٣/ ٤٨) وإسناده ضعيف من أجل شهر بن حوشب. وأسباط بن محمد هو ابن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة أبو محمد الكوفي، قال ابن معين: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وكان يخطيء عن سفيان، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، وقال ابن سعد: كان ثقة صدوقًا؛ إلا أن فيه بعض الضعف، وفي التقريب: ثقة ضُعِّف في الثوري من التاسعة. ع. وأخرجه ابن ماجه- كتاب الطب، باب: الكمأة والعجوة (٣٤٥٣) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أسباط بن محمد، به. وأخرجه النسائي في الكبرى - كتاب الأطعمة، باب: الاختلاف علي أبي بشر (٦٦٧٤) (٤/ ١٥٧). من طريق أبي خيثمة، قال: ثنا الأعمش، به - مختصرًا. وأخرجه ابن ماجه، والنسائي (٦٦٧٧). من طريقين عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، بنحوه. وقال البوصيري في الزوائد: إسناده حسن، وشهر مختلف فيه، لكن قيل: الصواب عن أبي هريرة كما في رواية غير المصنف. [¬١]- في خ: ورواه. [¬٢]- في ز، خ: "عن". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز: يسمعه. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١ / ٤١١ ]
[عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر ﵄ أن رسول الله ﵌ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (^٣٩٠).
ثم رواه أيضًا [] [¬١] ابن ماجة من طرق عن الأعمش] [¬٢] عن أبي بشر، عن شهر عنهما، به (^٣٩١).
وقد رويا [¬٣]-أعني النسائي وابن ماجة من حديث سعيد بن مسلم كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. زاد النسائي جابر [¬٤]، عن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (^٣٩٢).
ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صواب، عن عمار بن رُزَيق، عن الأعمش، كابن ماجة.
وقال ابن مَرْدُويه أيضًا حدَّثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت [¬٥]
_________________
(١) = لكن للحديث إسناد آخر عن أبي سعيد مرفوعًا -بلفظ مختصر-. أخرجه النسائي (٦٦٧٨) (٤/ ١٥٨)، وابن أبي شيبة في المصنف- كتاب الطب، باب: في الكمأة (٢) (٥/ ٤٦٢)، وأبو يعلى في مسنده (١٣٤٨) (٢/ ٥٠١)، وعنه ابن حبان في صحيحه (٦٠٧٤) (١٣/ ٤٣٨): وفي الموارد (١٤٠٢) (٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣). من طريق شيبان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده أَكمُؤٌ فقال "هؤلاء من المن، وماؤها شفاء للعين". وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري. وفي الباب عن سعيد بن زيد عند البخاري في التفسير، باب: "وظللنا عليكم الغمام" (٤٤٧٨). ومسلم في الأشربة، باب: فضل الكمأة ومداواة العين بها (٢٠٤٩)، والترمذي في الطب، باب: ما جاء في الكمأة والعجوة (٢٠٦٨)، وابن ماجه (٣٤٥٤)، وتقدم (١/ ١٨٧، ١٨٨).
(٢) - لم أقف عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى، وعزاه المزي له في التحفة (٢/ ١٨٩).
(٣) - أخرجه ابن ماجه - كتاب الطب، باب: الكمأة والعجوة (٣٤٥٣) حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا أسباط بن محمد، به.
(٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٦ - ٦٦٧٧)، وسنن ابن ماجة برقم (٣٤٥٣) لكن وقع في سنن النسائي عن جرير عن الأعمش، والله أعلم. [¬١]- في ز: [و]. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في ز، خ: "روياه". [¬٤]- في ز: وجابر. [¬٥]- في خ: "كموات".
[ ١ / ٤١٢ ]
فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين".
وأخرجه النسائي، عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، به (^٣٩٣)
ثم [¬١] رواه أيضًا، عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان [¬٢]، عن الأعمش، به.
وكذا رواه النسائي (^٣٩٤)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى [¬٣].
وقد روي من حديث أنس بن مالك ﵁ كما قال ابن مردويه.
حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارءوا [¬٤] في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فقال بعضهم: نحسبه [¬٥] الكمأة. فقال رسول الله ﷺ: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السم" (^٣٩٥).
وهذا الحديث محفوظ أصله من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي والنسائي (^٣٩٦) من طريقه شيئًا من هذا، والله أعلم.
وروي عن شهر، عن ابن عباس، كما رواه النسائي أيضًا في الوليمة عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز [¬٦]، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن شهر، عن عبد الله بن عباس [عن النبي] [¬٧]، ﷺ قال: "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين" (^٣٩٧).
_________________
(١) - لم أقف عليه في المطبوع من سنن النسائي الكبرى، وقد أورده المزي في تحفة الأشراف (٣/ ٣٨٨ حديث ٤١٣١) وعزاه للنسائى في الكبرى، كتاب التفسير.
(٢) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٧٨).
(٣) - ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٧٠) من طريق حسان بن سياه، عن ثابت، عن أنس بنحوه. وقال ابن عدي: وحسان بن سياه له أحاديث غير ما ذكرت، وعامتها لا يتابعه غيره عليها، والضعف يتبين على رواياته، وأحاديثه.
(٤) - رواه الترمذي برقم (٣١١٩)، والنسائي في الكبرى برقم (١١٢٦٢).
(٥) - سنن النسائي الكبرى برقم (٦٦٦٩)، ورواه الطبراني (١٢/ ١٣٠١٠)، وسنده ضعيف = [¬١]- في ت: ابن مردويه. [¬٢]- في خ: "سفيان". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "تداروا". [¬٥]- في خ: "هي". [¬٦]- في ز، خ: "الجزار". [¬٧]- في خ: "أن رسول الله".
[ ١ / ٤١٣ ]
فقد اختلف -كما ترى- فيه على شهر بن حوشب، ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة وبلغه عن بعضهم؛ فإن الأسانيد إليه جيدة، وهو لا يتعمد الكذب، وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ كما تقدم من رواية سعيد بن زيد [﵁] [¬١].
وأما السلوى فقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس السلوى طائر شبيه [¬٢] بالسُّمَانَى، كانوا يأكلون منه (^٣٩٨).
وقال السدي في خَبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مُرّة، عن ابن مسعود، وعن ناس [¬٣] من الصحابة: السلوى: طائر يشبه السُّمَانى (^٣٩٩).
وقال ابن أبي حاتم (^٤٠٠): حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا قرة بن خالد، عن جهضم، عن ابن عباس قال: السلوى: هو السُّمَانى.
وكذا قال مجاهد والشعبي والضحاك والحسن، وعكرمة والربيع بن أنس، رحمهم الله تعالى [¬٤]، وعن عكرمة: أمّا السلوى فَطَير كطير يكون بالجنة، أكبر من العصفور، أو نحو ذلك.
وقال قتادة: السلوى كان [¬٥] من طير إلى الحمرة، تحشُرها [¬٦] عليهم الريحُ الجنوبُ، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدّى فسد ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه ليوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه [¬٧] لشيء ولا يطلبه.
وقال وهب بن منبه: السلوى: طير سمين مثل الحمام، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية عن وهب، قال: سألتْ بنو إسرائيل موسى ﵇ اللحم، فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم
_________________
(١) = لضعف عبد الجليل بن عطية، وثقه ابن معين، ولينه البخاري، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم.
(٢) - ابن أبي حاتم برقم (٥٦٤).
(٣) - ابن جرير برقم (٩٧٩).
(٤) - تفسير ابن أبي حاتم برقم (٥٦٣). [¬١]- سقط من: "خ". [¬٢]- في ت: "يشبه". [¬٣]- في ز، خ: "أناس". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: يحشرها. [¬٧]- في ز، خ: "منه".
[ ١ / ٤١٤ ]
السلوى، وهو السمانى [¬١]، مثل ميل في ميل قيدَ رمح في [¬٢] السماء، فخبؤا [¬٣] للغد [¬٤] فنتن اللحم وخَنِز الخبز.
وقال السدي: لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما هاهنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان ينزل [¬٥] على شجر [¬٦] الزنجبيل، والسلوى وهو طائر يشبه السمانى أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمِر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا [¬٧] عشرة عينًا، فشرب كل سِبط من عين، فقالوا: هذا الشراب، فأين الظل؟ فَظَلَّلَ عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول [¬٨] معهم كما تطول الصبيان، ولا يَنخرق لهم ثوب فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ [¬٩] الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ [¬١٠] الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا [¬١١] عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ [كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ] [¬١٢]﴾.
وروي عن وهب بن منبه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدى.
وقال سنيد: عن حجاج، عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: خُلق لهم في التيه ثياب لا تخرق ولا تدرن، قال ابن جريج: فكان [¬١٣] الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد، إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا.
[قال ابن عطية (^٤٠١): السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا.
وقاسمها باللَّه جهدًا لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما أشورها
قال: فظنّ أن للسلوى عسلًا. قال القرطبي: دعوى الإجماع لا يصح؛ لأن المؤرج أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل، واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة؛
_________________
(١) - المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٢٢٩). [¬١]- في ز، خ: "السمان". [¬٢]- في ز، خ: "إلى". [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: للعيد. [¬٥]- في ز: يسقط. [¬٦]- في ز: الشجر. [¬٧]- في ز، خ: "اثنتى". [¬٨]- في ز: يطول. [¬٩]- في ز: عليهم. [¬١٠]- في ز: عليهم. [¬١١]- في ز، خ: "اثنتى". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٣]- في ز: وكان.
[ ١ / ٤١٥ ]
لأنه يسلى به ومنه عين سلوان.
وقال الجوهري: السلوى: العسل، واستشهد ببيت الهذلي أيضًا. والسلوانة بالضم: خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر فشربها العاشق سلا، قال الشاعر:
شربتُ على سُلوانةٍ ماءَ مُزْنةٍ … فلا وجديدِ العيش يامَيُّ ما أسلو
واسم ذلك الماء: السلوان، وقال بعضهم: السلوان دواء يشفي الحزين فيسلوا، والأطباء يسمونه مفرج. قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضًا، كما يقال سمانى للمفرد والجمع، وويلي كذلك.
وقال الخليل: واحده سلواة وأنشد:
وإني لتعروني لذكراك هِزَّةٌ … كما انتفض السَّلواة من بَلَلِ القطر
وقال الكسائى: السلوى واحدة وجمعه سلاوى. نقله كله القرطبي (^٤٠٢)] [¬١].
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان، وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات؛ ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد [ﷺ] ورضي عنهم على سائر أصحاب الأنبياء، في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، [مع ما] [¬٢] كانوا معه في أسفاره وغزواته؛ منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحرّ الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجادَ أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على النبي [¬٣] ﷺ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم فجاء قدر مَبْرك الشاة، فدعا الله [¬٤] فيه، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى فجاءتهم [¬٥] سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملئوا سقيتهم [¬٦]، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع [¬٧]: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ.
﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ
_________________
(١) - تفسير القرطبي (١/ ٤٠٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "كما". [¬٣]- في خ: "الرسول". [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في خ: "فجاءت". [¬٦]- في ز، خ: "أسقيتهم". [¬٧]- في ت: اتباع.
[ ١ / ٤١٦ ]
سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)
يقول تعالى لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخول الأرض المقدّسة، لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇ فأمروا بدخول الأرض المقدّسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا، فرماهم الله تعالى في التيه عقوبة لهم، كما ذكره تعالى في سورة المائدة، ولهذا [¬١] كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس، كما نص على ذلك السديُّ والرَّبيعُ بن أنسٍ وقتادةُ، [وأبو مسلم الأصفهانيُّ وغير واحد. وقد قال اللَّه تعالى حاكيًا عن موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا﴾. الآيات] [¬٢]. وقال آخرون: هي أريحا، [ويحكى عن ابن عباس، وعبد الرحمن ابن زيد] [¬٣]، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم، وهم قاصدون بيت المقدس، لا أريحا، [وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه الرازي في تفسيره، والصحيح الأول أنها بيت المقدس] [¬٤]، [وهذا كان لما] [¬٥] خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇ وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح، وأما أريحا فقرية ليست مقصودة لبني إسرائيل، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد ﴿سُجَّدًا﴾ أي شكرًا للَّه تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، وردّ بلدهم إليهم وإنقاذهم من التيه والضلال.
[قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس (^٤٠٣) أنه كان يقول في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي ركعًا] [¬٦].
وقال ابن جرير: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا أبو أحمد الزبيري، حدَّثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعًا من باب صغير.
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (١٠٠٦)، وسنده ضعيف جدًّا. [¬١]- في ز، خ: "وهذا". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "ولهذا خرجوا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤١٧ ]
ورواه الحاكم من حديث سفيان، به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان -وهو الثوري- به (^٤٠٤). وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم.
[وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم، واستبعده الرازي وحكى عن بعضهم أن المراد هاهنا في السجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] [¬١] وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قِبَل القِبلة.
وقال [ابن عباس] [¬٢] ومجاهد والسدي وقتادة [¬٣] والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس.
[وحكى الرازي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهة من جهات القبلة] [¬٤]
وقال خصيف: قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق (^٤٠٥).
وقال السدي: عن أبي سعيد الأزدي، عن أبي الكنود (^٤٠٦)، عن عبد الله بن مسعود قيل لهم ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم أي: رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا.
وقوله [تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال الثوري: عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾] [¬٥] قال: مغفرة، استغفروا.
وروي عن عطاء والحسن وقتادة والرييع بن أنس، نحوه.
وقال الضحاك عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا [¬٦] حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا: هذا الأمر حق، كما قيل لكم (^٤٠٧).
وقال عكرمة: قال [¬٧]: قولوا: لا إله إلا الله.
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ١٠٢٤ - (٢/ ١١٣)، والمستدرك (٢/ ٢٦٢)، وتفسير ابن أبي حاتم ٥٨٠ - (١/ ١٨٢). وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. قلت: المنهال من رجال البخاري دون مسلم.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٥٨١).
(٣) - ابن أبي حاتم برقم (٥٨٣) بسندٍ ضعيف.
(٤) - ابن جرير برقم (١٠١٧)، وابن أبي حاتم برقم (٥٨٥)، وإسناده ضعيف. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "وقوله:". [¬٧]- زيادة من: خ.
[ ١ / ٤١٨ ]
وقال الأوزاعي: كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه أن أقرّوا بالذنب.
وقال الحسن وقتادة: أي احطط عنا خطايانا ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال [¬١]: هذا جواب الأمر، أي: إذا فعلتم ما أمرناكم؛ غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات.
وحاصل الأمر: أنهم أمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من [¬٢] المحبوب [عند الله] [¬٣] تعالى، كما قال تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر، وفسره ابن عباس: بأنه نُعي إلى رسول الله ﷺ أجله فيها، وأقرّه على ذلك عمر ﵁.
ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعي إليه روحه الكريمة أيضًا، ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدًّا عند النصر، كما روي أنه كان يوم الفتح -فتح مكة- داخلًا إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه حتى أن عثنونه ليمس مورك رحله، [شكرًا للَّه] [¬٤] على ذلك.
ثم لما دخل البلد اغتسل وصلَّى ثماني ركعات وذلك ضحىً، وقال [¬٥] بعضهم: هي صلاة الضحى. وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح؛ فاستحبوا للإمام وللأمير [¬٦] إذا فتح بلدًا أن يصلي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ لما دخل إيوان كسرى صلى فيه ثماني ركعات، والصحيح [¬٧] أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم، وقيل يصليها كلها بتسليم واحد، والله أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾.
قال البخاري (^٤٠٨): حدّثني محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة البقرة، باب: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ …﴾ برقم (٤٤٧٩). ورواه النسائي في الكبرى برقم (١٠٩٨٩)، وبرقم (١٠٩٩٠). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: عن. [¬٣]- في ز، خ: "لله". [¬٤]- يشكر الله. [¬٥]- في ز، خ: "فقال". [¬٦]- في ز: الأمير. [¬٧]- سقط من ز.
[ ١ / ٤١٩ ]
معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال "قيل لبني إسرائيل ﴿وادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا: حطة حبة في شعره".
ورواه النسائي: عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، به موقوفًا. وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: فبدلوا [¬١]، فقالوا: حبة.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "قال الله لبني إسرائيل ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨] فبدلوا، ودخلوا [¬٢] الباب يزحفون على أستاههم فقالوا: حبة في شعرة".
وهذا حديث صحيح رواه البخاري، عن إسحاق بن نصر، ومسلم عن محمد بن رافع، والترمذي، عن عبد [الرحمن] [¬٣] بن حميد، كلهم عن عبد الرزاق، به (^٤٠٩).
وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال محمد بن إسحاق: كان تبديلهم، كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة [¬٤]، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "دخلوا الباب -الذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدًا- يزحفون على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة" (^٤١٠).
وقال أبو داود (^٤١١): حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، عن النبي ﷺ: "قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، سورة الأعراف، باب: قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ برقم (٤٦٤١)، ومسلم في التفسير برقم ١ - (٣٠١٥)، والترمذي في التفسير، تفسير سورة البقرة برقم (٢٩٥٦).
(٢) - صالح: ضعيف واختلط، والحديث رواه ابن جرير في تفسيره ١٠٢٠ - (٢/ ١١٢)، و١٠٢١ - (٢/ ١١٢) عن محمد بن إسحاق، قال: حدثت عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
(٣) - رواه أبو داود في الحروف والقراءات برقم (٤٠٠٦) وسنده حسن. [¬١]- في ز: بدلوا. [¬٢]- في خ: "فدخلوا". [¬٣]-. [¬٤]- في خ: "التومة".
[ ١ / ٤٢٠ ]
وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم". ثم قال أبو داود: حدَّثنا جعفر بن مسافر، حدَّثنا ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد بمثله [¬١].
هكذا رواه منفردًا به في كتاب الحروف مختصرًا.
وقال ابن مردويه: حدَّثنا عبد الله بن جعفر، حدَّثنا إبراهيم بن مهدي [¬٢]، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز، حدَّثنا محمد بن إسماعيل بن أبي [¬٣] فديك، عن [¬٤] هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: سرنا مع رسول الله- ﷺ حتى إذا كان من آخر الليل، أجزنا في ثنية [¬٥] يقال لها: ذات الحنظل، فقال رسول الله ﷺ: "ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا: حطة نغفر لكم خطاياكم" (^٤١٢).
وقال سفيان الثوري: عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال: اليهود، قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا. قال: ركعًا، وقولوا حطة، أي [¬٦]: مغفرة، فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الثوري (^٤١٣): عن السدّي، عن أبي سعد [¬٧] الأزدي، عن أبي الكنود، عن ابن مسعود: وقولوا: حطة فقالوا: حنطة حبة حمراء فيها شعيرة؛ فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال أسباط (^٤١٤): عن السدّي، عن مرَّة، عن ابن مسعود أنه قال: إنهم قالوا: هُطِّي سمعاتا [¬٨] أزبة [¬٩] مزبا [¬١٠]، فهي بالعربية: حبة [¬١١] حنطة حمراء مثقوبة [¬١٢] فيها شعرة
_________________
(١) - ورواه البزار في مسنده برقم (١٨١٢) عن إسحاق بن بهلول، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك به، نحوه، وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٤٤): "رجاله ثقات".
(٢) - رواه ابن جرير برقم (١٠٢٣)، وابن أبي حاتم برقم (٥٩٢).
(٣) - رواه ابن جرير برقم (١٠٩٢)، وابن أبي حاتم برقم (٥٩٣). [¬١]- في ز: مثله. [¬٢]- في ز: فهد. [¬٣]- سخط من ز. [¬٤]- في ز: ثنا. [¬٥]- في ز: سرية. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: سعيد. [¬٨]- في خ: "سمعاثا". [¬٩]- في خ: "أزبه". [¬١٠]- في ز، خ: "مربا". [¬١١]- في ز: حبط. [¬١٢]- في ز: مستوبة.
[ ١ / ٤٢١ ]
سوداء، فذلك قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الثوري (^٤١٥): عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال [¬١] ركعًا من باب صغير، فدخلوا [¬٢] من قبل أستاههم، وقالوا حنطة، فذلك [¬٣] قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩].
وهكذا روي عن عطاء ومجاهد، وعكرمة والضحاك، والحسن وقتادة، والربيع بن أنس ويحيى بن رافع. وحاصل ما ذكره المفسرون وما دل عليه السياق من الحديث: أنهم بذلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم من قِبَل أستاههم رافعي رؤوسهم، وأمروا أن يقولوا: حطة، أي: احطط عنا ذنوبنا [وخطايانا] [¬٤]، فاستهزءوا فقالوا: حنطة في شعيرة [¬٥]. وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم، وهو خروجهم عن طاعته؛ ولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾ [البقرة: ٥٩].
وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب (^٤١٦).
وهكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، والسدّي، والحسن، وقتادة أنه العذاب. وقال أبو العالية الرجز: الغضب، وقال الشعبي: الرجز؛ إمَّا الطاعون، وإمَّا البرد. وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون.
وقال ابن أبي حاتم (^٤١٧): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا وكيع، عن [¬٦] سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد -يعني بن أبي وقاص- عن سعد بن مالك وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ: "الطاعون رجز عذاب [¬٧]، عذب به من كان قبلكم".
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري به (^٤١٨).
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (١٠٢٤)، وابن أبي حاتم برقم (٥٩٤).
(٢) - ابن جرير برقم (١٠٤٢).
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم ٥٩٥ - (١/ ١٨٦)، ورواه مسلم ٩٧ - (٢٢١٨).
(٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٧٥٣٣). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: يدخلون. [¬٣]- في ز، خ: "فهو". [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز، خ: "شعرة". [¬٦]- في خ: "حدثنا". [¬٧]- سقط ش: خ.
[ ١ / ٤٢٢ ]
وأصل الحديث في الصحيحين (^٤١٩) من حديث حبيب بن أبي ثابت: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها". الحديث.
قال ابن جرير (^٤٢٠): أخبرني يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري قال [¬١]: أخبرني عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا الوجع والسَّقَم رجز عذِّبَ به بعض الأمم قبلكم". وهذا الحديث أصله مخرّج في الصحيحين، من حديث الزهري، ومن حديث مالك، عن محمد بن المنكدر، وسالم أبي النضر، عن عامر بن سعد، بنحوه (^٤٢١)
﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَينًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠]
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، وتفجيري الماء لكم [¬٢] منه من ثنتي عشرة عينا، لكل سبط من أسباطكم عين قد عرفوها، فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعي منكم [ولا كدّ] [¬٣]، واعبدوا [¬٤] الذي سخر لكم ذلك ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ ولا تقابلوا النعم بالعصيان فَتُسلَبوها.
وقد بسطه [¬٥] المفسرون في كلامهم، كما قال ابن عباس، ﵁،: وجُعِلَ بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى ﵇ فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها لا يرتحلون من مَنْقَلة إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول.
وهذا قطعة من الحديث الذي رواه النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون
_________________
(١) - صحيح البخاري برقم (٥٧٢٨)، وصحيح مسلم برقم ٩٧ - (٢٢١٨).
(٢) - تفسير ابن جرير ١٠٣٦ - (٢/ ١١٦).
(٣) - صحيح البخاري برقم (٦٩٧٤، ٣٤٧٣)، وصحيح مسلم برقم ٩٨ - (٢٢١٨). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "ولا كدر". [¬٤]- في خ: "اعبدوا". [¬٥]- في ز: بسط.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الطويل.
وقال عطية العوفي (^٤٢٢): وجعل لهم حجرًا مثل رأس الثور يحمل على ثور، فإذا نزلوا منزلًا وضعوه فضربه موسى ﵇ بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فإذا ساروا حملوه على ثور فاستمسك الماء.
وقال عثمان بن عطاء الخراساني: عن أبيه كان لبنى إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون ويضربه موسى بالعصا.
وقال قتادة: كان حجرًا طوريًّا من الطور، يحملونه معهم حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه.
[وقال الزمخشري: وقيل: كان من رخام، وكان ذراعًا في ذراع، وقيل: مثل رأس الإنسان، وقيل كان من الجنة، طوله عشرة أذرع، على طول موسى، وله شعبتان يتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار. قال: وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه، حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر؛ فإن فيه قدرة، ولك فيه معجزة، فحمله في مخلاته. قال الزمخشري: ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر.
وعن الحسن لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه. قال: وهذا أظهر في المعجزة وأبين في القدرة، فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس فقالوا: إن فقد موسى هذا الحجر عطشنا، فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر، ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرّون، والله أعلم] [¬١].
وقال يحيى بن النضر: قلت لجوبير: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا [¬٢] عشرة عينا، فينتضح من كل عين على رجل، فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين.
وقال الضحاك (^٤٢٣): قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا.
وقال سفيان الثوري (^٤٢٤): عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: ذلك في التيه، ضرب لهم موسى الحجر فصار فيه اثنتا [¬٣] عشرة عينًا من ماء، لكل سبط منهم عين يشربون
_________________
(١) - ابن أبي حاتم برقم (٦٠٣)، وسنده إلى عطية العوفي حسن.
(٢) - ابن أبي حاتم برقم (٦٠٧).
(٣) - ابن جرير برقم (١٠٤٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "اثنتى". [¬٣]- في ز، خ: "اثنتى".
[ ١ / ٤٢٤ ]
منها.
وقال مجاهد نحو قول ابن عباس.
وهذه القصة شبيهة بالقصة التي [¬١] في سورة الأعراف، ولكن تلك مكية؛ فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص [] [¬٢] على رسوله [ﷺ] ما [¬٣] فعل بهم. وأمّا في هذه السورة -وهي البقرة- فهي [¬٤] مدنية؛ فلهذا كان الخطاب فيها [¬٥] متوجهًا إليهم.
وأخبر هناك بقوله ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا [¬٦] عَشْرَةَ عَينًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وهو أول الانفجار، وأخبر هاهنا بما آل إليه الحال [¬٧] آخرًا وهو الانفجار فناسب ذكر الانفجار [¬٨] هاهنا وذاك هناك، والله أعلم.
[وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية، قد سأل عنها الزمخشري في تفسيره، وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب، والله أعلم] [¬٩].
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]
يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى، طعامًا طيبًا نافعًا هنيئًا سهلًا، واذكروا دبركم وضجركم مما رزقناكم [¬١٠]، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنية من البقول ونحوها مما سألتم.
وقال الحسن البصري ﵀ فبطروا ذلك ولم [¬١١] يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه، وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل وبقل [¬١٢] وفوم، فقالوا ﴿يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾. وإنما قالوا على طعام واحد، وهم يأكلون المنّ والسلوى؛ لأنه لا يتبدل ولا يتغير
_________________
(١) [¬١]- في ز: المذكورة. [¬٢]- في ز: ذلك. [¬٣]- في ز: عما. [¬٤]- في ز: فإنها. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "اثنتى". [¬٧]- في ز، خ: "الأمر". [¬٨]- في ز، خ: "هذا". [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في ز: رزقتكم. [¬١١]- في ز: فلم. [¬١٢]- في ز: يقول.
[ ١ / ٤٢٥ ]
كل يوم فهو مأكل واحد] [¬١]. فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة، وأما الفوم [¬٢] فقد اختلف السلف في معناه؛ فوقع في قراءة ابن مسعود وثومها بالثاء، وكذا [¬٣] فسره مجاهد في رواية ليث بن أبي سليم، عنه، بالثوم [¬٤]. وكذا الربيع بن أنس وسعيد بن جبير.
وقال ابن أبي حاتم (^٤٢٥): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري، عن يونس، عن الحسن في قوله: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: قال ابن عباس: الثوم.
قالوا: وفي اللغة القديمة: فوّموا لنا [بمعنى اختبزوا] [¬٥]، وقال ابن جرير: فإن كان ذلك صحيحًا فإنه من الحروف المبدلة، كقولهم: وقعوا في عاشور شر، وعافور شر. وأثافي وأثاثي. ومغافير ومغاثير، وأشباه [¬٦] ذلك مما تقلب الفاء ثاء. والثاء فاء لتقارب مخرجيهما، والله أعلم.
وقال آخرون: الفوم الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز.
قال ابن أبي حاتم (^٤٢٦): حدثنا يونس بن عبد الأعلى. قراءةً، أنبأنا [¬٧] ابن وهب قراءةً [¬٨]، حدثني نافع بن أبي نعيم: أن ابن عباس سئل عن قول الله: ﴿وَفُومِهَا﴾ ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس. أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح وهو يقول:
قد كنت أغنى [¬٩] الناس شخصًا واحدًا … ورد المدينة عن زراعة فوم
وقال ابن جرير (^٤٢٧): حدثنا علي بن الحسن [¬١٠]، حدثنا مسلم الجَرمي [¬١١]، حدثنا عيسى بن يونس، [عن رشدين بن كريب] [¬١٢]، عن أبيه، عن ابن عباس في قول الله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الفوم الحنطة بلسان بني هاشم.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ٦١٩ - (١/ ١٩٣)، وفي إسناده أبو عمارة يعقوب بن إسحاق: قال ابن أبي حاتم: ما أرى بحديثه بأسًا. وقال ابن عدي: روى ما لا يتابع عليه. والحسن لم يسمع من ابن عباس.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم ٦١٨ - (١/ ١٩٢)، ورواه ابن جرير (١٠٧٦)، ونافع بن أبي نعيم لم يدرك ابن عباس فهو منقطع. ورواه الطبراني (١٠/ ١٠٥٩٧)، وفي إسناده جويبر، وهو هالك.
