القراء من أصحاب النبي ﷺ
حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق: ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود، فقال: لا أزال أحبه، سمعت رسول الله يقول: "خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب"، ﵃ (^١٨٥).
وقد أخرجه البخاري في المناقب في غير موضع، ومسلم والنسائي من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة به (^١٨٦).
وأخرجاه والترمذي والنسائي -أيضًا- من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق به (^١٨٧).
فهؤلاء الأربعة اثنان من المهاجرين الأولين عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي ﷺ في المدينة، واثنان من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبيّ بن كعب، وهما سيدان كبيران، ﵃ أجمعين.
ثم قال: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من في رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون، فما سعت رادًّا يقول غير ذلك (^١٨٨).
حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا بحمص، فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال: قرأت على رسول
_________________
(١) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٤٩٩٩).
(٢) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٤٩٩٩)، وانظر (٣٨٠٦، ٣٨٠٨، ٣٧٥٨، ٣٧٦٠)، ومسلم في فضائل الصحابة برقم ١١٦ - (٢٤٦٤)، والنسائي في الكبرى برقم (٧٩٩٦).
(٣) - البخاري برقم (٣٧٦٠)، ومسلم في فضائل الصحابة برقم ١١٧ - (٢٤٦٤)، والترمذي في المناقب، باب: مناقب عبد الله بن مسعود برقم (٣٨١٠)، والنسائي في الكبرى برقم (٧٩٩٧).
(٤) - صحيح البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٠).
[ ١ / ٧١ ]
الله ﷺ فقال: "أحسنت" ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجترئ أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟! فجلده الحد (^١٨٩).
حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني [بكتاب الله] [¬١] تبلغه الإبل لركبت إليه (^١٩٠).
وهذا كله حق وصدق، وهو من إخبار الرجل بما يعلم من نفسه مما قد يجهله غيره، فيجوز ذلك للحاجة، كما قال تعالى إخبارا عن يوسف لما قال لصاحب مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]، ويكفيه مدحا وثناء قول رسول الله ﷺ: "استقرئوا القرآن من أربعة"، فبدأ به.
وقال أبو عبيد: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًّا (^١٩١) كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" (^١٩٢).
وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، به مطولا، وفيه قصة.
وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي معاوية به وصححه الدارقطني، وقد ذكرته في مسند عمر (^١٩٣).
_________________
(١) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠١).
(٢) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٢).
(٣) - قال ابن الأثير: الغض: الطري الذي لم يتغير؛ أراد طريقته في القراءة، وهيئته فيها. وقيل: أراد الآيات التي سمعها منه، من أول سورة النساء إلى قوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ النهاية (٣/ ٣٧١).
(٤) - فضائل القرآن (ص ٣٧٢)، والحاكم (٢/ ٢٢٧) (٣/ ٣١٨)، وأحمد في المسند (١/ ٢٥، ٢٦)، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء من الرخصة في السمر بعد العشاء برقم (١٦٩)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٢٥٦).
(٥) - مسند عمر بن الخطاب ﵁ للمؤلف (ص ١٧١ - ١٧٣) وقال: "وهذا الحديث لا يشك أنه محفوظ، وهذا الاضطراب لا يضر صحته، والله أعلم". [¬١]- زيادة عن البخاري.
[ ١ / ٧٢ ]
وفي مسند الإمام أحمد -أيضًا- عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ومن أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد" (^١٩٤)، وابن أم عبد هو عبد الله بن مسعود، وكان يعرف بذلك.
ثم قال البخاري (^١٩٥): حدثنا حفص بن عمر، حدثنا همام، حدثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: أربعة، كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. ورواه مسلم من حديث همام.
ثم قال البخاري: تابعه الفضل، عن حسين بن واقد، عن ثمامة، عن أنس بن مالك.
حدثنا معلى بن أسد، حدثنا عبد الله بن المثنى قال: حدثني ثابت البناني وثمامة عن أنس بن مالك قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. قال: ونحن ورثناه (^١٩٦).
فهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط، وليس هذا هكذا، بل الذي لا شك فيه أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضًا، ولعل مراده: لم يجمع القرآن من الأنصار؛ ولهذا ذكر الأربعة من الأنصار، وهم أبي بن كعب في الرواية الأولى المتفق عليها وفي الثانية من أفراد البخاري: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، وكلهم مشهورون إلا أبا زيد هذا، فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، وقد اختلف في اسمه فقال الواقدي: اسمه قيس بن السكن بن قيس بن زعورا بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار (^١٩٧).
