قد تقدم في حديث أبي واقد (^١): أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة، في الأضحى والفطر، وكان يقرأ بهما في المحافل الكبار، لاشتمالهما على ذكر الوعد والوعيد، وبدء الخلق وإعادته، والتوحيد وإثبات النبوات، وغير ذلك من المقاصد العظيمة.
﷽
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾
يخبر تعالى عن اقتراب الساعة وفراغ الدنيا وانقضائها، كما قال تعالى: ﴿أتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وقد وردت الأحاديث بذلك، قال الحافظ أبو بكر البزار (^٢): حدثنا محمد بن المثنى وعمرو بن علي قالا: حدثنا خلف بن موسى، حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله ﷺ خَطَب أصحابَه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تَغْرُبَ فلم يبق منها إلا شفّ يسير، فقال: "والذي نفسي بيده، ما بقي من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه" وما نرى من الشمس إلا يسيرًا".
قلت: هذا حديث مداره على خلف بن موسى بن خلف العَمِّي، عن أبيه. وقد ذكره
_________________
(١) تقدم تخريجه في أوائل سورة "ق".
(٢) - خلف بن موسى: وثقه العجلي وابن خلفون، وقال الذهبي: صدوق. وموسى بن خلف العمي: وثقه العجلي ويعقوب بن شيبة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. واختلف فيه قول يحيى، فرُوي عنه أنه قال: ليس به بأس. وفي رواية: ضعيف. وقال أبو داود: ليس به بأس. ليس بذاك القوي. وقال الدارقطني: ليس بالقوي، يعتبر به. وضعفه ابن حبان. وقال ابن عدي: لا أرى بروايته بأسًا. والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣١٤)، وقال: رواه البزار من طريق خلف بن موسى، عن أبيه، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات. ا هـ.
[ ١٣ / ٢٨٦ ]
ابن حِبَّان في الثقات، وقال: ربما أخطأ.
حديث آخر يعضد الذي قبله ويفسره، قال [¬١] الإِمام أحمد: حدثنا الفضل بن دكين، حدثنا شريك، حدثنا سَلَمة بن كهيل، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: كنا جلوسًا عند النبي ﷺ والشمس على قُعَيقِعان [¬٢] بعد العصر فقال: "وما أعماركم في أعمار من مضى إلا كما بقي من نهاري فيما مضى" (^٣).
وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين، حدثنا محمد بن مُطرِّف، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال: سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "بُعِثتُ والساعة هكذا" (^٤). وأشار بأصبعيه: السبابة والوسطى. أخرجاه من حديث أبي حازم سلمة بن دينار (^٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن عُبَيد [¬٣]، حدثنا الأعمش، عن أبي خالد، عن وهب السُّوَائي قال: قال رسول الله ﷺ: "بعثت أنا والساعة كهذه من هذه، إن [كادت لتسبقها [¬٤] " [¬٥] وجمع الأعمش بين السبابة والوسطى (^٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، حدثني إسماعيل بن عبيد [¬٦] الله قال: قدم أنس بن مالك على الوليد بن عبد الملك، فسأله: ماذا سمعت من رسول الله
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٢/ ١١٥ - ١١٦) وحسن هذا الإسناد ابن حجر في الفتح (١١/ ٣٥٠)، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند. وأخرج البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بنى إسرائيل، حديث (٣٤٥٩) من حديث نافع عن ابن عمر: "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل … " الحديث.
(٢) - أخرجه أحمد (٥/ ٣٣٨) (٢٢٩٦٩).
(٣) - البخاري في كتاب: الطلاق، باب: اللعان، حديث (٥٣٠١) (٩/ ٤٣٩)، وطرفاه في [٤٩٣٦، ٦٥٠٣]. ومسلم في كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة، حديث (١٣٢/ ٢٩٥٠) (١٨/ ١١٨).
(٤) - أخرجه أحمد (٤/ ٣٠٩) (١٨٨٢٤). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٣١٥/ ١٠): رواه أحمد (٦) والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح غير خالد الوالبي وهو ثقة. ا هـ. قلت: قال الحافظ في التقريب: مقبول؛ لكن يشهد لهذا الحديث الذي قبله فيكون به صحيحًا إن شاء الله. [¬١]- في ز: وقال. [¬٢]- في ز، خ: قيقعان. وقيقعان: جبل بمكة. [¬٣]- في ز: عبد. [¬٤]- بياض في ز. [¬٥]- ما بين المعكوفين في خ: كانت. [¬٦]- في ز، خ: عبد.
[ ١٣ / ٢٨٧ ]
ﷺ ذكر به الساعة؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ: "أنتم والساعة كهاتين [¬١] ". تفرد به أحمد (^٧) ﵀ وشاهد ذلك أيضًا في الصحيح في أسماء رسول الله ﷺ: أنه الحاشر الذي يُحشَر الناس على قدمه [¬٢] (^٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز بن أسد، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، عن خالد بن عمير [¬٣] قال: خطب عتبة بن غزوان- قال بهز: وقال قبل [¬٤] هذه المرة: خَطبَنا رسول الله، ﷺ، قال: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصَرْم [¬٥] وولت حَذّاء، ولم يبق منها إلا صُبَابة كصُبَابة الإناء يتصَابُّها صاحبها، وإنكم منتقلون [¬٦] منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحَضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أن الحجر يُلقَى من شفِير جهنم فيهوي فيها سبعين عامًا ما يدرك لها قعرًا، والله لتملؤنه، أفعجبتم! والله لقد ذكر لنا أن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين عامًا، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ الزحام … " (^٩) وذكر تمام الحديث انفرد به مسلم (^١٠).
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني يعقوب، حدثني ابن علية، أخبرنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَمي قال: نزلنا المدائن فكنا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة، فحضر أبي وحضرت معه، فخَطبنا حذيفة فقال: ألا إن الله يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ألا وإن الساعة قد اقتربت، ألا وإن القمر قد انشق، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السباق. فقلت لأبي: أستبق [¬٧] الناس غدًا؟
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٣) (١٣٣٦٠). وفيه إسماعيل بن عبيد الله؛ قال العلائي في "جامع التحصيل" لم يسمع من الصحابة إلا من السائب بن يزيد، لكن يشهد له ما قبله.
