﷽
قال الشيخ الإمام [العالم] [¬١] الأوحد، البارع الحافظ المتقن، عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن الخطيب أبي حفص عمر بن كثير، الشافعي، رحمه الله تعالى ورضي عنه:
الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا
لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ
فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ
مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾.
وافتتح خلقه بالحمد فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ واختتمه بالحمد فقال بعد [ما] [¬٢]، ذكر مآل أهل الجنة وأهل النار: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾. ولهذا قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾.
كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾. فله الحمد في الأولى والآخرة، أي: في جميع ما خلق وما هو خالق، هو المحمود في ذلك كله، كما يقول المصلى: "اللهم ربنا؛ لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شت من شيء بعد" (^١) ولهذا يلهم أهل الجنة تسبيحه وتحميده كما يُلهمون
_________________
(١) - صحيح وَرَدَ من حديث عبد الله بن أبي أوفى، ومن حديث أبي سعيد، ومن حديث ابن عباس، ومن حديث علي بن أبي طالب، ومن حديث البراء، ومن حديث أبي جحيفة ﵃ أجمعين. أما حديث عبد الله بن أبي أوفى: فرواه مسلم في الصلاة برقم (٤٧٦)، ورواه أبو داود في الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٤٦)، وهو عند ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٧٨). وأما حديث أبي سعيد فرواه مسلم برقم (٤٧٧)، وأبو داود في الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٤٧)، والنسائي في التطبيق، باب: ما يقول في قيامه ذلك برقم (١٠٦٨)، ورواه أحمد، ورواه الدارمي برقم (١٣١٣). وأما حديث ابن عباس فرواه مسلم برقم (٤٧٨)، والنسائي وقم (١٠٦٦، ١٠٦٧)، ورواه أحمد برقم ٢٤٣٦، ٢٤٨٥، ٢٤٩٤، ٢٥٠١، ٣٠٧٣، ٣٤٨٨. = [¬١]- زيادة من ز. [¬٢]- سقط من ز.
[ ١ / ٣ ]
النفس (^٢)، أي: يسبحونه ويحمدونه عدد أنفاسهم، لما يرون من عظيم نعمه عليهم، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وتوالي مننه، [ودوام إحسانه إليهم] [¬١]، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
والحمد لله الذي أرسل [¬٢] رسله ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وختمهم بالنبي الأمي العربي المكي الهادي لأوضح السبل، أرسله إلى جميع خلقه من الإنس والجن من لدن بعثته إلى قيام الساعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [لَا إِلَهَ إلا هُوَ] [¬٣] يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾.
فمن بلغه هذا القرآن من عرب وعجم، وأسود وأحمر، وإنس وجان فهو نذير له؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾. فمن كفر بالقرآن ممن ذكرنا فالنار موعده بنصِّ الله تعالى، وكما قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ﴾. وقال رسول الله ﷺ: (بعثت إلى الأحمر والأسود" (^٣).
_________________
(١) = وأما حديث علي بن أبي طالب فرواه مسلم برقم (٧٧١)، وأبو داود في الصلاة، باب: ما يستفتح به الصلاة من الدعاء برقم (٧٦٠)، والترمذي في الصلاة، باب: ما يقول الرجل إذا رفع رأسه من الركوع، وفي الدعوات برقم (٣٤٢١، ٣٤٢٢)، وهو عند أحمد برقم (٧٣١، ٨٠٥)، ورواه الدارمي برقم (١٣١٤). وأما حديث البراء فرواه مسلم في الصلاة برقم (٤٧١). وأما حديث أبي جحيفة فرواه ابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع برقم (٨٧٩).
(٢) - رواه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها -من صحيحه- برقم (٢٨٣٥) من حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
(٣) - رواه مسلم من حديث جابر في المساجد -من صحيحه- برقم (٥٢١)، وكذا رواه أحمد برقم (١٤٣٠٥). ورواه أحمد من حديث ابن عباس برقم ٢٢٥٦، ٢٧٤٢ - (١/ ٢٥٠، ٣٠١)، ورواه أحمد من حديث أبي موسى برقم ١٩٧٨٩ - (٦/ ٤١٤)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦١) = [¬١]- في ز: إحسانه. [¬٢]- في خ: أنزل. [¬٣]- سقط من: خ.
