قال ابن عباس: المهيمن: الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله.
حدثنا عبيد اللَّه بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة قال: أخبرتني عائشة وابن عباس؛ قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا (^١).
ذكر البخاري ﵀ -كتاب "فضائل القرآن" بعد كتاب التفسير؛ لأن التفسير أهم فلهذا بدأ به، ونحن قدمنا الفضائل قبل التفسير وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها ليكون ذلك باعثًا على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه، واللَّه المستعان.
وقول ابن عباس في تفسير المهيمن إنما يريد به البخاري قوله تعالى في المائدة بعد ذكر التوراة والإنجيل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ (^٢).
قال الإمام أبو جعفر بن جرير، ﵀: حدثنا المثنى، حدثنا عبد اللَّه بن صالِح، حدثني معاوية، عن علي -يعني: ابن أبي طلحة- عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ قال: المهيمن: الأمين. قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله (^٣).
وفي رواية: شهيدًا عليه (^٤).
وقال سفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عن ألي إسحاق السبيعي، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾ قال: مؤتمنًا [¬١] (^٥).
_________________
(١) - رواه البخاري في فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي، وأول ما نزل برقم (٤٩٧٩، ٤٩٧٨). ورواه أيضًا في المغازي، باب: وفاة النبي، ﷺ، برقم (٤٤٦٤، ٤٤٦٥).
(٢) -[المائدة: ٤٨].
(٣) - تفسير ابن جرير ١٢١١٤ - (١٠/ ٣٧٩).
(٤) - تفسير ابن جرير ١٢١٠٤ - (١٠/ ٣٧٧).
(٥) - رواه ابن جرير في تفسيره برقم ١٢١٠٧: ١٢١١٣ - (١٠/ ٣٧٨)، والتميمي -وفي بعض الروايات: رجل من تميم- هو أربدة التميمي: راوى التفسير عن ابن عباس، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وحده، فيما ذكر غير واحد، وقد روى السندي بن عبدويه، عن عمرو بن أبي قيس، = [¬١]- في تفسير ابن جرير: مؤتمنًا عليه.
[ ١ / ٢١ ]
وبنحو ذلك قال مجاهد والسدي وقتادة وابن جريج والحسن البصري وغير واحد من أئمة السلف.
وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال إذا رَقَب الرجل الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلان عليه، فهو يهيمن هيمنة وهو عليه مهيمن، وفي أسماء اللَّه تعالى: ﴿المهيمن﴾ (^٦)، وهو الشهيد على كل شيء، والرقيب: الحفيظ بكل شيء.
وأما الحديث الذي أسنده البخاري: أنه ﵇، أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا، فهو مما انفرد به البخاري دون مسلم، وإنما رواه النسائي من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن، عن يحيى وهو ابن أبي كثير، عن أبي سلمة عنهما (^٧).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يزيد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلي السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ (^٨) هذا إسناد صحيح (^٩).
أما إقامته بالمدينة عشرًا فهذا مما لا خلاف فيه، وأما إقامته بمكة بعد النبوة فالمشهور ثلاث عشرة سنة؛ لأنه، ﵊، أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح، ويحتمل أنه حذف ما زاد على العشرة اختصارًا في الكلام؛ لأن العرب
_________________
(١) = عن مطرف بن طريف، عن المنهال بن عمرو، عن التميمي، عن ابن عباس قال: كنا نتحدث أن النبي، ﷺ، عهد إلى علي سبعين عهدًا، لم يعهدها إلى غيره، رواه الطبراني في معجمه عن محمد بن سهل بن الصباح، عن أحمد بن الفرات، عن السندي، وقال: تفرد به السندي، قلت: قرأت بخط الذهبي: هذا حديث منكر، وقال ابن معين، عن أبي أحمد الزبيري: سلت إسرائيل عن اسم التميمي؛ فقال: أربدة، وقال العجلي: تابعي كوفي ثقة، وقال ابن حبان في الثقات: أصله من البصرة، كان يجالس البراء بن عازب، وقال ابن البرقي: مجهول، وذكره البرديجي في أفراد الأسماء، وذكره أبو العرب الصقلي القيرواني في الضعفاء. ا هـ من التهذيب.