(٣) - رشدين بن كريب: ضعيف، والأثر في تفسير ابن جويبر: ١٠٧٥ - (٢/ ١٢٨ - ١٢٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: والتوم. [¬٣]- في- ز: "وكذلك". [¬٤]- في خ: بالثاء. [¬٥]- في ز: "يعين اختبروا". [¬٦]- في ز، خ: "وما أشبه". [¬٧]- في خ: "أخبرنا". [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ز: أعني. [¬١٠]- في ت، خ: الحسين. [¬١١]- في خ: "الحرمى". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٤٢٦ ]
وكذا قال علي بن أبي طلحة (^٤٢٨) والضحاك (^٤٢٩)، [عن ابن عباس] [¬١]، وعكرمة (^٤٣٠) عن ابن عباس أن الفوم الحنطة.
وقال سفيان الثوري: عن ابن جريج، عن مجاهد وعطاء: ﴿وَفُومِهَا﴾ قالا: و[¬٢] خبزها.
وقال هشيم: عن يونس، عن الحسن وحصين، عن أبي مالك: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الحنطة.
وهو قول عكرمة والسدي والحسن البصري وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم، فالله [¬٣] أعلم.
[وقال الجوهري: الفوم: الحنطة، وقال ابن دريد: الفوم: السنبلة. وحكى القرطبي عن عطاء وقتادة أن الفوم كل حب يختبز. قال: وقال بعضهم هو الحمص لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فامي مغير عن فومي] [¬٤]، قال البخاري وقال بعضهم: الحبوب التي تؤكل كلها فوم. وقوله تعالى: ﴿قَال أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ﴾ فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنية مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ هكذا هو منون مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف.
قال ابن جرير: ولا أستجيز القراءة بغير ذلك لإجماع المصاحف على ذلك.
وقال ابن عباس (^٤٣١): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قال مصرًا من الأمصار، رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي سعد البقال سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عنه.
قال: وروي عن السدي وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.
وقال ابن جرير: وقع في قراءة أبي بن كعب وابن مسعود (اهبطوا مصر) من غير إجراء يعني من غير صرف. ثم روي عن أبي العالية والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون.
وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي العالية والربيع [¬٥]، وعن الأعمش أيضًا.
_________________
(١) - ابن جرير (١٠٧٣).
(٢) - ابن جرير برقم (١٠٧٤)، وسنده ضعيف.
(٣) - ابن أبي حاتم برقم (٦١٧)، وفي إسناده متروك.
(٤) - ابن أبي حاتم برقم (٦٢٢)، وأبو سعد البقال: متروك. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: والله. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٢٧ ]
وقال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب [¬١] الاتباع لكتابة المصحف، كما في قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾. ثم توقف في المراد ما هو؛ أمصر فرعون أم [¬٢] مصر من الأمصار؟ وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك؛ لأنّ موسى ﵇ يقول لهم هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموه [¬٣] وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه؛ ولهذا قال ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة [¬٤] فيه لم يجابوا إليه، والله أعلم.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١]
يقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. أي: وضعت عليهم وألزموا بها شرعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذَلِّين، من وَجَدَهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون [¬٥].
وقال الضحاك: عن ابن عباس في قوله: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب النيالات، يعني الجزية (^٤٣٢).
وقال عبد الرزاق (^٤٣٣): عن معمر، عن الحسن وقتادة في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ [¬٦] وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال الضحاك ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: الذل [¬٧]. وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين، ولقد أدركتهم هذه الأمَّة [¬٨] وإنّ المجوس لتجبيهم الجزية.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٦٢٦) وسنده ضعيف جدًّا.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٧)، وابن جرير برقم (١٠٨٨)، وابن أبي حاتم برقم (٦٢٧). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: أو. [¬٣]- في ت: دخلتموها. [¬٤]- في ز: ضرورية. [¬٥]- في ز: متمسكنين. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ز: الدلة. [¬٨]- في ز، خ: "الآية".
[ ١ / ٤٢٨ ]
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة الفاقة. وقال عطية العوفي: الخراج. وقال الضحاك: الجزية. وقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله.
وقال الربيع بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله. وقال سعيد بن جبير ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [يقول: استوجبوا سخطًا، وقال ابن جربر: يعني بقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [¬١] انصرفوا ورجعوا، ولا يقال باءوا إلا موصولًا: إمّا بخير وإمّا بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بوءًا وبواء. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]، يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذا: فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم [من الله] [¬٢] سخط.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم [به] [¬٣] من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم؛ بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع -وهم الأنبياء وأتباعهم- فانتقصوهم [إلى أن] [¬٤] أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر [¬٥] أعظم من هذا، أنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء [الله بغير] [¬٦] الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ قال: "الكِبرُ بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس" (^٤٣٤).
وقال الإمام أحمد (^٤٣٥) [﵀] حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن قال: قال ابن مسعود: كنت لا أحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، قال: [فأتيت رسول الله ﷺ] [¬٧] وعنده مالك بن مرارة الرهاوي [¬٨]، فأدركته من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أن أحدًا من الناس فضلني بشراكين فما فوقهما، أفليس ذلك هو البغي؟ فقال: "لا ليس ذلك [] [¬٩] من البغي، ولكن البغي من بطر -أو قال- سفه الحق وغمط الناس". يعني: رد
_________________
(١) - رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: برقم ١٤٧ - (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁. وهو عند البخاري في تاريخه (٣/ ١ / ٢) ولم أقف عليه عند البخاري في صحيحه.
(٢) - المسند (١/ ٣٨٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "منه". [¬٣]- زيادة من ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "حتى". [¬٥]- في ز: كبر. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "فأتيته". [¬٨]- في خ: "الهاوى". [¬٩]- في ز: هو.
[ ١ / ٤٢٩ ]
الحق وانتقاص الناس والازدراء بهم والتعاظم عليهم. ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله [وقتلهم أنبياءه] [¬١]، أحل الله بهم بأسه الذي لا يردّ، وكساهم ذلا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة جزاء وفاقًا.
قال أَبو داود الطالسي (^٤٣٦): حدَّثنا شعبة، عن الأعمَش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من [¬٢] آخر النهار.
وقد قال الإمام أحمد (^٤٣٧): حدَّثنا عبد الصمد، حدَّثنا أبان، حدَّثنا عاصم، عن أَبي وائل، عن عبد الله يعني: ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "أَشدّ الناس [¬٣] عذابًا يوم القيامة: رجل كله نبي أو قتل نبيًّا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين".
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وهذه علة أخرى في مجازاتهم [¬٤]، بما جوزوا به، أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان: فعل المناهي، والاعتداء: المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به، والله أعلم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
لما بيَّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدّى في فعل ما [لا إذن] [¬٥] فيه، وانتهك المحارم، وما أحل بهم من النكال - نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة [¬٦] وأطاع؛ فإن له جزاءًا لحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
_________________
(١) - لم تعثر عليه في المسند الطيالسي المطبوع.
(٢) - المسند (٧/ ٤٠١). [¬١]- في ز، خ: "وقتل أنبيائهم". [¬٢]- في ز: في. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز: مجرايهم. [¬٥]- في ز: أذن. [¬٦]- في خ: "السابقة".
[ ١ / ٤٣٠ ]
قال ابن أبي حاتم (^٤٣٨): حدَّثنا [أبي] [¬١] حدَّثنا ابن أبي عمر العدني [¬٢]، حدَّثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قال سلمان ﵁: سألت النبي، ﷺ، عن أهل دين كنتُ معهم، فذكرتُ من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [إلى آخر] [¬٣] الآية.
وقال السدي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية، نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدّث النبي، ﷺ، إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا أ يصلون ويصومون، ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًّا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي اللَّه، ﷺ: "يا سلمان، هم من أهل النار". فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود: أنَّه من تمسك بالتوراة [وسنة موسى ﵇، حتَّى جاء عيسى. فلما جاء عيسى؛ كان من تمسك بالتوراة] [¬٤]، وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى، كان هالكًا. وإيمان النصارى: أن من تمسك بالإنجيل منهم، وشرائع عيسى، كان مؤمنا مقبولا منه [¬٥]، حتَّى جاء محمد ﷺ فمن لم يتبع محمدًا، ﷺ، منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل؛ كان هالكًا (^٤٣٩).
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.
(قلت): وهذا لا ينافي ما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية - قال [¬٦]- فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
فإن هذا الذي قاله [ابن عبَّاس] [¬٧] أخبار عن أنَّه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملًا، إلَّا ما كان موافقًا لشريعة محمد، ﷺ، بعد أن بعثه بما بعثه به، فأما قبل ذلك؛ فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ٦٣٨ - (١/ ١٩٨)، وهو منقطع فإن مجاهدًا لم يسمع من سلمان.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده إلى السدي، من حديث أبي زرعة، عن عمرو بن حمَّاد، ثنا أسباط، عن السدي، به. وهذا إسناد فيه ضعف، وانقطاع بين السدي وسلمان. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "العوفي". [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ز: منهم. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ.
[ ١ / ٤٣١ ]
واليهود [¬١] من الهوادة وهي المودّة، أو التهوّد وهو التوبة؛ كقول [¬٢] موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيكَ﴾ أي تُبنا، فكأنهم سُمُّوا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض [¬٣] أوقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب، وقال أَبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة] [¬٤]، فلما بُعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه، والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسُموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم: أنصار أيضًا، كما قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَال الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ وقيل: إنهم إنما سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها: ناصرة، قاله قَتَادة وابن جريج، ورُوي عن ابن عبَّاس أيضًا والله أعلم.
والنصارى جمع نصران كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة: نصرانة، قال الشاعر:
نصرانة لم تَحَنَّفِ (^٤٤٠)
فلما بعث الله محمدًا، ﷺ، خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الاطلاق، وجب عليهم تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر. وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا [¬٥]، وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين؛ لكثرة إيمانهم وشدّة إيقانهم؛ ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. وأما الصابئون فقد اختلف فيهم؛ فقال سفيان الثَّوري: عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين، وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه، وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال أَبو العالية والربيع بن أَنس والسدي وأَبو الشعثاء جابر بن زيد والضحاك [وإسحاق بن راهوية] [¬٦]: الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور (^٤٤١).
[ولهذا قال أَبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] [¬٧] وقال هُشَيم، عن
_________________
(١) - أورده ابن جرير بتمامه (٢/ ١٤٤) وهو لأبي الأخزر الحماني، وتمامه: فكلتاهما خرَّت وأسجد رأسها … كما سجدت نصرانة لم تحنفِ
(٢) - قول أبي العالية والسدي؛ رواهما ابن جرير بإسناده إليهما في تفسيره برقم ١١١٠، ١١١١ - (٢/ ١٤٧). [¬١]- في ز: والتهود. [¬٢]- في ز: لقول. [¬٣]- في ز: بعض. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٣٢ ]
مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة فحدّثه رجل من أهل [¬١] البصرة عن الحسن أنَّه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك؟.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.
[وقال ابن جرير (^٤٤٢): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، حدَّثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن قال: [أُخبر] زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمسة، قال: فأراد أن يضع عنهم الجِزيَةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يعبدون الملائكة] [¬٢]. وقال أَبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور ويصلون للقبلة [¬٣]، وكذا قال سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة.
وقال ابن أبي حاتم (^٤٤٣): حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى [¬٤] وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وسئل وَهْب بن منبه عن الصابئين فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرًا.
وقال عبد الله بن وَهْب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل [¬٥] دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلَّا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلَّا قول: لا إله إلَّا الله، قال [¬٦]: ولم يؤمنوا برسول؛ فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم، يعني: في قول [¬٧]: لا إله إلَّا الله.
[وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى إلَّا أن قبلتهم نحو مَهَب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇. وحكى القرطبي، عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: أنهم قوم
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١١٠٨ - (٢/ ١٤٧).
(٢) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٦٤٥ - (١/ ٢٠٠ - ٣٠١). وهو ضعيف؛ لضعف عبد الرحمن بن أبي الزناد: قال ابن معين: ضعيف، وعنه: ليس بشيء. وعنه: لا يحتج به. وكذا قال أَبو حاتم، وضعفه النسائي، وقال أحمد: مضطرب الحديث، ووثقه مالك - وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه. وعن أحمد: ضعيف. وقال يحيى بن معين: هو أثبت الناس في هشام بن عروة. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "إلى القبلة". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في "قوله".
[ ١ / ٤٣٣ ]
تركَّب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، [قال ابن عبَّاس]: ولا تنكَح نساؤهم. قال القرطبي (^٤٤٤): والذي تحصل من مذهبهم، فيما ذكره بعض العلماء، أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم وأنها فاعلة [¬١]؛ ولهذا أفتى أَبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم.
واختار الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها.
قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشدانيين (^٤٤٥) الذين جاءهم إبراهيم ﵇ رادًّا عليهم ومبطلًا لقولهم] [¬٢].
وأظهر الأقوال - والله أعلم - قول مجاهد ومتابعيه [¬٣] ووهب بن منبه أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنَّما هم قوم [¬٤] باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون (^٤٤٦) من أسلم بالصابئ، أي أنَّه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، واللَّه أعلم.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.
يقول تعالى مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله، وأخبر تعالى أنَّه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق [¬٥] رءوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه، ويأخذوه بقوة وحزم وهمة [¬٦] وامتثال، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فالطور: هو
_________________
(١) - القرطبي (١/ ٤٣٤ - ٤٣٥).
(٢) - هم طائفة من عبدة الكواكب -كما في تاج العروس.
(٣) - ينبزون: يلقبون. [¬١]- في القرطبي (١/ ٤٣٤): فعالة. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "متابعته". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: على. [¬٦]- زيادة من: ز، خ.
[ ١ / ٤٣٤ ]
الجبل، كما (فسره به في) [¬١] الأعراف، ونصَّ على ذلك ابن عبَّاس ومجاهد، وعطاء وعكرمة، والحسن والضحاك، والربيع بن أَنس وغير واحد، وهذا ظاهر.
وفي رواية عن ابن عبَّاس - الطور: ما أنبت من الجبال، وما لم يُنْبِتْ فليس بطور.
وفي حديث الفتون عن ابن عبَّاس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا.
وقال السدي: فلما أَبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه وقد غشيهم، فسقطوا سُجَّدًا، فسجدوا [¬٢] على شق ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم، فقالوا: والله [¬٣] ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم، فهم يسجدون كذلك، وذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾.
وقال الحسن في قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ يعني: التوراة.
وقال أَبو العالية والربيع بن أَنس: بقوة أي: بطاعة. وقال مجاهد: بقوة: بعمل بما فيه. وقال قَتَادة: ﴿خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ القوة الجد وإلَّا قذفته [¬٤] عليكم.
أقال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة. ومعنى قوله" وإلَّا قذفته عليكم: أي] [¬٥]: أسقطه عليكم، يعني: الجبل.
وقال أَبو العالية والربيع: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرءوا ما في التوراة واعملوا به.
وقوده تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ مِنْ بَعْدِ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: بتوبته [¬٦] عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يا معشر اليهود؛ ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره؛ إذ كان مشروعًا لهم فتحيَّلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت، بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "فسر بآية". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز، خ: "دفنته". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: توبته.
[ ١ / ٤٣٥ ]
قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها [¬١] يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت.
فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيَلهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.
وهذه القصة مبسوطة في سورة الأعراف حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. القصة بكمالها.
وقال السدي: أهل هذة القرية هم أهل "أيلة"، وكذا قال قَتَادة، وسنورد أقوال المفسرين هناك مبسوطة إن شاء الله وبه الثقة.
وقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال [¬٢] ابن أبي حاتم (^٤٤٧): حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو حذيفة، حدَّثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: مُسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنَّما هو مثل ضربه الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾.
ورواه ابن جرير (^٤٤٨)، عن المثنى، عن أبي حذيفة.
وعن (^٤٤٩) محمد بن عمرو [¬٣] الباهلي، عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به.
وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام وفي غيره،
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم ٦٧٧ - (١/ ٢٠٩). وأَبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي: قال الذهبي (٤/ ٢٢١): أحد شيوخ البخاري. صدوق إن شاء الله، يهم، تكلم فيه أحمد، وضعفه التِّرمِذي، وقال ابن خزيمة: لا أحتج به. وقال عمرو بن علي: لا يحدث ﵀ من يبصر الحديث. وقال أَبو أحمد الحاكم: ليس بالقوي عندهم. وقال غبراهيم بن يعقوب: سمعت أحمد يقول: كان سفيان الذي يحدث ﵀ أَبو حذيفة ليس هو سفيان الذي يحدث عنه الناس. وقال بندار: ضعيف الحديث. وقال أَبو حاتم: صدوق معروف بالثوري. وقال أحمد: هو من أهل الصدق.
(٢) - رواه ابن جرير: ١١٤٧ - (١/ ١٧٥).
(٣) - رواه ابن جرير: ١١٤٣ - (١/ ١٧٢). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: وقال: [¬٣]- في ز: عمر.
[ ١ / ٤٣٦ ]
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾. الآية.
وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عبَّاس: ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فجعل الله [¬١] منهم القردة والخنازير. فزعم أن شباب القوم صاروا قردة، وأن [¬٢] المشيخة صاروا خنازير.
وقال شيبان النحوي عن قَتَادة: ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾: فصار القوم قردة [¬٣] تَعَاوَى لها أذناب بعدما كانوا رجالًا ونساءً.
وقال عطاء الخراساني: نودوا: يا أهل القرية ﴿لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان، ألم ننهكم؟ فيقولون برءوسهم: أي بلى.
وقال ابن أبي حاتم (^٤٥٠): حدَّثنا علي بن الحسين [¬٤]، حدَّثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة بالمصيصة، حدَّثنا محمد بن مسلم -يعني الطائفي- عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت فجعلوا قردة فُوَاقا [¬٥] (^٤٥١) ثم هلكوا. ما كان للمسخ نسل.
وقال الضحاك (^٤٥٢)، عن ابن عبَّاس: فمسخهم الله قردة بمعصيتهم: يقول إذ لا يحيون في الأرض إلَّا ثلاثة أيام، قال: ولم يعش مسخ قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام [¬٦] التي ذكرها [¬٧] اللَّه في كتابه، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القِرَدة، وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوِّله كما يشاء.
وقال أَبو جعفر الرازي: عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿كُونُوا [¬٨] قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: يعني: أذلة صاغرين، ورُوي عن مجاهد وقَتَادة والربيع وأبي مالك، نحوه.
_________________
(١) - إسناده ضعيف: عبد الله بن محمد بن ربيعة: قال الذهبي في الميزان: أحد الضعفاء، أتى عن مالك بمصائب (الميزان ٢/ ٤٨٨). ومحمد بن مسلم استشهد به مسلم، وضعفه أحمد بن حنبل ووثقه يحيى بن معين وغيره (الميزان ٤/ ٤٠). والحديث في تفسير ابن أبي حاتم حديث ٦٧٥ - (١/ ٢٠٩).
(٢) - فواقًا: قدر ما بين الحلبتين من الوقت.
(٣) - منقطع - الضحاك لم يلق ابن عبَّاس، وهو عند ابن جرير (١١٣٨) مطولًا. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "قرودًا". [¬٤]- في ت: الحسن. [¬٥]- في خ: "فراما"، وفيم، ز: فراقًا. [¬٦]- في ت: أيام. [¬٧]- في ز، خ: "ذكر". [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٣٧ ]
وقال محمد بن إسحاق: عن داود بن [] [¬١] "الحصين (^٤٥٣)، عن عكرمة، قال: قال ابن عبَّاس: إن الله إنما افترضَ علي بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم - يوم الجمعة - فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به، فلما أَبوا إلَّا لزوم السبت ابتلاهم الله فيه [فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره، وكانوا في قرية بين أيلة والطور، يقال لها: مدين] [¬٢] فحرم الله [¬٣] عليهم في السبت الحيتانَ: صيدها وأكلها. وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شُرَّعًا إلى ساحل بحرهم، حتَّى إذا ذهب السبت ذهبن فلم يروا حُوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتَّى إذا كان يومُ السبت أتين شرَّعًا، حتَّى إذا ذهب السبت ذهبن فكانوا كذلك، حتَّى إذا [¬٤] طال عليهم الأمد، وقَرِموا [¬٥] (^٤٥٤) إلى الحيتان، عمد رجل منهم فأخذ حوتًا سرًّا يوم السبت، فخزمه بخيط، ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه، ثم تركه حتَّى إذا كان الغد جاء فأخذه، أي: إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق [¬٦] به فأكله، حتَّى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك، ووجد الناسُ ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله لقد وجدنا ريح الحيتان، ثم عثروا على صنع [¬٧] ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، وأكلوا [¬٨] سرًّا زمانًا طويلًا، لم يعجل الله عليهم بعقوبة [¬٩] حتَّى صادوها علانية وباعوها [في الأسواق] [¬١٠]. فقالت طائفة منهم من أهل البقية [¬١١]: وَيحَكُم" اتقوا الله، ونَهوهم عما كانوا [¬١٢] يصنعون، فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان، ولم تنه القوم عما [¬١٣] صنعوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾. لسُخطنا أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
قال ابن عبَّاس: فبينا هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم فقدوا الناس
_________________
(١) - سنده ضعيف جدًّا، وهو عند ابن جرير (١١٣٩)، وداود بن الحصين: قال أبو داود: أحاديثه عن عكرمة مناكير. وقال علي بن المديني: ما رواه عن عكرمة فمنكر. وقال أَبو حاتم: لولا أن مالكًا روى عنه لترك حديثه. (الميزان ٢/ ٥).
(٢) - يقال: قَرِمَ اللحم، أي اشتدت شهوته إليه. [¬١]- في ت، خ: أبي. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- زيادة من ز. [¬٥]- في ز: وقربوا. [¬٦]- في ز، خ: "ثم انطق". [¬٧]- في: "صنيع". [¬٨]- في ت: "وصنعوا". [¬٩]- في ت: "العقوبة". [¬١٠]- في ز: بالأسواق. [¬١١]- في خ: "البقعة". [¬١٢]- سقط من: خ. [¬١٣]- في خ: "كما".
[ ١ / ٤٣٨ ]
فلم [¬١] يروهم [¬٢]، قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس لشأنًا [¬٣] فانظروا ما هو؟ فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقة عليهم، قد دخلوها ليلًا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم فأصبحوا فيها قردة، و[¬٤] إنهم ليعرفون الرجل بعينه وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: قال [¬٥] ابن عبَّاس: فلولا ما ذكر الله أنَّه نجى [¬٦] الذين نهوا عن السوء لقد أهلك الله [¬٧] الجميع منهم. قال: وهي القرية التي قال [الله] [¬٨] جل ثناؤه لمحمد ﷺ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾. الآية. وروى الضحاك عن ابن عبَّاس (^٤٥٥) نحوًا من هذا.
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال: هم [¬٩] أهل "أيلة"، وهي القرية التي كانت حاضرة البحر، فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت -وَقَدْ حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا- لم يبق في البحر حوتٌ إلَّا خرج، حتَّى يخرجن خراطيمهن من الماء، فإذا كان يوم الأحد لَزمْنَ مقل [¬١٠] (^٤٥٦) البحر فلم يُرَ منهن شيء حتَّى يكون يوم السبت، فذلك قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾.
فاشتهى بعضهم السمك فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر، فإذا كان يوم السبت فتح النهر فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتَّى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث فيها [¬١١]، فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك فيجد جاره ريحه فيسأله فيخبره، فيصنع مثل ما صنع جاره حتَّى فشا فيهم أكل السمك، فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه، فقال الفقهاء [¬١٢]: لا، ولكنكم صِدْتُموه يوم فتحتم [¬١٣] له [¬١٤] الماء فدخل، قال: وغلبوا أن ينتهوا.
_________________
(١) - ابن جرير برقم (١١٣٨) وسنده ضعيف.
(٢) - المقل: أسفل البئر، ومغاص البحر. [¬١]- في ز، خ: "فلا". [¬٢]- في ز: يرونهم. [¬٣]- في ت: "شأنًا". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: يقول: [¬٦]- في ز، خ: "أنجى". [¬٧]- سقط من ز. [¬٨]- زيادة من ز. [¬٩]- في ز، خ: "فهم". [¬١٠]- في ت: سفل. والمثبت من ز، خ. [¬١١]- سقط من: ز، خ. [¬١٢]- في ز، خ: "العلماء". [¬١٣]- في ز، خ: "فتحكم". [¬١٤]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٣٩ ]
فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾. يقول: لم تعظوهم، وقد وعظتموهم فلم يطعوكم، فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾. فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نُسَاكنكم في قرية واحدة.
فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود ﵇ فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم، فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم، فلما أبطئوا عليهم تسوّر [¬١] المسلمون عليهم الحائط، فإذا هم قردة يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم، فذهبوا في الأرض، فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾. الآية. فهم القردة.
(قلت): والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد، ﵀، من أن مسخهم إنما كان معنويًّا لا صوريًّا؛ بل الصحيح أنه معنوي صوري. والله تعالى أعلم.
وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا [لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [¬٢]. قال بعضهم: الضمير في ﴿فَجَعَلْنَاهَا﴾. عائد على القردة، [وقيل: على الحيتان] [¬٣]، وقيل: على العقوبة، وقيل: على القرية، حكاها ابن جرير. والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية -والمراد أهلها- بسبب اعتدائهم في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾. أي: عاقبناهم عقوبة فجعلناها [¬٤] عبرة، كما قال الله [¬٥] عن فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾. وقوله تعالى: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. أي: من القرى، [قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرة لما حولها من القرى] [¬٦]. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. الآية. على أحد الأقوال، فالمراد: لما بين يديها وما خلفها في [¬٧] المكان، كما قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين (^٤٥٧)، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما بين يديها من القرى وما خلفها من القرى، وكذا قال سعيد بن جبير: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾. قال [¬٨]: من بحضرتها من
_________________
(١) - منكر، وهو عند ابن جرير برقم (١١٥٦)، وابن أبي حاتم برقم (٦٨١). [¬١]- في ز: تسوروا. [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "فجعلناهم". [¬٥]- في خ: "تعالى". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- في ز. خ: "من". [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٤٠ ]
الناس يومئذ.
ورُوي عن إسماعيل بن أبي خالد وقتادة وعطية العوفي ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا﴾.
قال: ما كان [¬١] قبلها من الماضين في شأن السبت.
وقال أبو العالية والربيع وعطية: ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن [¬٢] بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم. وكان هؤلاء يقولون: المراد لما [¬٣] بين يديها وما خلفها في الزمان.
وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس أن يكون أهل تلك القرية عبرة لهم، وأمّا بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به وهو أن تكون عبرة لمن سبقهم؟ و[¬٤] هذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره؛ فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان، وهو ما حولها من القرى، كما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، والله أعلم.
وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع [بن أنس] [¬٥]، عن أبي العالية ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا [وَمَا خَلْفَهَا] [¬٦]﴾. [] [¬٧] أي: عقوبة لما خلا من ذنوبهم [¬٨].
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن عكرمة ومجاهد، والسدي [والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك] [¬٩] [وحكى القرطبي عن ابن عباس والسدي] [والفراء، وابن عطية: ﴿لِمَا بَينَ يَدَيهَا﴾. من ذنوب القوم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾. لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب. وحكى الرازي ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن المراد لما بين يديها وما خلفها من تقدّمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة ومن بعدها].
[والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم. والثالث: أنه تعالى جعلها عقوبة لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده، وهو قول الحسن.
(قلت): وأرجح الأقوال: المراد بما بين يديها وما خلفها، من بحضرتها من القرى، التي يبلغهم خبرها وما حل بها، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. فجعلهم عبرة ونكالًا لمن في زمانهم، وموعظة لمن
_________________
(١) [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "لما". [¬٣]- في ز، خ: "بما". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- في ز: في المكان، وما حولها من القرى. [¬٨]- في ز، خ: "دونهم". [¬٩]- زيادة من ز.
[ ١ / ٤٤١ ]
يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم، ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] [¬١]: وقوله تعالى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
قال محمد بن إسحاق: عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾: الذين من بعدهم إلى يوم القيامة (^٤٥٨).
وقال الحسن وقتادة: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون [¬٢] نقمة الله، ويحذرونها.
وقال السدي وعطية العوفي: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ.
(قلت): المراد بالموعظة هاهنا الزاجر، أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم، كما قال الإمام أبو عبد الله [ابن بطة] [¬٣]: حدَّثنا أحمد بن محمد بن مسلم [¬٤]، حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدَّثنا يزيد بن هارون، حدَّثنا محمد بن عمرو، [عن أبي سلمة] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا [¬٥]، ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" (^٤٥٩).
وهذا إسناد جيد، وأحمد بن محمد بن مسلم هذا وَثَّقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح، والله أعلم.
﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
يقول تعالى: واذكروا -يا بني إسرائيل- نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وييان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول، ونصِه على من قتله منهم.
[مسألة
_________________
(١) - ابن جرير برقم (١١٦٦)، وابن أبي حاتم برقم (٦٨٩).
(٢) - أحمد بن محمد مسلم -أو سلم كما ورد اسمه في غير ما موضع من الإبانة- لم نقف على ترجمته. والحديث في جزء الخلع وإبطال الحيل لابن بطة (ص ٢٤). وجود إسناده ابن القيم في إغاثة اللَّهفان (١/ ٥١٣)، وحسنه في تهذيب السنن (٥/ ١٠٣)، ومن قبله ابن تيمية في الفتاوى (٢٩/ ٢٩). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "فيتقوا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- كذا في الأصلين وفي الإبانة: سلم. [¬٥]- في ز، خ: "تركبوا".
[ ١ / ٤٤٢ ]
الإبلُ تنحر، والغنم تذبح، واختلفوا في البقر، فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح أولى لنص القرآن ولقرب منحرها من مذبحها.