[ ١ / ٤ ]
قال مجاهد (^٤): [يعني] [¬١] الإنس والجن. فهو صلوات الله وسلامه عليه رسول الله إلى جميع الثقلين: الإنس والجن، مبلغًا لهم عن الله تعالى ما أوحاه إليه من هذا الكتاب العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، وقد أعلمهم فيه عن الله تعالى أنه ندبهم [فيه] [¬٢] إلى تفهمه، فقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
فالواجب على العلماء الكشف عن معاني كلام اللَّه، وتفسير ذلك، وطلبه من مظانه، وتعلم ذلك وتعليمه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ [¬٣] لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ [¬٤] فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فذم الله تعالى أهل الكتاب قبلنا بإعراضهم عن كتاب الله [إليهم] [¬٥]، وإقبالهم على الدنيا وجمعها، واشتغالهم بغير ما أمروا به من اتباع كتاب الله.
فعلينا أيها المسلمون أن ننتهي عما ذمهم الله تعالى به، وأن نأتمر بما أُمرنا به من تعلم كتاب اللَّه المنزل إلينا وتعليمه، وتفهمه وتفهيمه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْييِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. ففي ذكره تعالى لهذه الآية بعد التي قبلها- تنبيهٌ على أنه تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها كذلك يلين القلوب بالإيمان [والهدى] [¬٦] بعد قسوتها من الذنوب والمعاصي، والله المؤمل المسئول أن يفعل بنا ذلك [¬٧] إنه جواد كريم.
_________________
(١) = وقال: رواه أحمد متصلًا ومرسلًا والطبراني ورجاله رجال الصحيح. ورواه أحمد من حديث أبي ذر برقم ٢١٣٧٩ - (٥/ ١٤٥) وأطرافه (٢١٣٩٤، ٢١٥١٥). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٩) وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢) - أورده أحمد من طريق الأعمش عنه عقب الحديث ٢١٣٧٩ - (٥/ ١٤٥). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- زيادة من ز. [¬٣]- في ز، خ: ليبيننه. [¬٤]- في ز، خ: يكتمونه. [¬٥]- في ت: المنزل عليهم. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ت: هذا.
[ ١ / ٥ ]
فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان، فإنه قد فُسر في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحةٌ للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى: كل ما حكم به رسول الله، ﷺ، فهو مما فهمه من القرآن.
قال الله تعالى: ﴿إنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ [¬١] لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
ولهذا قال رسول الله، ﷺ: "ألا إني أوتيت القرآن وحله معه". (^٥) يعني السنة. والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن. وقد استدل الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك.
والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه، فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله صلى اللَّه عليه وسدم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ ". قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد [¬٢]؟ ". قال: أجتهد برأي. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: (الحمد لله الذي وفق [رسول] [¬٣] رسول الله لما يوضي رسوله الله" (^٦).
_________________
(١) - رواه أبو داود في كتاب السنة، باب: في لزوم السنة (٤/ ٢٠٠) حديث (٤٦٠٤)، من ظريق عبد الوهاب بن نجدة، ثنا أبو عمرو بن كثير بن دينار، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي عوف، عن المقدام بن معدي كرب، به. ورواه أحمد حديث ١٧٢٢٣ - (٤/ ١٣٠) من حديث يزيد بن هارون، عن حريز، به، ورواه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٨٩).
(٢) - رواه أبو داود في الأقضية، باب: اجتهاد الرأي في القضاء برقم (٣٥٩٢)، والترمذي في الأحكام، باب: ما جاء في القاضي كيف يقضي برقم (١٣٢٧)، ورواه أحمد ٢٢١٠٥، ٢٢١٩٩ (٥/ ٢٤٢، ٢٣٠)، ورواه الدارمي في المقدمة برقم (١٧٠)، والدارقطني، جميعهم من طريق أبي عون محمد بن عبيد الله الثقفي -ثقة- عن عمرو بن الحارث -مجهول- عن رجال من أصحاب معاذ، به. وقال الترمذي: هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. = [¬١]- في ز، خ: "القرآن". [¬٢]- في ز: تجده. [¬٣]- سقط من: خ.
[ ١ / ٦ ]
وهذا الحديث في المسانيد [¬١] والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه. وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة؛ فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا [¬٢] من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام، والعلم الصحيح، والعمل الصالح، لا سيما [علماؤهم وكبراؤهم] [¬٣] كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والائمة المهتدين [¬٤] المهديين، وعبد الله بن مسعود، ﵁.
