وفي الصحيح: أن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله، إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب، قال: "إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإن أصابه [¬١] بعرضه فإِنما هو وقيذ فلا تأكله" (^٥٥).
[ففرق بين ما أصابه بالسهم أو بالمزراق ونحوه بحده فأحله] [¬٢]، وما أصابه [¬٣] بعرضه فجعله وقيذًا فلم [¬٤] يحله، [وقد أجمع الفقهاء] [¬٥] [على هذا الحكم هاهنا] [¬٦]، واختلفوا فيما إِذا صدم الجارحة الصيد فقتله بثقله، ولم يجرحه، على قولين هما قولان للشافعي ﵀:
(أحدهما): لا يحل كما في السهم، والجامع أن كلًّا منهما ميت بغير جرح، فهو وقيذ.
(والثاني): أنه يحل لأنه حكم يإِباحة ما صاده الكلب، ولم يستفصل، فدل على إِباحة ما ذكرناه؛ لأنه قد [¬٧] دخل في العموم، وقد قررت لهذه المسألة فصلًا، فليكتب هاهنا.
[فصل]
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى فيما إِذا أرسل كلبًا على صيد فقتله بثقله ولم يجرحه، أو صدمه، هل يحل أم لا؟ على قولين:
(أحدهما): أن ذلك حلال لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، وكذا عمومات حديث عدي بن حاتم، وهذا قول حكاه الأصحاب عن الشافعي ﵀ وصححه بعض المتأخرين منهم [¬٨] كالنووي والرافعي.
_________________
(١) = قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ٣٦٨): سئل أبي عنه فقال: صالح الحديث صدوق. ويزيد هو ابن زريع ثقة ثبت روي له الجماعة، وشيخه هو سعيد بن أبي عروبة أوثق الناس في قتادة.
(٢) - أخرجه البخاري في البيوع، باب: تفسير المشبهات الحديث (٢٠٥٤)، وأطرافه في (١٧٥)، (٥٤٧٥)، (٥٤٧٦)، (٥٤٧٧)، (٥٤٨٣)، (٥٤٨٤)، (٥٤٨٦)، (٥٤٨٧)، (٧٣٩٧). ومسلم في الصيد والذبائح باب: الصيد بالكلاب المعلمة الحديث (١٩٢٩) عن عدي بن حاتم به، والروايات مطولة ومختصرة. [¬١]- في ت: "أصاب". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ت: "أصاب". [¬٤]- في ت: "لم". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ت: "وهذ مجمع عليه عند الفقهاء". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٧]- سقط من: ت. [¬٨]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٣٠ ]
(قلت): وليس ذلك بظاهر من كلام الشافعي في الأم والمختصر، فإِنه قال في كلا الموضعين: يحتمل معنيين، ثم وجه كُلًّا منهما، فحمل ذلك الأصحاب منه، فأطلقوا في المسألة قولين عنه، اللهم إِلا أنه في بحثه حكايته للقول بالحل رشحه قليلًا، ولم يصرح بواحد منهما ولا جزم به، والقرل بذلك - أعني الحل - نقله ابن الصباغ عن أبي حنيفة من رواية الحسن بن زياد عنه، ولم يذكر غير ذلك. وأما أبو جعفر بن جرير فحكاه في تفسيره (^٥٦)، عن سلمان الفارسي وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص وابن عمر، وهذا غريب جدًّا، وليس يوجد ذلك مصرحًا به عنهم، إِلا أنه من تصرفه، ﵀ ورضي عنه -.
(والقول الثاني): أن ذلك لا يحل، وهو أحد القولين عن الشافعي ﵀، واختاره المزني، ويظهر من كلام ابن الصباغ ترجيحه أيضًا، والله أعلم. ورواه أبو يوسف ومحمد عن [¬١]- أبي حنيفة، وهو المشهور عن الإِمام أحمد بن حنبل ﵁، وهذا القول أشبه بالصواب، والله أعلم؛ لأنه أجري على القواعد الأصولية، وأمس بالأصول الشرعية، واحتج ابن الصباغ له بحديث رافع بن خديج، قلت: يا رسول الله، إِنا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مدي [¬٢]، أفنذبح بالقصب، قال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه". الحديث بتمامه وهو في الصحيحين" (^٥٧).
_________________
(١) - انظر تفسير ابن جرير الطبري (٩/ ٥٥٩ - ٥٦٤) وسيأتي تخريج هذه الآثار انظر (١٣٢) وما بعده.
(٢) - أخرجه البخاري في الشركة باب: قسمة الغنم، الحديث (٢٤٨٨) وفي كتاب الرهن باب من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسم الحديث (٢٥٠٧)، وفي الجهاد والسير باب: ما يكره من ذبح الإبل والغنم في المغانم الحديث (٣٠٧٥)، وفي الذبائح والصيد باب: التسمية على الذبيحة ومن ترك متعمدًا الحديث (٥٤٩٨)، وفي الذبائح والصيد باب: ما أنهر الدم من القصب والمروة والحديد، الحديث (٥٥٠٣)، وباب لا يذكي بالسن والعظم والظفر الحديث (٥٥٠٦)، وفي باب: ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش الحديث (٥٥٠٩) وفي الأضاحي، باب: إذا ندَّ بعير لقوم فرماه بعضهم بسهم فقتله … الحديث (٥٥٤٤). ومسلم في الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلَّا السن والظفر وسائر العظام، الحديث (١٩٦٨/ ٢٠، ٢١، ٢٢، ٢٣) من طرق عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعة بن رافع عن جده. ورواه البخاري في الذبائح والصيد، باب: إذا أصاب فوم غنيمة فذبح بعضهم غنمًا أو إبلًا بغير أمر أصحابه لم تؤكل … الحديث (٥٥٤٣) من طريق عباية بن رفاعة عن أبيه عن رافع بن خديج به، والروايات مطولة ومختصرة. [¬١]- في ز: "بن". [¬٢]- في ز: "مذا".
[ ٥ / ٣١ ]
وهذا وإِن كان واردًا على سبب خاص، فالعبرة بعموم اللفظ عند جمهور من العلماء في الأصول والفروع، كما سئل ﵇ عن البتع، وهو نبيذ العسل، فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام" (^٥٨). أفيقول فقيه: إن هذا اللفظ مخصوص بشراب العسل؟ وهكذا [هذا] [¬١] سألوه عن شيء من الذكاة، فقال لهم كلامًا عامًّا يشمل ذاك المسئول عنه وغيره؛ لأنه ﵇ كان [¬٢] قد أوتي جوامع الكلم.
إِذا تقرر هذا فما صدمه الكلب، أو غمه بثقله؛ ليس مما أنهر دمه فلا يخل لمفهوم هذا الحديث، فإِن قيل: هذا الحديث ليس من هذا القبيل بشيء؛ لأنهم إِنما سألوه [¬٣] عن الآلة التي يُذَكَّي بها، و[¬٤] لم يسألوه عن الشيء الذي يُذَكَّي، ولهذا استثني من ذلك السن والظفر، حيث قال: "ليس السنّ والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدي الحبشة" (^٥٩) والمستثني يدل على جنس المستثني منه، وإِلا لم يكن متصلًا، فدل على أن المسئول عنه هو الآلة، فلا يبقي فيه دلالة لما ذكرتم.
فالجواب [¬٥] عن هذا بأن في الكلام ما يشكل عليكم أيضًا، حيث يقول: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه". ولم يقل فاذبحوا به، فهذا يؤخذ منه الحكمان معًا، يؤخذ حكم الآلة التي يذكي بها، وحكم المذكي، وأنه لابد من إِنهار دمه بآلة ليست سنًّا ولا ظفرًا، هذا مسلك.
والمسلك الثاني: طريقة المزني، وهي أن السهم جاء التصريح فيه بأنه إن قتل بعرضه فلا تأكل، وإِن خزق فكل، والكلب جاء مطلقًا فيحمل على ما قيد هناك من الخزق؛ لأنهما اشتركا في الموجب، وهو الصيد، فيجب الحمل هنا، واِن اختلف السبب، كما وجب حمل مطلق الإِعتاق في الظهار على تقييده بالإِيمان في القتل، بل هذا أولى، وهذا يتوجه له
_________________
(١) - أخرجه البخاري كتاب الوضوء، باب: لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا السكر، الحديث (٢٤٢)، وفي الأشربة، باب: الخمر من العسل، وهو البتع الحديث (٥٥٨٥)، (٥٥٨٦)، ومسلم في الأشربة، باب: بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام الحديث (٢٠٠١)، من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، ﵂.
(٢) - جزء من حديث رافع المتقدم رقم (٦٠). [¬١]- زيادة من ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "سألوا". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "الجواب".
[ ٥ / ٣٢ ]
على من يسلم له أصل هذه القاعدة، من حيث هي، وليس في خلاف بين الأصحاب قاطبة - فلابدّ لهم من جواب عن هذا. وله أن يقول: هذا قتله الكلب بثقله، فلم يحل؛ قياسًا على ما قتله السهم بعرضه، والجامع أن كلًّا منهما آلة للصيد، وقد مات بثقله فيهما، ولا يعارض ذلك بعموم الآية؛ لأن القياس مقدم على العموم، كما هو مذهب الأئمة الأربعة والجمهور، وهذا مسلك حسن أيضًا.
(مسلك [¬١]- آخر): وهو أن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ عام فيما قتلن بجرح أو غيره، لكن هذا المقتول على هذه الصورة المتنازع فيها لا يخلو إِما أن يكون نطيحًا أو في حكمه، أو منخنقًا أو في حكمه، وأيا مّا كان؛ فيجب تقديم هذه الآية على تلك؛ لوجوه:
(أحدها): أن الشارع قد اعتبر حكم هذه الآية حالة الصيد، حيث يقول لعدي بن حاتم: "وإِن أصابه بعرضه [¬٢]، فإِنما هو وقيذ فلا تأكله". ولم نعلم أحدًا من العلماء فصل بين حكم وحكَم من هذه الآية، فقال: إِن الوقيذ معتبر حالةَ الصيد، والنطيح ليس معتبرًا، فيكون القول بحل المتنازع فيه خرقًا للإِجماع، لا قائل به، وهو محظور عند كثير من العلماء.
(الثاني): أن تلك الآية: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ ليست على عمومها بالإِجماع، بل مخصوصة بما صدن من الحيوان المأكول، وخرج من عموم لفظها الحيوان غير المأكول بالاتفاق والعموم المحفوظ مقدّم على غير المحفوظ.
(المسلك [¬٣] الآخر): أن هذا الصيد، والحالة هذه، في حكم الميتة سواء؛ لأنه قد احتقن فيه الدماء وما يتبعها من الرطوبات، فلا تحل قياسًا على الميتة.
[المسلك [¬٤] الآخر): أن آية التحريم - أعني قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ إِلى آخرها - محكمة لم يدخلها نسخ ولا تخصيص، وكذا ينبغي أن تكون آية التحليل محكمة، أعني قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية. فينبغي أن لا يكون بينهما تعارض أصلا، وتكون السنة جاءت لبيان ذلك، وشاهد ذلك قصة السهم، فإِنه ذكر حكم ما دخل في هذه الآية، وهو ما إِذا خزقه المعراض فيكون حلالًا، لأنه من الطيبات، وما دخل في حكم تلك الآية، آية التحريم، وهو ما إِذا أصابه بعرض فلا يؤكل؛ لأنه وقيذ، فيكون أحد أفراد آية التحريم، وهكذا يجب أن يكون حكم هذا،
_________________
(١) [¬١]- في خ: "الحديث". [¬٢]- في ز: "بعرض". [¬٣]-[¬٤]- في خ: "الحديث".
[ ٥ / ٣٣ ]
سواء إِن كان قد جرحه الكلب، فهو داخل في حكم آية التحليل، وإِن لم يجرحه بل صدمه أو قتله بثقله؛ فهو نطح أو في حكمه؛ فلا يكون حلالًا.
(فإِن قيل): فلم لا فصَّل في حكم الكلب، فقال ما ذكرتم؛ إِن جرحه فهو حلال، وإِن لم يجرحه فهو حرام؟.
(فالجواب): أن ذلك نادر؛ لأن من شأن الكلب أن يقتل بظفره أو نابه أو بهما معًا، وأما اصطدامه هو والصيد فنادر، وكذا قتله إِياه بثقله، فلم يحتج إِلي الاحتراز من ذلك لندوره، أو لظهور حكمه عند من علم تحريم الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وأما السهم والمعراض فتارة يخطئ لسوء رمي راميه، أو للهواء، أو نحو ذلك، بل خطؤه أكثر من إِصابته، فلهذا ذكر كلًّا من حكميه مفصلًا، والله أعلم.
ولهذا لما كان الكلب من شأنه أنه [قد] [¬١] يأكل من الصيد، ذكر حكم ما إذا أكل من الصيد، فقال: "إِن أكل فلا تأكل، فإِني أخاف أن يكون أمسك على نفسه". وهذا صحيح ثابت في الصحيحين (^٦٠)، وهو أيضًا مخصوص من عموم آية التحليل عند كثيرين، فقالوا: لا يحل ما أكل منه الكلب، حكي ذلك عن أبي هريرة وابن عباس، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي، وإِليه ذهب أبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل والشافعي في المشهور عنه. وروى ابن جرير في تفسيره (^٦١)، عن علي وسعد وسلمان وأبي هريرة وابن عمر وابن عباس، أن الصيد يؤكل، وإِن أكل منه الكلب، حتى قال سعد [¬٢] وسلمان وأبو هريرة وابن عمر وغيرهم: يؤكل ولو لم يبق منه إِلا بضعة. وإِلى ذلك ذهب مالك والشافعي في قوله القديم، وأومأ في الجديد إِلى قولين، قال ذلك الإِمام أبو نصر بن الصباغ وغيره من الأصحاب عنه [¬٣].
وقد روي أبو داود بإِسناد جيد قوي عن أبي ثعلبة الخشني (^٦٢)، عن رسول الله ﷺ، أنه قال
_________________
(١) - جزء من حديث عدي بن حاتم المتقدم رقم (٥٨).
(٢) - انظر رقم (٥٩).
