حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا الأعمش، عن خَيثمة، عن سُويد بن غفلة [قال:] [¬١] قال علي، ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: "يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرّميّة، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة" (^٣٩٢).
وقد رُوي في موضعين آخرين، ومسلم وأبو داود والنسائي، من طرق عن الأعمش، به (^٣٩٣).
حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، ويقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا ورى شيئًا، وينظر في القدح فلا ورى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق" (^٣٩٤).
ورواه في موضع آخر، ومسلم -أيضًا- والنسائي من طرق عن الزهري، عن أبي سلمة، به (^٣٩٥)، وابن ماجة من رواية محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، به.
حدثنا مُسَدّد بن مسرهد، حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس بن
_________________
(١) - صحيح البخاري برقم (٥٠٥٧).
(٢) - رواه البخاري في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، وفي كتاب استتابة المرتدين، باب: قتل الخوارج برقم (٣٦١١، ٦٩٣٠)، ومسلم في الزكاة، برقم ١٥٤ - (١٠٦٦)، وأبو داود في كتاب السنة، باب: قتال الخوارج برقم (٤٧٦٧)، والنسائي في تحريم الدم، باب: من شهر سيفه ثم وضعه في الناس ٤١٠٢ - (٧/ ١١٩).
(٣) - صحيح البخاري برقم (٥٠٥٨).
(٤) - رواه البخاري في كتاب المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، وفي كتاب استتابة المرتدين، باب: من ترك قتال الخوارج … برقم (٦٩٣٣، ٣٦١٠)، ومسلم في كتاب الزكاة برقم (١٠٦٤)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٥٦٠) وابن ماجه في المقدمة، باب: ذكر الخوارج حديث (١٦٩). [¬١]- زيادة من البخاري.
[ ١ / ١٢٣ ]
مالك، عن أبي موسى، ﵄، عن النبي ﷺ قال: "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة طعمها مر -أو خبيث- وريحها مر" (^٣٩٦).
ورواه في موضع آخر مع بقية الجماعة من طرق، عن قتادة، به (^٣٩٧).
ومضمون هذه الأحاديث التحذير من المراءاة بتلاوة القرآن التي هي من أعظم القرب، كما جاء في الحديث: "واعلم أنك لن تتقرب إلى الله بأعظم مما خرج منه" (^٣٩٨) يعني: القرآن.
والمذكورون في حديث علي وأبي سعيد هم الخوارج، وهم الذين لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، وقد قال في الرواية الأخرى: "يحقر أحدكم قراءته مع قراءتهم، وصلاته مع صحهم، وصيامه مع صيامهم". ومع هذا أمر بقتلهم لأنهم مراءون في أعمالهم في نفس الأمر، وإن كان بعضهم قد لا يقصد ذلك، إلا أنهم أسسوا أعمالهم على اعتقاد غير صالح، فكانوا في ذلك كالمذمومين في قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (^٣٩٩)،
_________________
(١) - صحيح البخاري برقم (٥٠٥٩).
(٢) - رواه البخاري في كتاب الأطعمة، باب: ذكر الطعام برقم (٥٤٢٧)، وفي التوحيد، باب: قراءة الفاجر والمنافق (٧٥٦٠)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢٤٣ - (٧٩٧)، وأبو داود في الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس برقم (٤٨٣٠)، والترمذي في الأمثال، باب: في مثل المؤمن القارئ للقرآن … برقم (٢٨٦٥)، والنسائي في الإيمان، باب: مثل الذي يقرأ القرآن … برقم ٥٠٣٨ - (٨/ ١٢٤)، وابن ماجة في المقدمة برقم (٢١٤).
