قال أبو عبيد (^٢٣٨): حدثنا عبد الله بن صالح، عن قباث بين رزين، عن عُلَيِّ بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يوما ونحن في المسجد نتدارس القرآن، فقال: "تعلموا كتاب الله واقتنوه". قال: وحسبت أنه قال: "وتغنوا به، فوالذي نفسي بيده، لهو أشد تفلتا من المخاض من العُقُل".
وحدثنا عبد الله بن صالح، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك إلا أنه قال: "واقتنوه وتغنوا به" ولم يشك.
وهكذا رواه أحمد والنسائي في كتاب "فضائل القرآن"، من حديث موسى بن علي، عن أبيه، به، ومن حديث عبد الله بن المبارك، عن قباث بن رزين، عن عُلَيٍّ بن رباح، عن عقبة، وفي بعض ألفاظه: خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا، وذكر الحديث. ففيه دلالة على السلام على القارئ.
ثم قال أبو عبيد (^٢٣٩): حدثنا أبو اليمان، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن المهاصر بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أهل القرآن، لا توسدوا القرآن، واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنَّوه، واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون" وهذا مرسل.
_________________
(١) - فضائل القرآن (ص ٦٩ - ٧٠)، رواه أحمد في المسند برقم ١٣٣٦٥، ١٧٤١٠، ١٧٤٤٣ - (٤/ ١٤٦، ١٥٠، ١٥٣)، والنسائي الكبرى برقم (٨٠٣٤)، وأخرجه الدارمي حديث ٣٣٥١ - (٢/ ٤٣٩) كتاب فضائل القرآن، باب: في تعاهد القرآن، وأبو يعلى في مسنده ١٧٤٠ - (٣/ ٢٨١)، وابن أبي شيبة حديث ١٠٠٤٠ - (١٠/ ٤٧٧)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ١٦٩): رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال: "لهو أشد تفصيًا من المخاض في العقل". ورجال أحمد رجال الصحيح. ا هـ. وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (٢٩٦١).
(٢) - إسناده ضعيف لضعف أبي بكر بن أبي مريم، والمهاصر بن حبيب، تابعي فالحديث مرسل، والحديث في فضائل القرآن (ص ٧٠ - ٧١). ورواه من طريق المهاصر، عن عبيدة الأملوكي مرفوعًا، كل من البيهقي (١٨٥٢)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (١/ ٢٦٠)، وابن عساكر (٤/ ٥٦)، وعزاه الهيثمي للطبراني في الكبير، وضعفه بأبي بكر بن أبي مريم. وقد رواه البخاري في تاريخه (٨٤/ ٢١٣) موقوفًا على عبيدة الأملوكي، ورواه أيضًا كذلك البيهقي في الشعب برقم (٢٠٠٨، ٢٠٠٩).
[ ١ / ٨٤ ]
ثم قال أبو عبيد: قوله: "تغنوه": يعني: اجعلوه غناءكم من الفقر، ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا. وقوله: "وتَقَنَّوه"، يقول: اقتنوه، كما تقتنون الأموال واجعلوه مالكم.
وقال أبو عبيد: حدثني هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ قال: "لله أشد أذَنًا [¬١] إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته" (^٢٤٠).
قال أبو عبيد: هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده يقول: عن إسماعيل بن عبيد الله، عن مولى فضالة عن فضالة وهكذا رواه ابن ماجة، عن راشد بن سعيد بن أبي راشد، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة، عن النبي ﷺ: "لله أشد أَذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته" (^٢٤١). قال أبو عبيد: يعني: الاستماع. وقوله في الحديث الآخر: "ما أذن الله لشيء" أي: ما استمع.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن ابن أبي مُلَيكة، حدثنا القاسم بن محمد، حدثنا السائب قال: قال لي سعد: يا بن أخي، هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم. قال: غن به، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غنوا بالقرآن، ليس منا من لم يغن بالقرآن، وابكوا، فإن لم تقدووا على البكاء فتباكوا" (^٢٤٢).
وقد روى أبو داود من حديث الليث وعمرو بن دينار كلاهما عن عبد الله بن أبي مُلَيكة، عن عبد الله بن أبي نَهِيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من لم يكن بالقرآن" (^٢٤٣).
ورواه ابن ماجة من حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه
_________________
(١) - فضائل القرآن (ص ١٦١ - ١٦٢).