_________________
(١) = وهذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات وقال: هذا حديث باطل، رواه جماعة عن شعبة، وقد تصفحت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار وسألت من لقيته من أهل العلم بالنقل عنه فلم أجد له طريقا غير هذا. والحارث بن عمرو هذا مجهول، وأصحاب معاذ من أهل حمص لا يعرفون، ومثل هذا الإسناد لا يعتمد عليه في أصل من أصول الشريعة. فإن قيل: إن الفقهاء قاطبة أوردوه في كتبهم واعتمدوا عليه. قيل: هذا طريقه والخلف قلد فيه السلف، فإن أظهروا طريقًا غير هذا مما يثبت عند أهل النقل رجحنا إلى قولهم وهذا مما لا يمكنهم البتة انتهى. وقال الحافظ جمال الدين المزي: الحارث بن عمرو لا يعرف إلا بهذا الحديث. قال البخاري: لا يصح حديثه ولا يعرف. وقال الذهبي في الميزان: تفرد به أبو عون محمد بن عبد الله الثقفي عن الحارث، وما روى عن الحارث غير أبي عون فهو مجهول. لكن الحديث له شواهد موقوفة عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس وقد أخرجها البيهقي في سننه عقب تخريجه لهذا الحديث تقوية له كذا في مرقاة الصمود. وقال البخاري في التاريخ الكبير: الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، عن أصحاب معاذ عن معاذ روى عنه أبو عون ولا يصح ولا يعرف إلا بهذا مرسل. وقال الحافظ ابن القيم في أعلام الموقعين عن رب العالمين: وقد أقر النبي ﷺ معاذا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصًّا عن الله ورسوله، فقال شعبة: حدثني أبو عون، عن الحارث بن عمرو، عن أناس من أصحاب معاذ: أن رسول الله ﷺ لما بعثه إلى اليمن قال: "كيف كصنع إن عرض لك قضاء؟ " قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: "وإن لم يكن في كتاب الله؟ " قال: فبسنة رسول الله، ﵌. قال: "فإن لم يكن في سنة رسول الله ﵌؟ " قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: فضرب رسول الله، ﵌، صدري ثم قال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله ﵌". فهذا حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك لأنه يدل على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو، عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم. وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث، = [¬١]- في ز، خ: المساند. [¬٢]- في ز: شاهدوه. [¬٣]- في خ: [علماءهم وكبراءهم]. [¬٤]- سقط من ز.
[ ١ / ٧ ]
قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (^٧): حدثنا أبو كريب، حدَّثنا جابر بن نوح، حدثنا الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق؛ قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: والذي لا إله غيره، ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت، ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته.
وقال الأعمش (^٨) أيضًا عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن.
وقال أبو عبد الرحمن السلمي (^٩): حدَّثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبي ﷺ، فكانوا [¬١] إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا [¬٢] بما فيها من العمل؛ فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا.
ومنهم الحبر البحر عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله ﷺ، وترجمان القرآن، ببركة [¬٣] دعاء رسول الله ﷺ له حيث قال: "اللهم؛ فقهه في الدين،
_________________
(١) = وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به. قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ، وهذا إسناد متصل ورجاله معروفون بالثقة على أن أهل العلم قد نقلوه واحتجوا به فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا على صحة قول رسول الله ﵌ "لا وصيه لوارث" وقوله في البحر: " هو الطهور ماؤه والحل ميتته" وقوله: "إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع" وقوله: "الدية على العاقلة" وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما نقلها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا غنوا عن طلب الإسناد له، انتهى كلامه.
(٢) - صحيح رواه الطبري ٨٣ - (١/ ٨٠). وجابر بن نوح: قال ابن معين: ليس بشيء. وقال أبو داود: ما أنكر حديثه. وقال ابن حبان: لا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. إلا أنه توبع، تابعه حفص بن غياث بن طلق عند البخاري فقد رواه في فضائل القرآن -من صحيحه- برقم (٥٠٠٢) ولفظه عنده: " … تبلغه الإبل لركبت إليه".
(٣) - صحيح رواه الطبري بإسناده إلى الأعمش حديث ٨١ - (١/ ٨٠).
(٤) - رواه الطبري- برقم ٨٢ - (١/ ٨٠) من رواية جرير، عن عطاء بن السائب، وعطاء اختلط، وجرير ممن روى عنه بعد الاختلاط -وأبو عبد الرحمن السلمي اسمه عبد الله بن حبيب هو من كبار التابعين. [¬١]- في خ، ر: وكانوا. [¬٢]- في ز، خ: "يعلموا". [¬٣]- في ز، خ: وببركة.
[ ١ / ٨ ]
وعلمه التأويل" (^١٠).
وقال ابن جرير (^١١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا وكيع، ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلم [¬١]-قال- قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: نعم ترجمان القرآن ابن عباس.