(٣) - أخرجه أبو داود في الصيد، باب: في الصيد الحديث (٢٨٥٢) من طريق بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني به، وأصل الحديث عند البخاري في الذبائح والصيد باب: صيد القوس، الحديث (٥٤٧٨)، وفي باب: ما جاء في التصيد الحديث (٥٤٨٨)، وفي باب: آنية = [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ز: "سعيد". [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٣٤ ]
في صيد الكلب: "إِذا أرسلت كلبك، وذكرت اسم الله فكل وإِن أكل منه، وكل ما ردت عليك يدك".
ورواه أيضًا النسائي (^٦٣) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن أعرابيًّا يقال له: أبو ثعلبة، قال: يا رسول الله؛ … فذكر نحوه.
وقال محمد بن جرير في تفسيره (^٦٤): حدثنا عمران بن بكار الكلاعي، حدثنا عبد العزيز بن موسى - هو اللاحوني -، حدثنا محمد بن دينار - هو الطاحي - عن أبي إِياس وهو معاوية بن قرة عن سعيد بن المسيب، عن سلمان الفارسي، عن رسول الله ﷺ قال: "إِذا أرسل الرجل [¬١] كلبه على الصيد، فأدركه وقد أكل منه، فليأكل ما بقي"، ثم [¬٢] إِن ابن جرير علله بأنه قد رواه قتادة وغيره عن سعيد بن المسيب عن سلمان موقوفًا. وأما الجمهور فقدّموا حديث عدي على ذلك، وراموا تضعيف حديث أبي ثعلبة وغيره، وقد حمله بعض العلماء على أنه إِن أكل بعد ما انتظر صاحبه، فطال عليه الفصل، ولم يجئ فأكل منه لجوعه
_________________
(١) = المجوس الحديث (٥٤٩٦)، ومسلم في الصيد والذبائح، باب: الصيد بالكلاب المعلمة، الحديث (١٩٣٠) من طريق ربيعة بن يزيد الدمشقي عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة به مطولًا.
(٢) - أخرجه النسائي كتاب الصيد، والذبائح، باب: الرخصة في ثمن كلب الصيد (٧/ ١٩١) من طريق أبي مالك عبيد بن الأخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وعبيد الله بن الأخنس وثقه ابن معين كما في الجرح والتعديل (٥/ ٣٠٧)، وأبو داود والنسائي كما في تهذيب الكمال (١٩/ ٦) وقد روي له الجماعة. ورواه أبو داود في الصيد، باب: في الصيد، الحديث (٢٨٥٧)، وأحمد (٢/ ١٨٤) (٦٧٢٥)، والدارقطني في سننه (٤/ ٢٩٤) باب الصيد والذبائح حديث (٨٨) من طريق حبيب العلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا ثعلبة الخشني أتي النبي ﷺ … فذكره. وحبيب أيضًا روي له الجماعة وقال فيه الحافظ في التقريب: صدوق. والحديث صحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند وقد جاءت القصة بنحوها من رواية أبي ثعلبة الخشني نفسه مطولة ومختصرة، وقد تقدم تخريجها.
(٣) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسير (٩/ ٥٦٥) (١١٢١١) وعمران بن بكار الكلاعي ترجم له ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦/ ٢٩٤) ترجمة (١٦٣٣) وقال: سمعت منه وهو صدوق. وقال الحافظ في "التقريب": ثقة. وعبد العزيز بن موسى اللاحوني، قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥ / الترجمة ١٨٣٨): كتب عنه بسلمية، وهو صدوق ثقة مأمون. اهـ. ووثقه أيضًا ابن شاهين في ثقاته (٨٨٧) فقال: ثقة ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٣٩٥)، وأما محمد بن دينار الطاحي فقد اختلف فيه قول = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٣٥ ]
ونحوه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه والحالة هذه؛ لا يخشى أنه إِنما أمسك على نفسه، بخلاف ما إِذا أكل [¬١] منه أول وهلة، فإِنه يظهر منه أنه أمسك على نفسه، والله أعلم.
فأما الجوارح من الصيد، فنص الشافعي على أنها كالكلب [¬٢]، فيحرم ما أكلت منه عند الجمهور، ولا يحرم عند الآخرين، واختار المزني من أصحابنا أنه لا يحرم أكْلُ ما أكلتْ منه الطور والجوارح، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، قالوا: لأنه لا يمكن تعليمها كما يعلم الكلب بالضرب ونحوه. وأيضًا فإِنها لا تعلم إِلا بأكلها من الصيد، فيعفى عن ذلك، وأيضًا فالنص إِنما ورد في الكلب لا في الطير، وقال الشيخ أبو على في الإِفصاح: إِذا قلنا يحرم ما أكل منه الكلب، ففي تحريم ما أكل منه الطير وجهان. وأنكر القاضي أبو الطيب هذا التفريع والترتيب؛ لنص الشافعي ﵀ على التسوية بينهما، والله ﷾ أعلم.
وأما المتردّية: فهي التي تقع من شاهق، أو موضع عال، فتموت بذلك، فلا تحل.
قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٦٥): المتردّية التي تسقط من جبل. وقال قتادة (^٦٦): هي التي تتردّى في بئر.
_________________
(١) = ابن معين والنسائي، وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ الترجمة ١٣٦٧) سألت أبي عن محمد ابن دينار الطاحي فقال: لا بأس به، وسئل أبو زرعة عن محمد بن دينار بن صندل فقال: صدوق. ولخص الحافظ حاله في "التقريب" فقال: صدوق سيئ الحفظ ورمي بالقدر. وبقية إسناده ثقات. وقال ابن جرير: "قيل: هذا خبر في إسناده نظر فإن "سعيدًا" غير معلوم له سماع من "سلمان" والثقات من أهل الآثار يقفون هذا الكلام على سلمان، ويروونه عنه من قبله غير مرفوع إلى النبي ﷺ والحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم، كانت الجماعة الأثبات أحق بصحة ما نفلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم. ا هـ. وله طريق أخرى عن سعيد عند أبي نعيم في الحلية (٨/ ١٣٧ - ١٣٨) لكنها ضعيفة أيضًا. وقد رواه ابن جرير في تفسيره (١١١٨٧)، (١١١٨٨) (١١١٨٩)، (١١١٩٠)، (١١١٩١)، (١١١٩٣)، (١١١٩٤) من طرق عن سلمان موقوفًا عليه وهو الصواب، والله أعلم. والحديث سينقله المصنف ﵀ مرة أخرى بمتنه وإسناده، انظر رقم (١٣٨).
(٢) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٩٨) (١١٠١٥) وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد.
(٣) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٩٨) (١١٠١٧). [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "كالكلاب".
[ ٥ / ٣٦ ]
[وقال السدي (^٦٧): هي التي تقع من جبل، أو تتردّي في بئر] [¬١].
وأما النطحة: فهي [¬٢] التي ماتت بسبب نطح غيرها لها، فهي حرام، وإِن جرحها القرن، وخرج منها الدم، ولو من مذبحها.
والنطيحة فعيلة بمعنى مفعولة، أي منطوحة، وأكثر ما ترد هذه البنية في كلام العرب بدون تاء التأنيث، فيقولون: [عين كحيل، وكف [¬٣] خضيب] [¬٤]، ولا يقولون: كف خضيبة، ولا عين كحيلة، وأما هذه فقال بعض النحاة: إِنما استعمل فيها تاء التأنيث لأنها أجريت مجرى الأسماء، كما في قولهم: طريقة طويلة، وقال بعضهم: إِنما أُتي بتاء التأنيث فيها؛ لتدل على التأنيث من أوّل وهلة، بخلاف، عين كحيل، وكف خضيب؛ لأن التأنيث مستفاد من أوّل الكلام.
وقوله تعالى: ﴿وما أكل السبع﴾ أي: ما عدا عليها أسد أو فهد أو نمر أو ذئب أو كلب؛ فأكل بعضها فماتت بذلك، فهي حرام؛ وإن كان قد سال منها الدم [¬٥]، ولو من مذبحها، فلا تحل بالإِجماع، وقد كان أهل الجاهلية يأكلون ما أفضل السبع من الشاة، أو البعير أو البقرة ونحو ذلك، فحرّم الله ذلك على المؤمنين.
وقوله: ﴿إِلا ما ذكيتم﴾ عائد على ما يمكن عوده عليه مما انعقد سبب موته، فأمكن تداركه بذكاة وفيه حياة مستقرّة، وذلك إِنما يعود على قوله: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع﴾.
وقال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلا ما ذكيتم﴾ يقول: إِلا ما ذبحتم من هؤلاء، وفيه روح، فكلوه، فهو ذكي. وكذا روي عن سعيد بن جبير والحسن البصري والسدي.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا جعفر بن
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٤٩٨) (١١٠١٨).
(٢) - أبو سعيد الأشج هو عبد الله بن سعيد بن حصين إمام ثقة. والأثر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (٤/ ٤٩٩) (٨٦٣٤) عن الأسلمي عن جعفر بن محمد عن أبيه، قال: وذكره ابن جريج عن جعفر = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في خ: "كيف". [¬٤]- في ز: "كف خضيب، وعين كحيل". [¬٥]- في ز: "الدماء".
[ ٥ / ٣٧ ]
محمد، عن أبيه، عن علي في الآية، قال: إِن مصعت بذنبها، أو ركضت برجلها، أو طرفت بعينها؛ فَكُل.
وقال ابن جرير (^٦٩): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم وعباد، قالا: حدثنا حجاج، عن حصين، عن الشعبي، عن الحارث، عن علي قال: إذا أدركت ذكاة الموقوذة والمتردّية والنطيحة وهي تحرك يدًا أو رجلًا؛ فكلها.
وهكذا روي عن طاوس والحسن وقتادة وعبيد بن عمير والضحاك وغير واحد - أن المذكّاة متي تحرّكت بحركة تدل على بقاء الحياة فيها بعد الذبح؛ فهي حلال، وهذا مذهب جمهور الفقهاء. وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل.
قال ابن وهب (^٧٠): سئل مالك عن الشاة التي يخرق جوفها السبع، حتى تخرج أمعاؤها، فقال مالك: لا أري أن تذكي، أي شيء يذكن منها؟.
وقال أشهب (^٧١): سئل مالك عن الضبع يعدو على الكبش فيدق ظهره، أتري أن يذكي قبل أن يموت فيؤكل؟ فقال: إِن كان قد بلغ السُّحْرة فلا أري أن يؤكل، وإِن كان أصاب أطرافه فلا أري بذلك بأسًا. قيل له: وثب عليه فدق ظهره؟ فقال: لا يعجبني، هذا لا يعيش منه. قيل له: فالذئب يعدو على الشاة فيشق بطنها ولا يشق الأمعاء؟ فقال: إِذا شق بطها فلا أرى أن تؤكل.
_________________
(١) = ابن محمد عن أبيه أن عليًّا قال: إذا ضربت بذنبها أو رجلها أو طرفت بعينها فهي ذكي. والأسلمي شيخ عبد الرزاق هو سعيد بن سفيان الأسلمي قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول. ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥٠٣) (١١٠٣٨) قال: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا مصعب بن سلام التميمي قال: حدثنا جعفر بن محمد به. قلت: وهذا مرسل صحيح الإسناد فإن جعفر هو ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، قال الحافظ العلائي في جامع التحصيل (ص ٢٦٦): أرسل عن جديه الحسن والحسين وجده الأعلى على ﵃. اهـ.
(٢) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥٠٣) (١١٠٣٦) وفي إسناده الحارث الأعور قال الحافظ في التقريب: كذبه الشعبي في رأيه ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف، وليس له عند النسائي سوى حديثين. وللعلامة الألباني بحث في تضعيف الحارث ومدافعة للشيخ عبد العزيز الغماري في ذلك.
(٣) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٠٥) (١١٠٤٥) لْال: حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب … فذكره.
(٤) - أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٠٥) (١١٠٤٦) حدثني يونس عن أشهب به.
[ ٥ / ٣٨ ]
هذا مذهب مالك ﵀، وظاهر الآية عام [¬١] فيما استثناه مالك ﵀؛ من الصور التي بلغ الحيوان فيها إِلى حالة لا يعيش بعدها، فيحتاج إِلى دليل مخصص للآية، والله أعلم.
وفي الصحيحين (^٧٢) عن رافع بن خديج أنه قال: قلت يا رسول الله، إِنا لاقو العدوّ غدًا، وليس معنا مدى [¬٢]، أفنذبح بالقصب؟ فقال: "ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه؛ فكلوه، ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك: أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة".
[وفي الحديث الذي] [¬٣] [رواه الدارقطني مرفوعًا وفيه نظر (^٧٣)، وروي عن عمر موقوفًا،
_________________
(١) - تقدم تخريجه رقم (٦٠)، وانظر رقم (٦٢).
(٢) - أخرجه الدارقطني (٤/ ٢٨٣) حدثنا محمد بن مخلد وآخرون قالوا: نا محمد بن سليمان بن الحارث الواسطي نا سعيد بن سلام العطار، نا عبد الله بن بديل الخزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وفيه سعيد بن سلام العطَّار قال ابن حبان في المجروحين (١/ ٣١٧): منكر الحديث ينفرد عن الأثبات بما لا أصل له. اهـ. قال الذهبي في الميزان (٢/ ٣٣١): كذبه ابن نمير، وقال: البخاري: يذكر بوضع الحديث. وقال النسائي وغيره: بصري ضعيف. وقال أحمد بن حنبل: كذاب. اهـ. وانظر ترجمته في لسان الميزان (٣/ ٣٧). وبه أعل الشيخ الألباني الحديث في إرواء الغليل (٨/ ١٧٦) فقال: هذا إسناد هالك العطار هذا كذاب كما قال أحمد. وقال البخاري: يذكر بوضع الحديث. ا هـ. ووهاه الحافظ في الفتح (٩/ ٦٤١) وانظر نصب الراية (٢/ ٤٨٤)، (٤/ ١٨٥)، وأما الأثر الموقوف على عمر: فأخرجه عبد الرزاق (٤/ ٤٩٥) (٨٦١٤) أخبرنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن رجل عن ابن الفرافصة الحنفي عن أبيه أنه قال لعمر: إنكم تذبحون ذبائح لا تحل تعجلون على الذبيحة. فقال عمر: نحن أحق أن نتقي ذلك أبا حيان! الذكاة في الحلق واللبة لمن قدر وذر الأنفس حتى تزهق. وعلقه البيهقي في السنن (٩/ ٢٧٨) ثم قال: وقد روى وجه ضعيف مرفوعًا وليس بشيء. اهـ. قلت: يريد حديث أبي هريرة المذكور والله أعلم. وعزاه الحافظ في الفتح (٩/ ٦٤١) لسفيان الثوري في جامعه، ورواه عبد الرزاق (٤/ ٤٩٥) (٨٦١٥)، والبيهقي (٩/ ٢٧٨) من طريق أيوب السختياني عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة. وعلقه البخاري في صحيحه كتاب الذبائح والصيد باب: النحر والذبح (٩/ ٦٤٠)، وقال الحافظ: وصله سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: الذكاة في الحلق واللبة، وهذا إسناد صحيح. ا هـ. [¬١]- في ز: "عامة". [¬٢]- في ز: "مذًا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ٥ / ٣٩ ]
وهو أصح: "ألا إِن الذكاة في الحلق واللبة ولا تعجلوا الأنفس أن تزهق] [¬١] ".