(٢) - تقدم (١٩٥).
(٣) - وفي إسناده محمد بن حميد الرازي وهو متروك.
(٤) - إسناده صحيح، والحديث رواه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القرآن برقم (١٤٦٩، ١٤٧٠)، ورواه أحمد (١٤٧٦). [¬١]- في الفضائل لأبي عبيد: أذانًا.
[ ١ / ٨٥ ]
فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يكن به فليس منا" (^٢٤٤).
وقال أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا سعيد بن حسان المخزومي، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (^٢٤٥). قال وكيع: يعني: يستغنى به.
ورواه أحمد أيضًا عن الحجاج وأبي النضر، كلاهما عن الليث بن سعد، وعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، كلاهما عن عبد الله بن أبي مليكة به. وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده ليس هذا موضعه، والله أعلم.
وقال أبو داود: حدثنا عبد الأعلي بن حماد، حدثنا عبد الجبار بن الورد، قال: سمعت ابن أبي مُلَيكة، يقول: قال عبيد الله بن أبي يزيد: مرّ بنا أبو لُبَابة فاتَّبعناه حتى دخل بيته فدخلنا عليه، فإذا رجل رَثُّ البيت، رَثُّ الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة، فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس في من لم يتغن بالقرآن". قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد، أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت قال: يحسنه ما استطاع. تفرد به أبو داود (^٢٤٦).
فقد فهم من هذا أن السلف، ﵃، إنما فهموا من التغني بالقرآن: أنما هو تحسين الصوت به، وتحزينه، كما قاله الأئمة، ﵏، ويدل على ذلك -أيضًا- ما رواه أبو داود حيث قال:
_________________
(١) - رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: في حسن الصوت بالقرآن، برقم (١٣٣٧) وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٤٣٤): هذا إسناد فيه أبو رافع، واسمه إسماعيل بن رافع، ضعيف متروك، ورواه بتمامه أبو يعلى الموصلي ٦٨٩ - (٢/ ٤٩): حدثنا عمرو الناقد، حدثنا الوليد، حدثنا إسماعيل بن رافع، حدثني ابن أبي مليكة، فذكره، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٦٩) من طريق ابن الهيثم بن موسى، عن الوليد بن مسلم، به، ورواه البيهقي في الكبرى (١٠/ ٢٣١) عن الحاكم به، وفي الشعب (٢٠٥١)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٨٠).
(٢) - إسناده صحيح، والحديث في المسند ١٤٧٦ - (١/ ١٧٢)، والطالسي (٢٠١). ورواه أحمد أيضًا في المسند برقم ١٥١٢، ١٥٤٩ - (١/ ١٧٥، ١٧٩)، ورواه أبو داود (١٤٦٩، ١٤٧٠)، والدارمي (١/ ٢٨٨)، (٢/ ٣٣٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٥٢٢، ١٠/ ٤٦٤)، وعبد الرزاق (٤١٧١)، وعبد بن حميد (١٥١)، وأبو يعلى (٧٤٨)، والطحاوي في المشكل (٢/ ١٢٨)، وابن حبان (١٢٠ إحسان)، والحاكم (١/ ٥٦٩)، والبيهقي (١٠/ ٢٣٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (١١٩٤، ١٢٠٢).
(٣) إسناده حسن، ورواه أبو داود في الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة، برقم (١٤٧١)، وابن أبي عاصم ١٩٠٣ - (٣/ ٤٥٠)، والطحاوي (٢/ ١٢٨)، والطبراني ٥/ ٢٤ - (٤٥١٤)، والبيهقي (٢/ ٥٤) (١٠/ ٢٣٠)، وعبد الجبار بن الورد: صدوق يهم.
[ ١ / ٨٦ ]
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عَوْسَجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: "زينوا القرآن بأصوتكم" (^٢٤٧).
وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث شعبة، عن طلحة وهو ابن مصرف، به (^٢٤٨).