(٢) -[الحشر / ٢٣].
(٣) - رواه البخاري برقم (٤٩٧٨، ٤٩٢٩) عن عبيد اللَّه بن موسى، والنسائي في الكبرى برقم (٧٩٧٧). وأحمد (٢٦٩٦) حدثنا حسن بن موسى، ثنا شيبان، فذكره.
(٤) -[الإسراء: ١٠٦].
(٥) - فضائل القرآن (ص ٣٦٧ - ٣٦٨)، ورواه النسائي، وابن أبي شيبة (١٠/ ٥٣٣)، والطبري (١٥/ ١١٩) (٣٠/ ١٦٦)، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٢٢٢) من طرق، عن داود بن أبي هند، به، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٤/ ٢٠٥) لابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي.
[ ١ / ٢٢ ]
كثيرًا ما يحذفون الكسور في كلامهم، أو أنهما إنما اعتبرا قرن جبريل، ﵇، به ﵇. فإنه قد روى الإمام أحمد أنه قرن به، ﵇، ميكائيل في ابتداء الأمر، يلقي إليه الكلمة والشيء، ثم قرن به جبريل.
ووجه مناسبة هذا الحديث بفضائل القرآن: أنه ابتدئ بنزوله في مكان شريف، وهو البلد الحرام، كما أنه كان في زمن شريف وهو شهر رمضان، فاجتمع له شرف الزمان والمكان؛ ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن في شهر رمضان، لأنه ابتدئ نزوله فيه، ولهذا كان جبريل يعارض به رسول اللَّه ﷺ في كل سنة في شهر رمضان، فلما كان في السنة التي توفي فيها عارضه به مرتين تأكيدًا وتثبيتًا.
وأيضًا في هذا الحديث بيان أنه من القرآن مَكِّي ومنه مدني، فالمكي: ما نزل قبل الهجرة، والمدنى: ما نزل بعد الهجرة، سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أي البلاد كان، حتى ولو كان بمكة أو عرفة. وقد أجمعوا على سور أنها من المكي وأخر أنها من المدني، واختلفوا في أخر، وأراد بعضهم ضبط ذلك بضوابط في تقييدها عسر ونظر، ولكن قال بعضهم: كل سورة في أولها شيء من الحروف المقطعة فهي مكية إلا البقرة وآل عمران، كما أن كل سورة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي مدنية وما فيها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا، والغالب أنه مكي. وقد يكون مدنيًّا كما في البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١٠)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (^١١).
قال أبو عبيد (^١٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا من سمع الأعمش يحدث عن إبراهيم بن علقمة: كل شيء في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه أنزل بالمدينة، وما كان ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإنه أنزل بمكة.
ثم قال (^١٣): حدثنا علي بن معبد، عن أبي المُلَيْح، عن ميمون بن مِهْران، قال: ما كان في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ و﴿يَا بَني آدَم﴾ فإنه مكي، وما كان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه مدني.
_________________
(١) -[البقرة: ٢٠].
(٢) -[البقرة: ١٦٨].
(٣) - فضائل القرآن (ص ٣٦٧)، ورواه ابن الضريس في فضائل القرآن أيضًا (٢٦)، وقد رواه البزار (٣/ ٢١٨٦) من حديث قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود؛ وقال: لا نعلمُ أحدًا أعنده إلا قيس، وغيره يرسله. ورواه الحاكم (٣/ ١٨) من طريق الجراح بن مليح الرؤاسي، عن الأعمش، بمثل رواية قيس.
(٤) - فضائل القرآن (ص ٣٦٧).
[ ١ / ٢٣ ]
ومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين، مرة بالمدينة ومرة بمكة، واللَّه أعلم. ومنهم من يستثني من المكي آيات يدعي أنها من المدني، كما في سورة الحج وغيرها.
والحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح، فاللَّه أعلم.
وقال أبو عبيد: حدثنا عبد اللَّه بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين كفروا، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والحواريون، والتغابن، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، و﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾، والفجر، ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ﴾ و﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ وسَائر ذلك بمكة (^١٤).