ثم رواه (^١٢) عن يحيى بن داود، عن إسحاق الأزرق، عن سفيانَ، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح [] [¬٢] أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود؛ أنه قال: نعم الترجمان للقرآن ابن عباس.
ثم رواه (^١٣) عن بندار، عن جعفر بن عون، عن الأعمش به كذلك.
فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة.
وقد مات ابن مسعود ﵁ في سنة اثنتين وثلاثين على الصحيح، وعُمِّرَ بعده عبد الله بن عباس ستًّا وثلاثين سنة، فما ظنك بما كسبه [¬٣] من العلوم بعد ابن مسعود ﵄. وقال الأعمش عن أبي وائل: استخلف عليّ عبد الله بن عباس على الموسم، فخطب الناس، فقرأ في خطبته سورة البقرة، وفي رواية: سورة النور، ففسرها تفسيرًا لو سمعته الروم والترك والديلم لأسلموا [¬٤].
ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في تفسيره عن هذين الرجلين عبد الله بن مسعود وابن عباس، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل
_________________
(١) - صحيح رواه أحمد برقم (٢٣٩٣، ٢٨٧٤). وروى البخاري منه: "اللهم فقهه في الدين". في كتاب الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء. وروى مسلم في الفضائل من صحيحه برقم (٢٤٧٧): "اللَّهم فقهه". ورواه الترمذي في المناقب برقم (٣٨٢٤) بلفظ: "اللهم علمه الحكمة". ورواه ابن ماجه في المقدمة رقم (١٦٦): "اللهم علمه الحكمة وتأويل القرآن".
(٢) - تفسير ابن جرير ١٠٤ - (١/ ٩٠).
(٣) - تفسير ابن جرير ١٠٥ - (١/ ٩٠).
(٤) - تفسير ابن جرير ١٠٦ - (١/ ٩٠). [¬١]- رسمها في ز، خ: مسلم كذا. [¬٢]- في ت، ر: "عن". وهي زيادة مقحمة في الإسناد. [¬٣]- في ز، خ: "كتبه". [¬٤]- في ز، خ: "أسلموا".
[ ١ / ٩ ]
الكتاب التي أباحها رسول الله ﷺ حيث قال: "بلغوا عني ولو آية، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوّأ مقعده من النار" (^١٤). رواه البخاري عن عبد الله [بن عمرو] [¬١]؛ ولهذا كان عبد الله بن عمرو ﵄[قد أصاب يوم اليرموك] [¬٢] زاملتين من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك.
ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام:
(أحدها) ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد [¬٣] له بالصدق، فذاك صحيح.
(والثاني) ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.
(والثالث) ما [¬٤] هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمرٍ ديني.
ولهذا يختلف [¬٥] علماء أهل الكتاب في [مثل] [¬٦] هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسرين خلافٌ بسبب ذلك، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم [¬٧]، وعصا موسى من أي الشجر [¬٨] كانت. وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضُرِبَ به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى، إلى غير ذلك مما أبهمه الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم.
ولكن نقْل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ * وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ * وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى حكى [¬٩] عنهم ثلاثة [¬١٠] أقوال، ضعّف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته،
_________________
(١) - رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل برقم (٣٤٦١). [¬١]- سقط من ز، خ، وأثبتناها من ر. [¬٢]- في خ: "يوم اليرموك قد أصاب". [¬٣]- في ز: نشهد. [¬٤]- في ز: مما. [¬٥]- في ز: تختلف. [¬٦]- زيادة من ز. [¬٧]- في ز وعدتهم. [¬٨]- في ز، خ: شجر. [¬٩]- في خ: "أخبر". [¬١٠]- في خ: "بثلاثة".
[ ١ / ١٠ ]
إذ لو كان باطلًا لردّه كما ردّهما [¬١]، ثم أرشد على أنّ الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته، فيقال [¬٢] في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فإنه ما يعلم ذلك [¬٣] إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه؛ فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي: لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في [¬٤] حكاية الخلاف، أن تستوعب [¬٥] الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه [¬٦] على الصحيح منها، وتبطل [¬٧] الباطل، وتذكر [¬٨] فائدة الخلاف وثمرته؛ لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل [¬٩] به عن الأهم [] [¬١٠].
فأمَّا من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا، فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلًا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقوالًا متعّددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.
فصل
إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد بن جبر [¬١١] فإنه كان آية في التفسير، كما قال محمد بن إسحاق: ثنا أبان بن صالح، عن مجاهد؛ قال: عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها (^١٥).