قال ابن المنذر: ولا أعلم خلاقًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك. وقد يكره الإنسانُ ما لا يحرمه.
قال أبو عبد الله وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة].
[(ذكر بسط القصة)] [¬١]
[كما] [¬٢] قال ابن أبي حاتم: [] [¬٣] حدَّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدَّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا [¬٤] هشام بن حَسَّان، عن محمد بن سيرين، عن عَبِيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لايولد له، وكان له مال كثير، وكان ابنُ أخيه وارثَه فقتله، ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبحَ يَدعيه عليهم حتى تسلحوا، وركب بعضهم إلى بعض. فقال ذوو الرأي منهم [¬٥] والنهى: علام يقتل بعضكم بعضًا وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇ فذكروا ذلك له، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. قال: قالولم [¬٦] يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شدّدوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها، فقال: والله لا أنقصها من مِلء جلدها ذهبًا، فأخذوها بملء جلدها ذهبًا فذبحوها، فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا -لابن أخيه- ثم مال ميتًا، فلم يُعْطَ من ماله شيئًا [¬٧]؛ فلم يُوَرَّث قاتل بعد.
ورواه ابن جرير (^٤٦٠) من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، بنحو من ذلك، والله أعلم.
_________________
(١) - إسناده صحيح: والحديث في تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٨)، وابن حاتم حديث ٦٩٥ - (١/ ٢١٤)، وتفسير ابن جرير برقم ١١٧٢ - (١/ ٣٣٧). ورواه البيهقي في سننه (٦/ ٢٢٠) من حديث يزيد بن هارون، به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- في خ: ثم. [¬٤]- في خ: "أخبرنا". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ز: شيء.
[ ١ / ٤٤٣ ]
ورواه [عبد بن حميد] [¬١] في تفسيره أنبأنا [¬٢] يزيد بن هارون. به.
ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره عن أبي جعفر -هو الرازي [¬٣]- عن هشام بن حسان، به.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: أنبأنا [¬٤] أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: و[¬٥] كان رجل من بني إسرائيل، وكان غنيًّا، ولم يكن له ولد، وكان له قريب وكان وارثه، فقتله؛ ليرثه، ثم ألقاه على مجمع الطريق، وأتى موسى ﵇ فقال له: إن قريبي قُتل، وأتى إلى أمر عظيم، وإني لا أجد أحدًا يبن لي من قتله غيرك يا نبي اللَّه؛ قال: فنادى موسى في الناس فقال: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا، فلم يكن عندهم علم، فأقبل القاتل على موسى ﵇ فقال له: أنت نبي الله فسل [¬٦] لنا ربك أن يبين لنا، فسأل ربه فأوحى اللَّه إليه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فعجبوا من ذلك، فقالوا: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا [¬٧] قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ﴾. يعني: لا هَرِمة ﴿وَلَا بِكْرٌ﴾. يعني: ولا صغيرة ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. أي: نصفٌ بين البكر والهرمة ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. [أي: صاف لونها] [¬٨] ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ﴾. أي: لم يذللها [¬٩] العمل ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾. يعني: وليست بذلول تثير الأرض، ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. يعني [¬١٠]: ولا تعمل في الحرث ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾. يعني: مسلمة من العيوب ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. يقول: لابياض فيها ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال: ولو أن القوم حين أمروا بذبح [¬١١] بقرة استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها لكانت إياها، ولكن [¬١٢] شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، ولولا أنّ القوم استثنوا فقالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾. لما هدوا إليها أبدًا، فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز و[¬١٣] عندها يتامى، وهي القَيِّمَة عليهم، فلما علمت أنه [¬١٤] لا يزكو [¬١٥] لهم غيرها، أضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة، وأنها سألتهم أضعاف
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "عنه". [¬٢]- في خ: "أبا". [¬٣]- في خ: الرزي. [¬٤]- في خ: "حدثنا". [¬٥]- زيادة من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "فاسأل". [¬٧]- في ز: هزًا. [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ز، خ: "يذلها". [¬١٠]- في ز: يقول: [¬١١]- في خ: "أن يذبحوا". [¬١٢]- في ز، خ: "ولكنهم". [¬١٣]- سقط من: ز، خ. [¬١٤]- في خ: "أنهم". [¬١٥]- في خ: "يزنوا".
[ ١ / ٤٤٤ ]
ثمنها، فقال لهم [¬١] موسى: إن اللَّه قد خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها، ففعلوا واشتروها فذبحوها، فأمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع إليه روحه فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان، فأخذ قاتله -وهو الذي كان أتى موسى ﵇ فشكا إليه-[فقتله الله] [¬٢] على أسوأ عمله.
وقال محمد بن جرير (^٤٦١): حدثني محمد [¬٣] بن سعد [¬٤]، حدثني أبي، حدثني عمي، حدثني أبي، عن أبيه [¬٥] عن ابن عباس في قوله في شأن البقرة: وذلك أن شيخًا من بني إسرائيل على عهد موسى ﵇ كان مكثرًا من المال، وكان بنو أخيه فقراء لامال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان [¬٦] بنو أخيه ورثته، فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وإنه لما تطاول عليهم ألّا يموت عمهم أتاهم الشيطان فقال لهم: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم، فترثوا ماله، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها دِيَتَهُ؛ وذلك أنهما كانتا [¬٧] مدينتين، كانوا في إحداهما [¬٨]، وكان القتيلِ إذا قتل وطرح [¬٩] بين المدينتين، قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما [¬١٠] كانت أقرب إليه غرِمَت الدية، وأنهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك، وتطاول عليهم ألا يموت عمهم عمدوا إليه فقتلوه، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها. فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ، فقالوا: عمنا قُتل على باب مدينتكم، فواللَّه لتغرمنّ لنا دية عمنا. قال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلًا، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا.
وإنهم عمدوا إلى موسى ﵇ فلما أتوه، قال بنو أخي الشيح: عمنا وجدناه مقتولًا على باب مدينتهم، وقال أهل المدينة: نقسم بالله ما قتلناه، ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا، وإن جبريل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ﵇ فقال: قل لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. فتضربوه ببعضها.
وقال السدي (^٤٦٢): ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرًا من المال، وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج، فخطب إليه ابن
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١١٨٠ - (٢/ ١٨٨)، وإسناده مسلسل بالضعفاء، وقد تقدم هذا الإسناد.
(٢) - تفسير ابن جرير برقم ١١٧٤ - (٢/ ١٨٥ - ١٨٧). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: سعيد. [¬٥]- في خ: "جده". وفي ز زيادة: عن جده. [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في ز، خ: "كانا". [¬٨]- في ز: إحديهما. [¬٩]- في ز: فطرح. [¬١٠]- في. فأيهما.
[ ١ / ٤٤٥ ]
أخيه ابنته، فأبى أن يزوجه فغضب الفتى، وقال: والله لأقتلن عمي ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلنّ ديته، فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فقال: يا عم؛ انطق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أن أصيب منها [¬١]، فإنهم إذا رأوك معي أعطوني؛ فخرج العم مع الفتى ليلًا، فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله، فلما أصبح جاء كأنه يطب عمه -كأنه لا يدري أين هو- فلم يجده، فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه، فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدّوا إليَّ ديته، فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادي: واعماه، فرفعهم إلى موسى فقضى عليهم بالدية. فقالوا له: يا رسول الله؛ ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة [¬٢] فوالله إنّ ديته علينا لهينة، [ولكن نستحي] [¬٣] أن نعير به. فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ فقال لهم موسى [﵇]: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذجوا بقرة، أتهزأ بنا؟ ﴿قَال أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾.
قال ابن عباس (^٤٦٣): فلو اعترضوا [¬٤] بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا، وتعنتوا على موسى، فشدد الله عليهم. فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. والفارض: الهرمة التي لا تلد، والبكر: التي لم تلد إلا ولدًا واحدًا. والعوان: النَّصَفُ التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها ﴿فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ [إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: نقي لونها ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. قال: تعجب الناظرين ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ] [¬٥] إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾. من بياض ولا سواد ولا حمرة ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾. فطلبوها فلم يقدروا عليها. وكان رجل في بني إسرائيل، من أبر الناس بأبيه، وإن رجلًا مرّ به معه لؤلؤ يبيعه -وكان أبوه نائمًا تحت رأسه المفتاح- فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفًا؟ فقال له [¬٦] الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفًا؛ قال [¬٧] الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ [¬٨] ثلاثين ألفًا، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف، فلما أكثر عليه قال: والله لا أشتريه منك بشيء أبدًا، وأبي أن يوقظ أباه فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون
_________________
(١) - ابن أبي حاتم برقم (٦٩٨). [¬١]- في ز: فيها. [¬٢]- في ز، خ: "الفرصة". [¬٣]- في ز: ولكنا نستحيي. [¬٤]- في خ: "أعرضوا". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- سقط من ز، خ. [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- سقط من ز.
[ ١ / ٤٤٦ ]
البقرة، وأبصروا البقرة عنده، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبى، فأعطوه ثنتين فأبى، فزادوه حتى بلغوا عشرة [¬١] فأبى [¬٢] فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك. فانطلقوا به إلى موسى ﵇ فقالوا: يا نبي الله؟ إنا وجدناها عند هذا، فأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنًا، فقال له موسى: أعطهم بقرتك. فقال [¬٣]: يا رسول الله، أنا أحق بمالي. فقال: صدقت، وقال للقوم: أرضوا صاحبكم، فأعطوه وزنها ذهبًا، فأبى، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبًا فباعهم إياها وأخذ ثمنها، فذبحوها. قال: اضربوه ببعضها، فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين، فعاش، فسألوه [¬٤]: من قتلك؟ فقال لهم: ابن أخي قال: أقْتلُهُ فآخذ ماله وأنكح ابنته. فأخذوا الغلام فقتلوه.
وقال سنيد (^٤٦٤): حدثنا حجاج -هو ابن محمد- عن ابن جريج، عن مجاهد، وحجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس -دخل حديث بعضهم في حديث بعض- قالوا: إن سبطًا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس، بنوا مدينة فأعتزلوا شرور الناس، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدًا منهم خارجًا إلا أدخلوه، وإذا افتتحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف، فإذا لم ير شيئًا فتح المدينة، فكانوا مع الناس حتى يمسوا، قال: وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير، ولم يكن له وارث غير أخيه، فطال عليه حياته فقتله ليرثه، ثم حمله
فوضعه على باب المدينة، ثم كمن في مكان هو وأصحابه، قال: فأشرف [¬٥] رئيس المدينة على
باب المدينة فنظر فلم ير شيئًا ففتح الباب، فلما رأى القتيل ردّ الباب فناداه أخو المقتول وأصحابه:
هيهات! قتلتموه ثم تردّون الباب! وكان موسى لما رأى القتل كثيرًا في أصحابه -بنى إسرائيل-
كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال
حتى لبس الفريقان السلاح، ثم كف بعضهم عن بعض فأتوا موسى فذكروا له شأنهم، قالوا: يا
موسى [¬٦]؛ إن هؤلاء قتلوا قتيلًا، ثم ردوا الباب. وقال أهل المدينة: يا رسول الله؛ قد عرفت
اعتزالنا الشرور وبنينا مدينة كما رأيت، نعتزل شرور الناس، والله [¬٧] ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا.
فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة، فقال لهم موسى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.
وهذه السياقات عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم فيها اختلاف ما، و[¬٨] الظاهر أنها
_________________
(١) - ورواه ابن جرير في تفسيره برقم ١١٨٢ - (٢/ ١٨٨) من طريق سنيد، واسمه حُسين، ضُعِف مع إمامته ومعرفته! لكونه كان يلقن شيخه الحجاج بن محمد (التقريب). [¬١]- في خ: "عشرا". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز، خ: "قال". [¬٤]- في ز: فسلوه. [¬٥]- في خ: "فشرف". [¬٦]- في ز، خ: "رسول الله". [¬٧]- سقط من ز. [¬٨]- زيادة من: ز، خ.
[ ١ / ٤٤٧ ]
مأخوذة من كتب بني إسرائيل، وهي مما يجوز نقلها ولكن لا تصدّق ولا تُكَذّب؛ فلهذا لا يعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا، والله أعلم.
﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم، ولهذا [¬١] لما ضيقوا على أنفسهم ضيق الله [¬٢] عليهم، ولو أنهم ذبحوا أبي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم، كما قال ابن عباس وعَبيدةُ وغير واحد، ولكنهم شدّدوا فشدّد عليهم فقالوا: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾.
أي [¬٣]: ما هذه البقرة؟ وأي شيء صفتها.
قال ابن جرير (^٤٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا عَثَّام [¬٤] بن علي، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة لاكتفوا بها، ولكنهم شددوا فشدّد الله عليهم.
إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس، وكذا قال عبيدة والسدي، ومجاهد وعكرمة، وأبو العالية وغير واحد.
وقال ابن جريج: قال لي [¬٥] عطاء: لو أخذوا أدنى بقرة لكفتهم [¬٦].
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١٢٣٥ - (٢/ ٢٠٤). [¬١]- في ت: "وهذا". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "عثمان". [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز: كفتهم.
[ ١ / ٤٤٨ ]
قال ابن جريج: قال رسول الله، ﷺ: "إنما أمروا بأدنى بقرة، ولكنهم لما شدّدوا على أنفسهم شدّد الله عليهم، وايم الله، لو أنهم لم يستثنوا لما [¬١]، بُيِّنَتْ لهم آخر الأبد" (^٤٦٦).
﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾. أي: لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل، كما قاله أبو العالية والسدي، ومجاهد وعكرمة، وعطية العوفي وعطاء الخراساني ووهب بن منبه والضحاك والحسن وقتادة، وقاله ابن عباس أيضًا.
وقال الضحاك عن ابن عباس (^٤٦٧): ﴿عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾. [يقول: نَصَفٌ] [¬٢] بين الكبيرة والصغيرة، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون [¬٣]، وروي عن عكرمة ومجاهد، وأبي العالية والربيع بن أنس، وعطاء الخراساني والضحاك نحو ذلك.
وقال السدي: العوان: النَّصَف التي بين ذلك التي قد [¬٤] ولدت، وولد ولدها.
وقال هشيم: عن جويبر (^٤٦٨) عن كثير بن زياد، عن الحسن في البقرة: كانت بقرة وحشية.
وقال ابن جريج: عن عطاء، عن ابن عباس (^٤٦٩): من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها؛ وذلك قوله تعالى ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ وكذا قال مجاهد ووهب بن منبه: إنها كانت صفراء.
وعن ابن عمر (^٤٧٠): كانت صفراء الظِّلف. وعن سعيد بن جبير: كانت صفراء القرن والظلف.
وقال ابن أبي حاتم (^٤٧١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا نصر بن علي، حدَّثنا نوح [¬٥] بن قيس، أنبأنا أبو رجاء، عن الحسن في قوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: سوداء شديدة السواد.
_________________
(١) - مرسل بل معضل رواه ابن جرير في تفسيره برقم ١٢٤٢ - (٢/ ٢٠٥).
(٢) - رواه ابن جرير برقم (١٢١٠)، وابن أبي حاتم برقم (٧٠٤) وإسناده ضعيف.
(٣) - جويبر: متروك الحديث، وهو عند ابن أبي حاتم برقم (٧٠٩)، وابن جرير برقم (١٢٢١).
(٤) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٧١٠) والطبراني (١٠/ ١٠٦١٢).
(٥) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٧١٢).
(٦) - إسناده صحيح، والحديث عند ابن أبي حاتم برقم ٧١٤ - (١/ ٢٢٠). [¬١]- في ز: ما. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "يكون". [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز: فرح.
[ ١ / ٤٤٩ ]
وهذا غريب، والصحيح الأوّل؛ ولهذا أكد صفرتها بأنه ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾.
وقال عطية العوفي: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. [تكاد تسود] [¬١] من صفرتها.
وقال سعيد بن جبير: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صافية اللون. وروي عن أبي العالية والربيع ابن أنس، والسدّي والحسن وقتادة نحوه.
وقال شريك عن مغراء، عن ابن عمر: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. قال: صاف [¬٢].
وقال العوفي في تفسيره عن ابن عباس: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾. شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.
وقال السدّي: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾. أي: تعجب الناظرين. وكذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس.
وقال وهب بن منبه: إذا نظرت إلى جلدها يُخَيَّل إليك أنْ شعاع الشمس يخرج من جلدها. [وفي التوراة أنها كانت حمراء، فلعل هذا خطأ في التعريب، أو كما قال الأول: إنها كانت شديدة الصفرة تضرب إلى حمرة وسواد، والله أعلم] [¬٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَينَا﴾ أي [¬٤]: لكثرتها، فميِّز لنا هذه البقرة وصفها وجَلِّها لنا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إذا بينتها لنا ﴿لَمُهْتَدُونَ﴾ إليها.
وقال ابن أبي حاتم (^٤٧٢): حدَّثنا أحمد بن يحيى الأودي الصوفي، حدَّثنا أبو سعيد أحمد بن داود الحداد، حدَّثنا سرور بن المغيرة الواسطي -ابن أخي منصور بن زاذان- عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لولا أنّ بني إسرائيل قالوا: ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ لما [¬٥] أعطوا ولكن استثنوا".
_________________
(١) - إسناده ضعيف: عباد بن منصور: ضعفوه وترجمته في الميزان (٣/ ٣٧٦). وسرور بن المغيرة ذكره الذهبي في الميزان (٢/ ١١٦) وقال: ذكره الأزدي وتكلم فيه، وقال أبو حاتم (٤/ ٣٢٥): شيخ. وأورده في اللسان (٣/ ١١). وابن حبان في الثقات: (٦/ ٤٣٧) والحديث في تفسير ابن أبي حاتم برقم ٧٢٧ - (١/ ٢٢٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "يكاد يسود". [¬٢]- في ز: صافي. [¬٣]- ما في المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "ما".
[ ١ / ٤٥٠ ]
ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه (^٤٧٣) في تفسيره من وجه آخر، عن سرور بن المغيرة ابن [¬١] زاذان، عن عباد بن منصور، عن الحسن، عن حديث أبي رافع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى اللَّه عديه وسلم: "لولا أن بني إسرائيل قالوا ﴿وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أعطوا أبدًا، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وأحسن أحواله أن يكون من كلام أبي هريرة، كما تقدم مثله عن السدّي، والله أعلم.
﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾. أي: إنها ليست مذللة بالحراثة، ولا معدّة للسقي في [السانية] بل هي مكرّمة حسنة [¬٢] صبيحة ﴿مسلمة﴾. صحيحة لا عيب فيها ﴿لا شية فيها﴾ أي: ليس فيها لون غير لونها.
وقال عبد الرزاق (^٤٧٤) عن معمر عن قتادة: ﴿مسلمة﴾ يقول: لا عيب فيها، وكذا قال أبو العالية والربيع، وقال مجاهد: ﴿مسلمة﴾ من الشية.
وقال عطاء الخراساني: ﴿مسلمة﴾ القوائم والخلق.
﴿لا شية فيها﴾ قال مجاهد: لا بياض ولا سواد. وقال أبو العالية والربيع والحسن وقتادة: ليس فيها بياض. وقال عطاء الخراساني: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ قال: لونها واحد بهيم. وروي عن عطية العوفي، ووهب بن منبه، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك.
وقال السدّي: ﴿لا شية فيها﴾ من بياض ولا سواد ولا حمرة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى.
[وقد زعم بعضهم أنّ المعنى في ذلك قوله تعالى: ﴿إنها بقرة لا ذلول﴾ ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال ﴿تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ أي: يعمل عليها بالحراثة لكنها لا تسقي الحرث. وهذا ضعيف؛ لأنه فسر الذلول التي [لم] تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي وغيره] [¬٣]. ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [] [¬٤] قال قتادة: الآن بيَّنتَ لنا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: وقبل ذلك، والله قد جاءهم الحق.
_________________
(١) - إسناده ضعيف: فيه عباد بن منصور، وهو ضعيف.
(٢) - رواه ابن جرير برقم (١٢٥٩)، وابن أبي حاتم برقم (٧٣٨). [¬١]- في ت: عن. [¬٢]- في خ: "حسناء". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: و.
[ ١ / ٤٥١ ]
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. قال الضحاك عن ابن عباس: كادوا ألا يفعلوا، ولم يكن ذلك الذي أرادوا؛ لأنهم أرادوا ألَّا يذبحوها.
يعني أنهم مع هذا البيان، وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذمٌّ لهم؛ وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت؛ فلهذا ما كادوا يذبحونها [¬١].
وقال محمد بن كعب ومحمد بن قيس: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. لكثرة ثمنها.
وفي هذا نظر؛ لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل، كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال عبيدة ومجاهد ووهب بن منبه وأبو العالية، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنهم اشتروها بمال كثير، وفيه اختلاف، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك.
وقال عبد الرزاق (^٤٧٥): أنبأنا ابن عيينة، أخبرني محمد بن سوقة، عن عكرمة قال: [ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.
وهذا إسناد جيد عن عكرمة] [¬٢]، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضًا.
و[¬٣] قال ابن جرير وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه.
ولم يسنده عن أحد، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلون ذلك لغلاء ثمنها، وللفضيحة. وفي هذا نظر؛ بل الصواب -والله أعلم- ما تقدم من رواية الضحاك عن ابن عباس على ما وجهناه، وبالله التوفيق.
[مسألة
استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان، كما هو مذهب مالك والأوزاعي، والليث والشافعي، وأحمد وجمهور العلماء سلفًا وخلفًا؛ بدليل ما ثبت في الصحيحين (^٤٧٦) عن النبي ﷺ: "لا
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٠).
(٢) - صحيح البخاري بلفظ: "لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها إلى زوجها كأنه ينظر إليها". من حديث ابن مسعود في كتاب النكاح، باب: لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها إلى زوجها برقم (٥٢٤١). ورواه أيضًا [¬١]- في ز: يذبحوها. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٥٢ ]
تنعت المرأةُ المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها" وكما وصف النبي ﷺ إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العبد بالصفات المذكورة بالحديث، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون: لا يصح السلم في الحيوان؛ لأنه لا تنضبط أحواله، وحُكي مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم] [¬١].
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾
قال البخاري: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ - اختلفتم.
وهكذا قال مجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم (^٤٧٧)، عن أدِ"، عن أبي حذيفة، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. اختلفتم.
وقال عطاء الخراساني والضحاك: اختصمتم فيها، وقال ابن جريج: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. قال: قال بعضهم: أنتم قتلتموه. وقال آخرون [¬٢]: بل أنتم قتلتموه، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال مجاهد: ما تغيبون.
وقال ابن أبي حاتم (^٤٧٨): حدثنا عمرو بن سلم [¬٣] البصري، حدثنا محمد بن الطفيل العبدي، حدَّثنا صدقة بن رستم، سمعت المسيب بن رافع يقول: ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله؛ وتصديق ذلك في كلام الله ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾. هذا البعض أيُّ شيء كان
_________________
(١) = أبو داود في النكاح، باب: ما يؤمر به من غض البصر (٢١٥٠) والترمذي في الأدب، باب: كراهية مباشرة الرجل الرجل والمرأة المرأة (٢٧٩٢)، والنسائي في عشرة النساء من الكبرى حديث (٩٢٣١). وأحمد برقم (٣٦٠٩، ٣٦٦٨) ولم نقف عليه عند مسلم.
(٢) - رواه ابن أبي حاتم ٧٥١ - (١/ ٢٢٨).
(٣) - صدقة بن رستم: أورده الذهبي في الميزان وقال: قال أبو حاتم ما به بأس، صدوق. وقال ابن حبان: يروي عن الإثبات ما لا يشبه حديث الثقات وهما، وقال البخاري: لم يصح حديثه. ومحمد بن الطفيل: صدوق. والحديث في تفسير ابن أبي حاتم برقم ٧٥٤ - (١/ ٢٢٩). ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٥/ ٦٩٤٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: الآخرون. [¬٣]- في ت: مسلم.
[ ١ / ٤٥٣ ]
من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به وخرق العادة به كائن، وقد كان معينا في نفس الأمر، فلو كان في تحيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه [¬١] أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
ولهذا قال ابن أبي حاتم (^٤٧٩): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدثنا عفان [¬٢] بن مسلم، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه [ملء مسكها] [¬٣] دنانير، فذبحوها فضربوه -يعني القتيل- بعضوٍ منها، فقام تَشْخُب أوداجه دمًا، فقالوا له: مَنْ قتلك؟ قال: قتلني فلان.
وكذا قال الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إنه ضرب ببعضها.
وفي رواية عن ابن عباس أنهم ضربوه بالعظم الذي يلي الغضروف.
وقال عبد الرزاق: أنبأنا [¬٤] معمر قال: قال أيوب عن ابن سيرين، عن عبيدة: ضربوا القتيل ببعض لحمها، و[¬٥] قال معمر: قال قتادة: ضربوه [¬٦] بلحم فخذها فعاش، فقال: قتلني فلان (^٤٨٠).
وقال [وكيع بن الجراح في تفسيره] [¬٧]: حدَّثنا [¬٨] النضر بن عربي، عن عكرمة: ﴿فقلنا اضربوه ببعضها﴾: فضرب بفخذها فقام؛ فقال: قتلني فلان.
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن مجاهد وقتادة وعكرمة [¬٩]، نحو ذلك.
وقال السدي: فضربوه بالبَضْعة التي بين الكتفين فعاش، فسألوه، فقال: قتلني ابن أخي.
وقال أبو العالية: أمرهم موسى ﵇ أن يأخذوا عظمًا من عظامها، فيضربوا به
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٧٥٥ - (١/ ٢٢٩). وعبد الواحد بن زياد: قال في التقريب: ثقة، في حديثه، عن الأعمش وحده مقال:- قلنا: قد روى الشيخان حديثه عن الأعمش- والمنهال بن عمرو: وثقه ابن معين، والنسائي والعجليّ، وفي التقريب: صدوق ربما وهم.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٤٩). [¬١]- في ز. ولكن. [¬٢]- في ز، خ: "عثمان". [¬٣]- في خ: "مثلها". [¬٤]- في خ: "أخبرنا". [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز، خ: "فضربوه". [¬٧]- في ز، خ: "أبو أسامة" [¬٨]- في ز، خ: "عن". [¬٩]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٥٤ ]
القتيل، ففعلوا، فرجع إليه روحه، فسمى لهم قاتله، ثم عاد ميتًا كما كان.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فضربوه ببعض آرابها.
وقيل: بلسانها. [وقيل: بعجب ذنبها] [¬١]. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ أي: فضربوه فحيي، ونبه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل. جعل ﵎ ذلك الصنع حجة لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة والفساد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما [¬٢] خلقه من [¬٣] إحياء الموتى في خمسة مواضع؛ ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾. وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وقصة الذي من على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة.
ونبه [¬٤] تعالى بإحياء الأرض بعد موتها على إعادة الأَجسام بعد صيرورتها رميمًا، كما قال أبو داود الطالسي (^٤٨١):
حدَّثنا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء قال: سمعت وكيع بن عُدُس يحدث عن أبي رَزِين العقيلي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله؛ كيف يحيي الله الموتى؟ قال: "أما مررت بواد مُمْحل، ثم مررت به خَضِرا؟ " قال: بلى قال: "كذلك النشور". أو قال: "كذلك يحيى الله الموتى". وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
[مسئلة
استدل لمذهب الإمام مالك في كون قول الجريح: فلان قتلنى لوثًا بهذه القصة؛ لأن القتيل لما حيي سُئل عمن قتله، فقال: فلان قتلني، فكان ذلك مقبولًا منه، لأنه لايخبر حينئذ إلا بالحق، ولا يتهم والحالة هذه، ورجحوا ذلك لحديث أنس: أن يهوديًّا قتل جارية على أوضاح لها، فرضىخ رأسها بين حجرين، فقيل: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى ذكروا اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فلم يزل به حتى اعترف، فأمر رسول الله، ﷺ، أن يرضخ رأسه بين حجرين (^٤٨٢).
_________________
(١) - مسند الطيالسي برقم (١٠٨٩) صـ (١٤٧).
(٢) - رواه البخاري في كتاب الخصومات، باب: ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي برقم (٢٤١٣). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ت: "مما". [¬٣]- في ز: في. [¬٤]- في ز، خ: "وينبه".
[ ١ / ٤٥٥ ]
وعند مالك إذا كان لوثًا حلف أولياء القتيل قسامة، وخالف الجمهور في ذلك، ولم يجعلوا قول القتيل في ذلك لوثًا] [¬١].
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾
يقول تعالى توبيخًا لبني إسرائيل وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه الموتى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ كله ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾. التي لا تلين أبدًا؛ ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا [¬٢] كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
و[¬٣] قال العوفي في تفسيره: عن ابن عباس: لما ضُرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط، فقيل له: من قتلك؟ قال [¬٤]: بنو أخي قتلوني، ثم قبض فقال بنو أخيه حين [قبضه الله] [¬٥]: ما قتلناه، فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه فقال الله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾. يعني: بني أخي الشيخ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية، بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها، أو أشد قسوة من الحجارة؛ فإن [¬٦] من الحجارة ما يتفجر [¬٧] منها العيون [الجارية بالأنهار] [¬٨]، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكان جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه [¬٩]، كما قال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنه كان يقول: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق [¬١٠] عن
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "تكونوا". [¬٣]- زيادة من: ز، خ. [¬٤]- في ز: فقال: [¬٥]- في ز، خ: "قُبض، والله". [¬٦]- في خ: "فإنه". [¬٧]- في ت: "تتفجر". [¬٨]- في ت: "بالأنهار الجارية". [¬٩]- سقط من: خ. وفي ز: لحسه. [¬١٠]- في ز: ينشق.