وهذا إسناد صحيح عن ابن أبي طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير، وقد ذكر في المدني سورًا في كونها مدنية نظر، وفاته الحجرات والمعوذات.
الحديث الثاني:
وقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، عن أبي عثمان قال: أنبئت أن جبريل، ﵇، أتى النبي ﷺ وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، فقال النبي ﷺ: "من هذا؟ " أو كما قال، قالت: هذا دحية الكلبي، فلما قام قالت: واللَّه ما حسبته إلا إياه، حتى سمعت خطة النبي ﷺ يُخبر خبَر جبريل. أو كما قال، قال أبي: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ فقال: من
_________________
(١) - فضائل القرآن (ص ٣٦٥)، ورواه ابن الضريس في فضائله ص (٣٣، ٣٤)، وعلي بن أبي طلحة: واسمه سالم بن المخارق الهاشمي، يكنى أبا الحسن، وقيل غير ذلك، أصله من الجزيرة، وانتقل إلى حمص، ررى عن ابن عباس ولم يسمع منه، بينهما مجاهد، قال الميموني عن أحمد: له أشياء منكرات، وهو من أهل حمص، وقال الآجري عن أبي داود: وهو إن شاء اللَّه مستقيم الحديث، ولكن له رأي سوء، كان هي السيف، وقد رآه حجاج بن محمد، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال صالح بن محمد: روى عنه الكوفيون والشاميون وغيرهم، وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف الحديث منكر، ليس محمود المذهب، وقال في موضع آخر: شامي ليس هو بمتروك ولا هو حجة، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عن ابن عباس ولم يره، وذكر الخطيب أن أحمد بن حنبل قال: إن علي بن أبي طلحة الذي روى عنه الثوري والحسن بن صالح ورآه حجاج الأعور، كوفي، غير الشامي، والصواب أنهما واحد، قال أبو بكر بن عيسى صاحب تاريخ حمص: مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، له عند مسلم حديث واحد، في ذكر العزل، وروى له الباقون حديثًا آخر في الفرائض. ونقل البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح عنه، عن ابن عباس شيئًا كثيرًا في التراجم وغيرها، ولكنه لا يسميه، يقول: قال ابن عباس، أو يذكر عن ابن عباس، ووثقه الحجلي.
[ ١ / ٢٤ ]
أسامة بن زيد.
وهكذا رواه أيضًا في علامات النبوة عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم في فضائل أم سلمة، عن عبد الأعلي بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى كلهم عن معتمر بن سليمان به (^١٥).
والغرض من إيراد هذا الحديث هاهنا أن السفير بين اللَّه وبين محمد ﷺ جبريل ﵇ وهو ملك كريم ذو وجاهة وجلالة ومكانة كما قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (^١٦)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (^١٧) الآيات. فمدح الرب ﵎ عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا ﷺ وسنستقصي الكلام على تفسير هذا الكتاب في موضعه إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وفي الحديث فضيلة عطمة لأم سلمة، ﵂ -كما بينه مسلم ﵀ لرؤيتها لهذا الملك العظيم، وفضيلة أيضًا لدحية بن خليفة الكلبي، وذلك أن جبريل، ﵇، كان كثيرًا ما يأتي رسول اللَّه ﷺ على صورة دحية وكان جميل الصورة، ﵁، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كلهم ينسبون إلى كلب بن وبرة وهم قبيلة من قضاعة، وقضاعة قيل: إنهم من عدنان، وقيل: من قحطان، وقيل: بطن مستقل بنفسه، واللَّه أعلم.
الحديث الثالث: حدثنا عبد اللَّه بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا سعيد المقبري، عن أبييه، عن أبي هرهة، ﵁، قال: قال النبي ﷺ: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه اللَّه إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة" (^١٨).
ورواه أيضًا في كتاب "الاعتصام" عن عبد العزيز بن عبد اللَّه، ومسلم والنسائي عن قتيبة جميعًا، عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه -واسمه كيسان المقبري- به.
وفي هذا الحديث فضيلة عظيمة للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبي من الأنبياء، وعلى
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي برقم (٤٩٨٠)، وفي المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام (٣٦٣٤)، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة برقم ١٠٠ - (٢٤٥١).