وقال ابن جرير (^١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غنام، عن عثمان المكي، عن ابن أبي مُليكة؛ قال: رأيت مجاهدًا سأل [ابن عباس] [¬١٢] عن تفسير القرآن ومعه ألواحه، قال: فيقول له
_________________
(١) - تفسير ابن جرير رقم ١٠٨ - (١/ ٩٠).
(٢) - تفسير ابن جرير رقم ١٠٧ - (١/ ٩٠). [¬١]- في ز، خ: "ردها". [¬٢]- في ت، ر: "فقال". [¬٣]- في ز: بذلك. [¬٤]- في ز: من. [¬٥]- في ز: نستوعب. [¬٦]- في ز: ننبه. [¬٧]- في ز، خ: "وتبطل". [¬٨]- في ز: ونذكر. [¬٩]- في ز: فنشتغل. [¬١٠]- في ر، ت: فالأهم. [¬١١]- في خ: "جبير". [¬١٢]- زيادة من ش.
[ ١ / ١١ ]
ابن عباس: اكتب. حتى سأله عن التفسير كله؛ ولهذا كان سفيان الثوري يقول: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
وكسعيد بن جبير، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، ومسروق بن الأجدع، وسعيد بن المسيب، وأبي العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وغيرهم من التابعين وتابعيهم ومن بعدهم، فتذكر [¬١] أقوالهم في الآية، فيقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافًا فيحكيها أقوالًا، وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو بنطره، ومنهم في ينص على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك، والله الهادي.
وقال شعبة بن الحجاج وغيره: أقوال التابعين في الفروع ليست حجة، فكيف تكون حجة في التفسير؟ يعني: أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم، وهذا صحيح.
أمّا إذا أجمعوا [¬٢] على الشيء فلا يرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون [] [¬٣] بعضهم حجة على [] [¬٤] بعض ولا على من بعدهم، ويرجع في ذلك إلى لغة القرآن، أو السنة، أو عموم لغة العرب، أو أقوال الصحابة في ذلك.
فأمّا تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، لما رواه محمد [¬٥] بن جرير -رحمه الله تعالى- حيث قال (^١٧): ثنا محمد بن بشار، ثنا [يحيى] [¬٦] بن سعيد، ثنا سفيان، حدّثني عبد الأعلى -هو ابن عامر الثعلبي- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ؛ قال: "من قال في القرآن برأيه أو بما لا يعلم، فليتبوّأ مقعده من النار".
وهكذا أخرجه الترمذي والنسائي من طرق عن سفيان الثوري به (^١٨).
ورواه أبو داود (^١٩) عن مسدّد، عن أبي عوانة، عن عبد الأعلى به مرفوعًا [¬٧].
_________________
(١) - إسناد ضعيف، تفسير ابن جرير ٧٤ - (١/ ٧٧). وفي إسناده عبد الأعلي بن عامر الثعلبي: ضعفه أحمد وأبو زرعة. وقال أحمد بن زهير عن يحيى: ليس بذاك القوي (الميزان ٢/ ٥٣٠).
(٢) - إسناده ضعيف، رواه الترمذي برقم (٢٩٥١)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٨٤)، ورواه أحمد برقم ٢٠٦٩، ٢٤٢٩ - (١/ ٢٣٣، ٢٦٩)، ومداره على عبد الأعلي بن عامر.
(٣) - كما في تحفة الأشراف (٤ / رقم ٥٥٤٣). [¬١]- في ز: فنذكر [¬٢]- في ز: اجتمعوا. [¬٣]- في ت: قول. [¬٤]- في ت: قول. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- سقط من ز.
[ ١ / ١٢ ]
وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وهكذا رواه ابن جرير أيضًا عن [يحيى بن] [¬١] طلحة اليربوعي، عن شريك، عن عبد الأعلى به مرفوعًا (^٢٠).
ولكن رواه (^٢١) عن محمد بن حميد [¬٢]، عن الحكم بن بشير، عن عمرو [¬٣] بن قيس الملائي، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن ابن عباس [فوقفه. وعن محمد بن حميد، عن جريو، عن ليث، عن بكر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس] [¬٤] من قوله، فالله أعلم.
وقال ابن جرير (^٢٢): حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري، ثنا حبّان [¬٥] بن هلال، ثنا سهيل [¬٦] أخو حزم، ثنا أبو عمران الجوني، عن جندب؛ أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ". وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي، من حديث سهيل بن أبي [¬٧] حزم القطعي (^٢٣).
وقال الترمذي: غريب. وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل.
وفي لفظ لهم: "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ" (^٢٤). أي لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٧٣ - (١/ ٧٧).