(٢) - ويشهد له أيضًا حديث البخاري: "لي خمسة أسماء … وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب"، أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ حديث (٣٥٣٢) (٧/ ٥٥٤) وطرفه في [٤٨٩٦].
(٣) - أخرجه أحمد (٤/ ١٧٤) (١٧٦٢٥).
(٤) - مسلم في كتاب الزهد والرقائق، حديث (١٤/ ٢٩٦٧) (١٨/ ١٣٥ - ١٣٦). [¬١]- في ز: كتين [¬٢]- في ت: قدميه. [¬٣]- في ز، خ: عمر. [¬٤]- في ز، خ: مثل. [¬٥]- في ز: بصرمة. وفي خ: مصرمة. [¬٦]- في ز: منقلون. [¬٧]- في ز، خ: ليستبق.
[ ١٣ / ٢٨٨ ]
فقال: يا بني، إنك لجاهل، إنما هو السباق بالأعمال. ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فَخَطب حذيفة فقال: ألا إن الله ﷿ يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، ألا وإن اليوم المضمار وغدًا السباق، ألا وإن الغاية النار، والسابق من سبق إلى الجنة (^١١).
وقوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾: قد كان هذا [¬١] في زمان رسول الله، ﷺ، كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة. وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود أنه قال: "خمس قد مضين: الروم، والدخان، واللزام، والبطشة، والقمر" (^١٢). وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي ﷺ وأنه كان إحدى [¬٢] المعجزات الباهرات.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
رواية أنس بن مالك:
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ آية، فانشق القمر بمكة مرتين، فقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^١٣). ورواه [¬٣] مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق (^١٤).
وقال البخاري: حدثني عبد الله بن عبد الوهاب، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس بني مالك، أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يُريَهم آية، فأراهم القمر شِقَّين، حتى رأوا حراء بينهما (^١٥).
_________________
(١) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٨٦) وفي إسناده عطاء بن السائب كان قد اختلط.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾، حديث (٤٧٦٧) (٨/ ٤٩٦). وفي باب: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾، حديث (٤٨٢٠) (٨/ ٥٧١).
(٣) - أخرجه أحمد (٣/ ١٦٠) (١٢٧١١).
(٤) - صحيح مسلم كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٦/ ٢٨٠٢ م) (١٧/ ٢١١).
(٥) - أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: انشقاق القمر، حديث (٣٨٦٨) (٧/ ١٨٢). [¬١]- في خ: ذلك. [¬٢]- في ز: أحد. [¬٣]- في ت: رواه.
[ ١٣ / ٢٨٩ ]
وأخرجاه أيضًا من حديث يونس بن محمد المؤدب، عن شيبان، عن قتادة (^١٦). ورواه أيضًا من حديث أبي داود الطيالسي ويحيى القطان وغيرهما عن شعبة عن قتادة به (^١٧).
رواية جبير بن مطعم، ﵁:
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن كثير، حدثنا سليمان بن كثير، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا [¬١] محمد. فقالوا: إن كان سحرنا [¬٢] فإنه لا يستطع أن يسحر الناس كلهم. تفرد به الإمام أحمد من هذا الوجه (^١٨). وأسنده البيهقي في "الدلائل" من طريق محمد بن كثير، عن أخيه سليمان بن كثير، عن حصين بن عبد الرحمن (^١٩).
وهكذا رواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل [¬٣] وغيره، عن حصين، به (^٢٠).
ورواه البيهقي [¬٤] أيضًا من طريق إبراهيم بن طهمان وهشيم، كلاهما [¬٥] عن حُصَين، عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن جده فذكره (^٢١).
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب: المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر، حديث (٣٦٣٧) (٦/ ٦٣١). ومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٦/ ٢٨٠٢) (١٧/ ٢١١).
(٢) - أخرجه مسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٧/ ٢٨٠٢) (١٧/ ٢١١ - ٢١٢).
(٣) - أخرجه أحمد (٤/ ٨١ - ٨٢) (١٦٨٠٠). وحصين بن عبد الرحمن هو السلمي؛ ثقة تغير حفظه في الآخر، وبقية رجاله ثقات. والحديث أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة القمر، حديث (٣٢٨٥) (٩/ ٣٢) من طريق محمد بن كثير بهذا الإسناد. وصحح إسناده الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (٢٦٢٢ - ٣٥٢٠).
(٤) - الدلائل (٢/ ٢٦٨).
(٥) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٦) من طريق أبي كريب قال: ثنا ابن فضيل به مختصرًا.
(٦) - الدلائل (٢/ ٢٦٨). [¬١]- في ز، خ: سحره. [¬٢]- في ز: سحره. [¬٣]- في ز: فضل. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في خ: كليهما.
[ ١٣ / ٢٩٠ ]
رواية عبد الله بن عباس:
قال البخاري: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا بكر، عن جعفر، عن عِرَاك بن مالك، عن عبيد [¬١] الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس قال: انشق القمر في زمان رسول الله ﷺ (^٢٢).
ورواه البخاري أيضًا ومسلم، من حديث بكر بن مضر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك، به مثله (^٢٣).
وقال ابن جرير: حدثنا ابن مثنى [¬٢]، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن أبي هند [¬٣]، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، قال: قد مضى ذلك، كان قبل الهجرة، انشق القمر حتى رأوا شقيه [¬٤] (^٢٤). وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد [¬٥] بن عمرو البزّار [¬٦]، حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي، حدثنا محمد بن بكر، حدثنا اين جُرَيج، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كُسِفَ القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالوا: سُحر القمر. فنزلت: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْتَمِرّ﴾ (^٢٥).
رواية عبد الله بن عمر:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر حمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا وَهْب بن
_________________
(١) - أخرجه البخاري في الصحيح، في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾، حديث (٤٨٦٦) (٨/ ٦١٧).
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: وانشقاق القمر، حديث (٣٨٧٠) (٧/ ١٨٢). ومسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: وانشقاق القمر، حديث (٤٨/ ٢٨٠٣) (١٧/ ٢١٢).
(٣) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٦).
(٤) - المعجم الكبير (١١/ ٢٥٠) (١١٦٤٢) وفي إسناده عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، = [¬١]- في ز، خ: عبد. [¬٢]- في ز، خ: عيسى. [¬٣]- في ز، خ: عبيد. [¬٤]- في خ: سببه. [¬٥]- في خ: محمد. [¬٦]- في ز، خ: الزوار.
