[قال عبد الله بن الإمام أحمد (^١)] [¬١]: حدثنا خلف بن هشام، حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ قال: قال لي أبي بن كعب: كَأين [¬٢] تقرأ [¬٣] سورة الأحزاب؟ أو كَأين [¬٤] تعدها [¬٥]؟ قال: قلت: ثلاثًا وسبعين آية. فقال: قَط! لقد رأيتها وإنها لتعادل "سورة البقرة"، ولقد قرأنا فيها: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، نكالًا من الله. والله عليم حكيم".
ورواه النسائي من وجه آخر، عن عاصم -وهو ابن أبي النجود، وهو ابن بهدلة- به. وهذا إسناد حسن، وهو يقتضي أنه قدر [¬٦] كان فيها قرآن ثم نسخ لفظه وحكمه أيضًا، والله أعلم.
﷽
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾
هذا تنبيه بالأعلى على الأدنى، فإنه تعالى إذا كان يأمر عبده ورسوله بهذا فَلأن يأتمر من دونه بذلك بطريق الأولى والأحرى. وقد قال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة
_________________
(١) - المسند (٥/ ١٣٢) (٢١٢٨٧)، وأخرجه أيضًا (٥/ ١٣٢) (٢١٢٨٦)، والنسائي في الكبرى، كتاب الرجم، باب: نسخ الجلد عن الثيب، حديث (٧١٥٠). وأخرجه الحاكم أيضًا في المستدرك (٢/ ٤١٥) و(٤/ ٣٥٩). من طرق، عن عاصم، عن زر به. ورواه ابن حبان كما في الإحسان (٦/ ٣٠١ - ٣٠٢) حديث ٤٤١١. عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن إبراهيم -بنحوه- عن النضر بن شميل عن حماد بن سلمة، عن عاصم. [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "قال الإمام أحمد إنما قاله عبد الله بن أحمد" ويبدوا أن عبارة "إنما قاله عبد الله بن أحمد" يبدوا أنها كانت لبعض المعلقين على الكتاب فأدخلها الناسخ سهوًا في صلب الكتاب. [¬٢]- في خ، ز: "كان". [¬٣]- في ز، خ: "يقرأ". [¬٤]- في خ، ز: "كان". [¬٥]- في ز: "بعدها". [¬٦]- سقط من: ت.
[ ١١ / ١١١ ]
الله، علي نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله [لله] [¬١]، مخافة عذاب الله.
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، أي: لا تسمع منهم ولا تستشرهم [¬٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أي: فهو أحق أن تتبع أوامره وتطعه، فإنه عليم بعواقب الأمور، حكيم في أقواله وأفعاله، ولهذا قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، أي: من قرآن وسنة، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، أي: فلا تخفى عليه خافية. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، أي: في جميع أمورك وأحوالك، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: وكفى به وكيلًا لمن توكل عليه وأناب إليه.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾
يقول تعالى موطئًا قبل المقصود المعنوي أمرًا حسيًّا معروفًا، وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه، ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله: أنت عَلَيَّ كظهر أمي- أمًّا له، كذلك لا يصير الدّعيّ ولدًا للرجل إذا تبنّاه فدعاه ابنًا له، فقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، كقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.
وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، هذا هو المقصود بالنفي، فإنها نزلت في شأن زيد بن حارثة مولى النبي، ﷺ، كان النبي، ﷺ، قد تبناه قبل النبوة، وكان يقال له: "زيد بن محمد"، فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾، كما قال في أثناء السورة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾. وقال هاهنا: ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، يعني تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابنًا حقيقيًّا، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر، فما يمكن أن يكون له أبوان، كما لا يمكن أن
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٢]- في ز، خ "تستشيرهم".
[ ١١ / ١١٢ ]
يكون للبشر الواحد قلبان.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، قال سعيد بن جبير: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، أي: العدل. وقال قتادة: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، أي: الصراط المستقيم.
وقد ذكر غير واحد: أن هذه الآية نزلت في رجل من قريش، كان يقال له: "ذو القلبين"، وأنه كان يزعم أن له قلبين، كل منهما بعقل وافر. فأنزل الله هذه الآية ردًّا عليه. هكذا روى العَوفي عن ابن عباس. وقاله مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة. واختاره ابن جرير.
وقال الإمام أحمد (^٢): حدثنا حسن، حدثنا زهير، عن قابوس -يعني: ابن أبي ظبيان- أن أباه حدثه قال: قلت لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾، ما عنى بذلك؟ قال: قام رسول الله، ﷺ، يومًا يصلي، فخَطَر خَطْرَة [¬١]. فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين، قلبًا معكم وقلبًا معهم؟ فأنزل الله ﷿: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾.
وهكذا رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن صاعد الحراني-[و] [¬٢] عن عبد بن حميد، عن أحمد بن يونس- كليهما [¬٣] عن زهير -وهو ابن معاوية-. به، ثم قال: وهذا حديث حسن. وكذا رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث زهير، به.
وقال عبد الرزاق (^٣): أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَينِ فِي جَوْفِهِ﴾، قال: بلغنا أن ذلك كان في زيد بن حارثة، ضُرب له مثل، يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك.
وكذا قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد: إنها نزلت في زيد بن حارثة. وهذا يوافق ما قدمناه من التفسير، والله أعلم.
وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، هذا أمر ناسخ لما كان في ابتداء الإسلام من جواز ادعاء الأبناء الأجانب، وهم الأدعياء، فأمر تعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة، وأن هذا هو العدل والقسط.
_________________
(١) - المسند (١/ ٢٦٧)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، حديث (٣١٩٩) وابن خزيمة (٨٦٥) من طريق قابوس به.
(٢) - تفسير عبد الرزاق (٢/ ١١١)، ومن طريقه أخرجه ابن جرير. [¬١]- أي وُسوس. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: "كلاهما".
[ ١١ / ١١٣ ]
قال البخاري (^٤) ﵀: حدثنا مُعَلى بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، حدثنا موسى بن عقبة قال: حدثني سالم، عن عبد الله بن عمر: أن زيد بن حارثة مولى رسول الله، ﷺ، ما كُنا ندعوه إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مرسى بن عقبة، به.
وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من [¬١] كل وجه، في الخلوة بالمحارم وغير ذلك؛ ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حديفة: يا رسول الله؛ [إنا] [¬٢] كنا ندعو سالمًا ابنًا، وإن الله قد أنزل ما أنزل، وإنه كان يدخل عَلَيّ، وإني أجد في نفس أبي حديفة من ذلك شيئًا [¬٣]، فقال ﷺ: "أرضعيه تحرمي عليه … ". الحديث (^٥).
ولهذا لما نسخ هذا الحكم، أباح تعالى زوجة الدعى، وتزوج رسول الله، ﷺ، بزينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة (^٦)، وقال: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، وقال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ احترازًا عن زوجة الدعى، فإنه ليس من الصلب، فأما الابن من الرضاعة فمنزل بمنزلة [¬٤] ابن الصلب شرعًا، بقوله ﵇ في الصحيحين (^٧): " حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب".
_________________
(١) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ حديث (٤٧٨٢)، وأخرجه مسلم في فضائل الصحابة حديث (٢٤٢٥) والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، حديث (٣٢٠٩) وفي المناقب، باب: مناقب زيد بن حارثة ﵁، حديث (٣٨١٤) والنسائي في التفسير (٤١٦) من طريق موسى بن عقبة به.
(٢) - أخرجه مسلم في الرضاع، حديث (٢٧/ ١٤٥٣) من طريق القاسم عن عائشة، وأصل الحديث عند البخاري في المغازي: حديث (٤٠٠٠) وفي النكاح، باب: الأكفاء في الدين، حديث (٥٠٨٨) من طريق عروة عن عائشة.
(٣) - أحاديث زواج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش كثيرة، وانظر تاريخ دمشق (١/ ١٣٧، ١٤٤ - السيرة).
(٤) - الحديث في المسند (٦/ ٧٢) بلفظ: "حرموا من الرضاعة ما تحرموا من الولادة" من طريق أبي بكر بن صغير عن عروة عن عائشة به مرفوعًا، والحديث عند البخاري في النكاح حديث (٥٠٩٩)، ومسلم في الرضاع حديث (١٤٤٤) ليفظ: "إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة". وفي لفظ لمسلم: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة". [¬١]- في ز، خ: "في". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- في ت: "منزلة".
[ ١١ / ١١٤ ]
فأما دعوة الغير ابنًا على سبيل التكريم والتحبيب، فليس مما نهي عنه في هذه الآية، بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي، من حديث سفيان الثوري (^٨)، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العُرَني، عن ابن عباس ﵄ قال: قدمنا على رسول الله ﷺ، أغيلمة بني عبد المطلب على حُمُرَات لنا من جَمع. فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: "أُبَينِيَّ [¬١] لا ترموا الجمر حتى تطلع الشمس".
قال أبو عبيد وغيره: "أُبيني [¬٢]: تصغير ابني [¬٣] ". وهذا ظاهر الدلالة، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر.
وقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ في شأن زيد بن حارثة، وقد قتل في يوم مؤتة سنة ثمان، وأيضًا ففي صحيح مسلم (^٩)، من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري، [عن الجعد] [¬٤] أبي عثمان البصري، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال لي رسول الله، ﷺ: "يا بني". ورواه أبو داود والترمذي.
وقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، أمر تعالى برد أنساب الأدعياء إلي آبائهم، إن عرفوا، فإن لم يعرفوا آباءهم فهم إخوإنهم في الدين ومواليهم، أي: عرضا عما فاتهم من النسب؛ ولهذا قال رسول الله، ﷺ، يوم خرج من مكة عام عُمرة القضاء، وتبعتهم ابنة حمزة تنادي: يا عم، يا عم. فأخذها علي وقال لفاطمة: دونَك ابنةَ عَمك [فاحتمليها. فاختصم] [¬٥] فيها على، وزيد، وجعفر في أيّهم يكفلها، فكل أدلى بحجته، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي. وقال زيد: ابنة أخي. وقال جعفر بن أبي طالب: ابنة عمي، وخالتها تحتى -يعني أسماء بنت عميس- فقضى النبي، ﷺ، لخالتها، وقال: "الخاله بمنزلة الأم". وقال لعلى: "أنت
_________________
(١) - أخرجه أحمد (١/ ٢٣٤، ٣١١، ٣٤٣)، وأبو داود في المناسك، باب: التعجيل من جمع، حديث (١٩٤٠)، والنسائي في الحج، باب: النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس (٥/ ٢٧٠، ٢٧) وابن ماجة في الحج، باب: من تقدم من جمع إلى منى، حديث (٣٠٢٥) من طريق سفيان به. والحديث أخرجه الحميدي (٤٦٥)، وأحمد (١/ ٢٣٤) من طريق مسعر وسفيان عن سلمة به.
(٢) - صحيح مسلم، كتاب الآداب، حديث (٢١٥١)، وأخرجه أحمد (٣/ ٢٨٥) وأبو داود في الأدب، باب: في الرجل يقول لابن غيره: يا بني، حديث (٤٩٦٤) والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في يا بني، حديث (٢٨٣١) من طرق عن أبي عوانة به. [¬١]- في ز: "ابني". [¬٢]- في ز: "ابني". [¬٣]- في ز: "ابني". [¬٤]- ط بين المعكوفتين في خ، ز: "الجعدي". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "فاحتملتها واختصم".
[ ١١ / ١١٥ ]
مني، وأنا منك". وقال لجعفر: "أشبهت خَلْقي وخلُقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" (^١٠).
ففي هذا الحديث أحكام كثيرة من أحسنها أنه ﵊ حكم بالحق، وأرضى كل من المتنازعين، وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا"، كما قال تعالى: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
وقال ابن جرير (^١١): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال أبو بكرة: قال اللَّه ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾، فأنا ممن لا يعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال أبي: والله، إني لأظنه لو علم أن أباه كان حمارًا لانتمى إليه.
وقد جاء في الحديث: "من ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر" (^١٢).
وهذا تشديد وتهديد، ووعيد أكيد، في التبري من النسب المعلوم؛ ولهذا قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أي: إذا نسبتم بعضهم إلي غير أبيه في الحقيقة خطأ، بعد الاجتهاد واستفراغ الوسع، فإن اللَّه قد وضع الحرج في الخطأ ورفع إثمه، كما أرشد إليه في قوله آمرًا عباده أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
وثبت في صحيح مسلم (^١٣) أن رسول الله، ﷺ، قال: "قال الله: قد فعلت".
وفي صحيح البخاري (^١٤)، عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله، صلى الله عليه
_________________
(١) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب: كيف يكتب "هذا ما صالح فلان بن فلان … " حديث (٢٦٩٩)، وفي المغازي، باب: عمرة القضاء، حديث (٤٢٥١)، والترمذي في البر والصلة، باب: ما جاء في بر الخالة، حديث (١٩٠٤)، وفي المناقب حديث (٣٧١٦)، (٣٧٦٥) من طريق أبي إسحاق عن البراء بن عازب.
(٢) - تفسير الطبري (٢١/ ١٢١).
(٣) - رواه البخاري، في كتاب المناقب، حديث (٣٥٠٨) بمعناه. وطرفه (٦٠٤٥).
(٤) - صحيح مسلم حديث (١٢٦).
(٥) - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث (٧٣٥٢) ولفظه: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" والحديث أخرجه أيضًا مسلم في الأقضية حديث (١٧١٦) من طريق أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو به مثل لفظ البخاري. وقد تقدم تخريج الحديث في سورة الأنبياء الآية (٧٩).
[ ١١ / ١١٦ ]
وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر".
وفي الحديث الآخر: "إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما يكرهون عليه" (^١٥).
وقال هاهنا: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. أي: وإنما الإثم على من تعمد [¬١] الباطل كما قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْو فِي أَيمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
وفي الحديث المتقدم (^١٦): " من ادعي إلى غير أبيه، وهو يعلمه، إلا كفر". وفي القرآن المنسوخ: "فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم".
قال الإِمام أحمد (^١٧): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس، عن عمر أنه قال: بعث الله محمدًا، ﷺ، بالحق، وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أتزل عليه آية الرجم، فرجم رسول اللَّه ﷺ ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: "ولا ترغبوا عن آبائكم [فإنه كفر بكم -أو: إن كفرًا بكم- أن ترغبوا عن آبائكم"] [¬٢]. وإن رسول الله، ﷺ، قال: "لا تطروني [كما أطري] [¬٣] عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبده ورسوله". وربما قال معمر: "كما أطرت النصارى ابن مريم".
ورواه في الحديث الآخر: "ثلاث في الناس كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت، والاستسقاء بالنجوم" (^١٨).
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾
_________________
(١) - تقدم تخريجه في تفسير سورة الأعراف الآية (١٥٧).
(٢) - تقدم في رقم (١٢).
(٣) - المسند (١/ ٤٧)، والحديث أخرجه البخاري في الحدود، باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، حديث (٦٨٣٠) مطولًا من طريق صالح بن كيسان عن الزهري به.
(٤) - (٥/ ٣٤٢) (٢٣٠١٠)، وأخرجه مسلم في كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة (٢/ ٦٤٤ / رقم: ٩٣٤). من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعًا به. [¬١]- في خ: "تعلم". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "كإطراء".
[ ١١ / ١١٧ ]
قد علم الله تعالى شفقة رسوله، ﷺ، على أمته، ونصحه لهم، فجعله أولى بهم من أنفسهم، وحُكْمه فيهم مُقَدّمًا على اختيارهم لأنفسهم، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وفي الصحيح (^١٩): " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من لفسه وماله وولده والناس أجمعين".
وفي الصحيح (^٢٠) أيضًا أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله، والله لأنت أحب إلى من كل شيء [] [¬١] إلا من نفسي. فقال: "لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك". فقال: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي. فقال: "الآن يا عمر". ولهذا قال تعالى في هذه الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
وقال البخاري (^٢١) عندها: حدثنا إبراهيم بن المنذر، حدثنا [محمد بن] [¬٢] فُلَيح، حدثنا أبي، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عَمرَة، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ، قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك دينًا أو ضياعًا، فليأتني فأنا مولاه". تفرد به البخاري.
ورواه أيضًا في "الاستقراض"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، من طرق، عن فليح، به مثله.
ورواه الإِمام أحمد (^٢٢)، من حديث أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن
_________________
(١) - صحيح البخاري في الإيمان، باب: حب الرسول ﷺ من الإيمان، حديث (١٤) من حديث أنس للفظ "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده" وأخرجه البخاري في الموضع السابق، حديث (١٥)، ومسلم في الإيمان حديث (٤٤) من حديث أنس نحوه.
(٢) - صحيح البخاري في الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي ﷺ، حديث (٦٦٣٢) من طريق أبي عقيل زهرة بن معبد عن جده عبد الله بن هشام به.
(٣) - صحيح البخاري في التفسير، حديث (٤٧٨١)، وأخرجه أيضًا في الاستعراض، كتاب الصلاة على من ترك دينا، حديث (٢٣٩٩) والطبرى () من طريق فليح به.
(٤) - المسند (٢/ ٣٥٦)، والحديث في صحيح البخاري، كتاب الفرائض، باب: ابنى عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج، حديث (٦٧٤٥) من طريق أبي حصين به أيضًا. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "والله". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ١١٨ ]
رسول الله ﷺ، بنحوه.
وقال الإمام أحمد (^٢٣): حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي، ﷺ، كان يقول: "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فأيما رجل مات وترك دينًا فإني، ومن ترك مالًا فلورثته". ورواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به نحوه.
وقوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، أي: في الحرمة والاحترام، والإكرام والتوقير والإعظام، ولكن لا تجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المؤمنين، كما هو منصوص الشافعي في "المختصر"، وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم. وهل يقال لمعاوية وأمثاله: خال المؤمنين؟ فيه قولان للعلماء، ونص الشافعي على أنه يقال ذلك. وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات [¬١]، فيدخل النساء في جمع المذكر السالم تغليبًا؟ فيه قولان، صح عن عائشة ﵂ أنها [¬٢] قالت: لا يقال ذلك. وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵀.
وقد روي عن أبي بن كعب، وابن عباس أنهما قرأا: "النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم". وروى نحو هذا عن معاوية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وهو أحد الوجهين في مذهب الشافعي. حكاه البغوي وغيره. واستأنسوا عليه بالحديث الذي رواه أبو داود (^٢٤):
حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، حدثنا ابن المبارك، عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله، ﷺ: "إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعَلّمكم، فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه"، وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث والرّمّة.
وأخرجه النسائي وابن ماجة من حديث ابن عجلان.
الوجه الثاني أنه لا يقال ذلك، واحتجوا بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ
_________________
(١) - المسند (٣/ ٢٩٦)، وعنه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء، حديث (٢٩٥٣)، وأخرجه أبو داود في البيوع والإجارات، باب: في التشديد في الدين، حديث (٣٣٤٣) والنسائي في الجنائز، باب: الصلاة على من عليه دين (٤/ ٦٥) من طريق عبد الرزاق به.
(٢) - سنن أبي داود في الطهارة، باب: كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، حديث (٨)، والنسائي في الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالروث (١/ ٣٨)، وابن ماجه في الطهارة باب: الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة، حديث (٣١٣) من طريق ابن عجلان به. [¬١]- في ز، خ: "المؤمنين". [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ١١٩ ]
مِنْ رِجَالِكُمْ﴾. وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، أي: في حكم الله [¬١] ﴿الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾، أي: القرابات أولى بالتوارث من المهاجرين والأنصار. وهذه ناسخة لما كان قبلها من التوارث بالحلف والمؤاخاة التي كانت بينهم، كما قال ابن عباس وغيره: كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، للأخوة التي آخى بينهما رسول الله، ﷺ. وكذا قال سعيد بن جبير، وغير واحد من السلف والخلف.
وقد أورد فيه ابن أبي حاتم حديثًا عن الزبير بن العوام ﵁ فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي بكر المصعبي -من ساكني بغداد- عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير بن العوام قال: أنزل الله ﷿ فينا خاصة -معشر قريش والأنصار-: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وذلك أنا -معشر قريش- لما قدمنا المدينة قَدمنا ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعْمَ الإخوان، فواخيناهم ووارثناهم، فواخى أبو بكر خارجة بن زيد، وآخى عمر فلانًا، وآخى عَثمان بن عفان رجلًا من بني زريق [¬٢] سعد الزرقي [¬٣]-ويقول بعض الناس غيره- قال الزبير: وواخيت أنا كعب بن مالك، فجئته فابتعلته فوجدت السلاح قد ثقله فيما يرى، فوالله يابني [¬٤]، لو مات يومئذ عن الدنيا ما ورثه غيري، حتى أنزل الله هذه الآية فينا معشر قريش والأنصار خاصة، فرجعنا إلى مواريثنا.
وقوله: ﴿إلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾، أي: ذهب الميراث، وبقى النصر والبر والصلة والإحسان والوصية.
وقوله: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾، أي: فإذا الحكم، وهو أن أولى الأرحام بعضهم أولى ببعض، حكم من الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي لا يبدل، ولا يغير. قاله مجاهد وغير واحد. وإن كان قد يقال: قد [¬٥] شرع خلافه في وقت لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم أنه سينسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي، وقضائه القدري الشرعيّ.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ
_________________
(١) [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في خ، ز: "رزيق". [¬٣]- في ز: "الدرقي". [¬٤]- في خ، ز: "ما بي". [¬٥]- سقط من: ز.
[ ١١ / ١٢٠ ]
لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن أولي العزم الخمسة، وبقية الأنبياء: إنه أخذ عليهم العهد والميثاق في إقامة دين الله، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾. فهذا العهد والميثاق أخذ عليهم بعد إرسالهم، وكذلك هذا. ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة، وهم أولو العزم، وهو من باب عطف الخاص على العام، وقد صرح بذكرهم أيضًا في هذه الآية، وفي قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، فذكر الطرفين والوسط، الفاتح [¬١] والخاتم، ومن بينهما على الترتيب. فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ﴾، فبدأ في هذه الآية بالخاتم، لشرفه -صلوات الله عليه- ثم رتبهم بحسب وجودهم صلوات الله عليهم.
قال ابن أبي حاتم (^٢٥): حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا محمد بن بكار، حدثنا سعيد بن بشير، حدثني قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي، ﷺ، [في قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾. الآية قال النبي، ﷺ] [¬٢]: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث، [فبدئ بي] [¬٣] قبلهم". سعيد بن بشير فيه ضعف.
وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلًا، وهو أشبه، ورواه بعضهم عن قتادة موقوفًا، فالله أعلم.
وقال أبو بكر البزار (^٢٦): حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو أحمد، حدثنا حمزة الزيات، حدثنا عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: خيار ولد آدم خمسة: نوح،
_________________
(١) - أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٣)، والبغوي في تفسيره كما في البداية والنهاية (٣/ ٤٩٨ - هجر) من طريق سعيد بن بشير به وزاد السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٥٣) نسبته إلى الحسن بن سفيان وابن مردويه والديلمي، وابن عساكر. وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للشيخ الألباني (٦٦١).
(٢) - كشف الأستار (٢٣٦٨) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٨): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. [¬١]- في خ، ز: "الناتج". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.
[ ١١ / ١٢١ ]
وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وخيرهم محمد، صلى اللَّه عليهم وسلم، أجمعين. موقوف، وحمزة فيه ضعف.
وقد قيل: إن المراد بهذا الميثاق الذي أخذ منهم حين أخرجوا في صورة الذر من صلب آدم، كما قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب قال: ورفع أباهم آدم، فنظر إليهم -يعني: ذريته- وأن فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة، ودون ذلك، فقال: رب، لو سويت بين عبادك؟ فقال: إني أحببت أن أشكر. وأري فيهم الأنبياء مثل السرج عليهم كالنور، وخصوا بميثاق آخر من الرسالة والنبوة فهو الذي يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية. وهذا قول مجاهد أيضًا.
وقال ابن عباس: الميثاق الغليظ: العهد.
وقوله: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، قال مجاهد: المبلغين المؤدين عن [¬١] الرسل.
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: من أممهم ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: موجعًا، فنحن نشهد أن الرسل قد بَلَّغُوا رسالات ربهم، ونصحوا الأمم وأفصحوا لهم عن الحق المبين، الواضح الجلي، الذي لا ليس فيه ولا شك ولا امتراء، وإن كذبهم من كذبهم من الجهلة والمعاندين والمارقين والقاسطين، في جاءت به الرسل هو الحق، ومن خالفهم فهو على الضلال.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين، في صرفه أعداءهم، وهزمه إياهم عام تألبوا عليهم وتحزبوا وذلك عام الخندق، وذلك في شوال سنة خمس من الهجرة على الصحيح المشهور. وقال موسى [بن عقبة] [¬٢] وغيره: كانت في سنة أربع.
وكان سبب قدوم الأحزاب أن نفرًا من أشراف يهود بني النضير، الذين كانوا قد أجلاهم رسول الله، ﷺ، من المدينة إلى خيبر، منهم: سلام بن أبي [¬٣] الحقيق،
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "من". [¬٢]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ١٢٢ ]
وسلام بن مشكم، وكنانة بن الربيع، خرجوا إلى مكة واجتمعوا بأشراف قريش، وألبوهم على حرب رسول الله، ﷺ، ووعدوهم من أنفسهم النصر والإعانة، فأجابوهم إلي ذلك. ثم خرجوا إلى [¬١] غطان فدعوهم فاستجابوا لهم أيضًا. وخرجت قريش في أحابيشها (*) ومن تابعها، وقائدهم أبو سفيان صخر بن حرب، وعلى غطفان عُيَينة بن حصن بن بدر، والجميع قريب من عشرة آلاف، فلما سمع رسول الله، ﷺ، بمسيرهم أمر المسلمين بحفر الخندق حول المدينة مما يلي الشرق، وذلك بإشارة سلمان الفارسيّ فعمل المسلمون فيه واجتهدوا، ونقل معهم [¬٢] رسول الله، ﷺ، التراب وحفرَ، وكان في حفره ذلك آيات بينات ودلائل واضحات. وجاء المشركون فنزلوا شرقي المدينة قريبًا من أحد، ونزلت طائفة منهم في أعالي أراضي [¬٣] المدينة، كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، وخرج رسول اللَّه، ﷺ، ومن معه من المسلمين، وهم نحو ثلاثة آلاف -وقيل: سبعمائة- وأسندوا ظهورهم إلى سَلْع ووجوههم إلى نحو العدو، والخندق حفير ليس فيه ماء بينهم وبينهم يحجب الرجالة والخيالة أن تصل إليهم، وجعل النساء والذراري في آطام (**) المدينة، وكانت بنو قريظة -وهم طائفة من اليهود- لهم حصن شرقي المدينة، ولهم عهد من النبي، ﷺ، وذمة، وهم قريب من ثمانمائة مقاتل، فذهب إليهم حُيي بن أخطب النضَري، فلم يزل بهم حتى نقضوا العهد، ومالئوا الأحزاب على رسول الله ﷺ، فعظم الخطب واشتد الأمر، وضاق الحال؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
ومكثوا محاصرين للنبي، ﷺ، وأصحابه قريبًا من شهر، إلا أنهم لا يصلون إليهم، ولم يقع بينهم قتال إلا أن عمرو بن عبد ود العامري -وكان من الفرسان الشجعان المشهورين في الجاهلية- ركب ومعه فرارس فاقتحموا الخندق، وخلصوا إلى ناحية المسلمين وندب [¬٤] رسول الله، صلى الله عليه وصلم، خيل المسلمين إليه، فلم يبرز إليه أحد، فأمر عليا فخرج إليه، فتجاولا ساعة، ثم قتله علي ﵁، فكان علامة على النصر.
ثم أرسل الله ﷿ على الأحزاب ريحًا شديدة الهبوب قوية، حتى لم تبق لهم خيمة ولا شيء ولا تُوقد لهم نار، ولم يقر لهم قرار حتى ارتحلوا خائبين خاسرين؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا﴾.
_________________
(١) (*) قال ابن الأثير: هم أحياء القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا. والتحبش: التجمع. وقيل: حالفوا قريشًا تحت جبل يُسَمى حبشيا فشكوا بذلك. (**) الآطام: جمع أُطُمٍ؛ وهو البناء المرتفع. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ت: "أرض". [¬٤]- في ت: "فندب".
[ ١١ / ١٢٣ ]
قال مجاهد: وهي الصبا. ويؤيده الحديث الآخر: "نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور".
وقال ابن جرير (^٢٧): حدثني محمد بن المثنّى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود، عن عكرمة قال: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي ننصرْ رسول الله، ﷺ. فقالت الشمال: إن الحرة لا تسري بالليل. قال: فكانت [¬١] الريح التي أرسلت عليهم الصبا. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن حفص بن غياث، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس فذكره.
وقال ابن جرير أيضًا (^٢٨): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن عبد الله بن عمر قال: أرسلني خالي عبد الله [¬٢] بن مظعون ليلة الخندق في برد شديد وريح إلى المدينة، فقال: ائتنا بطعام ولحاف، قال: فاستأذنت رسول الله، ﷺ، فأذن لي، وقال: "من أتيت من أصحابي فمرهم يرجعوا". قال: فذهبت والريح تسفي [¬٣] كل شيء، فجعلت لا ألقى أحدًا إلا أمرته بالرجوع إلى النبي، ﷺ، قال: فما يلوي أحد منهم عنقه. قال: وكان معي ترس لي، فكانت الريح تضربه عليّ، [قال:] [¬٤] وكان فيه حديد، قال: فضربته الريح حتى وقع بعض ذلك الحديد على كفى، فأنفدها [¬٥] إلى الأرض.
وقوله: ﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾، وهم الملائكة، زلزلتهم وألقت في قلوبهم الرعب والخوف، فكان رئيس كل قبيلة يقول: يا بني فلان إليّ. فيجتمعون إليه فيقول: النجاء، النجاء، لما ألقى الله تعالى في قلوبهم من الرعب.
وقال محمد بن إسحاق (^٢٩)، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله، ﷺ، وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي. قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢١/ ١٢٧).
(٢) - تفسير الطبري (٢١/ ١٢٧).
(٣) - سيرة ابن هشام (٣/ ١٨٦) وأخرجه في مسنده (٥/ ٣٩٢) بسنده إلى ابن إسحاق به، وانظر التالي. [¬١]- في ز، خ: "وكانت". [¬٢]- في ت: عثمان. وهو تحريف عجيب؛ حيث إن عثمان بن مظعون لم يشهد سوى بدر، ومات في السنة الثانية للهجرة. أما أخوه عبد الله بن مظعون فقد توفى في سنة ثلاثين للهجرة. انظر أسد الغابة [٣/ ٣٩٤، ٥٩٨]. [¬٣]- سفت الريحُ الترابَ: أذرته أو حملته. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٥]- في خ: "ما بعدها"، وفي ز: "فأبعدها".
[ ١١ / ١٢٤ ]
كنا نجهد. قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا. قال: قال حذيفة: يا بن أخي، والله لو رأيتنا مع رسول الله، ﷺ، بالخندق وصلى رسول الله، ﷺ، هويًّا من الليل، ثم التفت فقال: "من رجل يقُوم فينظر لنا ما فعل القوم؟ " -يشرط [¬١] له النبيّ ﷺ أنه يرجع- أدخله الله الجنة". قال: فما قام رجل. ثم صلى رسول الله، ﷺ، هويًّا من الليل، ثم التفت إلينا، فقال مثله، فما قام منا رجل. ثم صلى رسول الله، ﷺ، هويًّا من الليل ثم التفت إلينا فقال: "من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط [¬٢] له رسول الله ﷺ الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة". فما قام رجل من القوم؛ من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله، ﷺ، فلم يكن لي بد بن القيام حين دعاني فقال: "يا حذيفة، اذهب فأدخل في القوم فانظر ما يفعلون، ولا تُحْدثَنّ شيئًا حتى تأتينا". قال: فذهبت فدخلت [في القوم] [¬٣]، والريح وجنود الله ﷿ تفعل بهم ما تفعل، لا تُقر لهم قِدْرَا [¬٤] ولا نارًا ولا بناءً، فقام أبو سفيان فقال: بها معشر قريش، لينظر امرؤ مَن جليسه. قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا فلان بن فلان، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكُرَاع والخُفّ، وأخلفتنا بنو قُرَيظة، وبَلَغَنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح الذي ترون، والله ما تطمئن لنا قدر [¬٥]، ولا تَقُوم لنا نار [¬٦]، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا، فإني مُرْتحل، ثم قام إلى جَمَله وهو معقول، فجلس عليه، ثم ضربه، فوثب به على ثلاث، فما أطلق عقَاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله، ﷺ، إلى: "أن لا تحدث شيئًا حتى تأتينا" ثم شئتُ لقتلته بسهم.
قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله، ﷺ، وهو قائم يصلي في مرط [¬٧] لبعض نسائه مُرَحَّل - فلما رآني أدخلني بين رجليه، وطرح عليَّ طرف المرْط، ثم ركع، وسجد، وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غَطَفان بما فعلت قريش، فانشمروا [¬٨] راجعين إلى بلادهم.
وقد رواه مسلم في صحيحه (^٣٠) من حديث الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال:
_________________
(١) - صحيح مسلم في الجهاد والسير، حديث (١٧٨٨). [¬١]- في ت: "يشترط". [¬٢]- في ت: "يشترط". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ [¬٤]- في خ، ز: "قرارًا". [¬٥]- في ز، خ: قدرًا. [¬٦]- في ز، خ: نارًا. [¬٧]- في ز: "مرض". [¬٨]- انشمروا: مطاوع شمره، والمراد: أسرعوا.
[ ١١ / ١٢٥ ]
كنا عند حذيفة بن اليمان ﵁ فقال له رجل: لو أدركتُ رسول الله، ﷺ، قاتلتُ معه وأبليتُ. فقال له حذيفة: أنت كنتَ تفعل ذلك؟ لقد رَأيتُنا مع رسول الله، ﷺ، ليلة الأحزاب في ليلة ذات [ريح شديدة] [¬١] وقرّ [¬٢]، فقال رسول الله، ﷺ: "ألا رجل يأتي بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة". فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية، ثم الثالثة مثله. ثم قال: "يا حذيفة، قم فأتنا بخبر من القوم". فلم أجد بُدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال: "ائتني بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهم [¬٣] عَلَيّ" قال: فمضيت كأنما أمشي في حَمَّام، حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرتُ قول رسول الله، ﷺ،: "لا تَذْعَرْهم عَلَيّ". ولو رَمَيته لأصبته. قال: فرجعت كأنما أمشي في حَمَّام، فأتيت رسول الله، ﷺ، ثم أصابني البرد حين فَرَغتُ وقررْتُ، فأخبرتُ رسول الله، ﷺ، وألبسني من فضل عَبَاءة [¬٤] كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله، ﷺ،: "قم يا نومان [¬٥] ".
ورواه يونس بن بكير (^٣١)، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم أن رجلًا قال لحذيفة ﵁: نشكو إلى الله صحبتكم لرسول الله، ﷺ، إنكم أدركتموه ولم ندركه، ورأيتموه ولم نره. فقال حذيفة: ونحن نشكو إلى الله إيمانكم به ولم تروه، والله لا تَدْري ابن أخي لو أدركتَه كيف كنتَ تكون؛ لقد رأيتنا مع رسول الله، ﷺ، ليلة الخندق في ليلة باردة مَطيرة … ثم ذكر نحو ما تقدم مطولًا.
وروى بلال بن يحيى العبسي عن حذيفة نحو ذلك أيضًا (^٣٢).
وقد أخرج الحاكم والبيهقيّ في "الدلائل" (^٣٣)، من حديث عكرمة بن عمار، عن محمَّد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال: ذَكَر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله، ﷺ، فقال جلساؤه: أما والله لو شَهِدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا. فقال
_________________
(١) - دلائل النبوة (٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥) بسنده إلى يونس بن بكير به.
(٢) - الدلائل (٣/ ٤٥٠ - ٤٥١) بسنده إلى بلال.
(٣) - المستدرك (٣/ ٣١)، ودلائل النبوة (٣/ ٤٥١ - ٤٥٢)، ومن طريق البيهقي أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٢/ ٢٨٢، ٢٨٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "برد شديد". [¬٢]- القُرُّ: البرد. [¬٣]- الذَّعر: الفزع الشديد، يريد: لا تعْلِمْهم بنفسك وامش في خفية لِئلَّا ينفروا منك ويقبلوا عليَّ. [¬٤]- في ز، خ: "هناة" وهو تحريف. [¬٥]- النومان: كثير النوم.
[ ١١ / ١٢٦ ]
حذيفة: لا تمنوا ذلك. لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قُعُود: أبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم علي ذرارينا، وما أتَت علينا [ليلة] [¬١] قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا أصبعه. فجعل المنافقون يستأذنون النبيّ، ﷺ، ويقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون، ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله، ﷺ، رجلًا رجلًا حتى أتى عليَّ، وما عليَّ جُنَّة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، لا [¬٢] يجاوز ركبتي. قال: فأتاني، ﷺ، وأنا جَاثٍ على ركبتيَّ فقال: "من هذا؟ ". فقلت: حذيفة، قال: "حذيفة". فتقاصرتُ بالأرض [¬٣]، فقلت: بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم. [قال: "قُم"] [¬٤] فقمت فقال: " [إنه كائن] [¬٥] في القوم خبر فائتني بخبر القوم" -قال [¬٦]: وأنا من أشد الناس [¬٧] فزعًا، وأشدهم قُرًّا- قال: فخرجت، فقال رسول الله، ﷺ: "اللهم، احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته". قال: فوالله ما خلق الله فزعًا ولا قرًّا في جوفي إلا خرج من جوفي، فما أجد فيه شيئًا. قال: فلما وليت قال: "يا حذيفة، لا تُحْدِثَنّ في القوم شيئًا حتى تأتيني". قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته، ويقول: [الرحيلَ الرحيل] [¬٨]. ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا في كنانتي أبيض الريش، فأضعه في كَبَد قوسي لأرميه به في ضوء النار، فذكرت قول رسول الله، ﷺ: "لا تحدثن فيهم شيئًا حتى تأتيني". فأمسكت ورددت [¬٩] سهمي إلى كنانتي، ثم إني شَجَّعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني [¬١٠] بنو عامر يقولون: يا آل عامر؛ الرحيل الرحيلَ! لا مُقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرًا، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وَفَرَسَتْهُمُ [¬١١] [¬١٢] الريح تضربهم بها ثم خرجت نحو النبي، ﷺ، فلما انتصفت في الطريق أو نحوًا من ذلك، إذا [] [¬١٣] أنا بنحو من عشرين فارسًا أو [¬١٤] نحو ذلك
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز، خ. ومثبت من الدلائل. [¬٢]- في ت: "ما". [¬٣]- في ز، خ: "الأرض". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز والمثبت من الدلائل. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "إن كان". [¬٦]- سقط من: ز والمثبت من الدلائل. [¬٧]- سقط من: ز والمثبت من الدلائل. [¬٨]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "الرجل الرجل". [¬٩]- في ز: "فرددت". [¬١٠]- في خ، ز: "معى". [¬١١]- في خ، ز: "ورشهم". [¬١٢]- فرستهم: فتكت بهم. وهو على سبيل الاستعارة. [¬١٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "نحن". [¬١٤]- في ز، خ: "و".
[ ١١ / ١٢٧ ]
مُعْتَمّين [¬١]، فقالوا: أخْبر صاحبك أن الله تعالى كَفاه القوم. فرجعت إلى رسول الله، ﷺ، وهو مشتمل في شملة يصلي، فو الله ما عدا أن رجعت رَاجَعَني القُرُّ وجعلت أقَرْقُفُ [¬٢] فأومأ إليَّ رسول الله، ﷺ، بيده [¬٣] وهو يصلي، فدنوت منه، فأسبل علي شملته، وكان رسول الله، ﷺ، إذا حَزَبه [¬٤] أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، و[¬٥] أخبرته أنى تركتهم يترحلون، وأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
وأخرج أبو داود في سننه (^٣٤) منه: كان رسول الله، ﷺ، إذا حزبه أمر. من حديث عكرمة بن عمار، به.
وقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾، أي: الأحزاب ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾، تقدم عن حذيفة أنهم بنو قريظة، ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، أي: من شدة الخوف والفزع، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾.
قال ابن جرير: ظن بعض من كان مع رسول الله، ﷺ، أن الدائرة على المؤمنين، وأن الله سيفعل ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق حتى قال مُعَتّب بن بشير [¬٦]-أخو بني عمرو بن عوف-: كان محمَّد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن مذهب إلى الغائط.