(٢) - تفسير ابن جرير ٧٦ - (١/ ٧٨) ورواه أيضًا موقوفًا اين أبي شيبة في المصنف (٢٠/ ٥١١).
(٣) - تفسير ابن جرير ٨٠ - (١/ ٧٩).
(٤) - إسناده ضعيف، سهيل بن أبي حزم -عبد الله أو مهران- قال ابن معين: صالح. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي. وكذا قال البخاري والنسائي. وروى أحمد بن زهير، عن ابن معين: ضعيف. (الميزان ٢/ ٢٤٤) وفي التقريب: ضعيف. والحديث رواه أبو داود في الحلم، باب: الكلام في كتاب الله بغير علم برقم (٣٦٥٢) والترمذي في التفسير، باب: ما جاء في الذي يفسر القرآن برأيه برقم (٢٩٥٣) والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٨٦).
(٥) - هذا لفظ أبي داود المشار له في التعليق السابق. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من خ. [¬٢]- في خ: "حكيم". [¬٣]- في ز: عمر. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٥]- في ز: حسان. [¬٦]- في ت: "سهل". [¬٧]- سقط من: خ.
[ ١ / ١٣ ]
لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرمًا ممن أخطأ، والله أعلم.
وهكذا سمى الله تعالى القذفة كاذبين فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه [¬١] تكلف ما لا علم له به، والله أعلم.
ولهذا تحرّج جماعة من السلف عن تفسير ما لا علم لهم به، كما روى شعبة، عن سليمان، عن عبد الله بن مرّة، عن أبي معمر [¬٢]؛ قال: قال أبو بكر الصدّيق (^٢٥) ﵁: أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في كتاب الله بما لا [¬٣] أعلم.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (^٢٦): ثنا محمد [¬٤] بن يزيد، عن العوّام بن حوشب، عن إبراهيم التيمي أنّ أبا بكر الصدّيق سئل عن قوله [تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني، إذا [¬٥] أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم … منقطع.
وقال أبو عبيد أيضًا (^٢٧): ثنا يزيد، عن حميد، عن أنس؛ أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر] [¬٦] ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأب؛ ثم رجع إلى نفسه فقال: إنّ هذا لهو التكلف يا عمر.
وقال [عبد بن حميد (^٢٨)] [¬٧]: ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس؛ قال: كنا عند عمر بن الخطاب ﵁ وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ:
_________________
(١) - رواه الطبري في تفسيره ٧٩ - (١/ ٧٨). أبو معمر: هو عبد الله بن سخبرة -تابعي ثقة- أرسل الحديث عن أبي بكر الصديق ﵁.
(٢) - فضائل القرآن (ص ٢٢٧) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١٣) عن محمد بن عبيد، عن العوام بن حوشب، به.
(٣) - فضائل القرآن (ص ٢٢٧) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١٢) عن يزيد، به، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٤) من طريق يزيد عن حميد، به، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(٤) - رواه أبو نعيم في مستخرجه من حديث سليمان بن حرب، به مثله سواء، ورواه ابن سعد = [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ت: "معمر". [¬٣]- في ز: لم. [¬٤]- في خ: "محمود". [¬٥]- في ز: إن. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- في ر: محمد بن سعد.
[ ١ / ١٤ ]
﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: فما [¬١] الأب؟ ثم قال: إن هذا لهو التكلف فما عليك أن لا تدريه …؟
وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل، لقوله [¬٢] تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ الآية.
وقال ابن جرير (^٢٩): حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدَّثنا ابن علية، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة؛ أنّ ابن عباس سئل عن آية -لو سئل عنها بعضكم لقال فيها- فأبى أن يقول فيها.
إسناده [¬٣] صحيح.
وقال أبو عبيد (^٣٠): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة؛ قال: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: فما ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾؛ فقال له [¬٤] الرجل: إنما سألتك لتحدثني، فقال ابن عباس: هما يومان ذكرهما الله تعالى في كتابه، الله [¬٥] أعلم بهما.
فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.
وقال أيضًا ابن جرير (^٣١): حدّثني يعقوب -يعني: ابن إبراهيم- حدَّثنا ابن علية، عن مهدي بن ميمون، عن الوليد بن مسلم؛ قال: جاء طلق بن حبيب إلى جُندب بن عبد الله، فسأله عن آية من القرآن .. فقال له [¬٦]: أحرّج عليك إن كنت مسلمًا، لما [¬٧] قمت عني -أو قال: أن تجالسني.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب: إنه كان إذا سئل عن تفسير آية من
_________________
(١) = في الطبقات (٣/ ٣٢٧)، ورواه البخاري في الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه برقم (٧٢٩٣) عن سليمان بن حرب به مختصرًا ولفظه: "نهينا عن التكلف".