(٣) - إسناده ضعيف، من أجل ليث بن أبي سليم، وبكر بن خنيس، فقد رواه أحمد في المسند ٢٤٠٦ (٥/ ٢٦٨) عن هاشم بن القاسم، ثنا بكر بن خنيس، عن ليث بن أبي سليم، عن زيد بن أرطاة، عن أبي أمامة فذكره، وأخرجه الترمذي في كتاب فضائل القرآن، باب: رقم (١٧) (رقم: ٢٩١١) من طريق أحمد بن منيع، عن هاشم بن القاسم، به. ورواه ابن نصر في قيام الليل (ص ٤١ - ٢، ١٢٢)، وفي تعظيم قدر الصلاة (١٧٨)، وابن بطة في الإبانة- الرد على الجهمية (٨)، والخطيب (٧/ ٨٨، ١٢/ ٢٢٠)، وقال البخاري في خلق أفعال العباد (٥٠٩): لا يصح. وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك، وتركه في آخر أمره، وقد روى هذا الحديث زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير، عن النبي، ﷺ، مرسل. حدثنا بذلك إسحاق بن منصور، ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية، عن العلاء بن الحارث، عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير قال: قال النبي، ﷺ: "إنكم لن ترجعوا إلى الله بأفضل مما خرج منه" -يعني القرآن.
(٤) -[التوبة: ١٠٩].
[ ١ / ١٢٤ ]
وقد اختلف العلماء في تكفير الخوارج وتفسيقهم ورد رواياتهم، كما سيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله.
والمنافق المشبه بالريحانة التي لها ريح ظاهر وطعمها مر هو المرائي بتلاوته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا﴾ (^٤٠٠).
ثم قال البخاري:
اقرءوا القرآن ما ائتلَفت عليه قلوبكم
حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمران الجوني، عن جندب بن عبد الله، ﵁، عن النبي، ﷺ، قال: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه" (^٤٠١).
حدثنا عمرو بن علي بن بحر الفلّاس، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سلام بن أبي مطيع، عن أبي عمران الجوني، عن جُنْدُب قال: قال رسول الله ﷺ: "اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا [عنه] [¬١] " (^٤٠٢).
تابعه الحارث بن عُبَيد وسعيد بن زيد، عن أبي عمران، ولم يرفعه حماد بن سلمة وأبان.
وقال غُنْدَر: عن شعبة، عن أبي عمران قال: سمعت جُنْدُبا- قوله
وقال ابن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر- قوله.
وجندب أصح وأكثر (^٤٠٣).
وقد رواه في موضع آخر، ومسلم كلاهما عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد، عن همام، عن أبي عمران، به (^٤٠٤)
_________________
(١) -[النساء: ١٤٢]
(٢) - صحيح البخاري برقم (٥٠٦٠).
(٣) - صحيح البخاري برقم (٥٠٦١).
(٤) - قال الحافظ ابن حجر: "أي أصح سندًا وأكثر طرقًا، وهو كما قال، فإن الجم الغفير رواه عن أبي عمران عن جندب إلا أنهم اختلفوا عليه في رفعه ووقفه، والذين رفعوه ثقات حفاظ فالحكم لهم، وأما رواية ابن عون فشاذة لم يتابع عليها".
(٥) - البخاري، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: كراهية الاختلاف = [¬١]- زيادة من البخاري.
[ ١ / ١٢٥ ]
ومسلم -أيضًا- عن يحيى بن يحيى، عن الحارث بن عبيد أبي قدامة، عن أبي عمران، به.
ورواه مسلم -أيضًا- عن أحمد بن سعيد، عن حبان بن هلال، عن أبان العطار، عن أبي عمران، به مرفوعًا (^٤٠٥).
وقد حكى البخاري: أن أبان وحماد بن سلمة لم يرفعاه، فالله أعلم.
ورواه النسائي والطبراني (^٤٠٦) من حديث مسلم بن إبراهيم، عن هارون بن موسى الأعور النحوي، عن أبي عمران، به.
ورواه النسائي -أيضًا- من طرق عن سفيان، عن حجاج بن فرافصة، عن أبي عمران، به مرفوعًا (^٤٠٧)، وفي رواية عن هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، عن أبيه، عن سفيان، عن حجاج، عن أبي عمران، عن جُنْدُب موقوفًا، ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن إسحاق الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن أبي عمران، عن عبد الله بن الصامت، عن عمر قوله.