(٢) -[الشعراء: ١٩٤، ١٩٣].
(٣) -[التكوير: ١٩ - ٢٢].
(٤) - صحيح البخاري، كتاب فصائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل برقم (٤٩٨١)، وفي الاعتصام، باب: قول النبي، ﷺ: "بعثت بجوامع الكلم" (٧٢٧٤). ورواه مسلم في الإيمان برقم ٢٣٩ - (١٥٢)، والنسائي في التفسير من الكبرى (١١١٢٩).
[ ١ / ٢٥ ]
كل كتاب أنزله، وذلك أن معنى الحديث: ما من نبي إلا أعطي من المعجزات ما آمن عليه البشر، أي: ما كان دليلًا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم تبق لهم معجبزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهدوه في زمانه، فأما الرسول الخاتم للرسالة محمد ﷺ فإنما كان معظم ما آتاه اللَّه وحيًا منه إليه منقولًا إلى الناس بالتواتر، ففي كل حين هو كما أنزل، فلهذا قال: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا"، وكذلك وقع، فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعمومِ رسالته ودوامها إلى قيام الساعة، واستمرار معجزته، ولهذا قال اللَّه ﵎: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ (^١٩) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (^٢٠)، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢١) ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٢٢)، وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية كما ذكرنا وفي المدنية أيضًا كما في سورة البقرة، حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٢٣) فَأخبرهم بأنهم عاجزون عن معارضته بمثله، وأنهم لا يفحلون ذلك في المستقبل أيضًا، وهذا وهُم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والشعر وقريض الكلام وضروبه، لكن جاءهم من اللَّه ما لا قبل لاحد من البشر به من الكلام الفصيح البليغ الوجيز، المحتوي على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة، والأجبار الصادقة عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكام العادلة والمحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ (^٢٤).
وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق قال: ذكر محمد بن كعب القرظي، عن الحارث بن عبد اللَّه الأعور قال قلت: لآتين أمير المؤمنين، فلأسألنه عما سمعت العشية قال: فجئته بعد العشاء، فدخلت عليه، فذكر الحديث.
قال: ثم قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "أتاني جبريل فقال: يا محمد، أمتك مختلفة بعدك". قال: "فقلت له: فأين المَخْرَج يا جبريل؟ " قال: فقال: "كتاب اللَّه به يَقْصِم اللَّه كلَّ جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه هلك -مرتين- قول
_________________
(١) -[الفرقان: ١].
(٢) -[الإسراء: ٨٨].
(٣) -[هود:١٣].
(٤) -[يونس: ٣٨].
(٥) -[البقرة: ٢٤، ٢٣].
(٦) -[الأنعام: ١١٥].
[ ١ / ٢٦ ]
فَصْل وليس بالهزل، لا تخلقه الأَلسن، ولا تفنى عجائبه، فيه نبأ ما كان قبلكم، وفصل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم" هكذا رواه الإمام أحمد (^٢٥).
وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا حسين بن علي الجعفي، حدثنا حمزة الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث الأعور، قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في الأحاديث فدخلت علَى عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم. قال: أما إني سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة" فقلت: ما المَخْرج منها يا رسول اللَّه؟ قال: "كتاب اللَّه، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحُكْمُ ما بينكم، هو الفصل ليس بالهَزْلِ، من تركه من جبار قَصَمه اللَّه، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله اللَّه، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تَلْتَبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يَخْلَق عنِ كثرةِ الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذْ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ (^٢٦)، من قال به صَدق، ومن عمل به أُجِر، ومن حكم به عَدَل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم". خذها إليك يا أعور. ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول وفي حديث الحارث مقال (^٢٧).
قلت: لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث إلا أنه إمام في القراعة والحديث، مشهور من رواية الحارث الأعور وقد تكلموا فيه، بل قد كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه تعمد الكذب في الحديث فلا، واللَّه أعلم، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي، ﵁، وقد وهِمَ بعضهم في رفعه، وهو كلام حسن صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ.
قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "فضائل القرآن" (^٢٨): حدثنا أبو اليقظان
_________________
(١) - المسند برقم ٧٠٤ - (١/ ٩١) وهذا إسناد ضعيف جدًّا من أجل الحارث الأعور، والظاهر أنه منقطع لقول محمد بن إسحاق -مدلس-: "وذكر محمد بن كعب القرظي".
(٢) -[الجن: ١، ٢].
(٣) - إسناده ضعيف جدًّا، الحارث تقدم قريبًا، وأبو مختار الطائي، وابن أبي الحارث: مجهولان، والحديث في سنن الترمذي، أبواب ثواب القرآن، باب: ما جاء في فضل القرآن، برقم (٢٩٠٦)، ورواه الدارمي (٢/ ٣١٢ - ٣١٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢)، وابن نصر في قيام الليل ص (٧٥).
(٤) - فضائل القرآن (ص ٥٠)، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٥) من طريق الهجري، به.=
[ ١ / ٢٧ ]
عمار بن محمد الثوري أو غيره، عن أبي إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن هذا القرآن مأدبة اللَّه تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل اللَّه، ﷿، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عِصْمَة لمن تمسك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يَخْلَقُ عن كثرة الرد، فاتلوه، فإن اللَّه يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول لكم الم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر".
وهذا غريب من هذا الوجه، وقد رواه محمد بن فضيل، عن أبي إسحاق الهجري، واسمه إبراهيم بن مسلم، وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرًا.
وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس بالقوي. وقال أبو الفتح الأزدي: رفَّاع كثير الوهم. قلت: فيحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، إنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم.
وقال أبو عبيد أيضًا: حدثنا حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه بن مسعود قال: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله (^٢٩).
الحديث الرابع: قال البخاري: حدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك أن اللَّه تابع الوحي على رسوله ﷺ قبل وفاته حتى توفاه أكثر ما كان الوحي، ثم توفي رسول الله ﷺ بعد.
وهكذا رواه مسلم، عن عمرو بن محمد هذا -وهو الناقد- وحسن الحلواني وعبد بن حميد، والنسائي، عن إسحاق بن منصور الكوسج، أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد
_________________
(١) = والحديث أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٨٢ - ٤٨٣)، وابن الضريس في الفضائل مختصرًا (٥٨)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٠٠)، وابن نصر في قيام الليل (٧٠)، والبيهقي في الشعب (١٧٨٦)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢٧٨)، والخطيب في الجامع (١/ ١٠٧)، وابن الجوزي في الواهيات (١/ ١٠١)، وقال ابن الجوزي: لا يصح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وردَّه الذهبي بضعف الهجري. وقد ورد موقوفًا على ابن مسعود؛ رواه الدارمي (٢/ ٣٠٨ - ٣١٠)، وعبد الرزاق (٣/ ٦٠١٧)، والطبراني (٩/ ٨٦٤٦).
(٢) - فضائل القرآن (ص ٥١ - ٥٢)، ورواه الطبراني في الكبير (٩/ ٨٦٥٧) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق بسنده سواء ولفظه: "من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر فإن كان يحب القرآن فهو يحب اللَّه ورسوله ﷺ". وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٦٥) وقال: رواه الطبراني (٨٦٥٧) ورجاله ثقات.
[ ١ / ٢٨ ]
الزهري، به (^٣٠).
ومعناه: أن اللَّه تعالى تابع نزول الوحي على رسوله ﷺ شيئًا بعد شيء كل وقت بما يحتاج إليه، ولم تقع فترة بعد الفترة الأولى التي كانت بعد نزول الملك أول مرة بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] فإنه استلبث الوحي بعدها حينًا يقال: قريبًا بن سنتين أو أكثر، ثم حَمي الوحي وتتابع، وكان أول شيء نزل بعد تلك الفترة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (^٣١).
الحديث الخامس: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبًا يقول: اشتكى النبي ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (^٣٢).
وقد رواه البخاري في غير موضع أيضًا، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق أخر (^٣٣)، عن سفيان -وهو الثوري- وشعبة بن الحجاج كلاهما عن الأسود بن قيس العبدي، عن جندب بن عبد اللَّه البجلي، به. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة الضحى إن شاء الله تعالى.