وفى الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من رواية حماد بن سلمة، عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا من اللبة والحلق؟ فقال: "لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك" (^٧٤).
وهو حديث صحيح (^٧٥)، ولكنه محمول على ما لا [¬٢] يقدر [¬٣] [على ذبحه] [¬٤] في الحلق واللبة.
وقوله: ﴿وما ذبح على النصب﴾. قال مجاهد (^٧٦).
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٤)، وأبو داود في الأضاحي باب: ما جاء في ذبيحة المتردية، الحديث (٢٨٢٥)، والترمذي في الأطعمة، باب: ما جاء في الذكاة في الحلق واللبة، الحديث (١٤٨١)، والنسائي (٧/ ٢٢٨)، وابن ماجة في الذبائح، باب: ذكاة النَّاد من البهائم، الحديث (٣١٨٤)، والدارمي (١٩٧٨) والبخاري في التاريخ (٢/ ٢١ - ٢٢)، وابن الجارود (٩٠١) وأبو نعيم (٦/ ٢٥٧، ٣٤١)، وأبو يعلى (٣/ ٧٢ - ٧٣) (١٥٠٣) والطبراني في الكبير (٧/ ١٩٩) رقم (٦٧١٩)، (٦٧٢٠)، (٦٧٢١)، والبيهقي (٩/ ٢٤٦) من طرق عن حماد بن سلمة عن أبي العُشَراء به، والحديث ضعفه أبو عبد الله البخارى في تاريخه فقال في ترجمة أبي العشراء: "في حديثه واسمه وسماعه من أبيه - نظر". اهـ. وقال الترمذى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث واختلفوا في اسم أبي العشراء فقال بعضهم: اسمه أسامة بن قهطم، ويقال: اسمه يسار بن برز، يقال: ابن بلز، ويقال: اسمه عطارد نسب إلى جده" اهـ. وقال الخطابي في "معالم السنن" (٤/ ٢٨٠): "ضعفوا هذا الحديث؛ لأن راويه مجهول، وأبو العشراء الدارمي لا يدرى من أبوه ولم يروه عنه غير حماد بن سلمة" اهـ. وأبو العشراء ذكره ابن حبان في الثقات (٣/ ٣) وقاعدته توثيق المجاهيل معروفة. فقد قال الحافظ في التقريب: أعرابي مجهول. اهـ. وقال في فتح الباري (٩/ ٦٤١) في شرح أثر ابن عباس المتقدم في تخريج الحديث السابق الذي علقه البخاري فى صحيحه: "وكأن المصنف [يعني البخاري] لمح بضعف الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن من رواية حماد بن سلمة عن أبي العشراء الدارمي عن أبيه … لكن من قواه حمله على الوحش والمتوحش". اهـ. والحديث ضعفه الألباني - حفظه الله - في الإرواء (٢٥٣٥) وقد رواه الطبراني في الأوسط (٤٨٦٧) من حديث أنس، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٣٧) وقال: فيه بكر بن الشرود وهو ضعيف. اهـ.
(٢) - صحح المصنف هذا الإسناد هنا، وأبو العشراء لم يوثقه غير ابن حبان، وبه أعل الحديث غير واحد كما تقدم.
(٣) - أخرجه ابن جرير الطبرى في تفسيره (٩/ ٥٠٨) (١١٠٥٠)، (١١٠٥١) من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد، ورواه رقم (١١٠٤٩) من طريق ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: حجارة كان يذبح عليها أهل الجاهلية، والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز: "بقدر". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٤٠ ]
وابن جريج (^٧٧): [كانت النصب حجارة حول الكعبة. قال ابن جريج] [¬١]: وهي ثلاثمائة وستون نصبًا، كانت [¬٢] العرب في جاهليتها يذبحون عندها، وينضحون ما أقبل منها إِلى البيت بدماء تلك الذبائح، ويشرحون اللحم، ويضعونه على النصب.
وكذا ذكره غير واحد، فنهى الله المؤمنين عن هذا الصنيع، وحرّم عليهم أكل هذه الذبائح التي فعلت عند النصب، [حتى ولو كان يذكر عليها اسم الله، لما في الذبح عند النصب] [¬٣] من الشرك [¬٤] الذي حرّمه الله ورسوله، وينبغي أن يحمل هذا على هذا؛ لأنه قد تقدم تحريم ما أهل به لغير الله.
وقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ أي: حرّم عليكم أيها المؤمنون الاستقسام بالأزلام، واحدها: زُلَم [¬٥]، وقد تفتح الزاي فيقال: زَلَم، وقد كانت العرب في جاهليتها يتعاطون ذلك، وهي عبارة عن قداح ثلاثة، على أحدها مكتوب: "افعل"، وعلى الآخر: "لا تفعل"، والثالث: غفلٌ ليس عليه شيء. ومن الناس من قال: مكتوب على الواحد: "أمرني ربي"، وعلى الآخر: "نهاني ربي"، والثالث: غفل [¬٦] ليس عليه شيء، فإِذا أجالها [¬٧] فطلع السهم الآمر فعله، أو الناهى تركه، وِإن طلع الفارغ أعاد.
و[¬٨] الاستقسام مأخوذ من طلب القسم من هذه الأزلام، هكذا قرّر ذلك أبو جعفر بن جرير.
وقال ابن أبي حاتم (^٧٨): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا الحجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال: والأزلام: قداح كانوا يستقسمون بها في الأمور.
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥٠٨)، (١١٠٤٨).
(٢) - عثمان بن عطاء هو ابن عطاء بن أبي مسلم الخراساني ضعفه يحيى بن معين، وعمرو بن علي الفلاس، ومسلم والدارقطني، وانظر ترجمته في تهذيب الكمال (١٩/ ترجمة ٣٨٤٦)، ومتابعة ابن جريج له لا تفيد؛ لأن ابن جريج مدلس وعطاء ذهب المزي في تهذيب الكمال (٢٠/ ١٠٧) إلى أن روايته عن الصحابة مرسلة. وقال العلائي في جامع التحصيل (ص ٢٣٨): قال أحمد بن حنبل رأى ابن عمر ولم يسمع من = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "كان". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- في ز: "الشول". [¬٥]- في ز: "زُلُم". [¬٦]- في ز، خ: "عطل". [¬٧]- في ز، خ: "جاء أجلاها". [¬٨]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٤١ ]
وكذا روي عن مجاهد وإِبراهيم النخعي والحسن البصري ومقاتل بن حيان.
وقال ابن عباس: هي قداحٌ [¬١] كانوا يستقسمون بها في الأمور، وذكر محمد بن إسحاق (^٧٩) وغيره: أن أعظم أصنام قريش صنم كان يقال له: هبل، [منصوب على بئر داخل الكعبة] [¬٢]، توضع الهدايا وأموال الكعبة فيه، وكان عنده سبعة أزلام مكتوب فيها ما يتحاكمون فيه مما أشكل عليهم، فما خرج لهم منها رجعوا إِليه ولم يعدلوا عنه.
وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ لما دخل الكعبة، وجد إِبراهيم وإسماعيل مصوّرين فيها، وفي أيديهما الأزلام، فقال: "قاتلهم الله، لقد علموا أنهما لم يستقسما بها أبدًا" (^٨٠).
وفي الصحيح (^٨١) أن سراقة بن مالك بن جُعْشم، لما خرج في طلب النبي ﷺ وأبي بكر، وهما ذاهبان إِلى المدينة مهاجرين، قال: فاستقسمت بالأزلام، هل أضرهم أم لا؟ فخرج الذي أكره لا تضرهم [¬٣]، قال: فعصيت الأزلام واتبعتهم، ثم إِنه استقسم بها ثانية
_________________
(١) = ابن عباس شيئًا وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: لا أعلمه لقي أحدًا من أصحاب النبي ﷺ. والأثر رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥١٥) (١١٠٧٣) من طريق على بن طلحة عن ابن عباس.
(٢) - رواه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥١٣ - ٥١٤) (١١٠٧٢) بسنده إلى ابن إسحاق، وانظر أيضًا السيرة النبوية لابن هشام (١/ ١٦٨).
(٣) - أخرجه البخاري في الحج، باب: من كبَّر في نواحي الكعبة، الحديث (١٦٠١)، وفي أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلًا﴾ الحديث (٣٣٥٢) وفي المغازي باب: أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح الحديث (٤٢٨٨)، وأبو داود في المناسك، باب: في دخول الكعبة الحديث (٢٠٢٧)، وأحمد (١/ ٣٣٤، ٣٦٥) من طريق عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: إن رسول الله ﷺ لما قدم أبَى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخْرجت فأخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في أيديهما الأزلام فقال رسول الله ﷺ: "قاتلهم الله، أما والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط ".
(٤) - جزء من حديث سراقة بن جعشم الطويل في الهجرة وقد رواه البخاري في صحيحه كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة الحديث (٣٩٠٦). [¬١]- في ز: "القداح". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "وكان داخل الكعبة منصوب على بئر فيها"، خ: "مكان داخل الكعبة منصوب على بئر فيها". [¬٣]- في ز: "يضرهم".
[ ٥ / ٤٢ ]
وثالثة، كل ذلك يخرج الذي يكره: لا تضرهم، وكان كذلك، وكان سراقة لم يسلم إِذ ذاك، ثم أسلم بعد ذلك.
وروى ابن مردويه (^٨٢) من طريق إِبراهيم بن يزيد، عن رقَبَة [¬١]، عن عبد الملك بن عمير،
_________________
(١) - أخرجه الطبراني في "الكبير" كما في الروض البسام" (٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣) من طريق يحيى بن داود نا إبراهيم بن يزيد به. ورواه تمام في فوائده (١٠٣١ - الروض) من هذه الطريق ولم يذكر فيه "عبد الملك بن عمير" بين رقبة ورجاء، وذكر أم الدرداء بين رجاء وأبي الدرداء. ولم يذكر المزي في تهذيب الكمال رجاء بن حيوة في شيوخ رقبة ولا ذكر رقبة في الرواة عن رجاء، وإبراهيم بن يزيد بن مراد نبه القرشي قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ١٤٥): شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال البخاري في التاريخ الأوسط: لا يحتجون بحديثه. وذكره ابن حبان في الثقات وقال الأزدي: عنده مناكير. وانظر تهذيب التهذيب (١/ ٩٤). ورواية رجاء عن أبي الدرداء مرسلة كما قال العلائي في جامع التحصيل (ص ١٧٥)، ولذلك قال الحافظ في فتح الباري (١٠/ ٢١٣): رجاله ثقات إلا أنني أظن فيه انقطاعًا. اهـ. فلعله ﵀ أراد الانقطاع بين رجاء وأبي الدرداء، لكن رواية تمام فيها "عن رجاء عن أم الدرداء عن أبي الدرداء" وأم الدرداء هي أم الدرداء الصغرى زوج أبي الدرداء وهي فقيهة ثقة ترجمتها في التهذيب، وفيه أن لرجاء رواية عنها. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢١): رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات" اهـ. وقد رواه الطبراني في الأوسط (٣٦٦٣)، وأبو نعيم في الحلية (٥/ ١٧٤) والخطيب في تاريخه (٥/ ٢٠١)، وابن عساكر في تاريخه (٦/ ٢٣١ - مخطوط) من طريق محمد بن الحسن بن أبي يزيد عن سفيان الثوري عن عبد الملك بن عمير عن رجاء عن أبي الدرداء مرفوعًا بلفظ: "إنما العلم بالتعلم … " الحديث وفيه: "ثلاث من كن فيه لم يسكن الدرجات العلا - ولا أقول لكم الجنة - من تكهن أو استقسم أو رده من سفر تطير". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٣٣): فيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو كذَّاب. اهـ. ورواه البيهقي في شعب الإيمان (٢/ ٦٤) (١١٧٧)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦/ ٢٣١ - مخطوط) من طريق أبي المحياة عن عبد الملك بن عمير عن رجاء عن أبى الدرداء عن النبي ﷺ قال: "من تكهن أو تقسم أو تطير طيرة فرده عن سفره لم ينظر إلى الدرجات من الجنة يوم القيامة. وقال البيهقي: وكذلك رواه رقبة بن مصقلة، وعكرمة بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير. ا هـ. وقد تقدم طريق رقبة بن مصقلة، وأما طريق عكرمة فهو عند ابن عساكر في تاريخه. وقد رواه هناد في الزهد (١٢٩٤) عن وكيع، وابن عساكر عن عبيد الله بن عمرو الرقي كلاهما عن عبد الملك عن رجاء موقوفًا على أبي الدرداء. وللحديث شاهد من حديث عمران أخرجه البزار في= [¬١]- في ز: "رقية".
[ ٥ / ٤٣ ]
عن رجاء بن حيوة، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: "لن يلج الدرجات من تكهن [¬١] أو استقسم أو رجع من سفر طائرًا".
وقال مجاهد (^٨٣) في قوله: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ قال: هي سهام العرب، وكعاب فارس والروم، كانوا يتقامرون بها [¬٢].