_________________
(١) - أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: استحباب الترتيل في القراءة حديث (١٤٦٨)، والنسائي في كتاب الصلاة، باب: تزيين القرآن بالصوت (٢/ ١٧٩)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٥١، ٢٥٠) وذكره معلقًا في "الصحيح" (٧٥٤٤)، والحاكم في "مستدركه" (١/ ٥٧١)، والبيهقي في "الكبرى" (٢/ ٥٣)، (١٠/ ٢٢٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٧/ ١٥٣) في كتاب فضائل القرآن، ورواه أحمد (١٨٥٤٥، ١٨٦٧٠، ١٨٧٦٣) من طرق عن الأعمش، به، وقد صرح الأعمش بالسماع عند البخاري في المصدر المتقدم. والحديث أخرجه أيضًا النسائي (٢/ ١٧٩ - ١٨٠)، وابن ماجه في كتاب (قامة الصلاة والسنة فيها، باب: في حسن الصوت بالقرآن حديث (١٣٤٢)، والدارمي (٣٥٠٣) (٢/ ٣٤٠)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٥٢، ٢٥٣، ٢٥٤)، والطيالسي في "مسنده" (٧٣٨)، وابن حبان حديث (٧٤٩)، والحاكم في "مستدركه" (١/ ٥٧١، ٥٧٥)، والبيهقي في "الكبرى" (٢/ ٥٣) (١٠/ ٢٢٩). كلهم من طرق عن طلحة بن مصرف، به. ووقع عند النسائي والبخاري والطيالسي: قال عبد الرحمن بن عوسجة: وكنت أنسيت: "زينوا القرآن بأصواتكم" حتى ذكرنيه الضحاك بن مزاحم. وقال الحاكم (١/ ٥٧٣): وقد حدث بهذا الحديث جماعة عن شعبة، عن طلحة الحديث بطوله، ولم يذكر هذه اللفظة: "كنت نسيت" غيرُ يحيى بن سعيد، ومعاذ العنبري. وقد روى هذا الحديث جم غفير عن طلحة بن مصرف، ذكرهم أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٧)، فراجعه إن شكت. وقد توبع طلحة بن مصرف على هذا الحديث كما قال الحاكم (١/ ٥٧٥) وجدنا لطحة بن مصرف متابعين في روايته عن عبد الرحمن بن عوسجة، وهما الحكم بن عتيبة، وزيد بن الحارث. وله متابعة ثالثة أخرجها أبو يعلى في "مسنده" (١٦٨٦) (٣/ ٢٤٥) من طريق عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، عن عبد الرحمن بن عوسجة به، لكن الحكم هذا مختلف فيه. وللحديث شواهد عن عدد من الصحابة كما قال الحافظُ ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ٥١٩): وفي الباب عن أبي هريرة: أخرجه ابن حبان في "صحيحه". وعن ابن عباس: أخرجه الدارقطني في الأفراد بسند حسن. وعن عبد الرحمن بن عوف: أخرجه البزار بسند ضعيف. وعن ابن مسعود: وقع لنا في الأول من فوائد عثمان بن السماك، ولكنه موقوف. قال ابن بطال: المراد بقوله: "زينوا القرآن بأصوتكم" المد والترتيل والمهارة في القرآن جودة التلاوة بجودة الحفظ فلا يتلعثم ولا يتشكك، وتكون قرابه سهلة بتيسير الله تعالى، كما يسره على الكرام البررة. ا. هـ.
(٢) - النسائي في الافتتاح، باب: تزين القرآن بالصوت ١٠١٦ - (٢/ ١٧٩)، وابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: حسن الصوت بالقرآن برقم (١٣٤٢).
[ ١ / ٨٧ ]
وأخرجه النسائي من طرق أخر عن طلحة (^٢٤٩)، وهذا إسناد جيد.
وقد وثق النسائي، وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا، ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه (^٢٥٠).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: "زينوا القرآن بأصواتكم" قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى، أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به (^٢٥١).
قلت: ثم إن شعبة ﵀ روى الحديث متوكلا على الله، كما رُوي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها على غير محاملها الشرعية المرادة، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه وتحزينه والتخشع به، كما رواه الحافظ الكبير بَقِيّ بن مَخْلَد ﵀، حيث قال: حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه قال: قال لي رسول الله ﷺ: "لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحه". قلت: أما والله لو علمت أنك تستمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرا.
ورواه مسلم من حديث طلحة به وزاد: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" (^٢٥٢).
وسيأتي هذا في بابه حيث يذكره البخاري، والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تستمع لحبّرته لك تحبيرا، فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى كما قال، ﵇، قد أعطى صوتًا حسنا كما سنذكره إن شاء الله، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن الموصوفة، فدل على أن هذا من الأمور الشرعية.