وقال ابن نمير: اسمه سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أمية من الأوس. وقيل: هما اثنان جمعا القرآن، حكاه أبو عمر بن عبد البر، وهذا بعيد وقول الواقدي أصح لأنه
_________________
(١) - رواه أحمد في المسند (٢/ ٤٤٦)، وفي فضائل الصحابة (١٥٣٧)، وأبو يعلى (٦١٠٦)، والعقيلي (١/ ١٩٧ - ١٩٨)، والبزار (٣/ ٢٦٨٢)، وقال البزار: جرير ليس بالحافظ، وتركه النسائي، وضعفه ابن السكن، وقال أبو حاتم والبخاري: منكر الحديث.
(٢) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٣)، ومسلم في فضائل الصحابة، برقم ١١٦ - (٢٤٦٥).
(٣) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله، ﷺ، برقم (٥٠٠٤).
(٤) - انظر: أسد الغابة (٦/ ١٢٠)، والإصابة (٣/ ٢٤٠).
[ ١ / ٧٣ ]
خزرجي؛ لأن أنسًا قال: ونحن ورثناه، وهم من الخزرج، وفي بعض ألفاظه: وكان أحد عمومتي.
وقال قتادة عن أنس (^١٩٨) قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبُرُ عاصم بن ثابت، ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت.
فقالت الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
فهذا كله يدل على صحة قول الواقدي، وقد شهد أبو زيد هذا بدرًا، فيما ذكره غير واحد.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: قتل أبو زيد قيس بن السكن يوم جسر أبي عبيدة على رأس خمس عشرة سنة من الهجرة، والدليل على أن من المهاجرين من جمع القرآن أن الصديق، ﵁، قدّمه رسول الله ﷺ في مرضه إمامًا علي المهاجرين والأنصار، مع أنه ﷺ قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (^١٩٩)، فلولا أنه كان اقرأهم لكتاب الله لما قدّمه عليهم. هذا مضمون ما قرره الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وهذا التقرير لا يُدفع ولا يشك فيه، وقد جمع الحافظ ابن السمعاني في ذلك جزءًا، وقد بسطت تقرير ذلك في كتاب مسند الشيخين، ﵄.
ومنهم عثمان بن عفان وقد قرأه في ركعة -كما سنذكره- وعلي بن أبي طالب يقال: إنه جمعه على ترتيب ما أنزل، وقد قدمنا هذا.
ومنهم عبد الله بن مسعود، وقد تقدم عنه أنه قال: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ وفيم نزلت؟ ولو علمت أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لذهبت إليه.
ومنهم سالم مولى أبي حذيفة، كان من السادات النجباء والأئمة الأتقياء وقد قتل يوم اليمامة شهيدًا.
ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم رسول الله ﷺ وترجمان القرآن، وقد تقدم عن مجاهد أنه قال: قرأت القرآن على ابن عباس مرتين، أقفه عند كل آية وأسأله عنها.
_________________
(١) - رواه أبو يعلى (٥/ ٢٩٥٣)، والبزار (٣/ ٢٨٠٢)، والطبراني (٤/ ٣٤٨٨)، وقال الهيثمي (١٠/ ٤١): رجاله رجال الصحيح.
(٢) - رواه مسلم في صحيحه برقم (٦٧٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري، وقد تقدم.
[ ١ / ٧٤ ]
ومنهم عبد الله بن عمرو، كما رواه النسائي وابن ماجة من حديث ابن جريج عن عبد الله بن أبي مُلَيْكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "اقرأه في شهر". وذكر تمام الحديث (^٢٠٠).
ثم قال البخاري: حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأبيّ أقرؤنا، وإنا لَنَدع من لحنِ أبيٍّ، وأبيّ يقول: أخذته من في رسول الله ﷺ، فلا أتركه لشيء قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (^٢٠١).
وهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشيء يظنه صوابًا وهو خطأ في نفس الأمر؛ ولهذا قال الإمام مالك: ما من أحد إلا يؤخذ من قوله وورد إلا قول صاحب هذا القبر، أي: فكله مقبول، صلوات الله وسلامه عليه. ثم ذكر البخاري فضل فاتحة الكتاب وغيرها، وسنذكر فضل كل سورة عندها ليكون ذلك أنسب. ثم قال:
نزول السكينة والملائكة عند القراءة
وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن الحضير قال: بينا هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما وراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: "اقرأ يا بن حضير، اقرأ يا بن حضير". قال فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظُّلَّة، فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها قال: "أو تدري ما ذاك؟ " قال: لا، قال: "تلك الملائكة دَنَتْ لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم". قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب عن أبي سعيد الخدري عن
_________________
(١) - رواه النسائي في الكبرى برقم (٨٠٦٤)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: في كم يستحب يختم القرآن برقم (١٣٤٦)، وأحمد (٢/ ١٦٣)، وعبد الرزاق (٥٩٥٦)، وابن حبان (٧٥٦، ٧٥٧ إحسان)، والفريابي في الفضائل (١٢٧)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٢٨٥). ويحيى بن حكيم بن صفوان: قال في التقريب: مقبول -أي عند المتابعة -.
(٢) - البخاري في فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله ﷺ برقم (٥٠٠٥).
[ ١ / ٧٥ ]
أسيد بن الحضير (^٢٠٢).
هكذا أورد البخاري هذا الحديث معلقًا، وفيه انقطاع في الرواية الأولى، فإن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني تابعي صغير لم يدرك أسيدًا لأنه مات سنة عشرين، وصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ﵄. ثم فيه غرابة من حيث إنه قال: وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد ولم أره بسند متصل عن الليث كذلك، إلا ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف أن يحيى بن عبد الله بن بكير رواه عن الليث كذلك.
وقد رواه الإمام أبو عبيد في فضائل القرآن فقال (^٢٠٣): وحدثنا عبد الله بن صالح ويحيى بن بُكير، عن الليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أسيد بن حضير، فذكر الحديث إلى آخره، ثم قال: قال ابن الهاد: وحدثني عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد بن حضير بهذا.
وقد رواه النسائي في فضائل القرآن (^٢٠٤)، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، وعن علي بن محمد بن علي، عن داود بن منصور، كلاهما عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله، وهو ابن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، عن أسيد، به.
ورواه يحيى بن بكير (^٢٠٥)، عن الليث كذلك أيضًا، فجمع بين الإسنادين.
ورواه في المناقب عن أحمد بن سعيد الرباطي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبه، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد، أن أسيد بن حضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده، الحديث (^٢٠٦). ولم يقل: عن أسيد، ولكن ظاهره أنه عنه، والله أعلم.
وقال أبو عبيد (^٢٠٧): حدثني عبد الله بن صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أسيد بن حضير: أنه كان على ظهر بيته يقرأ القرآن وهو حسن الصوت، ثم ذكر مثل هذا الحديث أو نحوه.
_________________
(١) - البخاري في فضائل القرآن، باب: نزول السكينة والرحمة برقم (٥٠١٨).
(٢) - فضائل القرآن (ص ٦٣، ٦٤)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٨٤)، ورواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني برقم ١٩٢٨، ١٩٢٩ - (٣/ ٤٦٨ - ٤٦٩)، والطبراني في الكبير برقم ٥٦١ - (١/ ١٦٧).
(٣) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٧٤).
(٤) - سنن النسائي الكبرى برقم (٨٢٤٤).
(٥) - ورواه مسلم ٢٤٢ - (٨٩٦)، وأحمد (٣/ ٨١).
(٦) - فضائل القرآن (ص ٦٤، ٦٥)، ورواه البخاري في تاريخه (٣/ ٣١٣ / ١)، والحاكم (١/ ٥٥٣ - ٥٥٤).
[ ١ / ٧٦ ]
وحدثنا قبيصة (^٢٠٨)، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير قال: قلت: يا رسول الله، بينا أنا أقرأ البارحة بسورة، فلما انتهيت إلى آخرها سمعت وجبة من خلفي، حتى ظننت أن فرسي تطلق، فقال رسول الله ﷺ: "اقرأ أبا عتيك" مرتين قال: فالتفت إلى أمثال المصابيح ملء بين السماء والأرض، فقال رسول الله ﷺ: "اقرأ أبا عتيك". فقال: والله ما استطعت أن أمضي فقال: "تلك الملائكة تنزلت لقراءة القرآن، أما إنك لو مضيت لرأيت الأعاجيب".