(٢) - تفسير ابن جرير ٩٨ - (١/ ٨٦).
(٣) - فضائل القرآن (ص ٢٢٨).
(٤) - تفسير ابن جرير ٩٩ - (١/ ٨٦). [¬١]- في ز، خ: ما. [¬٢]- في خ: كقوله. [¬٣]- في ز: إسناد. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- سقط من ت. [¬٧]- في ز، خ: إلا ما، والمثبت من ر.
[ ١ / ١٥ ]
القرآن، قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا (^٣٢).
وقال الليث عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب؛ أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم في [¬١] من القرآن (^٣٣).
وقال شعبة عن عمرو بن مرة؛ قال: سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن … فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء -يعني عكرمة (^٣٤).
وقال ابن شوذب: حدثني يزيد بن أبي يزيد؛ قال: كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام، وكان أعلم الناس، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن، سكت كأن لم يسمع (^٣٥).
وقال ابن جرير (^٣٦): حدّثني أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن عمر؛ قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير، منهم: سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، ونافع.
وقال أبو عبيد (^٣٧): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن هشام بن [¬٢] عروة؛ قال: ما سمعت أبي يؤول [¬٣] آية من كتاب الله قَطُّ.
وقال أيوب وابن عون وهشام الدستوائي، عن محمد بن سيرين: سألت عَبيدة -يعني [¬٤] السلماني- عن آية من القرآن … فقال: [ذهب الذين كانوا يعلمون فيم أنزل القرآن] [¬٥]، فاتق الله، وعليك بالسداد (^٣٨).
_________________
(١) - رواه الطبري في تفسيره ٩٤ - (١/ ٨٥) من طريق يونس، عن ابن وهب، عن مالك، به.
(٢) - رواه الطبري في تفسيره ٩٥ - (١/ ٨٦) من طريق يونس، عن ابن وهب، عن الليث، به.
(٣) - رواه الطبري في تفسيره ١٠١ - (١/ ٨٦ - ٨٧) وابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥١١) من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، به.
(٤) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٠٠ - (١/ ٨٦) عن العباس بن الوليد، عن أبيه، عن ابن شوذب به.
(٥) - تفسير ابن جرير ٩٢ - (١/ ٨٥).
(٦) - فضائل القرآن (ص ٢٢٩).
(٧) - رواه ابن جرير في تفسيره ٩٧ - (١/ ٨٦) من طريق يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب وابن عون به. [¬١]- في ز: العلوم. [¬٢]- في ز: عن. [¬٣]- في ز: تأول، والمثبت من ر. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفين مكررة في: خ.
[ ١ / ١٦ ]
وقال أبو عبيد (^٣٩): حدثنا معاذ، عن ابن عون، عن عبد الله [¬١] بن مسلم بن يسار، عن أبيه، قال: إذا حدّثت عن الله حديثًا [¬٢] فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده.
حدَّثنا (^٤٠) هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم؛ قال: كان أصحابنا يتقون التفسير ويهابونه.
وقال شعبة عن عبد الله بن [¬٣] أبي السفر؛ قال: قال الشعبي: والله ما من آية إلا وقد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله ﷿ (^٤١).
وقال أبو عبيد (^٤٢): حدثنا هشيم، حدثنا عمر [¬٤] بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن مسروق؛ قال: [اتقوا] [¬٥] التفسير، فإنما هو الرواية عن الله.
فهذه الآثار الصحيحة وماشاكلها عن أئمة السلف - محمولةٌ على تحرُّجِهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم به، فأما من تكلم بما يعلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه؛ ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال [¬٦] في التفسير ولا منافاة؛ لأنهم تكلموا فيما علموه وسكتوا عما جهلوه.
وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾] [¬٧] ولما جاء في الحديث المروي من طرق: "من سئل عن علم فكتمه ألجم ورم القيامة بلجام من نار" (^٤٣).
_________________
(١) - فضائل القرآن (ص ٢٢٩).
(٢) - فضائل القرآن (ص ٢٢٩) ورواه أبو نعيم (٤/ ٢٢٢) من طريق جرير عن المغيرة، به.
(٣) - رواه ابن جرير في تفسيره ١٠٢ - (١/ ٨٧) من طريق ابن المثنى، عن سعيد بن عامر، عن شعبة، به.
(٤) - فضائل القرآن (ص ٢٢٩).