قال أبو عبيد (^٢٥٣): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن
_________________
(١) - النسائي ١٠١٥ - (٢/ ١٧٩).
(٢) - وانظر تهذيب التهذيب (٢/ ٥٤٠ ط الرسالة).
(٣) - فضائل القرآن (ص ١٦٧).
(٤) - رواه مسلم في صلاة المسافرين برقم ٢٣٥، ٢٣٦ - (٧٩٣).
(٥) - فضائل القرآن (ص ١٦٣)، ورواه الدارمي (٢/ ٣٣٩)، وابن سعد (٦/ ١٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨)، والطحاوي في المشكل (٢/ ١٦١)، وعبد الرزاق (٢/ ٤١٧٩، ٤١٨٠، ٤١٨١) =
[ ١ / ٨٨ ]
أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده.
وقال أبو عبيد: وحدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا سليمان التيمي، أنبئت عنه، حدثنا أبو عثمان النهدي قال: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنجٍ قط، ولا بربطٍ قط، ولا شيئًا قط أحسن من صوته (^٢٥٤).
وقال ابن ماجة (^٢٥٥): حدثنا العباس بن عبد الرحمن الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني حنطة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت: أبطأت على رسول الله ﷺ ليلة بعد العشاء، ثم جئت فقال: "أين كنت؟ " قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام فقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إليّ فقال: "هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا". إسناد جيد.
وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتًا أو قال: قراءة منه. وفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (^٢٥٦)، خلت أن فؤادى قد انصدع (^٢٥٧). وكان جبير لما سمع هذا بعدُ مشركًا على دين قومه، وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر! وكان هذا سبب هدايته ولهذا كان أحسن القراءة ما كان عن خشوع القلب.
_________________
(١) = وابن حبان (٢٢٦٤). وهو منقطع بين أبي سلمة، وعمر وكذلك لم يسمع من أبي موسى.
(٢) - فضائل القرآن (ص ١٦٣)، وابن سعد في الطبقات (٨/ ١٠٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٥٨)، والبخاري في خلق أفعال العباد (٢٩١)، وأورده الحافظ ابن حجر في الفتح وقال: (٩/ ٩٣): "سنده صحيح".
(٣) - رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: حسن الصوت بالقرآن، برقم (١٣٣٨). وقال في الزوائد (١/ ٤٣٥): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦) عن عبد الصمد بن علي بن مكرم، عن جعفر بن محمد بن شاكر، عن موسى بن هارون عن الوليد به، ا هـ. ورواه أحمد ٢٥٤٢٧ - (٦/ ١٦٥)، والبزار كما في كشف الأستار ببعضه (٣/ ٢٥٤، ٢٥٥ / رقم: ٢٦٩٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٣٧١)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٠) وعزاه للبزار وقال: "ورجاله رجال الصحيح". وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. كذا قال، وعبد الرحمن بن سابط لم يخرج له البخاري شيئًا.
(٤) -[الطور: ٣٥].
(٥) - رواه البخاري في الأذان، باب: الجهر في المغرب برقم (٧٦٥)، وانظر (٤٨٥٤)، ومسلم في الصلاة برقم ١٧٤ - (٤٦٣).
[ ١ / ٨٩ ]
كما قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله (^٢٥٨).
وحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله.
وحدثنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، وعن الحسن بن مسلم، عن طاوس قال: سئل رسول الله ﷺ: أي الناس أحسن صوتًا بالقرآن؟ فقال: "الذي إذا سمعته رأيته يخشى الله" (^٢٥٩).
وقد روي هذا متصلا من وجه آخر، فقال ابن ماجة (^٢٦٠):
حدثنا بشر بن معاذ الضرير، حدثنا عبد الله بن جعفر المديني، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن من أحسن الناس صوتًا بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله"، ولكن عبد الله بن جعفر هذا، وهو والد علي بن المديني، وشيخه ضعيفان، والله أعلم.
والغرض أن المطلوب شرعًا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة، فأما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان والأوضاع الملهية والقانون الموسيقائي، فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب، وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك، كما قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام، ﵀ (^٢٦١):
_________________
(١) - فضائل القرآن (ص ١٦٥).