وهذا الذي ذكر عن مجاهد في الأزلام أنها موضوعة للقمار - فيه نظر، اللهم إلا أن يقال: إِنهم كانوا يستعملونها في الاستخارة تارة، وفي القمار أخرى، والله أعلم. فإن الله سبحانه قد فرق [بين هذه] [¬٣] وبين القمار، وهو الميسر فقال في آخر السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهكذا قال هاهنا: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [أي: تعاطيه] [¬٤] فسق [¬٥] وغي وضلال وجهالة وشرك. وقد أمر الله المؤمنين إِذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه، بأن يعبدوه، ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه، كما رواه الإمام أحمد والبخاري وأهل السنن من طرق عن عبد الرحمن بن أبي الموالي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال (^٨٤): كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة [¬٦] [في
_________________
(١) = البحر الزخار (٩/ ٥٢) (٣٥٧٨) وهو في كشف الأستار رقم (٣٠٤٤) من طريق أبي حمزة العطار إسحاق بن الربيع عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ -: "ليس منا من تطير أو تُطُير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له، ومن عقد عقدة - أو قال-: من عقد عقدة أو أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ". قال البزار: لا نعلم طريقًا عن عمران بن حصين إلا هذا الطريق وأبو حمزة العطار بصري لا بأس به. وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٦١٨): رواه البزار بإسناد جيد. اهـ. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٢٠): رجاله رجال الصحيح خلا إسحاق بن الربيع وهو ثقة".
(٢) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٢) (١١٠٦٤) من طريق إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد به، وإبراهيم بن مهاجر هو ابن مهاجر بن جابر البجلي صدوق لين الحفظ. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٤) وزاد نسبته لعبد بن حميد.
(٣) - أخرجه البخاري كتاب التهجد، باب: ما جاء في المتطوع مثنى مثنى الحديث (١١٦٢)، في الدعوات، باب: الدعاء عند الاستخارة الحديث (٦٣٨٢)، وفي التوحيد باب: قول الله تعالى: = [¬١]- في ز: "تكبر". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ت: "بينها". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في حاشية ز: "دعاء الاستخارة".
[ ٥ / ٤٤ ]
الأمور] [¬١]، كما يعلمنا السورة من القرآن و[¬٢] يقول: "إِذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إِني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم [¬٣] إِن كنت تعلم أن [¬٤] هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير [¬٥] لي في ديني ودنياي [¬٦]، ومعاشي وعاقبة أمري -[أو قال: عاجل أمري وآجله] [¬٧]- فاقدره لي، ويسره لي، ثم [¬٨] بارك لي فيه، اللهم [¬٩] وإِن كنت تعلم [¬١٠] [أنه شر] [¬١١] لي في ديني ودنياي [¬١٢]، ومعاشي وعاقبة أمري؛ فاصرفني عنه، واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضني به". لفظ أحمد.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إِلا من حديث ابن أبي الموالي.
و[¬١٣] قوله: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٨٥): يعني: يئسوا أن يراجعوا دينهم.
وكذا روي عن عطاء بن أبي رباح والسدي ومقاتل بن حيان. وعلى هذا المعنى يرد [¬١٤] الحديث الثابت في الصحيح (^٨٦) أن رسول الله ﵌ قال: "إِن
_________________
(١) = ﴿قل هو القادر﴾ الحديث (٧٣٩٠)، ورواه في الأدب المفرد (٧٠٣)، وأبو داود في الصلاة، باب: في الاستخارة الحديث (١٥٣٨)، والترمذى في أبواب الصلاة، باب: في صلاة الاستخارة الحديث (٤٨٠)، والنسائي في النكاح، باب: كيف الاستخارة (٦/ ٨٠)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في صلاة الاستخارة الحديث (١٣٨٣).
(٢) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٦) (١١٠٧٥)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٥)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وانظر فتح القدير (٢/ ١٤).
(٣) - أخرجه مسلم في صحيحه في صفات المنافقين، باب: تحريش الشيطان، وبعثه سراياه لفتنة الناس = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٨]- في ز: "و". [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- في ز: "تعلمه". [¬١١]- ما بين المعكوفتين في ز: "شرًّا". [¬١٢]- سقط من: ز، خ. [¬١٣]- سقط من: ز. [¬١٤]- في ز: "يورد".
[ ٥ / ٤٥ ]
الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينه".
ويحتمل أن يكون المراد أنهم يئسوا من مشابهة المسلمين، لما [¬١] تميز به المسلمون من هذه الصفات المخالفة للشرك وأهله، لهذا [¬٢] قال تعالى آمرًا عباده المؤمنين أن يصبروا ويثبتوا في مخالفة الكفار، ولا يخافوا أحدًا إِلا الله فقال: ﴿فلا تخشوهم واخشوني﴾ أي: لا تخافوهم [¬٣] في مخالفتكم إياهم، واخشوني، أنصركم عليهم، وأبيدهم، وأظفركم بهم، وأشف صدوركم منهم، وأَجعلكم فوقهم في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إِلى دين غيره، ولا إِلى نبي غير نبيهم، صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء، وبعثه إِلى الإنس والجن، فلا حلال إِلا ما أحله، ولا حرام إِلا ما حرمه، ولا دين إِلا ما شرعه، وكل شيء أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خلف، كما قال تعالى: ﴿وتمت كلمت [¬٤] ربك صدقًا وعدلًا﴾ أي: صدقا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل [لهم الدين] [¬٥] تمت [عليهم النعمة]، ولهذا قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ أي: فارضوه أنتم لأنفسكم؛ فإنه الدين الذي [أحبه الله ورضيه]، وبعثَ به أفضل الرسل [¬٦] الكرام، وأنزل به أشرف كتبه.
و[¬٧] قال على بن أبي طلحة، عن ابن عباس (^٨٧): قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾
_________________
(١) = وأن مع كل إنسان قرينًا، الحديث (٢٨١٢)، والترمذي في كتاب البر والصلة باب: ما جاء في التباغض الحديث (١٩٣٧)، وأحمد (٣/ ٣١٣) من طريق أبي سفيان - طلحة بن نافع - عن جابر ﵁. ورواه أحمد (٣/ ٣٥٤) من طريق ماعز التميمي عن جابر.
(٢) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٨) (١١٠٨٠) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٦)، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وانظر فتح القدير (٢/ ١٥). [¬١]- في ز: "بما". [¬٢]- في ز: "ولهذا". [¬٣]- في ز، خ: "لا تخافوا منهم". [¬٤]- في ز: "كلمات". [¬٥]- في ز: "الدين لهم". [¬٦]- في ز: "رسله". [¬٧]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٤٦ ]
وهو الإسلام أخبر الله نبيه ﷺ والمؤمنين أنه قد أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إِلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أَبدًا.
وقال أسباط عن السدي (^٨٨): نزلت هذه الآية يوم عرفة، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ورجع رسول الله ﷺ فمات. قالت أسماء بنت عميس: حججت مع رسول الله ﷺ تلك الحجة، فبينما نحن نسير إِذ تجلى له جبريل، فمال رسول الله ﷺ على الراحلة؛ فلم تطق الراحلة من ثقل ما عليها من القرآن، فبركت، فأتيته فسجيت عليه بردًا كان علي.
و[¬١] قال ابن جريج [¬٢] وغير واحد: مات رسول الله ﷺ بعد يوم عرفة بأحد وثمانين يومًا، رواهما ابن جرير (^٨٩).
ثم قال: حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا ابن فضيل، عن هارون بن عنترة، عن أبيه قال: لما نزلت: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ وذلك يوم الحج الأكبر، بكى عمر، فقال له النبي ﷺ: "ما يبكيك"؟ قال: أبكاني أنا كنا فى زيادة من ديننا، فأما [إِذا كمل] [¬٣]؛ فإِنه لم يكمل شيء إِلا نقص. فقال: "صدقت" (^٩٠).
ويشهد لهذا المعنى الحديث الثابت: "إِن الإِسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى
_________________
(١) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٨) (١١٠٨١) وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد في رقم (٣٠) والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، روى له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو صدوق يهم كما قال الحافظ في التقريب: وروايته عن أسماء بنت عميس مرسلة؛ فإن المزي ذكر في تهذيب الكمال (٣/ ١٣٢) ترجمة (٤٦٢) روايته عن أنس فقط من الصحابة، وقال: "ورأى الحسن بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبا سعيد، وأبا هريرة" اهـ. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٨) وعزاه إلى ابن المنذر فقط.
(٢) - قوله: "رواهما ابن جرير" أي: أثر السدي السابق وأثر ابن جريج أخرجه ابن جرير في تفسيره (٩/ ٥١٨) (١١٠٨٢)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٤٥٨).
(٣) - أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٩/ ٥١٩) (١١٠٨٣)، ومحمد بن فضيل صدوق تقدمت ترجمته، وهارون بن عنترة هو ابن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني، وثقه ابن معين وقال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، انظر تهذيب الكمال (٣٠/ ترجمة ٦٥٢١). وأبوه عنترة بن عبد الرحمن قال الحافظ في التقريب: ثقة من الثانية وهم من زعم أن له صحبة. اهـ.= [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "جرير". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "إذ كمل".
[ ٥ / ٤٧ ]
للغرباء" (^٩١).
وقال الإِمام أحمد (^٩٢): حدثنا جعفر بن عون، حدثنا أبو العميس، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، قال: جاء رجل من اليهود إِلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير المؤمنين، إِنكم تقرءون آية في كتابكم لو علينا معشر [¬١] اليهود نزلت؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: وأي آية؟ قال: قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي﴾ فقال عمر: والله إِني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله ﷺ، والساعة التي نزلت [¬٢] فيها على رسول الله ﷺ، نزلت [¬٣] عشية عرفة في يوم جمعة.
ورواه البخاري عن الحسن بن الصباح، عن جعفر. بن عون به. ورواه أيضًا مسلم [¬٤] والترمذي والنسائي [¬٥] من طرق عن قيس بن مسلم به.
_________________
(١) = قلت: ذكره الطبراني في المعجم الكبير (١٨/ ٨٧)، وابن الأثير فى أسد الغابة (٥/ ٣٠٤) وقال ابن حجر ﵀ في الإصابة (٧/ ١٧٤ - ترجمة ٦٠٧٤): "كلام الدارقطني يقتضي أن عنترة تابعي، فإن البرقاني قال: سألت عن عبد الملك بن هارون بن عنترة فقال: يكذب، وأبوه يحتج به، وجده يعتبر به، وكذا ذكره مسلم، وابن حبان، وغيرهما في التابعين وأخرج له النسائي حديثًا من روايته عن ابن عباس، فالله أعلم. قلت: فالحديث مرسل حسن الإسناد لأجل محمد بن فضيل، ويشهد لمعناه الحديث التالي كما قال الحافظ ابن كثير ﵀.
(٢) - أخرجه مسلم فى الإيمان، باب: بيان أن الإسلام بدأ غريبًا، الحديث (١٤٦) من حديث عبد الله ابن عمر. ورواه مسلم (١٤٥)، وابن ماجه (٣٩٨٦) من حديث أبى هريرة بلفظ "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود كما بدأ غريبًا فطوبى للغرباء" وانظر تخريج الحديث فى "السلسلة الصحيحة" للعلامة محمد ناصر الدين الألبانى رقم (١٢٧٣).
(٣) - أخرجه أحمد فى المسند (١/ ٢٨) (١٨٨) وبهذا الإسناد أخرجه عبد بن حميد (٣٠) قال: أخبرنا ابن عون … فذكره. وأخرجه البخارى فى المغازى، باب حجة الوداع، الحديث (٤٤٠٧)، وفى التفسير، باب قوله: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، الحديث (٤٦٠٦)، وفى الاعتصام بالكتاب والسنة، الحديث (٧٢٦٨). ومسلم فى التفسير، الحديث (٣٠١٧) من طرق عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب. ورواه البخارى فى الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، الحديث (٤٥) عن طارق بن شهاب عن عمر ﵁ فجعله من مسند عمر. [¬١]- في ت: "يا معشر". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "ومسلم". [¬٥]- فى ز: "والنسائي أيضًا".
[ ٥ / ٤٨ ]
ولفظ البخاري عند تفسير هذه الآية (^٩٣)، من طريق سفيان الثَّوري، عن قيس، عن طارق قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرءون آية، لو نزل ت فينا لاتخذناها عيدًا. فقال عمر: إني لأعلم حين أنزلت، وأين أنزلت [¬١]، وأين رسول الله ﷺ حيث أنزلت - يوم عرفة، وأنا والله بعرفة. قال سفيان: وأشك - كان - يوم الجمعة أم لا. ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية.
وشك سفيان ﵀، إن كان في الرواية فهو تورّع، حيث شك هل أخبره شيخه بذلك أم لا؟ وإِن كان شكًّا في كون الوقوف في حجة الوداع كان يوم جمعة؛ فهذا ما إخاله يصدر عن الثَّوري ﵀، فإن هذا أمر معلوم مقطوع به، لم يختلف فيه أحد من أصحاب المغازي والسير، ولا من الفقهَاء، وقد وردت في ذلك أحاديث متواترة، لا يشك في صحتها، والله أعلم. وقد روي هذا الحديث [¬٢] من غير وجه عن عمر (^٩٤).
وقال ابن جرير (^٩٥): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، أخبرنا رجاء بن أبي سلمة، أخبرنا عبادة بن نسي، أخبرنا أميرنا إسحاق - قال أَبو جعفر بن جرير: هو إسحاق ابن خَرَشة [¬٣]- عن قبيصة - يعني: ابن ذؤيب [¬٤]- قال: قال كعب: لو أن غير هذه
_________________
(١) - رواه البخارى فى التفسير، باب قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الحديث (٤٦٠٦)، وانظر الحديث السابق.
(٢) - تابع سفيانَ على هذا الحديث جمعٌ من الحفاظ منهم إدريس بن يزيد والد عبد الله بن إدريس، وأَبو العميس عتبة بن عبد الله بن عتبة، وهما ثقتان روايتهما فى الصحيحين وغيرهما.
