عرض ابن كثير هذا الأصل كما فعل شيخه ابن تيمية، غير أنه فصل ووضح موقفه من الإسرائيليات بحيث يعتبر -في هذا الأصل- قد أضاف جديدًا.
لقد نقل ابن كثير عن كتب السنة الصحيحة في مواضع مختلفة من تفسيره- عدة أحاديث تفيد النهي الصريح عن الأخذ من أهل الكتاب.
فذكر عن الإمام أحمد، فيما رواه عبد الله بن ثابت قال: "جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني مررت بأخ لي يهودي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ، قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ؟ فقال عمر: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، قال: فسري عن النبي ﷺ وقال: "والذي نفسي بيده، لو أصبح فيكم موسى ﵇ ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين".
وذكر عن الحافظ أبي يعلى فيما رواه عن جابر قال رسول الله ﷺ: "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تصدقوا بباطل
[ المقدمة / ٢٦ ]
وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي".
وفي رواية للإمام أحمد، عن جابر بن عبد الله: أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه هن بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال: فغضب وقال: "أمتهوِّكون فيها يا بن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني".
وقد قسم ابن كثير الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام فقال:
أحدها: ما علمنا صحته بما بأيدينا مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، ويجوز حكايته.
ويتحدث عن القسم الثالث في موضع آخر فيقول: ومنها ما هو مسكوت عنه فهو المأذون في روايته بقوله ﵇: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" وهو الذي لا يصدق ولا يكذب لقوله: "فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم".
ويستطرد في شرح هذا القسم فيقول: وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني. ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في هذا كثيرًا، ويأتي من المفسرين خلاف بسبب ذلك كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف، ولون كلبهم، وعددهم، وعصا موسى من أي الشجر كانت، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم، وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى إلى غير ذلك مما أبهم الله تعالى في القرآن، مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دينهم ولا دنياهم.
ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إلا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى حكى منهم ثلاثة أقوال، ضغف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته، إذ لو كان باطلًا لردّه كما ردّهما، ثم أرشد على أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته. فقال في مثل هذا: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ
[ المقدمة / ٢٧ ]
بِعِدَّتِهِمْ﴾ بأنه ما يعلم ذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه، فلهذا قال: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي لا تجهد نفسك فيما لا طائل تحته، ولا تسألهم عن ذلك فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب، فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف: أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن تنبه على الصحيح منها، وتبطل الباطل، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته، فتشتغل به عن الأهم فالأهم.
فأما من حكى خلافًا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه، أو يحكي الخلاف ويطلقه، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال فهو ناقص أيضًا، فإن صحح غير الصحيح عامدًا فقد تعمد الكذب، أو جاهلًا فقد أخطأ، وكذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته، أو حكى أقولًا متعددة لفظًا، ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنًى، فقد ضيع الزمان، وتكثر مما ليس بصحيح، فهو كلابس ثوبي زور، والله الموفق للصواب.
ونخرج من هذا النص بما يلي:
١ - أن ما أخذ عن أهل الكتاب مما هو مسكوت عنه تجوز روايته.
٢ - أن هذا المروي لا فائدة فيه.
٣ - كثرة الخلاف في هذه المرويات.
٤ - وجوب استيعاب الأقوال في حكاية الخلاف والتنبيه على الصحيح والباطل وذكر فائدة وثمرة الخلاف.
٥ - عدم إثارة الخلاف فيما لا طائل تحته حتى لا يتشعب الخلاف ويضيع الزمان.
ويؤكد ابن كثير حرصه على الإعراض على كثير من الأحاديث الإسرائيلية لما فيها من ضياع الوقت، وما اشتملت عليه من كذب فاضح فيقول في تفسير قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾:
وما يذكر من الأخبار عنه في إدخال أبيه له في السرب، وهو رضيع، وأنه خرج بعد أيام، فنظر إلى الكواكب والمخلوقات، فتبصر فيها، وما قصد كثير من المفسرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل، فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيح، وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه، بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب
[ المقدمة / ٢٨ ]
منها فقد رخص كثير من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة فيه، ولا حاصل له بما ينتفع به في الدين، أو كانت فائدته تعود على المكلفين في دينهم، لبينته هذه الشريعة الكاملة الشاملة.
والذي نسلكه في هذا التفسير الإعراض عن كثير من الأحاديث الإسرائيلية، لما فيها من تضييع الزمان، ولما اشتمل عليه كثير منها من الكذب المروج عليهم، فإنهم لا تفرفة عندهم بين صحيحها وسقيمها، كما حرره الأئمة الحفاظ المتقنون من هذه الأمة".