[ ١ / ٤٥٦ ]
ماء، أو يتردى [¬١] من رأس جبل، لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن.
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد بن أبي محمد (^٤٨٣) عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. أي: وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عَمَّا تدعون إليه من الحق ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
[وقال أبو علي الجبائي في تفسيره ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. هو سقوط البرد من السحاب.
قال القاضي الباقلاني: وهذا تأويل بعيد. وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قال؛ فإن هذا خروج عن اللفط بلا دليل، والله أعلم] [¬٢].
وقال ابن أبي حاتم (^٤٨٤): حدثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عمار، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثني يحيى بن أبي طالب -يعني يحيى بن يعقوب- في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾. قال: هو كثرة البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ قال: قليل البكاء ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قال: بكاء القلب، من غير دموع العين.
[وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز، وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة، كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: ﴿يريد أن ينقض﴾ قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: ولا حاجة إلى هذا؛ فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ وقال: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾. الآية. وقال: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ الآية ﴿قَالتَا أَتَينَا طَائِعِينَ﴾ ﴿الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ الآية ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَينَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ الآية. وفي الصحيح: "هذا جبل يحبنا ونحبه"، وكحنين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" وفي صفة الحجر
_________________
(١) - مجهول، وهو عند ابن أبي حاتم برقم ٧٧٠ - (١/ ٢٣٣، ٢٣٤)، وإسناده ضعيف. وهو في السيرة (٢/ ١٨٢)، وعند ابن جرير (١/ ٣٦٤ حلبي).
(٢) - رواه ابن أبي حاتم ٧٦٥ - (١/ ٢٣٢). وإسناده ضعيف. هشام بن عمار: صدوق مكثر له ما ينكر. والحكم بن هشام الثقفي: وثقه ابن معين، وأبو داود، والعجلي، وقال أبو حاتم: لا نحتج به. ويحيى بن يعقوب: قال أبو حاتم: محله الصدق، وقال البخاري: منكر الحديث. [¬١]- في ز: تردى. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٥٧ ]
الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه] [¬١].
تنبيه
اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى: ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ بعد الإجماع على استحالة كونها للشك، فقال بعضهم: "أو"هاهنا بمعنى الواو، تقديره: فهي كالحجارة وأشدّ قسوة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾] [¬٢] وكما قال النابغة الذبياني [¬٣]:
قالت: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا … إلى [¬٤] حَمَامتنا أو نصفُه فَقَدِ
تريد: ونصفه. قاله ابن جرير. وقال جرير بن عطية:
قال الخِلافَةَ أو كانت له قدرًا … كما أتى ربَّه موسى على قَدَرِ
قال ابن جرير: يعني قال الخلافة، وكانت له قدرًا.
وحكى القرطبي قولًا: أنها للتخيير، أي: مثلًا لهذا وهذا، وهذا مثل: جَالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين.
وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولًا آخر: إنها للإبهام بالنسبة إلى الخاطب، كقول القائل: أكلت خبزًا أو تمرًا، وهو يعلم أيهما أكل، وقال آخر: إنها بمعنى قول القائل: [كُلْ] حلوا أو حامضًا، أي: لا يخرج عن واحد منهما. أي: وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها، لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين، والله أعلم] [¬٥].
وقال آخرون: "أو"هاهنا بمعنى "بل"، تقديره [¬٦]: فيى كالحجارة بل أشدّ قسوة، وكقوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ وقال آخرون: معنى ذلك ﴿فهي كالحجارة أو أشد قسوة﴾ عندكم، حكاه ابن جرير.
وقال آخرون: المراد بذلك الإبهام على الخاطب كما قال أبو الأسود:
أحبّ محمدًا حُبًّا شديدًا … وعباسًا وحمزة والوصيَّا
فإن يك حُبُّهم رشدًا أصبه … ولست بمخطيء إن كان غيًّا
قال ابن جرير: قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكًّا في أن حب من سمى رَشَدٌ،
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في خ: "الرماني". [¬٤]- في ز: على. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- في خ: "فتقديره".
[ ١ / ٤٥٨ ]
ولكنه أبهم على من خاطبه، قال: وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت؟ فقال: كلا والله. ثم انتزع [¬١] يقول [¬٢] الله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فقال: أوَ [¬٣] كان شاكًّا من أخبر بهذا: في الهادي منهم من الضلال؟. [وقال بعضهم: معنى ذلك: فقلوبكم [¬٤] لا تخرج عن أحد هذين المثلين؛ إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة، وإما أن تكون أشد منها قسوة.
قال ابن جرير: ومعنى ذلك] [¬٥]-على هذا التأويل-: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشدّ قسوة من الحجارة. وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره.
(قلت): وهذا القول الأخير يبقي [¬٦]، شبيهًا بقوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا﴾ مع قوله: ﴿أو كصيب من السماء﴾، وكقوله: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة﴾ مع قوله: ﴿أو كظلمات في بحر لجي﴾. الآية. أي: إن منهم من [هو هكذا] [¬٧]، ومنهم من [هو هكذا] [¬٨]، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدَّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بين أيوب، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا علي بن حفص، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله؛ فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي".
رواه الترمذي (^٤٨٥) في كتاب الزهد من جامعه، عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، صاحب الإمام أحمد، به.
ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب، به. وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم.
_________________
(١) - ضيعف، والحديث في سنن الترمذي برقم (٢٤١١)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن عبد الله بن حاطب، وأورده الإمام مالك في الموطأ (٢/ ٩٨٦) بلاغا عن عيسى ﵇. وانظره في الضعيفة لشيخنا الألباني حفظه الله تعالى حديث (٩٢٠) وانظر أيضًا (٩٠٨). [¬١]- في ز، خ. "أسرع". [¬٢]- في ز: يقول: [¬٣]- في خ: "و". [¬٤]- في ز: فقلوبهم. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في ز، خ: "كهذا". [¬٨]- في ز، خ: "كهذا".
[ ١ / ٤٥٩ ]
[وروى البزار (^٤٨٦) عن أنس مرفوعًا: "أربع من الشقاء: جمود العين، وقساوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا"] [¬١].
﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾
يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا [¬٢] لَكُمْ﴾ أي: ينقاد لكم بالطاعة هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهد آباؤهم من الآيات البينات ما شاهدوه، ثم قست قلوبهم من بعد ذلك ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ أي [¬٣]: يتأوّلونه على غير تأويله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ أي: فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾.
قال محمد بن إسحاق (^٤٨٧): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: ثم قال الله تعالى لنبيه ﷺ ولمن معه من المؤمنين يؤيسهم منهم: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وليس
_________________
(١) - ضعيف، وهو في كشف الأستار برقم (٣٢٣٠)، ومختصر زوائد البزار ٢٠٠٣ - (٢/ ٤٥٦) من طريق هانئ بن المتوكل، عن عبد الله بن سليمان وأبان عن أنس به مرفوعًا، وقال البزار: "عبد الله بن سليمان حدث بأحاديث لم يتابع عليها"، وقال ابن حجر: وهانئ ضعيف. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٢٢٦): "وفيه هانئ بن المتوكل، وهو ضعيف". وقال ابن حبان: هانئ بن المتوكل: كثرت المناكير في روايته ولا يجوز الاحتجاج به. وأورد الحديث ابن الجوزي في الموضوعات وقال ابن الجوزي: وعبد الله بن سليمان مجهول. والحديث في الحلية (٦/ ١٧٥) من طريق صالح المري، عن يزيد الرقاشي عن أنس. وإسناده ضعيف لضعف صالح المري، ويزيد: متروك.
(٢) - السيرة (١٢/ ١٨٢)، وابن أبي حاتم ٧٧٣ - (١/ ٢٣٤) وإسناده ضعيف. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: يؤمن. [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٦٠ ]
قوله: [يسمعون كلام الله] [¬١]: يسمعون [¬٢] التوراة. كلهم قد سمعها، ولكنهم الذين سألوا موسى رؤية ربهم فأخذتهم الصاعقة فيها.
قال محمد بن إسحاق فيما حدثني بعض أهل العلم: إنهم قالوا لموسى، يا موسى، قد حيل بيننا وبين رؤية الله تعالى فأسمعنا كلامه حين يكلمك. فطلب ذلك موسى إلى ربه تعالى، فقال: نعم مُرْهُم فليتطهروا، وليطهروا ثيابهم ويصوموا ففعلوا، ثم خرج بهم حتى أتوا الطور، فلما غشيهم الغمام أمرهم موسى أن يسجدوا [فوقعوا سجودًا] [¬٣]، وكلمه ربه تعالى فسمعوا [¬٤] كلامه يأمرهم وينهاهم حتى عقلوا عنه ما سمعوا، ثم انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلما جاءوهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به، [وقالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إن الله قد أمركم بكذا وكذا، قال ذلك الفريق الذين ذكرهم الله؛ إنما قال كذا وكذا خلافًا لما قال الله ﷿ لهم] [¬٥]، فهم الذين عنى الله لرسوله ﷺ.
وقال السدي ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: هي التوراة، حرّفوها.
وهذا الذي ذكره السدي أعم مما ذكره ابن عباس وابن إسحاق، وإن كان قد اختاره ابن جرير لظاهر السياق، فإنه ليس يلزم من سماع كلام الله أن يكون منه، كما سمعه الكليم موسى ابن عمران ﵊ وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: مُبلَّغًا إليه؛ ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ قال: هم اليهود، و[¬٦] كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرّفونه من بعدما عقلوه ووعوه.
وقال مجاهد: الذين يحرّفونه والذين يكتمونه هم العلماء منهم.
وقال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في [¬٧] كتابهم، من نعت محمد ﷺ، فحرّفوه عن مواضعه، وقال السدي ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: أنهم أذنبوا. وقال ابن وهب: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ قال: التوراة التي أنزلها الله عليهم يحرّفونها؛ يجعلون الحلال فيها حرامًا [والحرام فيها حلالًا] [¬٨] والحق فيها باطلًا، والباطل فيها حقًّا، إذا جاءهم المحق برشوة أخرجوا له كتاب الله، وإذا جاءهم المبطل
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "سمعوا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "فلما سمعوا". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- زيادة من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "نعت". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٤٦١ ]
برشوة أخرجوا له ذلك الكتاب، فهو فيه محق، وإن جاءهم [¬١] أحد يسألهم شيئًا [¬٢] ليس فيه حق، ولا رشوة، ولا شيء، أمروه بالحق، فقال الله لهم: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
و[¬٣] قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا [آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ] [¬٤]﴾. الآية.
قال محمد بن إسحاق: حدثنا [¬٥] محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو -سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾. أي: بصاحبكم رسول الله، ولكنه إليكم خاصة ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا﴾. لا تحدثوا العرب بهذا؛ فإنكم قد كنتم تستفتحون به عليهم، فكان منهم. فأنزل الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. أي: تقرّون بأنه نبي، وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم [¬٦] باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر، ونجد في كتابنا. اجحدوه ولا تقرّوا به. يقول الله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.
وقال الضحاك: عن ابن عباس: يعني المنافقين من اليهود، كانوا إذا لقوا أصحاب محمد ﷺ قالوا: آمنا.
وقال السدي (^٤٨٨): هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، وكذا قال الربيع بن أنس وقتادة وغير واحد من السلف والخلف، حتى قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فيما رواه ابن وهب عنه: كان رسول الله، ﷺ، قد قال: "لا يدخلن علينا قصبة المدينة إلا مؤمن" فقال رؤساؤهم من أهل الكفر والنفاق: اذهبوا فقولوا: آمنا، واكفروا إذا رجعتم إلينا، فكانوا يأتون المدينة بالبكَر [¬٧] يرجعون إليهم بعد العصر. وقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وكانوا يقولون إذا دخلوا المدينة: نحن مسلمون؛ ليعلموا خبر رسول الله ﷺ وأمره، فإذا رجعوا رجعوا إلى الكفر، فلما أخبر الله نبيه ﷺ قطع ذلك عنهم فلم يكونوا يدخلون.
_________________
(١) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٣٤٩ - (٢/ ٢٥٤) عن يونس، عن ابن وهب، به. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ضعيف جدًّا. [¬١]- في ز، خ: "جاء". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في خ: "حدثني". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: بالبُكير.
[ ١ / ٤٦٢ ]
وكان المؤمنون يظنون أنهم مؤمنون، فيقولون: أليس قد قال الله لكم: كذا وكذا؟ فيقولون: بلى. فإذا رجعوا إلى قومهم -[يعني: الرؤساء] [¬١]- قالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ الآية.
وقال أبو العالية: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. يعني: بما أنزل الله [¬٢] عليكم في كتابكم من نعت محمد ﷺ.
وقال عبد الرزاق (^٤٨٩) عن معمر عن قتادة: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. قال: كانوا يقولون: سيكون نبي. فخلا بعضهم [إلى بعض] [¬٣]، فقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾.
قول آخر في المراد بالفتح:
قال ابن جريج: حدثني القاسم بن أبي بَزَّة عن مجاهد (^٤٩٠)، في قوله تعالى: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. قال: قام النبي ﷺ يوم قريظة تحت حصونهم، فقال: "يا إخوان القردة والخنازير، ويا عبدة الطاغوت". فقالوا: من أخبر بهذا [¬٤] الأمر محمدًا؟ ما خرج هذا القول إلا منكم ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾. بما حكم الله للفتح، ليكون لهم حجة عليكم. قال ابن جريج: عن مجاهد هذا حين أرسل إليهم عليًّا، فآذوا محمدًا ﷺ.
وقال السدي ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ - من العذاب - ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾. هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا [¬٥] يحدّثون المؤمنين من العرب بما عُذّبوا به، فقال بعضهم لبعض: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ من العذاب، ليقولوا: نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم.
وقال عطاء الخراساني ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ﴾ يعني: بما قضى لكم وعليكم.
وقال الحسن البصري: هؤلاء اليهود كانوا إذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قال بعضهم: لا تحدثوا أصحاب محمد بما فتح الله عليكم مما في كتابكم؛ فيحاجوكم
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٠).
(٢) - مرسل. وهو عند ابن جرير ١٣٤٧ - (٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "ببعض". [¬٤]- في خ: "هذا". [¬٥]- في ز، خ: "وكانوا".
[ ١ / ٤٦٣ ]
به عند ربكم، فيخصموكم.
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾. قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد، ﷺ، وتكذيبهم به، وهم [¬١] يجدونه مكتوبًا عندهم. وكذا قال قتادة.
وقال الحسن ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾. قال: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد، ﷺ، وخلا بعضهم إلى بعض، تناهوا أن يخبر أحد [¬٢] منهم أصحاب محمد، ﷺ، بما فتح الله عليهم مما في كتابهم، خشية أن يحاجهم أصحاب محمد، ﷺ، بما في كتابهم عند ربهم. ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يعني: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ: آمنا. وكذا قال أبو العالية والربيع وقتادة.
﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾
يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ أي: ومن أهل الكتاب. قاله مجاهد. والأمّيون جمع أمّي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة. قاله أبو العالية والربيع، وقتادة وإبراهيم النخعي، وغير واحد، وهو ظاهر في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: لا يدرون ما فيه؛ ولهذا في صفات النبي ﷺ: أنه الأمي [¬٣]؛ لأنه لم يكن يحسن الكتابة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. وقال ﵊: "إنا أمّة أمّية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا". الحديث، أي: لا نفتقر في عباداتنا ومواقيتها إلى كتاب ولا حساب. وقال [تبارك] وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾.
وقال ابن جرير: نسبت العرب من لا يكتب ولا يَخُط من الرجال إلى أمِّه في جهله بالكتاب، دون أبيه. قال: وقد روي عن ابن عباس ﵄ [¬٤] قول خلاف هذا، وهو ما حدثنا، به (^٤٩١):
_________________
(١) - هذا إسنادٌ فيه ضعف وانقطاع -كما تقدم، والحديث في تفسير ابن جرير ١٣٥٨ - (٢/ ٢٥٨، ٢٥٩). بشر بن عُمارة: ضعفه النسائي ومشاه غيره. وقال البخاري: يعرف وينكر. وقال ابن عدي:= [¬١]- في ز: وهو. [¬٢]- في خ: "واحد". [¬٣]- في خ: "أمى". [¬٤]- في ز، خ: "عنه".
[ ١ / ٤٦٤ ]
أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ قال: الأمّيون قوم لم يصدّقوا رسولًا أرسله الله، ولا كتابًا أنزله الله، فكتبوا كتابًا بأيديهم، ثم قالوا لقوم سفلة جُهَّال: هذا من عند الله. وقال: قد أخبر أنهم يكتبون بأيديهم، ثم سماهم أمّيين لجحودهم كتب الله ورسله. ثم قال ابن جرير: وهذا التأويل تأويل على خلاف ما يعرف من كلام العرب المستفيض بينهم. وذلك أنّ الأمّي عند العرب الذي لا يكتب.
قلت: ثم في صحة هذا عن ابن عباس بهذا الإسناد نظر، والله أعلم.
و[¬١] قوله تعالى: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: إلا أماني: إلا أحاديث.
وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ يقول: إلا قولًا يقولونه بأفواههم كذبًا. وقال مجاهد: إلا كذبًا. وقال سنيد: عن حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ﴾. قال: أُنَاس من اليهود [¬٢] لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها. وعن الحسن البصري، نحوه.
وقال أبو العالية والرييع وقتادة: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ يتمنون على الله ما ليس لهم.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿إلا أَمَانِيَّ﴾ قال: تمنوا فقالوا: نحن من أهل الكتاب. وليسوا منهم.
قال ابن جرير (٤٩٢): والأشبه بالصواب قول الضحاك عن ابن عباس. وقول [¬٣] مجاهد: إن الأمّيين الذين وصفهم الله تعالى أنهم لا يفقهون من الكتاب الذي أنزله [¬٤] الله تعالى على موسى - شيئًا، ولكنهم يَتَخَرَّصُون [¬٥] الكذب، ويَتَخَرَّصُون [¬٦] الأباطيل كذبًا وزورًا. والتمني [¬٧] في هذا الموضع هو تخلق الكذب وتخرصه [¬٨]. ومنه الخبر المروي عن عثمان بن عفان، ﵁، ما تغنيت ولا تمنيت. يعني: ما تخرصت [¬٩] الباطل ولا تخلقت [¬١٠]، الكذب.
_________________
(١) = حديث بشر بن عمارة عندي إلى الاستقامة أقرب (الميزان ١/ ٣٢١). والضحاك لم يسمع من ابن عباس. (٤٩٢) - تفسير ابن جرير (٢/ ٢٦٢). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: يهود. [¬٣]- في ت: وقال. [¬٤]- في ز: أنزل. [¬٥]- في خ: "يتحرصون". [¬٦]- في خ: "يتحرصون". [¬٧]- في ز: والمتمني. [¬٨]- في خ: "وتحرضه". [¬٩]- في خ: "تحرصت". [¬١٠]- في ت: اختلقت.
[ ١ / ٤٦٥ ]
[وقيل: المراد بقوله إلا أماني بالتشديد والتخفيف أيضًا أي: إلا تلاوة، فعلى هذا يكون استثناء منقطعًا، واستشهدوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿إلا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي تلا ﴿أَلْقَى الشَّيطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية. وقال كعب بن مالك الشاعر:
تمنَّى كتاب الله أوّل ليلِهِ … وآخره لاقى حمام المقادر
وقال آخر:
تمنى كتاب الله آخر ليلِهِ … تمني داود الكتاب على رسل] [¬١]
وقال محمد بن إسحاق (^٤٩٣): حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾. أي [¬٢]: ولا يدرون ما فيه، وهم يجحدون [¬٣] نبوتك بالظن.
وقال مجاهد ﴿وَإِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾: يكذبون.
وقال قتادة وأبو العالية والربيع: يظنون بالله [¬٤] الظنون بغير الحق.
وقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. الآية هؤلاء صنف آخر من اليهود، وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب على الله، وأكل أموال الناس بالباطل.
[والويل: الهلاك والدمار] [¬٥]، وهي كلمة مشهورة في اللغة. وقال سفيان الثوري: عن زياد بن فَيَّاض، سمعت أبا عياض يقول: ويل: صديد في أصل جهنم.
وقال عطاء بن يسار: الويل: واد في جهنم لو سيرت فيه الجبال لماعت.
وقال ابن أبي حاتم (^٤٩٤): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن
_________________
(١) - رواه ابن جرير (١٣٦٢)، وإسناده ضعيف.
(٢) - إسناده ضعيف، وهو في تفسير ابن أبي حاتم ٨٠٣ - (١/ ٢٤٣). ورواه أحمد بزيادة في آخره برقم ١١٧٢٩ - (٣/ ٧٥)، وأخرجه عبد بن حميد في "المنتخب" (٩٢٤) ثنا الحسن بن موسى، به، ومن طريقه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة الأنبياء، ﵈ (٣١٦٤) وأخرجه أبو يعلى في مسنده (٢/ ١٣٨٣) حدثنا زهير، حدثنا الحسن بن موسى، به. وأسد بن موسى في "الزهد" (١٥) حدثنا ابن لهيعة، به. والبيهقي في "البعث" (٤٨٧) من طريق كامل، ثنا ابن لهيعة، به. وقال [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "يجدون". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٤٦٦ ]
الحارث، عن درّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله، ﷺ، قال: "ويل: واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره".
ورواه الترمذي (^٤٩٥)، عن عبد بن حميد عن الحسن بن موسى، عن [¬١] ابن لهيعة، عن درّاج، به. وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
(قلت): لم ينفرد به ابن لهيعة كما ترى، ولكن الآفة ممن بعده، وهذا الحديث بهذا الإسناد -مرفوعًا- منكرٌ، والله أعلم.
وقال ابن جرير (^٤٩٦): حدَّثنا المثنى، حدَّثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح التستري [¬٢]، حدثنا علي بن جرير، عن حماد بن سلمة، في عبد الحميد بن جعفر، عن كنانة العدوي، عن عثمان بن عفان، ﵁، عن رسول الله، ﷺ: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. قال: "الويل: جبل في النار، وهو الذي أنزل في اليهود؛ لأنهم حرّفوا التوراة، زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد ﷺ من التوراة ولذلك غضب الله عليهم فرفع بعض التوراة؛ فقال تعالى: ﴿فَوَيلٌ
_________________
(١) = الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة. قلنا: لم ينفرد برفعه ابن لهيعة كما قال الترمذي بل تابعه عمرو بن الحارث، عن دراج، به. كما في حديثنا هذا، وكما عند الطبري في "تفسيره" (١/ ٣٧٨)، وابن حبان في "صحيحه" (١٦/ ٧٤٦٧)، وهو في "الموارد" (٨/ ٢٦١٠). من طريق عبد الله بن وهب عنه، به. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٩٦)، والبيهقي في "البعث" (٤٦٥). من طريقين عن ابن وهب، به مطولًا، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وتابع ابن وهب، رشدين بن سعد، عن عمرو، به مطولًا. أخرجه نعيم بن حماد في "زوائد الزهد لابن المبارك" (٣٣٤) ومن طريق ابن المبارك رواه البغوي في "شرح السنة" (١٥/ ٤٤٠٩). وعلى ذلك فالآفة ليست من ابن لهيعة، وإنما من رواية دراج، عن أبي الهيثم. وقد جاء موقوفًا من نفس طريق المرفوع أخرجه الحاكم (٢/ ٥٣٤)، ومن طريقه البيهقي (٤٦٤) بلفظ: "الويل وادٍ في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا، قبل أن يفرغ من حساب الناس". وقال الحاكم: صحيح الإسناد. والحديث زاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ١٥٩) إلى ابن أبي الدنيا في "صفة النار" وابن مردويه.
(٢) - ضعيف، وهو في سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن، باب: سورة الأنبياء، برقم (٣١٦٤). وانظر التعليق السابق.
(٣) - تفسير ابن جرير ١٣٦٨، ١٣٩٥ - (٢/ ٢٦٨، ٢٧١). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: العشيري، والمثبت من ابن جرير.
[ ١ / ٤٦٧ ]
لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ".
وهذا غريب أيضًا جدًّا.
[وعن ابن عباس: الويل: المشقة من العذاب. وقال الخليل بن أحمد: الويل شدّة الشر. وقال سيبويه: ويل لمن وقع في الهلكة، وويح لمن أشرف عليها. وقال الأصمعي: الويل تفجع، والويل ترحم. وقال غيره: الويل الحزن. وقال الخليل: وفي معنى ويل ويح وويش وويه وويك وويب، ومنهم من فرّق بينها.
وقال بعض النحاة: إنما جاز الابتداء بها وهي نكرة؛ لأن فيها معنى الدعاء، ومنهم من جوّز نصبها بمعنى ألزمهم ويلًا. (قلت): لكن لم يقرأ بذلك أحد] [¬١].
وعن عكرمة عن ابن عباس، ﵄، ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ قال: هم أحبار اليهود. وكذا قال سعيد: عن قتادة: هم اليهود.
وقال سفيان الثوري: عن عبد الرحمن بن علقمة سألت ابن عباس، ﵁، عن قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ قال: نزلت في المشركين وأهل الكتاب.
وقال السديُّ: كان ناس من اليهود كتبوا كتابًا من عندهم، يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه [¬٢] من عند الله، ليأخذوا [¬٣] به ثمنًا قليلًا.
وقال الزهري: أخبرني عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، [وكتاب الله] [¬٤] الذي أنزله [¬٥] على نبيه أحدث أخبار الله تقرءونه [¬٦] غضًّا لم يَشِب؟، وقد حَدَّثكم الله تعالى أن أهل الكتاب قد بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مُسَاءلتهم، ولا والله ما رأينا منهم أحدًا قط سألكم عن الذي أنزل إليكم.
رواه البخاري من طرق، عن الزهري (^٤٩٧).
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري:، الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها.
_________________
(١) - صحيح البخاري في الشهادات، باب: لا يسأل أهل الشرك عن الشهادة وغيرها برقم (٢٦٨٥) وانظر (٧٣٦٣، ٧٥٢٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- في ز: فيأخذوا. [¬٤]- في ز: وكتابكم. [¬٥]- في ز: أنزل الله. [¬٦]- في خ: "تعرفونه".
[ ١ / ٤٦٨ ]
وقوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. أي: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت، كما قال الضحاك عن ابن عباس ﵄: ﴿فَوَيلٌ لَهُمْ﴾ يقول: فالعذاب عليهم، من الذي كتبوا بأيديهم من ذلك الكذب ﴿وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ يقول: مما يأكلون به الناس السفلة وغيرهم.
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
يقول تعالى إخبارًا عن اليهود فيما نقلوه وادّعوه لأنفسهم، من أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودة، ثم ينجون منها، فردّ الله عليهم ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾. أي: بذلك، فإن كان قد وقع عهد [¬١] فهو لا يُخَلف عهده، ولكن هذا ما جرى ولا كان؛ ولهذا أتى "بأم" التي بمعنى: بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه.
قال محمد بن إسحاق، عن سيف بن سليمان، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنّ اليهود كانوا يقولون: إنّ [¬٢] هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نُعَذَّبُ بكل ألف سنة يومًا في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة [¬٣]، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ إلى قوله: ﴿خَالِدُونَ﴾.
ثم رواه عن محمد (^٤٩٨)، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس بنحوه [¬٤].
وقال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة (^٤٩٩).
[زاد غيره: وهي مدة عبادتهم العجل. وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة] [¬٥]. وقال الضحاك: قال ابن عباس: زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبًا أنّ ما بين طرفي جهنم
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم (٨١٨).
(٢) - ابن جرير برقم (١٤٠٥) وسنده ضعيف جدًّا. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: معدودات. [¬٤]- في خ: "نحوه". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٦٩ ]
مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، التي هي نابتة [¬١] في أصل الجحيم، وقال أعداء [¬٢] الله: إنما نُعذَّب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم، فتذهب جهنم وتهلك [¬٣]. فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾.
وقال عبد الرزاق (^٥٠٠): عن معمر عن قتادة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ يعني: الأيام التي عبدنا فيها العجل.
وقال عكرمة: خاصمت اليهود رسول الله- ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها [¬٤] قوم آخرون- يعنون [¬٥] محمدًا ﷺ وأصحابه، ﵃، فقال رسول الله، ﷺ، بيده على رءوسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد". فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾. الآية.
وقال الحافط أبو بكر بن مردويه ﵀: حدّثنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا محمد بن محمد بن صخر، حدّثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، حدثنا ليث بن سعد، حدّثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله ﷺ شاة فيها سُم، فقال رسول الله- ﷺ: "اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا". فقال لهم رسول الله، ﷺ: "من أبوكم؟ " قالوا: فلان. قال: "كذبتم؛ بل أبوكم فلان". فقالوا: صدقت وبَرِرت.
ثم قال لهم: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم، يا أبا القاسم؛ وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا. فقال لهم رسول الله ﷺ: "من أهل النار؟ ". فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفوا نا فيها. فقال لهم رسول الله، صلى الله عيه وسلم: "اِخسَئُوا، والله لا نخلفكم فيها أبدًا". ثم قال لهم رسول الله، ﷺ: "هل أنتم صادقيَّ عن شيء إن سألتكم عنه؟ ". قالوا: نعم، يا أبا القاسم؛ قال [¬٦]: "هل جعلتم في هذه الشاة سُمًّا؟ " فقالوا: نعم. قال: "فما [¬٧] حملكم على ذلك؟ ". فقالوا: أردنا؛ إن كنت كاذبًا أن نستريح منك، وإن كنت نبيًّا لم يضرك.
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥١). [¬١]- في ز، خ: "ثابتة". [¬٢]- في خ: "عهد". [¬٣]- في خ: "لعلك". [¬٤]- في ز، خ: "إليها". [¬٥]- في ز، خ: "يعني". [¬٦]- في ز: فقال. [¬٧]- في ز: ما.