وقال الحسن في قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾: ظنون مختلفة، ظن المنافقون أن محمدًا وأصحابه سيُستأصلون [¬٧]، وأيقن المؤمنون أن ما وعبد الله ورسوله حق. وأنه سيظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
_________________
(١) - سنن أبي داود في الصلاة، باب: وقت قيام النبي ﷺ من الليل، حديث (١٣١٩)، وأخرجه أحمد في (٥/ ٣٨٨) من طريق عكرمة بن عمار به أيضًا. [¬١]- في خ، ز: "مقيمين". [¬٢]- قرقف: أرعد. [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- حزبه أمر: نزل به هَمَّ، أو شغله غَمَّ. [¬٥]- سقط من: ز. [¬٦]- في ت: "قشير" وقد حكى ابن الأثير في أسد الغابة كلا القولين [٥/ ٢٢٥]. [¬٧]- في ت: "يستأصلون".
[ ١١ / ١٢٨ ]
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام [¬١] الأنصاري. حدثنا أبو عامر (ح) وحدثنا أبي، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا الزبير -يعني ابن عبد الله، مولى عثمان بن عفان- عن رُبيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أنس، عن أبي سعيد قال: قلنا يوم الخندق: يا رسول الله، هل من شيء نقول، فقد بلغت القلوب الحناجر؟ قال ﷺ: "نعم، قولوا: اللهم، استر عوراتنا، وآمن روعاتنا". قال: فضرب وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم بالريح. وكذا رواه الإِمام أحمد بن حنبل عن أبي عامر العقدي (^٣٥).
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا (١٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن ذلك الحال، حين نزلت الأحزاب حول المدينة، والمسلمون محصووون في غاية الجهد والضيق، ورسول الله، ﷺ، بين أظهرهم، إنهم ابتُلوا واختُبروا وزُلزلرا زلزالًا شديدًا، فحينئذ ظهر النفاق، وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في
_________________
(١) - وأخرجه أحمد (٣/ ٣) وإسناده ضعيف لضعف الزبير بن عبد الله، وربيح بن أبي سعيد. الزبير بن عبد الله: هو ابن أبي خالد الأموي، مولاهم، مولى عثمان بن عفان، وأبوه يقال له: ابن رهيمة، وهي أمه، قال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن معين: الزبير بن عبد الله يكتب حديثه. وذكر له ابن عدي أحاديث وقال: أحاديثه منكرة المتن والإسناد. وقال الحافظ في التقريب: مقبول. وربيح بن أبي سعيد: هو ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال أحمد: ربيح رجل ليس بمعروف. وقال أبو زرعة: شيخ. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. وذكره ابن حبان في الثقات. وقيل: إن اسمه سعيد، وأن لقبه ربيح. وقال الترمذي في العلل الكبير عن البخاري: ربيح منكر الحديث. (التهذيب ٣/ ٢٣٨). وفي التقريب: مقبول. والحديث أخرجه ابن جرير في تفسيره - (٢١/ ١٢٧). وذكره الهيثمي في "المجمع" - (١٠/ ١٣٩) وقال: رواه أحمد والبزار وإسناد البزار متصل رجاله ثقات، وكذلك رجال أحمد إلا أن في نسختي من السند عن ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه وهو في البزار: عن أبيه، عن جده. وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور - (٥/ ٣٥٥) لابن المنذر. قلت: والصحيح ما في مسند البزار وقد أثبتناه هنا، ثم إن ربيح هذا لم نجد أحدًا ذكر أنه يروي عن جده مباشرةً، ودون واسطة. فرحم الله سلفنا الصالح كم عانوا من سوء النسخ، ونحن بين الطبعات الفاخرة ومع ذلك فحدث ولا حرج عن الأخطاء التي توجد في الكتب المحققة في هذا الأيام وإلى الله المشتكى. [¬١]- في ت: "عاصم" وهو تحريف. انظر الجرح والتعديل [٢/ ٦٦].
[ ١١ / ١٢٩ ]
نفوسهم، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾، أما المنافق فنجم [¬١] نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسيكةٌ [¬٢]، ضَعُف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه، لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال. وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾، يعني المدينة كما جاء في الصحيح: "أريت [في المنام] [¬٣] دارَ هجرتكُم أرض بين حَرّتين فذهب وهلي أنها هجر، فإذا هي يثرب". وفي لفظ: "المدينة".
فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٣٦): حدثنا إبراهيم بن مهدي، حدثنا صالح بن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من سمى المدينة يثرب (٤) فليستغفر الله؛
_________________
(١) - المسند (٤/ ٢٨٥). والحديث أخرجه أبو يعلى في "مسنده" (١٦٨٨) (٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨). وعمر بن شبّة في "تاريخ المدينة" (١/ ١٦٥). من طريق صالح بن عمر عن يزيد بن أبي زياد به. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٠٣) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات. والحديث ذكره ابن حجر في "القول المسدد" (صـ ٤٠، ٤١) وقال: ذكره ابن الجوزي في الموضوعات من طريق أحمد بن إبراهيم الموصلي عن صالح بن عمر به. وأعله بيزيد بن أبي زيد ولم يصب، فإن يزيد وإن ضعفه بعضهم من قبل حفظه وبكونه كان يلقن فيتلقن في آخر عمره؛ فلا يلزم من شيء من ذلك أن يكون حمل ما يحدث به موضوعًا. وقد أورده الدارقطني في "الأفراد" وقال: تفرد به صالح بن عمر عن يزيد -يعني بهذا الإسناد وأخرجه ابن عدي في "الكامل" في ترجمه يزيد بن أبي زياد وضعف يزيد، وقد رواه أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" من طريق أبي يوسف القاضي عن يزيد بن أبي زياد فقال: عن ابن عباس بدل: البراء، ولفظه: "لا تدعوها "يثرب" فإنها طيبة - يعني المدينة، ومن قال: "يثرب" فليستغفر الله ثلاث مرات، هي طيبة: هي طيبة، وشاهده ما أخرجه مالك والبخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت بقرية كل القرى يقولون: يثرب، وهي المدينة". ا هـ والحديث ضعفه الشيخ الألباني في "ضعيف الجامع" (٥٦٤٧). (*) يثرب: قال ابن الأثير: هي اسم مدينة النبي ﷺ، قديمة، فغيَّرها وسمَّاها: طَيَّبَة، وطابة؛ كراهية للتثريب، وهو اللوم والتعيير. وقيل: هو اسم أرضها. وقيل: سُمِّيت باسم رجل من العمالقة. نهاية [٥/ ٢٩٣]. قال المناوي: لأن اليثرب: الفساد، والتثريب: التوبيخ والمؤاخذة بالذنب واللوم، ولا يليق بها ذلك. وظاهر أمره بالاستغفار أن تسميتها لذلك حرام؛ لأن استغفارنا إنما هو عن خطيئة، وهو ظاهر كلام جمع منهم الدميري؛ قالوا: وتسميتها في التنزيل حكاية لقول المنافقين أو من باب مخاطبة الناس بما يعرفونه. ا. هـ والأكثر على الكراهة، ولا ينافي الكراهة ما في الصحيحين في حديث الهجرة: فإذا هي المدينة يثرب، وفي رواية: "لا أراها إلا يثرب" وإن ذلك كان قبل النهي كما ذكره السمهوديّ تبعا لصحاح الجوهري. فيض القدير شرح الجامع الصغير [٦/ ١٥٦]. [¬١]- نجم الشيءُ: طلع وظهر. ونجم له رأيٌ: بدا. [¬٢]- الحسيكة: الحقد والعداوة. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز.
[ ١١ / ١٣٠ ]
هي طابة، هي طابة". تفرد به الإمام أحمد، - ففي [¬١] إسناده ضعف، والله أعلم.
ويقال: إنما كان أصل تسميتها "يثرب" برجل نزلها من العماليق، يقال له: يثرب بن عبيل ابن مهلابيل بن عوص بن عملاق بن [لاوذ بن إرم] [¬٢] بن سام بن نوح. قاله السهيلي، قال: وروي عن بعضهم أنه قال: إن لها أحد عشر اسمًا: المدينة، وطابة، وطَيبة، والمسكينة، والجابرة، والمحبة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة.
وعن كعب الأحبار قال: إنا نجد في التوراة: يقول الله للمدينة: يا طيبة، ويا طابة، ودا مسكينة [¬٣]، [لا تقلي الكنوز، أرفع أحاجرك على أحاجر القرى.
وقوله] [¬٤]: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾: أي، هاهنا، يعنون عند النبي، ﷺ، في مقام المرابطة، ﴿فَارْجِعُوا﴾، أي [¬٥]: إلى بيوتكم ومنازلكم. ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، قال العوفّي، عن ابن عباس: هم بنو حارثة قالوا: بيوتنا نخاف [¬٦] عليها السَّرَق. وكذا قال غير واحد.
وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قَيظيّ [¬٧]، يعني: اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عَورة، أي: ليس دونها ما يحجبها عن العدو، فهم يخشون عليها منهم. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾، أي: ليست كما يزعمون، ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾، أي: هَرَبًا من الزحف.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إلا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَو الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: في. وصوبتها لكي يستقيم الكلام. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "لاذ بن آدم". [¬٣]- في خ، ز: "سكينة". [¬٤]- ما بين المعكوفتين بياض في خ، ز بمقدار سطر. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "قبطي".
[ ١١ / ١٣١ ]
يخبر تعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾: أنهم لو دَخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة، وقطر من أقطارها، ثم سئلوا الفتنة -وهي الدخول في الكفر- لكفروا سريعًا، وهم لا يحافظون على الإِيمان، ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع.
هكذا فسرها [¬١] قتادة، وعبد الرحمن بن زيد، وابن جرير، وهذا ذم لهم في غاية الذم.
ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف، أن لا يولوا الأدبار ولا يفروا [¬٢] من الزحف؛ ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ أي: وإن الله سيسألهم عن ذلك العهد، لا بد من ذلك، ثم أخبرهم أن فرارهم ذلك لا يؤخر آجالهم، ولا يطول أعمارهم، بل ربما كان ذلك سببًا في تعجيل أخذهم غرة؛ ولهذا قال: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا﴾ أي: بعد هربكم وفراركم ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾.
ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، أي: يمنعكم، ﴿مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي: ليس لهم ولا لغيرهم من دون الله مجيرًا ولا مغيث [¬٣].
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾
يخبر تعالى عن إحاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب، والقائلين لإِخوانهم، أي أصحابهم وعُشَرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَينَا﴾، أي: إلى ما نحن فيه من الإِقامة في الظلال والثمار، وهم مع ذلك ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيكُمْ﴾ أي: بخلاء بالمودة والشفقة عليكم. وقال السدي: ﴿أَشِحَّةً عَلَيكُمْ﴾ أي في الغنائم.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، أي: من شدة خرفه وجزعه، وهكذا خوف هؤلاء الجبناء من القتال ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "فسره". [¬٢]- في ز، خ: "يفرون". [¬٣]- في خ، ز: "معينًا".
[ ١١ / ١٣٢ ]
سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، أي: وإذا كان الأمن تكلموا كلامًا بليغًا فصيحًا عاليًا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك.
وقال ابن عباس: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ أي: استقبلوكم.
وقال قتادة: أما عند الغنيمة فأشح قوم، وأسوؤه مقاسمة: أعطونا، أعطونا، قد شهدنا معكم. وأما عند البأس فأجبن قوم، وأخذله للحق وهم مع ذلك أشحة على الخير، أي: ليس فيهم خير، قد جَمَعُوا الجبن والكذب وقلة الخير، فهم كما قال في أمثالهم الشاعر:
أفي السلم أعْيَارًا جَفَاءً وغلْظَةً … وفي الحَرْب أمْثَال النّساء العَوَاركِ
أي: في حال المسالمة كأنهم الحمير. والأعيار: جمع عير، وهم الحمار. وفي الحرب كأنهم النساء الحُيَّض؛ وهذا قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، أي: سهلًا هينًا عنده.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلًا (٢٠)﴾
وهذا أيضًا من صفاتهم القبيحة في الجبن والخوف والخور، ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾، بل هم قريب منهم، وإن لهم عودة إليهم ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾، أي: ويَوَدّون إذا جاءت الأحزاب أنهم لا يكونون حاضرين معكم في المدينة بل في البادية، يسألون عن أخباركم، وما كان من أمركم مع عدوكم، ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلًا﴾. أي: ولو كانوا بين أظهركم لما قاتلوا معكم إلا قليلًا لكثرة جبنهم وذلتهم، وضعف يقينهم.
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾
هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله، ﷺ، في أقواله وأفعاله وأحواله؛ ولهذا أمِرَ الناس بالتأسي بالنبي، ﷺ، يوم الأحزاب، في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه ﷿ صلواتُ الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين؛ ولهذا قال تعالى للذين، [تقلقوا] وتضجروا وتزلزلوا واضطربوا في
[ ١١ / ١٣٣ ]
أمرهم يوم الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أي: هلا اقتديتم به وتأسيتم بشمائله؟ ولهذا قال: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
ثم قال تعالى مخبرًا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم، وجَعْله العاقبةَ حاصلةً لهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
قال ابن عباس وقتادة: يعنون قوله تعالى في "سورة البقرة": ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ أي هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب؛ ولهذا قالوا [¬١]: ﴿وصدق الله ورسوله﴾.
وقوله: ﴿وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا﴾، دليل على زيادة الإيمان وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قاله جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص. وقد قررنا ذلك في أول "شرح البخاري"، ولله الحمد والمنة.
ومعنى قوله: ﴿وما زادهم﴾، أي: ذلك الحال والضيق والشدة ﴿إلا إيمانًا﴾ بالله، ﴿وتسليمًا﴾ أي: انقيادًا لأوامره، وطاعة لرسوله.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾
لما ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه [¬٢] لا يولون الأدبار - وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و﴿صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه﴾، قال بعضهم: أجله. وقال البخاري: عهده، وهو يرجع إلى الأول.
﴿ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا﴾، أي: وما غيروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدلوه.
قال البخاري (^٣٧): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري؛ قال: أخبرني خارجة
_________________
(١) - صحيح البخاري في التفسير، باب ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾ حديث (٤٧٨٤)، = [¬١]- في ت: "قال". [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ١٣٤ ]
ابن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما نسخنا المصحف فَقَدْتُ آيةً من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله، ﷺ، يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري- الذي جعل رسول الله، ﷺ، شهادته بشهادة رجلين-: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾.
انفرد به البخاري دون مسلم. وأخرجه أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي -في التفسير من سننيهما- من حديث الزهري، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
وقال البخاري أيضًا (^٣٨): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن ثُمَامَةَ، عن أنس بن مالك قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾. انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر، قال الإِمام أحمد (^٣٩):
حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بي الغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: عَمّي أنس بن النضر سُميت به، لم يشهد مع رسول الله، ﷺ، يوم بدر، فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله، ﷺ، غُيبتُ عنه، لئن أراني الله مشهدًا فيما بعد مع رسول الله، ﷺ، لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله، ﷺ، يوم [¬١] أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو [¬٢]؛ أين؟ واهًا [¬٣] لريح الجنة أجده دون أحد! قال: فقاتلهم حتى قُتل، قال: فَوُجد في جسده بضع [¬٤] وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتى الربيعُ بنة النضر-: فما عرفت أخي إلا ببنانه. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿رجال صدقوا ما
_________________
(١) = وأطرافه عند البخاري في (٢٨٠٧، ٤٠٤٩، ٤٦٧٩، ٤٩٨٦، ٤٩٨٩، ٧١٩١، ٧٤٢٥)، وأخرجه أحمد (٥/ ١٨٨، ١٨٩) والترمذي في تفسير القرآن باب: ومن سورة التوبة، حديث (٣١٠٤)، والنسائي في التفسير (٤٢١) من طريق الزهري به.
(٢) - صحيح البخاري في التفسير، باب ﴿فمنهم من قضى نحبه …﴾ الحديث (٤٧٨٣).
(٣) - المسند (٣/ ١٩٤)، وفيه قال أحمد: ثنا بهز وثنا هاشم قالا: ثنا سليمان بن المغيرة فذكره. وأخرجه مسلم في الإمارة، حديث (١٩٠١) من طرق عن هاشم بن القاسم له. وأخرجه مسلم في نفس الموضع، حديث (١٩٠٣)، والترمذي في التفسير، باب: "ومن سورة الأحزاب"، حديث (٣٢٠٠)، والنسائي في فضائل الصحابة (١٨٦)، وفي التفسير (٤٢٢) من طريق سليمان بن المغيرة به. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "عمر". [¬٣]- واها: كلمة تحنن وتلهف. والقائل هو أنس بن النضر. [¬٤]- في ز، خ: "بضعة".
[ ١١ / ١٣٥ ]
عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه.
ورواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة. ورواه النسائي أيضًا وابن جرير (^٤٠)، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به نحوه.
وقال ابن أبي حاتم (^٤١): حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن أنس: أن عمه -يعني أنس بن النضر- غاب عن قتال بدر فقال: غُيّبتُ عن أول قتال قاتله رسول الله، ﷺ، المشركين، لئنِ الله أشهدني قتالًا للمشركين لَيَرَينّ الله ما أصنع. قال: فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم، إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدم فلقيه سعد -يعني ابن معاذ- دون أحد، فقال: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أن أصنع ما صنع. قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف، وطعنة رمح، ورمية سهم. وكانوا يقولون فيه وفي أصحابه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾.
وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضًا عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما، عن يزيد بن هارون، به. وقال الترمذي: حسن.
وقد رواه البخاري (^٤٢) في المغازي عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة بن مُصرّف، عن حميد، عن [¬١] أنس، به. ولم يذكر نزول الآية.
ورواه ابن جرير (^٤٣) من حديث المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن مرسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة قال: لما أن رجع النبي، ﷺ، من أحد صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وعَزّى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر،
_________________
(١) - أخرجه النسائي في التفسير (٤٢٢)، وأحمد (٣/ ٢٥٣)، والطبري من طريق حماد به.
(٢) - الحديث أخرجه أحمد (٣/ ٢٠١)، وعبد بن حميد (١٣٩٦)، والترمذي في التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب، حديث (٣٢٠١)، والنسائي في التفسير (٤٢٣) من طريق يزيد بن هارون به.
(٣) - صحيح البخاري في المغازي، باب غزوة أحد، حديث (٤٠٤٨) والحديث عند البخاري أيضًا في الجهاد والسير، باب قول الله ﷿ ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ حديث (٢٨٠٥) من طريق حميد الطويل به نحوه.
(٤) - تفسير الطبري (٢١/ ١٤٧). [¬١]- في ز، خ: "بن".
[ ١١ / ١٣٦ ]
ثم قرأ هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ الآية كلها. فقام إليه رجل [¬١] من المسلمين فقال: يا رسول اللَّه، من هؤلاء؟ فأقبلت وعَليّ ثوبان أخضران حَضْرَميَّان فقال: "أيها السائل، هذا منهم".
وكذا رواه ابن جرير (^٤٤) من حديث سليمان بن أيوب الطلحي به.
وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضًا، وابن جرير (^٤٥)، من حديث يونس بن بكير، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني [¬٢] طلحة، عن أبيهما، له. وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس.
وقال أيضًا (^٤٦): حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عامر -يعني العقدي- حدثنا إسحاق -يعني ابن طلحة بن عبيد الله- عن موسى بن طلحة قال: [دخلت على معاوية ﵁ فلما خرجت دعاني فقال: ألا أضع عندك يا بن أخي حديثًا سمعته من رسول الله ﷺ؟ أشهد لَسَمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه".
ورواه ابن جرير (^٤٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحمّاني، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطلحي، عن موسى بن طلحة قال] [¬٣]: قام معاوية بن أبي سفيان فقال: إني سمعت رسول الله، ﷺ، يقول: "طلحة ممن قضى نحبه".
ولهذا قال مجاهد في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾، قال: عهده، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، قال: يومًا فيه قتال فيصدق في اللقاء.
وقال الحسن: ﴿فمنهم من قضى نحبه﴾، يعني موته على الصدق والوفاء، ﴿ومنهم من ينتظر﴾ الموت على مثل ذلك، ومنهم من لم يبدل تبديلًا، وكذا قال قتادة وابن زيد. وقال بعضهم: ﴿نحبه﴾: نذره وقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ أي: وما غيروا عهدهم، وبدلوا
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢١/ ١٤٧).
(٢) - سنن الترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب، حديث (٣٢٠٣)، وفي المناقب، باب: مناقب طلحة بن عبيد الله حديث (٣٧٤٢)، الطبري (٢١/ ١٤٧) من طريق يونس بن بكير به. وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٣٩٩)، وأبو يعلى في مسنده (٦٦٣) من طريق يونس به.
(٣) - سنن الترمذي في تفسير القرآن، حديث (٣٢٠٢)، وفي المناقب، حديث (٣٧٤٠) وأخرجه ابن أبي عاصم في السنة (١٤٠١) وابن ماجه في المقدمة حديث (١٢٦، ١٢٧) من طريق إسحاق بن يحيى به.
(٤) - تفسير الطبري (٢١/ ١٤٧)، وانظر السابق. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "بن". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ١٣٧ ]
الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه، وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾ ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ﴾، أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال فيميز [¬١] الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر [¬٢] هذا بالفعل. مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ فهذا علم بالشيء بعد كونه وإن كان العلم السابق حاصلًا به قبل وجوده. وكذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾، لهذا قال هاهنا: ﴿ليجزي الله الصادقين بصدقهم﴾، أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه. ﴿ويعذب المنافقين﴾، وهم الناقضون لعهد الله، المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا، إن شاء [¬٣] استمر بهم على ما فعلوه حتى يلقوه به فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإِيمان، وعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان [¬٤]. ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة [¬٥] لغضبه قال: ﴿إن الله كان غفورًا رحيمًا﴾.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الأحزاب، لما أجلاهم عن المدينة، بما أرسل عليهم من الريح والجنود الإلهية- ولولا أن جعل الله رسوله رحمة للعالمين؛ لكانت هذه الريح عليهم أشد من الريح العَقيم على عاد، ولكن قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾، فسلط عليهم هواء فرق شملهم، كما كان سبب اجتماعهم من الهوى، وهم أخلاط من قبائل شتى، أحزاب وآراء، فناسب أن يرسل عليهم الهواء الذي فرق جماعتهم، وردهم خائبين خاسرين بغيظهم وحَنقَهم، لم ينالوا خيرًا لا في الدنيا، مما كان في أنفسهم من الظفر والمغنم، ولا في الآخرة مما تحملوه من الآثام في مبارزة الرسول، ﷺ، بالعداوة، وهمهم بقتله، واستئصال جيشه. ومن هم بشيء وصدق هَمَّه بفعله فهو في الحقيقة كفاعله.
_________________
(١) [¬١]- في ت: "ليميز". [¬٢]- سقط من: خ، ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "إن". [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- في خ، ز: "الغاية".
[ ١١ / ١٣٨ ]
وقوله: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾، أي: لم يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم حتى يجلوهم عن بلادهم؛ بل كفى الله وحده [¬١]، ونصر عبده، وأعز جنده؛ ولهذا قال رسول الله، ﷺ: "لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده". أخرجاه من حديث أبي هريرة (^٤٨).
وفي الصحيحين (^٤٩) من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: دعا رسول الله، ﷺ، على الأحزاب فقال: "اللهم، منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم، اهزمهم وزلزلهم".
وفي قوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾ - إشارة إلى وضع الحرب بينهم وبين قريش، وهكذا وقع بعدها، لم يغزهم المشركون بل غزاهم المسلمون في بلادهم.
قال محمد بن إسحاق (^٥٠): لما انصرف أهل الخندق عن الخندق؛ قال رسول الله، ﷺ فيما بلغنا-: "لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم [¬٢] ". فلم تغز قريش بعد ذلك، وكان هو يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله عليه مكة.
وهذا الحديث الذي ذكره محمد بن إسحاق، حديث صحيح، كما قال الإمام أحمد (^٥١):
حدثنا يحيى، عن سفيان حدثني أبو إسحاق قال [¬٣]: سمعت سليمان بن صُرَد يقول: قال رسول الله، ﷺ، يوم الأحزاب: "الآن نغزوهم ولا يغزونا".
وهكذا رواه البخاري في صحيحه من حديث الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق به.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا﴾، أي: بحوله وقوته، ردهم خائبين، لم ينالوا
_________________
(١) - صحيح البخاري في المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب حديث (٤١١٣)، وصحيح مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (٢٧٢٤) من طريق أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة.
(٢) - صحيح البخاري في الجهاد والسير، باب: الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، حديث (٢٩٣٣)، وفي المغازي، باب غزوة الخندق، حديث (٤١١٥)، وفي الدعوات، باب: الدعاء على المشركين، حديث (٦٣٩٢)، وفي التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون﴾، حديث (٧٤٨٩)، ومسلم في الجهاد والسير، باب: استحباب الدعاء والنصر عند لقاء العدو، حديث (١٧٤١) (٢١) من طريق إسماعيل بن أبي خالد به.
(٣) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٠٦) ورواه البيهقي في دلائل النبوة بسنده إلى ابن إسحاق.
(٤) - المسند (٤/ ٢٦٢)، (٦/ ٢٩٤)، وأخرجه البخاري في المغازي، كتاب غزوة الخندق، حديث (٤١٠٩، ٤١١٠) من طرق عن أبي إسحاق به. [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز، خ: "تغزوهم". [¬٣]- سقط في: ز، خ.
[ ١١ / ١٣٩ ]
خيرًا، وأعز الله الإسلام وأهله، وصدق وعده، ونصر رسوله وعبده، فله الحمد والمنة.
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾
قد تقدم أن بني قريظة لما قدمت جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة، نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله، ﷺ، من العهد، وكان ذلك بسفارة حُييّ بن أخطب النَّضري -لعنه الله- دخل حصنهم، ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد، وقال له فيما قال: ويحك. قد جئتك بعز الدهر، أتيتك بقريش وأحابيشها، وغطفان وأتباعها، ولا يزالون هاهنا حتى يستأصلوا محمدًا وأصحابه.
فقال له كعب: بل والله أتيتني بذل الدهر، ويحك يا حييّ، إنك مشئوم، فدعنا منك. فلم يزل يفتل في الذروة والغَارب (١) حتى أجابه، واشترط له حييّ إن ذهب الأحزاب، ولم يكن من أمرهم شيء، أن يدخل معهم في الحصن، فيكون له أسوتهم، فلما نَقَضت قريظةُ، وبلغ ذلك رسولَ الله، ﷺ، ساءه، وشق عليه وعلى المسلمين جدًّا، فلما أيد الله ونَصَر، وكبت الأعداء وردهم خائبين بأخسر صفقة، ورجع رسول الله، ﷺ، إلى المدينة مؤيدًا منصورًا، ووضع الناس السلاح، فبينما رسول اللَّه، ﷺ، يغتسل من وعثاء [¬٢] تلك المرابطة في بيت أم سلمة إذ تبدى له جبريل معتجزًا [¬٣] بعمامة من إستبرق، على بغلة عليها قطفة ديباج، فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: "نعم". قال: لكن الملائكة لم تضع أسلحتها، وهذا الآن رجوعي من طلب القوم. ثم قال: إن الله يأمرك أن تنهض إلى بني قريظة- وفي رواية فقال له: عذيرك من مقاتل، أوضعتم السلاح؟ قال: "نعم" قال: لكنا لم نضع أسلحتنا بعد، انهض إلى هؤلاء، قال: "أين؟ " قال: بني قريظة، فإن الله أمرني أن أزلزل عليهم. فنهض رسول الله ﷺ من فوره، وأمر الناس بالمسير إلى بني قريظة، وكانت على أميال من المدينة، وذلك بعد صلاة الظهر، وقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" (^٥٢).
_________________
(١) - روى ذلك عن البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٧، ٨) من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن عمه عبيد الله بن مالك أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة= []- الغارب: مُقَدَّم السّنَام، والذروة أعلاه. أراد أنه ما زال يخادعه ويتلطفه حتى وافقه. [¬٢]- الوعثاء: المشقة والتعب. [¬٣]- في ت: "متعجرًا". والاعتجار بالعمامة: هو أن يَلُفَّها على رأسه ويردَّ طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئًا تحت ذقنه. النهاية [٣/ ١٨٥].
[ ١١ / ١٤٠ ]
فسار الناس، فأدركتهم الصلاة في الطريق، فصلى بعضهم في الطريق وقالوا: لم يرد منا رسول الله، ﷺ، إلا تعجيل السير، وقال آخرون: لا نصليها إلا في بني قريظة. فلم يُعَنِّف واحدًا من الفريقين. وتبعهم رسول الله، ﷺ، وقد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وأعطى الراية لعليّ بن أبي طالب.
ثم نازلهم رسول الله، ﷺ، وحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما طال عليهم الحال نزلوا على حكم سعد بن معاذ سيد الأوس، لأنهم كانوا حلفاءهم في الجاهلية، واعتقدوا أنه يحسن إليهم في ذلك، كما في عبد الله بن أبيّ ابن سلول في مواليه بني قينقاع، حين استطلقهم من رسول الله ﷺ، فظن هؤلاء أن سعدًا سيفعل فيهم كما فعل ابن أبيّ في أولئك، ولم يعلموا أن سعدًا ﵁ كان قد أصابه سهم في أكحَله أيام الخندق، فكواه رسول الله ﷺ في أكحله، وأنزله في قبة في المسجد ليعوده من قريب.
وقال سعد فيما دعا به، اللهم، إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها. وإن كنت وضت الحرب بيننا وبينهم، فافجرها ولا تمتني حتى تُقر عيني من بني قريظة. فاستجاب الله دعاءه، وقَدّر عليهم أن نزلوا على حكمه باختيارهم طلبًا [¬١] من تلقاء أنفسهم، فعند ذلك استدعاه رسول الله، ﷺ، من المدينة ليحكم فيهم، فلما أقبل وهو راكب [على حمار] [¬٢] قد وطئوا له عليه؛ جعل الأوس يلوذون به ويقولون: يا سعد؛ إنهم مواليك، فأحسن فيهم، ويرققونه [¬٣] عليهم ويعطفونه، وهو ساكت لا يرد عليهم، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أنه غير مستبقيهم. فلما دنا من الخيمة التي فيها رسول الله، ﷺ، قال رسول الله، ﷺ: "قوموا إلى سيدكم". فقام إليه المسلمون، فأنزلوه إعظامًا وإكرامًا واحترامًا له في محل ولايته، ليكون أنفذ لحكمه فيهم، فلما جلس قال له رسول الله، ﷺ: "إن هؤلاء -وأشار إليهم- قد نزلوا على حكمك، فاحكم فيهم بما شئت". قال: وحكمي نافذ عليهم؟ قال: "نعم". قال: وعلى من في هذه الخيمة؟ قال: "نعم". قال: وعلى من هاهنا. وأشار إلى الجانب الذي فيه رسول الله، ﷺ، وهو معرض بوجهه عن رسول الله، ﷺ، إجلالًا وإكرامًا وإعظامًا، فقال له رسول الله ﷺ: "نعم". فقال: إني أحكم أن تقتل مُقَاتلتهم، وتسبى ذريتهم وأموالهم. فقال له رسول الله ﷺ: "لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة
_________________
(١) = واغتسل. بالحديث وأصل القصة في البخاري كتاب المغازي، حديث (٤١٢٢) من حديث عائشة. [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ت: "يرفقونه".
[ ١١ / ١٤١ ]
أرقعة" وفي رواية: "لقد حكمت بحكم الملك" (^٥٣).
ثم أمر رسول الله، ﷺ، بالأخاديد فخُذتْ في الأرض، وجيء بهم مكتفين، فضرب أعناقهم، وكانوا ما بين السبعمائة إلى الثمانمائة، وسبى من لم يُنبت منهم مع النساء، وأموالهم. وهذا كله مقرر مفصل بأدلته وأحاديثه وبسطه في كتاب السيرة، الذي أفردناه موجزًا ومقتصًّا، ولله الحمد والمنة.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾، أي: عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله، ﷺ ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ يعني بنى قريظة من اليهود، من بعض أسباط بنى إسرائيل، كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديمًا، طمَعًا في اتباع النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾ فعليهم لعنة الله.
وقوله: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: حصونهم. كذا قال مجاهد وعكرمة، وعطاء والسدي، وقتادة، وغيرهم، ومنهم سميت صياصي البقر، وهي قرونها لأنها أعلى شيء فيها ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، وهو الخوف؛ لأنهم كانوا مالئوا المشركين على حرب رسول الله، ﷺ، وليس من يعلم كمن لا يعلم، فأخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليَعزوا [في الدنيا] [¬١]، فانعكس عليهم الحال، وانقلب الفال، انشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون، فكما راموا العز أذِلوا [¬٢]، وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا، وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة، فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فالذين قتلوا هم المقاتلة، والأسراء هم الأصاغر والنساء.
قال الإمام أحمد (^٥٤): حدثنا هُشَيم بن بشير، أخبرنا عبد الملك بن عمير، عن عطية القرظي قال: عُرضتُ على النبي، ﷺ، يوم قريظة فشكوا فيّ، فأمر بي النبي، ﷺ، أن ينظروا: هل أنبت بعد؟ فنظروا فلم يجدوني أنبت [بعد] [¬٣]. فخلى عني وألحقني بالسبي.
_________________
(١) - السيرة النبوية (٣/ ١٩٢ - ١٩٣).
(٢) - المسند (٤/ ٣٨٣)، (٥/ ٣١١)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣١٠، ٣٨٣)، (٥/ ٣٨٣)، وأبو داود في الحدود، باب: في الغلام يصيب الحد، حديث (٤٤٠٤، ٤٤٠٥)، والترمذي في السير، باب في النزول على الحكم، حديث (١٥٨٤)، والنسائي في الطلاق، باب: متى يقع طلاق الصبي (٦/ ١٥٥)، وفي قطع السارق، باب حد البلوغ (٨/ ٩٢)، وابن ماجه في الحدود، باب: من لا يجب عليه الحد، حديث (٢٥٤١، ٢٥٤٢) من طرق عن عبد الملك بن عمير به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٢]- في ت: "ذلوا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.
[ ١١ / ١٤٢ ]
وكذا رواه أهل السنن كلهم من طرق، عن عبد الملك بن عمير، به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه النسائي (^٥٥) أيضًا، من حديث ابن جريج، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عطية، بنحوه.
وقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾، أي: جعلها لكم من قتلكم لهم ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، قيل: خيبر. وقيل: مكة. رواه مالك، عن زيد بن أسلم، وقيل: فارس والروم. وقال ابن جرير: يجوز أن يكون الجميع مرادًا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا﴾ قال الإمام أحمد (^٥٦):
حدثنا يزيد، أخبرنا محمد بن عمرو، عن أبيه، عن جده علقمة بن وقاص قال: أخبرتني عائشة قالت: خرجت يوم الخندق أقفو الناس، فسمعت وئيد [¬١] [¬٢] الأرض ورائي، فإذا أنا بسعد بن معاذ و[¬٣] معه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجَنَّه، قالت: فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد [¬٤] قد خرجت منه أطرافه، فأنا أتخوف على أطراف سعد، قالت: وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم، فمر وهو يرتجز ويقول:
ليت قليلًا [¬٥] يشهدُ الهيجا حَمَل … ما أحسن الموتَ إذا حان الأجل!
قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين، وإذا فيها عمر بن الخطاب، وفيهم رجل عليه تَسْبغَة [¬٦] [¬٧] له - تعني المغفر- فقال عمر: ما جاء بك؟ لعمري والله إنك لجريئة [¬٨]، وما يؤمنُك أن يكون بلاء أو [¬٩] يكون تَحوّز [¬١٠]. قالت: فما زال يلومني حتى
_________________
(١) - سنن النسائي الكبرى، كتاب السير، باب: حد الإدراك حديث (٨٦١٩)، وأخرجه الحميدي (٨٨٩) عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: سمعت رجلًا في مسجد الكوفة يقول: كنت يوم كلم سعد ابن معاذ في بني قريظة غلامًا فشكوا في، فنظروا إلى فلم يجدوا المواس جرت على فاستبقيت.
(٢) - المسند (٦/ ١٤١ - ١٤٢)، وانظر التالي. [¬١]- في ز، خ: "ويير". [¬٢]- الوئيد: صوت شدَّة الوطء على الأرض يُسمَع كالدَّويِّ من بُعدٍ. [¬٣]- سقط في: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "حديث". [¬٥]- مكررة في خ، ز. [¬٦]- في خ: "نسيعة"، وفي ز: "نشيعة". [¬٧]- جاء في المعجم الوسيط (سبغ): تسبغة الخوزة: ما توصل به من حلق الدروع فتستر العُنُق. [¬٨]- في ز رسمت هكذا: "نخريه" وفي خ: تحريه. [¬٩]- في ز: "أن". [¬١٠]- قال ابن الأثير [٥/ ٤٥٩]: هو من قوله تعالى: ﴿أو متحيزًا إلى فئة﴾ أي منضمًا إليها.
[ ١١ / ١٤٣ ]
تمنيت أن الأرض انشقت بي [¬١] ساعتئذ، فدخلت فيها. فرفع الرجل التسبغة [¬٢] عن وجهه، فإذا هو طلحة بن عبيد الله فقال: يا عمر، ويحك! إنك قد أكثرت منذ اليوم، وأين التّحَوّز أو الفرار إلا إلى الله تعالى؟ قالت: ويرمي سعدًا رجل من قريش، يقال له: ابن العَرقة بسهم له وقال له: خذها وأنا ابن العَرقة! فأصاب [¬٣] أكْحَلَه فقطعه، فدعا الله سعد فقال: اللهم؛ لا تمتني حتى تُقر عيني من قريظة. قالت: وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية، قالت: فرقًا [¬٤] كَلْمُه، وبعث الله الريح على المشركين، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويًّا عزيزًا. فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم، ورجع رسول الله، ﷺ، إلى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد، قالت: فجاءه جبريل ﵇ وإن على ثناياه لنقع الغبار، فقال: أو قد وضعت السلاح؟ لا، والله ما وضعت الملائكة بعد السلاح، اخرج إلى بنى قريظة فقاتلهم. قالت [¬٥]: فلبس رسول الله ﷺ لأمته وأذن في الناس بالرحيل أن يخرجوا، [فخرج رسول الله، ﷺ] [¬٦]، فمر علي بني غَنم [¬٧] وهم جيران المسجد حوله، فقال: من مر بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبيّ - وكان دحية الكلبيّ تشبه لحيته وسنه ووجهه جبريل ﵊ فأتاهم رسول الله، ﷺ، فحاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد حصارهم واشتد البلاء قيل لهم: انزلوا على حكم رسول الله، ﷺ، فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر، فأشار إليهم أنه الذبح. قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ [فقال رسول الله، ﷺ: "انزلوا على حكم سعد بن معاذ". فنزلوا وبعث رسول الله، ﷺ، إلى سعد بن معاذ] [¬٨] فأتي به على حمارٍ عليه إكاف [¬٩] من ليف قد حُمل عليه، وحَفّ به قومه، فقالوا: يا أبا عمرو، حلفاؤك ومواليك وأهل النّكاية [¬١٠] ومن قد علمت. قالت: ولا يرجعُ إليهم شيئًا، ولا يلتفت إليهم، حتى إذا دنا من دورهم التفت إلى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم، قال: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله، ﷺ: "قوموا إلي سيدكم فأنزلوه". فقال عمر: سيدنا الله. قال: "أنزلوه". فأنزلوه، قال رسول الله، ﷺ: "احكم فيهم". قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، وتقسم أموالهم، فقال رسول الله، ﷺ:
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "لي". [¬٢]- في ز، خ: "المسبغة". [¬٣]- في ز، خ: "فأصابت". [¬٤]- رقأ الدم: سكن وجفَّ وانقطع بعد جريانه. والكلْم: الجرح. [¬٥]- في ز، خ: "قال". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٧]- في خ، ز: "تميم". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٩]- الإكاف: البرذعة التي توضع على ظهر الحمار. [¬١٠]- في ز، خ: "الكتابة".
[ ١١ / ١٤٤ ]
"لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله". ثم دعا سعد فقال: اللهم؛ إن كنت أبقيتَ على نبيك من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك. قال: فانفجر كَلْمُه، وكان قد برئ منه إلا مثل الخُرْص [¬١]، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله، ﷺ.