[ ١٣ / ٢٩١ ]
جَرير، عن شُعْبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عُمَرَ في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: وقد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ انشق فلقتين: فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلف الجبل، فقال النبي ﷺ: "اللهم اشهد" (^٢٦).
وهكذا رواه مسلم والترمذي، من طُرُق عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، به (^٢٧). قال مسلم كرواية مجاهد عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقال الترمذي: حسن صحيح.
رواية عبد الله بن مسعود:
قال الإِمام أحمد: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ شِقَّتين [¬١] حتى نظروا إليه، فقال رسول الله ﷺ: "اشهدوا" (^٢٨).
وهكذا رواه البخاري ومسلم، من حديث سفيان بن عُيَينة، به (^٢٩). وأخرجاه من حديث الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر عبد الله بن سَخْبَرَة، عن ابن مسعود به [¬٢] (^٣٠).
وقال ابن جرير: حدثني عيسى بن عثمان بن عيسى الرملي، حدثنا عمى يحيى بن
_________________
(١) = وصفه النسائي وغيره بالتدليس. قال الدارقطني: شر التدليس تدليس ابن جريج، فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فيما سمعه من مجروح. "طبقات المدلسين" وبقية رجاله ثقات.
(٢) - أخرجه البيهقي في "الدلائل" (٢/ ٢٦٧).
(٣) - صحيح مسلم، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: انشقاق القمر، حديث (٢٨٠١) (١٧/ ٢١٠ - ٢١١). والترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة القمر، حديث (٣٢٨٤) (٩/ ٣٢).
(٤) - أخرجه أحمد (١/ ٣٧٧) (٣٥٨٤).
(٥) - البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾، حديث (٤٨٦٥) (٨/ ٦١٧). ومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٣/ ٢٨٠٠) (١٧/ ٢٠٩).
(٦) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾، = [¬١]- في ز: شقين. [¬٢]- سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ٢٩٢ ]
عيسى، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن رجل، عن عبد الله قال: كنا مع رسول الله ﷺ بمنى فانشق القمر، فأخذت فرقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ: "اشهدوا، اشهدوا" (^٣١). قال البخاري: وقال أبو الضحى، عن مسروق، عن عبد الله: بمكة (^٣٢).
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو عَوَانة، عن المغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فقالت قريش: هذا سِحْرُ ابن أبي كبشة. قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإنّ محمدًا لا يستطيع أن يسحرَ الناس كُلَّهم. قال: فجاء السّفَّار فقالوا ذلك (^٣٣).
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدوري، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا هُشَيم [¬١]، حدثنا مغيرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: انشق القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة، انظروا السّفَّار؛ فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحر سحركم به. قال: فشئل السّفَّار، قال: وقدموا من كل وجهة، فقالوا: رأينا [¬٢] (^٣٤).
رواه ابن جرير من حديث المغيرة، به [¬٣] وزاد: فأنزل الله ﷿: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (^٣٥). ثم قال ابن جرير:
حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن [¬٤] علية، أخبرنا أيوب، عن محمد -هو ابن
_________________
(١) =حديث (٤٨٦٤) (٨/ ٦١٧). ومسلم في كتاب: صفات المنافقين، باب: انشقاق القمر، حديث (٤٤، ٤٥/ ٢٨٠٠) (١٧/ ٢١٠). كلاهما من طريق سفيان.
(٢) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٥). وفي إسناده رجل مجهول، لكن يشهد له ما قبله وما بعده.
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب: مناقب الأنصار، باب: انشقاق القمر، حديث (٣٨٦٩) (٧/ ١٨٢).
(٤) - أخرجه الطيالسي (٣٨) برقم (٢٩٥). وإسناده رجاله ثقات.
(٥) - الدلائل (٢/ ٢٦٦ - ٢٦٧) وهشيم صرح بالتحديث، وبقية إسناده موثقون.
(٦) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٥) من طريق الحسن بن يحيى المقدسي عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن المغيرة. [¬١]- في ز، خ: هشام. [¬٢]- في خ، ت: رأيناه. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز: أبو.
[ ١٣ / ٢٩٣ ]
سيرين- قال: نبئت أن ابن مسعود ﵁ كان يقول: لقد انشق القمر (^٣٦).
وقال ابن جرير أيضًا: حدثني محمد بن عمارة، حدثنا عمرو بن حماد، حدثنا أسباط، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: لقد رأيت الجبل من فَرْج القمر حين انشق (^٣٧).
ورواه الإمام أحمد عن مُؤمل [¬١]، عن إسرائيل، عن سماك، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت الجبل من بين فرجتي القمر (^٣٨).
وقال ليث، عن مجاهد: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فقال النبي ﷺ لأبي بكر: "اشهد يا أبا بكر". فقال المشركون: سُحر القمر حتى انشق (^٣٩).
وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً﴾ أي: دليلًا وحجة وبرهانًا ﴿يُعْرِضُوا﴾. أي: لا ينقادون له، بل يعرضون عنه ويتركونه وراء ظهورهم، ﴿وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، أي: ويقولون: هذا الذي شاهدنا [¬٢] من الحجج، سحر سحرنا به.
ومعنى ﴿مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: ذاهب. قاله مجاهد وقتادة وغيرهما. أي: باطل مضمحل لا دوام له.
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾، أي: كذبوا بالحق إذ جاءهم، واتبعوا ما أمرتهم به آراؤهم وأهواؤهم من جهلهم وسخافة عقلهم.
وقوله: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ قال قتادة: معناه أن الخير واقع بأهل الخير، والشر واقع بأهل الشر.
وقال ابن جُرَيج: مستقر بأهله.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٧/ ٨٦).
(٢) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٨٥).
(٣) - أخرجه أحمد (١/ ٤١٣) (٣٩٢٤). وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٤) - أخرجه الطبري (٢٧/ ٨٧) وإسناده مرسل. [¬١]- في ز: مويل. [¬٢]- في خ، ت: شاهدناه.
[ ١٣ / ٢٩٤ ]
وقال مجاهد: ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، أي: يوم القيامة.