(٣) - أخرجه ابن جرير الطَّبري (٩/ ٥٢٦) (١١١٠٠)، ورجاء بن أبي سلمة: اسمه مهران، قال ابن حجر فى "التقريب": ثقة فاضل. وعبادة بن نسى أيضًا ثقة فاضل، حديثه عند أصحاب السنن الأربعة. وإسحاق شيخ عبادة رجح الإِمام أبو جعفر الطَّبري أنَّه إسحاق بن خرشة، وتعقبه الشيخ محمود محمد شاكر ﵀ وبين أنَّه إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب (انظر التعليق على تفسير الطبرى) وإسحاق بن قبيصة هذا صدوق له ترجمة فى التهذيب. والحديث إسناده حسن. وقد رواه الطبراني فى الأوسط (٨٣٠) من طريق زيد بن الحباب قال: أخبرنى رجاء بن أبي سلمة أَبو المقدام … فدكره، وقال فى إسناده: "إسحاق بن قبيصة بن ذؤيب عن كعب الأحبار" وإسحاق بن قبيصة يروى عن أبيه وعن كعب الأحبار؛ فالرواية متصلة فى كلتا الحالتين؛ لاحتمال أن يكون سمعه منهما جميعًا فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا، والله أعلم. والحديث ذكره الحافظ ابن حجر فى فتح البارى (١/ ١٠٥) وعزاه إلى مسدد فى مسنده، والطبرى فى تفسيره، والطبرانى فى الأوسط؛ كلهم من طريق رجاء = [¬١]- في ز: "نزلت". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "حوشة". [¬٤]- في ز: "أبي ذئب".
[ ٥ / ٤٩ ]
الأمّة نزلت عليهم هذه الآية، اضظروا اليوم الذي أنزلت فيه عليهم، فاتخذوه عيدًا يجتمعون فيه.
فقال عمر: أي آية يا كعب؟ فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فقال عمر: قد علمت اليوم الذي أُنزلت، والمكان الذي أنزلت [¬١] فيه، نزلت في يوم الجمعة [¬٢]، ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد.
وقال ابن جرير (^٩٦): حدَّثنا أبو كريب، حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن عمار - هو مولى بني هاشم - أن ابن عبَّاس قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ فقال يهودي: لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا. فقال ابن عبَّاس: فإِنهَا نزلت في يوم عيدين اثنين: يوم عيد ويوم جمعة.
وقال ابن مردويه (^٩٧): حدَّثنا أحمد بن كامل، حدَّثنا موسى بن هارون، حدَّثنا يحيى [بن
_________________
(١) = ابن أبي سلمة عن عبادة بن نسى عن إسحاق بن خرشة - كذا فى الفتح: - عن قبيصة عن كعب. والله أعلم بالصواب.
(٢) - أخرجه الطبري فى تفسيره (٩/ ٥٢٥ - ٥٢٦) (١١٠٩٨) وقبيصة هو ابن عقبة بن محمد السوائى، روى له الجماعة، وثقه أحمد، وابن معين، وابن سعد، والعجلى، تكلم بعضهم فى روايته عن سفيان، وانظر تهذيب الكمال (٢٣/ ترجمة ٤٨٤٣). وعمار هو ابن أبي عمار مولى بنى هاشم، ثقة روى له مسلم وأصحاب السنن، وثقه أحمد، وأَبو زرعة، وأَبو حاتم، وأَبو داود، وقال النسائى: ليس به بأس. انظر تهذيب الكمال (٢١/ ترجمة ٤١٦٧)، وذكره ابن حبان فى الثقات (٥/ ٢٦٧) وقال: كان يخطئ وقال الحافظ فى "التقريب": صدوق ربما أخطأ. قلت: لم يترجم له ابن عدى فى "كامله"، ولا ذكره الذهبى فى "الميزان" وقول البخارى ﵀ فى "الأوسط": "وكان شعبة يتكلم فيه" جرح غير مفسر. قال أَبو داود: قلت لأحمد: روى شعبة عنه حديث الحيض؛ قال: لم يسمع غيره. قلت: تركه عمدًا؛ قال: لا، لم يسمع. والأثر: أخرجه الطيالسي رقم (٢٧٠٩) والترمذى فى تفسير القرآن، باب: ومن سورة المائدة، الحديث (٣٠٤٤) وابن جرير فى تفسيره (٩/ ٥٢٥، ٥٢٦) (١١٠٩٧: ١١٠٩٩)، والطبراني في الكبير (١٢/ ١٨٤) (١٢٨٣٥)، والواحدى فى "أسباب النزول" رقم (٣٨٢) من طريق حمَّاد بن سلمة به، وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٧) - وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، والبيهقى فى "الدلائل" - قال الترمذى. هذا حديث حسن غريب من حديث ابن عباي وهو صحيح. ا هـ.
(٣) - يحيى بن الحمانى هو ابن عبد الحميد الحمانى، قال الحافظ فى "التقريب": حافظ إلَّا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. وقيس بن الربيع هو الأسدى صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به. وإسماعيل بن سلمان هو ابن أبي المغيرة الأزرق، ضعفه أَبو حاتم الرازى وغيره، وقال النسائى: متروك. انظر تهذيب الكمال (٣/ ترجمة ٤٥٠) وأُبو عمر البزار هو دينار بن عمر،= [¬١]- في ز: "نزلت". [¬٢]- في ز: "جمعة".
[ ٥ / ٥٠ ]
الحماني] [¬١]، حدَّثنا قيس بن الربيع، عن إسماعيل بن سلمان [¬٢] عن أبي عمر البزار، عن ابن [¬٣] الحنفية، عن علي قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو قائم عشية عرفة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
وقال ابن جرير (^٩٨): حدَّثنا أَبو عامر إسماعيل بن عمرو السكونى، حدَّثنا هشام [¬٤] بن عمار، حدَّثنا ابن عياش، حدَّثنا عمرو بن قيس السكوني، أنَّه سمع معاوية بن أبي سفيان على المنبر ينتزع [¬٥] بهذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ حتَّى ختمها، فقال: نزلت في يوم عرفة، في يوم جمعة.
وروى ابن مردويه (^٩٩)، من طريق محمد بن إسحاق، عن عمر [¬٦] بن موسى بن وجيه، عن
_________________
(١) = وثقه وكيع، وقال أبو حاتم فى "الجرح والتعديل" (٣/ الترجمة ١٩٥٧): ليس بالمشهور. وقال البخارى فى "التاريخ" (٣/ ٨٤٦ - التَّرجمة ٨٤٨): يقال كان مختاريًّا من شرطة المختار. ولخص حاله الحافظ فى "التقريب" فقال: صالح الحديث رمى بالرفض. فالإسناد ضعيف؛ لضعف إسماعيل بن سلمان ويحيى الحمانى. والأثر ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٧) وعزاه إلى ابن جرير الطبري وابن مردويه، ولم أقف عليه فى تفسير ابن جرير. والله أعلم.
(٢) - أخرجه ابن جرير الطبري فى "تفسيره" (٩/ ٥٢٩) (١١١٠٨)، وأَبو عامر السكونى ترجم له ابن أبي حاتم فى "الجرح والتعديل" (٢/ ١٩٠ - التَّرجمة ٦٤٢) فقال: إمام مسجد حمص، روى عن علي ابن عياش والربيع بن روح ويحيى بن صالح الوحاظى، سمعت منه وهو صدوق. اهـ. وهشام بن عمار روى له البخارى والأربعة، قال الحافظ فى "التقريب": "صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن؛ فحديثه القديم أصح" اهـ. وإسماعيل: هو ابن عياش، ثقة فى روايته عن الشاميين، وهذه منها؛ فإن عمرو بن قيس هو ابن ثور السكونى أَبو ثور الشامى الحمصى، قال الحافظ فى "التقريب": "ثقة". والأثر إسناده حسن. رواه أيضًا الطبرانى فى "الكبير" (١٩/ ٣٩٢) (٩٢١) من طرق عن هشام بن عمار، به. وزاد فيه: "ثم تلا هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ وقال: إنها آخر آية نزلت". وذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٧/ ١٧) وقال: "رجاله ثقات" اهـ. وانظر "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٧).
(٣) - فى إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه، وعمر بن موسى بن وجيه: قال ابن حبان = [¬١]- في ز، خ: "الجماني". [¬٢]- في ز: "سليمان". [¬٣]- في خ: "أبي". [¬٤]- في ز، خ: "هُشَيم". [¬٥]- في ز: "ينوع". [¬٦]- في خ: "عمرو".
[ ٥ / ٥١ ]
قَتَادة، عن الحسن، عن سمرة قال: نزلت هذه الآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ يوم عرفة ورسول الله ﷺ واقف على الموقف.
فأما ما رواه ابن جرير وابن مردويه والطبراني من طريق ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حنش بن عبد الله الصنعانى، عن ابن عبَّاس (^١٠٠) قال: ولد نبيكم ﷺ يوم الإثنين، وخرج من مكة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، [وفتح بدرًا يوم الإثنين، وأنزلت سورة المائدة يوم الإثنين، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، ورفع الذكر يوم الإثنين] [¬١]. فإِنه أثر غريب، بإِسناده ضعيف.
وقد رواه الإِمام أحمد (^١٠١) حدَّثنا موسى بن داود، حدَّثنا ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن حَنش الصنعاني، عن ابن عبَّاس قال: ولد النبي ﷺ يوم الإثنين، واستنبئ
_________________
(١) = فى "المجروحين" (٢/ ٨٦): كان ممن يروى المناكير عن المشاهير، فلما كثر فى روايته عن الثقات ما لا يشبه حديث الإثبات، حتَّى خرج عن حد العدالة إلى الجرح؛ فاستحق الترك". وقال ابن عدى فى "الكامل" (٥/ ١٦٧٣): هو بين الأمر فى الضعفاء وهو في عداد من يضع الحديث متنًا وإسنادًا. وقَتَادة والحسن معروفان بالتدليس، وأيضا رواية الحسن عن سمرة مرسلة. والحديث أخرجه الطبرانى فى "الكبير" (٧/ ٢٦٦) (٦٩١٦) والبزار (٣/ ٤٨) (٢٢٠٧) من طريق محمد بن إسحاق به، وقال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٧/ ١٧): رواه الطبرانى والبزار، وفيه عمر بن موسى ابن وجيه، وهو ضعيف.
(٢) - أخرجه ابن جرير الطبري فى "تفسيره" (٩/ ٥٣٠) (١١١٠٩) والطبرانى فى "الكبير" (١٢/ ٢٣٧) (١٢٩٨٤)، وخالد بن أبي عمران هو التجيبى ثقة، وحنش بن عبد الله تابعى ثقة أيضًا. لكن فى إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. والحديث رواه أحمد فى "المسند" (١/ ٢٧٧) (٢٥٠٦) وليس فيه: "وأنزلت سورة المائدة … " وذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (١/ ٢٠١) وقال: "رواه أحمد والطبرانى فى "الكبير" وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات من أهل الصحيح". وانظر أيضًا "المجمع" (٨/ ٢٢٣). (تنبيه): وقع عند ابن كثير ﵀ هنا فى التفسير: "ورفع الذكر" وكذا هو عند ابن جرير الطبري، وصرحه الشيخ محمود شاكر فقال: يعنى وفاة رسول الله ﷺ، بأبي هو وأمى - وانقطاع الوحى من بعد قبضه ولحاقه بالرفيق الأعلى. ا هـ. والذى عند الطبرانى فى "الكبير": "ورَفَعَ الركن" وهو الصواب عندى؛ ويؤيده ما وقع فى رواية "المسند": "ورَفَعَ الحجرَ الأسود يوم الاثنين" وأيضًا قد وقع فيه عند الطبرانى: "وتوفى يوم الاثنين" بعد ذكر: "رفع الركن" وهو ما فسر به الشيخ محمود شاكر ﵀ "رفع الذكر"، والله أعلم.
(٣) - أخرجه أحمد (١/ ٢٧٧) (٢٥٠٦) وانظر السابق. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٥٢ ]
يوم الإثنين، وخرج مهاجرًا من مكة إِلى المدينة يوم الإثنين، وقدم المدينة يوم الإثنين، وتوفي يوم الإثنين، ووضع [¬١] الحجر الأسود يوم الإثنين.
هذا لفظ أحمد، ولم يذكر نزول المائدة يوم الإثنين، فالله أعلم. ولعل ابن عبَّاس أراد أنَّها نزلت يوم عيدين اثنين، كما تقدم فاشتبه على الراوي، والله أعلم.
و[¬٢] قال ابن جرير (^١٠٢): وقد قيل ليس ذلك يوم معلوم عند الناس، ثم روى من طريق العوفي، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ يقول: ليس ذلك بيوم معلوم عند الناس، قال: وقد قيل: إِنها نزلت على رسول الله ﷺ في مسيره إِلى حجة الوداع. ثم رواه من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أَنس (^١٠٣).
قلت: وقد روى ابن مردويه (^١٠٤)، من طريق أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أنَّها نزلت على رسول الله ﷺ يوم غدير خم حين قال لعلي: "من كنت مولاه، فعليّ مولاه".
ثم رواه عن أَبى هريرة (^١٠٥)، وفيه: أنَّه اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، يعني؛ مرجعه
_________________
(١) - انظر تفسير الطبري (٥٣١/ ٩) وأثر ابن عبَّاس عنده رقم (١١١٣).
(٢) - رواه الطبري فى "تفسيره" (١٢١).
(٣) - ذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٧) وعزاه إلى ابن مردويه وابن عساكر، وضعف إسناده. قلت: أَبو هارون العبدى هو عمارة بن جوين؛ قال الحافظ فى "التقريب": متروك. وقد تابعه عطية العوفى عند الطبرانى فى "الأوسط" (٨٤٣٤)، وهو فى "مجمع البحرين" رقم (٣٧٣٧)، وعطية صدوق لكنه كثير الخطأ، وكان شيعيًا مدلسًا، وحديث: "من كنت مولاه فعلى مولاه" حديث صحيح ورد عن جمع من الصحابة، وانظر تخريجه فى "الصحيحة" للعلامة الشيخ ناصر الدين الألباني (١٧٥٠).