قالت عائشة: فَحَضَره [¬٢] رسولُ الله ﷺ وأبو [¬٣] بكر، وعمر. قالت: فوالذي نفس محمد بيده، إني لأعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر، وأنا في حجرتي، وكانوا كما قال الله تعالى: ﴿رحماء بينهم﴾.
قال علقمة: فقلت: أي أمّه؛ فكيف [¬٤] كان رسول الله، ﷺ، يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته.
وقد أخرج البخاري ومسلم (^٥٧) من حديث عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة نحوًا من هذا، ولكنه [¬٥] أخصر منه، وفيه دُعاء سعد ﵁.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾
هذا أمر من الله لرسوله [¬٦]، ﷺ، بأن يخير نساءه بين أن يفارقهن، فيذهبن إلى غيره ممن يَحصُلُ لهن [من] عنده الحياةُ الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل: فاخترن ﵅ وأرضاهن- الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة.
_________________
(١) - صحيح البخاري في المغازي، باب فرجع النبي ﷺ من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة، حديث (٤١٢٢)، ومسلم في الجهاد والسير، باب: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حديث (١٧٦٩) من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. [¬١]- الخرص: الحلقة الصغيرة من الذهب أو الفضة. [¬٢]- في ز، خ: "ويحضره". [¬٣]- في ز، خ: "أبي. [¬٤]- في ز، خ: "كيف". [¬٥]- في ز، خ: "لكن". [¬٦]- في ز، خ: "رسوله".
[ ١١ / ١٤٥ ]
قال البخاري (^٥٨): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال [¬١]: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي حتى تستأمري أبويك". وقد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ إلى تمام الآيتين، فقلت له: ففي أي هذا استأمر أبويّ، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة؟
وكذا رواه معلقًا عن الليث: حدثني يونس، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن عائشة، فذكره وزاد، قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت (^٥٩).
وقد حكى البخاريّ أن معمرًا اضطرب، فتارة رواه عن الزهري، عن أبي سلمة، وتارة رواه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
وقال ابن جرير (^٦٠): حدثنا أحمد بن عَبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه قال: قالت عائشة: لما نزل الخيار قال لي رسول الله ﷺ: "إني أريد أن أذكر لك أمرًا، فلا تقضي فيه شيئًا حتى تستأمري أبويك". قالت: قلت: وما هو يا رسول الله؟ قال [¬٢]: فردّه عليها فقالت: فما هو يا رسول الله؟ قالت: فقرأ عليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إلى آخر الآية، قالت: فقلت: بل نختار الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ففرح بذلك النبي ﷺ.
وحدثنا ابن وكيع (^٦١)، حدثنا محمد بن بشر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂، قالت: لما نزلت آية التخيير، بدأ بي رسول الله ﷺ، فقال: "يا عائشة؛ إني عارض عليك أمرًا، فلا تفتاتي فيه بشيء [¬٣] حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان". فقلت: يا رسول الله؛ وما هو؟ قال: قال الله ﷿:
_________________
(١) - صحيح البخاري كتاب التفسير، باب: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ حديث (٤٧٨٥)، وأخرجه مسلم في الطلاق، حديث (١٤٧٥) من طريق يونس بن يزيد عن الزهري به.
(٢) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾.
(٣) - تفسير الطبري (٢١/ ١٥٧)، وأخرجه أحمد (٦/ ٧٧، ١٥٢) من طريق أبي عوانة به.
(٤) - تفسير الطبري (٢١/ ١٥٨)، وأخرجه أحمد (٦/ ٢١١) عن محمد بن بشر به. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "قالت". [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ١٤٦ ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قالت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر في ذلك أبويّ أبا بكر وأم رومان، فضحك رسول الله ﷺ ثم استقرأ الحُجَر فقال: "إن عائشة قالت كذا وكذا". فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة. ﵅ كلهن.
ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن أبي أسامة، عن محمد بن عمرو، به.
قال ابن جرير (^٦٢): وحدثنا سعيد بن يحيى الأموي، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمرة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما نزل إلى نسائه أمر أن يخيرهن، فدخل عَليّ فقال: "سأذكر لك أمرًا فلا تعجلي حتى تستشيري أباك": فقلت. وما هو يا نبي الله؟ قال: "إني أمرت أن أخيركن"، وتلا عليها آية التخيير، إلى آخر الآيتين. قالت: فقلت: وما الذي تقول لا تستعجلي [¬١] حتى تستشيري أباك؟ فإني أختار الله ورسوله. فَسُرّ بذلك، وعَرَض على نسائه فتتابعن كُلّهن، فاخترن الله ورسوله.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يزيد بن سنان البصري، حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عُقَيل، عن الزهريّ، أخبرني عبيد الله بن [عبد الله بن] [¬٢] أبي ثَور، عن ابن عباس ﵄ قال: قالت عائشة ﵂: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة من نسائه، فقال: إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" قالت: قد عَلِمَ أن أبويّ لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال: إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ …﴾ الآيتين. قالت عائشة: فقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم خير نساءه كلهن، فقلن مثل ما قالت عائشة ﵅.
وأخرجه البخاري ومسلم جميعًا (^٦٣) عن قتيبة عن الليث عن الزهري عن عروة عن عائشة مثله.
وقال الإمام أحمد (^٦٤): حدثنا أبو معاودة، حدثنا الأعمش، عن مسلم بن صبيح، عن
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢١/ ١٥٨).
(٢) - لم أجده بهذا الإسناد فيهما، ولا ذكره الحافظ المزي في تحفة الأشراف.
(٣) - المسند (٦/ ٤٥، ٤٧)، وأخرجه البخاري في الطلاق باب: من خير أزواجه، حديث (٥٢٦٢)، ومسلم في الطلاق حديث (١٤٧٧) (٢٨) من طريق الأعمش به. [¬١]- في ت: "تعجلي". [¬٢]- سقط في: ز، خ.
[ ١١ / ١٤٧ ]
مسروق، عن عائشة قالت: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدها علينا شيئًا. أخرجاه من حديث الأعمش.
وقال الإمام أحمد (^٦٥): حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ، والناس ببابه جلوس، والنبي ﷺ جالس. فلم يؤذن له. ثم أقبل عمر فاستأذن فلم يؤذن له. ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا، والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله؛ لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر- سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عُنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه. وقال: "هن حولي يسألنني النفقة". فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها، وقام عمر ﵁ إلى حفصة، كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده! فنهاهما رسول الله ﷺ فقلن نساؤه: والله لا نسأل رسول الله بعد هذا المجلس ما ليس عنده. قال: وأنزل الله ﷿ الخيار، فبدأ بعائشة فقال: "إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك". قالت: وما هو؟ قال: فتلا عليها: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك …﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: أفيك أتستأمر أبوي، بل أختار الله ورسوله، وأسألك أن لا تذكر لامرأة من نسائِك ما اخترت. فقال: "إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتُها". انفرد بإخراجه مسلم [¬١] دون البخاري، فرواه هو والنسائي، من حديث زكريا بن إسحاق المكيّ به.
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد (^٦٦): حدثنا سريج [¬٢] بن يونس، حدثنا علي بن هاشم بن البريد، عن محمد بن عبيد [الله بن عليّ] [¬٣] بن أبي رافع، عن عثمان بن عليّ بن الحسين،
_________________
(١) - المسند (٣/ ٣٢٨)، وأخرجه مسلم في الطلاق، حديث (١٤٧٨)، والنسائي في الكبرى كتاب عشرة النساء، باب: إذا لم يجد الرجل ما ينفق على امرأته هل يخير امرأته، حديث (٩٢٠٨) من طريق زكريا بن إسحاق به.
(٢) - المسند (١/ ٧٨)، وأخرجه في نفس الموضع عن يحيى بن أيوب عن علي بن هاشم به. ومحمد بن عبيد الله أبي رافع منكر الحديث وقد وقع اسمه في جميع النسخ "محمد بن عبيد الله بن أبي رافع" والصواب "عبيد الله أبي رافع" بدون (ابن) وهو منكر الحديث ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (١/ ١٧١)، وانظر تعليق العلامة أحمد شاكر على المسند (٢/ ٣٠) حديث (٥٨٨، ٥٨٩). [¬١]- سقط في: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "شريح". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ١٤٨ ]
عن أبيه، عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ خَيّر نساءه الدنيا والآخرة، ولم يخيرهن الطلاق.
وهذا منقطع، وقد رُوي عن الحسن وقتادة وغيرهما نحو ذلك. وهو خلاف الظاهر من الآية، فإنه قال: ﴿فَتَعَالينَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ أي: أعطيكن حقوقكن، وأطلق سراحكن.
وقد اختلف العلماء في جواز تزويج غيره لهن لو طلقهن، على قولين، وأصحهما: نعم لو وقع، ليحصل المقصود من السراح، والله أعلم.
قال عكرمة: وكان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة، وكانت تحته ﷺ صفية بنت حُييّ النَّضَريَّة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية، ﵅ وأرضاهن.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾
يقول تعالى واعظًا نساء النبي ﷺ اللاتي اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، واستقر أمرهن تحت رسول الله ﷺ أن يخبرهن [¬١] بحكمهن دون سائر النساء، بأن [¬٢] من يأت منهن بفاحشة مبينة -قال ابن عباس: وهي النشوز وسوء الخلق- وعلى كل تقدير فهو شرط، والشرط لا يقتضي الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ فلما كانت محلتهن رفيعة، ناسب أن يجعل الذنب لو وقع منهن مغلظًا، صيانة لجنابهن وحجابهن الرفيع؛ ولهذا قال: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾. قال مالك عن زيد بن أسلم: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَينِ﴾. قال: في الدنيا والآخرة.
وعن ابن أبي نجيح، [عن مجاهد] [¬٣] مثله.
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "يخترن". [¬٢]- في ز، خ: "فإن". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ١٤٩ ]
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلًا هينًا ثم، ذكر عدله وفضله في قوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي: يطيع [¬١] الله ورسوله ويستجيب ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾، أي: في الجنة، فإنهن في منازل رسول الله ﷺ، في أعلى عليين، فوق منازل جميع الخلائق، في الوسيلة التي هي أقرب منازل الجنة إلى العرش.
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾
هذه آداب أمر الله بها نساء النبي ﷺ، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك، فقال مخاطبًا لنساء النبي بأنهن إذا اتقين الله كما أمرهن، فإنهن [¬٢] لا يشبههن أحد من النساء، ولا يلحقهن في الفضيلة والمنزلة، ثم قال: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾. قال السدي وغيره: يعني بذلك ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال، ولهذا قال: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، أي: دَغَل، ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قال ابن زيد: قولًا حسنًا جميلًا معروفًا في الخير، ومعنى هذا أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها.
وقوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، أي: الزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة. ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله ﷺ: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تَفِلاتٌ" [¬٣]. وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن" (^٦٧).
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٨، ٤٧٥، ٥٢٨)، وأبو داود في الصلاة، باب: ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، حديث (٥٦٥) والدارمي (١٢٨٢)، وابن خزيمة (١٦٧٩) من طرق عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة به مرفوعًا. = [¬١]- في ت: "يطع". [¬٢]- في ت: "فإنه". [¬٣]- غير متعطرات.
[ ١١ / ١٥٠ ]
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة [¬١]، حدثنا أبو رجاء الكلبيّ: روح بن المسيب -ثقة- حدثنا ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: جئن النساء إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله؛ ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟ فقال رسول اللَّه ﷺ: "من قعد -أو كلمة نحوها- منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهد [¬٢] في سبيل الله".
ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب وهو رجل من أهل البصرة مشهور.
وقال البزار (^٦٨) أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، عن مُوَرِّق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها".
ورواه الترمذي عن بندار عن عمرو بن عاصم به نحوه.
وروى البزار بإسناده المتقدم، وأبو داود أيضًا (^٦٩)، عن النبي ﷺ قال: "صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها". وهذا إسناد جيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، قال مجاهد: كانت المرأة تخرج تمشي بين يدي الرجال، فذلك تبرج الجاهلية.
وقال قتادة: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ يقول: إذا خرجتن من بيوتكن -وكانت لهن مشية وتكسر وتغنج [¬٣]- فنهى اللَّه عن ذلك.
_________________
(١) = وروى أوله البخاري في صحيحه في الجمعة، حديث (٩٠٠)، ومسلم في الصلاة، حديث (٤٤٢) (١٣٦) من حديث عبد الله بن عمر، والرواية الثانية: "وبيوتهن خير لهن" عند أبي داود في الصلاة، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد، حديث (٥٦٧) من حديث ابن عمر.
(٢) - مسند البزار (٢٠٦١) وأخرجه الترمذي في الرضاع، باب: (١٨)، حديث (١١٧٣) عن محمد بن بشار عن عمرو بن عاصم به مختصرًا، وأخرجه ابن خزيمة (١٦٨٥) عن أبي موسى عن عمرو بن عاصم به.
(٣) - مسند البزار (٢٠٦٠)، وسنن أبي داود في الصلاة، باب: التشديد في ذلك، حديث (٥٧٠) عن ابن المثنى بإسناد البزار السابق. وأخرجه ابن خزيمة (١٦٨٨، ١٦٩٠) من طريقين عن عمرو بن عاصم به. [¬١]- في خ، ز: "مسعود". [¬٢]- في ت: "المجاهدين". [¬٣]- في ز، خ: "وتقبح".
[ ١١ / ١٥١ ]
وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، والتبرج: أنها تلقى [¬١] الخمار على رأسها، ولا تشده فيواري قلائدها وقرطها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها، وذلك التبرج، ثم عمت نساء المؤمنين في التبرج.
وقال ابن جرير (^٧٠): حدثني ابن [¬٢] زهير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا داود -يعني ابن أبي الفرات- حدثنا علي بن أحمر، عن عكرمة عن ابن عباس قال: تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾. قال: كانت فيما بين نوح وإدريس، فكانت [¬٣] ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل، والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحًا وفي النساء دمامة، وكان نساء السهل صباحًا وفي الرجال دمامة، وإن إبليس أبي رجلًا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر [¬٤] نفسه منه، فكان يخدمه واتخذ إبليس شيئًا مثل الذي يزمر فيه الرعاء، فجاء فيه بصوت لم يسمع الناس مثله، فبلغ ذلك من حوله، فانتابوهم يسمعون إليه، واتخذوا عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فيتبرَّجُ [النساء للرجال] [¬٥]- قال: ويتزين [¬٦] الرجال لهن، وإن رجلًا من أهل الجبل هَجَم عليهم في عيدهم ذلك، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهن. فنزلوا معهن وظهرت الفاحشة فيهن، فهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾.
وقوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ نهاهن أولًا عن الشر ثم أمرهن بالخير، من إقامة الصلاة -وهي: عبادة الله وحده لا شريك له- وإيتاء الزكاة، وهي: الإحسان إلى المخلوقين، ﴿وأطعن الله ورسوله﴾، وهذا من باب عطف العام على الخاص.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وهذا نص في دخول أزواج النبي ﷺ في أهل البيت هاهنا. لأنهن سبب نزول هذه [¬٧] الآية، وسبب النزول داخل في قولًا واحدًا إما وحده على قول أو مع غيره على الصحيح.
وروى ابن جرير، عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة،
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٢/ ٤)، وأخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في شعب الإيمان (٥٤٥١)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٤) إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم وابن مردويه. [¬١]- في خ: "ترمي". [¬٢]- سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ت: "وكانت". [¬٤]- في خ: "فأخرجه". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "الرجال للنساء". [¬٦]- في خ، ز: "وينزل". [¬٧]- سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ١٥٢ ]
وهكذا روى ابن أبي حاتم قال [¬١]: حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا حسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾، قال: نزلت في نساء النبي ﷺ خاصة.
وقال عكرمة: من شاء باهلته (*) أنها نزلت في أزواج النبي ﷺ (^٧١).
فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإن أريد أنهن المراد فقط دون غيرهن، ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك:
(الحديث الأول): قال الإمام أحمد (^٧٢): حدثنا عفان، حدثنا حماد، أخبرنا علي بن زيد، عن أنس بن مالك ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان به، وقال: حسن غريب.
(حديث آخر)، قال ابن جرير (^٧٣): حدثنا ابن وكيع، حدثنا أبو نعيم، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، أخبرني أبو داود، عن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله ﷺ، [قال: رأيت رسول الله ﷺ] [¬٢] إذا طلع الفجر، جاء إلى باب عليّ وفاطمة فقال: "الصلاة الصلاة، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
أبو داود الأعمى هو نفيع [¬٣] بن الحارث كذّاب.
_________________
(١) (*) بأهل القومُ بعضُهم بعضًا: اجتمعوا وتداعَوا، فاستنزلوا لعنة الله على الظالم منهم.
(٢) - عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٦) إلى ابن أبي حاتم وابن عساكر.
(٣) - المسند (٣/ ٢٨٥)، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٣٠ منتخب) - وعنه الترمذي في السنن، كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب حديث (٣٢٠٦) - عن عفان به. وأخرجه أحمد (٣/ ٢٥٩) من طريق حماد بن سلمة به.
(٤) - تفسير الطبري (٢٢/ ٦)، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٧٨) إلى ابن مردويه، وإسناد الحديث ضعيف جدًّا؛ نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى متروك كذبه ابن معين، وهو من رجال التهذيب روى له الترمذي وابن ماجة. [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز، خ: "بضع".
[ ١١ / ١٥٣ ]
(حديث آخر): وقال الإِمام أحمد أيضًا (^٧٤): حدَّثنا محمد بن مصعب، حدثنا الأوزاعي، حدَّثنا شداد أَبو [¬١] عَمار قال: دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم، فذكروا علي ﵁ فلما قاموا قال لي: ألا أخبرك بما رأيتُ من رسول الله ﷺ؟ قلت." بلى. قال: أتيت فاطمة أسألها عن عليّ فقالت: تَوَجَّه إلى رسول الله ﷺ، فجلست أنتظره حتَّى جاء رسول الله ﷺ ومعه عليّ [¬٢] وحسن وحسين، آخذ كل واحد منهما بيده حتَّى دخل، فأدنى عليًّا وفاطمة وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنًا وحسينًا كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه -أو قال: كساءه - ثم تلا هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، "اللَّهُم؛ هؤلاء أهل بيتي، وأهل بيتي أحق".
وقد رواه أَبو جعفر بن جرير (^٧٥) عن عبد الكريم بن [¬٣] أَبى عمير، عن الوليد بن مسلم، عن أبي عمرو الأوزاعي بسنده نحوه، زاد في آخره: قال واثلة: فقلت: وأنا، يا رسول اللَّه - صلى الله عليك - من أهلك؟ قال: "وأنت من أهلي". قال واثلة: إنها من أرجى ما أرتجي.
ثم رواه أيضًا (^٧٦) عن عبد الأعلى بن واصل [¬٤]، عن الفضل بن دكين، عن عبد السلام بن حرب، عن كلثوم المحاربي، عن شداد أبي [¬٥] عمار قال [¬٦]: إني لجالس عند واثلة بن الأسقع، إذ ذكروا عليًّا فشتموه، فلما قاموا قال: اجلس حتَّى أخبرك عن الذي شتموه: إني عند رسول الله ﷺ إذ جاء على وفاطمة وحسن وحسين فألقى ﷺ عليهم كساء له، ثم قال: "اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا". قلت: يا رسول الله؟ وأنا؟ قال: "وأنت". قال: فوالله إنها لأوثق عملي عندي.
[حديث آخر] [¬٧]: قال الإِمام أحمد (^٧٧): حدَّثنا عبد الله بن نمير، حدَّثنا عبد الملك بن
_________________
(١) - المسند (٤/ ١٠٧)، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٥٠١) عن محمد بن مصعب به، وأخرجه الحاكم (٢/ ٤١٦) والبيهقي في السنن (٢/ ١٥٢) من طريق الوليد بن مزيد عن الأوزاعي به. وانظر الحديثين التاليين.
(٢) - تفسير الطبري (٢٢/ ٧).
(٣) - تفسير الطبري (٢٢/ ٦، ٧).
(٤) - المسند (٦/ ٢٩٢) وللحديث طرق أخرى عن أم سلمة يأتي تخريجها عند المصنف. [¬١]- في خ، ز: "بن". [¬٢]- سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز: عن، وسقط من: خ. [¬٤]- في خ، ز: "زامل". [¬٥]- في ز، خ: ابن أبي. [¬٦]- سقط في: ز، خ. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ.
[ ١١ / ١٥٤ ]
أبي سليمان، عن عصاء بن أبي رباح، حدثني منى سمع أم سلمة لذكر أن النبي ﷺ كان في بيتها، فأتته فاطمة ﵂ ببرمة فيها خزيرة (*)، فدخلت بها عليه فقال لها: "ادعي زوجك وابنيك [¬١] ". قالت: فجاء عليّ وحسن وحسين فدخلوا عليه، فجلسوا يأكلون من تلك الخزيرة، وهو على منامة (**) له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلى، فأنزل الله ﷿ هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ قالت: فأنزل فضل الكساء فغطاهم به، أخرج [¬٢] يده فألوى بها إلى السماء، ثم قال: "اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي وحامَّتِي (* * *)، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا". قالت: فأخلت رأسي البيت، فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ فقال: "إنك إلى خير إنك إلى خير".
في إسناده من لم يسم [¬٣] وهو شيخ عطاء وبقية رجاله ثقات.
(طريق أخرى)، قال الإِمام أحمد (^٧٨): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا عوف، عن أبي المعدل [عطية] (* * **) الطفاوي، عن أبيه أن أم سلمة حدثته قالت: بينما رسول الله ﷺ في بيتي يومًا؛ [إذ قالت] [¬٤] الخادم: إن فاطمة وعليًّا بالسدة (* * * * *) قالت: فقاله لي: قومي فتَنَحي عن أهل بيتي. قالت: فقمت فتنحيت في البيت قريبًا، فدخل علي وفاطمة، ومعهما الحسن والحسين، وهما صبيان صغيران، فأخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليًّا بإحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل عليًّا، وأغدف [¬٥] (* * * * * *) عليهم خَميصَة سوداء وقال: (اللهم)؛ إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي". قالت: قلت [¬٦]: وأنا يا رسول الله؟ صلى الله عليك! قال: "وأنت".
_________________
(١) (*) الخزيرة: لحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضح ذر عليه الدقيق. (**) أي قطفة. (* * *) في ت: خالتي، كذا في مطبوعة المسند، والمثبت من ز، خ، وكذا هو في مخطوطة المسند الأزهرية، وحامة الإنسان: خاصته ومن يقرب منه، وهو الحميم أيضًا. [النهاية: ١/ ٤٤٦].
(٢) - المسند (٦/ ٢٩٦)، وأخرجه في (٤/ ٣٠٦) عن عبد الوهاب بن عطاء عن عوف به. (* * **) في ز، خ: عن عطية، وهو تحريف؛ لأن عطية هو نفسه أَبو المعدل. (* * * * *) السدة كالظلة على الباب، لتقي الباب من المطر، وقيل: هي الباب نفسه، وقيل: الساحة بين يديه. النهاية [٢/ ٣٥٣]. (* * * * * *) أي: أرسلها وأصبلها. [¬١]- في ز، خ: "وبنيك". [¬٢]- في ت: "أخرجه". [¬٣]- في خ، ز: "يسمع". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "فقالت". [¬٥]- في ز: "أغرف". [¬٦]- في ت: "فقلت".
[ ١١ / ١٥٥ ]
(طريق أخرى) قال ابن جرير (^٧٩): حدَّثنا أَبو كريب، [حدَّثنا الحسن بن عطية] [¬١]، حدَّثنا فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد، عن أم سلمة أن هذه الآية نزلت في بيتها ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قالت: وأنا جالسة على باب البيت فقلت: يا رسول الله؛ ألستُ من أهل البيت؟ فقال: "إنك إلي خير، أنت من أزواج النبي" ﷺ، قالت: وفي البيت رسول الله ﷺ وعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، ﵃.
(طريق أخرى): رواه ابن جرير أيضًا (^٨٠)، عن أبي كريب، عن وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب عن أم سلمة بنحوه.
(طريق أخرى): قال ابن جرير (^٨١): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا خالد بن مخلد، حدثني موسى بن يعقوب، حدثني هاشم بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، عن عبد الله بن وَهْب بن زمعة قال: أخبرتني أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ جمع فاطمة والحسن والحسين، ثم أدخلهم تحت ثوبه، ثم جأر إلى الله ﷿ ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي". قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله، أدخلني معهم. فقال: "أنت من أهلي".
(طريق أخرى): رواه ابن جرير أيضًا (^٨٢) عن أحمد بن محمد الطوسي، عن عبد الرحمن بن صالح، عن محمد بن سليمان الأصبهاني، عن يحيى بن عبيد المكي، عن عطاء، عن عمر بن أبي سلمة، عن أمه بنحو ذلك.
(طريق أخرى): قال ابن جرير (^٨٣): حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا مصعب بن المقدام، حدَّثنا سعيد بن زَرْبيّ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى رسول الله ﷺ ببُرْمة لها، قد صنعت فيها عَصيدة تحملها على
_________________
(١) - تفسير الطبري (٧/ ٢٢)، وأخرجه الخطيب في تاريخه (١٠/ ٢٧٨) من طريق عمران بن مسلم عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري نحوه.
(٢) - المصدر السابق (٢٢/ ٧).
(٣) - أخرجه الطَّبري في تفسيره (٧/ ٢٢) عن أبي كريب عن وكيع عن عبد الحميد عن شهر عن فضيل بن مرزوق بنفس الإسناد السابق، وأخرجه في (٦/ ٢٢) عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي عن يحيى بن إبراهيم عن هلال بن مقلاص، عن زياد عن شهر عن أم سلمة.
(٤) - تفسير الطبري (٢٢/ ٨).
(٥) - تفسير الطبري (٢٢/ ٧). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ١٥٦ ]
طبق، فوضعتها بين يديه فقال: "أين ابن عمك وابناك؟ " فقالت: في البيت. فقال: "ادعيهم"، فجاءت إلى عليّ فقالت: أجِبْ رسولَ الله أنت وابناك. قالت أم سلمة: فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة، فمده وبسطه، وأجلسهم عليه، ثم أخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رءوسهم، وأومأ بيده اليمنى إلى ربه ﷿ فقال: "اللهم؛ هؤلاء [¬١] أهل البيت، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا".
(طريق أخرى): قال ابن جرير (^٨٤): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمَش، عن حكيم بن سعد قال: ذكرنا عليّ بن أبي طالب عند أم سلمة، فقالت: في بيتي نزلت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾. قالت أم سلمة: جاء رسول الله ﷺ إلى بيتي فقال: "لا تأذني لأحد". فجاءت فاطمة فلم أستطع أن أحجبها عن أبيها. ثم جاء الحسن فلم أستطع أن أحجبه عن أمه وجده. ثم جاء الحسين فلم أستطع أن أحجبه، ثم جاء عليّ فلم أستطع أن أحجبه. فاجتمعوا فَجَلَّلهم رسول الله ﷺ بكساء كان عليه، ثم قال: "هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا". فنزلت هذه الآية حين اجتمعوا على البساط، قالت: فقلت: يا رسول الله، وأنا [¬٢]؟ قالت: فوالله ما أنعم وقال: "إنك إلى خير".
(حديث آخر): قال ابن جرير (^٨٥): حدَّثنا ابن وكيع، حدَّثنا محمد بن بشر، عن زكريا، عن مصعب بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: قالت عائشة ﵂: خرج رسول الله ﷺ ذات غداة، وعليه مرط مرحل من شَعر أسود، فجاء الحسن فأدخله معه، [ثم جاء الحسين فأدخله معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها معه] [¬٣]، ثم جاء عليّ فأدخله معه، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن محمد بن بشر به.
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٢/ ٨).
(٢) - تفسير الطبري" (٢٢/ ٦)، وأخرجه أحمد (٦/ ١٦٢)، ومسلم في اللباس والزينة، حديث (٢٠٨١)، وفي فضائل الصحابة، حديث (٢٤٢٤) وأَبو داود في اللباس، باب: في لبس الصوف والشعر حديث (٤٠٣٢)، والترمذي في الأدب، باب: ما جاء في الثوب الأسود من حديث (٢٨٣١) من طريق زكريا بن أبي زائدة به. [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز، خ: "فأنا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١١ / ١٥٧ ]
(طريق أخرى): قال ابن أَبي حاتم: حدثنا أبي، حدَّثنا سُرَيج [¬١] بن يونس أَبو الحارث، حدَّثنا محمد بن يزيد، عن العوام - يعني ابن حوشب - عن عم له قال: دخلت مع أبي على عائشة، فسألتها عن عليّ ﵁ فقالت ﵂: تسألني عن رجل كان من أحب الناس إلى رسول الله ﷺ، وكانت تحته ابنته وأحب الناس إليه؟ لقد رأيت رسول الله ﷺ دعا عليها وفاطمة وحسنًا وحسينًا. فألقى عليهم ثوبًا فقال: "اللهم، هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا". قالت: فدنوت منه فقلت: يا رسول الله؛ وأنا من أهل بيتك؟ فقال: "تَنَحي، فإنك على خير".
(حديث آخر) قال ابن جرير (^٨٦): حدَّثنا ابن المثنى، حدَّثنا بكر بن يحيى بن زَبَّان العنزي [¬٢]، حدَّثنا مندل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: "نزلت هذه الآية في خمسة: في، وفي علي، وحسن، وحسين، وفاطمة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ وقد تقدم أن فضيل بن مرزوق رواه عن عطية عن أبي سعيد عن أم سلمة كما تقدم. وروى ابن أبي حاتم من حديث هارون بن سعد [¬٣] العجلي، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفًا، فالله أعلم.
(حديث آخر): قال ابن جريرر (^٨٧): حدَّثنا ابن المثنى، حدَّثنا أَبو بكر الحنفي، حدَّثنا بكير بن مسمار قال [¬٤]: سمعت عامر بن سعد قال: قال سعد: قال رسول الله ﷺ حين نزل عليه الوحي، فأخذ عليًّا وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه، ثم قال: "رب هؤلاء أهلي وأهل بيتي".
(حديث آخر): وقال مسلم في صحيحه (^٨٨): حدثني زُهير بن حرب، وشُجاع بن مَخْلَد - جميعًا - عن ابن عُلَيَّة قال زهير: حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثني أَبو [¬٥] حَيَّان، حدثني يزيد بن حَيَّان قال: انطلقت أنا وحُصَين بن سَبْرَةَ وعمر بن مسلم [¬٦] إلي زيد بن أرقم، فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيدُ خيرًا كثيرًا؛ [أرأيت رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٢/ ٦)، وأخرجه الطبراني.
(٢) - تفسير الطبري (٢٢/ ٨)، وأخرجه الحاكم (٣/ ١٤٧) من طريق بكير بن مسمار به. وزاد السيوطي في الدر (٥/ ٣٧٧) نسبته إلى ابن مردويه.
(٣) - صحيح مسلم في فضائل الصحابة، حديث (٢٤٠٨) (٣٦)، وانظر التالي. [¬١]- في ز، خ: "شُريح". [¬٢]- في ز، خ: "العربي". [¬٣]- في ز: "سعيد". [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- في خ، ز: "بن". [¬٦]- في ز: "سلمة".
[ ١١ / ١٥٨ ]
وسلم وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرًا كثيرًا، حَدَّثنا يا زيد ما سمعتَ من رسول الله ﷺ. قال] [¬١]: يا بن أخي؛ والله لقد كَبِرَتْ سني، وقَدُم عهدي، ونسيتُ بعض الذي كنتُ أعي من رسول الله ﷺ، فما حَدّثتُكم فاقبلوا، وما لا فلا تُكَلَّفونيه [¬٢]. ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ يومًا خطبًا بماء يدعى خُمًّا [¬٣]-بين مكة والمدينة- فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ وَذكر، ثم قال: "أما بعد، ألا أيها الناس؟ فإنَّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، وأولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به". فَحَثَّ على كتاب الله وَرَغَّب فيه، ثم قال: "وأهلُ بيتي، أذَكّركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي" ثلاثًا - فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرمَ الصَّدقة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليّ، وآل عَقيل، وآل جعفر، وآل عبَّاس. قال: كل هؤلاء حُرمَ الصدقة؟ قال: نعم.
ثم [¬٤] رواه (^٨٩) عن محمد بن بكار بن الريان، عن حسان بن إبراهيم، عن سعيد بن مسروق، عن يزيد بن حَيَّان، عن زيد بن أرقم، فذكر الحديث كنحو [¬٥] ما تقدم، وفيه: فقلنا له: من أهل بيته نساؤه [¬٦]؟ قال: لا ولم [¬٧] ايم الله، إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فتوجع إلى أبيها وقومها [¬٨]، أهل بيته أصله وعَصَبته الذين حُرموا الصدقة بعده.
هكذا وقع في هذه الرواية والأُولى [¬٩] أَولى، والأخذ بها أحرى. وهذه الثانية تحتمل أنَّه أراد تفسير الأهل المذكورين في الحديث الذي رواه، إنما المراد بهم آله الذين حُرموا الصدقة، أو أنَّه ليس المراد بالأهل الأزواج فقط، بل هم مع آله، وهذا الاحتمال أرجح، جمعًا بينها وبين الرواية التي قبلها، وجمعًا أيضًا بين القرآن والأحاديث المتقدمة إن صحت، فإن في بعض أسانيدها نظرًا [¬١٠]، والله أعلم.
_________________
(١) - صحيح مسلم الموضع السابق حديث (٢٤٠٨) (٣٧). والحديث أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٦)، وأَبو داود (٤٩٧٣٩. مختصرًا على (أمَّا بعد) وابن خزيمة (٢٣٥٧) من طريق أبي حيان التيمي به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "تكلفونه". [¬٣]- في ز، خ: "خمسًا". [¬٤]- سقط في: ز، خ. [¬٥]- في ت: "بنحو". [¬٦]- في ز، خ " كذا": "فتاوه". [¬٧]- سقط في: ر، خ. [¬٨]- في خ، ز: "وأمها". [¬٩]- في ز، خ: "الأول". [¬١٠]- في ز، خ: "نظر".
[ ١١ / ١٥٩ ]
ثم الذي لا يَشُك فيه من تَدبَّر القرآن أن نساء النبي ﷺ داخلات في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِرًا﴾، فإن سياق الكلام معهن؛ ولهذا قال بعد هذا كله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، أي: اعملن بما نزل [¬١] الله على رسوله في بيوتكن من الكتاب والسنة، قاله قَتَادة وغير واحد. واذكرن هذه النعمة التي [خصصتن بها] [¬٢] من بين الناس، إن الوحي ينزل في بيوتكن دون سائر الناس، وعائشة بنت الصديق أولاهن بهذه النعمة، وأحظاهن بهذه الغنيمة، وأخصهن من هذه الرحمة العميمة، فإنه اسم ينزل على رسول الله ﷺ الوحي في فراش امرأة سواها، كما نص على ذلك ﷺ (^٩٠).
قال بعض العلماء ﵀: لأنه لم يزوج بكرًا سواها، ولم ينم معها رجل في فراشها سواه، فناسب أن تخصص بهذه المزية، وأن تفرد بهذه الرتبة العلية، ولكن إذا كان أزواجه من أهل بيته، فقرابته أحق بهذه التسمية، كما تقدم في الحديث: "وأهل بيتي أحق" (^٩١).
وهذا يشبه ما ثبت في صحيح مسلم: أن رسول الله ﷺ لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال: "هو مسجدي هذا" (^٩٢).
فهذا من هذا القبيل؛ فإن الآية إنما نزلت في مسجد قُباء، كما ورد في الأحاديث الأخر (^٩٣). ولكن إذا كان ذاك أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ أولى بِتَسمِيتِه بذلك، والله أعلم.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا أَبو [¬٣] الوليد، حدَّثنا أَبو عوانة، عن حُصَين بن عبد الرحمن، عن أبي [¬٤] جميلة قال [¬٥]: إن الحسن بن علي استُخلِفَ حين قُتِال عليّ - رضي
_________________
(١) - أخرجه البخاري في صحيحه في الهبة، باب: من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض، حديث، (٢٥٨١) من حدث عروة بن الزبير عن عائشة بحديث طويل فيه: "لا تؤذيني في عائشة فإن الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلَّا عائشة".
(٢) - تقدم عن حديث واثلة برقم (٧٧).
(٣) - صحيح مسلم في الحج، حديث (١٣٩٨) من حدث أبي سعيد الخدري. بلفظ: "هو مسجدكم هذا".
(٤) - تقدم في التوبة الآية (١٠٨). [¬١]- في ت: "ينزل". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "خصصتهن". [¬٣]- سقط سن خ، ز. [¬٤]- في خ، ز: "ابن". [¬٥]- سقط في: ز، خ.
[ ١١ / ١٦٠ ]
الله عنهما - قال: فبينما هو يصلى إذ وثب عليه رجل فطعنه بخنجره [¬١]، وزعم حصين أنَّه بلغه أن الذي طعنه رجل من بني أسد، وحسن ساجد، قال: فيزعمون أن الطعنة وقعت في وَركه، فمرض منها أشهرًا، ثم بَرأ فقعد على المنبر، فقال: يا أ هل العراق؛ اتقوا الله فينا، فإنا أمراؤكم وضيفانكم، ونحن أهل البيت الذي قال الله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، قال: فما زال يقولها حتَّى ما بقى أحد من أهل المسجد إلَّا وهو [¬٢] يَحِنُّ بكاء.
وقال السدي، عن أبي الديلم قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل [¬٣] الشام: أما قرأت في الأحزاب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾؟ قال: نعم، ولأنتم هم؟ قال: نعم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، أي: بلطفه بكنَّ بلغتُنَّ هذه المنزلة، وبخبرته [¬٤] بكن وأنكن أهل لذلك، أعطاكن ذلك وخصكن بذلك.
قال ابن جرير، ﵀: واذكرن نعمة الله عليكن بأن جعلكن في بيوت تتلى فيها آيات الله والحكمة، فاشكرن الله على ذلك واحمدنه ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، أي: ذا لطف بكن، إذ جعلكن في البيوت التي تتلى فيها آياته والحكمة. وهي السنة، خبيرًا بكن إذ اختاركن لرسوله أزواجًا.
وقال قتادة: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ قال: "يَمْتَنُّ عليهن بذلك". رواه ابن جرير.
وقال عطية العوفي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾، يعني: لطف باستخراجها، خبير بموضعها. رواه ابن أبي حاتم، ثم [¬٥] قال: وكذا روي عن [¬٦] الربيع بن أَنس، و[¬٧] قَتَادة.
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا
_________________
(١) [¬١]- في ت: "بخنجر". [¬٢]- سقط في: ز، خ. [¬٣]- سقط في: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "بخيرته". [¬٥]- سقط في: ز، خ. [¬٦]- سقط في: ز، خ. [¬٧]- في ت: "عن".
[ ١١ / ١٦١ ]
وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾
قال الإِمام أحمد (^٩٤): حدَّثنا عفان، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا عثمان بن حكيم، حَدثنا عبد الرحمن بن شيبة، سمعت أم سلمة زوج النبي ﷺ تقول: قلت للنبي ﷺ: ما لنا لا نُذكَرُ في القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يَرعني [¬١] منه ذات يوم إلا ونداؤه على المنبر، قالت: وأنا أسَرِّح شعري، فلففت شعري، ثم خرجت إلى [حُجرة من] [¬٢] حُجَر [¬٣] بيتي، فجعلت سمعي عند الجريد، فإذا هو يقول عند المنبر: ﴿يا أيها الناس، إن الله يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . …﴾ إلى آخر الآية.
وهكذا رواه النسائي وابن جرير من حديث عبد الواحد بن زياد، به مثله.
(طريق أخرى عنها) قال النَّسائي أيضًا (^٩٥): حدَّثنا محمد بن حاتم، حدَّثنا سويد، أخبرنا عبد الله عن [¬٤] شريك، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أم سلمة أنَّها قالت للنبي ﷺ: يا نبي الله؛ ما لي أسمع الرجال يذكرون في القرآن، والنساء لا يذكرن [¬٥]؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وقد رواه ابن جرير (^٩٦)، عن أبي كريب، عن أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة: أن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، حدثه عن أم سلمة ﵂ قالت: قلت [¬٦]: يا رسول الله؛ أيذكر الرجال في كل شيء ولا نذكر؟ فأنزل الله ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. . .﴾ الآية.
(طريق أخرى) قال سفيان الثَّوري (^٩٧)، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: قالت أم
_________________
(١) - المسند (٦/ ٣٠١، ٣٠٥)، وأخرجه النَّسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١٨١٩١) وهو في التفسير برقم (٤٢٥) من طريق عبد الواحد بن زياد به.