وقال أبو داود الطالسي: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع البراء يقول: بينما رجل يقرأ سورة الكهف ليلة إذ رأى دابته تركض، أو قال: فرسه يركض، فنظر فإذا مثل الضبابة أو مثل الغمامة، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "تلك السكينة تنزلت للقرآن، أو تنزلت على القرآن" (^٢٠٩).
وقد أخرجه صاحبا الصحيح من حديث شعبة (^٢١٠). والظاهر أن هذا هو أسيد بن الحضير، ﵁، فهذا مما يتعلق بصناعة الإسناد، وهذا من أغرب تعليقات البخاري، ﵀، ثم سياقه ظاهر فيما ترجم عليه من نزول السكينة والملائكة عند القراءة.
وقد اتفق نحو هذا الذي وقع لأسيد بن الحضير لثابت بن قيس بن شماس كما قال أبو عبيد:
حدثنا عباد بن عباد عن جرير بن حازم، عن عمه جرير بن زيد، أن أشياخ أهل المدينة حدثوه: أن رسول الله ﷺ قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصاييح؟ قال: "فلعله قرأ سورة البقرة". قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة (^٢١١).
وفي الحديث المشهور الصحيح: "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه فيما بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" رواه مسلم عن أبي هريرة (^٢١٢).
_________________
(١) - فضائل القرآن (ص ٦٥)، ورواه ابن حبان (١٧١٦)، وابن أبي عاصم ١٩٣٠ - (٣/ ٤٦٩)، والدولابي (١/ ٨٣)، والطبراني (٥٦٦)، والحاكم (١/ ٥٥٤)، والبيهقي (١٨٢٤).
(٢) - مسند الطالسي برقم (٧١٤)، ورواه مسلم ٢٤١ - (٧٩٥)، والترمذي (٢٨٨٥)، وأبو نعيم في الحلية (٤/ ٣٤٢)، والبيهقي في الدلائل (٧/ ٨٣).
(٣) - البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة برقم (٣٦١٤)، ومسلم في صلاة المسافرين برقم ٢٤٠ - (٧٩٥).
(٤) - فضائل القرآن (ص ٦٥ - ٦٦).
(٥) - مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار برقم ٣٨ - (٢٦٩٩).
[ ١ / ٧٧ ]
ولهذا قال الله ﵎: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وجاء في بعض التفاسير: أن الملائكة تشهده.
وقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون" (^٢١٣).
من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. قال: ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين.
تفرد به البخاري (^٢١٤)، ومعناه: أنه، ﵇، ما ترك مالًا ولا شيئًا يورث عنه، كما قال عمرو بن الحارث أخو جويرية بنت الحارث: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا (^٢١٥).
وفي حديث أبي الدرداء: "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" (^٢١٦).
_________________
(١) - رواه البخاري في مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر برقم (٥٥٥)، ومسلم في المساجد برقم ٢١٠ - (٦٣٢).
(٢) - رواه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: من قال: لم يترك النبي، ﷺ، إلا ما بين الدفتين برقم (٥٠١٩).
(٣) - رواه البخاري في الوصايا من صحيحه، باب: الوصايا … وفي كتاب المغازي، باب: مرض النبي ﷺ ووفاته برقم (٢٧٣٩، ٤٤٦١).
(٤) - رواه أبو داود في كتاب العلم، باب: الحث على طلب العلم برقم (٣٦٤١)، والترمذي في العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة (٢٦٨٣)، وابن ماجة في المقدمة برقم (٢٢٣)، وابن حبان في صحيحه برقم (٨٠ موارد). من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدرداء، به في حديث طويل. إلا أن الترمذي لم يذكر داود بن جميل- وقال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة، وليس هو عندي بمتصل هكذا. وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة، عن داود بن جميل، عن كثير بن قيس، عن أبي الدرداء عن النبي، ﷺ. =
[ ١ / ٧٨ ]
ولهذا قال ابن عباس: وإنما ترك ما بين الدفتين يعني: القرآن، والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة له، فهي تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [فاطر: ٣٢]، فالأنبياء، ﵈، لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، إنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة" (^٢١٧).
وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق، ﵁، لما سئل عن ميراث النبي ﷺ، فأخبر عنه بذلك، ووافقه على نقله عنه، ﵇، غير واحد من الصحابة؛ منهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن ابن عوف وأبو هريرة وعائشة وغيرهم، وهذا ابن عباس يقول -أيضًا- عنه ﵇، ﵃ أجمعين.