(٤) - أخرجه الخطيب فى "تاريخه" (٨/ ٢٩٠)، وذكره السيوطى فى "الدرر المنثور" (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨) وعزاه لابن مردويه، والخطيب، وابن عساكر، وضعف إسناده. وأخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٩٩) وأَبو يعلى فى "مسنده" (١١/ ٣٠٧) (٦٤٢٣)، والبزار فى "مسنده" (٣/ ١٨٧ - ١٨٨) رقم (٢٥٣١، ٢٥٣٢) من طريق أبي زيد الأوْدى عن أبيه عن أبي هريرة مختصرًا، وليس فيه نزول آية المائدة. وقد رواه الطبرانى فى "الأوسط" (٢/ ٦٨ - ٦٩) (١١١٥) من طريق إدريس بن يزيد الأودى عن أبيه عن أبي هريرة مختصرًا أيضًا. وقال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٩/ ١٠٩): رواه أَبو يعلى. والبزار بنحوه، والطبرانى فى "الأوسط" وفى أحد إسنادى البزار رجل غير مسمى وبقية رجاله = [¬١]- في ز: "وقع ". [¬٢]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٥٣ ]
﵇ من حجة الوداع.
ولا يصح [] [¬١]، هذا ولا هذا، بل الصواب الذي لا شك في ولا مرية، أنَّها أنزلت يوم عرفة، وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب، وأول ملوك الإِسلام معاوية بن أبي سفيان، وترجمان القرآن عبد الله بن عبَّاس، وسمرة بن جندب ﵃ وأرسله الشعبي وكعادة بن دعامة وشهر بن حوشب وغير واحد من الأئمة والعلماء (^١٠٦). واختاره ابن جرير الطبري ﵀ (^١٠٧).
وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فمن احتاج إِلى تناول شيء بن هذه المحرَّمات التي ذكرها الله تعالى لضرورة ألجأته إِلى ذلك، فله [تناول ذلك] [¬٢]، والله غفور رحيم له؛ لأنه تعالى يعلم حاجة عبده المضطرّ، وافتقاره إِلى ذلك، فيتجاوز عنه ويغفر له، وفي المسند وصحيح ابن حبان (^١٠٨) عن ابن عمر مرفوعًا [¬٣] قال: قال رسول الله ﷺ: "إِن الله يحب أن تؤتى رخصته، كما يكره أن تؤتى
_________________
(١) = فى الآخر. وفى إسناد أبي يعلى داود بن يزيد وهو ضعيف اهـ. وانظر الذى قلبه.
(٢) - تقدم ذلك عن عمر برقم (٩٥ - ٩٨)، وعن علي بن أبي طالب برقم (١٠٠)، وعن معاوية برقم (١٠١)، وعن ابن عبَّاس برقم (٩٩) وعن سمرة برقم (١٠٢). وأمَّا مرسل الشعبى فأخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٥٢٢) (١١٠٩٠ - ١١٠٩٢) وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٦) وزاد نسبته إلى ابن المنذر. ومرسل قتادة أخرجه عبد الرزاق (١/ ١٨٣ - ١٨٤) وابن جرير الطبري (٩/ ٥٢٢) (١١٠٨٩)، وذكره أيضًا السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد. ومرسل شهر بن حوشب أخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٥٢٨) (١١١٠٦) من طريق ليث عن شهر به، وليث هو ابن أبي سليم وهو ضعيف.
(٣) - قال ابن جرير ﵀ فى "تفسيره" (٩/ ٥٣١): وأولى الأقوال فى وقت نزول الآية القول الذى روى عن عمر بن الخطاب: أنَّها نزلت يوم عرفة يوم الجمعة؛ لصحة سنده، ووهى أسانيد غيره اهـ.
(٤) - أخرجه ابن حبان (١/ ٤٥٦) (٢٧٤٢)، (٨/ ٣٣٣) (٣٥٦٨)، من طريق قتيبة بن سعيد حدَّثنا الدراوردى عن عمارة بن غزية عن حرب بن قيس عن نافع عن ابن عمر، ورواه أحمد فى مسنده (٢/ ١٩٨) (٥٨٧٣) حدَّثنا قتيبة فذكره، ولم يذكر فى إسناده حرب بن قيس. ورواه القضاعى فى مسند "الشهاب" (١٠٧٨) من طريق سعيد بن منصور حدثنا عبد العزيز بن محمد فذكره، ورواه البزار = [¬١]- ما بين المكوفتين في ز: "لا". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "تناوله". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٥٤ ]
معصيته". لفظ ابن حبان
وفي لفظ لأحمدٍ (^١٠٩): " من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإِثم مثل جبال عرفة".
ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجبًا في بعض الأحيان، وهو ما إِذا خاف على مهجته التلف، ولم يجد غيرها، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون مباحًا، بحسب الأحوال، واختلفوا هل يتناول منها قدر ما يسد به الرمق؛ أو له أن يشبع، أو يشبع ويتزوَّد؟ على
_________________
(١) = فى مسنده (١/ ٤٦٩) رقم (٩٨٨ - كشف الأستار) عن أحمد بن أبان عن عبد العزيز بن محمد فذكره، ورواه الخطيب فى تاريخه (١٠/ ٣٤٧) من طريق على بن المدينى قال: حدَّثنا أبي وعبد العزيز عن عمارة ابن غزية فذكره، ورواه أحمد (٨/ ١٠٢) (٥٨٦٦) والبيهقى فى "شعب الإيمان" (٣/ ٤٠٤) (٣٨٨٩) من طريق على بن المدينى نا عبد العزيز … فذكره عن عبد العزيز وحده، ورواه الطبرانى فى "الأوسط" (٥٣٠٢) والبيهقى فى "الكبرى" (٣/ ١٤٠) من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيرى قال: نا عبد العزيز بن محمد الدراوردى عن موسى بن عقبة عن حرب بن قيس … فذكره، والبيهقى فى "الكبرى" (٣/ ١٤٠) وفى "الشعب" (٣٨٨٩) من طريق هارون بن معروف عن الدراوردي عن موسى، ورواه البيهقى فى "الكبرى" أيضًا من طريق أبي مصعب عن عبد العزيز عن عمارة بن حرب له، ثم قال: "وهكذا رواه على بن المدينى وقتيبة وغيرهما عن عبد العزيز عن عمارة، وكأنه سمعه منهما جميعًا" اهـ. ورواية أحمد عن ابن المدينى وصححها العلامة ناصر الدين الألبانى فى "الإرواء" (٥٦٤) على شرط مسلم. قلت: وحرب بن قيس المذكور فى الطرق الأخرى ترجم له البخارى فى "التاريخ" (٣/ ٦١) ونقل عن عمارة بن غزية قوله فيه "كان رضًا" وترجم له أيضًا ابن أبي حاتم فى "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٤٩) ولم يذكر فيه جرحًا أو تعديلًا، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٦/ ٢٣٠) وقد تابع عبد العزيز بن محمد عليه جمع: منهم يحيى بن زياد عند ابن خزيمة فى "صحيحه" (٢/ ٧٣) (٩٥٠) وبكر بن مضر عند ابن خزيمة أيضًا (٣/ ٢٥٩) (٢٠٢٧) ورواه ابن الأعرابى فى معجمه كما فى الإرواء (٣/ ١٠) من طريق يحيى بن أيوب - ثلاثتهم (يحيى بن زياد، وبكر، ويحيى بن أيوب) عن عمارة بن غزية عن حرب عن نافع عن ابن عمر به. وقال المنذرى ﵀ فى "الترغيب والترهيب" (٢/ ١٣٥): "رواه أحمد بإسناد صحيح، والبزار والطبرانى فى الأوسط إسناد حسن، وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحيهما" اهـ. وقال الهيثمى فى مجمع الزوائد (٣/ ١٦٥): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والبزار والطبرانى فى الأوسط وإسناده حسن" اهـ. وللحديث شواهد انظرها فى "الترغيب والترهيب" و"مجمع الزوائد" و"الإرواء" رقم (٥٦٤).
(٢) - أخرجه أحمد فى "مسنده" (٢/ ٧١) (٥٣٩٢) حدَّثنا حسن حدَّثنا ابن لهيعة حدَّثنا أَبو طُعْمة أنَّه قال: كنت عند ابن عمر إذ جاءه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنى أقوى على الصيام فى السفر؟ فقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لم يقبل … " الحديث، وذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٣/ ١٦٥) وقال: رواه أحمد، والطبرانى فى "الكبير"، وإسناد أحمد حسن، وصححه العلامة أحمد شاكر فى تعليقه على المسند، وانظر تفسير سورة البقرة الآية / ١٨٥.
[ ٥ / ٥٥ ]
أقوال كما هو مقرر في كتاب الأحكام، وفيما إِذا وجد ميتة وطعام الغير أو [¬١] صيدًا وهو محرم، هل يتناول الميتة، أو ذلك الصيد، ويلزمه الجزاء، أو [¬٢] ذلك الطعام، ويضمن بدله؟ على قولين: هما قولان للشافعى ﵀ وليس من شرط جواز [¬٣] تناول الميتة أن يمضي عليه ثلالة أيام لا يجد طعامًا، كما قد يتوهمه كئير من العوام وغيرهم، بل متى اضطر إِلى ذلك جاز له.
وقد قال الإِمام أحمد (^١١٠): حدَّثنا الوليد بن مسلم، حدَّثنا الأوزاعى، حدَّثنا حسان بن عطية، عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله، إنا بأرض تصيبنا [¬٤] بها المخمصة، فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: "إِذا لم تصطبحوا [¬٥] ولم تغتبقوا [¬٦]، ولم تجتفئوا [¬٧] بها [¬٨]
_________________
(١) - أخرجه فى المسند (٨/ ٢١٥) وابن جرير فى تفسيره (٩/ ٥٣٨) (١١١٢٥) والبيهقى فى السنن (٩/ ٣٥٦) من طريق محمد بن القاسم الأسدى عن الأوزاعى به، ومحمد بن القاسم هذا هو الأسدى المعروف بـ "كاو" قال ابن حجر ﵀ فى "التقريب": "كذبوه". لكن تابعه عليه الوليد بن مسلم كما تقدم، ورواه أيضًا الدارمى (٢٠٠٢)، والحاكم (٤/ ١٢٥) من طريق أبي عاصم ثنا الأوزاعى … فذكره، وصححه الحاكم على شرط الشيخين فتعقبه الذهبى بقوله: "فيه انقطاع" وتابعه محمد بن كثير فرواه عن الأوزاعى مثله؛ أخرجه البيهقى (٩/ ٣٥٦) قال المزى فى "تهذيب الكمال" (٦/ ٣٥) ترجمة حسان بن عطية: "روى عن أبي واقد الليثى ولم يسمع منه، بينهما مسلم بن يزيد" اهـ. وقال الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٤/ ١٦٨): رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح إلَّا أن المزى قال: لم يسمع حسان بن عطية من أبي واقد، والله أعلم. اهـ. قلت: قد رواه الطبرانى فى "الكبير" (٣/ ٢٨٤) (٣٣١٥)، والبيهقى فى "السنن الكبرى" (٩/ ٣٥٦) من طريق إسحاق بن راهويه عن الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعى عن حسان بن عطية عن مرثد أو أبي مرثد عن أبي واقد الليثى به، عند البيهقى "عن ابن مرثد أو أبي مرثد". ورواه الطبرانى فى "الكبير" (٣/ ٢٨٤) (٣٣١٦) من طريق عبد الله بن كثير القرشى ثنا الأوزاعى حدَّثنا حسان بن عطية حدثنى مسلم عن أبي واقد الليثى … فذكره. قال الطبرانى: هكذا رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعى عن حسان عن مرثد أو أبي مرثد وهو وهم، والصواب ما رواه عبد الله بن كثير القارئ عن الأوزاعى. اهـ. قلت: ومرثد أو أَبو مرثد هذا لم أجد له ترجمة، وكذلك مسلم بن يزيد، والحديث ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" (٥/ ٥٣) وقال: "رواه الطبرانى ورجاله ثقات". وله طريق أخرى مرسلة عند ابن جرير سيذكرها ابن كثير ﵀. [¬١]- في ز: "و". [¬٢]- في ز: "و". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "يصيبنا". [¬٥]- في ز: "يصطبحوا". [¬٦]- في ز: "يغتبقوا". [¬٧]- في ز: "يختفيوا". [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٥٦ ]
بقلًا؛ فشأنكم بها".
تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو إِسناد صحيح على شرط الصحيحين، وكذا رواه ابن جرير، عن عبد الأعلى بن واصل، عن محمد بن القاسم الأسدي، عن الأوزاعي به.
لكن رواه بعضهم عن الأوزاعي، [عن حسان بن عطية، عن مسلم بن يزيد، عن أبي واقد به.
ومنهم من رواه عن الأوزاعي] [¬١]، عن حسان، عن مرثد أو أبي مرثد، عن أبي واقد به.
ورواه ابن جرير (^١١١)، عن هناد بن السري، عن عيسى بن يونس، عن حسان، عن رجل قد سمي له فذكره، ورواه أيضًا عن هناد، عن ابن المبارك، عن الأوزاعي عن حسان مرسلًا.
وقال ابن جرير (^١١٢): حدثنى يعقوب بن إِبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن ابن عون قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة، فقرأته عليه، فكان فيه: ويجزئ من الاضطرار غبوق أو صبوح.
حدَّثنا أَبو كريب (^١١٣)، حدَّثنا هُشَيم، عن الخصيب بن زيد التميمي، حدَّثنا الحسن أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: متى يحل الحرام؟ قال: فقال: "إِلى متى يَرْوَى أهلك من اللبن أو تجيء ميرتهم".
حدَّثنا ابن حميد (^١١٤)، حدَّثنا سلمة، عن ابن إِسحاق، حدثني عمر بن عبد الله بن
_________________
(١) - رواية حسان عن رجل عند ابن جرير فى تفسيره (٩/ ٥٤٢) (١١١٣٣)، ورواية حسان المرسلة عنده برقم (١١١٣٢).
(٢) - أخرجه ابن جرير فى "تفسيره" (٩/ ٥٤١) (١١١٢٩) ورواه أيضًا (١١١٣٠) من طريق يحيى ابن زائدة عن ابن عون قال: قرأت فى كتاب سمرة بن جندب … فذكره.
(٣) - أخرجه ابن جرير الطبري فى "تفسيره" (٩/ ٥٣٩) (١١١٢٦) وهو من مراسيل الحسن ﵀ وهى ضعيفة.