(٢) - أخرجه النَّسائي في التفسير (٤٢٤)، وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٣/ ٢٦٣) (٥٥٤) من طريق محمد بن عمرويه.
(٣) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٠).
(٤) - أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٠) والحاكم (٢/ ٤١٦) كلاهما من حديث سفيان الثَّوري به. [¬١]- في ت: "يرعى". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "حجرتي". [¬٣]- في ز، خ: "حجرة". [¬٤]- في ت: "بن". [¬٥]- في ز، خ: "يذكرون". [¬٦]- سقط في: ز، خ.
[ ١١ / ١٦٢ ]
سلمة: يا رسول الله؛ يذكر الرجال ولا نذكر؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. . .﴾ الآية.
(حديث آخر) قال ابن جرير (^٩٨): [حدَّثنا أبو كريب، قال] [¬١]: حدَّثنا سنّان [¬٢] بن مظاهر العَنَزي [¬٣]، حدَّثنا أبو كدينة يحيى بن المهلب، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عبَّاس قال: قال النساء للنبي ﷺ: ما له - يذكر المؤمنين ولا يذكر المؤمنات؟ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. .﴾ الآية.
وحدثنا بشر (^٩٩)، حدَّثنا يزيد، حدَّثنا سعيد، عن قَتَادة، قال: دخل نساء على نساء النبيّ ﷺ، فقلن: قد ذكَركُن الله في القرآن، ولم نُذكَر بشيء، أما فينا ما يذكر [¬٤]؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. .﴾ الآية.
فقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ دليل على أن الإيمان غير الإِسلام، وهو أخص منه، لقوله تعالى: (﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وفي الصحيحين (^١٠٠) " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" فسلبه [¬٥] الإيمان، ولا يلزم من ذلك كفره بإجماع المسلمين، فدل على أنَّه أخص [¬٦] منه كما قررناه في أول شرح البخاري.
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ القنوت: هو الطاعة في سكون، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فالإِسلام بعده مرتبة يرتقى إليها، ثم القنوت ناشيء عنهما.
﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ هذا في الأقوال، فإن الصدق خَصلة محمودة؛ ولهذا كان بعض الصحابة لم تُجرب عليه كِذْبة لا في الجاهلية ولا [في الإِسلام] [¬٧]، وهو علامة على الإِيمان، كما أن الكذب أمارة على النفاق، ومن صدق نجا، ["عليكم بالصدق، فإن
_________________
(١) - تفسير الطَّبري (٢٢/ ١٠)، وأخرجه الطبراني في الكبير (١٢/ ١٠٨) (١٢٦١٤) من طريق قابوس به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٤): فيه قابوس وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجاله ثقات.
(٢) - تفسير الطَّبري (٢٢/ ١٠).
(٣) - تقدم تخريجه في تفسير المائدة الآية (٩١). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ت، وابن جرير: "سيار". [¬٣]- في ز، خ: "العرى". [¬٤]- في ز، خ: "نذكر". [¬٥]- في ت: "فيسلبه". [¬٦]- في خ: "أحق" وفي ز: "أخف". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "إسلام".
[ ١١ / ١٦٣ ]
الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنَّة، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار] [¬١] ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتَّى يكتب عند الله كذابًا" (^١٠١). والأحاديث فيه كثيرة جدًّا.
﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، هذه سَجِية [¬٢] الأثبات، وهي الصبر على المصائب، والعلم بأن المقدور كائن لا محالة، وَتَلَقي ذلك بالصبر والثبات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى، أي: أصعبه في أول وهلة، ثم ما بعده أسهل منه، وهو صدق السجية وثباتها.
﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، الخشوع [¬٣]: السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار والتواضع. والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته، "اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (^١٠٢).
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، الصدقة: هي الإِحسان إلى الناس المحاويج الضعفاء، الذين لا كَسْبَ لهم ولا كاسب، يعطون من فضول الأموال طاعة لله، وإحسانًا إلى خلقه، وقد ثبت في الصحيحين (^١٠٣): " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله - فذكر منهم -: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه".
وفي الحديث الآخر (^١٠٤): " والصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ [¬٤] الماء النار".
والأحاديث في الحث عليها كثيرة جدًّا، له موضع بذاته.
﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾، في الحديث الذي رواه ابن ماجة (^١٠٥): " والصوم زكاة
_________________
(١) - حديث عبد الله بن مسعود تقدم تخريجه في تفسير سورة التوبة الآية (١١٩).
(٢) - يأتي تخريجه في سورة الحديد عند الآية (٦).
(٣) - تقدم تخرجه في تفسير سورة البقرة الآية (٢٧١).
(٤) - أخرجه ابن ماجة في الزهد، باب الحسد، حديث (٤٢١٠) وأَبو يعلى في مسنده (٣٦٥٦) من حديث أَنس وإسناده ضعيف جدًّا فيه عيسى بن أبي عيسى ميسرة، متروك الحديث، وانظر مصباح الزجاجة (٣/ ٢٩٨).
(٥) - سنن ابن ماجة في الصيام، باب: في الصوم زكاة الجسد، حديث (١٧٤٥) من حديث أبي هريرة، وفيه موسى بن عبيدة التِّرمِذي وهو مجمع على ضعفه، وانظر مصباح الزجاجة (٢/ ٣٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين هذه الفقرة جاءت في خ، ز بعد قوله: "عند الله كذابا". [¬٢]- في خ، ز: "نتيجة". [¬٣]- سقط من: خ، وفي ز: "أي". [¬٤]- في ت: "تطفئ".
[ ١١ / ١٦٤ ]
البدن". أي: تزكِّيه وتطهره وتنقِّيه من الأخلاط الرديئة طبعًا وشرعًا.
قال [¬١] سعيد بن جبير: من صام رمضان، وثلاثة أيام من كل شهر؛ دخل في قوله: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾.
ولما كان الصوم من أكبر العون على كسر الشهوة -كما قال رسول الله ﷺ: "يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" (^١٠٦) - ناسب أن يذكر بعده: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، أي: عن المحارم والمآثم إلَّا عن المباح، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ ".
وقوله ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾: قال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدَّثنا هشام بن عبيد الله، حدَّثنا محمد بن جابر، عن علي بن الأقمر، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أيقظ الرجل امرأته من الليل، فصليا ركعتين، كتبا [¬٢] تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات".
وقد رواه أَبو داود والنَّسائي وابن ماجة (^١٠٧)، من حديث الأعمَش عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ، بمثله.
وقال الإِمام أحمد (^١٠٨): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا دَرّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه قال: قلت: يا رسول الله؟ أيّ العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ قال [¬٣]: قلت: يا رسول الله؛ ومن الغازي في سبيل الله؟ قال: "لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتَّى
_________________
(١) - تقدم تخريجه في تفسير البقرة الآية (١٨٣).
(٢) - سنن أَبي داود في الصلاة، باب: قيام الليل، حديث (١٣٩٠) وفي باب: الحث على قيام الليل، حديث (١٤٥١)، والنَّسائي في قيام الليل، باب: ثواب من استيقظ وأيقظ امرأته فصليا حديث (١٣١٠)، وابن ماجة في إقامة الصلاة والسنة فيها باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل، حديث (١٣٣٥) من طريق شيبان عن الأعمَش به.
(٣) - المسند (٣/ ٧٥)، وأخرجه التِّرمِذي في الدعاء، حديث (٣٣٧٦) عن قتيبة عن ابن لهيعة به. وقال الترمذي: حديث غريب إنما نعرفه من حديث دراج. [¬١]- سقط في: ز. [¬٢]- في ز، خ: "كانا". [¬٣]- سقط من: خ.
[ ١١ / ١٦٥ ]
ينكسر ويختضبَ دمًا لكان الذاكرون الله أفضل منه".
وقال الإِمام أحمد (^١٠٩): حدَّثنا عفان، حدَّثنا [عبد الرحمن بن إبراهيم] [¬١]، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: كان النبي ﷺ يسير في طريق مكة، فأتى على جُمْدان (*). فقال: هذا جمدان، سيروا فقد سبق المفرّدون قالوا: وما المُفرِّدون؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا". ثم قال: "اللهم، اغفر للمحلقين". قالوا" والمقصرين؟ قال: "اللهم، اغفر للمحلقين". قالوا: والمقصرين؟ قال: والمقصرين".
تفرد به من هذا الوجه، ورواه مسلم دون آخره.
وقال الإِمام أحمد (^١١٠): حدَّثنا حُجَين [¬٢] بن المثنى، حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن زيد بن أبي زياد -مولى عبد الله بن عَيَّاش [¬٣]، بن أبي ربيعة - أنَّه بلغه عن معاذ بن جبل ﵁، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "ما عمل آدميٌّ من عملًا قطُّ أنجى له من عذاب الله من ذكر الله".
وقال معاذ: قال رسول الله ﷺ: "ألا أخبركم بخير أعمالكم [لكم] [¬٤] و[¬٥] أزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من تعاطي الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم غدًا [¬٦] فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ". قالوا: بلى، يا رسول الله. قال: "ذكر الله ﷿".
وقال الإِمام أحمد (^١١١): حدَّثنا حسن، حدَّثنا ابن لهيعة، حدَّثنا زَبَّان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أَنس الجهني، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ: أن رجلًا سأله فقال: أيّ المجاهدين أعظم أجرًا يا رسول الله؟ فقال: "أكثرهم لله ذكرًا". قال: فأيّ
_________________
(١) - المسند (١/ ٤١٢)، وأخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث (٢٦٧٦) من طريق روح بن القاسم عن العلاء به. دون قوله: "ثم قال: اللهم اغفر للمحلقين. .. إلخ". (*) جمدان: جبل على بعد ليلة من المدينة.
(٢) - المسند (٥/ ٢٣٩)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٦٠): رجاله رجال الصحيح إلا أن زياد بن أبي زياد مولى ابن عياش لم يدرك معاذًا.
(٣) - المسند (٣/ ٤٣٨)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٧٧): رواه أحمد، والطبراني … وفيه زبان بن فائد وهو ضعيف وقد وثق وكذلك ابن لهيعة، وبقية رجاله ثقات. [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "إبراهيم بن عبد الرحمن". [¬٢]- في ز، خ: "حجير". [¬٣]- في ز، خ: "عبَّاس". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٥]- سقط في: ز، خ. [¬٦]- سقط في: ز، خ.
[ ١١ / ١٦٦ ]
الصائمين أكثر أجرًا؟ قال: "أكثرهم لله ذكرًا". ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة، كل ذلك قول رسول الله ﷺ: "أكثرهم لله ذكرًا". فقال أبو بكر لعمر ﵄: ذهب الذاكرون بكل خير! فقال رسول الله ﷺ: "أجل".
وسنذكر بقية الأحاديث الواردة في كثرة الذكر عند قوله تعالى في هذه السورة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. ..﴾ الآية. إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ [¬١] لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ل، أي: هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرة وأجرًا عظيمًا وهو الجنَّة.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾
قال العوفي، عن ابن عبَّاس، قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. وذلك أن رسول الله ﷺ انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية فخطبها، فقالت: لست بناكحته. فقال رسول اللَّه ﷺ: "بل فانكحيه". قالت: يا رسول الله؛ أؤامر في نفسي؟ فبينما هما يتحادثان أنزل الله هذه الآية على رسوله ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا …﴾ الآية. قالت: قد رضيته لي منكحًا يا رسول الله؟ قال: نعم. قالت: إذا لا أعصي رسولَ الله ﷺ، قد أنكحته نفسي.
وقال ابن لهيعة، عن ابن أبي عمرة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس، قال: خطب رسول الله ﷺ زينب بنت جحش لزيد بن حارثة، فاستنكفت (*) منه، وقالت: أنا خير منه حسبًا -وكانت امرأة فيها حدة- فأنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ.﴾ الآية كلها.
وهكذا قال مجاهد، وقَتَادة، ومقاتل بن حيان: إنها نزلت في زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة، فامتنعت ثم أجابت.
وقال عبد الرحمن بن زدد بن أسلم: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وكانت
_________________
(١) (*) استنكف من الشيء: امتنع عنه بكثير. [¬١]- سقط في: ز، خ.
[ ١١ / ١٦٧ ]
أول من هاجر من النساء -يعني بعد صلح الحديبية- فوهبت نفسها للنبي ﷺ، فقال: قد قبلت. فزوجها زيد بن حارثة -يعني، والله أعلم، بعد فراقه زينب- فسخطت هي وأخوها وقالا: إنما أردنا رسولَ الله ﷺ فزوجنا عبده، قال: فنزل القرآن: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا. ..﴾ إلى آخر الآية. قال: وجاء أمر أجمع من هذا: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، قال: فذاك خاص وهذا جماع.
وقال الإِمام أحمد (^١١٢): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ثابت البُناني، عن أَنس، قال: خطب النبي ﷺ على جُلَيبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتَّى أستأمر أمها. فقال النبي ﷺ " "فنعم [¬١] إذًا". قال: فانطلق الرجل إلى امرأته [فذكر ذلك لها] [¬٢]، فقالت: لاها [الله (*) ذا] [¬٣]، ما وجد رسول الله ﷺ إلَّا جُليبيبًا [¬٤]، وقد منعناها من فلان وفلان. قال: والجارية في سترها تسمع، قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي ﷺ بذلك. فقالت الجارية: أتريدون أن تَرُّدُوا على رسول الله ﷺ أمره، إن كان قد رضيه لكم فأنكحوه. قال: فكأنها جَلَّت عن أَبويها، وقالا: صدقت فذهب أَبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: إن كُنْتَ رضيته فقد رضيناه. قال: "فإني قد رضيته". قال: فزوجها، ثم فزع أهل المدينة، فركب جُلَيبيب فوجدوه قد قتل، وحوله ناس من المشركين قد قتلهم، قال أنس: فلقد رأيتها وإنها [¬٥] لمن أنفق (**) بيت بالمدينة.
وقال الإِمام أحمد (^١١٣): حدَّثنا عفان، حدَّثنا حمَّاد -يعني ابن سلمة- عن ثابت، عن كنانة بن نعيم العدوي، عن أبي برزة الأسلمي أن جليبيبًا كان امرءًا يدخل على النساء يَمُر بهنَّ
_________________
(١) - المسند (٣/ ١٣٦)، وأخرجه عبد بن حميد (١٢٤٥ - منتخب) عن عبد الرزاق به. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٧١): رواه أحمد والبزار … ورجال أحمد رجال الصحيح. (*) الهاء - هاهنا - داخلة في القسم على لفظ الجلالة، وحرف القسم محذوف. وفي هذا الأسلوب لغات أخر، وإعرابات كثيرة فانظر شرح الكافية الشافية لابن مالك (٢/ ٨٥٩، ٨٦٥، ٨٦٦) والمصباح المنير (٢/ ٦٤٤). (**) اسم تفضيل من النَّفاق -بفتح النون- وهو الرواج. يُقال: نفقت السلعة والمرأة نَفَاقًا: كثر طُلَّابها وخُطَّابها.
(٢) - المسند (٤/ ٤٢٢)، وقد أخرجه أحمد (٤/ ٤٢١، ٤٢٥)، ومسلم في فضائل الصحابة، حديث = [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "والله". [¬٤]- في ز، خ: "جليبيب". [¬٥]- سقط في: ز.
[ ١١ / ١٦٨ ]
ويلاعبهنّ، فقلت لامرأتي: لا يدخلن اليوم عليكم جُليبيب [¬١] فإنه إن دخل عليكن [¬٢] لأفعلن ولأفعلن. قال: وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيّم لم يزوجها حتَّى يعلم: هل لنبي الله ﷺ فيها حاجة أم لا؟ فقال رسول الله ﷺ لرجل من الأنصار: "زوجني ابنتك". قال: نعم، وكرامة يا رسول الله، ونُعْمَة عين. فقال: "إني لست أريدها لنفسي". قال: فلمن [يا رسول الله] [¬٣]؟ قال: "لجلبيب كتاب". فقال [¬٤]: "إني رسول الله؛ أشاور أمها. فأتى أمها فقال: رسول الله ﷺ يخطب ابنتك؟ فقالت: نعم ونُعمة عين. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب. فقالت: أجُلَيبيب إنيه (*)؟ أجليبيب إنيه [¬٥]؟ لا، لعمر الله لا نَزوّجُه. فلما أراد أن يقوم ليأتى رسول الله ﷺ فيخبره بما قالت أمها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟ فأخبرتها أمها. قالت: أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟! ادفعوني إِليه، فإنه لن يضيعني. فانطلق أَبوها إلى رسول الله ﷺ فقال: شأنَك بها. فزَوَّجها جليبيبًا. قال: فخرج رسول الله ﷺ في غزاة له، فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا. قال: "انظروا هل تفقدون من أحد؟ ". قالوا: لا. قال: "لكني أفقد جليبيبًا". قال: "فاطلبوه في القتلى". فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. [فقالوا: يا رسول الله، ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه] [¬٦] فأتاه رسول الله ﷺ فقام عليه، فقال: "قتل سبعة وقتلوه] [¬٧]، هذا مني وأنا منه" -مرتين أو ثلًاثًا-، ثم وضعه رسول الله ﷺ على ساعديه [وحفر له، ما له سرير إلَّا ساعد النبي ﷺ، ثم] [¬٨]، وضعه في قبره، ولم يذكر أنَّه غسله ﵁ قال ثابت: فما كان في الأنصار؟ أيّم [¬٩] أنفق منها. وحدث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ثابتًا: هل تعلم ما دعا لها رسول الله ﷺ؟ فقال: "اللهم؛ صب عليها الخير [¬١٠] صبًا، [ولا تجعل عيشها كدًّا] [¬١١]، كذا قال فما كان في الأنصار، أيّم أنفق منها. هكذا أورده الإِمام أحمد بطوله، وأخرج منه مسلم والنسائي في الفضائل قصة قتله.
_________________
(١) = (٢٤٧٢)، والنَّسائي في فضائل الصحابة (١٤٢) من طرق عن حمَّاد بن سلمة به مختصرًا على (قصة الغزو). (*) لفظ تستعملها العرب في الإنكار، يقول لك القائل: جاء زيد. فتقول أنت: أزيدُ نيه! أو أزيدٌ إنيه! كأَنَّك استبعدت مجيئه. وقيل في معناها ولفظها غير ذلك، فانظر النهاية لابن الأثير (١/ ٧٨، ٧٩). [¬١]- في ز، خ: "جليبيبًا". [¬٢]- في ت: "عليكم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "قال". [¬٥]- كررت في ز، خ بلفظ: "لجليبيب إنيه". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٧]- سقط في: ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٩]- في ز، خ: "تأيم". [¬١٠]- سقط في: ز، خ. [¬١١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "واجعل عيشها كذا وكذا".
[ ١١ / ١٦٩ ]
وذكر الحافظ أَبو عمر بن عبد البر في "الاستيعاب" أن الجارية لما قالت في خدرها: "أتردون على رسول الله ﷺ أمره؟ تلت هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾.
وقال ابن جريج: [أخبرني عامر بن مصعب، على طاوس، قال: إنه سأل ابن عبَّاس عن ركعتين بعد العصر، فنهاه، وقرأ ابن عبَّاس ﵁: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾] [¬١].
فهذه [¬٢] الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنَّه إذا حكم الله ورسوله بشيء، فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأي ولا قول، كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وفي الحديث (^١١٤): " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتَّى يكون هواه تبعًا لما جئت به". ولهذا شدد في خلاف ذلك، فقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)
يقول تعالى مخبرًا عن نبيه ﷺ: إنه قال لمولاه زيد بن حارثة، وهو الذي ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِ﴾، أي: بالإِسلام ومتابعة الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيهِ﴾، أي: بالعتق من الرق، وكان سيدًا كبير الشأن جليل القدر، حبيبًا إلى النبي ﷺ، يقال له: الحبّ، ويقال لابنه أسامة: الحب ابن الحبّ. قالت عائشة ﵂: ما بعثه رسول الله ﷺ في سرية إلَّا أثره عليهم، ولو عاش بعده لاستخلفه.
_________________
(١) - تقدم تخريجه في تفسير التوبة الآية (٢٤). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز، خ: "هذه".
[ ١١ / ١٧٠ ]
رواه أحمد (^١١٥)، عن سعيد بن محمد الوراق ومحمد بن عبيد، عن وائل بن داود، عن عبد الله البهي، عنها.
وقال البزار: حدَّثنا خالد بن يوسف، حدَّثنا أَبو عوانة (ح)، وحدثنا محمد بن معمر، حدَّثنا أَبو داود، حدَّثنا أَبو عوانة، أخبرني عمر بن أبي سلمة، عن أبيه: حدثني أسامة بن زيد، قال: كنت في المسجد، فأتاني العباس وعليّ بن أبي طالب ﵄ فقالا: يا أسامة؟ استأذن لنا على رسول الله ﷺ. قال: فأتيتُ رسولَ الله فأخبرته، فقلت: عليٌّ والعباس يستأذنان. فقال: "أتدري ما حاجتهما؟ ". فقلت: لا يا رسول الله. فقال: "لكني أدري". قال: "فأذن لهما". قالا: يا رسول الله، جئناك لتخبرنا: أيُّ أهلك أحبُّ إليك؟ فقال: "أحب أهلي إليَّ فاطمة بنت محمد". قالا: يا رسول الله، ما نسألك عن فاطمة. قال: "فأسامة بن زيد [ابن] حارثة، الذي أنعم الله عليه وأنعمتُ عليه".
وكان رسول الله ﷺ قد زَوَّجه بابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية - وأمها أميمة بنت عبد المطلب - وأصدقها عشرة دنانير، وستين درهمًا، وخمارًا، وملْحَفة، ودرْعًا، وخمسين مُدًّا من طعام، وعشرة أمداد من تمر. قاله مقاتل بن حيان - فمكثتْ عنده قريبًا من سنة أو فوقها، ثم وقع بينهما، فجاء زيد يشكوها إلى رسول الله ﷺ، [فجعل رسول الله ﷺ] [¬١] يقول له: "أَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ". قال الله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم - هاهنا - آثارًا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفحًا [لعدم صحتها] [¬٢] فلا نوردها.
وقد روى الإِمام أحمد (^١١٦) هاهنا أيضًا حديثًا، من رواية حمَّاد بن زيد، عن ثابت، عن أَنس، فيه غرابة تركنا سياقه أيضًا.
وقد روى البخاري أيضًا (^١١٧) بعضه مختصرًا فقال: حدَّثنا محمد بن عبد الرحيم، حدَّثنا
_________________
(١) - المسند (٦/ ٢٨١)، وأخرجه أحمد (٦/ ٢٢٦، ٢٥٤)، والنَّسائي في الكبرى (٨١٨٢) من طريق وائل بن داود به.
(٢) - المسند (٣/ ١٤٩، ١٥٠) عن مؤمل به سليمان عن حمَّاد به.
(٣) - صحيح البخاري في التفسير، باب: (﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ حديث (٤٧٨٧)، وأخرجه البخاري أيضًا في التوحيد، باب: " ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ " حديث (٧٤٢٠) من طريق = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ.
[ ١١ / ١٧١ ]
معلى بن منصور، عن حمَّاد بن زيد، حدَّثنا ثابت، عن أَنس بن مالك، قال: إن هذه الآية: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزلت في شأن زينب بنت جحش، وزيد بن حارثة ﵄.
وقال ابن أبي حاتم (^١١٨): حدَّثنا أبي، حدَّثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدَّثنا ابن عيينة، عن علي بن زيد بن جُدْعان، قال: سألني عليُّ بن الحسين ما يقول الحسن في قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؟ فذكرت له فقال: لا، ولكن الله أعلم نبيه أنَّها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد ليشكوها إليه قال: "اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيكَ زَوْجَكَ". فقال: قد أخبرتك أني مُزَوِّجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه. وهكذا روي عن السدي أنَّه قال نحو ذلك.
وقال ابن جرير (^١١٩): حدثني إسحاق بن شاهين، حدثني خالد عن داود، عن عامر، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: لو كتم محمد ﷺ شيئًا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾.
وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، الوطر: هو الحاجة والأرب، أي: لما فَرَغ منها وفارقها زَوّجناكها، وكان الذي وَلي تزويجها منه هو [¬١] الله ﷿ بمعنى: أنَّه أوحى إليه أن يدخل عليها بلا وليّ ولا مهر ولا عقد ولا شهود من البشر.
قال الإِمام أحمد (^١٢٠): حدَّثنا هاشم -يعني: ابن القاسم- أَبو [¬٢] النضر، حدَّثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أَنس ﵁ قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ لزيد بن حارثة: "اذهب فاذكرها عليّ" فانطلق حتَّى أتاها وهي تُخَمّر عجينها، قال: فلما رأيتها عظمت في صدري، حتَّى ما أستطع أن أنظر إليها؛ أنّ
_________________
(١) = أبي بكر المقدمي عن حمَّاد بن زيد به نحوه.
(٢) - أخرجه الطبري (٢٢/ ١٣)، والبيهقي في الدلائل (٣/ ٤٦٦) من طريق سفيان بن عيينة به وليس فيه عند ابن جرير ذكر الحسن. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٣٨٤) أيضًا إلى الحكيم الترمذي.
(٣) - تفسير الطبري (٢٢/ ١٣)، وأخرجه أحمد في المسند (٦/ ٢٤١) ومسلم في الإيمان، حديث (١٧٧) (٢٢٨) من طريق داود به.
(٤) - المسند (٣/ ١٩٥)، وفيه حدَّثنا بهز، حدَّثنا هاشم قالا: حدَّثنا سليمان بن المغيرة به. وأخرجه مسلم في النكاح، حديث (١٤٢٨)، والنسائي في النكاح، باب: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها ربها (٦/ ٧٩) وفي الكبرى (٥٣٩٩)، (١١٤١٠) من طريق سليمان بن المغيرة به. [¬١]- سقط في: ز، خ. [¬٢]- في ز: "أبا".
[ ١١ / ١٧٢ ]
رسول الله ﷺ ذكرها، فوليتها ظهري ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب؛ أبشري، أرسلني رسول الله ﷺ يذكرك. قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتَّى أؤامر ربي ﷿. فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن. ولقد رأيتنا حين دَخَلْتُ على رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم، خرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطَّعام، فخرج رسول الله ﷺ واتبعته [¬١] فجعل يَتَبْع [¬٢] حُجر نسائه يسلم عليهن، ويقلن: يا رسول الله؛ كيف وجدت أهلك؟ فما أدري أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أخِبرَ - قال: فانطلق حتَّى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقى الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب، ووُعظَ القوم بما وعظوا به: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ. .﴾ الآية. [] [¬٣].
ورواه [¬٤] مسلم والنَّسائي من طرق عن سليمان بن المغيرة به.
وقد روى البخاري (^١٢١) ﵀ عن أَنس بن مالك ﵁ أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سموات.
وقد قدمنا في "سورة النور" عن محمد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة، فقالت زينب ﵂: أنا التي نزل [¬٥] تزويجي من السماء. وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري من السماء. فاعترفت لها زينب ﵂.
وقال ابن جرير (^١٢٢): حدَّثنا ابن حميد، حدَّثنا جرير، عن المغيرة، عن الشعبي، قال [¬٦]: كانت زينب تقول للنبي ﷺ: إني لأدِلُّ عليكَ بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن: إن جدي وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله من السماء، وإن السفير جبريل ﵇.
وقوله: ﴿لِكَي لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾، أي: إنما أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك، لئلا يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلقات الأدعياء، وذلك أن رسولَ الله ﷺ كان قبل النبوة قد تبنى زيد بن حارثة،
_________________
(١) - صحيح البخاري في التوحيد، باب: "وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم"، حديث (٧٤٢١) من حديث عيسى بن طمهان عن أَنس له.
(٢) - تفسير الطبري (١٤/ ٢٢)، وأخرجه الحاكم (٢/ ٢٥) من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي نحوه. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "يَتَّبع". [¬٣]- في ت: به. [¬٤]- في ت: "رواه". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز: "قالت".
[ ١١ / ١٧٣ ]
فكان يقال لـ: "زيد بن محمد"، فلما قطع الله هذه النسبة بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش لما طلقها زيد بن حارثة ولهذا قال في آية التحريم: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ ليحترز من الابن الدعي؛ فإن ذلك كان كثيرًا فيهم.
وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أي: وكان هذا الأمر الذي وقع قد قدره الله تعالى وحَتَّمه، وهو كائن لا محالة، كانت زينب في علم الله ستصير من أزواج النبي ﷺ.
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾
يقول تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾، أي: فيما أحل له وأمره به من تزويج زينب التي طلقها دَعيه زيد بن حارثة.
وقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: هذا حكم الله في الأنبياء قبله، لم يكن ليأمرهم بشيء وعليهم في ذلك حَرَج، وهذا رَدٌّ على من تَوَهم من المنافقين نقصًا في تزويجه امرأة زيد مولاه ودَعيه الذي كان قد تبناه.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، أي: وكان أمره الذي يقدره كائنًا لا محالة، وواقعًا لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾
يمدح تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ﴾، أي: إلى خلقه ويؤدونها [¬١] بأمانتها، ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ أي: يخافونه ولا يخافون أحدًا سماه، فلا تمنعهم [¬٢] سطوة أحد عن إبلاغ رسالات الله، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، أي: وكفى بالله ناصرًا ومعينًا. وسيد الناس في هذا المقام -
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "ويؤديها". [¬٢]- في ز، خ: "يمنعهم".
[ ١١ / ١٧٤ ]
بل وفي كل مقام - محمد رسول الله ﷺ، فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، إلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع، فإنه قد كان النبي ييعث إلى قومه خاصة، وأما هو - صلوات الله وسلامه عليه - فإنه بعث إلى جميع الخلق عربهم وعجمهم، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، ثم ورَّث مقام البلاغ عنه أمته من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه ﵃ بلغوا عنه كما أمرهم به في جميع أقوال وأفعاله وأحوال، في ليله ونهاره، وحَضره وسفره، وسره وعلانيته، فرضى الله عنهم وأرضاهم. ثم ورثه كُلّ خلف عن سلفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون، وعلى منهجهم يسلك الموفقون. فنسأل الله الكريم المنان أن يجعلنا من خلفهم.
قال الإِمام أحمد (^١٢٣): حدَّثنا ابن نمير، أخبرنا الأعمش، عن عمرلي بن مُرّة، عن أبي البَخْتَرِيّ، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَحْقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله، فيقول الله: ما يمنعك أن تقول فيه [¬١]؟ فيقول: رب، خشيت الناس، فيقول: فأنا أحق أن يخشى".
ورواه أيضًا عبد الرزاق عن الثوري عن زبيد عن عمرو بن مرة.
ورواه ابن ماجة عن أبي كريب عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية كلاهما عن الأعمَش به.
وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، نهى أن يقال بعد هذا: "زيد بن محمد"، أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه - صلوات الله عليه وسلامه - لم يعش له ولد ذكر حتَّى بلغ الحلم، فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة فماتوا صغارًا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضًا رضيعًا. وكان له من خديجة أربع بنات: زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة ﵃ أجمعين - فمات في حياته ثلاث وتأخرت فاطمة حتَّى أصيبت به ﷺ ثم ماتت بعده لستة أشهر.
وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾ كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾ فهذه الآية نص في أنَّه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا
_________________
(١) - المسند (٣/ ٣٠)، وأخرجه ابن ماجة في الفتن، باب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث (٤٠٠٨) وعبد بن حميد (٩٧١ منتخب) من طريق الأعشى به. ورواه عبد االرزاق، وعنه أحمد في المسند (٣/ ٤٧، ٧٣) عن سفيان الثَّوري عن زبيد عن عمرو بن مرة به وأخرجه عبد بن حميد (٩٧٢) عن أبي نعيم عن سفيان به. [¬١]- في ز، خ: "منه".
[ ١١ / ١٧٥ ]
رسول بطريق الأولى والأحرى؛ لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة.
قال الإِمام أحمد (^١٢٤): حدَّثنا أبو عامر الأزدي، حدَّثنا زهير بن محمد، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "مثلي في النبيين كمثل رجل بنى دارًا فأحسنها [¬١] وأكملها، وترك فيها موضع لَبنة لم يَضَعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون منه، ويقولون: لو تم موضع هذه اللبنة! فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة". ورواه التِّرمِذي عن بندار عن أبي عامر العقدي به، وقال: حسن صحيح.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٢٥): حدَّثنا عفان، حدَّثنا عبد الواحد بن زياد، حدَّثنا المختار بن فُلفُل، [قال] [¬٢] حدَّثنا أَنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي". قال: فشَقّ ذلك على الناس، قال: "ولكن المبشرات". قالوا: يا رسول الله؛ وما المبشرات؟ قال: "رؤيا الرجل المسلم، وهي [¬٣] جزء من أجزاء النبوة".
وهكذا روى التِّرمِذي، عن الحسن بن محمد الزعفراني، عن عفان بن مسلم، به، وقال: صحيح غريب من حديث المختار بن فُلفل.
(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي (^١٢٦): حدَّثنا سَليم بن حَيَّان، عن سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها إلَّا موضع لَبِنَة، فكان من دخلها فنظر إليها قال: ما أحسنها إلَّا موضع هذه اللبنة! فأنا موضع اللبنة، ختم بي الأنبياء ﵈".
_________________
(١) - المسند (٥/ ١٣٦) وفيه قال: حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، وأَبو عامر قالا: حدثنا زهير محمد به. وأخرجه التِّرمِذي في المناقب، باب في فضل النبي ﷺ، حديث (٣٦١٣) عن محمد بن بشار عن أبي عامر به.
(٢) - المسند (٣/ ٢٦٧)، وأخرجه التِّرمِذي في الرؤيا، باب: ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، حديث (٢٢٧٢) عن الحسن بن محمد الزعفراني عن عفان بن مسلم به.
(٣) - وأخرجه البخاري في المنافب باب: خاتم النبيين ﷺ، حديث (٣٥٣٤)، ومسلم في الفضائل، حديث (٢٢٨٧)، والتِّرمِذي في الأمثال، باب: ما جاء في مثل النبي ﷺ والأنبياء قبله، حديث (٢٨٦٢)، من طريق سليم بن حيان به. [¬١]- في خ، ز: "فأحكمها". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٣]- في ز، خ: "وهو".
[ ١١ / ١٧٦ ]
ورواه البخاري، ومسلم، والتِّرمِذي، من طرق، عن سليم بن حيان، به. وقال التِّرمِذي: صحيح غريب من هذا الوجه.
[حديث آخر] [¬١] قال الإِمام أحمد (^١٢٧): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثل النبيين [من قبلي] [¬٢] كمثل رَجَلَّ بنى دارًا فأتمها إلَّا لبنة واحدة، فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة".
انفرد بإخراجه مسلم من رواية الأعمَش به.
(حديث آخر) قال أحمد (^١٢٨): حدَّثنا يونس بن محمد، حدَّثنا حمَّاد بن زيد، حدَّثنا عثمان بن عُبيد الراسبي، قال [¬٣]: سمعت أبا الطفيل قال: قال رسول الله ﷺ: "لا نبوة بعدي إلَّا المبشرات". قال: قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: "الرؤيا الحسنة". أو قال: "الرؤيا الصالحة".
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٢٩): حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن هَمَّام بن مُنبه، قال: هذا ما حدَّثنا أَبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتًا فأحسنها وأكملها وأجملها، إلَّا موضع لَبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان ويقولون: ألا وَضَعت هاهنا لبنة فيتم بنيانك؟! ". قال رسول الله ﷺ: "فكنت ألا اللبنة". أخرجاه من حديث عبد الرزاق.
(حديث آخر، عن أبي هريرة أيضًا) قال الإِمام مسلم (^١٣٠): حدَّثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وعليٌّ بن حجر [¬٤]، قالوا: حدَّثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فُضلت على الأنبياء بست:
_________________
(١) - المسند (٣/ ٩)، وأخرجه مسلم في الفضائل، حديث (٢٢٨٦) (٢٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب عن أبي معاوية به.
(٢) - المسند (٥/ ٤٥٤)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٧٦): رجاله ثقات.
(٣) - المسند (٢/ ٣١٢)، وأخرجه مسلم في الفضائل، حديث (٢٢٨٦٩) (٢١) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق به. والحديث ليس عند البخاري من طريق عبد الرزاق إنما رواه من غير طريقه.
(٤) - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، حديث (٥٢٣)، وأخرجه أحمد (٢/ ٤١١)، والتِّرمِذي في السير، باب: ما جاء في الغنيمة حديث (١٥٥٣)، وابن ماجة في الطهارة وسننها، ما = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- سقط في: ز، خ. [¬٤]- في خ، ز: "محمد".
[ ١١ / ١٧٧ ]
أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا مسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون". ورواه التِّرمِذي وابن ماجة من حديث إسماعيل بن جعفر، وقال الترمذي: حسن صحيح.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٣١): حدَّثنا أَبو معاوية، حدَّثنا الأعمَش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى دارًا فأتمها [¬١] إلَّا موضع لبنة واحدة [¬٢] فجئت أنا فأتممت تلك اللبنة".
ورواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كليهما [¬٣] عن أبي معاوية به.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^١٣٢): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدَّثنا معاوية بن صالح، على سعيد بن سُوَيد الكلبي، عن عبد الأعلى بن هلال السلمي، عن العرباض بن سارية قال: قال النبي ﷺ: "إني عند الله لخاتم [¬٤] النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته".
(حديث آخر) قال الزهري: أخبرني محمد بن جبير [¬٥] بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي". أخرجاه في الصحيحين (^١٣٣).
وقال الإِمام أحمد (^١٣٤): حدَّثنا يحيى بن إسحاق، حدَّثنا ابن لهيعة، عن عبد الله بن
_________________
(١) = جاء في السبب من حديث (٥٦٧) مختصرًا - من طريق العلاء بن عبد الرحمن به.
(٢) - تقدم تخريجه في رقم (١٣٥).
(٣) - المسند (٤/ ١٢٧) وفي المطبوع منه: "سعيد بن سويد الكلبي عن عبد الله بن هلال السلمي" ثم رواه أحمد عن أبي العلاء وهو الحسين بن سوار عن ليث عن معاوية عن سعيد بن سويد عن عبد الأعلى بن هلال السلمي عن عرباض بن سارية. (*) أي ملقى على الجندلة وهي الأرض.
(٤) - صحيح البخاري في المناقب، باب: ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، حديث (٣٥٣٢)، وفي التفسير، باب: سورة الصف، حديث (٤٨٩٦)، ومسلم الفضائل، حديث (٢٣٥٤) من طريق الزُّهْريّ به.
(٥) - المسند (٢/ ١٧٢، ٢١٢) (٦٦٠٧، ٦٩٨١ - شاكر). [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- سقط في: خ، ز. [¬٣]- في ز، خ: "كلاهما". [¬٤]- في ز، خ: "خاتم". [¬٥]- في خ، ز: "حسين".
[ ١١ / ١٧٨ ]
هُبيرة، عن عبد الرحمن بن جبير، قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودِّع، فقال: "أنا محمد النبيُّ [¬١] الأميُّ - ثلاثًا - ولا نبي بعدي أوتيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه، وعلمت كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، [وعُوفيتُ وعُوفيت] [¬٢] أمتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه". تفرد به الإِمام أحمد.
ورواه أحمد أيضًا (^١٣٥) عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة، عن عبد الله بن هُبيرة، عن عبد الله (٥) بن مريج [¬٣] الخولاني عن أبي قيس -مولى عمرو بن العاص - عن عبد الله بن عمرو، فذكر مثله سواء.
والأحاديث في هذا كثيرة، فمن رحمة الله تعالى بالعباد إرسال محمد ﷺ إليهم، ثم من تشرف له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه: أنَّه لا نبي بعده ليعلموا [¬٤] أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك، دجال ضال مضل، ولو تخرق [¬٥] [**] وشعبذ، وأتي بأنواع السحر والطلاسم والنيرجيات (* * *)، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى الله ﷾ على يدي [¬٦] الأسود العَنْسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة، من الأحوال الفاسدة والأقوال الباردة، ما علم كل ذي لب وفهم وحجيّ أنهما كاذبان ضالان، لعنهما الله. وكذلك كل مدع لذلك [¬٧] إلى يوم القيامة حتَّى تموا بالمسيح الدجال، يخلق الله معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها. وهنا من تمام لطف الله تعالى بخلقه، فإنهم بضرورة الواقع لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر إلَّا على سبيل الاتفاق، أو لما لهم فيه من المقاصد إلى غيره، ويكون في غاية الإفك والفجور في أقوالهم وأفعالهم، كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ …﴾ الآية. وهذا بخلاف حال الأنبياء ﵈ فإنهم في غاية البر والصدق
_________________
(١) - المسند (٢/ ١٧٢) (٦٦٠٦ - شاكر). (*) كذا، وقد أورده كل من ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ٢٨٧) والذهبي في الميزان (٣/ ٣٠٣)، وابن حجر في اللسان (٣/ ٥٢٩): عبد الرحمن، وكلاهما صحيح. (**) تخرق الكذب: اختلقه. (* * *) قال في القاموس - النُّيرَج: أخذ كالسحر. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "وعرفت وعرفت". [¬٣]- في خ، ز: "سريج". [¬٤]- في ز، خ: "لتعلموا". [¬٥]- في ز: "تحرق". [¬٦]- في ت: "يد". [¬٧]- في ز، خ: "كذلك".
