﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾
يخبر تعالى أنه نزل الكتاب على عبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين ووصف نفسه بالعزة التي لا ترام، والحكمة في الأقوال والأفعال، ثم قال: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾ أي: لا على وجه العبث والباطل، ﴿وأجل مسمى﴾ أي: وإلى مدة معينة مضروبة لا تزيد ولا تنقص.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ أي: لاهون [¬١] عما يراد بهم، وقد أنزل إليهم كتاب وأرسل إليهم رسول، وهم معرضون عن ذلك كله، أي: وسيعلمون غِبَّ (*) ذلك.
ثم قال: ﴿قُلْ﴾ أي: لهؤلاء المشركين العابدين مع الله غيره: ﴿أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: ولا شرك لهم في السموات ولا في الأرض، وما يملكون من قطمير، إنِ الملكُ والتصرّفُ كُلّه إلا لله ﷿ فكيف تعبدون معه غيره، وتشركون به؟ مَن أرشدكم إلى هذا؟ مَن دعاكم إليه؟ أهو
_________________
(١) (*) الغِبُّ من كل شيء: عاقبته وآخره. [¬١]- في ز، خ: "لاهين".
[ ١٣ / ٥ ]
أمركم به؟ أم هو شيء اقترحتموه من عند أنفسكم؟ ولهذا قال: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: هاتوا كتابًا من كتب الله المنزلة على الأنبياء [¬١]- عليهم الصلاة والسلام - يأمركم بعبادة هذه الأصنام، ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أو [¬٢] دليل بيّن على هذا المسلك الذي سلكتموه ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ إذ [¬٣]: لا دليل لكم نقليًّا ولا عقليًّا على ذلك. ولهذا قرأ آخرون: (أو أثرَة من علم) أي: أو علم صحيح [يأثرونه عن] [¬٤] أحد ممن قبلهم، كما قال مجاهد في قوله: ﴿أو أثارة عن علم﴾: أو أحد يأثُر علمًا. وقال العوفي عن ابن عباس: أو بينة من الأمر.
وقال الإمام أحمد (^١): حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثنا صفوان بن سُلَيم [¬٥]، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ابن عباس- قال سفيان: لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه
_________________
(١) - المسند (١/ ٢٢٦) (١٩٩٢) وإسناده صحيح، رجاله رجال الشيخين؛ إلا أنه ليس على شرط واحد منهما؛ فإن رواته صفوان ليس سليم عن أبي سلمة لم يخرجها من الستة غير النسائي، وقد صحح هذا الحديث العلامة أحمد شاكر في "تعليقه على المسند". والحديث رواه أيضًا الطبراني في الكبير (١٠/ ٣٦٣) (١٠٧٢٥)، وفي الأوسط (٢٦٩) من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الخط فقال: هو أثارة من علم. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤) لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٩٧)، (٧/ ١٠٨) وعزاه لأحمد والطبراني ثم قال: ورجال أحمد رجال الصحيح. ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٤) من طريق محمد بن كثير العبدي، ثنا سفيان، عن صفوان به موقوفًا على ابن عباس ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وقد أُسنِد عن الثوري من وجه غير معتمد". وقد أقر الذهبي الحاكم في تصحيحه هذا الحديث على شرط الشيخين وهو وهم منهما رحمهما الله- فإن رواته صفوان عن أبي سلمة ليست في الصحيحين ولا في أحدهما كما سبق بيانه. وقول الحاكم: "وقد أسند عن الثوري من وجه غير معتمد" لا أراه صحيحًا فإنه من رواية يحيى، عن سفيان ورفع الحديث لا يعد علة؛ فإنه رواية ثقة فيه زيادة علم وزيادة الثقة مقبولة. وقد رواه أيضًا ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ٢) من طريق أبي عاصم النبيل، عن سفيان بهذا الإسناد موقوفًا. ورواه الحاكم (٢/ ٤٥٤)، والطبراني في الصغير (٤٧٢) من طريق عمرو بن الأزهر، عن ابن عون، عن الشعبي، عن ابن عباس في قوله: "أو أثارة من علم" قال: جودة الخط، قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن ابن عون إلا عمرو بن الأزهر. قلت: عمرو بن الأزهر هو العتكي قاضي جرجان ضعفه ابن معين، وقال البخاري: يرمى بالكذب، وقال النسائي وغيره: متروك، واتهمه أحمد. له ترجمة في الميزان (٤ / الترجمة ٦٣٢٨) وذكر هذا الحديث من مناكيره. [¬١]- في ز، خ: "أنبيائهم". [¬٢]- في ت: "أي". [¬٣]- في: ت: "أي". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "مما يرونه عن". [¬٥]- في ز: "حكيم".