(٤) - أخرجه ابن جرير الطبري (٩/ ٥٤٠) (١١١٢٨) وذكره السيوطى فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٩) لم ينسبه لغير ابن جرير. وعمر بن عبد الله بن عروة بن الزبير قال عنه الحافظ فى "التقريب": مقبول. قلت: روى له الشيخان حديثًا، وذكره ابن حبان فى "الثقات" (٧/ ١٦٦) ومحمد بن إسحاق صدوق تحامل عليه مالك وهشام بن عروة رحمهما الله، وطعنهما فيه مما لا يقبل مثله، وانظر "الميزان" للحافظ شمس الدين الذهبى. وقد رُوى نحوه عن سمرة بن جندب ذكره الهيثمى فى "مجمع الزوائد" = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ٥ / ٥٧ ]
عروة، عن جده عروة بن الزُّبَير، [عن جدته] [¬١] أن رجلًا من الأعراب أتى النبي ﷺ يستفتيه في الذي حرم الله عليه، والذي أحل له، فقال النبي ﷺ: "يحل لك الطيبات، ويحرم عليك الخبائث، إِلا أن تفتقر إِلى طعام [لا يحل] [¬٢] لك، فتأكل منه حتَّى تستغني عنه". فقال الرجل: وما فقري الذي يجل لي، وما غناي الذي يغنيني عن ذلك؟ فقال النبي ﷺ: ["إِذا كنت ترجو نتاجًا، فتبلَّغ بلحوم ماشيتك إلى نتاجك، أو كنت ترجو غنى تطلبه فتبلَّغ من ذلك شيئًا؛ فأطعم أهلك ما بدا لك حتَّى تستغني عنه". فقال الأعرابي: ما غناي الذي أدعه إِذا وجدته؟ فقال ﷺ] [¬٣]: "إذا أرويت أهلك غبوقًا من الليل، فاجتنب ما حرم الله عليك من طعام [¬٤]، وأما [¬٥] مالك [¬٦]؛ فإنه ميسور كله، ليس [¬٧] فيه حرام".
ومعنى قوله: "ما لم [¬٨] تصطبحوا" يعني، به الغداء، "وما لم تغتبقوا" يعني به العشاء، "أو تحتفئوا بقلًا فشأنكم بها، فكلوا منها". و[¬٩] قال ابن جرير: يروى هذا الحرف، يعني قوله: "أو تحتفئوا" على أربعة أوجه: تحتفِئوا بالهمزة، "وتحتفيوا" بتخفيف الياء والحاء، "وتحتفوًا" بتشديد [الفاء] [¬١٠] "وتحتفوا" بالحاء، وبالتخفيف، ويحتمل الهمز، كذا ذكره [¬١١] في التفسير.
(حديث آخر): قال أَبو داود (^١١٥): حدَّثنا هارون بن عبد الله، حدَّثنا الفضل بن دكين،
_________________
(١) = (٤/ ١٦٦) وقال: رواه الطبرانى فى "الكبير" والبزار باختصار كثير، وفى إسناد الطبرانى مساتير، وإسناد البزار ضعيف اهـ.
(٢) - أخرجه أَبو داود فى "سننه" فى الأطعمة، باب: فى المضطر إلى الميتة، الحديث (٣٨١٧)، ومن طريقه البيهقى (٩/ ٣٥٧) ورواه ابن أبي شيبة فى "مسنده" (٦٠٩) والبخارى فى "تاريخه" (٧/ ١٣٧) والطبرانى فى الكبير (١٨/ ٣٢١) (٨٢٩) والمزى فى "تهذيب الكمال" (٢٠/ ٢٣١) من طريق أبي نعيم به. ورواه ابن أبي عاصم فى الآحاد والمثانى (٣/ ١٧٢) (١٥٠٣) من طريق عبد الملك بن حسين عن عقبة بن وَهْب بإسناده نحوه، والحديث ضعف إسناده العلامة محمد ناصر الدين الألبانى فى "ضعيف أبي داود" (٨٢٢)، لكن قال الحافظ فى "الإصابة" (٨/ ٨٢) فى ترجمة الفجيع: له = [¬١]- في الطبري: عمن حدثه. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "طعامك". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: خ. [¬٧]- في خ: "فليس". [¬٨]- سقط من: ز. [¬٩]- سقط من: ز. [¬١٠]- زيادة من الطبري. [¬١١]- في خ: "رواه".
[ ٥ / ٥٨ ]
حدثنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري، سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري، أنَّه أتى رسول الله ﷺ فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: "ما طعامكم؟ " قلنا: [نصطبح ونغتبق]. قال أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح غدوة، وقدح عشية، قال: ذاك وأبي الجوع، وأحل لهم الميتة على هذه الحال.
تفرد به أبو داود، وكأنهم كانوا يصطبحون ويغتبقون شيئًا لا يكفيهم، فأحل لهم الميتة لتمام كفايتهم، وقد يحتج به من يرى جواز الأكل منها؛ حتى يبلغ حد الشبع، ولا يتقيد ذلك [¬١] بسد الرمق، والله أعلم.
(حديث آخر): قال أبو داود (^١١٦): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، حدثنا سماك، عن جابر بن سمرة: أن رجلًا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال له رجل: إن ناقة لي ضلت؛ فإن وجدتها فأمسكها، فوجدها، ولم يجد صاحبها، فمرضت، فقالت له امرأته: انحرها، فأبى، فنفقت، ففالت له امرأته: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها فنأكله، [فقال] [¬٢]، حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتاه فسأله، فقال: "هل عندك غنى يغنيك؟ "
_________________
(١) = حديث في سنن أبي داود بإسناد لا بأس به. قلت: عقبة بن وهب العامرى قال ابن معين: صالح، وسئل عنه سفيان بن عيينة فقال: ما كان ذاك يدرى ما هذا الأمر ولا كان من شأنه. نقل ذلك عنهما ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ الترجمة ١٧٧٠). ونقل المزى في "تهذيب الكمال" (٢٠/ ٢٣١) عن ابن حبَّان أنَّه ذكره في الثقات، وقال الحافظ فى "التقريب": مقبول. قلت: عند المتابعة وإلَّا فلين كما هى طريقة الحافظ فى "التقريب"، وهذا الحديث مما تفرد به عقبة ولم يروه غيره. وأبوه وهب بن عقبة العامرى البكائى ذكره ابن حبَّان في "الثقات" (٥/ ٤٨٨) وقال الحافظ في "التقريب": مستور. وقال الذهبي في "الكاشف" (٢/ ٣٥٧): وُثِّقَ. قلت: فرق الحافظ في "تهذيب التهذيب" بينه وبين وهب ابن عقبة العجلى، ونقل في ترجمة الأوّل توثيق ابن حبَّان له، وفي ترجمة الثاني قول ابن معين فيه: ثقة. وجعلهما البخاري في "التاريخ" (٨/ ١٦٥) واحدًا، وكذا ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٩/ ٢٦)، وعلى فرض التسليم بأن وهب بن عقبة البكائى المذكور في الحديث هو العجلى الذي وثقه ابن معين، فإن ابنه عقبة قد تفرد عنه بهذا الحديث ولم يتابعه عليه غيره، وهو ليس ممن تقبل انفراداته.
(٢) - أخرجه أبو داود في الأطعمة، باب: في المضطر إلى الميتة، الحديث (٣٨١٦) ومن طريقه البيهقي في "السنن" (٩/ ٢٥٦) ورواه أحمد في "مسنده " (٥/ ١٠٤) قال: حدثنا أبو كامل وبهز، وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٥/ ٩٦) قال: حدثني الحسن بن يحيى حدثنا عبد الصمد - كلهم (أبو كامل، وبهز، وعبد الصمد) قالوا: حدثنا حماد بن سلمة. . . فذكره، وهذا إسناد على شرط مسلم، لكن سماك بن حرب تغير بأخرة، فكان ربما تلقن، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة. وقد رواه أحمد (٥/ ٨٧، ٨٨) حدثنا أبو كامل حدثنا شريك عن سماك. . . فذكره مختصرًا. ورواه = [¬١]- في ز: "بذلك". [¬٢]- في ت: "قال لا".
[ ٥ / ٥٩ ]
قال: لا، قال: "فكلوها" قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها؟ قال: استحييت منك.
تفرد به، وقد يحتج به من يجوز الأكل والشبع والتزود منها مدة يغلب على ظنه الاحتياج إليها، والله أعلم.
وقوله: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ أي: [غير] متعاط لمعصية الله، فإِن الله قد أباح ذلك له، وسكت عن الآخر، كما قال في سورة البقرة: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقد استدل بهذه الآية من يقول بأن العاصي بسفره لا يترخص بشيء من رخص السفر؛ لأنَّ الرخص لا تنال بالمعاصي، والله أعلم.
﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]
لما ذكر تعالى ما حرمه في الآية المتقدمة من الخبائث الضارة لمتناولها، إِما في بدنه أو في [¬١] دينه أو فيهما، واستثنى ما استثناه في حال الضرورة، كما قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾. قال بعدها: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾. كما في سورة الأعراف في صفة محمَّد ﷺ: أنَّه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث.
قال ابن أبي حاتم (^١١٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله
_________________
(١) = في (٥/ ٨٩، ٩٧) من طريق أبي عوانة عن سماك مختصرًا. والحديث حسَّن إسناده العلامة الشيخ محمَّد ناصر الدين الألباني في صحيح أبي داود (٣٢٣٤) قلت: لعل ذلك من أجل سماك بن حرب، وقد تقدم حاله، عليه رحمة الله.
(٢) - عبد الله بن لهيعة خلط بعد احتراق كتبه وهو صدوق، وعطاء بن دينار هو الهذلى: نقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٦ /الترجمة ١٨٤٥) توثيقه عن الإمام أحمد، ووثقه أبو داود كما في "تهذيب الكمال" (٢٠/ ٦٨)، وذكره ابن حبَّان في "الثقات" (٧/ ٢٥٤)، قال ابن أبى حاتم: سئل أبي عن عطاء بن دينار؟ فقال: هو صالح الحديث إلَّا أن التفسير أخذه من الديوان؛ بأن عبد الملك = [¬١]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٦٠ ]
ابن لهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، أن عديّ بن حاتم وزيد بن مهلهل [¬١] الطائيين، سألا رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله: قد حرم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [قال سعيد: يعني الذبائح الحلال الطيبة لهم. وقال مقاتل] [¬٢]: الطيبات [¬٣] ما [¬٤] أحل لهم من كل شيء أن يصيبوه، وهو الحلال من الرزق.
وقد سئل الزهري عن شرب البول للتداوي، فقال: ليس هو من الطيبات. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن وهب: سئل مالك عن بيع الطين الذي يأكله الناس؛ فقال: ليس هو من الطيبات.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] أي: أحل لكم الذبائح التي ذكر اسم الله عليها، والطيبات من الرزق، وأحل لكم ما صدتموه [¬٥] بالجوارح، وهي من الكلاب والفهود والصقور وأشباهها [¬٦]، كما هو مذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والأئمة، وممن قال ذلك على بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾: وهن الكلاب المعلمة، والبازي، وكل طير يعلم للصيد، والجوارح يعني: الكلاب الضواري، والفهود والصقور وأشباهها.
رواه ابن أبي حاتم (^١١٨)، ثمَّ قال: وروي عن خيثمة وطاوس ومجاهد ومكحول ويحيى بن
_________________
(١) = ابن مروان كتب يسأل سعيد بن جبير أن يكتب إليه بتفسير القرآن، فكتب سعيد بن جبير بهذا التفسير إليه، فوجده عطاء بن دينار في الديوان فأخذه وأرسله عن سعيد بن جبير أهـ. وقال أحمد بن صالح: عطاء بن دينار من ثقات أهل مصر، وتفسيره فيما يروى عن سعيد بن جبير، صحيفة وليست له دلالة على أنَّه سمع من سعيد بن جبير (الجرح والتعديل) (٦/ ٣٣٢) والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٩) ولم يعزه لغير ابن أبى حاتم.
(٢) - رواه ابن جرير الطبرى في "تفسيره" (٩/ ٥٤٨) (١١١٤٩)، والبيهقى في "سننه" (٩/ ٢٣٥) من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس. والأثر ذكره السيوطي فى "الدر المنثور" (٢/ ٤٦٠) وزاد نسبته لابن المنذر. [¬١]- في ز: "المهلل". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز: "فالطيبات"، وسقط من: خ. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ز: "اصتدتموه". [¬٦]- في ز، خ: "وأشباه ذلك".
[ ٥ / ٦١ ]
أبي كثير نحو ذلك، وروي عن الحسن أنَّه قال: الباز والصقر من الجوارح. وروي عن علي بن الحسين مثله. ثمَّ روى عن مجاهد أنَّه كره صيد الطير كله، وقرأ قوله [¬١] تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾. قال: وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك، ونقله ابن جرير عن الضحاك والسدي، ثمَّ قال (^١١٩):
حدثنا هناد، حدثنا ابن أبي زائدة، أخبرنا ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: أما ما صاد من الطير البزاة وغيرها من الطير، فما أدركت فهو لك، وإِلا فلا تطعمه.
قلت: والمحكي عن الجمهور، أن [الصيد بالطيور كالصيد بالكلاب] [¬٢]؛ لأنها تكلب الصيد بمخالبها [¬٣]، كما تكلبه الكلاب فلا فرق، وهو [¬٤] مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، واختاره ابن جرير. واحتج في ذلك بما رواه عن هناد، حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن عديّ بن حاتم قال: سألت رسول الله ﷺ عن صيد البازي، فقال: "ما أمسك عليك فكل" (^١٢٠).
واستثنى الإِمام أحمد صيد الكلب الأسود؛ لأنه عنده مما يجب قتله، ولا يحل اقتناؤه، لما
_________________
(١) - انظر تفسير الطبرى (٩/ ٥٤٩) وأثر ابن عمر عنده برقم (١١١٥٥)، وابن جريج ثقة لكنه معروف بالتدليس.