(٢) - فضائل القرآن (ص ١٦٥). ورواه الدارمي ٣٤٩٢ - (٢/ ٣٣٨).
(٣) - إسناده ضعيف، والحديث رواه ابن ماجة في إقامة الصلاة، باب: حسن الصوت بالقرآن، برقم (١٣٣٩)، ورواه الآجري في أخلاق حملة القرآن (٨٣)، وأورده البوصيري في الزوائد (١/ ٤٣٥) وقال: هذا إسناد ضعيف لضعف إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وعبد الله بن جعفر.
(٤) - فضائل القرآن (ص ١٦٥)، والحديث رواه الطبراني في الأوسط ٧٢٢٥ - (٧/ ١٨٣) وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث عن حذيفة إلا بهذا الإسناد، تفرد به بقية، ورواه البيهقي في الشعب (٢٦٤٩، ٢٦٥٠) من طريق أبي حصين الفزاري، عن أبي محمد، عن حذيفة، وقال ابن الجوزي في العلل (١/ ١١١): هذا حديث لا يصح. وأبو محمد مجهول، وبقية يروي عن الضعفاء ويدلسهم. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٩) وقال: فيه راوٍ لم يسم، وقال الذهبي في ترجمة حصين بن مالك في الميزان (١/ ٥٥٣): "تفرد عنه بقية، ليس بمعتمد، والخبر منكر". وقال في تلخيص العلل: تفرد به بقية، عن حصين بن مالك الفزاري، عن أبي محمد -مجهول- عن حذيفة مرفوعًا. وحصين ليس بعمدة.
[ ١ / ٩٠ ]
حدثنا نعيم بن حماد، عن بَقِيَّة بن الوليد، عن حصين بن مالك الفزاري: سمعت شيخًا يكنى أبا محمَّد يحدث عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: "اقرءوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون بالقرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم".
وحدثنا يزيد، عن شريك، عن أبي اليقظان عثمان بن عمير، عن زاذان أبي عمر، عن عليم قال: كنا على سطح ومعنا رجل من أصحاب النبي ﷺ قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: عابس الغفاري- فرأى الناس يخرجون في الطاعون فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: يفرون من الطاعون، فقال: يا طاعون خذني، فقالوا: تتمنى الموت وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتمنين أحدكم الموت"؟ فقال: إني أبادر خصالا سمعت رسول الله ﷺ يتخوفهن على أمته: "بيع الحكم، والاستخفاف بالدم، وقطيعة الرحم، وقوم يتخذون القرآن مزامير يقدمون أحدهم ليس بأفقههم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناءً" وذكر خلتين أخرتين (^٢٦٢).
_________________
(١) - صحيح- إسناده ضعيف، والحديث في فضائل القرآن (ص ١٦٦)، وعثمان بن عمير أبي حميد بن قيس البجلي: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أبي: عثمان بن عمير: أبو اليقظان، ويقال: عثمان بن قيس ضعيف الحديث، كان ابن مهدي ترك حديثه، وقال عمرو بن علي: لم يرضى يحيى ولا عبد الرحمن أبا اليقظان، وقال الدوري عن ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن أبي حاتم: ثنا أبي سألت محمَّد بن عبد الله بن نمير، عن عثمان بن عمير فضعفه، قال: وسألت أبي عنه فقال: ضعيف الحديث، منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك. وقال الحاكم عن الدارقطني: زائغ لا يحتج به. وأما عُليم الكوفي: فقد قال ابن حجر في التعجيل: وقال ابن حبان في ثقات التابعين عُليم الكندي روى عن سلمان الفارسي، ﵁، روى عنه زاذان. والحديث رواه أحمد ١٦٠٨٧ - (٣/ ٤٩٤ - ٤٩)، ورواه الطبراني في الكبير (١٨/ ٣٤) حديث (٦١)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٤٨): رواه أحمد والطبراني في الأوسط والكبير نحوه؛ إلا أنه قال: عن عابس الغفاري … ا هـ. وفي إسناد أحمد عثمان بن عمير البجلي، وهو ضعيف وأحد إسنادي الكبير رجاله رجال الصحيح. وقال في (٤/ ٢٠٢): رواه الطبراني في الأوسط وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف. ا هـ. وأخرجه: الإمام البخاري في تاريخه (٧/ ٨٠) معلقًا من وجهين، ورواه الطبراني (١٨/ ٣٤ - ٣٦) حديث (٥٨، ٥٩، ٦٠)، والبزار كما في كشف الأستار حديث (١٦١٠)، من طرف ليث بن أبي سليم، عن أبي اليقظان، عن عثمان بن عمير، عن زاذان قال: كنا مع عابس … فذكره. ورواه الطبراني (١٨/ ٣٤) حديث ٥٧، وفي الأوسط (٣/ ٣١٨) رقم (٨٧٣٦) من حديث يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن عابس الغفاري نحوه، وصححه بطرقه الألباني في السلسلة الصحيحة (٢/ ٧٠٩) حديث (٩٧٩) وقال: أشار إلى صحته الحافظ في ترجمة الحكم من الإصابة وهو حري بذلك لطرقه التي ذكرنا.