[ ١٣ / ٦ ]
وسلم -: (أو أَثَرَة من علم) قال: "الخط".
وقال أبو بكر بن عياش: أو بقية من علم.
وقال الحسن البصري: أو آثارة شيء يستخرجه فيثيره.
وقال ابن عباس ومجاهد وأبو بكر بن عياش أيضًا: ﴿أو أثارة عن علم﴾ يعني: الخط.
وقال قتادة: ﴿أو أثارة من علم﴾: خاصة من علم.
وكل هذه الأقوال متقاربة وهي راجعة إلى ما قلناه، وهو اختيار ابن جرير ﵀ وأكرمه وأحسن مثواه.
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ أي: لا أضل ممن يدعو أصنامًا، ويطلب منها ما لا تستطيعه إلى يوم القيامة، وهي غافلة عما يقول [¬١]، لا تسمع ولا تبصر ولا تبطش، لأنها جماد، حجَارة، صُمّ.
وقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا﴾ أي: سيخونونهم [¬٢] أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل: ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن المشركين في كفرهم وعنادهم: إنهم إذا تتلى عليهم آيات الله
_________________
(١) [¬١]- بياض في ز، خ. [¬٢]- غير واضحة في ز.
[ ١٣ / ٧ ]
بينات، أي: في حال بيانها ووضوحها وجلائها، يقولون: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: سحر واضح، وقد كَذَبوا وافتروا وضَلُّوا وكفروا. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعنون محمدًا ﷺ. قال الله: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي: لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني - وليس كذلك - لعاقبني أشد العقوبة، ولم يَقْدرْ أحد [من أهل الأرض] [¬١]، لا أنتم ولا غيركم، أن يجيرني منه، كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إلا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ قال: تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾. ولهذا قال هاهنا: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَينِي وَبَينَكُمْ﴾. هذا تهديد لهم، ووعيد أكيد، وترهيب شديد.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾: ترغيب لهم إلى التوبة والإِنابة، أي: ومع هذا كله [¬٢] إن رجعتم وتبتم، تاب عليكم وعفا عنكم، وغفر ورحم. وهذه الآية كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: لست بأول رسول طرق العالم، بل قد جاءت الرُّسل من قبلي، فما أنا بالأمر الذي لا نظير له حتى تستنكروني وتستبعدوا [¬٣] بعثتي إليكم، فإنه قد أرسل الله قبلي جميع الأنبياء إلى الأمم.
قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ ما أنا بأول رسول. ولم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك.
وقوله: ﴿وَمَا [¬٤] أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: نزل بعدها ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾. وهكذا قال عكرمة، والحسن، وقتادة: إنها منسوخة بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾، قالوا: ولما نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين: هذا قد بيّن الله ما هو فاعل بك يا رسول الله، فما هو فاعل بنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾.
هكذا قال، والذي هو ثابت في الصحيح (^٢) أن المؤمنين قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله،
_________________
(١) - سيأتي تخريجه في أول سورة الفتح / الآية (١) من حديث أنس. [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- في ز، خ: "وتستبعدون". [¬٣]- سقط من: خ. [¬٤]- في ز، خ: "ولا".
[ ١٣ / ٨ ]
فما لنا؟ فأنزل الله هذه الآية.
وقال الضحاك: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ و[¬١] ما أدري بماذا أومر وبماذا أنهى بعد هذا؟
وقال أبو بكر الهذلي، عن الحسن البصري في قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال: أما في الآخرة فمعاذ الله قد علم أنه في الجنة، ولكن قال: لا أدري ما يفعل بي ولا بكم في الدنيا، أخرج [¬٢] كما أخرجت الأنبياء قبلي؟ أم أقتل كما قتلت الأنبياء من قبلي؟ ولا أدري أَيُخسف بكم أو تُرمَون كالحجارة.