وقال السدي: ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ أي: واقع.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾، أي: من الأخبار عن قصص الأمم المكذبين بالرسل، وما حل بهم من العقاب والنكال والعذاب، مما يتلى عليهم في هذا القرآن، ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، أي: ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي على التكذيب.
وقوله: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، أي: في هدايته تعالى لمن هداه وإضلاله لمن أضله، ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يعني أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على قلبه؟ فمن الذي يهديه من بعد الله؟ وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ [¬١] الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾
يقول تعالى: فتولّ يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضون ويقولون: هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ﴾، أي: إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب، وما فيه من [البلاء، بل] [¬٢] والزلازل والأهوال، ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾، أي: ذليلة أبصارهم، ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، وهي القبور، ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾، أي: كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي [¬٣] ﴿جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ في الآفاق، ولهذا قال: ﴿مُهْطِعِينَ﴾، أي: مسرعين ﴿إِلَى الدَّاعِ﴾، لا يخالفون ولا يتأخرون، ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾، أي: يوم شديد الهول عبوس قمطرير ﴿يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيرُ يَسِيرٍ﴾.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي
_________________
(١) [¬١]- في ز: لله. [¬٢]- في خ: والتلاتل. [¬٣]- في ز: الداعي.
[ ١٣ / ٢٩٥ ]
مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)
يقول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ﴾ قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾، أي: صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون، ﴿[وَقَالُوا مَجْنُونٌ] [¬١] وَازْدُجِرَ﴾. قال مجاهد: ﴿وَازْدُجِرَ﴾، أي: استطير جنونًا. وقيل: ﴿وَازْدُجِرَ﴾، أي: انتهروه وزجروه وأوعدوه؛ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾. قاله ابن زيد، وهذا متوجه حسن. ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾، أي: إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم ﴿فَانْتَصِرْ﴾ أنت لدينك. قال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾. قال السدي: هو الكثير. ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾، أي: نبعت جميع أرجاء الأرض، حتى التنانير التي هي محال [¬٢] النيران نبعت عيونًا، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ أي: من السماء ومن الأرض ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾، أي: أمر مقدر.
قال ابن جريج، عن ابن عباس: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ كثير، لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده، ولا من السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان على أمر قد قدر.
وروى ابن أبي حاتم أن ابن الكواء سأل عليًّا عن المجرة؟ فقال: هي شرج [¬٣] السماء، ومنها فتحت السماء بماء منهمر.
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والقرظي، وقتادة، وابن زيد: هي المسامير. واختاره ابن جرير، قال: وواحدها دسار، ويقال: دسير كما يقال: حَبِيك [¬٤] وحباك، والجمع حُبك.
وقال مجاهد: الدُّسر: أضلاع السفينة. وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: محل. [¬٣]- في ز: شرخ. [¬٤]- في ز، خ: حبك.
[ ١٣ / ٢٩٦ ]
تضربُ [¬١] به الموج.
وقال الضحاك: الدسر: طرفاها وأصلها.
وقال العوفي عن ابن عباس: هو كلكلها.
وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، أي: بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظا وكلاءتنا، ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾، أي: جزاء لهم على كفرهم بالله وانتصارًا لنوح ﵇.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً﴾، قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة. والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. وقال: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أي: فهل من يتذكر ويتعظ؟
قال الإِمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
[فقال رجل: يا أبا عبد الرحمن؛ مدَّكر أو مذَّكر؟ قال: أقراني رسول الله ﷺ مدَّكر] [¬٢] (^٤٠).
وهكذا رواه البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، عن عبد الله قال: قرأت على النبي ﷺ: (فهل من مُذَّكر [¬٣]. فقال النبي ﷺ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (^٤١).
وروى البخاري أيضًا من حديث شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (^٤٢).
وقال: حدثنا أبو نعيم حدثنا زهير، عن أبي إسحاق: أنه سمع رجلًا يسأل [¬٤] الأسود:
_________________
(١) - أخرجه أحمد (١/ ٣٩٥) (٣٧٥٥).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ …﴾، حديث (٤٨٧٤) (٨/ ٦١٨).
(٣) - أخرجه في الموضع السابق برقم (٤٨٧٣). وفي الباب الذي قبله برقم (٤٨٧٢) من طريق شعبة. [¬١]- في ت: يضرب. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: مدكر. [¬٤]- في ز، خ: سأل.
[ ١٣ / ٢٩٧ ]
﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أو: (مُذكر)؟ قال: سمعت عبد الله يقرأ: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. وقال سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ دالًا (^٤٣).
وقد أخرج مسلم هذا الحديث وأهل السنن إلّا ابن ماجة، من حديث أبي إسحاق (^٤٤).
وقوله: ﴿فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، أي: كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي ولم يتعظ بما جاءت به نُذُري، وكيف انتصرت لهم، وأخذت لهم بالثأر؟
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، أي: سهلنا لفظه، ويسرنا معناه لمن أراده، ليتذكر الناس. كما قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾.
قال مجاهد: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ يعني: هونَّا قراءته.
وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين، ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله ﷿.
قلت: ومن تيسيره تعالى على الناس تلاوة القرآن ما تَقدْم عن النبي ﷺ أنه قال: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" (^٤٥). وأوردنا الحديث بطرقه وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقوله: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أي: فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يَسَّر الله حفظه ومعناه؟
وقال محمد بن كعب القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾، حديث (٤٨٧١) (٨/ ٦١٨).
(٢) - أخرجه مسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: ما يتعلق بالقراءات، حديث (٢٨٠، ٢٨١/ ٨٢٣). وأبو داود في كتاب: الحروف والقراءات، حديث (٣٩٩٤) (٤/ ٣٥). والترمذي في كتاب: القراءات، باب: ومن سورة الروم، حديث (٢٩٣٨) (٨/ ١٣٥). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، حديث (١١٥٥٥) (٦/ ٤٧٦). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف، حديث =
[ ١٣ / ٢٩٨ ]
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن رافع، حدثنا ضمرة، عن ابن شَوذب، عن مطر -هو الورّاق- في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾: هل من طالب علم فيعان عليه؟
وكذا علقه البخاري بصيغة الجزم عن مطر الوراق (^٤٦). ورواه ابن جرير (^٤٧)، وروي عن قتادة مثله.
﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن عاد قوم هود أنهم كذبوا رسولهم أيضًا، كما صنع قوم نوح، وأنه تعالى أرسل ﴿عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، وهي الباردة الشديدة البرد، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾، أي: عليهم. قاله الضحاك، وقتادة، والسدي، ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ عليهم نحسه ودماره [¬١]، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي.
وقوله: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه، فيسقط إلى الأرض، فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ
الذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ
_________________
(١) = (٤٩٩١) (٩/ ٢٣). ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: بيان أن القرآن على سبعة أحرف، حديث (٢٧٢/ ٨١٩) (٦/ ١٤٦) كلاهما من حديث عبد الله بن عباس.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
(٣) - تفسير الطبري (٢٧/ ٩٧). [¬١]- في ز: ودمارهم.
[ ١٣ / ٢٩٩ ]
الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ صَيحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)
وهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا، ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾، يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كُلنا قيادنا لواحد منا! ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم، ثم رموه بالكذب فقالوا: ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾، أي: متجاوز في حد الكذب. قال الله تعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾. وهذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾، أي: اختبارًا لهم، أخرج الله لهم ناقة عظيمة عُشراء من صخرة صَمّاء طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح ﵇ فيما جاءهم به.
ثم قال آمرًا لعبده ورسوله صالح: ﴿فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾، أي: انتظر ما يئول إليه أمرهم، واصبر عليهم، فإن العاقبة والنصر لك في الدنيا والآخرة. ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ﴾، أي [¬١]: يوم لهم ويوم للناقة؛ كقوله: ﴿قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.
وقوله: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾. قال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن.
ثم قال تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾. قال المفسرون: هو عاقر الناقة، واسمه قُدَار بن سالف، وكان أشقى قومه؛ كقواء: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، ﴿فَتَعَاطَى﴾ أي: فجسر [¬٢] ﴿فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾؟ أي: فعاقبتهم فكيف كان عقابي على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي؟ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ صَيحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾، أي: فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية، وخَمَدوا وهَمَدوا كما يهمد يَبيس الزرع والنبات. قاله غير واحد من المفسرين. والمحتظر -قال السدي-: هو المرعى
_________________
(١) [¬١]- في ز: يعني. [¬٢]- سقط من خ.
[ ١٣ / ٣٠٠ ]
بالصحراء حين يبس وتحرَّق ونسفته الريح.
وقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حِظارًا على الإِبل [والمواشي من] [¬١] يَبِيس الشّوك، فهو المراد من قوله: ﴿كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾.
وقال سعيد بن جُبَير: هشيم المحتظر: هو التراب المتناثر من الحائط. وهذا قول غريب، والأول أقوى، والله أعلم.
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن قوم لوط كيف كذبوا رسولهم وخالفوه، وارتكبوا المكروه بن إتيان الذكور، وهي الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين. ولهذا أهلكهم الله هلاكًا لم يُهلكْه أمةً من الأمم. فإنه تعالى أمر جبريل ﵇ فحمل مدائنهم حتى وصل بها إلى عَنَان السماء، ثم قلبها عليهم وأرسلها، وأتبعت بحجارة من سجيل منضود، ولهذا قال هاهنا. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا﴾، وهي: الحجارة، ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، أي: خرجوا من آخر الليل فنجوا مما أصاب قومهم، ولم يؤمن بلوط من قومه أحد ولا رجل واحد، حتى ولا امرأته، أصابها ما أصاب قومها، وخرج نبي الله لوط وبنات له من بين أظهرهم سالمًا لم يمسَسْه سوء.
ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾، أي: ولقد كان قبل حلول العذاب بهم قد أنذرهم بأس الله وعذابه، فما التفتوا إلى ذلك، ولا أصغوا إليه، بل شكوا فيه وتماروا به، ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيفِهِ﴾، وذلك ليلة وَرَد عليه الملائكة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل في صورة شباب مُرد حسان محنَةً [¬٢] من الله بهم،
_________________
(١) [¬١]- في ز: الرايي ثم. وفي خ: الداني ثم. [¬٢]- في ر، خ: حجية. بلا نقط.
[ ١٣ / ٣٠١ ]
فأضافهم لوط [وبعثت امرأته العجوزُ السوءُ إلى قومها، فأعلمتهم بأضياف لوط] [¬١] فأقبلوا يُهْرَعُون إليه من كل مكان، فأغلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، وذلك عشية، ولوط ﵇ يدافعهم ويمانعهم دون أضيافه، ويقول لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ يعني: نساءهم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾، أي: ليس لنا فيهن أرَبٌ، ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: فلما اشتد الحال وأبوا إلا الدخول، خرج عليهم جبريل ﵇ فضرب أعينهم بطرف جناحه، فانطمست أعينهم. يقال: إنها غارت من وجوههم. وقيل: إنه لم تبق لهم عيون بالكلية، فرجعوا على أدبارهم يتحسسون بالحيطان، ويتوعدون لوطًا ﵇ إلى الصباح.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾، أي: لا محيد لهم عنه، ولا انفكاك لهم منه، ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾.
﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن فرعون وقومه أنهم جاءهم رسول الله موسى وأخوه هارون بالبشارة إن آمنوا، والنذارة إن كفروا، وأيدهما بمعجزات عظيمة وآيات متعددة، فكذبوا بها كلها، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، أي: فأبادهم الله ولم يُبق منهم مخبرًا ولا عينًا ولا أثرًا.
ثم قال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾، أي: أيها المشركون من كفار قريش ﴿خَيرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ يعني من الذين تقدم ذكرهم ممن أهلكوا بسبب تكذيبهم الرسل، وكفرهم بالكتب: أأنتم خير أم أولئك؟ ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾، أي: أم معكم [¬٢] من الله براءة أن لا ينالكم عذاب ولا نكال [¬٣]؟.
ثم قال تعالى مخبرًا عنهم: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، أي: يعتقدون أنهم مناصرون بعضهم بعضًا، أن جمعهم يغني عنهم مَن أرادهم بسوء، قال الله تعالى:
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: معهم. [¬٣]- سقط من خ.
[ ١٣ / ٣٠٢ ]
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، أي: سيتفرق شملهم ويغلبون.
قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد، عن خالد. وقال أيضًا: حدثنا [محمد، حدثنا عفان بن مسلم] [¬١]، عن وُهَيب، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: وهو في قُبَّة له يوم بدر: "أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدًا". فأخذ أبو بكر ﵁ بيده وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك. فخرج وهو يثب في الدرع وهو يقول: " ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (^٤٨) ". وكذا رواه البخاري والنسائي في غير موضع، من حديث خالد -وهو ابن [¬٢] مهران- الحذاء به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزّهراني، حدثنا حماد، عن أيوب [¬٣]، عن عكرمة قال: لما نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، قال [¬٤] عمر: أيّ جَمْع يهزم؟ أيّ جَمْع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله، ﷺ، يثب في الدرع، وهو يقول: " ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ". فعرفت تأويلها يومئذ (^٤٩).
وقال البخاري: حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام بن يوسف، أن ابن جُرَيج أخبرهم، أخبربي يوسف بن ماهَكَ قال: إني عند عائشة أم المؤمنين، قالت: نزل على محمد ﷺ بمكة وإني لجارية ألعب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ (^٥٠) هكذا رواه هاهنا مختصرًا، ورواه في فضائل القرآن مطولًا (^٥١)، ولم يخرجه مسلم.
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ حديث (٤٨٧٧) (٨/ ٦١٩). وباب: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، حديث (٤٨٧٥) (٨/ ٦١٩). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، حديث (١١٥٥٧) (٦/ ٤٧٧).
(٢) - تفسير الطبري (٢٧/ ١٠٨).
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾، حديث (٤٨٧٦) (٨/ ٦١٩).
(٤) - أخرجه البخاري في كتاب: فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن، حديث (٤٩٩٣) (٩/ ٣٨ - ٣٩). [¬١]- ما بين المعكوفين في ز، خ: "محمد بن عفان". [¬٢]- سقط من ز، خ، ت. [¬٣]- في خ، ت: أبي أيوب. [¬٤]- في ز: قال: قال.
[ ١٣ / ٣٠٣ ]
﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾
يخبر [¬١] تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق، وسُعُر مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع [¬٢] من سائر الفرق.
ثم قال: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، أي: كما كانوا في سُعُر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، وكما كانوا ضلالًا سحبوا [¬٣] فيها على وجوهم، لا يدرون أين يذهبون، ويقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَر﴾.
وقوله: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، كقوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ وكقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ أي: قدر قدرًا، وهدى الخلائق إليه. ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمةُ السنة على إثبات قَدَر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل [¬٤] كونها، وكتابته لها قبل برئها [¬٥]، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من الأحاديث الثابتات على الفرْقة القَدَرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة، وقد تكلمنا على هذا المقام مفصلًا، وما ورد فيه من الأحاديث في شرح "كتاب الإيمان" من "صحيح البخاري" ﵀ ولنذكر هاهنا الأحاديث المتعلقة بهذه الآية الكريمة.
قال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان [¬٦] الثوري، عن زياد بن [¬٧] إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن أبي هُرَيرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله
_________________
(١) [¬١]- في ت: يخبرنا. [¬٢]- في ز: مبتدع. [¬٣]- في خ: يسحبون. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في خ تبرمها. [¬٦]- سقط من خ. [¬٧]- في ز، خ: عن.
[ ١٣ / ٣٠٤ ]
عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (^٥٢).
[وهكذا رواه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث وكيع عن سفيان الثوري به] [¬١].
وقال البزار: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا الضحاك بن مخلد، حدثنا يونس بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: ما [¬٢] نزلت هذه الآيات [¬٣]: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، إلا في أهل القدر (^٥٣).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سهل بن صالح الأنطاكي، حدثني قرة بن حبيب، عن كنانة، حدثنا جرير بن حازم، عن سعيد [¬٤] بن عمرو بن جَعدَةَ، عن ابن [¬٥] زُرارة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه تلا هذه الآية: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾. قال: "نزلت في أناس من أمتي يكونون [¬٦] في آخر الزمان، يكذبون بقدر الله" (^٥٤).
وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مَرْوان بن شجاع الجَزَري، عن عبد الملك بن جُرَيج، عن عطاء بن أبي رَبَاح قال: أتيت ابن عباس، وهو يَنْزع من زمزم، وقد ابتلت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تُكلِّم في القدر. فقال: أو فعلوها؟ قلت: نعم. قال: فوالله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، أولئك شرار هذه الأمة، فلا تعودوا مرضاهم، ولا تُصَلّوا على موتاهم، إن رأيت أحدًا منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين (^٥٥).
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٤). ومسلم في كتاب: القدر، باب: كل شيء بقدر، حديث (١٩/ ٢٦٥٦) (١٦/ ٣١٣ - ٣١٤) كلاهما من طريق وكيع.
(٢) - أخرجه البزار (٢/ ١١٠) (١٥١٣). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٠): رواه البزار وفيه يونس بن الحارث وثقه ابن معين وابن حبان وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.
(٣) - أخرجه الطبراني في "الكبير" (٥/ ٢٧٦) (٥٣١٦) من طريق جرير بن حازم. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٢٠): رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. والحديث صححه الألباني بالذي قبله في الصحيحة برقم (١٥٣٩).
(٤) - في إسناده ابن جريج وهو مدلس. [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ز: لما. [¬٣]- في ز: الآية. [¬٤]- في ز، خ: سعد. [¬٥]- في ز، خ: أبي. [¬٦]- في ز: يكذبون.
[ ١٣ / ٣٠٥ ]
وقد رواه الإمام أحمد من وجه آخر، وفيه مرفوع فقال:
حدثنا أبو المغيرة، حدثنا الأوزاعي، عن بعض إخوته عن محمد بن عبيد المكي، عن عبد الله بن عباس قال: قيل له: إن رجلًا قدم علينا يُكَذّب بالقدر. فقال: دلوني عليه -وهو أعمى- قالوا: وما تصنع به يا أبا عباس. قال: والذي نفسي بيده، لئن استمكنت منه لأعضنَّ أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته في يدي لأدُقنَّها، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كأني بنساء بني فِهْر يَطُفْنَ بالخزرج، تصطفق ألياتهن مشركات، هذا أول شرك هذه الأمة، والذي نفسي بيده لينتهين بهم سوء رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قَدّر خيرًا، كما أخرجوه من أن يكون قَدّر شرًّا" (^٥٦).