[ ١١ / ١٧٩ ]
والرشد والاستقامة فيما يقولونه ويفعلونه ويأمرون به وينهون عنه، مع ما يؤيدون به من الخوارق للعادات، والأدلة الواضحات، والبراهين الباهرات. فصلوات الله وسلامه عليهم دائمًا مستمرًا ما دامت الأرض والسماوات.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣) تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم تعالى المنعم عليهم بأنواع النعم وأصناف المنن، لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب.
قال الإِمام أحمد (^١٣٦): حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن سعيد، حدثني [¬١] مولى ابن عباس، عن أبي بَحرية، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء [¬٢] الذهب والوَرق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ ". قالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: "ذكر الله ﷿".
وهكذا رواه التِّرمِذي وابن ماجة، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد - مولى ابن عياش - عن أبي بَحريَّة -واسمه عبد الله بن قيس التراغمي- عن أبي الدرداء به.
قال التِّرمِذي: ورواه بعضهم عنه فأرسله.
قلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ في مسند أحمد، من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عَيَّاش أنَّه بلغه عن معاذ بن جبل، عن رسول الله ﷺ، بنحوه [¬٣]، فالله أعلم.
_________________
(١) المسند (٥/ ١٩٥)، وأخرجه التِّرمِذي في كتاب الدعاء، باب: منه (٥/ ٤٥٩ / رقم: ٣٣٧٧). وابن ماجة في كتاب الأدب، باب: فضل الذكر (٢/ ١٢٤٥ / رقم: ٣٧٩). كلاهما من طريق عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن زياد بن أبي زياد، عن أبي بحرية به. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "إنفاق". [¬٣]- سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ١٨٠ ]
وقال الإِمام أحمد (^١٣٧): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا فرج [¬١] بن فضالة، عن أبي سعيد [¬٢] الحمصي، قال [¬٣]: سمعت أبا هريرة يقول: دعاء سمعته [¬٤] من رسول الله ﷺ لا أدعه: "اللهم؛ اجعلني أعظم شكرَك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك".
ورواه التِّرمِذي (^١٣٨) عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي عن أبي هريرة فذكر مثله وقال: غريب.
وهكذا رواه الإِمام أحمد أيضًا عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن أبي سعيد المدني [¬٥]، عن أبي هريرة فذكره (^١٣٩).
وقال الإِمام أحمد (^١٤٠): حدَّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس، قال: سمعت عبد الله بن بُشر [¬٦] يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله ﷺ، فقال أحدهما: يا رسول الله، أيّ الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله". وقال الآخر: يا رسول الله؛ إن شرائع الإِسلام قد كثرت علينا، فمرني بأمر أتشبث به. قال: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله".
وروى التِّرمِذي وابن ماجة الفصل الثاني (^١٤١)، من حديث معاوية بن صالح به. وقال التِّرمِذي: حسن غريب.
وقال الإِمام أحمد (^١٤٢): حدَّثنا شُرَيج، حدَّثنا ابن وَهْب، عن عمرو بن الحارث،
_________________
(١) المسند (٢/ ٤٧٧).
(٢) سنن التِّرمِذي برقم (٣٦٠٤).
(٣) المسند (٢/ ٣١١).
(٤) المسند (٤/ ١٩٠). أخرجه التِّرمِذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء في طول العمر للمؤمن (٤/ ٤٨٩) حديث (٢٣٢٩). وحديث ٣٣٧٥. وابن ماجة في الأدب، باب: فضل الذكر (٢/ ١٢٤٦) حديث ٣٧٩٣. والبيهقي في كتاب الجنائز، باب: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله (٣/ ٣٧١). وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٥١).
(٥) سنن الترمذي برقم (٣٣٧٥)، وسنن ابن ماجة برقم (٣٧٩٣).
(٦) المسند (٣/ ٦٨)، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" (٣/ ٨١٧)، وابن عدي في "الكامل" = [¬١]- في ز، خ: "روح". [¬٢]- في خ، ز: "سعد". [¬٣]- سقط في: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "سمعه". [¬٥]- في خ، ز: "المري". [¬٦]- في ز، خ: "بشر".
[ ١١ / ١٨١ ]
قال [¬١]: إنَّ دَرَّاجًا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "أكثروا ذكر الله حتَّى يقولوا: مجنون".
وقال الطبراني (^١٤٣): حدَّثنا عبد الله بن أحمد، حدَّثنا عقبة بن مُكرم العَمِّي، حدَّثنا سعيد بن سفيان [¬٢] الجحدري، حدَّثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثُبيت [¬٣] الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: "اذكروا الله [¬٤] ذكرًا كثيرًا حتَّى [¬٥] قول المنافقون: تراءون [¬٦] ".
وقال الإمام أحمد (^١٤٤): حدَّثنا أَبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا شداد أَبو طلحة الراسبي، سمعت أبا الوازع [¬٧] جابر بن عمرو حدث عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من قوم جلسوا مجلسًا لم يذكروا الله فيه، إلَّا رأوه [¬٨] حسرة يوم القيامة".
وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾: إن الله لم يفرض [على عباده] [¬٩] فريضة إلا [جعل لها حدًّا معلومًا، ثم] [¬١٠] عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر [¬١١]، فإن الله لم يجعل له حدًّا [¬١٢] ينتهي إليه [¬١٣]، ولم يعذر أحدًا [¬١٤] في تركه، إلَّا مغلوبًا على تركه، فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾، بالليل والنهار، [في البر والبحر] [¬١٥]، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والصحة والسقم، والسر
_________________
(١) = (٣/ ٩٨٠). والحاكم في "المستدرك" (١/ ٤٩٩) وصححه، وسكت عنه الذهبي. من طريقين عن عبد الله بن وَهْب به. وأخرجه عبد بن حميد في "المنتخب" (٩٢٥)، وأَبو يعلى في "مسنده" رقم (١٣٧٦). من طريق الحسن بن موسى قال: حدثنا ابن لهيعة عن دراج به. وذكره الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٧٨ - ٧٩) وقال: رواه أحمد وأَبو يعلى وفيه دراج وقد ضعفه جماعة، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد ثقات. والحديث ضعفه الشيخ الألباني في "الضعيفة" (٥١٧).
(٢) المعجم الكبير للطبراني (١٢/ ١٦٩)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٧٦٠): "فيه الحسين بن أبي جعفر الجعفري وهو ضعيف".
(٣) المسند (٢/ ٢٢٤)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٠): "رجاله رجال الصحيح". [¬١]- سقط في: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "سفر". [¬٣]- في ز، خ: "نبيب". [¬٤]- سقط في: ز، خ. [¬٥]- بياض في: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "يراءون". [¬٧]- في ز، خ: "الورع". [¬٨]- في خ، ز: "زاده". [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ. [¬١٠]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬١١]- في ز، خ: "الذاكر". [¬١٢]- في ز، خ: "حد". [¬١٣]- سقط من: ز، خ. [¬١٤]- في ز، خ: "حد". [¬١٥]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز.
[ ١١ / ١٨٢ ]
والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾. فإذا [¬١] فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكته.
والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله كثيرة جدًّا، وفي هذه الآية الكريمة الحث على الإكثار من ذلك، وقد صنف الناس في الأذكار المتعلقة بآناء الليل والنهار كالنَّسائي [¬٢] والمَعمري وغيرهما، ومن أحسن الكتب المؤلفة في ذلك كتاب "الأذكار" للشيخ محيي الدين النووي ﵀ رحمه الله تعالى.
وقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: عند الصباح والمساء، كقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، هذا تهييج إلى الذكر، أي: إنه سبحانه يذكركم فاذكروه أنتم، كقوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، وقال النبي ﷺ: "يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في مَلإ ذكرته في ملإ خير منهم" (^١٤٥).
والصلاة من الله ثناؤه على العبد عند الملائكة. حكاه البخاري عن أبي العالية، ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أَنس عنه. وقال غيره: الصلاة من الله الرحمة وقد يقال: لا منافاة بين القولين والله أعلم.
وأما الصلاة من الملائكة فبمعنى الدعاء للناس والاستغفار، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [وَيُؤْمِنُونَ بِهِ] [¬٣] وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية.
وقوله: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، أي: بسبب رحمته بكم [¬٤] وثنائه عليكم ودعاء ملائكته لكم، يخرجكم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، أي: في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإنه هداهم إلى الحق الذي جهله
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٠٥)، ومسلم في صحيحه برقم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة، ﵁. [¬١]- في ت: "إذا". [¬٢]- في ز، خ: "كالنسى". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط في: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "لكم".
[ ١١ / ١٨٣ ]
غيرهم، وبَصرهم الطريق الذي ضل عنه وحاد عنه مَن سواهم من الدعاة إلى الكفر أو البدعة وأشياعهم من الطغام (*). وأما رحمته بهم في الآخرة فآمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته يتلقونهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته [¬١] لهم ورأفته بهم.
قال الإِمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عديّ، عن حميد، عن أنس ﵁ قال: مر رسول الله ﷺ في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني! ابني! وَسَعَت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله، ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. قال: فَخَفَّضهم رسول الله ﷺ وقال: "لا والله لا يلقي حبيبه في النار".
إسناده على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة (^١٤٦)، ولكن في صحيح الإمام البخاري، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ رأى امرأة من السبي قد أخذت صبيًّا لها، فألصقته إلى صدرها، وأرضعته فقال: "أترون هذه تلقي ولدها في النار وهي تقدر على ذلك؟ ". قالوا: لا. قال: "فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها" (^١٤٧).
وقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، الظاهر أن المراد -والله أعلم- ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أي: من الله تعالى يوم يلقونه ﴿سَلَامٌ﴾، أي: يوم يسلم عليهم كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾.
وزعم قتادة أن المراد أنهم يتحون [¬٢] بعضهم بعضًا بالسلام يوم يلقون الله في الدار الآخرة، واختاره ابن جرير.
قلت: وقد يستدل له بقوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
_________________
(١) (*) الطغام: أراذل الناس وأوساخهم.
(٢) المسند (٣/ ١٠٤). ورواه الحاكم (٤/ ١٧٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ورواه الحاكم أيضًا (١/ ٥٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين. ورواه أحمد ١٣٤٩٢ - (٣/ ٢٣٥). وأبو يعلى حديث ٣٧٤٨ - (٦/ ٣٩٨). وذكره في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٨٣) وقال: رواه أحمد والبزار بنحوه وأبو يعلى ورجالهم رجال الصحيح. وللحديث شاهد من حديث عمر بن الخطاب عند البخاري في كتاب الأدب، باب: رحمة الولد وتقبيله ومعانقته حديث ٥٩٩٩.
(٣) صحيح البخاري برقم (٥٩٩٩). [¬١]- في ز: "لهبته". [¬٢]- في ت: "يحيي".
[ ١١ / ١٨٤ ]
وقوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾، يعني: الجنة وما فيها من المآكل والمشارب، والملابس والمساكن، والمناكح والملاذ والمناظر، وما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾
قال الإِمام أحمد (^١٤٨): حدثنا موسى بن داود، حدثنا فُليح بن سليمان، عن هلال بن علي، عن عطاء بن يسار، قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة. قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل [لست بفظٍّ] [¬١] ولا غليظ ولا سخاب [¬٢] [في الأسواق] [¬٣]، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضَه الله [¬٤] حتى [يقيمَ به] [¬٥] الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا.
وقد رواه البخاري في "البيوع" عن محمد بن سنان، عن فليح بن سليمان، عن هلال بن علي، به. ورواه في التفسير عن عبد الله -قيل: ابن رجاء، وقيل: ابن صالح- عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عمرو، به. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن عبد الله بن رجاء، عن عبد العزيز بن [أبي سلمة] [¬٦] الماجشون به.
وقال البخاري في البيوع: وقال سعيد عن هلال عن عطاء عن عبد الله بن سلام.
وقال وهب بن منبه: إن الله أوحى إلى نبيٍّ من أنبياء بني إسرائيل - يقال له: شعياء -: "أن قم في قومك بني إسرائيل، فإني [¬٧] منطق لسانك بوحي وأبعث أميًّا من الأميين، أبعثه
_________________
(١) المسند (٢/ ١٧٤) وصحيح البخاري برقم (٢١٢٥) ورقم (٤٨٣٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "لا فظّ". [¬٢]- في ت: "صخاب". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "بالأسواق". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "يقيموا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ت: "إني".
[ ١١ / ١٨٥ ]
ليس بفظٍّ ولا غليظ ولا سخاب [¬١] [بالأسواق] [¬٢]، لو يمر إلى جنب سراج لم يطفئه، من سكينته، ولو يمشي على القصب لم يسمع من تحت قدميه [¬٣]، أبعثه مبشرًا ونذيرًا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينًا كُمهًا، وآذانًا صمًّا، وقلوبًا غلفًا، أسَدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمدَ اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخَمَالة، وأعرف به بعد النَّكْرَة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العَيلَة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، وأهواء متشتتة، وأستنقذ به فئامًا من الناس عظيمة من الهلكة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، موحدين مؤمنين مخلصين، مصدقين لما جاءت به رسلي، ألهمهم التسبيح والتحميد، والثناء والتكبير والتوحيد، في مساجدهم ومجالسهم، ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصلون لي قيامًا وقعودًا، ويقاتلون في سبيل الله صفوفًا وزحوفًا، ويخرجون من ديارهم ابتغاء مرضاتى ألوفًا، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب في الإنصاف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم في صدورهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار، وأجعل في أهل بيته وذريته السابقين، والصديقين والشهداء والصالحين، أمته من بعده يهدون بالحق وبه يعدلون، أعز من نصرهم، وأؤيد من دعا لهم، وأجعل دائرة السوء على من خالفهم أو بغى عليهم، أو أراد أن ينتزع شيئًا مما في أيديهم، أجعلهم ورثة لنبيهم، والداعية إلى ربهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويوفون بعهدهم، أختم بهم الخير الذي بدأته بأولهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم".
هكذا رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني ﵀.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العَرزَميّ [¬٤]، عن شيبان النحوي، أخبرني قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ - وقد كان أمر عليًّا ومعاذًا أن يسيرا إلى اليمن- فقال: "انطلقا فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، إنه قد أنزل علي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
ورواه الطبراني (^١٤٩) عن محمد بن نصر بن حميد البزاز البغدادي، عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) المعجم الكبير (١١/ ٣١٢)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٢): "وفيه عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف". [¬١]- في ت: "صخاب". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ت: "في الأسواق". [¬٣]- في ز، خ: "قدمه". [¬٤]- في خ، ز: "القرشي".
[ ١١ / ١٨٦ ]
صالح الأزدي، عن عبد الرحمن [بن محمد] [¬١] بن عبيد الله العرزمي، بإسناده مثله، وقال في آخره: "فإنه قد أنزل عليّ: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا على أمتك ومبشرًا بالجنة، ونذيرًا من النار، وداعيًا إلى شهادة أن لا إله إلا الله بإذنه، وسراجًا منيرًا بالقرآن".
وقوله: ﴿شَاهِدًا﴾، أي: لله بالوحدانية، وأنه لا إله غيره، وعلى الناس بأعمالهم يوم القيامة، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾، [كقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾] [¬٢].
وقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، أي: بشيرًا للمؤمنين بجزيل الثواب، ونذيرا للكافرين من وبيل العقاب.
وقوله: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾، أي: داعيًا للخلق إلى عبادة ربهم عن أمره لك بذلك، ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾، أي: وأمرك ظاهر فيما جئت به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند.
وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، أي: لا تطعهم وتسمع [¬٣] منهم في الذي يقولونه، ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾، أي: اصفح وتجاوز عنهم، وكِلْ أمرهم إلى الله، فإن فيه كفاية لهم، ولهذا قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾
هذه الآية الكريمة فيها أحكام كثيرة، منها: إطلاق النكاح على العقد وحده، وليس في القرآن آية أصرح في ذلك منها، وقد اختلفوا في النكاح: هل هو حقيقة في العقد وحده، أو في الوطء، أو فيهما؟ على ثلاثة أقوال، واستعمال القرآن إنما هو في العقد والوطء بعده، إلا في هذه الآية فإنه استعمل في العقد وحده، لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وفيها دلالة لإِباحة طلاق المرأة قبل الدخول بها.
وقوله: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ خرج مخرج الغالب؛ إذ لا فرق في الحكم بين المؤمنة والكتابية في ذلك بالاتفاق، وقد استدل ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعليّ بن الحسين زين العابدين، وجماعة من السلف بهذه الآية على أن الطلاق لا يقع إلا إذا تقدمه نكاح، لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، فعقب النكاح بالطلاق، فدل على أنه لا يصح ولا يقع قبله. وهذا مذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وطائفة كبيرة [¬٤] من
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز، خ: "اسمع". [¬٤]- في ت: "كثيرة".
[ ١١ / ١٨٧ ]
السلف والخلف رحمهم الله تعالى.
وذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله إلى صحة الطلاق قبل النكاح؛ فيما إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. فعندهما متى تزوجها طلقت منه. واختلفا فيما إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. فقال مالك: لا تطلق حتى يعين المرأة. وقال أبو حنيفة ﵀: كل امرأة يتزوجها بعد هذا الكلام تطلق منه. فأما الجمهور فاحتجوا على عدم وقوع الطلاق بهذه الآية.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور المروزي، حدثنا النضر بن شميل، حدثنا يونس -يعني: ابن أبي إسحاق- سمعت آدم مولى خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: [إذا قال] [¬١]: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. قال: ليس بشيء من أجل أن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآية.
وحدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن مطر، عن الحسن بن مسلم بن يَنّاق [¬٢]، عن ابن عباس، قال: إنما قال الله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، ألا ترى أن الطلاق بعد النكاح.
وهكذا روى محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال الله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا طلاق [قبل النكاح] [¬٣].
وقد ورد الحديث بذلك عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا طلاق لابن آدم فيما لا يملك" (^١٥٠). رواه الإمام أحمد والترمذي، وأبو داود، وابن ماجة. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب. وهكذا روى ابن ماجة عن علي، والمشور بن مخرمة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا طلاق قبل نكاح" (^١٥١).
_________________
(١) المسند (٢/ ١٨٩)، وسنن الترمذي برقم (١١٨١)، وسنن أبي داود برقم (٢١٩١)، وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٤٧).
(٢) سنن ابن ماجه برقم (٢٠٤٨) من طريق علي بن الحسين، عن هشام بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن المسور، به. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٢): "هذا إسناد حسن، علي بن الحسين، وهشام بن سعد مختلف فيهما". وبرقم (٢٠٤٩) من طريق جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، به. وقال البوصيري في الزوائد (٢/ ١٣٢): "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف جويبر بن سعيد البجلي، لكن لم ينفرد به جويير، فقد رواه البيهقي في الكبرى (٧/ ٣٢٠) من طريق معاذ العنبري = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "نيَّاق". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ١٨٨ ]
وقال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها لا عدة عليها فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت، ولا يستثنى من هذا إلا المتوفى عنها زوجها، فإنها تعتد منه أربعة أشهر وعشرًا، وإن لم يكن دخل بها بالإِجماع أيضًا.
وقوله: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ المتعة هاهنا أعم من أن تكون نصف الصداق المسمى، أو المتعة الخاصة، إن لم يكن قد سمى لها، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ وقال: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾.
وفي صحيح البخاري، عن سهل بن سعد وأبي أُسيد أن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شَرَاحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسَيد أن بجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين (^١٥٢) (*).
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄: إن كان سمَّى لها صداقًا فليس لها إلا النصف، وإن لم يكن سمَّى لها صداقًا فأمتعها على قدر عسره ويسره، وهو السراح الجميل.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ لِكَيلَا يَكُونَ عَلَيكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
يقول تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ بأنه قد أحل له من النساء أزواجه اللاتي
_________________
(١) = عن حميد الطويل، عن الحسن عن علي به، ثم رواه من طريق سعيد عن جويبر به موقوفًا من الطريقين معًا".
(٢) صحيح البخاري برقم (٥٢٥٦، ٥٢٥٧). (*) وفي رواية: رازقيتين. والرازقية: ثياب كتان بيض. والرازقي: الضعيف من كل شيء.
[ ١١ / ١٨٩ ]
أعطاهن مهورهن، وهي الأجور هاهنا. كما قاله مجاهد وغير واحد، وقد كان مَهْرُه لنسائه اثنتي عشرة أوقية ونَشَّا وهو نصف أوقية، فالجميع خمسمائة درهم. إلا أم حبيبة بنت أبي سفيان فإنه أمهرها عنه النجاشي ﵀ أربعمائة دينار، وإلا صفية بنت حُيَيّ فإنه اصطفاها من سَبَّى خيبر، ثم [¬١] أعتقها وجعل عتقها صداقها. وكذلك جُوَيرية بنت الحارث المصطلقية، أدّى عنها كتابتها إلى ثابت بن قيس بن شماس وتزوجها، رضي الله عن جميعهن.
وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ﴾، أي: وأباح لك التسري مما أخذت من المغانم، وقد ملك صفية وجويرية فأعتقهما وتزوجهما. وملك ريحانة بنت شمعون النضرية، ومارية القبطية أم ابنه إبراهيم ﵇، وكانتا من السراري، ﵄.
وقوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ هذا عدل وَسَط بين الإِفراط والتفريط؛ فإن النصارى لا يتزوجون المرأة إلا إذا كان الرجل بينه وبينها سبعة أجداد فصاعدًا، واليهود يتزوج أحدهم بنت أخيه وبنت أخته، فجاءت هذه الشريعة الكاملة الطاهرة بهدم إفراط النصارى، فأباح [¬٢] بنت العم والعمة، وبنت الخال والخالة، وتحريم ما أفرّطت [¬٣] فيه اليهود من إباحة بنت الأخ والأخت، وهذا بشع فظيع.
وإنما قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ فَوَحَّدَ لفظ الذكر لشرفه، وجمع الإِناث لنقصهن، كقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وله نظائر كثيرة.
وقوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث الرازي، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني [¬٤]، ثم أنزل الله: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ [¬٥] مَعَكَ﴾، قالت: فلم أكن أحل له، ولم أكن ممن هاجر معه، كنت من الطلقاء.
ورواه ابن جرير (^١٥٣) عن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى به. ثم رواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح، عنها بنحوه. ورواه الترمذي في جامعه (^١٥٤).
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ١٥).
(٢) سنن الترمذي برقم (٣٢١٤) وقال: "هذا حديث حسن صحيح لا أعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي". [¬١]- في ز، خ: "فإنه". [¬٢]- في خ، ز: "مما بلغ". [¬٣]- في ت: "فرطت". [¬٤]- في ز، خ: "فعذر لي". [¬٥]- في ز، خ: "هاجرت".
[ ١١ / ١٩٠ ]
وهكذا قال أبو رزين وقتادة: إن المراد: من هاجر معه إلى المدينة. وفي رواية عن قتادة: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، أي: أسلمن. وقال الضحاك: قرأ ابن مسعود: (واللاتي هاجرت [¬١] معك).
وقوله: ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، أي: ويحل لك -يا أيها النبي- المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها لك أن تتزوجها بغير مهر إن شئت ذلك. وهذه الآية توالى [فيها شرطان] [¬٢]، كقوله تعالى إخبارًا عن نوح ﵇ أنه قال لقومه: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْويَكُمْ﴾. وكقول موسى: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾. وقال هاهنا: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾.
وقد قال الإمام أحمد (^١٥٥): حدثنا إسحاق، أخبرنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي: أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله؛ إني قد وَهَبت نفسي لك. فقامت قيامًا طويلًا، فقال رجل فقال: يا رسول الله؛ زَوّجنيها إن لم يكن لك بها حاجة! فقال رسول الله ﷺ: "هل عندك من شيء تُصدقها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا! فقال رسول الله ﷺ: "إن أعطيتها إِزارك جلستَ لا إزار لك، فالتمس شيئًا". فقال: لا أجد شيئًا. فقال: "التمس ولو خاتمًا من حديد". فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال له النبي ﷺ: "هل معك من القرآن شيء؟ ". قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا -لِسُور يسميها- فقال له رسول الله ﷺ: "زوجتكها بما معك من القرآن". أخرجاه من حديث مالك.
وقال الإمام أحمد (^١٥٦): حدثنا عفان، حدثنا مرحوم، سمعت ثابتًا يقول: كنت مع أنس جالسًا وعنده ابنة له، فقال أنس: جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: يا نبي الله، هل لك في حاجة؟ فقالت ابنته: ما كان أقل حياءها! فقال: "هي خير منك، رغبت في
_________________
(١) المسند (٥/ ٣٣٦)، أخرجه البخاري في كتاب الوكالة، باب: وكالة المرأة الإمام في النكاح (٤/ ٥٦٧ / رقم: ٢٣١٠). وأطرافه في (٥٠٢٩، ٥٠٣٠، ٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥٢٢٦، ٥١٣٢، ٥١٣٥، ٥١٤١، ٥١٤٩، ٥١٥٠، ٥٨٧١، ٧٤١٧). ومسلم في كتاب النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن أو خاتم حديد (٢/ ١٠٤٠، ١٠٤١ / رقم: ١٤٢٥).
(٢) المسند (٣/ ٢٦٨) (١٣٨٦٣)، وأخرجه البخاري في صحيحه في كتاب النكاح، باب: عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، حديث (٥١٢٠) (٩/ ١٧٤). والنسائي في كتاب النكاح، باب: عرض المرأة نفسها على من ترضى (٦/ ٧٨ - ٧٩). وفي الكبرى، حديث (٥٣٦١) - (٣/ ٢٧٧). وابن ماجه = [¬١]- في ت: "هاجرن". [¬٢]- في ز، خ: "شرطًا".
[ ١١ / ١٩١ ]
النبي ﷺ، فعرضت عليه نفسها".
انفرد بإخراجه البخاري، من حديث مرحوم بن عبد العزيز [¬١]، عن ثابت البناني، عن أنس به.
وقال أحمد أيضًا: حدثنا عبد الله بن بكر [¬٢]، حدثنا سنان بن ربيعة، عن الحضرمي، عن أنس بن مالك، أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، ابنة لي كذا وكذا. فذكرت من حسنها وجمالها، فآثرتك [¬٣] بها. فقال: "قد قبلتها". فلم تزل تمدحها حتى ذكرت أنها لم تصدع ولم تَشْتَك شيئًا قطُّ، فقال: "لا حاجة لي في ابنتك". لم يخرجوه (^١٥٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا ابن أبي الوضاح -يعني محمد بن مسلم- عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ خولة بنت حكيم (^١٥٨).
وقال ابن وهب، عن سعيد بن عبد الرحمن وابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن خولة بنت حكيم بن الأوقص، من بني سليم، كانت من اللاتي وهَبْنَ أنفسهن لرسول الله ﷺ (^١٥٩).
_________________
(١) = في كتاب النكاح، باب: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ حديث (٢٠٠١) (١/ ٦٤٥). من طرقٍ عن مرحوم بن عبد العزيز عن ثابت، به ..
(٢) المسند (٣/ ١٥٥). وحضرمي بن لاحق التميمي السعدي: قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الحضرمي الذي حدث عنه سليمان التيمي. قال: كان قاصًّا، فزعم معتمر قال: قد رأيته قال: لا أعلم من يروي عنه غير سليمان التيمي. وقال عبد الله: وسألت يحيى بن معين فقال: ليس به بأس، وليس هو بالحضرمي بن لاحق. وقال أبو حاتم: حضرمي اليمامي وحضرمي بن لاحق هما عندي واحد. وقال عكرهة بن عمار: كان فقيهًا وخرجت معه إلى مكة سنة مائة، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر: وفرق بين الحضرمي بن لاحق وحضرمي الذي يروي عنه سليمان التيمي، فقال في الثاني: لا أدري من هو ولا ابن من هو. انتهى كلامه. وكذلك قال ابن المديني: حضرمي شيخ بالبصرة، روح عنه التيمي مجهول، وكان قاصًّا، وليس هو بالحضرمي بن لاحق، قال ابن حجر: والذي يظهر لي أنهما اثنان. دس. والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٩٤) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى (٤٢٣٤) (٧/ ٢٣٢) ورجاله ثقات.
(٣) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٥٥) من طريق منصور بن أبي مزاحم، له.
(٤) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٣). [¬١]- في خ، ز: "الغفار". [¬٢]- في ز، خ: "بكير". [¬٣]- في ز، خ: "فآثرك".
[ ١١ / ١٩٢ ]
وفي رواية له عن سعيد بن عبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه، كنا نتحدث أن خولة بنت حكيم كانت وهبت نفسها لرسول الله ﷺ، وكانت امرأة صالحة (^١٦٠).
فيحتمل أن أم سليم هي خولة بنت حكيم، أو هي امرأة أخرى.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عبيدة، عن محمد بن كعب، وعمر بن الحكم، وعبد الله بن عبيدة قالوا: تزوج رسول الله ﷺ ثلاث عشرة امرأة، ست من قريش، خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة، وأم سلمة. وثلاث من بني عامر بن صعصعة، وامرأتان [¬١] من بني هلال بن عامر: ميمونة بنت الحارث، وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ، وزينب أم المساكين، وامرأة من بني أبي بكر بن كلاب من القَرطاء، وهي التي اختارت الدنيا. وامرأة من بني الجون، وهي التي استعاذت منه، وزينب بنت جحش الأسدية، والسبيتان [¬٢] صفية بنت حيي بن أخطب، وجويرية بنت الحارث بن عمرو بن المصطلق الخزاعية (^١٦١).
وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن ابن عباس: ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، قال: هي ميمونة بنت الحارث.
فيه انقطاع، هذا مرسل، والمشهور أن زينب التي كانت تدعى أم المساكين هي زينب بنت خُزيمة الأنصارية، وقد ماتت عند النبي ﷺ في حياته، فالله أعلم.
والغرض من هذا أن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي ﷺ كثير [¬٣]، كما قال البخاري: حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا أبو أسامة قال هشام بن عروة: حدثنا عن أبيه، عن عائشة قالت: كنت أغار بن اللاتي وهبن أنفسهن من النبي ﷺ وأقول: أتهب امرأة نفسها؟ فلما أنزل الله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك (^١٦٢).
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن منصور الجعفي، حدثنا يونس بن بكير، عن عنبسة بن الأزهر، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لم
_________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (٢٢/ ٢٣).
(٢) وراه ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ٢٧٠) من طريق وكيع بلفظ: "تزوج رسول الله ﷺ امرأة بني الجون فطلقها وهي التي استعاذت منه".
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٨). [¬١]- في ز، خ: "امرأتين". [¬٢]- في ز، خ: "السبيتين". [¬٣]- في ز، خ: "كثيرًا".
[ ١١ / ١٩٣ ]
يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له.
ورواه ابن جرير (^١٦٣)، عن أبي كريب عن يونس بن بكير. أي إنه لم يقبل واحدة ممن وهبت نفسها له [¬١]، وإن كان ذلك مباحًا له ومخصوصًا به؛ لأنه مردود إلى مشيئته، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، أي: إن اختار ذلك.
وقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال عكرمة: أي لا تحل الموهوبة لغيرك، ولو أن امرأة وهبت نفسها لرجل لم تحل له حتى يعطيها شيئًا. وكذا قال مجاهد والشعبي وغيرهما.
أي: إنها إذا فوضت المرأة نفسها إلى رجل فإنه متى دخل بها وجب لها عليه مهر مثلها، كما حكم به رسول الله ﷺ في بَرْوَع بنت واشق لما فوضت، فحكم لها رسول الله ﷺ بصداق مثلها لما توفى عنها زوجها، والموت والدخرل سواء في تقرير المهر، وثبوت مهر المثل في المفوضة لغير النبي ﷺ، فأما هو ﵇ فإنه لا يجب عليه للمفوضة شيء ولو دخل بها؛ لأن له أن يتزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، كما في قصة زينب بنت جحش، ﵂؛ ولهذا قال قتادة في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، يقول: ليس لامرأة تهب نفسها لرجل بغير ولي ولا مهر إلا للنبي ﷺ.
[وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [¬٢]، قال أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، وقتادة وابن جرير في قوله: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾، أي: منْ حَصرِهم في أربع نسوة حرائر وما شاءوا من الإِماء، واشتراط الولي والمهر والشهود عليهم، وهم الأمة، وقد رخصنا لك في ذلك، فلم نوجب عليك شيئًا منه، ﴿لِكَيْلَا [¬٣] يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ١٧). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز، خ: "لئلا".
[ ١١ / ١٩٤ ]
قال الإمام أحمد (^١٦٤): حدثنا محمد بن بشر، حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: أنها كانت تُعَيِّر النساء اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ، قالت: ألا تستحي المرأة أن [¬١] تعرض نفسها بغير صداق؟ فأنزل الله ﷿: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾، قالت: إني أرى ربك يسارع لك في هواك.
وقد تقدم أن البخاري رواه من حديث أبي [¬٢] أسامة، عن هشام بن عروة، فدل هذا على أن المراد بقوله: ﴿ترجي﴾، [أي: تؤخر] [¬٣] ﴿من تشاء منهن﴾، أي: من الواهبات، ﴿وتؤوي إليك من تشاء﴾، أي: من شئت قبلتها، ومن شئت رددتها، ومن رددتها فأنت [¬٤] فيها أيضًا بالخيار بعد ذلك، إن شئت عُدتَ فيها فآويتها؛ ولهذا قال ﴿وَمَنِ [¬٥] ابْتَغَيتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكَ﴾.
قال عامر الشعبي في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ كن نساء وهبن أنفسهن للنبي ﷺ، فدخل ببعضهن وأرجًا بعضهن لم يُنْكحن بعده، منهن أم شريك.
وقال آخرون: بل المراد بقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾، أي: من أزواجك، لا حرج عليك أن تترك القَسم لهن، فتقدم من شئت، وتؤخر من شئت، وتجامع من شئت، وتترك من شئت.
هكذا يروى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وأبي رَزين، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، ومع هذا كان ﷺ يقسم لهن؛ ولهذا ذهب طائفة من
_________________
(١) المسند (٦/ ١٥٨). وأخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ من سورة الأحزاب (/ ٨/ ٣٨٥ رقم: ٤٧٨٨) وطرفه في (٥١١٣). ومسلم في كتاب الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها. (٢/ ١٠٨٥، / ١٠٨٦ رقم: ١٤٦٤). والنسائي في كتاب النكاح،، كتاب: ذكر أمر رسول الله ﷺ في النكاح وأزواجه. (٦/ ٥٤ رقم: ٣١٩٩). وفي الكبرى في كتاب عشرة النساء، باب: تأويل قول الله جل ثناؤه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٥/ ٢٩٤ / رقم: ٨٩٢٧). وكتاب التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾. (٦/ ٤٣٤ / رقم: ١١٤١٤). وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: التي وهبت نفسها للنبي ﷺ. (١/ ٦٤٤ / رقم: ٢٠٠٠). كلهم من طريق هشام بن عروة به. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- في ز، خ: "أنت". [¬٥]- في ز، خ: "من".
[ ١١ / ١٩٥ ]
الفقهاء من الشافعية وغيرهم إلى أنه لم يكن القسم واجبًا عليه ﷺ واحتجوا بهذه الآية الكريمة.
وقال البخاري (^١٦٥): حدثنا حبان بن موسى، حدثنا عبد الله -هو ابن المبارك- أخبرنا عاصم الأحول، عن مُعَاذة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يستأذن في اليوم [¬١] المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾، فقلت لها: ما كنت تقولين؟ فقالت: كنت أقول: إن كان ذاك إلي فلإني لا أريد يا رسول الله؛ أن أوثر عليك أحدًا.
فهذا الحديث عنها يدل على أن المراد من ذلك عدم وجوب القسم، وحديثها الأول يقتضي أن الآية نزلت في الواهبات، ومن هاهنا اختار ابن جرير أن الآية عامة في الواهبات، وفي النساء اللاتي عنده، أنه مخير [¬٢] فيهن، إن شاء قسم، وإن شاء لم يقسم، وهذا الذي اختاره حسن جيد قوي، وفيه جمع بين الأحاديث، ولهذا قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، أي: إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم، لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، ثم مع هذا أنت تقسم لهن اختيارًا منك لا أنه على سبيل الوجوب، فرحن بذلك واستبشرن به وحملن جميلك [¬٣] في ذلك، واعترفن بمنتك [¬٤] عليهن في قسمك لهن وتسويتك بينهن وإنصافك لهن وعدلك فيهن.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي: من الميل إلى بعضهن دون بعض، مما لا يمكن دفعه، كما قال الإمام أحمد [¬٥] (^١٦٦):
حدثنا يزيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٧٨٩).
(٢) المسند (٦/ ١٤٤) (٢٥٢٢٢)، وأخرجه أبو داود في كتاب النكاح، باب: القسم بين النساء. (٢/ ٢٤٢ / رقم: ٢١٣٤). والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في التسوية بين الضرائر. (٣/ ٤٣٧ رقم: ١١٤٠). والنسائي في كتاب عشرة النساء، باب: ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض. (٧/ ٦٣، ٦٤ / رقم: ٣٩٤٣). وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: القسمة بين النساء. (١/ ٦٣٣ / رقم: ١٩٧١). والدارمي في سننه (٢/ ١٩٣). وابن حبان في صحيحه (٦/ ٢٠٣ حديث ٤١٩٢). والحاكم في مستدركه (٢/ ١٨٧). كلهم من طريق حماد بن سلمة به. وقال الحافظ في التلخيص: وأعله النسائي والترمذي والدارقطني بالإرسال. وقال أبو زرعة: لا أعلم أحدًا تابع حماد بن سلمة على وصله .. [¬١]- في ت: "يوم". [¬٢]- في ز: "يخير". [¬٣]- في ز، خ: "جميلتك". [¬٤]- في ز، خ: "بمانتك". [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ١٩٦ ]
"اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك".
ورواه أهل السنن الأربعة، من حديث حماد بن سلمة- وزاد أبو داود بعد قوله: "فلا تلمني فيما تملك ولا أملك" يعني القلب. وإسناده صحيح، و[¬١] رجاله كلهم ثقات. ولهذا عقب ذلك بقوله: ﴿وكان الله عليمًا﴾، أي: بضمائر السرائر، ﴿حليمًا﴾، أي: يحلم ويغفر.
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾
ذكر غير واحد من العلماء -كابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وابن جرير، وغيرهم- أن هذه الآية نزلت مجازاة لأزواج النبي ﷺ ورضًا عنهن، على حسن صنيعهن في اختيارهن الله ورصوله والدار الآخرة، لما خيرهن رسول الله ﷺ كما تقدم في الآية. فلما اخترن رسول الله ﷺ كان جزاؤهن أن قَصَره عليهن، وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن، أو يستبدل بهن أزواجًا غيرهن، ولو أعجبه حسنهن إلا الإماء والسراري فلا حجر عليه فيهن. ثم إنه تعالى رفع عنه الحجر في ذلك ونسخ حكم هذه الآية. وأباح له التزوج، ولكن لم يقع منه بعد ذلك تَزَوّج لتكون المنة للرسول ﷺ عليهن.
قال الإمام أحمد (^١٦٧): حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء.
ورواه أيضًا (^١٦٨) من حديث ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عائشة.
ورواه الترمذي والنسائي في سننيهما.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، حدثني
_________________
(١) المسند (٦/ ٤١) (٢٤٢٤٦).