قال أبو بكر بن أبي داود: لم يخطئ ابن عون في حديث قط إلا في هذا، والصواب عن جندب.
ورواه الطبراني، عن علي بن عبد العزير، عن مسلم بن إبراهيم وسعيد بن منصور قالا: حدثنا الحارث بن عبيد، عن أبي عمران، عن جندب مرفوعًا (^٤٠٨).
فهذا مما تيسر من ذكر طرق هذا الحديث على سبيل الاختصار، والصحيح منها ما أرشد إليه شيخ هذه الصناعة أبو عبد الله البخاري، ﵀، من أن الأكثر والأصح: أنه عن جندب بن عبد الله مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ.
ومعنى الحديث أنه، ﵇، أرشد وحض أمته على تلاوة القرآن إذا كانت القلوب مجتمعة على تلاوته، متفكرة فيه، متدبرة له، لا في حال شغلها وملالها، فإنه لا يحصل المقصود من التلاوة بذلك كما ثبت في الحديث أنه قال ﵊: "اكلفوا من
_________________
(١) = برقم (٧٣٦٥)، ومسلم في كتاب العلم برقم ٤ - (٢٦٦٧).
(٢) - مسلم في العلم برقم (٢٦٦٧).
(٣) - السنن الكبرى للنسائي، كتاب فضائل القرآن، حديث (٨٠٩٨)، والمعجم الكبير للطبرانى حديث (١٦٧٤).
(٤) - النسائي في الكبرى برقم (٨٠٩٦).
(٥) - المعجم الكبير حديث ١٦٧٣ - (٢/ ١٦٣ - ١٦٤).
[ ١ / ١٢٦ ]
العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا" (^٤٠٩)، وقال: "أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل"، وفي اللفظ الآخر: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (^٤١٠).
ثم قال البخاري (^٤١١): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة، عن عبد الله -هو ابن مسعود- أنه سمع رجلا يقرأ آية سمع النبي ﷺ قرأ خلافها، فأخذت بيده فانطلقت إلى النبي، ﷺ، فقال: "كلاكما محسن فاقرأا" أكبر علمي قال: "فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم الله ﷿".
وأخرجه النسائي من رواية شعبة، به.
وهذا في معنى الحديث الذي تقدمه، وأنه ينهى عن الاختلاف في القراءة والمنازعة في ذلك والمراء فيه كما تقدم النهي عن ذلك، والله أعلم.
وقريب من هذا ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في مسند أبيه:
حدثنا أبو محمد بن محمد الجرمي، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن الأعمش، عن عاصم، عن زر بن حبيش قال: قال عبد الله بن مسعود: تمارينا في سورة من القرآن فقلنا: خمس وثلاثون آية، ست وثلاثون آية، قال: فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فوجدنا عليًّا يناجيه فقلنا له: اختلفنا في القراءة، فاحمر وجه رسول الله، ﷺ، فقال علي: إن رسول الله، ﷺ، يأمركم أن تقرءوا كما قد علمتم (^٤١٢).
وهذا آخر ما أورده البخاري، ﵀، في كتاب فضائل القرآن، جل منزله، وتعالى قائله، ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) - رواه البخاري في الإيمان، باب: أحب الدين إلى الله أدومه برقم (٤٣)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها من صحيحه برقم (٧٨٥) من حديث عائشة، ﵂.
(٢) - رواه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها برقم ٢١٥ - (٧٨٢) من حديث عائشة، ﵂.
(٣) - البخاري برقم (٥٠٦٢)، والنسائي في الكبرى برقم (٨٠٩٥).
(٤) - سنده حسن، زوائد المسند (٥/ ١٠١، ١٠٦)، ورواه أحمد (٣٩٩٢، ٣٩٩٣)، والطبري في تفسيره (١/ ١٢)، وأبو يعلى (٨/ ٥٠٥٧)، وابن حبان (١٧٨٣)، والحاكم وصححه (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).
[ ١ / ١٢٧ ]