[ ١ / ٤٧٠ ]
ورواه الإمام [¬١] أحمد والبخاري والنسائي من حديث الليث بن سعد بنحوه (^٥٠١).
بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)
يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم ولا كما تشتهون؛ بل الأمر أنه مَنْ عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليست [¬٢] له حسنة؛ بل جميع أعماله [¬٣] سيئات؛ فهذا من أهل النار [﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾] [¬٤] [أي [¬٥]: آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات] [¬٦] من العمل الموافق للشريعة فهم [¬٧] من أهل الجنة، وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾.
قال محمد بن إسحاق (^٥٠٢): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. أي: عمل مثل [¬٨] أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره، فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك (^٥٠٣).
قال ابن أبي حاتم (^٥٠٤): وروي عن أبي وائل وأبي العالية ومجاهد، وعكرمة، والحسن وقتادة
_________________
(١) - المسند ٩٨٢٦ - (٢/ ٤٥١) وصحيح البخاري في الجزية والموادعة، باب: إذا غدر المشركون بالمسلمين، هل يعفى عنهم برقم (٣١٦٩)، وأطرافه (٤٢٤٩، ٥٧٧٧)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٥٥).
(٢) - رواه ابن أبي حاتم ٨٢٧ - (١/ ٢٥٠) ٠ و٨٣٠ - (١/ ٢٥٢) وابن جرير ١٤٢٠ - (٢/ ٢٨٠).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف إلى ابن عباس برقم ٨٢ - (١/ ٢٥١).
(٤) - ابن أبي حاتم (١/ ٢٥١). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز: وليس. [¬٣]- في ز، خ: "عمله". [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز: والذين. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٧]- في ز: فهو. [¬٨]- في ز، خ: "بمثل".
[ ١ / ٤٧١ ]
والربيع بن أنس، نحوه.
وقال الحسن أيضًا والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر (^٥٠٥).
وقال ابن جريج عن مجاهد ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: بقلبه.
وقال أبو هريرة وأبو وائل وعطاء والحسن: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قالوا [¬١]: أحاط به شركه.
وقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذي يموت على خطايا [¬٢] من قبل أن يتوب. وعن السدي وأبي رزين. نحوه.
وقال أبو العالية ومجاهد والحسن في رواية عنهما، وقتادة والربيع بن أنس: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الكبيرة الموجبة، وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال (^٥٠٦):
حدَّثنا سليمان بن داود، حدَّثنا [عمران عن قتادة] [¬٣]، عن عبد ربه، عن أبي عياض، [] [¬٤] عن عبد الله بن مسعود ﵁: أنّ رسول الله، ﷺ، قال: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن علي الرجل حتى يهلكنه". وإنّ رسول الله، ﷺ، ضرب لهنّ مثلًا، كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها.
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم بإسناده ٨٢٨ - (١/ ٢٥١).
(٢) - المسند ٣٨١٨ - (٢/ ٤٠١). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٨٩) وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن داور القطان وقد وثق. وهو تساهل من الحافظ الهيثمي رحمه الله تعالى، فإن عبد ربه -وهو ابن أبي يزيد- قال ابن المديني: مجهول -لم يرو له شيء في الصحيحين. وأبو عياض تفرد بالرواية عنه عبد ربه، ولم يرو له إلا أبو داود والكَسائي. ورواه أحمد عن حديث سهل بن سعد ٢٢٩١٤ - (٥/ ٣٣١). ثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم -لا أعلمه إلا عن سهل بن سعد- قال: قال رسول الله، ﷺ: "إياكم ومحقرات الذنوب، فإنما مثل محقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بِعُودٍ، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبْزَتَهم، وإن محقراتِ الذنوب متى يؤخذ بها صاحبُها تهلكه". أخرجه الطبراني في الكبير (٦/ ١٦٥، ١٦٦ / رقم: ٨٨٧٢). وفي الصغير (٢/ ٣٢٧ / رقم: ٨٨٧). وفي الأوسط كما في= [¬١]- في ز: قال. [¬٢]- في خ: "خطاياه". [¬٣]- في ز: عمر بن قتادة، وفي خ: عمرو بن قتادة. [¬٤]- في خ زيادة: عن عبد ربه.
[ ١ / ٤٧٢ ]
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: من آمن بما كفرتم به [¬١]. وعمل بما [¬٢] تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله [لا انقطاع له أبدًا] [¬٣].
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيتُمْ إلا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾
يُذكِّر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذه ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم تعالى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه؛ ولذلك خلقهم، كما قال تعالى: [﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقال تعالى] [¬٤]: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله ﵎ أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين؛ ولهذا يقرن [تبارك و] [¬٥] تعالى [كثيرًا] [¬٦] بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقال ﵎: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ الآية. إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾
وفي الصحيحين (^٥٠٧)، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله؛ أيُّ العمل أفضل؟ قال:
_________________
(١) = مجمع البحرين (٨/ ٢٦١، ٢٦٢ / رقم: ٥٠٨٠). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٩٠) وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح، والطبراني في الثلاثة من طريقين، ورجال أحدهما رجال الصحيح غير عبد الوهاب بن عبد الحكم، وهو ثقة. ورواه من حديث عائشة (٦/ ٧٠، ١٥١).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب: فضل الصلاة لوقتها برقم (٥٢٧) وأطرافه (٧٥٣٤، ٥٩٧٠) وصحيح مسلم، كتاب الإيمان برقم ١٣٧ - (٨٥). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: ما. [¬٣]- في ز، خ: "أبدًا لا انقطاع له". [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في ز: الله. [¬٦]- زيادة من ز.
[ ١ / ٤٧٣ ]
"الصلاة على وقتها" قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قلت: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" ولهذا جاء في الحديث الصحيح (^٥٠٨): أنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ من أبَرُّ؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أباك، ثم أدناك ثم [¬١] أدناك".
[وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب وهو آكد، وقيل: كان أصله: أن لا تعبدوا إلا الله، كما قرأها من قرأها من السلف فحذفت أن فارتفع، وحكى عن أُبي، وابن مسعود أنهما قرآها: (لا تعبدوا إلا اللَّه) ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. قال: واختاره الكسائى والفراء] [¬٢].
قال ﴿وَالْيَتَامَى﴾ وهم الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء: ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيّبًا ولِينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ فالحُسْن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُقٍ حسن رضيه الله.
وقال الإمام أحمد (^٥٠٩): حدَّثنا روح، حدَّثنا أبو عامر الخَزَّاز، عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا
_________________
(١) - جاء ذلك من حديث معاوية بن حيدة، أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في بر الوالدين برقم (٥١٣٩). والترمذي في كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في بر الوالدين برقم (١٨٩٧). وأحمد ٢٠٠٧٦ - (٥/ ٣). كلهم من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، به. وقال الترمذي: وهذا حديث حسن. ومن حديث كليب بن منفعة، عن أبيه، عن جده، رواه أبو داود في السنن برقم (٥١٤٠) ومن طريقه ذكره البخاري في تاريخه معلقًا. وأخرج البخاري في صحيحه (٥٩٧١) من حديث أبي زرعة بن جرير، عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي، ﷺ، فقال: يا رسول الله؛ من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أمك" قال: ثم من؟ قال: "ثم أبوك". ورواه مسلم ٤٠٣ - (٢٥٤٨) وابن ماجه (٢٧٠٦) بنحوه وفي حديثهما: "ثم أمك" مرتين.
(٢) - المسند ٢١٦٠٢ - (٥/ ١٧٣)، وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب (رقم: ٢٦٢٦). والترمذي في كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في إكثار ماء المرقة (رقم: ١٨٣٣). كلاهما من طريق صالح بن رستم، به. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٧٤ ]
تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فَالْقَ أخاك بوجه منطلق [¬١] ".
وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] [¬٢] من حديث [أبي عامر الخزَّاز] [¬٣]، واسمه صالح بن رستم، به.
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل؛ فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي، ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمعين من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وأخبر أنهم تولوا [¬٤] عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم. وقد أمر الله تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ فقامت هذه الأمة [¬٥] من ذلك بما لم تقم به أمة من الأم قبلها ولله الحمد والمنة.
ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره (^٥١٠): حدثنا أبي، حدَّثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدَّثنا عبد الله بن يوسف [-يعني التنيسي-] [¬٦] حدثنا خالد بن صبيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وداعة أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديًّا ولا نصرانيًّا إلا سلم عليه فقيل له: ما شأنك تسلم على اليهودي والنصراني؟ فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وهو السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.
(قلت): وقد [ثبت في] [¬٧] السنة أنهم لا يبدءون بالسلام والله أعلم (^٥١١).
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٨٥٢ - (١/ ٢٥٩).
(٢) - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب السلام برقم ١٣ - (٢١٦٧) عن أبي هريرة، ﵁، أن رسول الله، ﷺ، قال: "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". [¬١]- في المسند: طلق. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط عن: ز، خ. [¬٣]- في خ: "أبي عمران الجوني". [¬٤]- في ز، خ: "نزلوا". [¬٥]- في خ: "الآية". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- في ز: ثبتت.
[ ١ / ٤٧٥ ]
فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)
يقول الله ﵎، منكرًا على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله، ﷺ بالمدينة، وما كانوا يعانونه من القتال مع الأوس والخزرج، وذلك أن الأوس والخزرج -وهم الأنصار- كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من [¬١] الفريق الآخر، وذلك حرام عليه في دينه ونص كتابه، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، ولا يخرجه من منزله، ولا يظاهر عليه، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ذَلِكُمْ خَيرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ] [¬٢]﴾ وذلك أنّ أهل [الملة الواحدة] [¬٣] بمنزلة النفس الواحدة، كما قال ﵊: "مثل المؤمنين في توادّهم وتواحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحُمَّى والسهر".
[وقوله تعالى]: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أي: ثم أقررتم بمعرفة [¬٤] هذا الميثاق وصحته، وأنتم تشهدون به.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: البلد الواحد. [¬٤]- في ز: لمعرفة.
[ ١ / ٤٧٦ ]
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ [تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ [¬١]﴾ الآية.
و[¬٢] قال محمد بن إسحاق بن يسار، حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. قال: أنَّبهم الله بذلك [¬٣] من فعلهم، وقد حرَّم عليهم في التوراة سفك دمائهم، وافترض عليهم فيها فداء أسراهم، فكانوا فريقين: طائفة منهم بنو قينقاع -وهم [¬٤] حلفاء الخزرج، والنضير، وقريظة ش، وهم [¬٥] حلفاء الأوس- فكانوا [¬٦] إذا كانت بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، يظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى يتسافكوا دماءهم بينهم، وبأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم وما لهم. والأوس والحزرج أهل شرك يعبدون الأوثان، و[¬٧] لا يعرفون جنة ولا نارًا، ولا بعثًا ولا قيامة، ولا كتابًا، ولا حلالًا ولا حرامًا، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم، تصديقًا لما في التوراة، وأخذًا به- بعضهم من بعض- يفتدي بنو قينقاع ما كان من أسراهم في أيدي الأوس، ويفتدي النضير وقريظة ما كان في أيدي الخزرج منهم، ويطلون (^٥١٢) ما أصابوا من دمائهم [¬٨]، وقتلى [¬٩] من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم.
يقول الله -تعالى ذكره-[حيث أنَّبَهم] [¬١٠] بذلك ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أي: تفادونهم [¬١١] بحكم التوراة، وتقتلونهم [¬١٢]، وفي حكم التوراة أن لا يقتل [¬١٣]، ولا [¬١٤] يخرج [¬١٥] من داره، ولا [¬١٦] يظاهر عليه من يُشْرك بالله، ويعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففي ذلك من فعلهم مع الأوس والخزرج -فيما بلغني- نزلت هذه القصة (^٥١٣).
_________________
(١) - طلَّ دمه: أبطله، وأهدره.
(٢) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ١٨٨) وتفسير ابن جرير برقم ١٤٧١ - (٢/ ٣٠٥). [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- زيادة من: ز، خ. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: وأنهم. [¬٥]- في ز، خ: "وأنهم". [¬٦]- في خ: "وكانوا". [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- في ز، خ: "الدماء". [¬٩]- في ز: وقتلوا. [¬١٠]- في ز: حين أنبأهم. [¬١١]- في ز، خ: "يفادونهم". [¬١٢]- في ز، خ: "ويقتله". [¬١٣]- في ز، خ: "يفعل". [¬١٤]- سقط من: ز، خ. [¬١٥]- في ز، خ: "يخرجه". [¬١٦]- سقط من: خ.
[ ١ / ٤٧٧ ]
وقال أسباط، عن السدي: كانت قريظة حلفاء الأوس، وكانت النضير حلفاء الخزرج، فكانوا يقتتلون في حرب سُمَير، فيقاتل بنو قريظة مع حلفائها النضير وحلفاءهم، وكانت النضيرُ تقاتل قريظة وحلفاءها، ويغلبونهم [¬١] فيخرّبون ديارهم ويخرجونهم منها، فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما [¬٢] جمعوا له حتى يفدوه. فتعيرهم العرب بذلك ويقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ قالوا: إنا أمرنا أن نفديهم، وحرِّم علينا قتالهم: قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا نستحي [¬٣] أن تُسْتَذلَ [¬٤] حلفاؤنا [¬٥]. فذلك حين عيرهم الله ﵎، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ الآية.
وقال شعبة، عن السدي: نزلت هذه الآية في قيس بن الخَظِيم [¬٦]: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ الآية. وقال أسباط، عن السدي، عن عبد خير [¬٧]، قال: غزونا مع سلمان بن ربيعة الباهلي بَلَنْجَر فحاصرنا أهلها ففتحنا المدينة، وأصبنا سبايا، واشترى عبد الله بن سلام يهودية بسبعمائة، فلما مرَّ برأس الجالوت، نزل به فقال له عبد الله: يا رأس الجالوت؛ هل لك في عجوز هاهنا من أهل دينك تشتريها مني؟ قال: نعم، قال: أخذتها بسبعمائة درهم. قال: فإني أربحك سبعمائة أخرى. قال: فإني قد حلفت أن لا أنقصها من أربعة آلاف. قال: لا حاجة لي فيها. قال: والله لتشترينها [¬٨] مني أو لتكفُرَنَّ بدينك الذي أنت عليه. قال: ادن مني، فدنا منه، فقرأ في أذنه التي في التوراة: إنك لا تجد مملوكًا من بني إسرائيل إلا اشتريته فأعتقته ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ [¬٩] وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ قال: أنت عبد الله بن سلام؟ قال: نعم. قال: فجاء بأربعة آلاف، فأخذ عبد الله ألفين، وردّ عليه ألفين.
وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره: حدثنا أبو جعفر -يعني الرازي- حدثنا الربيع بن أنس (^٥١٤)، أخبرنا أبو العالية: أنّ عبد الله بن سلام مَرَّ على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليها العرب، ولا يفادي من وقع عليها العرب، فقال عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهنّ كلهنّ.
والذي [¬١٠] أرشدت إليه الآية الكريمة، وهذا السياق ذمُّ اليهود في قيامهم بأمر التوراة التي
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (١٤٨٠). [¬١]- في ز، خ: "ويلعنونهم". [¬٢]- في ز، خ: "كلاهما". [¬٣]- في ز: نستحيي. [¬٤]- في خ: "يستدل". [¬٥]- في ز: بحلفائنا. [¬٦]- في ز، خ: "الحطيم". [¬٧]- في خ: "جبر". [¬٨]- في ز، خ: لتشتريها". [¬٩]- في ز: تفدوهم. [¬١٠]- في ز، خ: "والتي".
[ ١ / ٤٧٨ ]
يعتقدون صحتها، ومخالفة شرعها مع معرفتهم بذلك وشهادتهم له بالصحة؛ فلهذا لا يؤتمنون على ما فيها، ولا على نقلها، ولا يصدقون فيما يكتمونه من صفة رسول الله ﷺ ونعته، ومبعثه ومخرجه، ومهاجره، وغير ذلك من شئونه، التي قد [¬١] أخبرت بها الأنبياء قبله [عليهم الصلاة والسلام] [¬٢].
واليهود عليهم لعائن الله يتكاتمونه بينهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ جزاء على ما كتموه من كتاب الله الذي بأيديهم ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [¬٣] أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: استحبوها على الآخرة واختاروها ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾، أي: لا يفتر عنهم ساعة واحدة ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي، ولا يجيرهم [¬٤] منه.
وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَينَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)
ينعت ﵎ بني إسرائيل بالعتوّ والعناد والمخالفة والاستكبار على الأنبياء، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم، فذكر تعالى أنه آتى موسى [¬٥] الكتاب -وهو التوراة- فحرفوها وبدلوها، وخالفوا أوامرها وأولوها، وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيهِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَفَّينَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ قال السدي، عن أبي مالك: أتبعا. وقال غيره: أردفنا. والكل قريب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام، ولهذا أعطاه الله تعالى من البينات، وهي: المعجزات. قال ابن عباس: من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطر فينفخ فيها فتكون طيرًا [¬٦] بإذن الله، وإبرائه الأسقام، وإخباره بالغيوب، وتأييده [¬٧] بروح القدس- وهو جبريل ﵇ - ما يدلهم [به] [¬٨] على صدقه فيما جاءهم به. فاشتد تكذيب بني إسرائيل له،
_________________
(١) [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز، خ: "يعملون". [¬٤]- في ز، خ: "يجزيهم". [¬٥]- في ز، خ: "بني إسرائيل". [¬٦]- في ز: طائرًا. [¬٧]- في ز، خ: "والتأييد". [¬٨]- زيادة من ز.
[ ١ / ٤٧٩ ]
وحسدُهم وعنادُهم لمخالفته التوراة في البعض، كما قال تعالى إخبارًا عن عيسى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ أسوأ المعاملة؛ [ففريقًا يكذبون، وفريقًا يكذبونه و] يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم، ووإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها؛ فلهذا كان [ذلك يشق] [¬١] عليهم فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
والدليل على أن روح القدس هو جبريل -كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية، وتابعه على ذلك [ابن عباس] [¬٢] ومحمد بن كعب القرظى [¬٣] وإسماعيل بن أبي [¬٤] خالد، والسدي، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، وقتادة مع قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣]- ما [¬٥] قال البخاري: وقال ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُروة، عن عائشة: إن رسول الله، ﷺ، وضع لحسان بن ثابت مِنْبرًا في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله، ﷺ، فقال رسول الله، ﷺ: "اللَّهُمَّ؛ أيِّدْ حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك [¬٦] ". وهذا [¬٧] من البخاري تعليق (^٥١٥).
وقد رواه أبو داود في سننه، [عن لُوَين] [¬٨]، والترمذي، عن علي بن حجر، وإسماعيل بن موسى الفزاري، ثلاثتهم، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، وهشام بن عروة، كلاهما عن عروة، عن عائشة به (^٥١٦). وقال الترمذي: حسن صحيح، وهو حديث أبي الزناد.
_________________
(١) - وكذا عزاه المزى في تحفة الأشراف (١٢/ ١٠) للبخاري، وقال الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف": "لم أر هذا الموضع في صحيح البخاري، وقد وصله أحمد والطبراني ٣٥٨٠ - (٤/ ٣٧) وصححه الحاكم". وعبد الرحمن بن أبي الزناد: ضعيف، ضعفه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وابن مهدى، وعلي بن المديني، والنسائي، وابن عدي، وابن حبان.
(٢) - رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: ما جاء في الشعر برقم (٥٠١٥)، والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في إنشاد الشعر برقم (٢٨٤٦). ورواه الطبراني (٤/ ٣٧) رقم (٣٥٨٠) من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة، واحمد ٢٤٤٨ - (٦/ ٧٢)، والحاكم (٣/ ٥٥٤). [¬١]- في ز، خ: "يشق ذلك". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- زيادة من: ز، خ. [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "كما". [¬٦]- في ز، خ: "نبيه". [¬٧]- في ت: "فهذا". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٤٨٠ ]
وفي الصحيحين (^٥١٧): من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أن عمر بن الخطاب مر بحسان، وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه [¬١]، فقال: قد كنت أنشد فيه، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله، أسمعتَ رسول الله ﷺ يقول: "أجب عني، اللَّهُمَّ، أيده بروح القدس"؟ فقال: الَّلهُمَّ نعم.
وفي بعض الروايات: أن رسول الله ﷺ قال لحسان: "اهجهم -أو هاجهم- وجبريل معك".
[وفي شعر حسان قوله:
وجبريل رسول الله فينا … وروح القدس ليس به خفاء] [¬٢]
وقال محمد بن إسحاق: حدّثني [عبد الله بن] [¬٣] عبد الرحمن بن أبي حسين المكي، عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرًا من اليهود سألوا رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح. فقال: "أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: نعم (^٥١٨).
[وفي صحيح ابن حبان، عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "إن روح القدس نفث في روعي: أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب] [¬٤] " (^٥١٩).
_________________
(١) - صحيح البخاري كتاب بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، صلوات الله عليهم، برقم (٣٢١٢) وصحيح مسلم فضائل الصحابة برقم ١٥١ - (٢٤٨٥).
(٢) - مرسل، ورواه ابن جرير في تفسيره ١٤٨٩ - (٢/ ٣٢٠) من طريق ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، به، وشهر بن حوشب كثير الإرسال، والأوهام، ضعفه يحيى بن سعيد، وشعبة، والجوزجاني، موسى بن هارون، وأبو حاتم الرازي، وابن حبان، وابن عدي، ووثقه أحمد، وابن معين، وقال أبو زرعة: لا بأس به. وروى له مسلم مقرونًا، وحسن له أحمد ما روى عبد الحميد بن بهرام، عنه.
(٣) - إسناده ضعيف، رواه البغوي في شرح السنة برقم ٤١١١، ٤١١٢، ٤١١٣ - (١٤/ ٣٠٣ - ٣٠٥) من طرق، عن زبيد اليامي، عن ابن مسعود -أو عمن أخبره عن ابن مسعود، عن ابن مسعود، له مرفوعًا. ورواه القضاعي في مسند الشهاب حديث ١١٥١ (٢/ ١٨٥) من طريق زبيد اليامي، عمن أخبره، عن ابن مسعود، به، ورواه الحاكم (٢/ ٤) من حديث ابن أبي بكير، عن الليث بن سعد، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن سعيد بن أبي أمية الثقفي، عن يونس بن بكير، عن ابن مسعود ولفظه". . . . إن جبريل ﵇ ألقى في روعي أن أحدًا منكم لن يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه فاتقوا الله أيها الناس وأجملوا في الطلب". [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- زيادة من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٨١ ]
أقوال آخر:
قال ابن أبي حاتم (^٥٢٠): حدَّثنا أبو زرعة، حدَّثنا منجاب [¬١] بن الحارث، حدَّثنا بشر، عن أبي روق عن الضحاك، عن ابن عباس ﴿وَأَيَّدْنَاهُ [¬٢] بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: هو الاسم الأعظم [¬٣] الذي كان عيسى يُحيي به الموتى.
وقال ابن جرير (^٥٢١): حدثت [¬٤] عن المنجاب. . . فذكره.
و[¬٥] قال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك.
[ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير أيضًا قال: وهو الاسم الأعظم] [¬٦]. وقال [ابن أبي نجيح] [¬٧]: الروح هو حفظة على الملائكة.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس: القدس هو الرب ﵎. وهو قول كعب، [وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا: القدس هو الله تعالى، وروحه جبريل. فعلى هذا يكون القول الأوّل] [¬٨]. وقال السدي: القدس البركة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: القدس الطهر.
وقال ابن جرير (^٥٢٢) حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، أنبأنا [¬٩] ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحًا، كما جعل القرآن روحًا كلاهما روح من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾.
ثم قال ابن جرير: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قولُ من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله ﷿ أخبر أنه أيد عيسى به كما أخبر في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الآية. فذكر أنه أيده به، فلو كان
_________________
(١) - إسناده فيه ضعف والقطاع- تقدم بيانه، والحديث عند ابن أبي حاتم ٨٩٢ - (١/ ٢٧٠).
(٢) - تفسير ابن جرير رقم ١٤٩١ - (٣/ ٣٢١).
(٣) - تفسير ابن جرير برقم ١٤٩٠ - (٣/ ٣٢١). [¬١]- في خ: "سنجاب". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "حديث". [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "ابن أبي حاتم". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- في خ: "أخبرنا".
[ ١ / ٤٨٢ ]
الروح الذي أيده به هو الإنجيل، لكان قولًا: ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾، ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تكرير قول لا معنى له، والله [﷾] أعز وأجل [¬١] أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به [¬٢].
(قلت): ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق، ولله الحمد. [وقال الزمخشري: ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق، ووصفها بالقدس كما قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة. وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، فتضمن كلامه قولًا آخر، وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدّسة المطهرة. وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ إنما لم يقل؛ وفريقًا، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضًا؛ لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسُّمِّ والسحر، وقد قال ﵇ في مرض موته: "ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري".
(قلت): وهذا الحديث في صحيح البخاري (^٥٢٣) وغيره] [¬٣].
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾
قال محمد بن إسحاق (^٥٢٤)، حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: في أكنة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي: لا تفقه.
_________________
(١) - رواه البخاري تعليقًا في المغازي، باب: مرض النبي، ﷺ، ووفاته برقم (٤٤٢٨) بلفظ: "يا عائشة: ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر فهذا أوان وجدت انقطاع أَبهري من ذلك السم". وهذا الحديث بهذا اللفظ- الذي أورده ابن كثير، وفيه زيادة: "كل عام"- رواه ابن عدي في كامله (٣/ ١٢٣٩)، والذهبي في الميزان (٢/ ١٥٦). وأبو نعيم وابن السني- كلاهما في الطب النبوي. ورواه البيهقي (١٠/ ١١) وأورده في فيض القدر (٥/ ٤٤٨). وفي إسناد هذا الخبر سعيد بن محمد الوراق: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال ابن سعد وغيره: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال الدارقطني: متروك. وقال ابن عدي: يتبين الضعف على رواياته. وروى عنه أحمد بن حنبل وعلي بن حرب وجماعة.
(٢) - رواه ابن جرير برقم ١٤٩٨ - (٢/ ٣٢٥)، وإسناده ضعيف. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٨٣ ]
وقال العوفي (^٥٢٥)، عن ابن عباس ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هي: القلوب المطبوع عليها.
وقال مجاهد: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غشاوة.
وقال عكرمة: عليها طابع، وقال أبو العالية: أي لا تفقه [¬١]، وقال السدي: يقولون عليها غلاف، وهو الغطاء.
وقال عبد الرزاق: عن مَعْمَر، عن قتادة [فلا تعي ولا تفقه، قاله مجاهد وقتادة.
وقرأ ابن عباس: ﴿غُلْفٌ﴾ بضم اللام، وهو جمع غلاف، أي: قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاءٍ.
﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: طردهم الله وأبعدهم من كل خير.
﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال قتادة: معناه لا يؤمن منهم إلا القليل] [¬٢] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هو كقوله ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله: ﴿غُلْفٌ﴾ قال: تقول [¬٣]: قلبي في غلاف فلا يخلص إليه مما [¬٤] تقول [¬٥] شيء [¬٦]، وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ﴾.
وهذا هو [¬٧] الذي رجحه ابن جرير، واستشهد بما رُوي من حديث عمرو بن مرّة الجملي [¬٨]، عن أبي البختري، عن حذيفة قال: "القلوب أربعة" (^٥٢٦) فذكر منها: "وقلب أغلف
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١٥٠٠ - (٢/ ٣٢٦) وإسناده ضعيف.
(٢) - رواه ابن جرير برقم ١٤٩٧ - (٣/ ٣٢٤) وإسناده منقطع. فقد نص في التهذيب على أن أبا البختري لم يدرك حذيفة. وقد رُوي مرفوعًا من حديث أبي سعيد. رواه أحمد بن حنبل - (٣/ ١٧) والطبراني في الصغير (٢/ ١٠٩ - ١١٠)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٨٥). من حديث ليث بن أبي سليم عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد- وإسناده ضعيف لعلتين: الأولى: الإرسال؛ فإن أبا البختري لم يسمع من أبي سعيد، قاله أبو داود، عقب إخراج حديث له عن أبي سعيد- كتاب الزكاة، باب: ما تجب فيه الزكاة، حديث ١٥٥٩ -: "وأبو البختري لم يسمع من أبي سعيد". ونقله عنه ابن حجر في التهذيب. وأبو البختري، اسمه سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي الكوفي. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه -في المراسيل-: لم يدرك أبا ذر، ولا أبا سعيد. وذكره ابن حبان في الثقات وقال: سعيد بن [¬١]- في ز: نفقه. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "يقول". [¬٤]- في ز، خ: "ما". [¬٥]- في خ: "يقول". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- زيادة من: ز، خ. [¬٨]- في ز: الحملي.
[ ١ / ٤٨٤ ]
مغضوب عليه، وذاك قلب الكافر".
وقال ابن أبي حاتم (^٥٢٧): حدَّثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَميُّ، أنبأنا [¬١] أبي، عن جدّي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: لم تختن.
وهذا القول يرجع معناه إلى ما تقدّم من عدم طهارة قلوبهم وأنها بعيدة من الخير.
قول آخر: قال الضحاك عن ابن عباس (^٥٢٨) [في قوله] [¬٢] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: يقولون [¬٣]: قلوبنا غلف [¬٤] مملوءة علمًا لا تحتاج [¬٥] إلى علم محمد، ولا غيره.
وقال عطية العوفي [] [¬٦] ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: أي: أوعية [¬٧] للعلم.
وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيما حكاه ابن جرير ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ بضم اللام، [نقلها الزمخشري] [¬٨] أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادّعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر، كما كانوا يَمُنُّون بعلم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: ليس الأمر كما ادّعوا؛ بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا﴾.
وقد اختلفوا في معنى قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلًا﴾.