ثم رواه أحمد عن أبي المغيرة، عن الأوزاعي، عن العلاء بن الحجاج، عن محمد بن عبيد، فذكر مثله (^٥٧). لم يخرجوه.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن [¬١] أبي أيوب، حدثني أبو صخر، عن نافع قال: كان لابن عمر صديق من أهل الشام يكاتبه، فكتب إليه عبد الله بن عمر: إنه بلغني أنك تكلمت في شيء من القدر، فإياك أن تكتب إليَّ، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في أمتي أقوام يكذبون بالقدر" (^٥٨). [رواه أبو داود (^٥٩) عن أحمد بن حنبل، به] [¬٢].
وقال أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثنا عمر بن عبد الله مولى غُفْرَة [¬٣]، عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: "لكل أمة مجوس، ومجوس
_________________
(١) - أخرجه أحمد (١/ ٣٣٠) (٣٠٥٥). وإسناده ضعيف لجهالة من روى عنهم الأوزاعي لكن يشهد له ما بعده.
(٢) - أخرجه أحمد (١/ ٣٣٠) (٣٠٥٦). وفي إسناده العلاء بن الحجاج؛ ضعفه الأزدي كما في ميزان الاعتدال (٤/ ١٨) وكذا ذكر ابن حجر في التعجيل.
(٣) - أخرجه أحمد (٢/ ٩٠) (٥٦٣٩). وإسناده حسن من أجل أبي صخر وهو حميد بن زياد، صدوق يهم، وبقية رجاله ثقات. وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٤) - أخرجه أبو داود في كتاب: السنة، باب: في القدر، حديث (٤٧١٠) (٤/ ٢٢٨) بلفظ: "لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم" من طريق سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك الهذلي، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن ربيعة الجرشي، عن أبي هريرة عن عمر بن الخطاب، به. [¬١]- في ز، خ: عن. [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- في ز: غفر. وفي خ: غفار.
[ ١٣ / ٣٠٦ ]
أمتي الذين يقولون: لا قدر. إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم" (^٦٠).
لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه.
وقال أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا رشْدين، عن أبي [¬١] صخر حُميَد بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون في هذه الأمة مَسْخٌ، ألا وذاك في المكذبين بالقدر والزنديقية" (^٦١).
ورواه الترمذي وابن ماجه، من حديث أبي صخر حميد بن زياد، به (^٦٢). وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن الطباع، أخبرني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاوس اليماني قال: سمعت ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس" (^٦٣). ورواه مسلم منفردًا له، من حديث مالك (^٦٤).
وفي الحديث الصحيح: "استعن بالله ولا تَعْجز، فإن أصابك أمر فقل: قَدّر الله وما شاء فعل، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا [¬٢]، فإن "لو تفتح عمل الشيطان" (^٦٥).
وفي حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال له: "واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم يكتبه الله لك، لم ينفعوك. ولو اجتمعوا
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٢/ ٨٦). وفي إسناده عمر بن عبد الله مولى غفرة؛ قال العلائي في "جامع التحصيل": قال أبو حاتم: لم يلق أنس بن مالك، وحديثه عن ابن عباس مرسل. وقال ابن معين: لم يسمع من صحابي. ا هـ.
(٢) - أخرجه أحمد (٢/ ١٠٨) (٥٨٦٧) وفي إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف.
(٣) - أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب (١٦)، حديث (٢١٥٤) (٦/ ٣٢٤) من طريق رشدين. وأخرجه الترمذي برقم (٢١٥٣)، وابن ماجة في كتاب: الفتن، باب: الخسوف، حديث (٤٠٦١) (٢/ ١٣٥٠). كلاهما من طريق حيوة بن شريح عن حميد بن زياد بنحو حديث رشدين. وحسن هذا الحديث الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٣٢٨٢).
(٤) - أخرجه أحمد (٢/ ١١٠) (٥٨٩٣).
(٥) - مسلم في كتاب: القدر، باب: كل شيء بقدر، حديث (١٨/ ٢٦٥٥) (١٦/ ٣١٣).
(٦) - أخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: في الأمر بالقوة وترك العجز، والاستعانة بالله، وتفويض المقادير لله، حديث (٣٤/ ٢٦٦٤) (١٦/ ٣٢٩). [¬١]- في خ: ابن. [¬٢]- في ز، خ: هكذا.
[ ١٣ / ٣٠٧ ]
على أن يضروك بشيء، لم يكتبه الله عليك، لم يضروك. جفت الأقلام وطويت الصحف" (^٦٦).
وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسن بن سوار، حدثنا الليث، عن معاوية، عن أيوب بن زياد، حدثني عُبَادة بن الوليد بن عُبَادة، حدثني أبي قال: دخلتُ على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه، أوصني واجتهد لي. فقال: أجلسوني. فلما أجلسوه قال: يا بني، إنك لم تَطْعَم طَعْم الإِيمان، ولم تبلغ حَقّ حقيقة العلم بالله، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. قلت: يا أبتاه، وكيف لي أن اعلم ما خيرُ القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بني، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم. ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة". يا بني، إن متّ ولستَ على ذلك دخلتَ النار (^٦٧).
ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى البلخي، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن سليم، عن عطاء بن أبي رباح، عن الوليد بن عبادة، عن أبيه (^٦٨). أو [¬١] قال: حسن صحيح غريب.
وقال سفيان الثوري، عن منصور، عن ربعي بن خراش، عن رجل، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن عبد [¬٢] حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، بعثني بالحق [ويؤمن بالموت] [¬٣]، ويؤمن بالبعث بعدى الموت، ويؤمن بالقدر خيره وشره". وكذا رواه الترمذي من حديث النضر بن شميل، عن شعبة، عن منصور، به. ورواه من حديث أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن منصور، عن ربعي، عن علي فذكره (^٦٩) وقال: هذا عندي أصح.
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٣) (٢٦٦٩). والترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: ولكن يا حنظلة ساعة وساعة، حديث (٢٥١٨) (٧/ ٢٠٣ - ٢٠٤). كلاهما من طريق ليث بن سعد عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس ﵁ به.
(٢) - أخرجه أحمد (٥/ ٣١٧) (٢٢٨٠٨). وهو حديث حسن.