(٢) - أخرجه الطبرى (٩/ ٥٥٠) (١١١٥٦)، وفي إسناده مجالد وهو ابن سعيد ليس بالقوى، وتغير في آخر عمره، وقد انفرد بذكر البازى في هذا الحديث، فإن الحفاظ قد رووا هذا عن الشعبى عن عدي في الكلب المعلم، ولم يذكروا البازى كما سيأتى ذكر ذلك عن الترمذي والبيهقيُّ. والحديث رواه الترمذي في الصيد، باب: ما جاء في صيد البزاة، الحديث (١٤٦٧) حدثنا نصر بن علي، وهناد، وأبو عمار، قالوا: حدثنا عيسى بن يونس. . . فذكره. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه كتاب الصيد، باب البازى يأكل من صيده (٤/ ٦١٠) عن عيسى بن يونس به. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلَّا من حديث مجالد عن الشعبى، والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بصيد البزاة والصقور بأسًا. . ." أهـ. ورواه أبو داود في الصيد، باب: في الصيد، الحديث (٢٨٥١) وعنه البيهقي في السنن (٩/ ٢٣٨) حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا عبد الله بن نمير ثنا مجالد، عن الشعبى، عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: "ما علمت من كلب أو باز ثمَّ أرسلته وذكرت اسم الله، فكل مما أمسك عليك" الحديث. ورواه أحمد (٤/ ٢٥٧) قال: حدثنا عبد الله بن نمير. . . فذكره مطولًا قال البيهقي: "فجمع بينهما - أي بين الكلب والبازى - في المنع إلا أن ذكر البازى في هذه الرواية لم يأت به الحفاظ الذين قدمنا ذكرهم عن الشعبى، وإنما أتى به مجالد والله أعلم. ويذكر عن سعيد = [¬١]- في ز: "قول الله". [¬٢]- في ز: "صيد الطيور كصيد الكلاب". [¬٣]- في ز: "بمخاليبها". [¬٤]- في ز: "هذا".
[ ٥ / ٦٢ ]
ثبت في صحيح مسلم (^١٢١) عن أبي ذر [¬١] أن رسول الله ﷺ قال: "يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود". فقلت: ما بال الكلب الأسود من الأحمر؟ فقال: "الكلب الأسود شيطان".
وفي الحديث الآخر أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثمَّ قال: "ما بالهم وبال الكلاب، اقتلوا منها كل أسود بهيم" (^١٢٢).
وسميت هذه الحيوانات التي يصطاد بهنّ جوارح من الجرح، وهو الكسب، كما تقول العرب: فلان جرح أهله خيرًا، أي: كسبهم خيرًا، ويقولون: فلان لا جارح له، أي: لا كاسب له، وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ أي: ما كسبتم من خير وشر.
_________________
(١) = ابن المسيّب عن سلمان الفارسي ﵁ أنَّه قال: "إذا أرسلت كلبك أو بازك أو صقرك على الصيد فأكل منه فكل وإن أكل نصفه" فهذا جمع بينهما في الإباحة. أهـ. والحديث ذكره الألباني - حفظه الله - في "ضعيف أبي داود" (٦٠٨) وصححه دون قوله: "أو باز" قال: فإنَّه منكر. وضعفه أيضًا فى "ضعيف الجامع" (٥١١٣). وقد رواه الترمذي (١٤٧٠) من طريق سفيان عن مجالد ولم يذكر فيه البازى، وكذلك رواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٧٩) من طريق هشيم عن مجالد، وقد تقدم حديث عدى بن حاتم هذا برقم (٥٨) (٦٣).
(٢) - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب: قدر ما يستر المصلى، الحديث (٥١٠) من طريق عبد الله بن الصامت عن أبي ذر.
(٣) - لم أجده هكذا، لكن رواه مسلم في الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، الحديث (٢٨٠)، وفي كتاب المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، الحديث (١٥٧٠)، من طريق مطرف بن عبد الله بن المغفل قال: أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب. ثمَّ قال: "ما بالهم وبال الكلاب؟ " ثمَّ رخص في كلب الصيد، وكلب الغنم. وزاد في الرواية التي في كتاب الطهارة "وقال: إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات، وعفروه الثامنة في التراب" ومن هذه الطريق رواه أحمد (٤/ ٨٦)، (٥/ ٥٦) وأبو داود (٧٤)، والنسائيُّ (١/ ٥٤، ١٧٧)، وابن ماجه (٣٢٠١) وغيرهم وليس عند أحد منهم الأمر بقتل الكلب الأسود وإنما جاء ذلك من طريق الحسن عن عبد الله بن مغفل أخرجه أحمد (٤/ ٨٥) و(٥/ ٥٤، ٥٦) وأبو داود في الصيد، باب في اتخاذ الكلب للصيد وغيره، الحديث (٢٨٤٥)، والترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في قتل الكلاب، الحديث (١٤٨٦)، وفي باب: ما جاء من أمسك كلبًا ما ينقص من أجره (١٤٨٩) والنسائيُّ في الصيد والذبائح، باب: صفة الكلاب التي أمر بقتلها (٧/ ١٨٥) من طرق عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله ﷺ: "لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، فاقتلوا منها الأسود البهيم" = [¬١]- سقط من: ز.
[ ٥ / ٦٣ ]
وقد ذكر في [¬١] سبب نزول هذه الآية الشريفة [¬٢] الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم (^١٢٣):
حدثنا حجاج بن [¬٣] حمزة، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني موسى بن عبيدة، حدثني أبان ابن صالح، عن القعقاع بن حكيم، عن سلمى أم رافع، عن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ، [أن رسول الله ﷺ] [¬٤] أمر بقتل الكلاب، فقتلت، فجاء الناس، فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت، فأنزل الله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ: "إِذا أرسل الرجل كلبه وسمى، فأمسك عليه، فيأكل [¬٥] ما لم يأكل".
_________________
(١) = وفي بعض الطرق: "وما من أهل بيت يرتبطون كلبًا إلَّا نقص من عملهم كل يوم قيراط، إلَّا كلب صيد أو كلب حرثٍ أو كلب غنم" أهـ، وإسناده صحيح وقد صرح الحسن البصري ﵀ بسماعه من عبد الله بن مغفل عند أحمد في "المسند" (٥/ ٥٤) وانظر تخريج العلامة الشيخ ناصر الدين الألبانى للحديث في غاية المرام (١٤٨).
(٢) - أخرجه الطبرى فى "تفسيره" (٩/ ٥٤٥) (١١١٣٤) قال: حدثنا أبو كريب حدثنا زيد بن حباب العكلى. . . فذكره نحوه، ورواه الطبرانى في "الكبير" (١/ ٣٢٦) (٩٧٢) من طريق على بن المدينى قال: حدثنا زيد بن الحباب، ومن طريق عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الله بن نمير قالا (ابن الحباب، وابن نمير): حدثنا موسى بن عبيدة. . . فذكره دون قوله: "إذا أرسل الرجل. . . إلخ" ورواه الواحدى فى "أسباب النزول" (ص ١٩٣) من طريق يحيى بن أبي زائدة عن موسى به، وموسى ابن عبيدة الربذى: نقل البخاري في التاريخ (٧/ الترجمة ١٢٤٢) عن الإمام أحمد قال: منكر الحديث. ونقل ابن أبي حاتم فى "الجرح والتعديل" (٨/ الترجمة ٦٨٦) عن أحمد قال: لا تحل الرواية عنه عندي. وعن ابن معين قوله: موسى بن عبيدة لا يحتج بحديثه. وقال مرة: ضعيف. وقال: سألت أبي عن موسى بن عبيدة فقال: منكر الحديث. وسئل أبو زرعة عنه فقال: ليس بقوى الحديث. وقال الحافظ في "التقريب": ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا. وبقية إسناده ثقات، وسلمى أم رافع زوج أبي رافع قال الحافظ في "التقريب": لها صحبة، وأحاديث. أهـ. وقد تابع موسى بن عبيدة على هذا الحديث محمدُ بن إسحاق فرواه عن أبان مثل رواية ابن أبي حاتم هذه دون قوله: "إذا أرسل الرجل كلبه وسمى. . . إلخ" أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٣١١)، وعنه البيهقي في "السنن" (٩/ ٢٣٥) من طريق ابن أبي زائدة عن ابن إسحاق عن أبان بن صالح به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وابن إسحاق صدوق لكنه مشهور بالتدليس وقد عنعن ولم يصرح بالتحديث، وروى أحمد (٦/ ٣٩١) قال: حدثنا أبو عامر، والطبراني في الكبير (١/ ٣١٣ - ٣١٤) (٩٢٧) من طريق القعنبى، وإسماعيل بن أبي أويس قالوا: حدثنا يعقوب بن محمَّد بن طحلاء ثنا أبو الرجال عن سالم = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز، خ: "الكريمة". [¬٣]- في خ: "حدثنا". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "فليأكل".
[ ٥ / ٦٤ ]
وهكذا رواه ابن جرير (^١٢٤)، عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب بإسناده، عن أبي رافع قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ليستأذن عليه، فأذن له، فقال: "قد أذنَّا لك يا رسول الله، قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب". قال أبو رافع: فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة فقتلت [¬١]، حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها، فتركته رحمة لها ثمَّ جئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته، فأمرني فرجعت إِلى الكلب فقتلته، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ، قال: فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾.
ورواه الحاكم في مستدركه، من طريق محمَّد بن إِسحاق، عن أبان بن صالح به. وقال: صحيح ولم يخرجاه.
وقال ابن جرير (^١٢٥): حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، عن عكرمة: أن رسول الله ﷺ بعث أبا رافع في قتل الكلاب، حتى بلغ العوالي، فجاء [¬٢] عاصم ابن عديّ وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة، فقالوا: ماذا أحل لنا يا رسول الله؟ فنزلت الآية [¬٣].
_________________
(١) = ابن عبد الله عن أبي رافع قال: أمرنى رسول الله ﷺ أن أقتل الكلاب. وفيه قصة وإسناده حسن؛ ابن طحلاء روى له مسلم، وقال الحافظ فى "التقريب": ما به بأس. وأبو الرجال هو محمَّد ابن عبد الرحمن بن حارثة الأنصارى وهو ثقة، ورواه أحمد (٦/ ٩)، والبزار في "مسنده" (٣٨٦٩) وهو في كشف الأستار (٢/ ٧٠) (١٢٢٧) والحارث بن أبي أسامة كما في البغية (١/ ٤٨٣) (٤١٧)، والرويانى فى "مسنده" (٦٨٥) من طريق ابن جريج أخبرنى العباس بن أبي خداش عن الفضل بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع أن النبي ﷺ قال. . . والعباس بن أبي خداش ترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٦/ ٢١٧) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبَّان فى "الثقات" (٧/ ٢٧٥) والفضل بن عبيد الله بن أبي رافع قال الحافظ فى "التقريب": مقبول. والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٤٥) وقال: "رواه البزار، وأحمد بأسانيد رجال بعضها رجال الصحيح، ورواه الطبرانى في الكبير أيضًا" ورواه ابن جرير عن عكرمة مرسلًا وسيأتى رقم (١٢٨).
(٢) - تفسير الطبرى (٩/ ٥٤٥) (١١١٣٤) وانظر التخريج السابق.
(٣) - أخرجه الطبرى فى "تفسيره" (٩/ ٥٤٦) (١١١٣٥) وانظر تخريج الحديث رقم (١٢٦). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "فدخل". [¬٣]- في ز: " ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ ".
[ ٥ / ٦٥ ]
ورواه الحاكم (^١٢٦) من طريق سماك، عن عكرمة، وكذا [¬١] قال محمَّد بن كعب القرظى في سبب نزول هذه الآية، أنَّه [¬٢] في قتل الكلاب (^١٢٧).
وقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ يحتمل أن يكون حالًا من الضمير في علمتم؛ فيكون حالًا من الفاعل، ويحتمل أن يكون حالًا من المفعول، وهو الجوارح، أي: وما علمتم من الجوارح في حال كونهنّ مكلبات للصيد، وذلك أن تقتنصه بمخالبها أو [¬٣] أظفارها، فيستدل بذلك - والحالة هذه - على أن الجارحة إِذا قتل الصيد بصدمته أو بمخلابه وظفره - أنَّه لا يحل كما هو أحد قولى الشافعي، وطائفة من العلماء؛ ولهذا قال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، وهو أنَّه إِذا أرسله استرسل، وإِذا أشلاه استشلى، وإذا أخذ الصيد أمسكه على صاحبه، حتى يجيء إليه، ولا يمسكه لنفسه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾. فمتى كان الجارح [¬٤] معلمًا، وأمسك على صاحبه، وكان قد ذكر اسم الله عليه وقت إِرساله - حَلَّ الصيد، وإِن قتله بالإِجماع.
وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، كما ثبت في الصحيحين (^١٢٨) عن عديّ بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله؛ إني أرسل الكلاب المعلمة، وأذكر اسم الله. فقال: "إِذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله، فكل ما أمسك عليك". قلت: وإِن قتلن؟ قال: "وإِن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها؛ فإنك إِنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره". قلت له: فإِني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: "إِذا رميت بالمعراض فخزق فكله، وإِن أصابه بعرض فإِنَّه وقيذ؛ فلا تأكله". وفي لفظ لهما: "إِذا أرسلت كلبك؛ فاذكر اسم الله [¬٥]؛ فإن أمسك عليك فأدركته حيًّا فاذبحه، وإِن
_________________
(١) - لم أقف عليه في المستدرك فلعله في تصنيف آخر للحاكم، وقد ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/ ٤٥٩) وعزاه لابن جرير الطبرى وحده.
(٢) - أخرجه الطبرى فى "تفسيره" (٩/ ٥٤٦) (١١١٣٦) عن عبد الله بن الزبير قال: حدثونا عن محمَّد بن كعب القرظى قال: لما أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب، قالوا: يا رسول الله، فماذا يحل لنا من هذه الأمة؟ فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ. . .﴾ الآية وشيخ ابن الزبير مبهم غير معروف.
(٣) - تقدم رقم (٥٨). [¬١]- في ز: "هكذا". [¬٢]- سقط من: خ. [¬٣]- في ز: "و". [¬٤]- في ز: "الجارحة". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ٥ / ٦٦ ]
أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته". وفي رواية لهما: "فإِن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه".
فهذا دليل للجمهور، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو أنَّه إِذا أكل الكلب من الصيد يحرم مطلقًا، ولم يستفصلوا كما ورد بذلك الحديث، وحكي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: لايحرم مطلقًا.