_________________
(١) = فيروز، ويقال: سعيد بن عمران، وقيل غير ذلك، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، يرسل حديثه، ويروي عن الصحابة، ولم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سماعًا فهو حسن، وما كان غيره فهو ضعيف. وقال عنه في التقريب: ثقة ثبت، فيه تشيع قليل، كثير الإرسال. والعلة الثانية: هي أنه من طريق ليث وهو ابن أبي سليم، واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل غير ذلك، وهو صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه، فتُرك، قاله ابن حجر. وقال الذهبي: فيه ضعف يسير من سوء حفظه، كان ذا صلاة وصيام، وعلمٍ كثير، وبعضهم احتج به. روى له مسلم مقرونًا. وأما عمرو بن مرة، فهو ثقة. وقال أيضًا الحافظ ابن كثير في تفسيره- سورة النور آية ٢٠ -: إسناده جيد ولم يخرجوه. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٦٣) وقال: رواه أحمد والطبراني في الصغير، وفي إسناده ليث بن أبي سليم.
(٢) - إسناده ضعيف، والحديث عند ابن أبي حاتم برقم ٩٠٢ - (١/ ٢٧٣).
(٣) - ابن جرير برقم ١٥١٣ - (٢/ ٣٢٧). [¬١]- في ز، خ: "حدثنا". [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "قالوا". [¬٤]- في ت: عن ابن عباس، والمثبت موافق لما في الطبري (٣٢٧١٢)، والأصلين- ز، خ. [¬٥]- في ز: نحتاج. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "أواعية". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٨٥ ]
فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم. وقيل فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان [¬١] لا ينفعهم؛ لأنه مغمور [¬٢] بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.
وقال بعضهم: إنما [¬٣] كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما [¬٤] رأيت مثل هذا قط. تريد: ما رأيت مثل هذا قط.
[وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض قلما تنبت. أي: لا تنبت شيئًا] [¬٥] حكاه [¬٦] ابن جرير، ﵀، والله أعلم.
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾
يقول تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني: اليهود. ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ مصدّق لما معهم، يعني: من التوراة وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. أي: وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم.
كما قال محمد بن إسحاق (^٥٢٩)، عن عاصم بن [¬٧] عمر بن قتادة، [عن قتادة] [¬٨] الأنصاري، عن أشياخ منهم قال: قالوا [¬٩]: فينا والله وفيهم، يعني: في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم، نزلت هذه القصة، يعني: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. قالوا [¬١٠]: كنا قد علوناهم قهرًا [¬١١] دهرًا في الجاهلية، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب،
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١٥١٩ - (٢/ ٣٣٢)، والسيرة (٢/ ١٩٠). [¬١]- في ز، خ: "إنما". [¬٢]- في ز: معمور. [¬٣]- في ز، خ: "إنهم". [¬٤]- في خ: "قط". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "حكاها". [¬٧]- في خ: "عن". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من س: ز، خ. [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في خ: "قال". [¬١١]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٨٦ ]
فكانوا يقولون: إن نبيًّا يُبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه فنقتلكم [¬١] معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه [¬٢] كفروا به، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقال الضحاك عن ابن عباس (^٥٣٠) في قوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمدًا عليهم، وليسوا كذلك [¬٣] بل [¬٤] يكذبون.
وقال محمد بن إسحاق (^٥٣١): أخبرني محمد بن أبي محمد، أخبرني عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس أن يهودًا كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله، ﷺ، قبل مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن مَعْرور، [أخو بني] [¬٥] سلمة: يا معشر يهود؛ اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ﷺ، ونحن أهل شرك، وتخبروننا] [¬٦] بأنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال سَلام بن مِشْكم [¬٧] أخو بني النضير: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكر لكم. فأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. الآية [¬٨].
وقال العوفى (^٥٣٢): عن ابن عباس: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. يقول: يستنصرون بخروج محمد، صلى الله عليه: سلم، [على مشركي العرب، يعني بذلك أهل الكتاب، فلما بعث محمد، ﷺ] [¬٩] ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه.
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (١٥٣٢)، وسنده ضعيف.
(٢) - انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٢٢/ ١٩٦) وتفسير ابن جرير ١٥٢٠ - (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(٣) - رواه ابن جرير برقم ١٥٢٢ - (٢/ ٣٣٤)، وسنده ضعيف. [¬١]- في ز، خ: "نقتلكم". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "لذلك". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "وداود بن. .". [¬٦]- في ز: وتخبرونا. [¬٧]- في خ: "مسلم". [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١ / ٤٨٧ ]
وقال أبو العالية: كانت اليهود تستنصر بمحمد، ﷺ، على مشركي العرب، يقولون: اللَّهُمَّ، ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبًا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم. فلما بعث الله محمدًا، ﷺ، ورأوا أنه من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله، ﷺ، فقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
وقال قتادة: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال: وكانوا يقولون: إنه سيأتي نبي ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾.
وقال مجاهد: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. [قال: هم اليهود] [¬١].
﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾
قال مجاهد: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يهود شروا الحق بالباطل، وكتمانَ ما جاءَ به مُحَمَّد ﷺ، بأن يبينوه.
وقال السدي: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ يقول: باعوا به أنفسهم. يعني: بئسما اعتاضوا لأنفسهم فَرَضُوا [¬٢] به، [وعدلوا إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ عن تصديقه وموازرته ونصرته] [¬٣]، وإنما حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية ﴿أَنْ [¬٤] يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. ولا حسد أعظم من هذا.
و[¬٥] قال ابن إسحاق: عن محمد عن عكرمة -أو سعيد- عن ابن عباس: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. أي: أن الله جعله من غيرهم ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾. قال ابن عباس: فالغضب على الغضب، فغضبه عليهم فيما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب عليهم [¬٦] بكفرهم بهذا النبي الذي بعث [¬٧] الله إليهم.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ز: ورضوا. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: لأن. [¬٥]- زيادة من: خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "أحدث".
[ ١ / ٤٨٨ ]
(قلت): ومعنى باءوا: أي [¬١] استوجبوا واستحقوا واستقروا بغضب على غضب، وقال أبو العالية: غضب الله عليهم بكفرهم بالإنجيل وعيسى، ثم غضب الله عليهم بكفرهم بمحمد، ﷺ، وبالقرآن [¬٢].
و[عن عكرمة وقتادة مثله] [¬٣]. قال السدي: أما الغضب الأول فهو حين غضب عليهم في العِجْل، وأمأ الغضب [¬٤] الثاني فغَضِب عليهم حين كفروا بمحمد ﷺ.
[وعن ابن عباس مثله] [¬٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. [أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين] [¬٦].
وقد قال الإمام أحمد (^٥٣٣): [حدثنا يحيى] [¬٧]، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، ﷺ، قال: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور [¬٨] الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بُولَسُ، تعلوهم [¬٩] نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عُصارةِ أهل النار".
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾
_________________
(١) - المسند ٦٦٧٧ - (٢/ ١٧٩). وهو عند الترمذي برقم (٢٤٩٢) وفي الرقائق من الكبرى للنسائي، ورواه البخاري في الأدب المفرد (٥٥٧)، والحميدي ٥٩٨ - (٢/ ٢٧٤)، وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول ٢٢٣). [¬١]- زيادة من ز. [¬٢]- في ز، خ: "والقرآن ﵉". [¬٣] ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- زيادة عن: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في خ: "صورة". [¬٩]- في ز: فتعلوهم.
[ ١ / ٤٨٩ ]
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [أي] [¬١] على محمد ﷺ، وصدقوه واتبعوه ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَينَا﴾ أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل، ولا نقر إلا بذلك ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ يعني بما يعد [¬٢] بعده ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: وهم يعلمون أن ما أنزل على محمد، ﷺ، الحق ﴿مُصَدِّقًا﴾ منصوب [¬٣] على الحال، أي: في حال تصديقه [¬٤] لما معهم من التوراة والإنجيل، فالحجة قائمة عليهم بذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. ثم [¬٥] قال تعالى ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ [إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ] [¬٦]﴾ أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل اليكم فَلِمَ قتلتم الأنبياء الذين جاءوكم بتصديق التوراة التي بأيديكم، والحكم بها وعدم نسخها، وأنتم تعلمون صدقهم؟ قتلتموهم بغيًا وعنادًا واستكبارًا على رسل الله، فلستم تتبعون إلا مجرد الأهواء والآراء والتشهي، كما قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾.
وقال السدي في هذه الآية: يعيرهم الله ﵎ ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
وقال أبو جعفر بن جرير: قل يا محمد، ليهود بني إسرائيل الذين [¬٧] إذا قلت لهم: آمنوا بما أنزل الله قالوا: نؤمن بما أنزل علينا: لم تقتلون -إِن كنتم يا معشر يهود [¬٨]، مؤمنين بما أنزل الله عليكم-[أنبياء الله] [¬٩]؟ وقد حرم الله في الكتاب الذي أنزل عليكم قتلهم [¬١٠]؛ بل أمركم فيه باتباعهم وطاعتهم وتصديقهم، وذلك من الله تكذيب لهم في قولهم: نؤمن بما أنزل علينا، وتعييرٌ لهم.
﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات الواضحات [¬١١]، والدلائل القاطعات [¬١٢] على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله، و[الآيات] [¬١٣] البينات هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والعصا، واليد، وفرق البحر، وتظليلهم بالغمام، والمن،
_________________
(١) [¬١]- زيادة من ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في خ: "تصديقهم". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز: اليهود. [¬٩]- في ز، خ: "أنبياءه". [¬١٠]- في خ: "قبلهم". [¬١١]- في ز، خ: "الواضحة". [¬١٢]- في ز: القاطعة. [¬١٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٩٠ ]
والسلوى، والحجر وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها، ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: معبودًا من دون الله في زمان موسى وأيامه [¬١]، وقوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد ما ذهب عنكم إلى الطور لمناجاة الله ﷿ -كما قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾. ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [أي وأنتم ظالمون] [¬٢]، في هذا الصنيع الذي صنعتموه من عبادتكم العجل، وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَينَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾
يعدد سبحانه [¬٣] وتعالى عليهم خطأهم، ومخالفتهم للميثاق وعتوهم وإعراضهم [¬٤] عنه، حتى رفع الطور عليهم حتى قبلوه، ثم خالفوه؛ ولهذا قال [¬٥]: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَينَا﴾. وقد تقدّم تفسير ذلك.
﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾. قال عبد الرزاق: عن معمر عن قتادة ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ [¬٦]﴾. قال: أشربوا [في قلوبهم] [¬٧] حبه حتى خلص ذلك إلى قلوبهم. وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس.
وقال الإمام أحمد (^٥٣٤): حدثنا عصام بن خالد، حدثني [¬٨] أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ: قال "حبك الشيء يُعْمي وَيُصِم".
_________________
(١) - إسناده ضعيف من أجل أبي بكر بن أبي مريم، وبلال بن أبي الدرداء: ثقة روى له أبو داود. وخالد بن محمد الثقفي: ثقة، روى له أبو داود. والحديث في المسند ٢١٧٨٣، ٢١٧٨٤ - (٥/ ١٩٤) وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الهوى (رقم: ٥١٣٠)، ورواه أحمد ٢٧٥٨٨ - (٦/ ٤٥٠)، وعبد بن حميد (٢٠٥) والقضاعي في مسند الشهاب ٢١٩ - (١/ ١٥٧)، والطبراني في مسند الشاميين ١٤٥٤ - (٢/ ٣٤٠)، ١٤٦٨ - (٢/ ٣٤٦). [¬١]- في ز، خ: "وآياته". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٣]- في خ: "تبارك". [¬٤]- سقط س ز. [¬٥]- زيادة من: ز، خ. [¬٦]- سقط س: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين زيادة ش: ز، خ. [¬٨]- في خ: "حدثنا".
[ ١ / ٤٩١ ]
ورواه أبو داود، عن حيوة بن شريح، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، به.
وقال السدي: أخذ موسى ﵇ العجلَ فذبحه [ثم حرقه] [¬١] بالمبرد، ثم ذراه [¬٢] في البحر، فلم يبق بحر يجري يومئذ إلا وفع فيه شيء منه [¬٣] ثم قال لهم موسى: اشربوا منه. فشربوا، فمن كان يحبه خرج على شاربيه الذهب؛ فذلك حين يقول الله [¬٤] تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٣٥)، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا [¬٥] إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمارة بن عبدٍ [¬٦] وأبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: عمد موسى إلى العجل، فوضع عليه المبارد [¬٧] (^٥٣٦)، فبرده [¬٨] بها [¬٩] وهو على شاطئ نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد العجل إلا اصفرّ وجهه مثل الذهب.
وقال سعيد بن جبير: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. [قال: لما أحرق العجل] [¬١٠] بُرِد، ثم نسف، فحسوا الماء حتى عادت وجوههم كالزعفران.
[وحكى القرطبي عن كتاب القشيري أنه ما شرب أحد منه ممن عبد العجل إلا جنّ، ثم قال القرطبي: وهذا شيء غير ما هاهنا؛ لأن القصود من هذا السياق أنه ظهر على شفاههم ووجوههم، والمذكور هاهنا أنهم أشربوا في قلوبهم العجل، يعني في حال عبادتهم له، ثم أنشد قول النابغة في زوجه عثمة:
تغلغل حُبُّ عَثْمَةَ في فؤادي … فباديه مع الخافي يسيرُ
تغلغل حيث لم يبلغ شراب … ولا حزن ولم يبلغ سرور
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ٩٣٦ - (١/ ٢٨٢)، وعمارة بن عبدٍ: قال أحمد: مستقيم الحديث، لا يرو عنه غير أبي إسحاق، وقال أبو حاتم: شيخ مجهول، لا يحتج بحديثه، وذكره ابن حبان في الثقات، روى له النسائي حديثًا واحدًا (تهذيب الكمال ٢١/ ٢٥٢)، وهو متابع بأبي عبد الرحمن السلمي، وهو ثقة كثير الحديث، قال البخاري: سمع علما، وقال ابن أبي حاتم: ليس تثبت روايته عن علي (جامع التحصيل ص ٢٠٨).
(٢) - المبارد: جمع مبرد، وهو ما يحك به الحديد حتى يذوبه. الصحاح (٢/ ٢٤٦). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "ذر". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في خ: "أخبرنا".، وفي ز: أنبأنا. [¬٦]- في ز، خ: "عبد الله". وفي ت: عمير، وكلاهما خطأ. [¬٧]- في خ: "النار". [¬٨]- في ز، خ: "فبرد". [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٩٢ ]
أكاد إذا ذكرتُ العهد منها … أطير لو أن إنسانا يطيرُ] [¬١]
وقوله [¬٢]: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أي: بئسما تعتمدونه في قديم الدهر وحديثه من كفركم بآيات الله، ومخالفتكم الأنبياء، ثم اعتمادكم في كفركم بمحمد ﷺ وهذا أكبر ذنوبكم وأشد الأمور عليكم؛ إذ كفرتم بخاتم الرسل وسيد الأنبياء والمرسلين المبعوث إلى الناس أجمعين، فكيف تدعون لأنفسكم الإيمان، وقد فعلتم هذه الأفاعيل القبيحة؛ من نقضكم المواثيق، وكفركم بآيات الله، وعبادتكم العجل [من دون الله] [¬٣]؟!
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾
قال محمد بن إسحاق (^٥٣٧): حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس ﵁: يقول الله تعالى لنبيه محمد [¬٤] ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: ادعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ﷺ ﴿ولنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. أي: بِعِلْمِهِم [¬٥] بما عندهم من العلم بك، والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على الأرض يهودي إلا مات.
وقال الضحاك (^٥٣٨): عن ابن عباس: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾: فسلوا [¬٦] الموت.
وقال عبد الرزاق (^٥٣٩): عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، قوله: ﴿فَتَمَنَّوُا
_________________
(١) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن جرير ١٣٧١ - (٢/ ٥٤٦)، وابن أبي حاتم (٩٤٢).
(٢) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن جرير (١٥٦٨).
(٣) - إسناده صحيح، وهو عند ابن أبي حاتم ٩٤٣ - (١/ ٢٨٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في خ: "وقال". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز: يعَلمُهم. [¬٦]- في خ: "فسألوا".
[ ١ / ٤٩٣ ]
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال: قال ابن عباس: لو تمنى اليهود [¬١] الموت لماتوا.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٤٠): حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا عثام، سمعت الأعمش قال: لا أظنه إلا عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه.
وهذه أسانيد صحيحة إلى ابن عباس.
وقال ابن جرير في تفسيره: وبلغنا أنّ النبي [¬٢] ﷺ قال: "لو أنّ اليهود تمنوا الموت لماتوا، ولرأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله، ﷺ، لرجعوا لا يجدون أهلًا، ولا مالا".
حدَّثنا بذلك أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ.
ورواه الإمام أحمد (^٥٤١)، عن إسماعيل بن يزيد الرقي، حدثنا فرات، عن عبد الكريم، به.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٤٢): حدثنا الحسن بن أحمد، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار، حدثنا سرور بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن، قال: قول الله ما كانوا ليتمنوه [¬٣] أبدًا [¬٤] بما قدّمت أيديهم. قلت: أراُيتك لو أنهم أحبوا الموت حين قيل لهم ﴿تَمَنَّوُا الْمَوْتَ [¬٥]﴾ أتراهم كانوا ميتين؟ قال: لا والله، ما كانوا ليموتوا لو تمنوا الموت، وما كانوا ليتمنوه وقد قال الله -ما سمعت-: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾.
وهذا غريب عن الحسن. ثم هذا الذي فسر به ابن عباس الآية هو المتعين، وهو الدعاء على
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٩٤١ - (١/ ٢٨٤).
(٢) - تفسير ابن جرير برقم ١٥٦٦ - (٢/ ٣٦٢)، والمسند ٢٢٢٥ - (١/ ٢٤٨). ورواه أبو يعلى رقم ٢٦٠٤ - (٤/ ٤٧١)، والنسائي في الكبرى ١١٠٦١ - (٦/ ٣٠٨). وإسماعيل بن يزيد الرقي: قال الحسيني: فيه جهالة. وقال في التعجيل: بل هو معروف وهو مترجم في التهذيب (التعجيل (١/ ٣١٢). وقد رجح الشيخ شاكر رحمه الله تعالى أنهما اثنان. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٢٨) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
(٣) - رواه ابن أبي حاتم ٩٤٦ - (١/ ٢٨٥). وإسناده ضعيف؛ لضعف عباد بن منصور. [¬١]- في خ: "اليهودي". [¬٢]- في خ: "الرسول". [¬٣]- في خ: "يتمنوه". [¬٤]- زيادة من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٩٤ ]
أي الفريقين أكذب منهم، أو في المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى!
ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. فهم -عليهم لعائن الله تعالى! - لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، دعوا إلى المباهلة، والدعاء عدى أكذب الطائفتين منهم، أو من المسلمين.
فلما نكلوا [¬١] عن ذلك عَلِم كل أحد أنهم ظالمون؛ لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علم كذبهم، وهذا كما دعا رسول الله ﷺ وفد نجران من النصارى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، وعتوهم وعنادهم- إلى المباهلة، فقال الله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.
فلما رأوا ذلك قال بعض القوم لبعض: والله لئن باهلتم هذا النبي لا يبقى منكم عين تَطْرِفُ، فعند ذلك [جنحوا للسلم] [¬٢] وبذلوا [¬٣] الجزية عن يد، وهم صاغرون، فضوبها عليهم، وبعث معهم أبا [¬٤] عبيدة بن الجراح ﵁ أمينًا. ومثل هذا المعنى، أو قريب منه [قول الله] [¬٥] تعالى لنبيه ﷺ أن يقول للمشركين: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾. أي: من كان في الضلالة منا أو منكم، فزاده الله مما هو فيه، ومدّ له، واستدرجه، كما سيأتي تقريره في موضعه، إن شاء الله تعالى.
فأما من فسر الآية على معنى ﴿[قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ] [¬٦] إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. أي: [إن كنتم صادقين] [¬٧] في دعواكم فتمنوا الآن الموت، ولم يتعرض هؤلاءِ للمباهلة، كما قرره [¬٨] طائفة من التكلمين وغيرهم، ومال إليه ابن جرير بعد ما قارب القول الأول؛ فإنه قال (^٥٤٣): القول في تأويل [¬٩] قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ
_________________
(١) - تفسير ابن جرير برقم (٢/ ٣٦٢، ٣٦٣). [¬١]- في ز، خ: "تكلموا". [¬٢]- في خ: "جنحوا إلى السلم". [¬٣]- في ز: بذل. [¬٤]- في خ: "أبو". [¬٥]- في خ: "قوله". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- زيادة من: خ. [¬٨]- في خ: "قدره". [¬٩]- في ز، خ: "تفسير".
[ ١ / ٤٩٥ ]
كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
الآية [¬١]. فهذه [¬٢] الآية مما احتج الله سبحانه لنبيه به ﷺ على اليهود الذين كانوا بين ظهراني مُهَاجَره، وفضح بها أحبارهم وعلماءهم، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ [أن يدعوهم] [¬٣] إلى قضية عادلة بينه وبينهم، فيما كان بينه وبينهم من الخلاف، كما أمره أن يدعو الفريق الآخر [¬٤] من النصارى إذ خالفوه في عيسى [ابن مريم] [¬٥]﵇ وجادلوه فيه، إلى فاصلة بينه وبينهم من المباهلة. فقال لفريق اليهود: إن كنتم محقين فتمنوا الموت؛ فإنّ ذلك غير ضارّ بكم إن كنتم محقين، فيما تدعون من الإيمان، وقرب النزلة من الله، بل أعطكم أمنيتكم من الموت إذا تمنيتم، فإنما تصيرون إلى الراحة من تعب الدنيا ونصبها، وكدر عيشها، والفوز بجوار الله في جناته، إن كان الأمر كما تزعمون من أن الدار الآخرة لكم خاصة دوننا، وإن لم تعطوها علم الناس أنكم المبطلون، ونحن المحقون في دعوانا، وانكشف أمرنا وأمركم لهم [¬٦]؛ فامتنعت اليهود من الإجابة إلى ذلك لعلمها [¬٧] أنها إن تمنت الموت هلكت فذهبت دنياها، وصارت إلى خزي الأبد في آخرتها، كما امتنع فريق النصارى [الذين جادلوا النبي، ﷺ، في عيسى -إذ دعوا للمباهلة- من المباهلة] [¬٨].
فهذا الكلام منه أوله حسن، وأما آخره ففيه نظر، وذلك أنه لا تظهر الحجة عليهم على هذا التأويل، إذ يقال: إنه [¬٩] لا يلزم من كونهم يعتقدون أنهم صادقون [¬١٠] في دعواهم أن يتمنوا الموت، فإنه لا ملازمة بين وجود الصلاح وتمني الموت، وكم من صالح لا يتمنى الموت، بل يودّ أن يعمر ليزداد [¬١١] خيرًا، وترتفع درجته في الجنة، كما جاء [في الحديث] [¬١٢]: "خيركم من طال عمره، وحسن عمله" (^٥٤٤).
_________________
(١) - جاء من حديث عبد الله بن بسر، وأبي بكرة، وأبي هريرة وجابر ﵃، فأما حديث عبد الله بن بسر، فرواه الترمذي في الزهد، باب: ما جاء في طول العمر للمؤمن، برقم (٢٣٢٩) وقال: "هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه"، وأما حديث أبي بكرة، فرواه الترمذي في باب: شر الناس من طال عمره وساء عمله برقم (٢٣٣٠) وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في المسند ٧٢١١ - (٢/ ٢٣٥). وحديث جابر رواه عبد بن حميد (١٠٨٦). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "وهذه". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "آخر". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "لعلمهم". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في خ: "صادقين". [¬١١]- في ز: ليزاد. [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٤٩٦ ]
ولهم مع ذلك أن يقولوا على هذا: فها أنتم تعتقدون أيها [¬١] المسلمون؛ أنكم أصحاب الجنة، وأنتم لا تتمنون في حال الصحة الموت [¬٢]، فكيف تلزموننا [¬٣] بما لا يلزمكم [¬٤]؟!
وهذا كله إنما نشأ من تفسير الآية على هذا المعنى، فأما على تفسير ابن عباس، فلا يلزم عليه [¬٥] شيء من ذلك؛ بل قيل لهم كلام نَصَفٌ: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء الله [¬٦] من دون الناس، وأنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنكم من [¬٧] أهل الجنة، ومن عداكم من [¬٨] أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعوا على الكاذبين منكم، أو من غيركم، واعلموا أنّ المباهلة تستأصل الكاذب لا محالة.
فلما تيقنوا ذلك وعرفوا صدقه، نكلوا عن المباهلة لما يعلمون من كذبهم وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول ﷺ ونعته، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ويتحققونه. فعلم كل أحد باطلهم، وخزيهم، وضلالهم، وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة!!
[وسميت هذه الباهلة تمنِّيًا، لأنّ كل محق يودّ لو أهلك الله المبطل المناظر له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره، وكانت المباهلة بالموت؛ لأن الحياة عندهم عزيزة عظيمة؛ لا يعلمون من سوء مآلهم بعد الموت] [¬٩]، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. أي: على طول عُمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ، وعاقبتهم عند الله الخاسرة؛ لأن الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر، فهم يودون لو تأخروا عن مقام الآخرة بكل ما أمكنهم، وما [يحاذرون منه] [¬١٠] واقع بهم لا محالة، حتى وَهُم أحرص من المشركين الذين لا كتاب لهم، وهذا من باب عطف [الخاص على العام] [¬١١].
قال ابن أبي حاتم (^٥٤٥): حدَّثنا أحمد بن سنان، حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ قال: الأعاجم.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ٩٥١ - (١/ ٢٨٦)، والمستدرك (٢/ ٢٦٣). [¬١]- مكررة في خ. [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: تلزمونا. [¬٤]- في ز: نلزمكم. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "لله". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من. ز، خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في ز، خ: "يحذرون". [¬١١]- في خ: "العام على الخاص".
[ ١ / ٤٩٧ ]
وكذا [¬١] رواه الحاكم في مستدركه من حديث الثوري، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه. قال: وقد اتفقا على سند تفسير الصحابي.
وقال الحسن البصري: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾. قال: المنافق أحرص الناس على حياة، وهو أحرص على الحياة من المشرك ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾. أي: يودّ [¬٢] أحد اليهود، كما يدل عليه نظم السياق.
وقال أبو العالية: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي [¬٣]: أحد [¬٤] المجوس، وهو يرجع إلى الأوّل ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال الاعمش: عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. قال [¬٥]: هو كقول الفارسي "زه هزارسال" يقول: عشرة آلاف [¬٦] سنة، وكذا روي عن سعيد بن جبير نفسه أيضًا.
وقال ابن جرير (^٥٤٦): حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال [¬٧]: سمعت أبي [عليًّا] [¬٨] يقول: حدثنا [¬٩] أبو حمزة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: هو قول الأعاجم: " [هزار سال نوروز مهرجان] [¬١٠] ".
وقال مجاهد: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ قال: حَببتْ [إليهم الخطئةُ طولَ العمر] [¬١١].
وقال محمد [¬١٢] بن إسحاق (^٥٤٧)، عن محمد [بن أبي محمد] [¬١٣] عن [¬١٤] سعيد -أو عكرمة- عن ابن عباس ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ أي: و[¬١٥] ما هو بمنجيه من
_________________
(١) - ابن جرير ١٥٩١ - (٢/ ٣٧٢).
(٢) - إسناده ضعيف، وهو عند ابن أبي حاتم (٩٥٥)، وفي السيرة النبوية (٢/ ١٩١). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز، خ: "يعني". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز، خ: "ألف". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- في ز، خ: "أخبرنا". [¬١٠]- في الطبري: "سال زه نوروز مهرجان حر". [¬١١]- في خ: إليهم طول الخطئة وطول العمر. [¬١٢]- في ت: "مجاهد". [¬١٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٤]- في خ: "بن". [¬١٥]- سقط من: خ.
[ ١ / ٤٩٨ ]
العذاب، وذلك أن المشرك لا يرجو بعثًا بعد الموت، فهو يحب طول الحياة، وأن اليهودي لو [¬١] عرف مآله في الآخرة من الخزي ما [¬٢] ضيع ما عنده من العلم.
وقال العوفي (^٥٤٨): عن ابن عباس: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ قال: هم الذين عادوا جبريل. وقال أبو العالية وابن عمر: فما ذاك بمغيثه من العذاب، ولا منجيه منه.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم [في هذه الآية] [¬٣]: يهود أحرص على الحياة من هؤلاء، وقد ود هؤلاء لو [¬٤] يعمر أحدهم ألف سنة، وليس ذلك بمزحزحه من العذاب لو عُمرَ، كما أنّ عمر إبليس لم ينفعه، إذ كان كافرًا. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: خبير بصير بما يعمل عباده من خير وشر، وسيجازي كل عامل بعمله.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعًا، أنّ هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدوّ لهم، وأن ميكائيل وليٌّ لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك. فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم، وبين رسول الله ﷺ في [¬٥] أمر نبوّته.
(ذكر من قال ذلك)
حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الحميد بن بَهرام، عن شهر بن حَوشب، عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود إلى [¬٦] رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم، حدِّثْنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله، ﷺ: "سلوا عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم [عن شيء] [¬٧] فعرفتموه لتتابعني [¬٨] على الإسلام" فقالوا: ذلك لك. فقال رسول
_________________
(١) - رواه ابن جرير ١٦٠٣ - (٢/ ٣٧٦)، وإسناده ضعيف جدًّا. [¬١]- في ز، خ: "قد". [¬٢]- في ز، خ: "بما". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "أن". [¬٥]- في ز: من. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "شيئًا". [¬٨]- في ز، خ: "لتبايعني".