(٢) المسند (٦/ ١٨٠) (٢٥٥٧٤)، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأحزاب (٥/ ٣٣٢ رقم: ٣٢١٦). والنسائي في كتاب النكاح، كتاب: ما افترض الله ﷿ على رسوله ﵇ وحرمه على خلقه. (٦/ ٥٦ رقم: ٣٢٠٤، ٣٢٠٥). وفي الكبرى في كتاب التفسير، باب: قوله تعالى ﴿لا يحل لك النساء من بعد﴾. (٦/ ٤٣٤ رقم: ١١٤١٥). وابن حبان (١/ ٢٨١٤ رقم ٦٣٦٦). والبيهقي (٧/ ٥٤). وقال الترمذي: هذا حديث حسن. كلهم من حديث عائشة ﵂. [¬١]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ١٩٧ ]
عمر بن أبي بكي، حدثني المغيرة بن عبد الرحمن الحزامي، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن عبد الله بن وهب بن زمعة، عن أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول الله ﷺ حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما شاء، إلا ذات محرم، وذلك قول الله ﷿ ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.
فجعلت هذه ناسخة للتي بعدها في التلاوة كآيتي عدة الوفاة في البقرة الأولى ناسخة للتي بعد بها، فالله [¬١] أعلم.
وقال آخرون: بل معنى الآية: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، أي: من بعد ما ذكرنا لك من صفة النساء اللاتي أحللنا لك من نسائك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك، وبنات العم والعمات والخال والخالات والواهبة وما سوى ذلك من أصناف النساء فلا يحل لك، هذا مرويّ عن أبي بن كعب، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك -في رواية- وأبي رزين -في رواية عنه- وأبي صالح، والحسن، وقتادة -في رواية- والسدي، وغيرهم.
قال ابن جرير (^١٦٩): حدثنا يعقوب، حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، حدثني محمد بن أبي موسى، عن زياد -رجل من الأنصار- قال: قلت لأبي بن كعب: أرأيت لو أن أزواج النبي ﷺ تُوُفين، أما كان له أن يتزوج؟ فقال: وما يمنعه من ذك؟ قال: قلت: قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾. فقال: إنما أحل الله له ضربًا من النساء، فقال: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ إلى قوله: ﴿إن وهبت نفسها للنبي﴾. ثم قيل له: ﴿لا يحل [¬٢] لك النساء من بعد﴾.
ورواه عبد الله بن أحمد من طرق، عن داود به.
وروى الترمذي (^١٧٠)، عن ابن عباس ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن أصناف النساء، إلا ما كان من المؤمنات المهاجرات بقوله: ﴿لا يحل [¬٣] لك
_________________
(١) " تفسير الطبري" (٢١/ ٢٢)، وزوائد المسند (٥/ ١٣٢). وإسناده ضعيف: محمد بن أبي موسى: مجهول ورواه الضياء في المختارة حديث ١١٧٢ (٣/ ٣٧٧) بإسناده من طريق يزيد بن زريع وعبد الأعلى وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٢، ٩٣) وقال: "رواه عبد الله بن أحمد وزاد: كذا رأيت في ثقات ابن حبان: زياد أبو يحيى الأنصاري يروى عن ابن عباس فإن كان هو فهو ثقة، والظاهر أنه هو، ومحمد بن أبي موسى ذكره ابن حبان في الثقات، وبقية رجاله رجال الصحيح، والحديث أخرجه أيضًا الدارمي في سننه (٢/ ١٥٣، ١٥٤) من طريق يعلى بن سداد عن وهيب عن داود به.
(٢) سنن الترمذي برقم (٣٢١٥) وقال: "هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث عبد الرحميد بن بهرام، قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا بأس بحديث عبد الحميد بن= [¬١]- في ت: "والله". [¬٢]- في ز، خ: "تحل". [¬٣]- في ز، خ: "تحل".
[ ١١ / ١٩٨ ]
النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، فأحل الله فتياتكم المؤمنات ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، وحرم كل ذات دين غير الإِسلام، ثم قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [¬١]﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وحرم ما سوى ذلك من أصناف النساء.
وقال مجاهد: ﴿لا يحل [¬٢] لك النساء من بعد﴾، أي: من بعد ما سمي لك، لا [¬٣] مسلمة ولا يهودية ولا نصرانية ولا كافرة.
وقال أبو صالح: ﴿لا يحل [¬٤] لك النساء من بعد﴾، أُمِرَ أن لا [¬٥] يتزوج أعرابية ولا عربية، ويتزوج بعدُ من نساء تهامة، وما شاء من بنات العم والعمة، والخال والخالة، إن شاء ثلاثمائة.
وقال عكرمة: ﴿لا يحل [¬٦] لك النساء من بعد﴾ أي: التي سمى الله.
واختار ابن جرير ﵀ أن الآية عامة فيمن ذكر من أصناف النساء، وفي النساء اللواتي في عصمته وكن تسعًا. وهذا الذي قاله جيد، ولعله مراد كثير ممن حكينا عنه من السلف؛ فإن كثيرًا منهم روى عنه هذا وهذا، ولا منافاة، والله أعلم.
ثم أورد ابن جرير على نفسه ما روي أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها، وعزم على فراق سودة حتى وهبته هومها لعائشة، ثم أجاب بأن هذا كان قبل نزول قوله: ﴿لا يحل [¬٧] لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، وهذا الذي قاله من أن هذا كان قبل نزول الآية- صحيح، ولكن لا يحتاج إلى ذلك؛ فإن الآية إنما دلت على أنه [¬٨] لا يتزوج بمن عدا اللواتي في عصمته، وأنه لا يستبدل بهن غيرهن، ولا يدل ذلك على أنه لا يطلق واحدة منهن من غير استبدال، والله أعلم.
فأما قضية سودة ففي الصحيح عن عائشة ﵂ وهي سبب نزول قوله
_________________
(١) = بهرام عن شهر بين حوشب". [¬١]- في ز، خ: "الأخسرين". [¬٢]- في ز، خ: "تحل". [¬٣]- في خ، ز: "من". [¬٤]- في ز، خ: "تحل". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "تحل". [¬٧]- في ز، خ: "تحل". [¬٨]- في ز، خ: "أن".
[ ١١ / ١٩٩ ]
تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا [¬١] بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ الآية (^١٧١).
وأما قضية حفصة فروى أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، من طرق عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن صالح بن صالح بن حَي، عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن عمر: أن رسول الله ﷺ طلق حفصة ثم راجعها. وهذا إسناد قوي (^١٧٢).
وقال الحافظ أبو يعلى (^١٧٣): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عمر قال: دخل عمر على حفصة وهي تبكي، فقال: ما يبكيك؟ لعل رسول الله ﷺ طلقك؟ إنّه قد كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي، والله لئن كان طلقك مرة أخرى لا أكلمك أبدًا. ورجاله على شرط الصحيحين.
وقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، فنهاه عن الزيادة عليهن، أو طلاق واحدة منهن واستبدال غيرها بها إلا ما ملكت يمينه [¬٢].
وقد روى الحافظ أبو بكر البزار حديثًا مناسبًا ذكره هاهنا، فقال:
حدثنا إبراهيم بن نصر، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله القُرَشي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي هُرَيرة ﵁ قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك بامرأتي. أي: تنزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي. فأنزل الله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾. قال: فدخل عيينة بن حصن على النبي ﷺ، وعنده عائشة، فدخل بغير إذن، فقال له رسول الله ﷺ: "فأين الاسئئذان؟ ". فقال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل من مُضَر منذ أدركت. ثم قال: من هذه الحُمَيراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ: "هذه عائشة أم المؤمنين". قال: أفلا أنزل لك على أحسن الخلق؟ قال: أيا عيينة إن الله قد حرم ذلك". فلما أن خرج قالت عائشة: من هذا؟ قال: "هذا [¬٣] أحمقُ مطاع، وإنه -على
_________________
(١) انظر تخريج هذا الحديث عند تفسير الآية: ١٢٨ من سورة النساء.
(٢) سنن أبي داود رقم (٢٢٨٣)، وسنن النسائي (٦/ ٢١٣)، وسنن ابن ماجة برقم (٢٠١٦).
(٣) مسند أبي يعلى (١/ ١٦٠). [¬١]- في ز، خ: "يصالحا". [¬٢]- في ز، خ: "يمينك". [¬٣]- سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ٢٠٠ ]
ما ترين- لسيد قومه".
ثم قال البزار (^١٧٤): إسحاق بن عبد الله: لين الحديث جدا، وإنما ذكرناه لأنا لم نحفظه إلا من هذا الوجه، وبينا العلة فيه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾
هذه آية الحجاب، وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول [¬١] عمر بن الخطاب ﵁ كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله؛ لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾: وقلت: يا رسول الله؛ إن نساءك ليدخل [¬٢] عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ لما [¬٣] تمالأن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، فنزلت كذلك (^١٧٥).
وفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر وهي قضية رابعة.
وقد قال البخاري: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن حميد، عن أنس بن مالك قال [¬٤]:
_________________
(١) مسند البزار برقم (٢٢٥١) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٢): "وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك".
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٠٢). [¬١]- في ز، خ: "لقول". [¬٢]- في ت: "يدخل". [¬٣]- في ز، خ: "إنما". [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ٢٠١ ]
قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله؛ يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب (^١٧٦).
وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة والواقدي وغيرهما.
وزعم أبو عبيدة معمر بن المثنى، وخليفة بن خياط؛ أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله [¬١] أعلم.
قال البخاري (^١٧٧): حدثنا محمد بن عبد الله الرّقاشي، حدثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مجْلز، عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو كأنه [¬٢] يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، [فلما قام قام] [¬٣] من قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا. فانطلقت [¬٤] فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب [¬٥] بيني وبينه، فأنزل اللَّه ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ …﴾ الآية.
وقد رواه أيضًا في موضع آخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن معتمر بن سليمان، به.
ثم رواه البخاري متفردًا [¬٦] به من حديث أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك ﵁ [بنحوه (^١٧٨).
ثم قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك] [¬٧] قال: بنى [¬٨] النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم،
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٣٩٩).
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٧٩١) وبرقم (٦٢٣٩، ٦٢٧١)، وصحيح مسلم برقم (١٤٢٨)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٠).
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٢). [¬١]- في ت: "والله". [¬٢]- سقط من: خ، ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- في ز، خ: "فانطلقوا". [¬٥]- سقط من ز، خ. [¬٦]- في ت: "منفردًا". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٨]- في ت: "بني على".
[ ١١ / ٢٠٢ ]
فَأُرْسلْتُ على الطعام داعيًا، فيجيء القوم [¬١] فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوتُ حتى ما أجد أحدًا أدعوه، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدًا أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم" وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم -أهل البيت- ورحمةُ الله وبركاته". فقالت [¬٢]: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك؟ فَتقَرى (*) حُجر نسائه كلهن، ويقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثم رجع رسول الله ﷺ فإذا رهط ثلاثة [في البيت] [¬٣] يتحدثون. وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقًا نحو حُجرة عائشة، فما أدري أخبرتُه أم أخبِرَ أن القوم خَرَجوا؟ فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسْكُفَّةِ (**) الباب داخله وأخرى خارجه، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب الستة [¬٤] سوى النسائي في اليوم والليلة من حديث عبد الوارث (^١٧٩).
ثم رواه عن إسحاق -هو ابن منصور- عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حُميَد، عن أنس، بنحو ذلك (^١٨٠)، وقال: "رجلان". انفرد به من هذا الوجه. وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد -أبي عثمان اليشكري- عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسًا (* * *) ثم وضعته في تَوْر (* * *)، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ، وأقرئه [¬٥] مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل -قال أنس: والناس يومئذ في جَهد، فجئت به فقلت: يا رسول الله؛ بعثت بهذا أم سُليم إليك، وهي
_________________
(١) (*) أي: تتبعها. (**) أسكفة الباب: عتبته.
(٢) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٣)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (١٠١٠١).
(٣) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٤). (* * *) الحيس: تمر وأقط وسمن تخلط وتعجن وتسوَّى كالثريد. (* * **) التور: إناء يشرب فيه. [¬١]- في ت: "قوم". [¬٢]- في ت: "قالت". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "وأقره".
[ ١١ / ٢٠٣ ]
تقرئك السلام، وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل فنظر إليه ثم قال: "ضعه" فوضعته في ناحية البيت، ثم قال: "اذهب فادع لي فلالًا وفلانًا"، وسمى رجالًا كثيرًا، و[¬١] قال: "ومن لقيت من المسلمين". [فدعوتُ مَن قال لي، ومن لقيت من المسلمين] [¬٢]، فجئت والبيت والصفة والحجرة مَلأى من الناس - فقلت: يا أبا عثمان؛ كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة- قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ: "جِئ به". فجئتُ به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال: ما شاء الله. ثم قال: "ليتَحَلَّق عَشَرة عَشَرة، وليسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه". فجعلوا يسمون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم. فقال لي رسول الله ﷺ: "ارفعه". قال [¬٣]: فجئتُ فأخذت التَور فما أدري أهو حين وضعتُ أكثر أم حين أخذتُ؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله، وزوج رسول الله ﷺ [التي دخل بها] [¬٤] معهم مُولية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ [وكان أشد الناس حياء- ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزًا] [¬٥]- فقام رسول الله ﷺ فخرج فسلم على حُجره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله صلي الله عليه وسم حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرًا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ إلى قوله: ﴿بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾. قال أنس: فقرأهن عليَّ قبل الناس [¬٦]، فأنا أحدث الناس بهن عهدًا.
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعًا عن قتيبة عن جعفر بن سليمان به (^١٨١). وقال الترمذي: حسن صحيح.
وعلقه البخاري في كتاب النكاح فقال:
وقال إبراهيم بن طهمان، عن الجعد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه (^١٨٢).
ورواه مسلم أيضًا عن محمَّد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الجعد به (^١٨٣).
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٤٢٨)، وسنن الترمذي برقم (٣٢١٨)، وسنن النسائي (٦/ ١٣٦).
(٢) صحيح البخاري برقم (٥١٦٣).
(٣) صحيح مسلم برقم (١٤٢٨). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٦]- في ز، خ: "النساء".
[ ١١ / ٢٠٤ ]
وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك عن شريك عن بيان بن بشر عن أنس بنحوه.
[وروى البخاري والترمذي، من طريقين آخرين، عن بيان بن بشر الأحمسي الكوفي، عن أنس، بنحوه (^١٨٤)] [¬١].
ورواه ابن أبي حاتم أيضًا، من حديث أبي نضرة العبدي، عن أنس بن مالك، بنحوه.
ورواه ابن جرير (^١٨٥) من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهريّ، عن أنس بنحو ذلك.
وقال الإمام أحمد (^١٨٦): حدثنا بهز وهاشم بن القاسم قالا: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ [لزيد] [¬٢]: "اذهب فاذكرها علي". قال: فانطلق زدد حتى أتاها، قال: وهي تُخمر عجينها، فلما رأيتُها عَظُمت في صدري … وذكر تمام الحديث كما قدمناه عند قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، وزاد في آخره بعد قوله: وَوَعَظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ به [¬٣].
وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث [سليمان بن المغيرة] [¬٤].
قال ابن جرير (^١٨٧): حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أزواج رسول الله ﷺ كنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح- وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ: احجب نساءك. فلم يكن رسول الله صلى
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب النكاح (٥١٧٠)، وسنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن (٣٢١٩).
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٧).
(٣) المسند (٣/ ١٩٥)، (١٣٠٤٨) رواه مسلم في النكاح حديث ٨٩ - (١٤٢٨) عن محمَّد بن حاتم، عن بهز وعن محمَّد بن رافع، عن أبي النضر هاشم بن القاسم. والنسائي في النكاح، باب: صلاة المرأة إذا خطبت واستخارتها (٦/ ٧٩). وفي التفسير في الكبرى (١١٤١٠) (٤٣٣١٦) عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك. ثلاثتهم عن سليمان به.
(٤) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "جعفر بن سليمان له".
[ ١١ / ٢٠٥ ]
الله عليه وسلم ليفعل. فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة، حرصًا أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب.
هكذا وقع في هذه الرواية، والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإِمام أحمد والبخاري ومسلم (^١٨٨)، من حديث هشام بن عروة، عن أنس، عن عائشة ﵂ قالت: خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جَسيمة لا تَخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة؛ أما والله ما تَخْفَين علينا، فانظري كيف تخرجين؟. قالت: فانكفأت راجعة، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنّه ليتعشى، وفي يده عَرق (*)، فدخلت فقالت [¬١]: يا رسول الله؛ إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رُفعَ عنه وإن العرق في يده، ما وضعه. فقال: "إنه قد [¬٢] أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن". لفظ البخاري.
فقوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإِسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى على هذه الأمة؛ ولهَذا قال رسول الله ﷺ: "إياكم والدخول على النساء! " (^١٨٩).
ثم استثنى من ذلك فقال: ﴿إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.
قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي: لا ترقبوا الطعام حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفين [¬٣]، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابًا في ذم الطفيليين، وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.
ثم قال تعالى: ﴿[وَلَكِنْ إِذَا] [¬٤] دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، وفي صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا
_________________
(١) المسند (٦/ ٥٦) (٢٤٤٠١)، وأخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب: خروج النساء إلى البراز (١/ ٢٩٩ رقم: ١٤٦). وأطرافه في (١٤٧ - ٤٧٩٥ - ٥٢٣٧ - ٦٢٤٠). ومسلم في كتاب السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان. (٤/ ١٧٠٩، ١٧١٠ / رقم: ٢١٧٠). (*) العرق: العظم أخذ عنه معظم اللحم وبقي عليه لحوم رفيقة طيبة.
(٢) رواه البخاري في كتاب النكاح برقم (٥٢٣٢)، ومسلم في كتاب السلام برقم (٢١٧٢) من حديث عقبة بن عامر، ﵁. [¬١]- في ز: "فقلت". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- في ز، خ: "الطيفن". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "فهذا".
[ ١١ / ٢٠٦ ]
دعا أحدكم أخاه فَلْيُجِب، عُرسًا كان أو غيره" (^١٩٠). وأصله في الصحيحين.
وفي الصحيح أيضًا (^١٩١)، عن رسول الله ﷺ: "لو دُعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أُهدي إلي كُرَاع لقبلت. فإذا فَرَغتم من الذي دُعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض". ولهذا قال: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، أي: كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونشوا أنفسهم، حتى شَق ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي [¬١] مِنْكُمْ﴾.
وقيل: المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه ﵇ حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي [¬٢] مِنَ الْحَقِّ﴾، أي: ولهذا نهاكم عن ذلكم وزجركم عنه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مسعرٍ، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت: كنت أكل مع النبي ﷺ حَيسًا في قَعْب [¬٣] (*) فمر عمر فدعاه فأصابت إصبعه إصبعي فقال: حس (**) -أو: أوه [¬٤]- لو أطاع فيكن ما رأتك عين. فنزل الحجاب (^١٩٢).
﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: هذا الذي أمرتكم به، وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب النكاح برقم (١٤٢٩).
(٢) في صحيح البخاري، كتاب الهبة برقم (٢٥٦٨) من حديث أبي هريرة، ﵁. (*) القعب: القدح الضخم. (**) في ز، خ: خير. وفي ت: حسن، وكلاهما تحريف غير ملائم للسياق. وقال ابن الأثير في النهاية: (١/ ٣٨٥) كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضّه وأحرقه غفلة كالجمرة والضربة ونحوهما.
(٣) ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤١٩) من طريق زكريا بن يحيى عن ابن أبي عمر، به. [¬١]- في ز، خ: "فيستحيي". [¬٢]- في ز، خ: "يستحيي". [¬٣]- في ز، خ: "لعب". [¬٤]- في ز، خ: "آه".
[ ١١ / ٢٠٧ ]
ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمَّد بن أبي [¬١] حماد، حدثنا مهران، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، قال: نزلت في رَجُل هَمَّ أن يتزوج بعضَ نساء النبي ﷺ. قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك.
وكذا قال مقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله ﵁، حتى نزل التنبيه على [¬٢] تحريم ذلك؛ ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين كما تقدم. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل [¬٣] لغيره أن يتزوجها؟ على قولين: مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره -والحالة هذه- نزاعًا. والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني [محمد] [¬٤] بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عامر: أن نبي الله ﷺ مات وقد ملك قيلة بنت الأشعث -يعني ابن قيس- فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة؛ فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها ليست من نسائه، إنها لم يُخيّرها رسول الله ﷺ ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت مع قومها. قال: فاطمأن أبو بكر ﵄ وسكن (^١٩٣).
وقد عظم ﵎ ذلك، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، ثم قال: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمًا﴾، أي: مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه، بأنه لا تخفى عليه خافية، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾.
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٢٩). [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز، خ: "في". [¬٣]- في ز، خ: "تحل". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.
[ ١١ / ٢٠٨ ]
كُلِّ شَيءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾.
لما أمر تعالى النساء بالحجاب من الأجانب، لكن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب منهم، كما استثناهم في "سورة النور"، عند قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ إلى آخرها، وفيها زيادات على هذه. وقد تقدم تفسيرها والكلام عليها بما أغنى عن إعادته، وقد سأل بعض السلف فقال: لم لم يذكر العم والخال في هاتين الآيتين؟ فأجاب عكرمة والشعبي بأنهما لم يذكرا؛ لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما.
قال ابن جرير: حدثني محمَّد بن المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد، حدثنا داود، عن الشعبي وعكرمة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾، قلت: ما شأن العم والخال لم يذكرا؟ قالا: هما ينعتانها [¬١] لأبنائهما. وكرها أن تضع خمارها عند خالها وعمها.
وقوله: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ يعني بذلك عدم الاحتجاب من النساء المؤمنات.
وقوله: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ يعني به أرقاؤهن من الذكور والإناث كما تقدم التنبيه عليه، وإيراد الحديث فيه (^١٩٤).
قال سعيد بن المسيب: إنما يعني به الإماء فقط. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدًا﴾، أي: واخشينه في الخلوة والعلانية، فإنه شهيد على كل شيء، لا تخفى عليه خافية، فراقبن الرقيب.
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾
قال البخاري (^١٩٥): قال أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء. وقال ابن عباس: يصلون: يبركون. هكذا علقه البخاري عنهما.
_________________
(١) تقدم تخريج الحديث عند تفسير الآية: ٣١ من سورة النور.
(٢) صحيح البخاري (٨/ ٥٣٢) "فتح". [¬١]- في ز، خ: "ينعتاها".
[ ١١ / ٢٠٩ ]
وقد رواه أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية كذلك. وروى مثله عن الربيع أيضًا: وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس كما قاله سواء. رواهما ابن أبي حاتم.
وقال أبو عيسى الترمذي: و[¬١] روي عن سفيان الثوري وغير واحد من أهل العلم قالوا: صلاة الرب: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو [¬٢] الأودي، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة قال الأعمش عن عطاء بن أبي رباح: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، قال: صلاته ﵎: سبوح قدوس، سبقت رحمتي غضبي.
والمقصود من هذه الآية أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ، الأعلى، بأنه [¬٣] يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلى بالصلاة والتسليم عليه. ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث بن إسحاق، عن جعفر -يعني: ابن المغيرة- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن بني إسرائيل قالوا لموسى ﵇ هل يصلي ربك؟ فناداه ربه: "يا موسى، سألوك: هل يصلي ربك؟ فقل: نعم، إنما أصلي أنا [¬٤] وملائكتي علي أنبيائي ورسلي". فأنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
وقد أخبر أنه ﷾ يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
وفي الحديث: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف" (^١٩٦).
وفي الحديث الآخر: "اللهم، صل على آل أبي أوفى" (^١٩٧).
_________________
(١) - رواه أبو داود في الصلاة حديث (٦٧٦)، وابن ماجه في إقامة الصلاة حديث (١٠٠٥).
(٢) - رواه البخاري في الزكاة (١٤٩٨)، ومسلم في الزكاة حديث (١٠٧٨) من حديث عائشة. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "عمر". [¬٣]- في ز، خ: "بأنه". [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ٢١٠ ]
وقال رسول الله ﷺ لامرأة جابر -وقد سألته أن يصلي عليها وعلى زوجها-: "صلى الله عليك، وعلى زوجك" (^١٩٨).
وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، وكيفية الصلاة عليه، ونحن نذكر منها إن شاء الله تعالى ما تيسر، وبالله [¬١] المستعان.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية (^١٩٩): حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبي، عن مسعر، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة قال: قيل: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ فقال: "قولوا: اللهم؛ صل على محمَّد، وعلى آل محمَّد، [كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم؛ بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد] [¬٢]، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
وقال الإمام أحمد (^٢٠٠): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم قال: سمعت ابن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا -أو: عرفنا- كيف السلام عليك، فكيف الصلاة؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل [¬٣] إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
وهذ الحديث قد أخرجه الجماعة في كتبهم، من طرق متعددة، عن الحكم -وهو [ابن عتيبة] [¬٤]- زاد البخاري: وعبد الله بن عيسى، كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، فذكره.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا هشيم بن بُشير، عن يزيد بن أبي زياد، حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عُجرة، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال: قلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا السلام، فكيف الصلاة عليك؟ قال: "قولوا؛ اللهم؛ صل
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده (٣/ ٣٩٨) (١٥٣٢١)، وابن حبان في صحيحه برقم (١٩٥١) "موارد" من طريق الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر ﵁.
(٢) صحيح البخاري رقم (٤٧٩٧).
(٣) المسند (٤/ ٢٤١) (١٨١٥٦)، والحديث أخرجه: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء باب: رقم = [¬١]- في ت: "والله". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "بن أبي عيينة".
[ ١١ / ٢١١ ]
على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على [إبراهيم وعلى] [¬١] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم وعلى [¬٢] آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
وكان عبد الرحمن بن أبي ليلى يقول: "وعلينا معهم".
ورواه الترمذي بهذه الزيادة (^٢٠١).
ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه، هو الذي في التشهد الذي كان يعلمهم إياه، كما كان يعلمهم السورة من القرآن، وفيه: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته".
حديث آخر، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن ابن الهاد، عن عبد الله بن خَبّاب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله؛ هذا السلام، فكيف نصلي عليك؟ قال: "قولوا: اللهم صل على محمَّد عبدك ورسولك، كما صليت على آل إبراهيم. وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد كما باركت على إبراهيم". [قال أبو صالح، عن الليث: على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم] [¬٣].
حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا ابن أبي حازم والدراوَردِي، عن يزيد -يعني ابن الهاد [¬٤]- قال [¬٥]: "كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمَّد وآل محمَّد، كما
_________________
(١) = (١٠)، (٦/ ٤٠٨٩) حديث (٣٣٧٠). وطرفاه حديث رقم (٤٧٩٧)، (٦٣٥٧). ومسلم في كتاب الصلاة. باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (٤/ ١٦٥) حديث (٤٠٦). وأبو داود في كتاب الصلاة باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (١/ ٢٥٧) حديث (٩٧٦) وحديث ٩٧٧، و٩٧٨. والترمذي في كتاب الصلاة. باب: ما جاء في صفة الصلاة على النبي ﷺ (٢/ ٣٥٢) حديث (٤٨٣). والنسائي في المجتبى في كتاب الصلاة. باب: كيف الصلاة على النبي ﷺ نوع آخر (٣/ ٤٧). وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها. باب: الصلاة على النبي ﷺ (١/ ٢٩٣) حديث (٩٠٤). وأبو داود الطيالسي في مسنده (ص ١٤٢ - ١٤٣ / حديث ١٠٦١). والبيهقي في سننه الكبرى (٢/ ١٤٧ - ١٤٨). وأبو عوانة في مسنده (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢). وأبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ٣٥٦). وابن الجارود في المنتقى حديث (٢٠٦). والطبراني في الكبير (١٩/ ١١٦) حديث (٢٤١)، (٢٤٢).
(٢) سنن الترمذي، في الصلاة برقم (٤٨٣) وقال: "حديث حسن صحيح". [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- في خ، ز: "المنهال". [¬٥]- سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ٢١٢ ]
باركت على إبراهيم وآل إبراهيم".
وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث ابن الهاد [¬١] به (^٢٠٢).
حديث آخر، قال الإِمام أحمد (^٢٠٣): قرأت على عبد الرحمن: مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن عمرو بن سليم أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا: "يا رسول الله؛ كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم، صل على محمد وأزواجه وذريته، كما صلىت على آل [¬٢] إبراهيم، وبارك على محمَّد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". وقد أخرجه بقية الجماعة سوى الترمذي من حديث مالك به.
حديث آخر، قال مسلم (^٢٠٤): حدثنا يحيى بن يحيى التيمي قال: قرأت على مالك، عن نُعيم بن عبد الله، المجمر، أخبرني محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري -قال: وعبد الله بن زيد هو الذي كان أُري [¬٣] النداء بالصلاة- أخبره عن أبي مسعود الأنصاري، قال: أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عُبادَةَ، فقال له بَشير بن سَعد: أمرنا الله أن نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال رسول الله ﷺ: قولوا: "اللهم، صل على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمَّد، وعلى آل محمَّد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما [قد علمتم] [¬٤] ".
وقد رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث مالك به. وقال الترمذي: حسن صحيح.
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٨).
(٢) المسند (٥/ ٤٢٤) (٢٣٧٠٣)، وأخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب: رقم (١٠) (٦/ ٤٦٩ / رقم: ٣٣٦٩) وطرفه في (٦٣٦٠). ومسلم في كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (١/ ٣٠٦ / رقم: ٤٠٧). وأبو داود في كتاب الصلاة، باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد (١/ ٢٥٧ / رقم: ٩٧٩). والنسائي في كتاب السهو، باب: نوع آخر (من الصلاة على النبي ﷺ (٣/ ٤٩ رقم: ١٢٩٤)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة، كتاب: الصلاة على النبي ﷺ (١/ ٢٩٣ رقم: ٩٠٥). كلهم من طريق مالك به.
(٣) صحيح مسلم كتاب الصلاة برقم (٤٠٥)، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة برقم (٩٨٠)، وسنن الترمذي كتاب الصلاة برقم (٣٢٢٠)، وسنن النسائي، كتاب السهو (٣/ ٤٥). [¬١]- في ت: "الهادية". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "وأى". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "علمهم"، وفي ز: "علمتم".
[ ١١ / ٢١٣ ]
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في مستدركه، من حديث محمَّد بن إسحاق، عن محمَّد بن إبراهيم التيمي، عن محمَّد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود البدري أنهم قالوا: يا رسول الله؛ أما السلام فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؟ فقال: "قولوا: اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد … ". وذكره (^٢٠٥).
ورواه الشافعي (^٢٠٦) ﵀ في مسنده"عن أبي هريرة، بمثله. ومن ها هنا ذهب الشافعي ﵀ إلى أنه يجب على المصلي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه لم تصح صلاته. وقد شرع بعض المتأخرين من المالكية وغيرهم يشنع على الإِمام الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، ويزعم أنه قد تفرد بذلك، وحكى الإجماعَ على خلافه أبو جعفر الطبري والطحاوي والخطابي وغيرهم فيما نقله القاضي عياض. وقد تعسّف القائل في رده على الشافعي، وتكلف في دعواه الإجماع في ذلك. فإنه قد روينا وجوب ذلك والأمر بالصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة كما هو ظاهر الآية، ومفسر بهذا الحديث عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو مسعود البدري وجابر بن عبد الله. ومن التابعين: الشعبي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل بن حيان. وإليه ذهب الشافعي، لا خلاف عنه في ذلك ولا بين أصحابه أيضًا، وإليه ذهب أحمد أخيرًا فيما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقيُّ [] [¬١]. وبه قال إسحاق بن راهويه، والفقيه الإمام محمَّد بن إبراهيم المعروف بابن الموّاز المالكي، ﵏، حتى أن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه ﷺ كما علمهم [¬٢] أن يقولوا لما سألوه، وحتى أن بعض أصحابنا أوجب الصلاة على الآل ممن حكاه البَنْدَنيجِي وسليم الرازي وصاحبه نصر بن إبراهيم المقدسي، ونقله إمام الحرمين وصاحبه الغزالي قولًا عن الشافعي، والصحيح أنه وجه، على أن الجمهور على خلافه، وحكوا الإجماع على خلافه، وللقول بوجوبه [ظواهر الحديث] [¬٣]، والله أعلم.
والغَرَض أن الشافعي ﵀ لقوله بوجوب الصلاة على النبي ﷺ
_________________
(١) المسند (٤/ ١١٩) (١٧١٢٣)، وأخرجه أحمد حديث ٢٢٤٥٣ (٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤). وأبو داود في الصلاة، باب: الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد حديث ٩٨٠، ٩٨١. والترمذي في التفسير، كتاب: ومن سورة الأحزاب، حديث ٣٢٢٠. وقال أبو عيسى: حسن صحيح. والنسائي في الصلاة (٣/ ٤٥ - ٤٦). والحاكم (١/ ٢٦٨). والدارقطني (١/ ٣٥٤ - ٣٥٥). والبيهقي (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) مسند الشافعي برقم (٢٦٨) "بدائع المنن"، ورواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٧٥) من طريق داود بن قيس، عن نعيم بن عبد الله، عن أبي هريرة ﵁. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: به. [¬٢]- في ز، خ: "علمتم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ظهور للحديث".
[ ١١ / ٢١٤ ]
في الصلاة- سَلَفٌ وخَلَفٌ كما تقدم، ولله الحمد والمنة، فلا إجماع على خلافه في هذه المسأله لا قديمًا ولا حديثًا، والله أعلم.
ومما يؤيد ذلك الحديث الآخر الذي رواه الإِمام أحمد وأبو داود، والترمذي -صححه- والنسائي، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، من رواية حَيوة بن شُريح المصري، عن أبي هانئ حميد بن هانئ، عن عمرو بن مالك أبي علي الجنبي، عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمع رسول الله ﷺ رجلًا يدعو في صلاته، لم يمجد الله ولم يصل [¬١] على النبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "عَجِل هذا". ثم دعاه فقال له ولغيره: "إذا صلى أحدكم فليبدأ بتمجيد [¬٢] الله ﷿ والثناء عليه، ثم ليصل [¬٣] على النبي ثم ليدع بعد [¬٤] بما شاء" (^٢٠٧).
وكذا الحديث الذي رواه ابن ماجه، من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد الساعدي، عن أنس، عن جده، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم [¬٥] الله عليه، ولا صلاة لمن لم يصل على النبي، ولا صلاة لمن لم يحب الأنصار" (^٢٠٨).
ولكن عبد المهيمن هذا متروك. وقد رواه الطبراني من رواية أخيه "أبي بن عباس"، ولكن في ذلك نظر (^٢٠٩)، وإنما يعرف من رواية "عبد المهيمن"، والله أعلم.
(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٢١٠): حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل، عن أبي
_________________
(١) المسند (٦/ ١٨)، وأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: الدعاء. (٢/ ٧٧ / رقم: ١٤٨١). عن أحمد بن حنبل به. والترمذي في كتاب الدعوات، باب: رقم: (٦٥). (٥/ ٤٨٢ / رقم: ٣٤٧٦، ٣٤٧٧). عن محمود بن غيلان عن أبي عبد الرحمن المقرئ وقال: صحيح. والنسائي في كتاب الصلاة، باب: التمجيد والصلاة على النبي ﷺ في الصلاة. (٣/ ٤٤ / رقم: ١٢٨٤). عن محمَّد بن سلمة عن وهب عن حيوة به. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. والبيهقي (٢/ ١٤٨). وابن خزيمة (٧١٠). وابن حبان ح ١٩٦٠. والحاكم (١/ ٢٣٠، ٢٦٨). وقال مرة: على شرط مسلم، ومرة على شرط الشيخين ولم يتعقبه الذهبي.
(٢) سنن ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها (٤٠٠)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ١٦٧): "هذا إسناد ضعيف لاتفاقهم على ضعف عبد المهيمن، لكن لم ينفرد لهه فقد تابعه عليه ابن أخي عبد المهيمن".
(٣) المعجم الكبير للطبراني (٦/ ١٢١).
(٤) السند (٥/ ٣٥٣) (٢٣٠٩٤)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ١٤٤) و(١٠/ ١٦٣) = [¬١]- في ز، خ: "يصلي". [¬٢]- في ت: "بتحميد". [¬٣]- في ز، خ: "ليصلي". [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- سقط من: خ.
[ ١١ / ٢١٥ ]
داود الأعمى، عن بُريدة قال: قلنا: يا رسول الله؛ قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؛ قال: "قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما جعلتها على إبراهيم [¬١] وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
أبو داود الأعمى اسمه: نفيع بن الحارث متروك.
(حديث آخر موقوف) رويناه من طريق سعيد بن منصور وزيد بن الحباب ويزيد بن هارون، ثلاثتهم عن نوح بن قيس: حدثنا سلامة الكندي أن عليًّا ﵁ كان يعلم الناس هذا الدعاء: اللهم داحي المدْحُوات (^١) وبارئ المسموكات (^٢)، وجبار (^٣) القلوب على فِطْرَتِها [¬٢] شقيها وسعيدها. اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك [¬٣]، على محمَّد عبدك ورسولك، الخاتم لما سبق، والفاتح لما أغلق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ (^٤) جيشات الأباطيل كما حمل فاضطلع (^٥) بأمرك لطاعتك مستوفزًا (^٦) في [¬٤] مرضاتك، غير نَكل في قَدَم (^٧) ولا واهن في عزم (^٨)، داعيًا [¬٥] برحيك [¬٦]، حافظًا لعهدك [¬٧]، ماضيًا على نفاذ أمرك، حتى أورى [قيسًا لقايس] [¬٨]، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم وأقام [¬٩] موضحات الأعلام، ومُنيرات الإِسلام ونائرات الأحكام، فهو
_________________
(١) = وعزاه لأحمد وقال: "وفيه أبو داود الأعمى، وهو ضعيف" ..
(٢) - دحى الشيءَ: بسطه ووسعه. والمدحوات: الأرضون.
(٣) - سمك الشيء: رفعه. والمسموكات: السماوات السبع.
(٤) - قال ابن الأثير [١/ ٢٣٦]: هو من جَبَرَ العظمَ المكسور، كأنه أقام القلوب وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته والإقرار به، شقيها وسعيدها.
(٥) - أي: مهلكها. ودمغ فلان فلانًا: غلبه وعلاه، ودمغ الحق الباطل: محاه. والجيشات جمع جيشة، وهي المرة من جاش إذا ارتفع.
(٦) - اضطلع بالشيء: نهض به.
(٧) - استوفز: قعد على هيئة كأنه يريد القيام. والمعنى أنه ﷺ يسرع في مرضاة الله ﷿.
(٨) - القَدَم: الإقدام، ونَكِل: جبن وتقاعد.
(٩) - الواهن: الضعيف. [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز، خ: "فطراتها". [¬٣]- في ز، خ: "تحينك". [¬٤]- في ز، خ: "لي". [¬٥]- في ز، خ: "واعيًا". [¬٦]- في ز، خ: "لوحيك". [¬٧]- في ز: "لوحيك". [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "قبسًا لقابس". [¬٩]- سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ٢١٦ ]
أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبَعِيثُك نعمة، ورسولك بالحق رحمة. اللهم؛ أفسح له مُفسحات في عدلك، واجزه مضاعفات الخير من فضلك [مهنآت له] [¬١] غير مكدرات من فوز ثوابك المعلول [¬٢]، وجزيل عطائك المجمول. اللهم؛ أعل [¬٣] على بناء البانين [¬٤] بنيانه، وأكرم مثواه لديك ونزله. وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له [مقبول الشهادة] [¬٥]، مرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخُطة فصل، وحجة وبرهان عظّم (^٢١١).
هذا مشهور من كلام على ﵁، وقد تكلم عليه ابن قتيبة في مشكل الحديث، وكذا أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي في جزء جمعه في فضل الصلاة على النبي ﷺ، إلا أن في إسناده نظرًا.
قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي (^٢١٢) هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليًّا -كذا قال- وقد روى الحافظ أبو القاسم الطبراني هذا الأثر عن محمَّد بن علي الصائغ، عن سعيد بن منصور، حدثنا نوح بن قيس، عن سلامة الكندي قال: كان عليّ ﵁ يعلمنا الصلاة على النبي ﷺ فيقول: "اللهم داحي المدحُوات … " وذكره (^٢١٣).
(حديث آخر موقوف) قال ابن ماجه (^٢١٤): [حدثنا الحسين بن بيان] [¬٦]، حدثنا زياد بن عبد الله، حدثنا المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد [¬٧]، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه؛ بأنكم لا تدرون لعل ذلك يعرَض عليه. قال: فقالوا له:
_________________
(١) رواه أبو نعيم في عوالي سعيد بن منصور برقم (١٨) فقال: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا مسعدة بن سعد، حدثنا سعيد بن منصور فذكره، ورواه الحنائي في الفوائد (١٠/ ١٦٢ / ب) -كما في حاشية العوالي- من طريق يزيد بن هارون، به.
