يتعرض ابن كثير قبل بحث هذا الأصل لموضوع تفسير القرآن بالرأي فيقول: فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام، وذكر رواية عن ابن عباس عن النبي ﷺ: "من قال في القرآن برأيه، وبما لا يعلم فليتبوأ مقعده من النار" وبين أن هذا الحديث قد أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود وقال الترمذي: حديث حسن.
وروى ابن جرير عن جندب أن رسول الله ﷺ قال: "من قال في القرآن برأيه فقد أخطأ" وعلق ابن كثير على هذا الحديث فقال: وقد روى هذا الحديث أبو داود والترمذي والنسائي من حديث سهيل بن أبي حَزم القُطعي، وقال الترمذي: غريب.
وقد تكلم بعض أهل العلم في سهيل، وفي لفظ لهم: "من قال في كتاب الله برأيه فأصاب فقد أخطأ"، أي لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به. والله أعلم.
ثم يقول: "وهكذا سمى الله القذفة كاذبين فقال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ فالقاذف كاذب. ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم.
ويذكر ابن كثير روايات كثيرة عن جماعة من السلف الصالح تفيد تحرجهم عن
[ المقدمة / ٢٣ ]
التفسير.
منها ما روي عن إبراهيم التيمي أن أبا بكر الصديق سئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.
وعن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ قرأ على المنبر: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال: هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأبُّ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال: إن هذا هو التكلف يا عمر.
وعلّق على هاتين الروايتين فقال: وهذا كله محمول على أنهما ﵄ إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر لا يجهل.
أما رواية ابن أبي مليكة فقد قال فيها: سأل رجل ابن عباس عن يوم كان مقداره ألف سنة؟ فقال له ابن عباس: فما يوم ﴿كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فقال له الرجل: إنما سألتك لتحدثني. فقال ابن عباس: هما يومان ذكر الله في كتابه، الله أعلم بهما. فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال: إنا لا نقول في القرآن شيئًا.
وذكر عنه أيضًا أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وسئل ابن المسيب عن آية من القرآن فقال: لا تسألني عن القرآن، وسل من يزعم أنه لا يخفى عليه منه شيء. يعني عكرمة.
وعن عبد الله بن عمر العمري قال: لقد أدركت فقهاء المدينة، وإنهم ليعظمون القول في التفسير منهم سالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد، وسعيد بن السيب، ونافع.
ويعلق ابن كثير على هذه الآثار فيقول: فهذه الآثار الصحيحة وما شاكلها عن أئمة السلف محمولة على تحرجهم عن الكلام في التفسير بما لا علم لهم فيه، فأما من تكلم بما يسلم من ذلك لغة وشرعًا فلا حرج عليه.
ولهذا روي عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ولا منافاة، لأنهم تكلموا فيما علموه، وسكتوا عما جهلوه، وهذا هو الواجب على كل أحد، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به، فكذلك يجب القول فيما سئل عنه مما يعلمه لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ ولا جاء في الحديث الذي روي من طرق:
[ المقدمة / ٢٤ ]
"من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار".
وذكر ابن كثير عن الطبري رواية من طريق جعفر بن محمد الزبيري، عن عائشة ﵂ قالت: ما كان النبي ﷺ يفسر شيئًا من القرآن إلا آيات بعدد، علمهن إياه جبريل ﵇.
قال ابن كثير: وتكلم عليه الإمام أبو جعفر بما حاصله أن هذه الآيات مما لا يعلم إلا بالتوقيف عن الله تعالى مما وقفه عليها جبرائيل.
وهذه عبارة الطبري من تفسيره: "أما الخبر الذي روي عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئًا إلا آيات تعد، فإن ذلك مصحح ما قلنا من القول في الباب الماضي قبل، وهو أن من تأويل القرآن ما لا يدرك علمه إلا ببيان الرسول ﷺ، وذلك بتفصيل مجمل ما في آية، من أمر الله ونهيه وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وسائر معاني شرائع دينه، الذي هو مجمل في ظاهر التنزيل، وللعباد إلى تفسيره الحاجة. لا يدرك علم تأويله إلا ببيان من عند الله على لسان رسول الله ﷺ، وما أشبه ذلك مما تحويه آي القرآن من سائر حكمه الذي جعل بيانه لخلقه إلى رسول الله ﷺ، فلا يعلم أحد من خلق الله تأويل ذلك إلا ببيان رسول الله ﷺ، ولا يعلمه رسول الله ﷺ إلا بتعليم الله إياه ذلك بوحيه إليه، إما مع جبريل أو مع من شاء من رسله إليه، فذلك هو الآي التي كان رسول الله ﷺ يفسرها لأصحابه بتعليم جبريل إياه، وهن لا شك آي ذوات عدد. ومن آي القرآن ما قد ذكر أن الله جل ثناؤه استأثر بعلم تاويله فلم يطلع على علمه ملكًا مقربًا، ولا نبيًّا مرسلًا، ولكنهم يؤمنون بأنه من عنده وأنه لا يعلم تأويله إلا الله، فأما ما لا بد للعباد من تأويله ببيان الله ذلك له، بوحيه مع جبريل، فذلك هو المعنى الذي أمره الله ببيانه لهم؛ فقال جل ذكره: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله ﷺ أنه كان لا يفسر من القرآن شيئًا إلا آيًا تعد هو ما يسبق إليه أوهام أهل البدع من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه واليسير من حروفه؛ كأنه إنما أنزل إليه ﷺ الذكر ليترك للناس ما أنزل إليهم، لا ليبين لهم ما أنزل. وفي أمر الله جل ثناؤه نبيه ﷺ ببلاغ ما أنزل إليه، وإعلامه إياه أنه ما أنزل إليه ما أنزل ليبين للناس ما نزل إليهم، وقيام الحجة على أن النبي ﷺ قد بلغ وأدى ما أمره الله ببلاغه وأدائه على ما أمره به، وصحة الخبر عن عبد الله بن مسعود لقوله: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن-: ما ينبيء عن خطأ من ظن أو توهم أن معنى الخبر
[ المقدمة / ٢٥ ]
الذي ذكرنا عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه لم يكن يفسر من القرآن شيئًا إلا آيات تعد، وهو أنه لم يمكن يبين لأمته من تأويله إلا اليسير القليل منه.
هذا مع ما في الخبر الذي رُوي عن عائشة من العلة، التي في إسناده، التي لا يجوز الاحتجاج به لأحد ممن علم صحيح سند الآثار وفاسدها في الدين، لأن راويه ممن لا يعرف في أهل الآثار وهو جعفر بن محمد الزبيري".
ويوضح ابن كثير هذه العلة التي أشار إليها ابن جرير الطبري فيقول:
"إنه حديث منكر غريب، وجعفر هذا هو ابن محمد بن خالد بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري. قال البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي: منكر الحديث".
وعلق على تأويل الطبري لحديث عائشة فقال: "وهذا تأويل صحيح لو صح الحديث، فإن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها، ومنه ما لا يعذر أحد في جهالته كما صرح بذلك ابن عباس. قال: "التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه أحد إلا الله".