[ ١ / ٤٩٩ ]
الله ﷺ: "سلوني عما شئتم" فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهنّ: أخبرنا أيّ الطعام [¬١] حرَّم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة؟ وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟ وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟ وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة ومن [¬٢] وليُّه من الملائكة؟ فقال النبيُّ ﷺ: "عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني [¬٣]؟ " فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق، فقال: "نشدتكم بالذي أنزل التوراةَ على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضًا شديدًا، فطال سقمه منه، فنذر لله نذرًا؛ لئن عافاه الله من سقمه ليُحرِّمَنَّ أحبَّ الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحوم [¬٤] الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها" فقالوا: اللَّهم نعم. فقال رسول الله ﷺ: "اللَّهم اشهد عليهم، وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل [غليظ أبيض] وأن ماء المرأة [رقيق أصفر]، فأيهما علا كان له الولد، والشبه بإذن الله [﷿]، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله [﷿] ". قالوا: اللَّهم نعم. قال: "اللَّهم اشهد -قال:- وأنشدكم [بالله الذي] [¬٥]، أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟ " قالوا: اللَّهم نعم، قال: "اللَّهم اشهد" قالوا: أنت الآن، فحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك. قال: "فإن وليي جبريل، ولم يبعث اللَّه نبيًّا قط إلا وهو وليه" قالوا: فعندها نفارقك، ولو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك. قال: "فما يمنعكم [¬٦] أن تصدقوه؟ " قالوا: إنه عدوُّنا؛ فأنزل الله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ]﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ فعندها باءوا بغضب على غضب (^٥٤٩).
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده (^٥٥٠)، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعبد بن حميد في تفسيره، عن أحمد بن يونس كلاهما، عن عبد الحميد بن بَهرام به.
ورواه الإمام أحمد أيضًا (^٥٥١)، عن الحسين بن محمد المروزي، عن عبد الحميد به [¬٧]،
_________________
(١) - إسناده حسن وهو في تفسير ابن جرير ١٦٠٥ - (٢/ ٣٧٧ - ٣٨٠).
(٢) - إسناده حسن، وهو في المسند ٢٥١٤ - (١/ ٢٧٨). ورواه ابن سعد (١/ ١ / ١١٢ - ١١٦).
(٣) - إسناده حسن، وهو في المسند ٢٤٧١ - (١/ ٢٧٣). [¬١]- في خ: "طعام". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "لتبايعني". [¬٤]- في ز، خ: "لحمان". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "منعكم". [¬٧]- زيادة من: ز، خ.
[ ١ / ٥٠٠ ]
بنحوه.
وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين، عن شهر بن حوشب، فذكره مرسلًا (^٥٥٢)، وزاد فيه. قالوا: فأخبرنا عن الروح؟ قال: "أنشدكم بالله وبآياته عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل، وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: اللَّهم [¬١] نعم، ولكنه [عدو لنا]، وهو مَلَكٌ إنما يأتي بالشدة، وسفك الدماء، فلولا ذلك لاتبعناك [¬٢]؛ فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ [¬٣] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ [فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ] [¬٤]﴾ إلى قوله ﴿كَأَنَّهُمْ [¬٥] لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال الإمام أحمد (^٥٥٣): حدثنا أبو أحمد، حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا [¬٦]: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنّ عرفنا أنك نبي، واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل علي بنيه إذ قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾، قال: "هاتوا" قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل؟ قال: "يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة؛ أذكرت [¬٧]، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أنثت" قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: "كان يشتكي عرق النسا فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا" -قال أحمد: قال بعضهم: يعني: الإبل؛ فحرم لحومها- قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "مَلَكٌ من ملائكة [¬٨] الله ﷿ موكل بالسحاب، بيديه -أو في [يديه- مِخْراق] [¬٩] من نار، يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله ﷿" قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال [¬١٠]: "صوته" قالوا: صدقت. قالوا [¬١١]: إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها [¬١٢]، إنه ليس من نبي إلا و[¬١٣] له مَلَك يأتيه بالخبر فأخبرنا من
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم (١٦٠٦)، وإسناده إلى ابن إسحاق ضعيف.
(٢) - إسناده صحيح وهو في المسند ٢٤٨٣ - (١/ ٢٧٤) ورواه الترمذي في تفسير القرآن، باب: سورة الرعد برقم (٣١١٧) ورواه النسائي في الكبرى برقم (٩٠٧٢). وقال الترمذي: حسن صحيح غريب. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "اتبعناك". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬٥]- زيادة من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "قالوا". [¬٧]- في ز: ذكرت. [¬٨]- في ز، خ: "الملائكة". [¬٩]- في ز، خ: "يده محراق". [¬١٠]- في خ: "قالوا". [¬١١]- سقط من: ز، خ. [¬١٢]- سقط من: ز، خ. [¬١٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥٠١ ]
صاحبك؟ قال: "جبريل ﵇ "قالوا: جبربل ذاك الذي [¬١] ينزل بالحرب، والقتال، والعذاب عدونا، لو قلتَ ميكائيل الذي ينزل بالرحمة، [والقطر والنبات] لكان؛ فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية.
ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد به، وقال الترمذي: حسن غريب.
وقال سنيد (^٥٥٤) في تفسيره عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، أخبرني القاسم بن أبي بزة [¬٢]: أن يهود سألوا النبي ﷺ عن [¬٣] صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي قال: "جبريل" قالوا: فإنه لنا عدو، ولا يأتي إلا بالشدة، والحرب، والقتال؛ فنزلت [¬٤]: ﴿قُلْ [¬٥] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية، قال ابن جريج: و[¬٦] قال مجاهد: قالت يهود: يا محمد، ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال؛ فإنه لنا عدوّ؛ فنزل: ﴿قُلْ [¬٧] مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية.
وقال البخاري (^٥٥٥): قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآية [¬٨]، قال عكرمة: جبر، وميك [¬٩] وإسراف: عبد، وإيل: الله.
حدثنا عبد الله بن مُنِير [¬١٠]، سمع عبد الله بن بكر، حدثنا حُمَيد، عن أنس بن مالك قال: سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله ﷺ، وهو في أرض يخترف [¬١١] [- يجتني- الثمر] [¬١٢] فأتى النبيَّ، ﷺ، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلا نبي؛ ما أوّل أشراط الساعة؟ وما أوّل طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: "أخبرني بهن جبريل آنفًا" قال: جبريل؟ قال: "نعم" قال: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة، فقرأ هذه الآية: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾، "و[¬١٣] أمّا أوّل أشراط الساعة: فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنة:
_________________
(١) - رواه ابن جرير ١٦٠٧ - (٢/ ٣٨٠) وإسناده ضعيف.
(٢) - رواه البخاري في التفسير، باب: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ برقم (٤٤٨٠). [¬١]- في خ: "﷿". [¬٢]- في ز: مرة. في خ: "برة". [¬٣]- في ز: من. [¬٤]- في ز: فنزل. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- زيادة من: خ. [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- زيادة من: خ. [¬٩]- في ز: ميل. [¬١٠]- في ز، خ: "نمير". [¬١١]- في خ: "يحترق". [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥٠٢ ]
فزيادة كبد الحوت، وإذا سبق [ماء الرجل] [¬١] ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت أنثى [¬٢] " قال: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله، إنّ اليهود قوم بُهتٌ، وإنهم [] [¬٣] إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني، فجاءت اليهود فقال [لهم النبي ﷺ] [¬٤]: "أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ " قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا قال: "أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ " فقالوا: أعاذه الله من ذلك! فخرج عبد الله فقال: أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد [¬٥] أن محمدًا رسول الله، فقالوا: هو [¬٦] شَرُّنا وابنُ شَرِّنا؛ فانتقصوه فقال [¬٧]: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.
انفرد به البخاري من هذا الوجه.
وقد أخرجه [¬٨] (^٥٥٦) من وجه آخر عن أنس بنحوه.
وفي صحيح مسلم (^٥٥٧)، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، قريب من هذا السياق، كما سيأتي في موضعه. [إن شاء الله تعالى] [¬٩] وحكاية البخاري [كما تقدم] [¬١٠] عن عكرمة هو المشهور أن "إيل" هو الله. وقد رواه سفيان الثوري، عن خصيف، عن عكرمة.
[ورواه عبد بن حميد، عن إبراهيم بن الحكم، عن أبيه عن عكرمة] [¬١١] ورواه ابن جرير (^٥٥٨)، عن الحسين بن يزيد الطحان، عن إسحاق بن منصور، عن قيس بن [¬١٢] عاصم، عن عكرمة أنه قال: إن [¬١٣] جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل: اسمه [¬١٤] عبيد الله، إيل: الله.
ورواه نريد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، مثله سواء. كذا قال غير واحد من السلف
_________________
(١) - صحيح البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته برقم (٣٣٢٩) من طريق مروان بن معاوية عن حميد، عن أنس، وصحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب (٥١) برقم (٣٩٣٨) من طريق بشر بن المفضل، عن حميد، عن أنس.
(٢) - صحيح مسلم، كتاب الحيض برقم ٣٤ - (٣١٥).
(٣) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٢١ - (٣/ ٣٩٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين مكررة في خ. [¬٢]- زيادة من: خ. [¬٣]- في خ: قبل. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "قال". [¬٨]- في ز، خ: "أخرجاه". [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في ز، خ: ما تقدم. [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٢]- في ز: عن. [¬١٣]- سقط من ز. [¬١٤]- سقط من: خ.
[ ١ / ٥٠٣ ]
-كما سيأتي قريبًا- ومن الناس من يقول: "إيل" عبارة في عبد، والكلمة الأخرى هي اسم الله؛ لأن كلمة إيل لا تتغير في الجميع، فوزانه: عبد الله، عبد الرحمن، عبد الملك، عبد القدوس، عبد السلام، عبد الكافي، عبد الجليل، فعبدٌ موجودة [¬١] في هذا كله، واختلفت الأسماء المضاف إليها، وكذلك جبربل، وميكائيل، [وعزرائيل، وإسرافيل] ونحو ذلك، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف، والله أعلم.
ثم قال ابن جرير: وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك؛ من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب، ﵁، وبينهم، في أمر النبي ﷺ.
(ذكر من قال ذلك)
حدثني محمد بن المثنى (^٥٥٩) حدثني ربْعِي بن عُلَيّة، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، قال: نزل عمر الروحاء، فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال: ما بال [¬٢] هؤلاء؟ قالوا: يزعمون أن رسول الله، ﷺ، صلى هاهنا، قال: فكره ذلك، وقال: إيما [¬٣] رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أدركته الصلاة بواد فصلاها، ثم ارتحل فتركه، ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مِدْراسهم، فأعجب من التوراة و[¬٤] كيف تصدق الفرقان؟ ومن القرآن [¬٥] كيف يصدق التوراة؟ فبينما [¬٦] أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب؛ ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك.
قلت: ولم ذلك؟ قالوا: لأنك [¬٧] تغشانا وتأتينا، قلت: إني آتيكم، فأعجب من الفرقان [¬٨] كيف يصدق التوراة؟ ومن التوراة كيف تصدق [¬٩] الفرقان؟ قال: وَمَرَّ رسول الله ﷺ فقالوا: يا ابن الخطاب؛ ذاك صاحبكم، فَالْحَقْ به.
قال [¬١٠]: فقلت [¬١١] لهم عند ذلك: نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من
_________________
(١) - مرسل، وهو تفسير ابن جرير ١٦٠٨ - (٢/ ٣٨١ - ٣٨٢). [¬١]- في ز، خ: "فعند من جوزه". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: إنما، والمثبت من ابن جرير. [¬٤]- زيادة من: خ. [¬٥]- في ز: الفرقان. [¬٦]- في ز، خ: "فبينا". [¬٧]- في ز: أنك. [¬٨]- في ز، خ: "القرآن". [¬٩]- في خ: "يصدق". [¬١٠]- في خ: "فقال". [¬١١]- في خ: "قلت".
[ ١ / ٥٠٤ ]
حقه، وما [¬١] استودعكم من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟ قال: فسكتوا، فقال لهم عالمهم وكبيرهم: إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه، [قالوا: فأنت] [¬٢] عالمنا، وكبيرنا فأجبه أنت. قال: أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به؛ فإنا نعلم أنه رسول الله.
قال [¬٣]: قلت: ويحكم فأنَّى هلكتم، قالوا: إنا [¬٤] أنهلك. قال [¬٥] ": قلت: كيف ذلك [¬٦]، وأنتم تعلمون أنه رسول الله، و[¬٧] لا تتبعونه، ولا تصدقونه؟ قالوا: إن لنا عدوا من الملائكة وَسِلْمًا من الملائكة، وإنه قرن بنبوّته عدوّنا من الملائكة.
قال: قلت: ومن عدوّكم؟ ومن سلمكم؟ قالوا: عدوّنا جبريل، وسلمنا ميكائيل. [قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل، وفيم سالمتم ميكائيل؟] [¬٨] قالوا: إن جبريل ملك الفظاطة والغلظة، والإعسار، والتشديد، والعذاب، ونحو هذا، وإن ميكائيل ملك الرحمة، والرأفة، والتخفيف، ونحو هذا.
قال: قلت: وما منزلتهما من ربهما ﷿؟ قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره.
قال: قلت: فواللهِ [¬٩] الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدوّ لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما، و[¬١٠] ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدوّ ميكائيل، وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل، قال: ثم قمت فاتبعت النبي ﷺ فلحقته، وهو خارج من خَوْخة [¬١١] [-باب صغير كالنافذة الكبيرة، وتكون بين بيتين ينصب عليها باب-] [¬١٢] لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب؛ ألا أقرئك آيات نزلن قبل، فقرأ عليَّ: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ حتى قرأ هذه [¬١٣] الآيات، قال: قلت: بأبي وأمي أنت [¬١٤] يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا [أريد أن] [¬١٥] أخبرك، فأسمع [¬١٦] اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر.
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "فقالوا: أنت". [¬٣]- زيادة من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ [¬٥]- زيادة من ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "ذاك" [¬٧]- في ز، خ: "ثم". [¬٨]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ [¬٩]- زيادة من: خ. [¬١٠]- سقط من: ز، خ. [¬١١]- كذا في ز، خ، وعند ابن جرير: مخرفة، وهو الصواب، والمخرفة: البستان، أو سكة بين صفين من النخل. [¬١٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٣]- زيادة من: ز، خ. [¬١٤]-سقط من: ز، خ. [¬١٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬١٦]- في ز: وأسمع.
[ ١ / ٥٠٥ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٥٦٠): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن مجالد، أنبأنا [¬١] عامر قال: انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود فقال: أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجدون محمدًا في كتبكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟ قالوا: إن الله لم يبعث رسولًا إلا جعل له من الملائكة كفلًا، وإن جبريل كفل محمدًا، وهو الذي يأتيه، وهو عدّونا من الملائكة، وميكائيل سلمنا، لو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا، قال: فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما منزلتهما من رب العالمين؟ قالوا: جبريل عن يمينه، وميكائيل عن شماله.
قال عمر: وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله، وما كان ميكائيل ليسالم عدوّ جبريل، وما كان جبرائيل ليسالم عدوّ ميكائيل، فبينما [¬٢] هو عندهم إذ مرّ النبي ﷺ فقالوا: هذا صاحبك يا بن الخطاب؛ فقام إليه عمر، فأتاه، وقد أنزل الله ﷿ عليه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.
وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدّث به عن عمر، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر، فإنه لم يدرك وفاته، والله أعلم.
وقال ابن جرير (^٥٦١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد بن زُرَيع، عن سعيد، عن [¬٣] قتادة قال: ذُكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه [¬٤] رحبوا به؛ فقال لهم عمر: أما والله ما جئتكم لحبكم، ولا لرغبة [¬٥] فيكم، ولكن جئت لأسمع منكم، فسألهم وسألوه، فقالوا، مَنْ صاحبُ صاحبِك؟ فقال لهم: جبريل، فقالوا: ذاك عدوّنا من أهل السماء، يُطِلعُ محمدًا على سرنا، وإذا جاء جاء بالحرب [¬٦] والسَّنَة [¬٧]، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل، وكان إذا جاء جاء الخصب والسلم، فقال لهم عمر: هل [¬٨] تعرفون جبريل، وتنكرون محمدًا ﷺ؟ ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو النبي ﷺ ليحدّثه حديثهم فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآيات.
_________________
(١) - الحديث في تفسير ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٠). وفي إسناده ضعف، وانقطاع.
(٢) - رواه ابن جرير ١٦١٠ - (٢/ ٣٨٣)، وإسناده منقطع بين قتادة، وعمر. [¬١] في ز، خ: "أبا". [¬٢]- في ز، خ: "فبينا". [¬٣]- في خ: "بن". [¬٤]- في خ: "انصرفوا"، وفي ر: انصرف. [¬٥]- في ز، خ: "للرغبة". [¬٦]- في ز، خ: الحرب، والمثبت من ابن جرير. [¬٧]- سقط من: خ. [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥٠٦ ]
ثم قال: حدثني المثنى (^٥٦٢)، حدثنا آدم، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: بلغنا أن عمر أقبل إلى [¬١] اليهود يومًا، فذكر نحوه، وهذا [] [¬٢] أيضًا منقطع، وكذلك رواه أسباط، عن السدّي، عن عمر مثل هذا أو نحوه، وهو منقطع أيضًا.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٦٣): حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن [يعني الدَّشْتَكي] [¬٣]، حدثنا [¬٤] أبو جعفر، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن يهوديًّا لقي [¬٥] عمر بن الخطاب فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا. فقال عمر: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ قال: فنزلت على لسان عمر، ﵁.
[ورواه عبد بن حميد، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن أبي جعفر هو الرازي] [¬٦].
وقال ابن جرير (^٥٦٤): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا حصين بن [¬٧] عبد الرحمن، عن ابن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان هو [¬٨] الذي ينزل عليكم لتبعناكم؛ فإنه ينزل بالرحمة والغيث، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة، فإنه [عدوّ لنا] [¬٩]، قال: فنزلت هذه الآية.
[حدثني (^٥٦٥) يعقوب، قال] [¬١٠]: حدثنا هشيم، أخبرنا عبد الملك، عن عطاء بنحوه.
وقال عبد الرزاق (^٥٦٦): أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ قال: قالت اليهود: إن جبريل [عدوّ لنا] [¬١١]؛ لأنه ينزل بالشدة والسَّنَة، وإن ميكائيل ينزل
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ١٦١١ - (٢/ ٣٨٣)، وإسناده منقطع بين قتادة، وعمر.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم ٩٦٧ - (١/ ٢٩١)، وهذا منقطع، ابن أبي ليلى لم يدرك عمر.
(٣) - تفسير أبي جرير برقم ١٦١٥ - (٣/ ٣٨٦).
(٤) - تفسير ابن جرير برقم ١٦١٦ - (٣/ ٣٨٦).
(٥) - تفسير عبد الرزاق (١/ ٥٣). [¬١]- في خ: "على". [¬٢]- في ت: [في تفسير آدم وهو]. [¬٣] ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "أخبرنا". [¬٥]- في ز: أتى. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في خ: "عن". [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين في خ: "لنا عدو". [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١١]- في خ: "عدونا".
[ ١ / ٥٠٧ ]
بالرخاء والعافية والخصب، فجبريل عدونا، فقال الله تعالى: [﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾. الآية.
وأما تفسير الآية فقوله تعالى] [¬١]: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: من عادى جبريل، فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم، على قلبك من الله بإذنه له في ذلك، فهو رسول من رسل الله مَلكي، ومن عادى رسولًا، فقد عادى جميع الرسل، [كما أنّ من آمن برسول، فإنه يلزمه الإيمان بجميع الرسل] [¬٢]، وكما أنّ من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَينَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾. الآيتين. فحكم عليهم بالكفر المحقق إذ آمنوا ببعض الرسل، وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبريل فإنه عدوّ لله؛ لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾.
وقد روى البخاري في صحيحه (^٥٦٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب"، ولهذا غضب الله لجبريل على من عاداه، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المتقدّمة ﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هدى لقلوبهم، وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾. الآية. وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا﴾. الآية.
ثم قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾. يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي- ورسله تشمل [¬٣] رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: ﴿[] [¬٤] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.
﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال [¬٥]﴾ وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خُصِّصَا [¬٦] بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبريل، وهو السفير
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب الرقاق، باب: التواضع برقم (٦٥٠٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "يشمل". [¬٤]- في خ: إن. [¬٥]- في خ: "ميكائيل". [¬٦]- في خ: "خصصنا".
[ ١ / ٥٠٨ ]
بين الله وأنبيائه، وقرن معه [¬١] ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوّهم وميكائيل وليهم [¬٢]، فأعلمهم [الله تعالى] [¬٣] أن [¬٤] بن عادى واحدًا منهما، فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على [أنبياء الله] [¬٥] بعض الأحيان، كما قرن برسول الله ﷺ في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكل بالنبات والقطر، هذاك بالهدى، وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكل [بالنفخ في الصور للبعث] [¬٦] يوم [¬٧] القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح (^٥٦٨): أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: "اللَّهم رب جبربل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك، فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وقد تقدّم مما حكاه البخاري، ورواه ابن جرير، عن عكرمة، وغيره [¬٨] أنه قال: جبر [¬٩] وميك وإسراف: عبيد [¬١٠]، وإيل: الله.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٦٩): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن عمير مولى ابن عباس، [عن ابن عباس] [¬١١] قال: إنما كان قوله جبريل كقوله: عبد الله، وعبد الرحمن، وقيل [¬١٢] جبر: عبد، وإيل: الله.
وقال محمد بن إسحاق (^٥٧٠): عن الزهري، عن علي بن الحسين قال: أتدرون [¬١٣] ما اسم جبريل من أسمائكم؟ قلنا: لا. قال: اسمه عبد [¬١٤] الله، قال: فتدرون ما اسم ميكائيل من أسمائكم؟ قلنا لا. قال اسمه عبيد [¬١٥] الله، وكل اسم مرجعه إلى إيل فهو إلى الله [﷿].
قال ابن أبي حاتم (^٥٧١): وروي عن [عكرمة، ومجاهد] والضحاك، ويحيى بن يعمر نحو
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٩٧١ - (١/ ٢٩٢).
(٢) - ابن أبي حاتم (١/ ٢٩٣). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "عدوهم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "أنه". [¬٥]- في ز، خ: "الأنبياء". [¬٦]- في ز، خ: بالصور للنفخ للبعث. [¬٧]- في ز: ليوم. [¬٨]- سقط من: خ. [¬٩]- في ز، خ: "جر". [¬١٠]- في ز، خ: "عبد". [¬١١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٢]- في ز، خ: "وقال". [¬١٣]- في ز، خ: "تدرون". [¬١٤]- في خ: "عبيد". [¬١٥]- في خ: "عبد".
[ ١ / ٥٠٩ ]
ذلك، ثم [] [¬١] قال حدثني [¬٢] أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحَوَاري، حدثني عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله، قال: فحدَّثتُ به أبا سليمان الداراني فانتفض، وقال: لَهَذا الحديثُ أحبُّ إليَّ من كلِ شيءٍ في دفتر كان بين يديه.
وفي جبريل وميكائيل لغات وقراءات، تذكر في كتب اللغة والقراءات، [ولم نطول] [¬٣] كتابنا هذا بسرد ذلك، إلا أن يدور فهم المعنى عليه، أو يرجع الحكم في ذلك إليه، وبالله الثقة، وهو المستعان.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ [¬٤] عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فيه إيقاع المُظْهَر مكان المضمر حيث لم يقل: فإنه عدوّ للكافرين؛ بل قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ كما قال الشاعر:
لا أرى الموتَ يسبِقُ الموتَ شيء [¬٥] … نغص [¬٦] الموتُ ذا [¬٧] الغنى والفقيرا
وقال الآخر [¬٨]:
ليتَ الغرابَ غداةَ ينعَبُ دائبًا … كان الغرابُ مُقَطَّعَ الأوداج
وإنما أظهر [الله هذا] [¬٩] الاسم هاهنا؛ لتقرير [¬١٠] هذا المعنى وإظهاره، وإعلامهم أن من عادى وليًّا [¬١١] لله فقد عادى الله، ومن عادى الله فإن الله عدوّ له، ومن كان الله عدوّه، فقد خسر الدنيا والآخرة، كما تقدّم الحديث: "من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالحرب" (^٥٧٢)، وفي الحديث الآخر: "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحَرِبُ". وفي الحديث [¬١٢] الصحيح: "وَمَنْ كنتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُه".
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إلا الْفَاسِقُونَ (٩٩) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ
_________________
(١) - رواه البخاري (٦٥٠٢) في كتاب الرقاق، باب: التواضع. [¬١]- في خ: "و". [¬٢]- في خ: "حدثنا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- زيادة من: خ. [¬٥]- في ز، خ: "شيئًا". [¬٦]- في ز، خ: "سبق". [¬٧]- في ز، خ: "و". [¬٨]- في ز: للآخر. [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في ز: لتقدير. [¬١١]- في ز، خ: "أولياء". [¬١٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥١٠ ]
أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾
قال الإمام أبو جعفر بن جرير (^٥٧٣) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. الآية [¬١]. أي: أنزلنا إليك يا محمد؛ علامات واضحات دالات [¬٢]، على نبوّتك، وتلك الآيات هي ما حواه [¬٣] كتاب الله من خفايا علوم اليهود، ومكنونات سرائر أخبارهم، وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارُهم وعلماؤهم، وما حرّفه أوائلهم وأواخرهم، وبدّلوه من أحكامهم، التي كانت في التوراة.
فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ فكان في ذلك من أمره الآيات البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدعه [¬٤] إلى هلاكها الحسد والبغي؛ إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات التي وَصَفَ من غير تَعَلُّمٍ تعلَّمه من بشر [¬٥]، ولا أخذ شيئًا منه عن آدمي.
كما قال الضحاك: عن ابن عباس (^٥٧٤): ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يقول: فأنت
_________________
(١) - ابن جرير (٢/ ٣٩٧).
(٢) - رواه ابن جرير برقم ١٦٣٠ - (٢/ ٣٩٧). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "دلالات". [¬٣]- في ز، خ: "حكاه". [¬٤]- في ز: يدعها. [¬٥]- في خ: "بشرى".
[ ١ / ٥١١ ]
تتلوه عليهم وتخبرهم به غدوة وعشية، وبين ذلك، وأنت عندهم أمّي لا [¬١] تقرأ كتابًا، وأنت تخبرهم بما في أيديهم على وجهه، يقول الله تعالى [لهم في ذلك] [¬٢] عبرة وبيان، وعليهم حجة لو كانوا يعلمون.
وقال محمد بن إسحاق (^٥٧٥): حدّثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة -أو سعيد بن جبير- عن ابن عباس؛ قال: قال ابن صوريا الفطيُوني [¬٣] لرسول الله ﷺ: يا محمد؛ ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك. فأنرل الله في ذلك من قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ [¬٤] بِهَا إلا الْفَاسِقُونَ﴾.
وقال مالك بن الصيف [¬٥] (^٥٧٦) - حين بُعث رسولُ الله ﷺ وذكَّرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ: والله ما عَهِد إلينا في محمد [ﷺ] ولا أخذ علينا ميثاقًا؛ فأنزل الله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾.
وقال الحسن البصري: في قوله: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. قال: نعم ليس في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه ونبذوه، يعاهدون اليوم وينقضون غدًا.
وقال السدي: لا يؤمنون بما جاء به محمد ﷺ. وقال قتادة: نبذه فريق منهم، أي نقضه فريق منهم.
وقال ابن جرير (^٥٧٧): أصل النبذ الطرح والإلقاء، ومنه سُمي اللقيط منبوذًا، ومنه سُمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء. قال أبو الأسود الدؤلي:
نظرتَ إلى عنوانه فنبذْتَه … كنبذك نعلًا أخْلَقَتْ من نعالكا
قلت: فالقوم ذمهم الله بنبذهم العهود التي تقدم الله إليهم في التمسك بها والقيام بحقها؛ ولهذا أعقبهم ذلك التكذيب بالرسول المبعوث إليهم، وإلى الناس كافة، الذي في كتبهم نعتُه، وصفتُه وأخباره، وقد أُمروا فيها باتباعه، ومؤازرته، ومناصرته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١٦٣٧، ١٦٣٨ - (٢/ ٣٩٨)، والسيرة (٢/ ١٩٦).
(٢) - رواه ابن جرير برقم ١٦٣٩ - (٢/ ٤٠٠)، والسيرة لابن هشام (٢/ ١٩٦).
(٣) - تفسير ابن جرير (٢/ ٤٠١). [¬١]- في خ: لم. [¬٢]- في ز، خ: "في ذلك لهم". [¬٣]- في ز، خ: "النطيوني". [¬٤]- في ز، خ: "يجحد". [¬٥]- في ز، خ: "الضيف".
[ ١ / ٥١٢ ]
الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ الآية. وقال هاهنا ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. الآية. أي: طرح [¬١] طائفة منهم كتاب الله الذي بأيديهم مما فيه البشارة بمحمد ﷺ وراء ظهورهم، أي: تركوها كأنهم لا يعلمون ما فيها، وأقبلوا على تعلم السحر واتباعه، ولهذا أرادوا كيدًا برسول [¬٢] الله ﷺ وسحروه في مُشْط ومُشَاقة وجُفّ طلعة ذَكَر تحت راعوثة [¬٣] (^٥٧٨) ببئر [¬٤] ذي أروان، وكان الذي تولى ذلك منهم رجل يقال له: لبيد بن الأعصم - لعنه الله وقبحه [¬٥] فأطلع [¬٦] الله على ذلك رسوله، ﷺ، وشفاه منه وأنقذه، كما ثبت ذلك مبسوطًا في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين ﵂ كما سيأتي بيانه.