والمناسبة في ذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل القرآن: أن اللَّه تعالى له برسوله عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحي متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه؛ ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام.
قال البخاري، ﵀: نزل القرآن بلسان قريش والعرب، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري: أخبرني أنس بن مالك قال: فأمر عثمان بن عفان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل برقم (٤٩٨٢)، وصحيح مسلم، كتاب التفسير برقم ٢ - (٣٠١٦). والنسائي في فضائل القرآن (٨).
(٢) -[المدثر: ١، ٢].
(٣) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن، باب: كيف نزل الوحي وأول ما نزل برقم (٤٩٨٣). والآيات [الضحى: ١ - ٣].
(٤) - صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب: ترك القيام للمريض برقم (١١٢٥)، وانظر (٤٩٥٠، ٤٩٥١)، ومسلم في الجهاد والسير برقم ١١٤ - (١٧٩٧)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: سورة الضحى برقم (٣٣٤٥)، وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٦٨١).
[ ١ / ٢٩ ]
القرآن، فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا (^٣٤).
هذا الحديث قطعة من حديث سيأتي قريبًا والكلام عليه، ومقصود البخاري منه ظاهر، وهو أن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش خلاصة العرب؛ ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود:
حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، حدثنا يزيد، حدثنا شيبان، عن عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يمليَّن في مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف. وهذا إسناد صحيح (^٣٥).
وقال أيضًا (^٣٦): حدثنا إسماعيل بن أسد، حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن عبد الله بن فضالة، قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرًا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مُضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر ﷺ، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (^٣٧)، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٣٨)، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (^٣٩)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (^٤٠) الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.
ثم ذكر البخاري، ﵀، حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول: ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي. فذكر الحديث الذي سأل عمن أحرم بعمرة وهو متضمخ (^٤١) بطيب وعليه جبة، قال: فنظر رسول اللَّه ﷺ ساعة ثم فجأه الوحي، فأشار عمر إلى يعلى أي: تعال، فجاء يعلى، فأدخل رأسه فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه، فقال: "أين الذي سألني عن العمرة آنفًا؟ " لم فذكر أمره بنزع الجبة وغسل الطيب.
وهذا الحديث رواه جماعة من طرق عديدة (^٤٢)، والكلام عليه في كتاب الحج، ولا تظهر
_________________
(١) - صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن برقم (٤٩٨٤).
(٢) - المصاحف (ص ١١). وعبد الملك بن عمير: قال الحافظ: ثقة، فصيح، عالم تغير حفظه، وربما دلس، وقال في التعريف: مشهور بالتدليس، وصفه به الدارقطني، وابن حبان وغيرهما. وقال ابن حبان. وكان مدلسًا. وذكره الذهبي في المدلسين، والعلائي والمقدسي والحلبي، وجعله الحافظ في المرتبة الثالثة من مرات المدلسين.
(٣) - المصاحف (ص ١١).
(٤) -[الزمر: ٢٨].
(٥) -[الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
(٦) -[النحل: ١٠٣].
(٧) -[فصلت: ٤٤].
(٨) - تمضَّخ بالطيب: تلطخ به.
(٩) - البخاري في كتاب الحج، باب: غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، وكتاب العمرة =
[ ١ / ٣٠ ]
مناسبة ما بينه وبين هذه التَّرجمة، ولا يكاد، ولو ذكر في التَّرجمة التي قبلها لكان أظهر وأبين، والله أعلم.
_________________
(١) = باب: يفعل بالعمرة ما يفعل بالحج (١٧٨٩)، وكتاب فضائل القرآن، باب: نزل القرآن بلسان قريش والعرب برقم (٤٩٨٥)، وفي جزاء الصيد، باب: إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص برقم (١٨٤٧)، ومسلم في كتاب الحج برقم (١١٨٠)، وأبو داود في كتاب الحج، باب: الرجل يحرم في ثيابه برقم (١٨١٩، ١٨٢٠)، والتِّرمِذي في الحج، باب: ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة برقم (٨٣٦)، وسنن النَّسائي (٥/ ١٣٠).
[ ١ / ٣١ ]