(٥) - وَرَدَ من حديث أبي هريرة، ومن حديث أنس، وأبي سعيد الخدري، ﵃، أما حديث أبي هريرة، فرواه أحمد في السند (٢/ ٢٦٣)، وأبو داود في كتاب العلم، باب: كراهية منع العلم برقم (٣٦٥٨)، والترمذي في العلم برقم (٢٦٤٩)، وابن ماجة في المقدمة برقم (٢٦٦) من طريق علي بن الحكم -لا بأس به- عن عطاء، عن أبي هريرة، وقال الترمذي: "حديث حسن". = [¬١]- في ز: "عبيد الله" والمثبت من ر [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز، خ: "عن". [¬٤]- في الأصلين: و"ت"، و"ر": عمرو. والمثبت من الفضائل لأبي عبيد ص ٣٧٧. [¬٥]- في ر: اتقوا الله. [¬٦]- في ز، خ: "أقوالا". [¬٧]- في ز، خ: "ليبيننه للناس ولا يكتمونه".
[ ١ / ١٧ ]
فأما [¬١] الحديث الذي رواه أبو جعفر بن جرير (^٤٤): حدثنا عباس بن عبد العظيم، حدَّثنا محمد بن خالد بن عثمة، حدَّثنا جعفر بن محمد [] [¬٢] الزبيري، حدّثني هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت: ماكان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًا بعدد [¬٣] علمهن إياه جبريل ﵇.
ثم رواه (^٤٥) عن أبي بكر محمد بن يزيد الطرسوسي [¬٤]، عن معن بن عيسى، عن جعفر بن خالد، عن هشام به- فإنه حديثٌ منكرٌ غريبٌ، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري، قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث. وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبرائيل.
وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهله [¬٥]، كما صرح بذلك ابن عباس فيما قال ابن جرير (^٤٦):
_________________
(١) = وأما حديث أنس، فرواه ابن ماجة في المقدمة برقم (٢٦٤) من طريق يوسف بن إبراهيم - قال البخاري: هو صاحب عجائب، وقال ابن حبان: روى عن أنس من حديثه ما لا يحل بالرواية. واتفقوا على ضعفه- عن أنس، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١١٧): "هذا إسناد ضعيف". وأما حديث أبي سعيد، فرواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٥) من طريق محمد بن داب - كذبه أبو زرعة وغيره، ونسب إلى الوضع - عن صفوان بن سليم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبي سعيد، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١١٨): "هذا إسناد ضعيف".
(٢) - ضعيف، والحديث في تفسير ابن جرير ٩٠ - (١/ ٨٤) ورواه أبو يعلى في مسنده (٨/ ٢٣) من طريق معن القزاز، عن فلان بن محمد بن خالد، عن هشام بن عروة به، ورواه البزار في مسنده (كشف الأستار رقم ٢١٨٥) عن محمد بن المثنى، عن محمد بن خالد بن عثمة، عن حفص - أظنه ابن عبد الله - عن هشام، عن أبيه به. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣٠٣) وقال: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه وفيه راوٍ لم يتحرر اسمه عند أحدهما. وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) - تفسير ابن جرير ٩١ - (١/ ٨٤).
(٤) - تفسير ابن جرير ٧١ - (١/ ٧٥). [¬١]- في ت: "وأما". [¬٢]- في ت: بن. [¬٣]- في ش: "تعد". [¬٤]- في ز: الطرشوشي. [¬٥]- في ت: "جهالته".
[ ١ / ١٨ ]
حدثنا محمد بن بشار، حدَّثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن أبي الزناد؛ قال: قال ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.
قال ابن جرير: وقد رُوي نحوه في حديث في إسناده نظر: حدّثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أنبأنا ابن وهب؛ قال: سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي، عن أبي صالح مولى [¬١] أمّ هانئ، عن ابن عباس، أن رسول الله، ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة [¬٢] أحرف حلال وحرام، لا يُعذر أحد بالجهالة به، [وتفسير تفسِّره العرب] [¬٣]، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله ﷿، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب" (^٤٧).
والنظر الذي أشار إليه في إسناده هو من جهة محمد بن السائب الكلبي؛ فإنه متروك الحديث، لكن قد يكون إنما وهم في رفعه، ولعله من كلام ابن عباس كما تقدّم، والله أعلم بالصواب [¬٤].
_________________
(١) - تفسير ابن جرير ٧٢ - (١/ ٧٦). [¬١]- في ز، خ: "عن". [¬٢]- في ت: "أربعة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من ز.
[ ١ / ١٩ ]