(٢) سلامة الكندي ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٤/ ١٩٥)، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٤/ ٣٠٠) وأشار ابن أبي حاتم إلى هذا الحديث وقال: "مرسل".
(٣) المعجم الأوسط برقم (٤٦٥٣) "مجمع البحرين" لكن فيه: "حدثنا مسعدة بن سعد، حدثنا سعيد كان منصور" فلعل الحافظ نقله هنا من مسند العشرة.
(٤) سنن ابن ماجه، إقامة الصلاة والسنة فيها برقم (٩٠٦)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٣١١): "هذا إسناد رجاله ثقات إلا أن المسعودي وأسمه عبد الرحمن بن عتبة بن مسعود اختلط بآخره، ولم يتميز حديثه الأول بالآخر، فاستحق الترك. قاله ابن حبان". [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "له مهنئات". [¬٢]- في ز، خ: "المعلون". [¬٣]- في ز، خ: "عَلِّي". [¬٤]- في ز، خ: "المبنيين". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٧]- في ز، خ: "زيد".
[ ١١ / ٢١٧ ]
فَعَلِّمنا. قال: قولوا: اللهم؛ اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمَّد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير، ورسول الرحمة. اللهم؛ ابعثه مقاما محمودًا يَغْبِطُهُ به الأولون والآخرون. اللهم؛ صل [¬١] على محمَّد [وعلى آل محمَّد] [¬٢]، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم؛ بارك على محمد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
وهذا موقوف، وقد روى إسماعيل القاضي (^٢١٥) عن عبد الله بن عمرو -أو: عمر، على الشك من الراوي- قريبًا من هذا.
(حديث آخر) قال ابن جرير (^٢١٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا أبو إسرائيل، عن يونس بن خباب قال: خطبنا بفارس فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فقال: أنبأني من سمع ابن عباس يقول: هكذا أنزل. فقلنا -أو: قالوا-: يا رسول الله، عَلِمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: "اللهم؛ صل [¬٣] على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وارحم محمدًا وآل محمَّد، كما رحمت آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، [وبارك على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد] [¬٤] ".
فيستدل [¬٥] بهذا الحديث مَنْ ذهب إلى جواز الترحم على النبي ﷺ، كما هو قول الجمهور، ويعضده حديث الأعرابي الذي قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا. فقال رسول الله ﷺ: "لقد حجرت واسعًا" وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢١٧): حدثنا محمَّد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن
_________________
(١) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٦٢).
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٣١).
(٣) المسند (٣/ ٤٤٥) (١٥٧٢١)، وإسناده ضعيف من أجل عاصم بن عبيد الله. والحديث رواه ابن ماجه، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: الصلاة على النبي ﷺ، (١/ ٢٩٤) حديث ٩٠٧. وقال في الزوائد: إسناده ضعيف؛ لأن عاصم بن عبيد الله قال فيه البخاري وغيره: منكر الحديث. ورواه أبو يعلى في مسنده (١٣/ ١٥٤) ح ٧١٩٦. وعبد الرزاق (٥/ ٣١). وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٢٠). [¬١]- في ز، خ: "صلي". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز، خ: "صلي". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٥]- في ز، خ: "فدل".
[ ١١ / ٢١٨ ]
عاصم بن عبيد الله قال: سمعت عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن أبيه قال: سمعت النبي ﷺ يقول:، من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي، فَلْيُقِل عبد من ذلك أو ليكثر". ورواه ابن ماجة من حديث شعبة به.
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢١٨): حدثنا أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي، ويونس -هو ابن محمَّد- قالا: حدثنا ليث، عن يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمَّد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف قال: خرج رسول الله ﷺ فاتبعته حتى دخل نخلًا، فسجد فأطال السجود، حتى خفت -أو: خشيت- أن يكون الله قد توفاه أو قبضه. قال: فجئت أنظر. فرفع رأسه فقال: "ما لك يا عبد الرحمن؟ ". قال: فذكرت ذلك له. فقال: (إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله ﷿ يقول: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه".
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (^٢١٩): حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا سليمان بن بلال، حدثنا عمرو بن أسود عمرو، عن عبد الواحد بن محمَّد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف [قال: خرج] [¬١] رسول الله ﷺ فتوجه نحو صدقته، فدخل فاستقبل القبلة، فخر ساجدًا فأطال السجود، حتى ظننت أن الله قد قبض نفسه فيها، فدنوت منه ثم جلست، فرفع رأسه فقال: "من هذا؟ ". فقلت: عبد الرحمن. قال: "ما شأنك؟ ". قلت: يا رسول الله، سجدت سجدة خشيت أن يكون [¬٢] الله ﷿ قبض نفسك فيها. فقال: "إن جبريل أتاني فبشرني [¬٣] أن الله ﷿ يقول لك: من صلى عليك صليت عليه، ومن سلم عليك سلمت عليه. فسجدتُ لله ﷿ شكرًا".
(حديث آخر) قال [الحافظ] [¬٤] أبو القاسم الطبراني (^٢٢٠): حدثنا محمَّد بن عبد الرحيم [¬٥] ابن بَحير بن عبد الله بن معاوية بن بكير بن ريسان، [نا عمرو بن الربيع بن طارق] [¬٦] حدثنا
_________________
(١) المسند (١/ ١٩١).
(٢) المسند (١/ ١٩١).
(٣) المعجم الصغير (٢/ ٨٩)، والمختارة برقم (٩٣). وقال الطبراني: "لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا يحيى بن أيوب، تفرد به عمرو بن الربيع". [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "قال: قال". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "وبشرني". [¬٤]- سقط من: ت. [¬٥]- كذا في ز، خ. لكن الذي في الأوسط. عبد الرحمن. وكذا أورده الدارقطني في المؤتلف [١/ ٣٥٢]، وابن ماكولا في الإكمال [١/ ٢٠٠]، وابن ناصر الدين في التوضيح [١/ ٣٥٢] وابن حجر في تبصير المنتبه [١/ ٦٠]. [¬٦]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ. وأثبتناه من المعجم الأوسط.
[ ١١ / ٢١٩ ]
يحيى بن أيوب، حدثنا عبيد [¬١] الله بن عمر، عي الحكم بن عتيبة [¬٢]، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ لحاجة فلم يجد أحدًا يتبعه، ففزع عمر، فأتاه بمطهَرة (^١) من خلفه فوجد النبي ساجدًا في مشربة (^٢)، فتنحى عنه من خلفه حتى رفع النبي ﷺ رأسه، فقال: "أحسنت [¬٣]، يا عمر حين وجدتني ساجدًا فتنحيت عني، إن جبريل أتاني فقال: من صلى عليك من أمتك واحدة، صلى الله عليه [عشرًا] [¬٤]، ورفعه عشر درجات".
وقد اختار هذا الحديثَ الحافظُ الضياء المقدسي في كتابه "المستخرج على الصحيحين".
وقد رواه إسماعيل القاضي، عن القعنبي، عن سلمة بن وردان، عن أنس، عن عمر بنحوه (^٣).
ورواه أيضًا عن يعقوب بن حميد، عن أنس بن عياض، عن سلمة بن وردان، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب، بنحوه (^٤).
(حديث آخر) قال أبو عيسى الترمذي (^٥): حدثنا بن دار، حدثنا محمَّد بن خالد بن عَثْمة، حدثني موسى بن يعقوب الزمعي، حدثني عبد الله بن كيسان، أن عبد الله بن شداد أخبره، عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: "أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة". تفرد بروايته الترمذي ﵀، ثم قال: هذا [¬٥] حديث حسن غريب.
(حديث آخر) قال إسماعيل القاضي (^٦): [حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان] [¬٦]، عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ: "أتاني آت من ربي فقال لي: ما من عبد يصلي عليك صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرًا".
_________________
(١) - المطهرة: كل إناء يتطهر له كالإبريق والسطل وغيرها.
(٢) - المشربة: الغرفة.
(٣) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٤).
(٤) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٥).
(٥) سنن الترمذي، كتاب الصلاة برقم (٤٨٤).
(٦) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (١٣). [¬١]- في ز، خ: عبيد الله. وهو تحريف. [¬٢]- في ز: "عيينة". [¬٣]- في ز: "أخشيت". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ت: "عشر صلوات". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "حدثنا شقيق".
[ ١١ / ٢٢٠ ]
فقام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أجعل نصف دعائي لك؟ قال [¬١]: "إن شئت". قال: ألا أجعل ثلثي دعائي لك؟ قال: "إن شئت". قال: ألا أجعل دعائي [كله لك] [¬٢]؟ قال: "إذن يكفيك الله هم الدنيا وهم الآخرة". فقال شيخ -كان بمكة يقال له: منيع [¬٣]- لسفيان: عمن أسنده قال: لا أدري.
(حديث آخر قال إسماعيل القاضي (^٢٢٥): حدثنا سعيد بن سَلام العطار، حدثنا سفيان- يعني: الثوري -عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخرج في جوف الليل فيقول: "جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة جاء [¬٤] الموت بما فيه". قال أبي: يا رسول الله؛ إني أصلي من الليل أفأجعل [¬٥] لك ثلث صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ: "الشطر". قال: أفأجعل [¬٦] لك شطر صلاتي؟ قال رسول الله ﷺ: "الثلثان". قال: أفأجعل [¬٧] لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن يغفر الله لك ذنبك كله".
وقد رواه الترمذي بنحوه (^٢٢٦) فقال: حدثنا هَنّاد، حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل، عن الطفيل بن أبي بن كعب، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال: "يا أيها الناس؛ اذكروا الله، [اذكروا الله] [¬٨]، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه" قال أبي: قلت [¬٩]: "رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: "ما شئت". قلت: الربع؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: فالنصف؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: فالثلثين؟ قال: "ما شئت، فإن زدت فهو خير لك". قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: "إذن تكفى هَمّك، ويغفر لك ذنبك". ثم قال: هذا [¬١٠] حديث حسن.
وقال الإمام أحمد (^٢٢٧): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن محمَّد بن عقيل،
_________________
(١) فضل الصلاة على النبي ﷺ لرقم (١٤).
(٢) سنن الترمذي، صفة القيامة برقم (٢٤٥٧).
(٣) المسند (٥/ ١٣٦) (٢١٣٢٢). وأخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة، كتاب: رقم (٢٣). = [¬١]- في ز، خ: "قال". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "لك كله". [¬٣]- في ز، خ: "نسيع". [¬٤]- في ز، خ: "جاءت". [¬٥]- في خ، ز: "إنما جعل". [¬٦]- في خ، ز: "إنما جعل". [¬٧]- في خ، ز: "إنما جعل". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٩]- سقط من: ز، خ. [¬١٠]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ٢٢١ ]
عن الطفيل بن أبي، عن أبيه قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أرأيت أن جعلتُ صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذن يكفيك الله ما أهَمك من دنياك وآخرتك".
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٢٨): حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت بن سليمان مولى الحسن بن علي، عن عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه أن رسول الله ﷺ جاء ذات يوم، والسرور يرى في وجهه، فقالوا: يا رسول الله؛ أنا لنرى السرور في وجهك. فقال: "إنه أتاني الملك فقال: يا محمَّد؛ أما يرضيك أن ربك ﷿ يقول: إنه لا يصلي عليك أحد من أمتك إلا صليت عليه عشرًا، ولا يسلم عليك أحد من أمتك إلا سلمت عليه عشرًا؟ قال: بلى".
ورواه النسائي من حديث حماد بن سلمة به.
وقد رواه إسماعيل القاضي (^٢٢٩)، عن إسماعيل ابن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عُبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة، بنحوه.
(طريق أخرى) قال أحمد (^٢٣٠): حدثنا سُريج، حدثنا أبو معشر، عن إسحاق بن كعب بن عُجرة، عن أبي طلحة الأنصاري قال: "أصبح رسول الله ﷺ يوما طيب النفس، يرى في وجهه البشر، قالوا: يا رسول الله؛ أصبحت اليوم طيب النفس، يرى في وجهك البشر؟ قال: "أجل، أتاني آت من ربي ﷿ فقال: من صلى عليك من أمتك صلاة، كتبَ الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، ورد عليه [¬١] مثلها". هذا أيضًا إسناد جيد ولم يخرجوه.
(حديث آخر) روى مسلم (^٢٣١) وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث إسماعيل بن
_________________
(١) = (٤/ ٦٣٦، ٦٣٧ / رقم: ٢٤٥٧). من طريق هناد عن قبيصة به. ورواه عبد بن حميد مطولًا عن قبيصة بن عقبة حديث ١٧٠. ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٥١٣) من طريق معاذ بن نجدة، عن قبيصة بن عقبة بنحوه. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٦٠) وقال: "قلت: رواه الترمذي ولفظه إذًا تكفى همك، ويغفر ذنبك - رواه أحمد وإسناده جيد".
(٢) المسند (٤/ ٣٠) (١٦٤١٥)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (٩٨٨٨).
(٣) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (١).
(٤) المسند (٤/ ٢٩) (١٦٤٠٤) إسحاق بن كعب بن عجرة: في التقريب: مجهول الحال، وفي التهذيب: قال ابن القطان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه سعد. قد روى عنه أبو معشر كما هنا. والحديث أخرجه النسائي (٣/ ٤٤ - ٥٠). والحاكم (٢/ ٤٢٠). والطبراني (٥/ ١٠٢) حديث (٤٧٢٤)، (٤٧١٧). وحسنه الشيخ الألباني، انظر صحيح النسائي (١/ ٢٧٤ - ٢٧٥).
(٥) صحيح مسلم، كتاب الصلاة برقم (٤٠٨)، وسنن أبي داود، كتاب الصلاة برقم (١٥٣٠)، وسنن الترمذي كتاب الصلاة برقم (٤٨٥)، وسنن النسائي كتاب السهو (٣/ ٥٠). [¬١]- في ز، خ: "له".
[ ١١ / ٢٢٢ ]
جعفر، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أنس، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:، من صلى عَلَي واحدة صلى الله عليه بها عشرًا". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن عبد الرحمن بن عوف، وعامر بن ربيعة، وعمار، وأبي طلحة، وأنس، وأبي بن كعب.
وقال [¬١] الإِمام أحمد (^٢٣٢): حدثنا حسين بن محمَّد، حدثنا شريك، عن ليث، عن كعب [¬٢] عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "صلوا علي؛ فإنها زكاة لكم. وسلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في أعلى الجنة، لا [¬٣] ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون أنا هو".
تفرد به أحمد.
وقد رواه البزار (^٢٣٣) من طريق مجاهد، عن أبي هريرة بنحوه فقال: حدثنا محمَّد بن إسحاق البَكالي، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا ذَؤاد بن عُلبة، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: "صلوا علي فإنها زكاة لكم، وسلوا الله لي الدرجة الوسيلة من الجنة". فسألناه -أو: أخبرنا- فقال: "هي درجة في أعلى الجنة، وهي لرجل، وأنا أرجو أن فيكون ذلك الرجل".
في إسناده بعض من تكلم فيهم [¬٤].
(حديث آخر) قال الإِمام أحمد (^٢٣٤): حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، [عن عبد الله بن هبيرة] [¬٥]، عن عبد الرحمن بن مريج [¬٦] الخولاني، سمعت أبا قيس -مولى عمرو بن العاص- سمعت عبد الله بن عمرو [¬٧] قوله: من صلى على رسول الله ﵊ صلاة، صلى الله عليه وملائكته بها سبعين صلاة، فَلْيقِل عبد من ذلك أو ليكثر.
_________________
(١) المسند (٢/ ٣٦٥).
(٢) مسند البزار برقم (٣٦٣) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي: "فيه ذَؤاد بن علبة، ضعفه ابن معين والنسائي غيرهما ووثقه ابن نمير، وقال موسى بن داود الضبي: ثنا ذَؤاد بن علبة وأثني عليه خيرًا، وقال ابن عدي: هو في جملة الضعفاء ممن يكتب حديثه". كذا فيه ذؤاد بن علبة وهو الصواب. انظر: الكامل (٣/ ١٢١)، والتهذيب (٣/ ٢٢١)، والميزان (٢/ ٣٢).
(٣) المسند (٢/ ١٧٢). [¬١]- في ت: "قال". [¬٢]- في خ، ز: "ثابت". [¬٣]- في ز: "ولا". [¬٤]- في خ، ز: "به". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٦]- في خ، ز: "شريح". [¬٧]- في ز، خ: "عمر".
[ ١١ / ٢٢٣ ]
وسمعت عبد الله ابن عمرو يقول: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا كالمودع فقال: "أنا محمد النبي الأمي -قاله ثلاث مرات- ولا نبي بعدي، أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه، وعَلمْتُ كم خزنة النار وحملة العرش، وتجوز بي، وعُوفيت وعُوفِيتْ أمتي، فاسمعوا وأطيعوا ما دمت فيكم، فإذا ذُهِب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله، وحرموا حرامه".
(حديث آخر) قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو سَلَمة الخراساني، حدثنا أبو إسحاق، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "من ذُكرتُ عنده فَليُصَلّ عليّ، ومن صلي عليّ مرة واحدة [¬١]- صلى الله عليه عشرًا".
ورواه النسائي في "اليوم والليلة"، من حديث أبي داود الطيالسي، عن أبي سلمة -وهو المغيرة بن مسلم الخراساني- عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي، عن أنس به (^٢٣٥).
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل، حدثنا يونس بن عمرو، عن يونس بن أبي إسحاق، عن بُريد [¬٢] بن أبي مريم، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلي علي صلاة واحدة، صلي الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات" (^٢٣٦).
(حديث آخر) قال الإمام أحمد (^٢٣٧): حدثنا عبد الملك بن عمرو وأبو سعيد؛ قالا [¬٣]: حدثنا سليمان بن بلال، عن عمارة بن [¬٤] غزية، عن عبد الله بن علي بن الحسين، عن [أبيه
_________________
(١) السنن الكبرى برقم (٩٨٨٩).
(٢) المسند (٣/ ١٠٢) (١٢٠١٦). بريد بن أبي مريم السلولي: قال ابن معين وأبو زرعة: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال العجلي: ثقة. وقال الدارقطني: علي شرط الصحيح. وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له في الصحيح، وكذلك الحاكم. والحديث رواه النسائي في كتاب السهو، باب: الفضل في الصلاة علي النبي ﷺ (٣/ ٥٠) من حديث يونس، به. وفي "اليوم والليلة" حديث ٣٦٢ عن إسحاق بن منصور، عن محمد بن يوسف، عن يونس بن أبي إسحاق، عن بريد بن أبي مريم: حدثنا أنس … فذكره. وفي "اليوم والليلة" حديث ٣٦٣ عن عبد الله بن محمد بن تميم، عن حجاج. وحديث ٣٦٤ عن إسحاق بن إبراهيم، عن يحيى بن آدم، وأبي نعيم -ثلاثتهم- عن يونس، عن بريد بمعناه ورواه مخلد بن يزيد، عن يونس، عن بريد، عن الحسن عن أنس. ورواه أحمد حديث ١٣٧٨١ - (٣/ ٢٦١). قال ابن كثير في جامع المسانيد: ورُوي عن يونس، عن أبيه، عن بريد. وروي عن بريد، عن الحسن، عن أنس. وقد ثبت سماع بريد من أنس لهذا الحديث. واختاره الضياء، في صحيحه- المختارة. ورواه أحمد ١٢٥٩١ - (٣/ ١٥٤). وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة مرفوعًا، مثله.
(٣) المسند (١/ ٢٠١). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ، ز: "زيد". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "عن".
[ ١١ / ٢٢٤ ]
علي بن الحسين عن] [¬١] أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: "البخيل من ذكرت عنده، ثم لم يصل عليّ". وقال أبو سعيد: "فلم يصل عليّ".
ورواه الترمذي من حديث سليمان بن بلال ثم قال: هذا حديث حسن غريب صحيح.
و[¬٢] من الرواة من جعله من مسند "الحسين بن علي"، ومنهم من جعله من مسند "عليّ" نفسه.
(حديث آخر) قال إسماعيل القاضي (^٢٣٨): حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن معبد بن هلال العَنْزي، حدثني رجل من أهل دمشق، عن عوف بن مالك، عن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن أبخل الناس من ذُكرت عنده فلم يصلِّ علي".
(حديث آخر مرسل) قال إسماعيل (^٢٣٩): وحدثنا سُليمان بن حرْب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ: "بحسب امرئ من البخل أن أذْكر عنده فلا يُصَلِّي عليّ". صلوات الله عليه.
(حديث آخر) قال الترمذي (^٢٤٠): حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثنا ربْعيّ بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "رَغِمَ أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلِّ عليّ. [ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له] [¬٣]، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة". ثم قال: حسن غريب.
قلت: وقد رواه البخاري في "الأدب" (^٢٤١) عن محمد بن عبيد الله، حدثنا ابن أبي حازم، عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة مرفوعًا، [بنحوه، ورويناه من حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة] [¬٤]، به. قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأنس.
قلت: وابن عباس، وكعب بن عجرة، وقد ذكرت طرق هذا الحديث في أول كتاب
_________________
(١) فضل الصلاة على النبي- ﷺ برقم (٣٧).
(٢) فضل الصلاة على النبي- ﷺ برقم (٣٨).
(٣) سنن الترمذي برقم (٣٥٤٥).
(٤) - رواه الترمذي كتاب الدعوات (٣٥٤٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ٢٢٥ ]
الصيام، وعند قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾.
وهذا الحديث والذي قبله دليل علي وجوب الصلاة عليه ﷺ كلما ذُكر، وهو مذهب طائفة من العلماء.
ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجة (^٢٤٢):
حدثنا جُبَارة بن المغلس، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "من نسي الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة".
جُبَارة ضعيف.
ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه (^٢٤٣)، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال: قال رسول الله ﷺ: "من نسي الصلاة عليَّ خطئ طريق الجنة". وهذا مرسل يتقوي بالذي قبله.
وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة في المجلس مرة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحب. نقله الترمذي عن بعضهم، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي (^٢٤٤):
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَةً (*)، فإن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم".
تفرد به الترمذي من هذا الوجه. ورواه الإمام أحمد عن حجاج ويزيد [¬١] بن هارون، كلاهما عن ابن أبي ذئب، عن صالح -مولى التوأمة- عن أبي هريرة، مرفوعًا مثله [¬٢]. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وقد روي عن أبي هريرة (^٢٤٥)، عن النبي ﷺ، من غير وجه. وقد رواه
_________________
(١) سنن ابن ماجة، إقامة الصلاة والسنة فيها برقم (٩٠٨)، وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٣١٣): "هذا إسناد ضعيف لضعف جبارة بن المغلس".
(٢) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٤١).
(٣) سنن الترمذي، كتاب الدعوات برقم (٣٣٨٠)، والمسند (٢/ ٤٥٣). (*) - أي: نقصًا. يقال: وَتَرَه يِتَرُه تِرَةً، وعلي ذلك تكون الهاء في "ترة" عوضًا من الواو المحذوفة، وقيل: أراد بالترة هاهنا: التبعة.
(٤) فضل الصلاة علي النبي ﷺ برقم (٥٥). [¬١]- في ز، خ: "زيد". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ١١ / ٢٢٦ ]
إسماعيل القاضي من حديث شعبة، عن سليمان، عن ذكوان، عن أبي سعيد قال: ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون علي النبي ﷺ، إلا كان عليهم حسرة، وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب.
وحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه ﵇ في العمر مرة واحدة، امتثالًا لأمر الآية، ثم هي مستحبة في كل حال. وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكي الإجماع [¬١] على وجوب الصلاة عليه ﷺ في الجملة. قال: وقد حكي الطبري [¬٢] أن محمل الآية علي الندب، وادعي فيه الإجماع. قال: ولعله فيما زاد علي المرة، والواجب منه مرة كالشهادة له بالنبوة، وما زاد علي ذلك فمندوب مُرَغَّب فيه من سنن الإسلام، وشعار أهله.
قلت: وهذا قول غريب، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة فمنها واجب ومنها مستحب على ما نبينه:
فمنه [¬٣] بعد النداء للصلاة للحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢٤٦):
حدثنا أبو عبد الرحمن، حدثنا حيوة، حدثنا كعب بن علقمة، أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول: إنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم مؤذنًا فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ، فإنه من صلي علَيّ صلي الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو [¬٤]، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة".
وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث كعب بن علقمة.
(طريق أخرى) قال إسماعيل القاضي (^٢٤٧): حدثنا محمد بن أبي بكر [¬٥]، حدثنا عمرو [¬٦] ابن علي، عن أبي بكر الجشمي، عن صفوان بن سليم، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "من [¬٧] سأل الله لي الوسيلة، حلت [¬٨] عليه شفاعتي يوم القيامة".
_________________
(١) المسند (٢/ ١٦٨)، وصحيح مسلم، الصلاة برقم (٣٨٤)، وسنن أبي داود، الصلاة برقم (٥٢٣)، وسنن الترمذي، المناقب برقم (٣٦١٤)، وسنن النسائي في الأذان (٢/ ٢٥).
(٢) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٥٠). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "الطبراني". [¬٣]- في خ، ز: "عنه". [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في خ، ز: "بكير". [¬٦]- في ز، خ: "عمر". [¬٧]- في ز: "أو". [¬٨]- في خ، ز: "حقت".
[ ١١ / ٢٢٧ ]
(حديث آخر): قال إسماعيل القاضي: حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا سعيد بن [زيد، عن] [¬١] ليث، عن كعب -هو كعب الأحبار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "صلوا عليّ، فإن صلاتكم عليَّ زكاة لكم، وسلوا الله لي الوسيلة" قال: فإما حَدّثنا وإما سألناه؛ فقال: "الوسيلة أعلى درجة في الجنة، لا ينالها إلا رجل، وأرجو أن أكون ذلك الرجل".
ثم رواه (^٢٤٨) عن محمد بن أبي بكر، عن معتمر، عن ليث -وهو ابن أبي سليم- به.
وكذا الحديث الآخر.
قال الإمام أحمد (^٢٤٩): حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم، عن وفاء [¬٢] الحضرمي، عن رويفع بن ثابت الأنصاري: أن رسول الله ﷺ قال: "من صلى على محمد وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة؛ وجبت له شفاعتي". وهذا إسناد لا بأس به، ولم يخرجوه.
(أثر آخر): قال إسماعيل القاضي: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثني معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولي، كما آتيت [إبراهيم وموسي] [¬٣] ﵉. إسناد جيد قوي صحيح (^٢٥٠).
ومن ذلك عند دخول المسجد والخروج منه، للحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢٥١):
حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث بن أبي سليم، عن عبد الله بن الحسن [¬٤]، عن أمه فاطمة بنت الحسين، عن جدته فاطمة [¬٥] بنت رسول الله ﷺ قالت [¬٦]: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد صلي علي محمد وسلم وقال: "اللهم اغفر
_________________
(١) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٤٦، ٤٧).
(٢) المسند (٤/ ١٠٨) (١٧٠٤١). في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. وفاء الحضرمي: مقبول. زياد بن نعيم: ثقة. وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٦٦) وقال: رواه البزار والطبراني في الأوسط والكبير وأسانيده حسنة. ا هـ. وأخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٢٦) حديث (٤٤٨٠، ٤٤٨١).
(٣) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٥٢).
(٤) المسند (٦/ ٢٨٢). ليث بن أبي سليم: صدوق اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فترك. والحديث = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ، ز: "ورقاء". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "موسى وإبراهيم". [¬٤]- في خ، ز: "الحسين". [¬٥]- سقط من: خ، ز. [¬٦]- في ز، خ: "قال".
[ ١١ / ٢٢٨ ]
لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك". وإذا خرج صلي علي محمد وسلم، ثم قال: "اللهم؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك".
وقال إسماعيل القاضي (^٢٥٢): حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا سفيان بن عمر التميمي، عن سليمان الضبي، عن عليّ بن الحسين قال: قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: إذا مررتم بالمساجد فصلوا علي النبي ﷺ.
وأما الصلاة عليه ﷺ في الصلاة؛ فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير، ومن ذهب إلى ذلك من العلماء مع الشافعي ﵀. وأما التشهد الأول فلا تجب فيه قولًا واحدًا وهل تستحب؟ علي قولين للشافعي.
ومن ذلك الصلاة عليه ﷺ في صلاة الجنازة، فإن السنة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب، وفي الثانية يصلي علي النبي ﷺ، وفي الثالثة يدعو للميت، وفي الرابعة يقول: اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده.
قال الشافعي ﵀ (^٢٥٣): حدثنا مُطرف بن مازن، عن معمر، عن الزهري: أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حُنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ: أن السنة في الصلاة علي الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب لعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم صلي علي النبي ﷺ، ويخلص الدعاء للجنازة، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها، ثم يسلم سرًّا في نفسه.
ورواه [¬١] النسائي (^٢٥٤) عن أبي أمامة نفسه أنه قال: من السنة … فذكره.
وهذا من الصحابي في حكم المرفوع علي الصحيح.
ورواه إسماعيل القاضي (^٢٥٥)، عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن أبي أمامة بن [¬٢] سهل، عن سعيد بن المسيب أنه قال: السنة في الصلاة علي
_________________
(١) = أخرجه الترمذي في جامعه في كتاب الصلاة، باب: ما جاء ما يقول عند دخول المسجد. (٢/ ١٢٧، ١٢٨ / رقم: ٣١٤). وابن ماجة في سننه في كتاب المساجد، باب: الدعاء عند دخول المسجد. (١/ ٢٥٣، ٢٥٤ / رقم: ٧٧١). كلاهما من طريق ليث بن أبي سليم به. والحديث صححه الألباني في صحاح السنن المذكورة - الترمذي حديث ٤/ ٢٥٩، [٣] وابن ماجه ٦٢٥/ ٧٧١.
(٢) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٨٠).
(٣) من النسائي (٤/ ٧٥).
(٤) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٩٤).
(٥) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٨٨). [¬١]- في ت: "رواه". [¬٢]- في ز، خ: "عن".
[ ١١ / ٢٢٩ ]
الجنازة … فذكره.
وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عمر والشعبي.
ومن ذلك في صلاة العيد، قال إسماعيل القاضي: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، حدثنا حمَّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة، أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة [يومًا قبل العيد] [¬١] فقال لهم: إن هذا العيد قد دنا [¬٢] فكيف التكبير فيه؟ قال عبد الله: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلي علي النبي ﷺ، ثم تدعو، وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر و[¬٣] تفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر، وتركع، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي علي النبي ﷺ ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تركع. فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن. إسناد [¬٤] صحيح.
ومن ذلك أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه ﷺ، قال الترمذي (^٢٥٦):
حدثنا أبو داود، أخبرنا النضر بن شميل، عن أبي قُرّة الأسدي، عن سعيد بن المسيّب، عن عمر بن الخطاب قال: الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد منه شيء حتى تصلي علي نبيك.
وهكذا رواه أيوب بن موسى عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب -قوله-. ورواه معاذ بن الحارث، عن أبي قرة، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعًا (^٢٥٧).
وكذا رواه رزين بن معاودة في "كتابه" مرفوعًا، عن النبي ﷺ قال: "الدعاء موقوف بين السماء والأرض، لا يصعد حتى يصلي عليّ، فلا تجعلوني كَغُمَر [¬٥] (*) الراكب، صلوا علي أول الدعاء وأوسطه وآخره" (^٢٥٨).
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب الصلاة برقم (٤٨٦). وإسناده ضعيف لجهالة أبي قرة. وأما أبو داود فهو سليمان بن مسلم المصاحفي: ثقة.
(٢) أخرجه الواحدي ومن طريقه الحافظ الرهاوي في الأربعين كما في تخريج الكشاف لابن حجر (ص ١٣٧). (*) - قال ابن الأثير في النهاية [٣/ ٣٨٥]: [الغُمَر -بضم الغين وفتح الميم-: القَدَح الصغير، أراد أن الراكب يحمل رحله وأزواده علي راحلته ويترك قَعْبَه إلى آخر تَرْحاله، ثم يُعَلِّقه علي رحله كالعِلاوة، فليس عنده بمهمّ، فنهاهم أن يجعلوا الصلاة عليه كالغُمَر الذي لا يُقَدِّم في المهامّ ويُجْعَل تَبَعًا". ا هـ.
(٣) ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (٤/ ١٥٥) رواية رزين. [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "صلي العيد يوما". [¬٢]- في خ، ز: "وفي". [¬٣]- في ز، خ: "ثم". [¬٤]- في ز، خ: "إسناد". [¬٥]- في ز: "لعمر".
[ ١١ / ٢٣٠ ]
وهذه الزيادة إنما تروي من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكَشي" قال (^٢٥٩): حدثنا جعفر بن عون، أخبرنا موسى بن عبيدة، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه قال: قال جابر: قال لنا رسول الله ﷺ: "لا تجعلوني كقدح الراكب، إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء، فإن كان له حاجة في الوضوء توضأ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب، وإلا أهراق ما فيه، اجعلوني في أول الدعاء، وفي وسط الدعاء، وفي آخر الدعاء".
فهذا حديث غريب، وموسي بن عبيدة ضعيف الحديث.
ومن ذلك دعاء القنوت، لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، من حديث أبي الجوزَاء، عن الحسن بن عليّ ﵄ قال: علَّمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضي عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا [¬١]، وتعاليت" (^٢٦٠).
وزاد النسائي في سننه بعد هذا: "وصلي الله [¬٢] علي النبي محمد [¬٣] ".
ومن ذلك أنه يستحب الإِكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة وليلة الجمعة. قال الإِمام أحمد (^٢٦١): حدثنا حسين بن عليّ الجعفي، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن أبي [¬٤]
_________________
(١) المنتخب لعبد بن حميد برقم (١١٣٠)، ورواه البزار في مسنده برقم (٣١٥٦) "كشف الأستار" من طريق موسى بن عبيدة به.
(٢) المسند (١/ ١٩٩)، وسنن أبي داود برقم (١٤٢٥)، وسنن الترمذي برقم (٤٦٤)، وسنن النسائي (٣/ ٢٤٨)، وسنن ابن ماجة برقم (١١٧٨)، وصحيح ابن خزيمة (١٠٩٥)، وصحيح ابن حبان (٢/ ١٤٨)، والمستدرك (٣/ ١٧١).
(٣) المسند (٤/ ٨)، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر: ثقة، روي له الجماعة. وأبو الأشعث الصنعاني: هو شراحيل بن آدة، ويقال: آدة جد أبيه، وهو شرحبيل بن كليب، ثقة، روي له البخاري في الأدب ومسلم وأصحاب السنن. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة (١/ ٢٧٥). حديث ١٠٤٧. وفي كتاب الصلاة، باب: الاستغفار حديث (١٥٣١) (٢/ ٨٨) من طريق هارون بن عبد الله، ثنا حسين بن علي، عن عبد الرحمن به. والنسائي في كتاب الجمعة، باب: إكثار الصلاة علي النبي ﷺ يوم الجمعة (٣/ ٩١ - ٩٢). من طريق إسحاق بن منصور، ثنا حسين الجعفي به. وابن ماجة في كتاب الجنائز، باب: ذكر وفاته ودفنه ﷺ (١/ ٥٢٤) حديث (١٦٣٦). من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، ثنا الحسين بن علي، عن عبد الرحمن به. وحديث ١٠٨٥. والحاكم في المستدرك (١/ ٢٧٨). وابن حبان كما في الموارد (٥٥٠). والحديث صححه الشيخ الألباني صحيح أبي داود (١/ ١٩٦). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "اللهم". [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- في خ: "ابن".
[ ١١ / ٢٣١ ]
الأشعث الصنعاني، عن أوس بن أوس الثقفي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ". قالوا: يا رسول الله؛ وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمْتَ؟ -يعني: وقد بليت- قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".
ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث حسين بن علي الجعفي. وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والنووي في "الأذكار".
(حديث آخر) قال أبو عبد الله بن ماجة (^٢٦٢): حدثنا عمرو بن سوّاد المصري، حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد [¬١]- بن أبي هلال، عن زيد بن أبيمن، عن عبادة بن نُسي، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: "أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة، فإنه مشهود تشهده الملائكة. وإن أحدًا لن يصلي عليَّ إلا عرضت [عَلَيّ صلاته] [¬٢] حتى يفرغ منها". قال: قلت: وبعد الموت؟ قال: " [وبعد الموت] [¬٣]. إن الله حرم علي الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" [فنبي الله حي يرزق] [¬٤]. هذا حديث غريب [¬٥] من هذا الوجه وفيه انقطاع بين عبادة بن نسيّ وأبي الدرداء فإنه لم يدركه، واللَّه أعلم.
وقد روي البيهقي (^٢٦٣) من حديث أبي أمامة وابن مسعود، عن النبي ﷺ في الأمر بالإِكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة، ولكن في إسنادهما ضعف، واللَّه أعلم.
ورُوي مرسلًا عن الحسن البصري فقال إسماعيل القاضي (^٢٦٤): حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا جرير بن حازم، سمعت الحسنَ -هو البصري- يقول: قال رسول الله ﷺ: "لا تأكل الأرض جسدَ من كَلَّمهُ روحُ القدس". مرسل حسن.
وقال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي صلي الله عليه
_________________
(١) سنن ابن ماجة برقم (١٦٣٧). وفيه أيضًا انقطاعًا آخر بين زيد وعبادة، قاله البخاري.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٤٩) من حديث أبي أمامة، ﵁، ولم أجده عنده من حديث أبي مسعود وإنما هو من حديث أنس، ﵁.
(٣) فضل الصلاة على النبي- ﷺ برقم (٢٣). [¬١]- في ز، خ: "شعيب". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "صلاته عَلَيّ". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٥]- سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ٢٣٢ ]
وسلم قال: "إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة، فأكثروا الصلاة عليّ". هذا مرسل.
وهكذا يجب علي الخطيب أن يصلي علي النبي ﷺ يوم الجمعة علي المنبر في الخطبتين، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك، لأنها عبادة، و[¬١] ذكر الله فيها شرط، فوجب ذكر الرسول ﷺ فيها كالأذان والصلاة. هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله.
ومن ذلك أنه [¬٢] يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره صلوات الله وسلامه عليه، قال أبو داود (^٢٦٥): حدثنا [¬٣] ابن عوف -هو محمد- حدثنا المقريّ، حدثنا حيوة، عن أبي صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رَدّ الله عليّ روحي حتى أود ﵇".
تفرد به أبو داود، وصححه النووي في "الأذكار"، ثم قال أبو داود (^٢٦٦):
حدثنا أحمد بن صالح؛ قال: قرأت علي عبد الله بن نافع، أخبرني إلي أبي ذئب، عن سعيد المقبُري، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قُبُورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم".
تفرد به أبو داود أيضًا.
وقد رواه الإمام أحمد (^٢٦٧) عن سُريج [¬٤]، عن عبد الله بن نافع -وهو الصائغ- به.
وصححه النووي أيضًا.
وقد روي من وجه آخر عن علي ﵁ قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه "فضل الصلاة علي النبي ﷺ" (^٢٦٨):
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر إلي أبي طالب [عمن أخبره] [¬٥] من أهل بيته، عن علي بن الحسين بن [¬٦] علي؛ أن رجلًا كان
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب: زيارة القبور برقم (٢٠٤٩).
(٢) سنن أبي داود، كتاب المناسك، باب: زيارة القبور برقم (٢٠٤٢).
(٣) المسند (٢/ ٣٦٧).
(٤) فضل الصلاة علي النبي- ﷺ برقم (٢٠). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "أن". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "شريح". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "عن أخيه". [¬٦]- في ز، خ: "عن".
[ ١١ / ٢٣٣ ]
يأتي كل [¬١]- غداة فيزور قبرَ النبي ﷺ ويصلي عليه، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين، فقال له عليُّ بن الحسين: ما يحملك على هذا؟ قال: أحب السلام على النبي ﷺ. فقال له علي بن الحسين: هل لك أن أحدثك حديثًا عن أبي؛ قال: نعم. فقال له علي بن الحسين: أخبرني أبي عن جدي أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا قبري عيدًا ولا تجعلوا بيوتكم قبورًا، وصلوا عليّ وسلموا حيثما كنتم فتبلغني صلاتكم وسلامكم".
في إسناده رجل مبهم [¬٢] لم يُسمّ.
