وقد صور ابن كثير هذا الأصل بقوله: "فإن أعياك ذلك فعليك بالسنة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى-: "كل ما حكم به رسول الله ﷺ فهو مما فهمه من القرآن، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ولهذا قال رسول الله ﷺ: "ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه" -يعني السنة.
ويستطرد ابن كثير في بيان هذا الأصل فيقول: والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه؛ فإن لم تجده فمن السنة، كما قال رسول الله ﷺ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "فبم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ " قال: بسنة رسول الله ﷺ قال: "فإن لم تجد؟ " قال: أجتهد رأيي. قال: فضرب رسول الله ﷺ في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله".
وذكر أن هذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد.
وهذا الأصل تراه بألفاظه عند ابن تيمية.
* والأمثلة على تفسير القرآن بالسنة لا حصر لها حتى ليتحير المرء في اختيار بعضها؛ لكثرتها أولًا، ولطولها ثانيًا، ولتعدد جوانب الاستشهاد بها ثالثًا، ومن ثم ليكون معروفًا أن النماذج التي نسوقها لا تعطي رؤية كاملة وتامة لتفسير القرآن بالسنة عند ابن كثير، ومن أراد صورة مكتملة فليرجع إلى التفسير نفسه، فقد يصل الأمر بابن كثير أن يفسر بعض الآيات بما يزيد على خمسين حديثًا كما فعل عند تفسيره لآية الإسراء، ونورد هنا بعض الأمثلة القليلة والقصيرة والتي تصور إلى حد ما مدى إفادته من السنة في التفسير، ومدى ارتباطه بها، إذ قد توضح مبهمًا، أو تخصص عامًّا، أو تقيد مطلقًا، أو تفصل مجملًا وما إلى ذلك.
* والسنة النبوية حين تفسر الآية تعطي المعنى الصحيح، فكثير من المفسرين -ومنهم مجاهد وعطاء والضحاك والسدي ومقاتل وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم- قالوا في تفسير قوله تعالى ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ أن
[ المقدمة / ٢٠ ]
الضمير يرجع إلى إبراهيم ﵊، وقال مجاهد في رواية أخرى له: الله سماكم المسلمين من قبل في الكتب المتقدمة وفي الذكر ﴿وَفِي هَذَا﴾ يعني القرآن، وعلق ابن كثير على هذا فقال: وهذا هو الصواب لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم على مما جاء به الرسول صلوات الله وسلامه عليه بأنه ملة أبيهم إبراهيم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل هذا القرآن ﴿وَفِي هَذَا﴾. ثم ذكر حديثًا رواه النسائي عن الحارث الأشعري عن رسول الله ﷺ قال: "من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جُثا جهنم". قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: لا نعم، وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله".
* وقد يستشكل على المرء معنى آية بجانب حديث يوهم التعارض معها فيبدد الحافظ ابن كثير هذا الإشكال بحجج قوية.
من ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية، وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسم يقسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي، فقال: أي خبيث؟ وعلى محمد ﷺ. فجاء اليهودي إلى النبي ﷺ فاشتكى على المسلم. فقال رسول الله ﷺ: "لا تفضلوني على الأنبياء؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فكون أول من يفيق، فأجد موسى باطشًا بقائمة العرش، فلا أدري أفاق قبل أم جوزى بصعقة الطور، فلا تفضلوني على الأنبياء". وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء" فالجواب من وجوه:
أحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل. وفي هذا نظر.
الثاني: أن هذا من باب الهضم والتواضع.
الثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.
الرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.
الخامس: ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ﷿، وعليكم الانقياد والتسليم له، والإيمان به".
[ المقدمة / ٢١ ]
وقد ذكر بعض هذه الوجوه في موضع آخر.