و[¬٧] قال السدي: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ قال: لما جاءهم محمد ﷺ عارضوه بالتوراة فخاصموه بها، فاتفقت التوراة والقرآن، فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف، وسحر هاروت وماروت، فلم يوافق القرآن فذلك قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
وقال قتادة في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال: إن القوم كانوا يعلمون ولكنهم نبذوا علمهم، وكتموه، وجحدوا به.
وقال العوفي في تفسيره: عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. وكان حين ذهب ملك سليمان ارتد فئام [¬٨] (^٥٧٩) من الجن والإنس واتبعوا الشهوات، فلما أرجع [¬٩] الله إلى سليمان مُلْكَه، وقام الناس على الدين كما كان، أو أن سليمان ظهر على كتبهم فدفنها تحت كرسيه، وتوفي سليمان ﵇ حِدْثَان ذلك، فظهر الإنس والجن على الكتب بعد وفاة سليمان وقالوا: هذا كتاب من الله نزل على سليمان وأخفاه عنا [¬١٠] فأخذوا به فجعلوه دينًا؛ فأنزل الله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ
_________________
(١) - الراعوثة: حجر في أعلى البئر، يقف عليه المستقي.
(٢) - الفئام: الجماعة من الناس. [¬١]- في خ: "أطرح". [¬٢]- في ز: لرسول. [¬٣]- في ز: راعونة. [¬٤]- في ز: بئر. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "فأطلعه". [¬٧]- زيادة من: خ. [¬٨]- في خ: "قيام". [¬٩]- في ز، خ: "رجع". [¬١٠]- في ز، خ: "منا".
[ ١ / ٥١٣ ]
لَا يَعْلَمُونَ﴾. الآية. واتبعوا الشهوات التي كانت [تتلو الشياطين] [¬١]، وهي المعازف، واللعب، وكل شيء يصد عن ذكر الله.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٨٠): حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حدَّثنا أبو أسامة، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان [¬٢] آصف كاتب سليمان، وكان يَعْلَمُ الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته [¬٣] الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها.
قال [¬٤]: فأكفره [¬٥] جُهَّالُ الناس وَسَبُّوه، ووقف [علماء الناس] [¬٦]، فلم يزل [جهال الناس] [¬٧] يسبونه حتى أنزل الله على محمد ﷺ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال ابن جرير (^٥٨١): حدّثني أبو السائب سلم [¬٨] بن جنادة السُّوائي، حدَّثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان سليمان ﵇ إذا أراد أن يدخل الخلاء، أو يأتي شيئًا من نسائه أعطى الجرادة - وهي امرأته [¬٩]- خاتمه، فلما أراد الله أن يبتلي سليمان ﵇ - بالذي ابتلاه به، أعطى الجرادة ذات يوم خاتَمه، فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها: هاتي خاتمي، فأخذه فلبسه، فلما لبسه دانت له الشياطين، والجن، والإنس.
قال: فجاءها سليمان، فقال لها: هاتي خاتمي. فقالت: كذبت، لست سليمان، قال: فعرف سليمان أنه بلاء ابْتُلي به. قال: فانطلقت الشياطين فكتبت في تلك الأيام كتبًا فيها سحر وكفر، ثم دفنوها تحت كرسي سليمان، ثم أخرجوها وقرءوها [¬١٠] على الناس، وقالوا: إنما كان سليمان يغلب الناس بهذه الكتب، قال فبرئ الناس من سليمان، وأكفروه حتى بعث الله محمدًا ﷺ وأنزل عليه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم برقم ٩٨٨ - (١/ ٢٩٧).
(٢) - تفسير ابن جرير يرقم ١٦٦٠ - (٢/ ٤١٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "قال". [¬٣]- في ز، خ: "أخرجه". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ز، خ: "فألفوه". [¬٦]- في ز: علماؤهم. [¬٧]- في ز: جهالهم. [¬٨]- في ز: مسلم. [¬٩]- في ز: امرأة. [¬١٠]- في ز، خ: "فقرءوها".
[ ١ / ٥١٤ ]
ثم قال ابن جرير (^٥٨٢): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمران -وهو ابن الحارث- قال: بينما [¬١] نحن عند ابن عباس ﵄ إذ جاء رجل فقال له: من أين جئت؟ قال: من العراق. قال: من أيَه؟ قال: من الكوفة قال: فما الخبر؟ قال: تركتهم يتحدثون أن عليًّا خارج إليهم، ففزع ثم قال: ما تقول لا أبا لك؟ لو شعرنا ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، أما إني سأحدثكم عن ذلك، إنه كانت الشياطين يسترقون السمع من السماء، فيجيء أحدهم بكلمة حق قد سمعها، فإذا جُرِّب منه وصُدق كذب معها سبعين كذبة. قال: فَتَشْرَبُها قلوب الناس، قال: فأطلع الله عليها سليمان ﵇ فدفنها تحت كرسيه، فلما توفي سليمان ﵇ قام شيطانُ الطريق فقال: أفلا أدلكم على كنزه [¬٢] المُمَنَّع الذي لا كنز له مثله؟ تحت الكرسي. فأخرجوه، فقالوا: هذا سحره [¬٣] فتناسخها الأمم -حتى بقاياها ما يتحدث به أهل العراق- فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. الآية.
وروى الحاكم في مستدركه، عن أبي زكريا العَنْبري، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، به (^٥٨٣).
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: على عهد سليمان، قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة ما [¬٤] يكون في الأرض من موت، أو غيب، أو أمر، فيأتون الكهنة، فيخبرونهم، فَتُحَدِّثُ الكهنةُ الناسَ، فيجدونه كما قالوا، فلما [¬٥] أمنتهم الكهنة كذبوا لهم؛ وأدخلوا فيه غيره، فزادوا مع كل كلمة سبعين كلمة، فاكتتب الناسُ ذلك الحديث في الكتب، وفشا ذلك [¬٦] في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب، فبعث سليمانُ في الناس فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسي إلا احترق. وقال: لا أسمع أحدًا يذكر أن الشياطين يعلمون الغيب إلا ضربتُ عنقه.
فلما مات سليمان، ﵇، وذهبت العلماء الذين كانوا يعرفون أمر سليمان، وخلف من بعد ذلك خَلْف - تمثل الشيطان [¬٧] في صورة إنسان، ثم أتى نفرًا من بني إسرائيل، فقال لهم:
_________________
(١) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٦٢ - (٢/ ٤١٥).
(٢) - المستدرك (٢/ ٢٦٥). [¬١]- في ز، خ: "بينا". [¬٢]- في خ: "كنز". [¬٣]- في ز، خ: "سحر". [¬٤]- في ز: مما. [¬٥]- في ز: حتى إذا. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ز: شيطان.
[ ١ / ٥١٥ ]
هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبدًا؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي، وذهب [¬١] معهم، وأراهم [¬٢] المكان وقام ناحية، فقالوا له [¬٣] فادنُ. فقال [¬٤]: لا، ولكنني [¬٥] هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني، فحفروا فوجدوا تلك الكتب؛ فلما أخرجوها قال الشيطان: إن سليمان إنما كان يضبط الإنس، والشياطين، والطير بهذا السحر. ثم طار وذهب.
وفشا في الناس أن سليمان إنما [¬٦] كان ساحرًا، واتخذت بنو إسرائيل تلك الكتب، فلما جاء محمد ﷺ خاصموه بها، فذلك حين يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال الربيع بن أنس: إن اليهود سألوا محمدًا ﷺ زمانًا عن أمور من التوراة، لا يسألونه عن شيء من ذلك إلا أنزل الله ﷾ عليه [¬٧] ما سألوه [¬٨] عنه، فيخصمهم، فلما رأوا ذلك قالوا: هذا أعلم بما أنزل الله إلينا منا.
وإنهم سألوه عن السحر، وخاصموه به، فأنزل الله ﷿: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾. وإن الشياطين عمدوا إلى كتابٍ فكتبوا فيه السحر، والكهانة، وما شاء الله من ذلك، فدفنوه تحت كرسي [¬٩] مجلس سليمان، وكان سليمان [¬١٠]﵇ لا يعلم الغيب.
فلما فارق سليمان الدنيا استخرجوا ذلك السحر، وخدعوا الناس، وقالوا: هذا علم كان سليمان يكتمه ويحسده [¬١١] الناس عليه، فأخبرهبم النبي ﷺ بهذا الحديث فرجعوا من عنده، وقد حزنوا [¬١٢] [وقد] [¬١٣] أدحض الله حجتهم.
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ قال: كانت الشياطين تستمع [¬١٤] الوحي، فما سمعوا من كلمة زادوا فيها مائتين مثلها. فأرسل سليمان، ﵇، إلى ما كتبوا من ذلك، فلما توفي سليمان وجدته [¬١٥] الشياطين وعلمته [¬١٦] الناس، وهو
_________________
(١) [¬١]- مكرر في: خ. [¬٢]- في ز، خ: "فأراهم". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "قال". [¬٥]- في ز: ولكني. [¬٦]- زيادة من: خ. [¬٧]- زيادة من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ: "سألوا". [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- زيادة من: ز، خ. [¬١١]- في ز، خ. "يحسد". [¬١٢]- في ز، خ: "خزيوا". [¬١٣]- في خ: "قد"، وفي: ز [و] [¬١٤]- في ز، خ: "تسمع". [¬١٥]- في ز، خ: "وحدثته". [¬١٦]- في ز، خ: "فعلمته".
[ ١ / ٥١٦ ]
السحر.
وقال سعيد بن جبير: كان سليمان ﵇ يتتبع [¬١] ما في أيدي الشياطين من السحر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم تقدر [¬٢] الشياطين أن يصلوا إليه، فدبت إلى الإنس فقالوا لهم: أتدرون ما [¬٣] العلم الذي كان سليمان يسخر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم. قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستثار به. الإنسُ، واستخرجوه، [وعملوا به] [¬٤]، فقال أهل الحجا [¬٥]: كان سليمان يعمل بهذا، وهذا سحر. فأنزل الله تعالى على لسان [¬٦] نبيه محمد ﷺ براءة سليمان ﵇ فقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾.
وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمدت الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود ﵇ فكتبوا أصناف السحر: "من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل [¬٧] كذا وكذا"، حتى إذا صنفوا أصناف السحر جعلوه في كتاب، ثم ختموه [¬٨] بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في [¬٩] عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصديق للملك سليمان بن داود [﵉] من ذخائر كنوز العلم.
ثم دفنوه تحت كرسيه، واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان ملك [¬١٠] سليمان [بن داود] [¬١١] إلا بهذا؛ فأفشوا السحر في الناس، فتعلموه [¬١٢] وعلموه [¬١٣]، [فليس هو] [¬١٤] في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله!
فلما ذكر رسول الله ﷺ فيما نزل عليه من الله - سليمان بن داود وعدَّه فيمن عدّ [¬١٥] من المرسلين. قال من كان بالمدينة من اليهود [¬١٦]: ألا تعجبون من محمد، يزعم أن ابن داود كان نبيًّا، والله ما كان إلا ساحرًا. وأنزل الله في [¬١٧] ذلك من [¬١٨] قولهم: ﴿وَاتَّبَعُوا
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "يتبع". [¬٢]- في ز، خ: "يقدر". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز: فعملوا بها. [¬٥]- في خ: "الحجاز". [¬٦]- زيادة من: ز، خ. [¬٧]- في ز: فليقل. [¬٨]- في خ: "ختمو". [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- سقط من: ز، خ. [¬١١]- ما بين المعكوفتين زيادة من: ز، خ. [¬١٢]- في خ: "وتعلموه". [¬١٣]- في ز: وليس. [¬١٤]- في ز: وعملوه. [¬١٥]- في ز: عده. [¬١٦]- في ز: يهود. [¬١٧]- سقط من: ز، خ. [¬١٨]- في ز، خ: "في".
[ ١ / ٥١٧ ]
مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾. الآية.
وقال ابن جرير (^٥٨٤): حدَّثنا القاسم، حدَّثنا حسين حدثنا [¬١] حجاج عن أبي بكر، عن شَهْر بن حَوْشب قال: لما سُلِبَ سليمان ﵇ ملكه، كانت الشياطين تكتب السحر في غيبة سليمان. فكتبت: "من أراد أن يأتي كذا وكذا فليستقبل الشمس، وليقل كذا وكذا؛ ومن أراد أن يفعل كذا وكذا، فليستدبر الشمس، وليقل كذا وكذا؛ فكتبتْه وجعلتْ عنوانَه: هذا ما كتب آصف بن برخيا للملك سليمان بن داود ﵉ من ذخائر كنوز العلم". ثم دفنته تحت كرسيه، فلما مات سليمان ﵇ قام إبليس لعنه الله! خطيبًا، فقال [¬٢]: يا أيها الناس؛ إن سليمان لم يكن نبيًّا، إنما كان ساحرًا، فالتمسوا سحره في متاعه، وبيوته. ثم دلهم على المكان الذي دفن فيه. فقالوا: والله لقد كان سليمان ساحرًا، هذا سحره، بهذا تَعَبَّدَنا، وبهذا قهرنا.
فقال [¬٣] المؤمنون: بل كان نبيًّا مؤمنًا. فلما بعث الله النبي محمدًا [¬٤] ﷺ [جعل يذكر الأنبياء] [¬٥] حتى [¬٦]، ذكر داود وسليمان فقالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل. يذكر سليمان مع الأنبياء. إنما كان ساحرًا يركب الريح، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ [وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ] [¬٧]﴾. الآية.
وقال [¬٨] ابن جرير (^٥٨٥): حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت عمران بن حُدَيْر [¬٩]، عن أبي مِجْلزَ قال: أخذ سليمان ﵇ من كل دابة عهدًا، فإذا أصيب رجل فسأل بذلك العهد، خلي عنه، فزاد [¬١٠] الناس السجع والسحر، وقالوا: هذا يعمل به سليمان [بن داود ﵉]؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٨٦): حدَّثنا [عصام بن رَوّاد] [¬١١]، حدَّثنا آدم، حدَّثنا المسعودي، عن
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١٦٦٦ - (٢/ ٤١٦).
(٢) - تفسير ابن جرير برقم ١٦٦١ - (٢/ ٤١٤).
(٣) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٩٨٩ - (١/ ٢٩٨). [¬١]- في ت: بن. [¬٢]- في ز، خ: "قال". [¬٣]- في ز: وقال: [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٦]- في ز، خ: "حين". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في خ: "حدثنا". [¬٩]- في ز، خ: "جرير". [¬١٠]- في الطبري: فرأى. قال محققه ﵀، والصواب ما في الطبري. [¬١١]- في خ: "عاصم بن داود".
[ ١ / ٥١٨ ]
زياد مولى ابن مصعب عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾. قال: ثلث الشعر، وثلث السحر، وثلث الكهانة.
وقال (^٥٨٧): حدثنا الحسن بن أحمد، حدَّثنا إبراهيم بن عبد الله بن بشار الواسطي، حدّثني سُرور [¬١] بن المغيرة، عن عباد بن منصور، عن الحسن ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ وتبعته [¬٢] اليهود على ملكه. وكان السحر قبل ذلك في الأرض لم يزل بها، ولكنه إنما اتبع على ملك سليمان.
فهذه نبذة من أقوال أئمة السلف في هذا المقام، ولا يخفى ملخص القصة والجمع بين أطرافها، وأنه لا تعارض بين السياقات على اللبيب الفَهم، والله الهادي.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ أي: واتبعت اليهود الذين أوتوا الكتاب من [¬٣] بعد إعراضهم عن كتاب الله الذي بأيديهم ومخالفتهم لرسول الله محمد ﷺ ما تتلوه [¬٤] الشياطين، أي: [ما ترويه وتخبر به] [¬٥] وتحدثه الشياطين على ملك سليمان. وعدّاه بـ "على"، لأنه ضمن "تتلو" "تكذب".
وقال ابن جرير: "على" هاهنا بمعنى "في"، أي: تتلو في ملك سليمان. ونقله عن ابن جُرَيج، وابن إسحاق (قلت): والتضمين أحسن وأولى، والله أعلم.
وقول الحسن البصري ﵀: "و[¬٦] قد كان السحر قبل زمان [¬٧] سليمان بن داود" صحيح لا شك فيه؛ لأن السحرة كانوا في زمان موسى ﵇ وسليمان بن داود بعده، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية. ثم ذكر [¬٨] القصة بعدها، وفيها: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. وقال قوم صالح - وهم قبل إبراهيم الخليل ﵇ - لنبيهم صالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [أي: المسحورين على المشهور] [¬٩].
و[¬١٠] قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم برقم ٩٩٢ - (١/ ٢٩٩). وفيه عباد بن منصور، وهو ضعيف. [¬١]- في ز: مسرور. [¬٢]- في ز: واتبعته. [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "تتلوا". [¬٥]- في ز، خ: "ما ترونه وتخبرونه". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز: زمن. [¬٨]- سقط من: ز، خ. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬١٠]- زيادة من: ز، خ.
[ ١ / ٥١٩ ]
يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. اختلف الناس في هذا المقام، فذهب بعضهم إلى أنّ "ما" نافية، أعني: التي في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾.
[قال القرطبي: ما نافية، ومعطوف في قوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ وذلك أن اليهود كانوا يزعمون أنه نزل به جبريل، وميكائيل، فأكذبهم الله، وجعل قوله: ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ بدلًا من الشياطين.
قال: وصح ذلك؛ إما لأن الجمع يطلق على الاثنين، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾، أو لكونهما لهما أتباع، أو ذُكرا من بينهم لتمردهما. تقدير الكلام عنده: يعلمون الناس السحر ببابل وهاروت، وماروت. ثم قال: وهذا أولى ما حملت عليه الآية، وأصح، ولا يلتفت إلى ما سواه] [¬١].
وروى ابن جرير بإسناده (^٥٨٨)، من طريق العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ الآية. يقول: لم ينزل الله السحر. وبإسناده عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قال: ما أنزل الله عليهما السحر.
قال ابن جرير: فتأويل الآية على هذا ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر [وما أنزل على الملكين] [¬٢] ببابل هاروت، وماروت.
فيكون قوله: ﴿بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ من المؤخر الذي معناه المقدَّم. قال: فإن قال لنا قائل: كيف [¬٣] وجه تقديم ذلك؟ قيل: وجه تقديمه أن يقال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيمَانَ﴾ [من السحر] [¬٤]، وما كفر سليمان، وما أنزل الله السحر [¬٥] على الملكين، ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنيًّا بالملكين جبريل وميكائيل ﵉ لأنّ سحرة [¬٦] اليهود فيما ذكر كانت تزعم: أن الله أنزل السحر على لسان جبريل، وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه محمدًا، ﷺ أن حبريل، وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرَّأ سليمان ﵇ مما
_________________
(١) - رواه ابن جرير برقم ١٦٧٠ - (٤١٩١٢)، وسنده ضعيف. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين زيادة من: خ. [¬٣]- في ز: وكيف. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- زياده من: ز، خ.
[ ١ / ٥٢٠ ]
نحلوه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان: اسم أحدهما هاروت، واسم الآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس، وردًّا عليهم.
هذا لفظه بحروفه (^٥٨٩).
وقد قال ابن أبي حاتم (^٥٩٠): حدثت [¬١] عن عُبَيد الله بن موسى، أخبرنا فضيل بن مرزوق، عن عطية ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ قال: ما أنزل الله [¬٢] على جبريل، وميكائيل السحر.
[قال ابن أبي حاتم (^٥٩١)] [¬٣]: وحدثنا الفضل [¬٤] بن شاذان، حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا [معلى]-يعني ابن أسد- حدثنا بكر -يعني ابن مصعب- حدثنا الحسن بن أبي جعفر: أن عبد الرحمن بن أبزى كان يقرؤها: "وما أنزل على الملكين داود وسليمان".
وقال أبو العالية: لم ينزل عليهما السحر، يقول [¬٥]: عَلِما الإيمان والكفر، فالسحر من الكفر، فهما ينهيان عنه أشدّ النهي. رواه ابن أبي حاتم.
ثم شرع ابن جرير في رد هذا القول، وأن (ما) بمعنى الذي، وأطال القول في ذلك، وارعى أن هاروت وماروت ملكان أنزلهما الله إلى الأرض، وأذن لهما في تعليم السحر، اختبارًا لعباده، وامتحانًا، بعد أن بين لعباده أن ذلك مما ينهى عنه على ألسنة الرسل، وادعى: أن هاروت وماروت مطيعان في تعليم ذلك؛ لأنهما امتثلا ما أمرا به.
وهذا الذي سلكه غريب جدًّا، وأغرب منه قول من زعم: أن هاروت وماروت قبيلان من الجن [كما زعمه ابن حزم] [¬٦].
وروى ابن أبي حاتم (^٥٩٢) بإسناده، عن الضحاك بن مزاحم: أنه كان يقرؤها ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ ويقول: هما علجان من أهل بابل.
وَوَجَّه أصحاب هذا القول الإنزال بمعنى الخَلْق، لا بمعنى الإيحاء، في قوله تعالى: ﴿وَمَا
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢/ ٤١٩، ٤٢٠).
(٢) - إسناده ضعيف، والحديث عند ابن أبي حاتم برقم ١٠٠٦ - (١/ ٣٠٢).
(٣) - رواه ابن حاتم ١٠٠٧ - (١/ ٣٠٢).
(٤) - إسناده ضعيف، فيه شعيب بن كيسان: ذكره البخاري في الضعفاء، ولينه العقيلي، والأثر عند ابن أبي حاتم ١٠٠٩ - (١/ ٣٠٣).، وفيه أيضًا ثابت بن جابان: مستور الحال. [¬١]- في ز، خ: "حديث". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "الفضيل". [¬٥]- في ز: بقول. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١ / ٥٢١ ]
أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾، ﴿وَيُنَزِّلُ [¬١] لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾. وفي الحديث: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء" (^٥٩٣)، وكما يقال: "أنزل الله الخير والشر".
[وحكى القرطبي عن ابن عباس، وابن أبزى، رالحسن البصري: أنهم قرءوا ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ﴾ بكسر اللام، وقال ابن أبزى: وهما داود وسليمان. قال القرطبي: فعلى هذا تكون ما نافية أيضًا] [¬٢].
رذهب آخرون إلى الوقف على قوله: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [وما: نافية] [¬٣] قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا الليث، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد: وسأله رجل عن قول الله تعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ قال الرجل: يعلمان الناس السحر، و[¬٤] ما أنزل عليهما، أو يعلمان الناس ما لم ينزل عليهما؟ فقال القاسم: ما أبالي أيتهما كانت (^٥٩٤).
ثم روى عن يونس، عن أنس بن عياض، عن بعض أصحابه: أن القاسم قال في هذه القصة: لا أبالي أي ذلك كان، إني آمنت به (^٥٩٥).
وذهب كثيرون من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده- ﵀ -كما سنورده إن شاء الله تعالى، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا، وبين ما ورد [¬٥] من الدلائل على عصمة الملائكة- أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصًا لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق، رفي قول: إنه كان من الملائكة: لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك، مع أنّ شأن هاررت وماروت على
_________________
(١) - رواه البخاري (٥٦٧٨) والنسائي في الطب وابن ماجه (٣٤٣٩) من حديث أبي هريرة. ورواه النسائي في الوليمة والطب وابن ماجه من حديث ابن مسعود (٣٤٣٨).
(٢) - رواه ابن جرير برقم ١٦٧٨ - (٢/ ٤٢٣).
(٣) - رواه ابن جرير برقم ١٦٧٩ - (٢/ ٤٢٣، ٤٢٤). [¬١]- في خ: "وتنزل". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز، خ: "ثبت".
[ ١ / ٥٢٢ ]
ما ذكر، أخف مما وقع من إبليس لعنه الله تعالى!
[وقد حكاه القرطبي، عن علي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وكعب الأحبار، والسدي، والكلبي] [¬١].
(ذكر الحديث الوارد في ذلك إن صح سنده ورفعه وبيان الكلام عليه)
قال الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- في مسنده (^٥٩٦): حدثنا يحيى بن أبي بكير [¬٢]، حدثنا زهير بن محمد، عن موسى بن جبير، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه سمع نبي الله ﷺ يقول: "إن آدم ﵇ لما أهبطه الله إلى الأرض، قالت الملائكة: أي رب، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَال إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض [فننظر كيف يعملان. قالوا: ربنا هاروت وماروت. فأهبطا إلى الأرض] [¬٣] ومثلت لهما الزهرة، امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما، فسألاها نفسها، ففالت: لا والله حتى تتكلما [¬٤] بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله شيئًا أبدًا. فذهبت عنهما، ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها، فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي. فقالا: لا [¬٥]، والله لا نقتله أبدًا، فذهبت ثم [¬٦] رجعت [¬٧] بقدح خمر تحمله، فسألاها نفسها. فقالت: لا، والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي، فلما أفاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئًا أبيتماه عليّ إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخُيرا بين عذاب الدنيا، وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا، وهكذا رواه أبو حاتم [] [¬٨] ابن حبان في صحيحه عن الحسن بن سفيان، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن يحيى بن أبي بُكير، به.
وهذا حديث غريب من هذا الوجه، ورجاله كلهم ثقات من رجال الصحيحين، إلا موسى بن جبير هذا، وهو الأنصاري السلمي مولاهم المديني الحذاء، روى عن ابن عباس، وأبي أمامة بن سهل بن حنيف، ونافع، وعبد الله بن كعب [¬٩] بن مالك، رَوَى عنه ابنه عبد السلام، وبكر
_________________
(١) - ضعيف، والحديث في المسند ٦١٧٨ - (٢/ ١٣٤)، وابن حبان برقم (١٧١٧) "موارد" وقال أبو حاتم في العلل (٢/ ٦٩): "هذا حديث منكر". [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "بكر". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في ز: تكلما. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في خ: "فرجعت". [¬٨]- في خ: [و]. [¬٩]- في خ: "سعد".
[ ١ / ٥٢٣ ]
ابن مضر، وزهير بن محمد، وسعيد بن سلمة، وعبد الله بن لهيعة، وعمرو بن الحارث، ويحيى بن أيوب. وروى له أبو داود، وابن ماجة، وذكره ابن أبي حاتم في كتاب الجرح والتعديل، ولم يحك فيه شيئًا [¬١] من هذا، ولا هذا فهو مستور الحال (^٥٩٧)، وقد تفرد به عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ. وروي له متابع من وجه آخر، عن نافع كما قال ابن مردويه: حدثنا دعلج بن أحمد، حدثنا هشام [بن علي بن هشام] [¬٢]، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا سعيد بن سلمة، حدثنا موسى بن سرجس [¬٣]، عن نافع، عن ابن عمر، سمع النبي، ﷺ، يقول … فذكره بطوله.
وقال أبو جعفر بن جرير ﵀ (^٥٩٨): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين -وهو سنيد بن داود صاحب التفسير- حدثنا الفرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن نافع قال: سافرت مع ابن عمر، فلما كان من آخر الليل، قال: يا نافع؛ انظر، طلعت الحمراء؟ قلت لا - مرتين أو ثلاثًا - ثم قلت: قد طلعت، قال: لا مرحبًا بها ولا أهلًا.
قلت: سبحان الله! نجم مسخر سامع مطيع. قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من رسول الله، ﷺ، أو قال: قال لي رسول الله ﷺ: "إن الملائكة قالت: يارب؛ كيف صبرك على بني آدم في الخطايا [¬٤] والذنوب؟ قال: إني ابتليتهم وعافيتكم. قالوا: لو كنا مكانهم ما عصيناك. قال: فاختاروا ملكين منكم. قال [¬٥]: فلم يألوا جهدًا أن يختاروا، فاختاروا هاروت وماروت، وهذان أيضًا غريبان جدًّا.
وأقرب ما يكون [¬٦] في هذا أنه من رواية عبد الله بن عمر، عن كعب الأحبار، لا عن النبي، ﷺ، كما قال عبد الرزاق في تفسيره، عن الثوري، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن ابن عمر، عن كعب الأحبار [¬٧] قال: ذكرت الملائكة أعمال بني آدم، وما يأتون من الذنوب، فقيل لهم: اختاروا منكم اثنين، فاختاروا هاروت وماروت، فقال [¬٨] لهما: إني أرسل
_________________
(١) - الجرح والتعديل (٨/ ١٣٩) وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٥١) وقال: "يخطئ ويخالف".
(٢) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن جرير ١٦٨٨ - (٢/ ٤٣٣). الفرج بن فضالة: قال البخاري: منكر الحديث. [¬١]- زيادة من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "سرخس". [¬٤]- في ز، خ: "الخطأ". [¬٥]- في ز: قالوا. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز، خ: "فقيل".
[ ١ / ٥٢٤ ]
إلى بني آدم رسلًا، ليس [¬١] بيني وبينكم رسول، انزلا لا تشركا بي شيئًا، ولا تزنيا، ولا تشربا الخمر. قال كعب: فوالله ما أمسيا من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا جميع ما نُهيا عنه.
ورواه ابن جرير من طريقين (^٥٩٩)، عن عبد الرزاق، به.
ورواه ابن أبي حاتم (^٦٠٠)، عن أحمد بن عصام، عن مؤمّل، عن سفيان الثوري، به.
ورواه ابن جرير أيضًا (^٦٠١): حدثني المثنى، حدثنا المعلى -وهو ابن أسد- حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن موسى بن عقبة، حدثني سالم أنه سمع عبد الله يحدث عن كعب الأحبار، فذكره.
فهذا أصح وأثبت إلى عبد الله بن عمر من الإسنادين المتقدمين، وسالم أثبت في [¬٢] أبيه من [¬٣] مولاه نافع. فدار الحديث، ورجع إلى نقل كعب الأحبار، عن كتب بني إسرائيل، والله أعلم.