وقد رُوي من وجه آخر مرسلًا، قال عبد الرزاق في "مصنفه" (^٢٦٩)، عن الثوري، عن ابن عجلان، عن رجل -يقال له: سهيل- عن الحسن بن الحسن بن علي؛ أنه [¬٣] رأي قومًا عند القبر فنهاهم، وقال: إن النبي ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني". فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم، فنهاهم.
وقد رُوي أنه رأي رجلًا ينتاب القبر فقال: يا هذا؛ ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. أي: الجميع يبلغه. صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلي يوم الدين.
وقال الطبراني (^٢٧٠) في "معجمه الكبير": حدثنا أحمد بن رشدين [¬٤] المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، أخبرني حميد بن أبي زينب، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ﵃ عن أبيه أن رسول الله ﷺ؛ قال: "صلوا عليَّ حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني".
ثم قال الطبراني (^٢٧١): حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان، أخبرنا يزيد بن هارون [أنا] [¬٥] شيبان، عن الحكم بن عبد الله بن خُطّاف [¬٦]، عن أم أنيس بنت الحسن بن علي، عن أبيها؛ قال: [قالوا: يا] [¬٧] رسول الله صلي الله عليه
_________________
(١) المصنف برقم (٦٧٢٦).
(٢) المعجم الكبير (٣/ ٨٢)، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٦٢): "فيه حميد بن أبي زينب لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٣) المعجم الكبير (٣/ ٨٩)، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٣): "فيه الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو كذاب". [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "متهم". [¬٣]- في ز، خ: "قال". [¬٤]- في ز: "رشد". [¬٥]- ما بين المعكوفين في ز، خ: بن أبي. والمثبت من المعجم الكبير. [¬٦]- في ز، خ: خطاب. وهو تحريف. [¬٧]- ما بين المعكوفين في ز، خ: قال.
[ ١١ / ٢٣٤ ]
وسلم: أرأيت قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾؟ فقال: "إن هذا من المكتوم، ولولا أنكم سألتموني عنه لما أخبرتكم، إن الله وكل بي ملكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان: غفر الله لك. وقال [¬١] الله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين ولا يصلي أحد إلا قال ذالك الملكان: لا غفر الله لك. وقال [¬٢] الله وملائكته جوابًا لذينك الملكين: آمين".
غريب جدًّا، وإسناده فيه ضعف شديد.
وقد قال الإمام أحمد (^٢٧٢): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ؛ يقول [¬٣]: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبلغوني عن [¬٤] أمتي السلام".
وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش، كلاهما عن عبد الله بن السائب به.
فأما الحديث الآخر: "من صلي عَلَيّ عند قبري سمعته، ومن صلي علي من بعيد بُلغته" (^٢٧٣). ففي إسناده نظر. تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير، وهو متروك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا.
قال أصحابنا: ويستحب للمحرم إذا لبى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ، لما روي [] [¬٥] الشافعي (^٢٧٤) والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق؛ قال: كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي ﷺ علي كل حال.
وقال إسماعيل القاضي (^٢٧٥): حدثنا عارم بن الفضل، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا زكريا، عن الشعبي، عن وهب بن الأجدع؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب؛ يقول: إذا قدمتم
_________________
(١) المسند (١/ ٤٤١)، وسنن النسائي (٣/ ٤٣).
(٢) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد (٣/ ٢٩٢) من طريق الأصمعي عن السدي به، ثم روي بإسناد عن ابن قتيبة قال: سألت ابن نمير عن حديث: "من صلى عليَّ عند قبري" فقال: "دع ذا، محمد بن مروان ليس بشيء".
(٣) الأم (٢/ ١٣٤).
(٤) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٨١). [¬١]- في ز: "قال". [¬٢]- في ت: "قال". [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ت: "من". [¬٥]- في ز، خ: عن.
[ ١١ / ٢٣٥ ]
فطوفوا بالبيت سبعًا، وصلوا عند المقام ركعتين، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت، فكبروا سبع تكبيرات، تكبيرًا بين حمد الله وثناء عليه، وصلاة على النبي علي الله عليه وسلم، ومسألة لنفسك، وعلي المروة مثل ذلك.
إسناد جيد حسن قوي.
وقالوا: ويستحب الصلاة على النبي ﷺ مع ذكر الله عند الذبح، واستأنسوا بقوله تعالى: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ قال بعض المفسرين: يقول الله تعالى: "لا أذكر إلا ذكرت معي". وخالفهم في ذلك الجمهور، وقالوا: هذا موطن يفرد فيه ذكر الرب تعالى، كما عند الأكل، والدخول، والوقاع وغير ذلك، مما لم ترد فيه السنة بالصلاة على النبي ﷺ.
(حديث آخر) قال [القاضي إسماعيل] (^٢٧٦): حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن هارون، عن موسى بن عبيدة، عن محمد بن ثابت، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: "صلوا على أنبياء الله ورسله، فإن الله بعثهم كما بعثني".
في إسناده ضعيفان، وهما عمر بن هارون وشيخه، والله أعلم.
وقد رواه عبد الرزاق (^٢٧٧)، عن الثوري، عن موسى بن عبيدة الرّبَذي به.
ومن ذلك أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن، إن صح الخبر في ذلك، على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه (^٢٧٨)؛ فقال: حدثنا زياد بن يحيى، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله، عن [¬١] علي بن أبي رافع، عن أبيه [¬٢] أبي رافع؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا طنت أذن أحدكم فَلْيذكرني وليصل عليّ، وَلْيَقُلْ: ذَكَر الله مَن ذكرني بخير". إسناده غريب، وفي ثبوته نظر، والله أعلم.
[مسألة]
_________________
(١) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٤٥) وعمر بن هارون متروك، وموسي بن عبيدة ضعيف.
(٢) المصنف لعبد الرزاق برقم (٣١١٨).
(٣) ورواه الطبراني في المعجم الصغير (٢/ ١٢٠) وابن عدي في الكامل (٦/ ٤٥١) من طريق معمر به، وقال ابن عدي: "معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه منكر الحديث، مقدار ما يرويه لا يتابع عليه". [¬١]- في خ، ز: "بن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "عن".
[ ١١ / ٢٣٦ ]
وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي ﷺ كلما كتبه، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة، عن نهشل، عن الضحاك، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من صلي عليّ في كتاب، لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب" (^٢٧٩).
وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة.
وقد رُوي من حديث أبي هرووة، ولا يصح أيضًا (^٢٨٠)، قال الحافظُ أبو عبد الله الذهبي شيخُنا: أحسبه موضوعًا.
وقد رُوي نَحوُه عن أبي بكر، وابن عباس (^٢٨١). ولا يصح من ذلك شيء. والله أعلم.
وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه: "الجامع لآداب الراوي والسامع [¬١] "، قال: رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل ﵀ كثيرًا ما يكتب اسم النبي ﷺ من غير ذكر الصلاة عليه كتابة، قال: وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظًا (^٢٨٢).
[فصل]
وأما الصلاة على غير الأنبياء فإن كانت [¬٢] على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث: "اللهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته"، فهذا جائز بالإجماع، وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم فقال قائلون: يجوز ذلك. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾، وبقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ وبقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صلّ عليهم". وأتاه أبي بصدمته فقال: "اللهم صلِّ علي آل أبي أوفى". أخرجاه في الصحيحين.
_________________
(١) أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (١٦٩٩) من طريق أحمد بن جعفر الهاشمي عن سليمان بن الربيع عن كادح بن رحمة له.
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (٢٣٤) "مجمع البحرين" من طريق يزيد بن عياض عن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁.
(٣) أما حديث ابن عباس فسبق، وأما حديث أبي بكر فرواه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٤٩) من طريق أبي داود النخعي، عن أيوب بن موسى، عن القاسم، عن أبي بكر، ﵁، وداود النخعي وضاع.
(٤) الجامع لأخلاق الراوي (١/ ٢٧١) ثم قال عقبه: "وقد خالفه غيره من الأئمة المتقدمين في ذلك". [¬١]- في خ، ز: "والسائل". [¬٢]- في ز، خ: "كان".
[ ١١ / ٢٣٧ ]
وبحديث جابر: أن امرأته قالت: يا رسول الله؛ صل عليّ وعلي زوجي. فقال: "صلي الله عليك وعلي زوجك" (^٢٨٣).
وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن هذا قد صار شعارًا للأنبياء إذا ذكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: قال أبو بكر صلي الله عليه. أو قال علي صلي الله عليه. وإن كان المعنى صحيحًا. كما لا يقال: قال محمد ﷿، وإن كان عزيزًا جليلًا؛ لأن هذا من شعار ذكر الله ﷿. وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة علي الدعاء لهم؛ ولهذا لم يثبت شعارًا لآل أبي أوفى، ولا لجابر وامرأته. وهذا مسلك حسن.
وقال آخرون: لا يجوز ذلك؛ لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت [¬١] من شعار أهل الأهواء، يصلون على من يعتقدون فيهم، فلا يقتدي بهم في ذلك، والله أعلم.
ثم اختلف المانعون من ذلك: هل هو من باب التحريم، أو الكراهة [¬٢] التنزيهية، أو خلاف الأولى؟ على ثلاثة أقوال، حكاها الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب "الأذكار". ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه؛ لأنه شعار أهل البدع، وقد نهينا عن شعارهم، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود.
قال أصحابنا: والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في اللسان بالأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم -كما أن قولنا. ﷿، مخصوص بالله ﷾، فكما لا يقال: محمد ﷿، وإن كان عزيزًا جليلًا، لا يقال: أبو بكر -أو: علي - صلى الله عليه. هذا لفظه بحروفه. قال: وأما السلام، فقال الشيخ أبو محمد الجُوَيني من أصحابنا: هو في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليٌّ ﵇، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر فيخاطب به، فيقال: سلام عليكم، أو سلام عليك، أو السلام عليك أو عليكم. وهذا مجمع عليه. انتهي ما ذكره (^٢٨٤).
قلت: وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب، أن يفرد علي ﵁ بأن يقال: ﵇ من دون سائر الصحابة، أو: كرم الله وجهه وهذا وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يُسَاوي بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان [¬٣] وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه، ﵃ أجمعين.
_________________
(١) - تقدم تخريج هذين الحديثين في هذه السورة.
(٢) الأذكار ص (١٥٩، ١٦٠). [¬١]- في ز، خ: "صار". [¬٢]- في ز، خ: "الكراهية". [¬٣]- في خ: "قال شيخنا".
[ ١١ / ٢٣٨ ]
قال إسماعيل القاضي (^٢٨٥): حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب، [حدثنا عبد الواحد] [¬١] بن زياد، حدثني عثمان بن حكيم بن عَبَّاد بن حُنَيف، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: لا تصلح [¬٢] الصلاة على أحد إلا على النبي ﷺ ولكن يدعي للمسلمين والمسلمات بالاستغفار [¬٣].
وقال أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (^٢٨٦)، حدثنا حسين بن علي، عن جعفر بن بَرْقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز ﵀: أما بعد، فإن أناسًا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسًا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عِدْلَ الصلاة علي النبي ﷺ، فإذا جاءك كتابي هذا فَمُرْهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك. أثر حسن.
قال إسماعيل القاضي (^٢٨٧): حدثنا معاذ بن أسد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا ابن لهيعة، حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نُبَيه بن وهب: أن كعبًا دخل علي عائشة ﵂، فذكروا رسول الله ﷺ، فقال كعب: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي ﷺ، سبعون ألفًا بالليل، وسبعون ألفًا بالنهار، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يزفونه.
[فرع]
قال النووي: إذا صلى على النبي صبي الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، فلا يقتصر على أحدهما فلا يقل [¬٤]: صلى الله عليه فقط، ولا: ﵇ فقط. وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة وهي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فالأولى أن يقال: ﷺ تسليمًا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ
_________________
(١) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٧٥) ولفظه عنده "لا تصلوا علي أحد إلا على النبي ﷺ، ولكن يدعي للمسلمين والمسلمات بالاستغفار".
(٢) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (٧٦).
(٣) فضل الصلاة على النبي ﷺ برقم (١٠٢). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ت: "تصح". [¬٣]- في ت: "بالمغفرة". [¬٤]- في ت: "يقول".
[ ١١ / ٢٣٩ ]
احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.
يقول تعالى متهددًا ومتوعدًا من آذاه، بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره علي ذلك، وآذى رسوله بعيب أو تنقص، عياذًا بالله من ذلك.
قال عكرمة: في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، نزلت في المصوّرين.
وفي الصحيحين (^٢٨٨)، من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب ليله ونهاره". ومعنى هذا أن الجاهلية كانوا يقولون: يا خيبة الدهر؛ فعل بنا كذا وكذا. فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر ويسبونه، وإنما الفاعل لذلك هو الله ﷿، فنهى عن ذلك.
هكذا قرره [¬١] الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من العلماء ﵏.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، نزلت في الذين طعنوا في تزويجه صفية بنت حُيي بن أخطب.
والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، كما قال الإمام أحمد (^٢٨٩):
حدثنا يونس، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن عَبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي [¬٢]، عن عبد الرحمن [بن زياد] [¬٣]، عن عبد الله بن المغفل المزني قال: قال النبي ﷺ:
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٨٢٦)، وصحيح مسلم برقم (٢٢٤٦).
(٢) المسند (٤/ ٨٧) (١٦٨٥٣)، وعبيدة بن أبي رائطة: قال في التقريب: صدوق، روي له الترمذي. وعبد الله بن عبد الرحمن: وقيل: عبد الرحمن بن زياد، وقيل: عبد الرحمن بن عبد الله، قال ابن معين: لا أعرفه. وذكره ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: لكن ابن حبان لم يذكره إلا في عبد الله بن عبد الرحمن وتبع في ذلك البخاري وابن أبي حاتم، ثم إن البخاري لما ذكره حكي كلام من قال فيه عبد الرحمن بن زياد؛ قال: وفيه نظر. والحديث رواه الترمذي حديث ٣٨٦٢ من حديث عبد الرحمن بن زياد ويقال: إنه أخو عبيد الله بن زياد - عن ابن مغفل به نحوه. وقال: غريب لا أعرفه إلا من هذا الوجه. وأخرجه أيضًا المزي في تهذيب الكمال في ترجمة عبد الرحمن بن زياد. والحديث أخرجه أحمد في مسنده حديث (٢٠٦٠٥، ٢٠٦٠٦، ٢٠٦٣٥) (٥/ ٥٤، ٥٥، ٥٧). [¬١]- في خ، ز: "رواه". [¬٢]- في خ، ز: "التيمي". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ٢٤٠ ]
"الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غَرضًا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه".
وقد رواه الترمذي من حديث عُبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن المغفل به. ثم قال: وهذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾، أي: ينسبون إليهم ما هم بُرَآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه، ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، وهذا هو البهت البيّن أن يحكي أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه [¬١]، على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا [¬٢] الوعيد الكفرةُ بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين ينتقصون [¬٣] الصحابة ويعيبونهم بما قد بَرَّأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله ﷿ قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم وينتقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا، فهم في الحقيقة منكوسو [¬٤] القلوب، يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين.
وقال أبو داود: (^٢٩٠) حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز -يعني ابن محمد- عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: "ذكرُكَ أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول لقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه".
وهكذا رواه الترمذي، عن قتيبة، عن الدراوردي، به. [ثم] [¬٥] قال: حسن صحيح.
وقد قال ابن أبي حاتم (^٢٩١): حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام، عن عمار بن أنس، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "أي الربا أربى عند الله؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أربى الربا عند الله استحلالُ عرض امرئ مسلم"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الأدب برقم (٤٨٧٤)، وسنن الترمذي كتاب البر والصلة برقم (١٩٣٤).
(٢) ورواه البيهقي في شعب الإيمان برقم (٦٧١١) من طريق يحيى بن واضح عن عمار بن أنس، به. [¬١]- في خ، ز: "ينقلوه". [¬٢]- سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ت: "يتنقصون". [¬٤]- في ز، خ: "منكوسي". [¬٥]- سقط من ت.
[ ١١ / ٢٤١ ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاورُونَكَ فِيهَا إلا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَينَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.
يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ تسليمًا أن يأمر النساء المؤمنات خاصة أزواجه وبناته لشرفهن بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء. والجلباب هو: الرداء فوق الخمار. قاله [¬١] ابن مسعود، وعبيدة، وقتادة [¬٢]، والحسن البصري، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وعطاء الخراساني، وغير واحد. وهو بمنزلة الإزار اليوم.
قال الجوهري: الجلباب: الملحفة، قالت [¬٣] امرأة من هذيل ترثي قتيلًا لها:
تَمْشي النّسور إليه وَهْي لاهيَةٌ … مَشْيَ العَذَارَي عَلَيهنّ الجَلابيبُ (^٢٩٢)
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنات [¬٤] إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رءوسهن بالجلابيب، ويبدين عينًا واحدة.
وقال محمد بن سيرين: سألت عَبيدَةَ السلماني عن قول الله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى.
وقال عكرمة: تغطي ثُغْرَة نحرها بجلبابها تدنيه عليها.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٩٣)؛ أخبرنا أبو عبد الله الطَّهراني [¬٥] فيما كتب إليّ، حدثنا [¬٦] عبد
_________________
(١) الصحاح (١/ ١٠١).
(٢) تفسير عبد الرزاق (٢/ ١٠١) ورواه الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة عن عائشة مثله، وأخرجه البخاري في صحيحه برقم (٤٧٥٩). [¬١]- في ز، خ: "قال". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "قال". [¬٤]- في ت: "المؤمنين". [¬٥]- في ت: "الظهراني". [¬٦]- سقط من: خ.
[ ١١ / ٢٤٢ ]
الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن خُثَيم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سُود يلبسنها.
و[¬١] قال ابن أبي حاتم، حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح، حدثني الليث، حدثنا يونس يزيد قال: وسألناه -يعني الزهري-: هل علي الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة؟ قال: عليها الخمار إن كانت متزوجة، وتنهي عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر إلا محصنات، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.
وروي عن سفيان الثوري أنه قال: لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة، إنما ينهي عن ذلك لخوف الفتنة لا لحرمتهن. واستدل بقوله تعالى: ﴿ونساء المؤمنين﴾.
وقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾، أي: إذا فعلن ذلك عُرفْن أنَّهن حرائر، لسن بإماء ولا عواهر.
قال السدي في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَينَ﴾، قال: كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة، يتعرضون للنساء، وكانت مساكن أهل المدينة ضَيِّقة، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا: هذه حرة، كفوا عنها. وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب، قالوا: هذه أمة. فوثبوا إليها.
وقال مجاهد: يتجلببن فيعلم أنهن حرائر فلا يعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة.
وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي: لا سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك.
ثم قال تعالى متوعدًا للمنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر: ﴿والذين في قلوبهم مرض﴾ - قال عكرمة وغيره: هم الزناة هاهنا. ﴿والمرجفون في المدينة﴾، يعني: الذين يقولون: "جاء الأعداء"، "وجاءت الحروب". وهو كذب وافتراء -لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ﴿لنغْرينك بهم﴾، قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي لنسلطَّك عليهم.
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ٢٤٣ ]
وقال قتادة ﵀: لنحرشَنّك [¬١] بهم.
وقال السدي: لنعلمنك بهم. ﴿ثُمَّ لَا يُجَاورُونَكَ فِيهَا﴾، أي: في [¬٢] المدينة ﴿إلا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ﴾ حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين، ﴿أَينَمَا ثُقِفُوا﴾، أي: وجدوا، ﴿أُخِذُوا﴾ لذلتهم وقلتهم، ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾.
ثم قال: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾، أي: هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه. إن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، أي: وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير.
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَاليتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾
يقول تعالى مخبرًا لرسوله ﷺ: أنه لا علم له بالساعة، وإن سأله الناس عن ذلك. وأرشده أن يرد علمها إلى الله ﷿ -كما قل له في "سورة الأعراف". وهي مكية وهذه مدنية، فاستمر الحال في رَدّ علمها إلى الذي يقيمها، لكن أخبره أنها قريبة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾، كما قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. وقال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾. وقال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ﴾، أي: أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾، أي: في الدار الآخرة، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، أي: ماكثين مستمرين، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها، ﴿لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، أي: وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه.
ثم قال: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَاليتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، أي:
_________________
(١) [¬١]- بعده في خ: "عليهم". [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ٢٤٤ ]
يسحبون في النار على وجوههم وتلوى وجوههم على جهنم، يقولون وهم كذلك، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر عنهم في حال العرصات بقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيلَتَى لَيتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
وقال تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾. وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يَوَدون أن لو كانوا أطاعوا الله وأطاعوا الرسول في الدنيا، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾. وقال طاوس: سادتنا يعني الأشراف، وكبراءنا يعني العلماء. رواه ابن أبي حاتم.
أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئًا، وأنهم على شيء [فإذا هم ليسوا على شيء] [¬١]، ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬٢]﴾ قرأ بعض القراء (*) بالباء الموحدة. وقرأ آخرون (**) بالثاء المثلثة، وهما [قريبًا المعنى] [¬٣]، كما في حديث عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: "قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". أخرجاه في الصحيحين (^٢٩٤)، يروى "كبيرًا" و"كثيرًا" وكلاهما بمعنى صحيح.
واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر. بل الأولى أن يقول هذا تارة. وهذا تارة كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيتهما قرأ فَحَسَن، وليس له الجمع بينهما، والله أعلم.
وقال أبو القاسم الطبراني (^٢٩٥): حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضرار بن صُرَد، حدثنا علي بن هاشم [¬٤]، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه، في تسمية من شهد مع علي ﵁: الحجاج بن عمرو بن غَزيّة [¬٥]، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر
_________________
(١) (*) - وهم: ابن عامر، وعاصم. (**) - وهم: ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي.
(٢) صحيح البخاري، الأذان برقم (٨٣٤)، وصحيح مسلم، الذكر والدعاء برقم (٢٧٠٥).
(٣) المعجم الكبير (٣/ ٢٢٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ز: "كثيرًا". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "قريبان، يعني". [¬٤]- في خ، ز: "هشام". [¬٥]- في خ، ز: "عزمة".
[ ١١ / ٢٤٥ ]
الأنصار، أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَينِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [¬١]﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾
قال البخاري عند تفسير هذه الآية (^٢٩٦): حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا عوف، عن الحسن ومحمد [¬٢] وخلاس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن موسى كان رجلًا حَييًّا، وذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ".
هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرًا جدًّا، وقد رواه في أحاديث"الأنبياء" بهذا السند بعينه (^٢٩٧)، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن موسى ﵇ كان رجلا حييًّا ستيرًا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاهُ من آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدْرَة (*) وإما آفة". وإن الله ﷿ أراد أن يبرّئه مما قالوا لموسى ﵇، فخلا يومًا وحده، فخلع ثيابه على حجر. ثم اغتسل، فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حَجَرُ، ثوبي حَجرُ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله ﷿ وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لَنَدبًا (**) من أثر ضربه ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا- قال: فذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
وهذا سياق حسن مطول. وهذا الحديث من أفراد البخاري دون مسلم.
وقال الإمام أحمد (^٢٩٨): حدثنا روح، حدثنا عوف، عن الحسن، عن النبي صلى اللَّه عليه
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٩).
(٢) صحيح البخاري برقم (٣٤٠٤). (*) - الأدرة: انتفاخ كيس الصفن من سائل يتجمع فيه. (**) - النَّدَب: أثر الجرح. والمقصود أثر العصا.
(٣) السند (٢/ ١٥٤). [¬١]- في ز، خ: "كثيرًا". [¬٢]- سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ٢٤٦ ]
وسلم. وخلاس ومحمد، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾، قال: قال النبي ﷺ: "إن موسى كان رجلًا حييًّا ستيرًا، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياءً منه … ".
ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولًا. ورواه (*) في تفسيره عن روح، عن عوف، به. ورواه ابن جرير من حديث الثوري، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه بنحو هذا (^٢٩٩).
وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، وعبد الله بن الحارث، عن ابن عباس في قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ قال: قال قومه له: إنك آدر، فخرج ذات يوم يغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه، وخرج يتبعها عريانًا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل، قال: فرأوه ليس بآدر، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.
وهكذا روى [¬١] العوفي، عن ابن عباس سواء.
وقال الحافظ أبو بكر البزار (^٣٠٠): حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الأدمي قالا: حدثنا يحيى بن حماد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أنس عن النبي ﷺ؛ قال: "كان موسى ﵇ رجلا حييًّا، وإنه أتى -أحسبه قال: الماء- ليغتسل، فوضع ثيابه على صخرة، وكان لا يكاد تبدو عورته، فقال بنو إسرائيل: إن موسى آدر أو به آفة يعنون أنه لا يضع ثيابه -فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال، أو كما قال، فذلك قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين، حدثنا الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن علي بن أبي طالب ﵃ في قوله: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾.
قال: صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون ﵇، فقال بنو إسرائيل لموسى عليه
_________________
(١) (*) -أي: البخاري.
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٦).
(٣) مسند البزار برقم (٢٢٥٢) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي في المجمع (٧/ ٩٢): "وفيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو متروك". [¬١]- في ت: "رواه".
[ ١١ / ٢٤٧ ]
السلام: أنت قتلته، كان ألين [لنا منك] [¬١] وأشد حياء. فآذوه من ذلك، فأمر الله الملائكة فحملته، فمروا به على مجالس بني إسرائيل، فتكلمت بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرخم، وإن الله جعله أصم أبكم.
وهكذا رواه ابن جرير (^٣٠١)، عن علي بن موسى الطوسي، عن عباد بن العوام، به.
ثم قال: وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى، وجائز أن يكون الأول هو المراد، فلا قول أولى من قول الله ﷿.
قلت: يحتمل أن يكون الكل مرادًا، وأن يكون معه غيره، والله أعلم.
قال الإمام أحمد (^٣٠٢): حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن شقيق، عن عبد الله قال: قسم رسول الله ﷺ ذات يوم قسمًا، فقال رجل من الأنصار: إن هذه لقسمة [¬٢] ما أريد بها وجه الله. قال: فقلت: يا عدو الله، أما لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت. قال: فذكر ذلك [¬٣] للنبي ﷺ فاحمرّ وجهُه، ثم قال: "رحمة الله على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش، به.
(طريق أخرى) قال الإمام أحمد (^٣٠٣): حدثنا حجاج، سمعت إسرائيل بن يونس، عن الوليد بن أبي هاشم -مولى الهمداني- عن زيد بن أبي زائد، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا [¬٤] [سليم الصدر] [¬٥]، فأتى رسول الله ﷺ مال [¬٦] فقسمه، قال: فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه: والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة. قال: فَتَثبّتُّ حتى سمعتُ ما قالا، ثم أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، إنك قلت لنا: "لا يبلغني أحد [¬٧] في أصحابي شيئًا"، وإني مررت بفلان وفلان، وهما يقولان كذا وكذا. فاحمرّ وجهُ رسول الله ﷺ
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٧).
(٢) المسند (١/ ٣٨٠)، وصحيح البخاري برقم (٣٤٠٥)، وصحيح مسلم برقم (١٠٦٢).
(٣) المسند (١/ ٣٩٥). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ت: "منك لنا". [¬٢]- في ت: "القسمة". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في حاشية ز، خ هنا: "هاهنا سقط لعله ورقتين فإنه في نصف الكراس". [¬٥]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز. [¬٦]- في خ: "قال". [¬٧]- في ز، خ: "أحدًا".
[ ١١ / ٢٤٨ ]
وشَقَّ عليه، ثم قال: "دعنا منك، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر".
وقد رواه أبو داود (^٣٠٤) في الأدب، عن محمد [بن يحيى الذهلي، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل عن الوليد] [¬١] بن أبي هاشم به مختصرًا: "لا يبلغني أحد [من أصحابي] [¬٢] عن أحد شيئًا؛ إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر".
وكذا رواه الترمذي (^٣٠٥) في "المناقب" عن الذهلي سواء، إلا أنه قال: "زيد بن زائدة". ورواه أيضًا عن محمد بن إسماعيل، عن عبد الله بن محمد، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد، كلاهما عن إسرائيل، عن السدي، عن الوليد بن أبي هاشم، به مختصرًا أيضًا، فزاد في إسناده السدى، ثم قال: غريب من هذا الوجه.
وقوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. أي: له وجاهة وجاه عند ربه ﷿.
قال الحسن البصري: كان مستجاب الدعوة عند الله. وقال غيره من السلف: لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ولكن منع الرؤية لما يشاء الله ﷿.
وقال بعضهم: من وجاهته العظيمة: أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه، فأجاب الله سؤله، وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده المؤمنين بتقواه، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه، وأن يقولوا ﴿قَوْلًا سَدِيدًا﴾، أي: مستقيمًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف. ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك، أثابهم عليه بأن يصلح لهم [¬٣] أعمالهم، أي: يوفقهم للأعمال الصالحة، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية. وما قد يقع منهم [¬٤] في المستقبل يلهمهم التوبة منها [¬٥].
ثم قال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، وذلك أنه يجار من النار، ويصير إلى النعيم المقيم.
_________________
(١) سنن أبي داود، كتاب الأدب برقم (٤٨٦٠).
(٢) سنن الترمذي، كتاب المناقب برقم (٣٨٩٦). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "لهم". [¬٥]- في ز، خ: "فيها".
[ ١١ / ٢٤٩ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٣٠٦): حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عون، حدثنا خالد، عن ليث، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري قال [¬١]، صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الظهر، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا، فقال: "إن الله أمرني أن آمركم، أن تتقوا الله وتقولوا قولًا سديدًا". ثم أتى النساء فقال: "إن الله أمرني أن آمركن: أن تتقين الله وتقلن قولًا سديدًا".
وقال ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى": حدثنا محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد العزيز بن عمران الزهري. حدثنا عيسى بن سَمُرة [¬٢]، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: ما قام رسول الله ﷺ على المنبر إلا سمعته يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية. غريب جدًّا.
وروي [من حديث] [¬٣] عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب عن ابن عباس موقوفًا: من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله.
قال عكرمة: القول السديد: لا إله إلا الله.
وقال غيره: السديد: الصدق. وقال مجاهد: هو السداد. وقال غيره: هو الصواب. والكل حق.
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣﴾
قال العوفي، عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة، وعرضَها عليهم قبل أن يعرضها على
_________________
(١) ورواه أحمد في مسنده (٤/ ٣٩١) (١٩٥٤٥) من طريق شيبان عن ليث، به. وإسناده ضعيف ليث هو ابن أبي سليم -كما جاء مصرحًا به في رواية البزار. ورواه البزار حديث ٣١٤٨ "البحر الزخار". وهو في كشف الأستار، باب: الأمر بالتقوى (٤/ ٦٨) حديث ٣٢١٧. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٩٧) وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه ليث بن أبي سليم وهو مضطرب الحديث وبقية رجالهما رجال الصحيح. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "سبرة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١١ / ٢٥٠ ]
آدم، فلم يطقنها. فقال لآدم: إني قد عرضتُ الأمانةَ على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب، وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فأخذها آدم فتحملها، وذلك [¬١] قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم [لله] [¬٢]، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾، يعني: غِرًّا بأمر الله.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال: عرضت على آدم فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غَفَرتُ لك، وإن عَصَيت عذبتك. قال: قبلت. فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم، حتى أصاب الخطيئة.
وقد روى الضحاك، عن ابن عباس، قريبًا من هذا. وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، والحسن البصري، وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض.
وقال آخرون: هي الطاعة.
وقال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق: قال أبي بن كعب: من الأمانة [أن المرأة] [¬٣] اؤتمنت على فرجها.
وقال قتادة: الأمانة الدين والفرائض والحدود.
وقال بعضهم: الغسل من الجنابة.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة، والصوم، والاغتسال من الجنابة.
وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عُوقِبَ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله، وبالله المستعان.
_________________
(١) [¬١]- في ت: "فذلك". [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ٢٥١ ]
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا حماد بن واقد -يعني أبا عمر الصفار- سمعت أبا معمر -يعني عون بن معمر- يحدث عن الحسن -يعني البصري- أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. قالت: لا. ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا. ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا.
وقال مقاتل بن حيان: إن الله حين خلق خلقه، جمع بين الإنس والجن، والسماوات والأرض والجبال، فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكُن عليَّ الفضل والكرامة والثواب في الجنة؛ فقلن: يا رب، إنا لا نستطيع هذا الأمر، وليست بنا قوة، ولكنا لك مطيعين (*). ثم عرض الأمانة على الأرضين، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق، ولكنا لك سامعين مطعين (*)، لا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: ما لي عندك؟ قال: يا آدم، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة؛ فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة. وإن عصيت ولَم ترْعَها حق رعايتها وأسأت؛ فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار. قال: رضيت رب.
وتَحَمَّلها، فقال الله ﷿: قد حَمَّلْتُكَهَا. فذلك قوله: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾. رواه ابن أبي حاتم.
وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السماوات فقالت: يا رب، حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب، غرست في الأشجار، وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر، وما أريد ثوابًا ولا أحمل فريضة. وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ في عاقبة أمره. وهكذا قال ابن جريج.
و[¬١] عن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة، ضَجَجْنَ إلى الله ثلاثة أيام
_________________
(١) (*) كذا في ز، خ. [¬١]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ٢٥٢ ]
ولياليهن، وقلن: ربنا، لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم في هذه الآية: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، فقال الإنسان: بين أذني وعاتقي. فقال الله تعالى: إني مُعينك عليها، أي: معينك على عينيك بطبقتين [¬١]، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على لسانك بطبقتين [¬٢]، فإذا نازعك [¬٣] إلى ما أكره فأطبق. ومعينك على فرجك بلباس، فلا تكشفه إلى ما أكره.
ثم روى عن أبي حازم نحو هذا.
وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله ﷿: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، قال: إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثوابًا وعقابًا، ويستأمنهن على الدين. فقلن: لا، نحن مسخرات لأمرك [لا نريد ثوابًا ولا عقابًا] [¬٤]، قال: وعرضها الله على آدم فقال: بين أذني وعاتقي. قال ابن زيد: فقال الله تعالى له: أما إذْ تحملت هذا فسأعينك: أجعل لبصرك حجابًا، فإذا خشيت [¬٥] أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك بابًا وغلقًا، فإذا خشيت فأغلق. وأجعل لفرجك لباسًا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك [¬٦].
وقال ابن جرير (^٣٠٧): حدثني سعيد بن عمرو السّكُوني [¬٧]، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم بن عمير -وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: "إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول [الله، ومنهم نبي] [¬٨]، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله شيئًا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم. فليس
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٩) وله شاهد من حديث حذيفة أخرجه البخاري في صحيحه برقم (٦٤٩٧) وسيأتي. zzz. [¬١] - في خ: "تطيعين". [¬٢]- في خ: "قطيعين". [¬٣]- في ز، خ: نازعا. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "لا ثوابًا ولا عقابًا". [¬٥]- في ز، خ: "شئت". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "السكوتي". [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١١ / ٢٥٣ ]
أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وعمل إليّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك. فالحذر أيها الناس. وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملًا".
هذا حديث غريب جدًّا، وله شواهد من وجوه أخر [¬١].
ثم قال ابن جرير (^٣٠٨): حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجد الحنفي، أخبرنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة، وأبان بن أبي عياش، عن خُلَيد العَصَري [¬٢]، عن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن [¬٣]، وأعطى الزكاة من ماله طَيّب النفس بها، وكان يقول: وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، [وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلًا] [¬٤]، وأدى الأمانة". قالوا: يا أبا الدرداء؛ وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره.
وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داور [¬٥] القطان به.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ؛ أنه قال: "القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها -أو قال: يكفر كل شيء- إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أن أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك. فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به [¬٦] إلى أمه الهاوية. فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها، فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج زَلّت، فيهوى [¬٧] في أثرها أبد الأبدين. قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٣٩)، وسنن أبي داود "كتاب الصلاة برقم (٤٢٩). [¬١]- في ت: "أخرى". [¬٢]- في ز، خ: "القيصري". [¬٣]- في ز، خ: "مراتبتهن". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٥]- في ت: "داود". [¬٦]- سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ت: "فهوى".
[ ١١ / ٢٥٤ ]
ذلك الودائع. فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. قال شريك: ليحدثنا عياش [¬١] العامري، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ، بنحوه. ولم يذكر "الأمانة في الصلاة وفي كل شيء" (^١). إسناده جيد، ولم يخرجوه.
ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^٢):
حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة؛ قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا: "أن الأمانة نزلت في جذر (^٣) قلوب الرجال، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة". ثم حدثنا عن رفع الأمانة. فقال: "ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل أثر [الوكت (^٤)، فتقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها] [¬٢] مثل أثر المجل (^٥) كجمر دحرجته [على رجلك، تراه مُنتبرا (^٦) وليس فيه شيء" قال: ثم أخذ حصى فدحرجه] [¬٣] على رجله- قال: "فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا، حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه [¬٤] وأعقله، وما في قلبه حبة من خردل من إيمان." ولقد أتى عَلَيَّ زمان وما أبالي أيكم بايعت، إن كان مسلمًا ليردنه على دينه، وإن كان نصرانيًّا أو يهوديًّا ليردنه على ساعيه، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا.
وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش به.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٢/ ٤٠).
(٢) المسند (٥/ ٣٨٣) (٢٣٣٦٢)، وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق، كتاب: رفع الأمانة (١١/ ٣٤١ / رقم: ٦٤٩٧) وطرفاه في (٧٢٧٦، ٧٠٨٦). ومسلم في كتاب الإيمان، باب: رفع الأمانة والإيمان من بعض القلوب (١/ ١٢٦، ١٢٧ / رقم: ١٤٣). والترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء في رفع الأمانة. (/ ٤/ ٤٧٤، ٤٧٥ رقم: ٢١٧٩). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في كتاب الفتن، باب: ذهاب الأمانة (٢/ ١٣٤٦ / رقم: ٤٠٥٣). كلهم من طريق الأعمش به.
(٣) - أي: في أصلها.
(٤) - الوكت: جمع وكتة وهي الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه.
(٥) - يقال: مجلت يده من العمل مَجْلًا: إذا تقرّحت من العمل وتكون بين الجلد واللحم فيها ماء بإصابة نار أو مشقة أو معالجة الشيء الخشن.
(٦) - أي: وَرِمًا. [¬١]- في ز: "عبد الله". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من. خ، ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- في ز: "وأطرفه".
[ ١١ / ٢٥٥ ]
وقال الإمام أحمد (^٣١١): حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد الحضرمي، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طُعمة".
هكذا رواه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقد قال الطبراني (^٣١٢) في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب: حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن ابن حُجَيرة، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة". فزاد في الإسناد: "ابن حُجَيرة"، وجعله من مسند ابن عمر.
وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في "كتاب الزهد" (^٣١٣): حدثنا شريك، عن أبي إسحاق الشيباني، عن خُنَاس بن سُحَيم -أو قال: جَبَلَة [¬١] بن سُحَيم- قال: أقبلت مع زياد بن حُدير من الجابية فقلتُ في كلامي: لا والأمانة. فجعل زياد يبكى ويبكى، فظننت أني أتيتُ أمرًا عظيمًا، فقلت له: أكان يكره هذا؟ فقال: نعم. كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، قال أبو داود (^٣١٤): حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من حلف بالأمانة فليس منا". تفرد به أبو داود، ﵀.
وقوله تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، أي: إنما حمل ابن آدم الأمانة -وهي التكاليف- ليعذب الله [¬٢] المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفًا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله، ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك باللَّه ﷿ ومخالفة رسله، ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
_________________
(١) المسند (٢/ ١٧٧).
(٢) مجمع الزوائد (٤/ ١٤٥) وقال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني في الكبير، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح".
(٣) الزهد برقم (٢١٣).
(٤) سنن أبي داود، كتاب الأيمان والنذور، باب: كراهية الحلف بالأمانة برقم (٣٢٥٣)، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٨) "موارد" من طريق وكيع عن الوليد بن ثعلبة، به. [¬١]- في ز، خ: "خيلة". [¬٢]- سقط من: خ.
[ ١١ / ٢٥٦ ]
وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، أي: وليرحم المؤمنين من الخلق [الذين آمنوا] [¬١] بالله وملائكته [¬٢] وكتبه ورسله العاملين بطاعته، وكان الله غفورًا رحيمًا.
* * *
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- سقط من: ز، خ.
[ ١١ / ٢٥٧ ]