(٣) - أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: (١٧)، حديث (٢١٥٦). وفي إسناده عبد الواحد بن سليم: ضعيف. قال الترمذي: وهذا حديث غريب. وقد أخرجه أبو داود مختصرًا برقم (٤٧٠٠) من طريق آخر، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٣٩٣٣).
(٤) - أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: ما جاء في الإيمان بالقدر خيره وشره، حديث = [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في خ: أحد. [¬٣]- سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ٣٠٨ ]
وكذا رواه ابن ماجة من حديث شريك، عن منصور، عن ربعي، عن علي به (^٧٠).
وقد ثبت في صحيح مسلم، من رواية عبد الله بن [وهب وغيره، عن أبي هانيء الخَوْلاني، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن] [¬١] عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة". زاد ابن وهب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ (^٧١). ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح غريب (^٧٢).
وقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾. وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه كما أخبر بنفوذ قَدره فيهم، فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إلا وَاحِدَةٌ﴾، أي: إنما نأمر بالشيء مرة واحدة، لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك الذي نأمر به حاصلًا موجودًا كلمح البصر، لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء:
إذَا ما أرَادَ الله أمْرًا فَإِنَّمَا … يَقُولُ لهُ: كُن، قَولَةً فَيَكُونُ
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾، يعني: أمثالكم وسلفكم من الأمم السالفة الكذبين بالرسل، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، أي: فهل من متعظ بما أخزى الله أولئك، وقدر لهم من العذاب. كما قال تعالى: (﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾.
وقوله: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾، أي: مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة ﵈ ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾، أي [¬٢]: من أعمالهم ﴿مُسْتَطَرٌ﴾، أي: مجموع عليهم ومسطر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.
وقد قال الإِمام أحمد: حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن [مسلم بن بَانَكَ [¬٣]] [¬٤]:
_________________
(١) = (٢١٤٦) من طريق أبي داود والنضر كلاهما عن شعبة. وإسناده صحيح. وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (١٧٤٤ - ٢٢٤٦).
(٢) - أخرجه ابن ماجة في المقدمة برقم (٨١) من طريق شريك عن منصور (١/ ٣٢).
(٣) - أخرجه مسلم في كتاب: القدر، باب: حجاج آدم وموسى ﵉ حديث (١٦/ ٢٦٥٣) (١٦/ ٣١٠ - ٣١١).
(٤) - أخرجه الترمذي في كتاب: القدر، باب: (١٨)، حديث (٢١٥٧) (٦/ ٣٢٦) من طريق حيوة بن شريح عن أبي هانئ - بنحو حديث مسلم. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في خ: ماهك. [¬٤]- ما بين المعكوفين في ز: "سلم بن ماهك".
[ ١٣ / ٣٠٩ ]
سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير، حدثني عوف بن الحارث - وهو ابن أخي عائشة لأمها - عن عائشة أن رسول الله، ﷺ، كان يقول: "عائشة، إياك ومحقرات الذنوب؛ فإن لها من الله طالبًا". (^٧٣) ورواه النسائي وابن ماجة من طريق سعيد بن مسلم بن بانك [¬١] المدني (^٧٤). وثقه أحمد وابن معين، وأبو حاتم وغيرهم.
وقد رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة سعيد بن مسلم هذا من وجه آخر، ثم قال سعيد: فحدثت بهذا الحديث عامر بن هشام فقال لي: ويحك يا سعيد بن مسلم! لقد حدثني سليمان بن المغيرة أنه عمل ذنبا فاستصغره، فأتاه آت في منامه فقال له: يا سليمان:
لا تَحْقِرَنَّ من الذنوب صغيرًا … إن الصغيرَ غَدًا يَعُودُ كَبيرًا
إن الصَّغيرَ وَلَو تَقَادَمَ عَهْدُهُ … عندَ الإلَه مُسَطَّرٌ تَسْطيرًا
فَازْجُرْ هَوَاكَ عَن البَطَالة، لا تَكُنْ … صَعْبَ القيَاد، وَشَمِّرَنْ تَشْميرًا
إن المُحَبَّ إذَا أحبَّ إلهَهُ … طَارَ الفُؤادُ وَأُلهِم التَّفْكِيرَا
فَاسْألْ هدَايَتَك الإله بِنِيَّة … فَكَفَى بِرَبّكَ هَاديًا وَنَصِيرًا (^٧٥)
وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾، أي: بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسعر، والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد.
وقوله: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾، أي: في دار كرامة الله ورضوانه وفضله، وامتنانه وجوده وإحسانه، ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾، أي: عند الملك العظيم الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون، وقد قال الإِمام أحمد:
حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عَمْرو - يَبلُغُ به النبي ﷺ قال: "المقسطون عند الله [يوم القيامة] [¬٢] على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا" (^٧٦).
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٦/ ١٥١). وفي إسناده عوف بين الحارث بن الطفيل، قال الحافظ: مقبول.
(٢) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب الرقائق كما في تحفة الأشراف للمزي (١٢/ ٢٥٠). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر الذنوب، حديث (٤٢٤٣) (٢/ ١٤١٧). قال في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (٥١٣).
(٣) - أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٣٥٣) وانظر السابق.
(٤) - أخرجه أحمد (٢/ ١٦٠). [¬١]- في خ: ماهك. [¬٢]- سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ٣١٠ ]
انفرد بإخراجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة بإسناده مثله (^٧٧)
آخر تفسير سورة "اقتربت" ولله الحمد والمنة، وبه التوفيق والعصمة.
[] [¬١]
* * *
_________________
(١) - مسلم في كتاب: الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر، حديث (١٨/ ١٨٢٧) (١٢/ ٢٩١). والنسائي في الكبرى في كتاب الفضاء، باب: فضل الحاكم العادل، حديث (٥٩١٦) (٣/ ٤٦٠). [¬١]- ما بين المعكوفين في ز: "وصل الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل، يتلوه إن شاء الله تعالى في أول السابع تفسير سورة الرحمن ﷿ والحمد لله رب العالمين". وفي خ: "وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، وهذا آخر الجزء السادس من تفسير الإمام ابن كثير ويتلوه إن شاء الله الجزء السابع من أول تفسير سورة الرحمن، والحمد لله رب العالمين - آمين".
[ ١٣ / ٣١١ ]
﷽
رب أعن على إتمامه]