[ ١ / ٩١ ]
وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن ليث بن أبي سليم، عن عثمان بن عمير، عن زاذان، عن عابس الغفاري، عن النبي ﷺ مثل ذلك أو نحوه (^٢٦٣).
وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن الأعمش، عن رجل، عن أنس بن مالك: أنه سمع رجلًا يقرأ القرآن بهذه الألحان التي أحدث الناس، فأنكر ذلك ونهى عنه (^٢٦٤).
هذه طرق حسنة في باب الترهيب، وهذا يدل على أنه محذور كبير، وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، وقد نص الأئمة، ﵏، على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا، فقد اتفق العلماء على تحريمه، والله أعلم.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمَّد بن معمر، حدثنا روح، حدثنا عبيد الله بن الأخنس، عن ابن أبيِ مُلَيكة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن" (^٢٦٥).
ثم قال: وإنما ذكرناه لأنهم اختلفوا على ابن أبي مليكة فيه، فرواه ابن عبد الجبار بن الورد عنه عن أبي لبابة، ورواه عمرو بن دينار والليث عنه عن ابن أبي نَهِيك عن سعد، ورواه عِسْلُ بن سفيان عنه، عن عائشة (^٢٦٦).
_________________
(١) - فضائل القرآن (ص ١٦٦)، والبخاري في تاريخه (٤/ ١ / ٨)، والبيهقي (٢٤٠٩)، والطبراني (١٨/ ٥٨ - ٥٩)، وفي الأوسط (٦٨٩)، ورواه الخرائطي في مساوئ الأخلاق (٢٧٧)، وقال الهيثمي (٥/ ٢٤٥) ورجاله رجال الصحيح.
(٢) - فضائل القرآن (ص ١٦٦ - ١٦٧)، ورواه الدارمي (٢/ ٣٤٠)، وابن نصر في قيام الليل (٢٣٧).
(٣) - مختصر زوائد البزار برقم (١٥٧٤)، وكشف الأستار (٢٣٣٢)، وأخرجه الطبراني في الكبير ١١٢٣٩ - (١١/ ١٢١)، والبخاري في التاريخ الكبير (٣/ ١ / ٤٠١) معلقًا، ووصله الحاكم (١/ ٥٧٠)، والقضاعي في مسند الشهاب (١٢٠٠)، وقال البزار: إنما ذكرنا هذا لنبين الاختلاف على ابن أبي مليكة فيه، فرواه عمرو بن دينار والليث عنه، عن ابن أبي نهيك، عن سعد. ورواه نافع بن عمر، عنه، عن ابن الزبير، ورواه عسل عنه، عن عائشة، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠) وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح.
(٤) - مختصر زوائد البزار برقم (١٥٧٥، ١٥٧٦)، وكشف الأستار (٢٣٣٤)، ورواه البخاري في تاريخه (٣/ ١ / ٤٠١)، وأبو يعلى (٨/ ٤٧٥٥)، وابن عدي (٥/ ٢٠١٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٧٠) وقال الحاكم: "إسناده شاذ". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٠) وقال: فيه أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف. وأورده في (٢/ ٢٦٧) وقال: فيه عسل بن سفيان، وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ ويخالف، وضعفه جمهور الأئمة وقال البزار: لا نعلم أسند شعبة عن عسل إلا هذا، ولا رواه عن شعبة إلا معاذ بن معاذ وروح.
[ ١ / ٩٢ ]
ورواه [نافع مولى ابن عمر] عنه، عن ابن الزبير (^٢٦٧).