وهذا القول هو الذي عَوَّل عليه ابن جرير، وأنه لا يجوز غيره، ولا شك أن هذا هو اللائق به صلوات الله وسلامه عليه فإنه بالنسبة إلى الآخرة جازم أنه يصير إلى الجنة هو ومن اتبعه، وأما في الدنيا فلم يدر ما كان يئول إليه أمره وأمر مشركي قريس إلى ماذا؛ أيؤمنون أم يكفرون فيعذبون فيستأصلون بكفرهم [¬٣]؟ فأما الحديث الذي رواه الإِمام أحمد (^٣):
حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن شهاب، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء - وهي امرأة من نسائهم - أخبرته - وكانت بايعت رسول الله، ﷺ قالت: طار لهم في السُّكنى - حين اقترعت [¬٤] الأنصار على سكنى المهاجرين - عثمان بن مظعون فاشتكى عثمان عندنا فَمرَّضناه، حتى إذا توفي أدْرَجناه في أثوابه، فدخل علينا رسول الله ﷺ، فقلت: رحمةُ الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك، لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك أن الله أكرمه؟ ". فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي! فقال رسول الله ﷺ: "أما هو [¬٥] فقد [¬٦]، جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما [¬٧] أدري وأنا
_________________
(١) - المسند (٦/ ٤٣٦) قال: حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد (ح) ويعقوب قال: حدثنا أبي … فذكر الحديث كما نقله المصنف. ورواه أحمد أيضًا فقال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري … فذكر الحديث إلا أنه قال: "ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم". ورواه البخاري في "صحيحه" في كتاب الجنائز، باب: الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه الحديث (١٢٤٣) من طريق عقيل، عن الزهري مثل رواية أحمد الأولى. وكذا رواه في مناقب الأنصار، باب: مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة حديث ٣٩٢٩) وفي كتاب التعبير، باب: رؤيا النساء = [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ز، خ: "أخرجت". [¬٣]- في- ز، خ: "كفرهم". [¬٤]- في ز، خ: "أقرعت". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "ذلك". [¬٧]- في ز، خ: "لا".
[ ١٣ / ٩ ]
رسول الله ما يفعل بي! ". قالت: فقلت: والله لا أزكي أحدًا بعده أبدًا. وأحزنني ذلك، فنمت فرأيت لعثمان عينًا تجري، فجئت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بذلك، فقال رسول الله ﷺ: "ذاك عمله".
فقد انفرد بإخراجه البخاري، دون مسلم وفي لفظ له: "ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به". وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها: فأحزنني ذلك. وفي هذا وأمثاله دلالة على أنه لا يقطع لمُعيَّن بالجنة إلا الذي نص الشارع على تعيينهم، كالعشرة، وابن سلام، والغُميصاء، وبلال، وسراقة، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر، والقراء السبعين الذين قتلوا ببئر معونة، وزيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، وما أشبه هؤلاء.
وقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ أي: إنما أتبع ما ينزله الله عليَّ من الوحي، ﴿وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: بين النَّذارة، وأمري ظاهر لكل ذي لب وعقل.
﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾
يقول تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد؛ لهؤلاء المشركين الكافرين بالقرآن: ﴿أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ﴾ هذا القرآن ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ أي: ما ظنكم أن الله صانع بكم إن كان هذا الكتاب الذي جئتكم به قد أنزله عليَّ لأبلغكموه وقد كَفَرتم به وكذبتموه، ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: وقد شهدَتْ بصدقه وصحته الكتب المتقدمة المنزلة على الأنبياء قبلي، بشرت به وأخبرت بمثل ما أخبر هذا القرآن به.
_________________
(١) = حديث (٧٠٠٣)، ورواه في كتاب التعبير، باب: العين الجارية في المنام حديث (٧٠١٨) من طريق معمر به، مثل رواية أحمد الثانية. وفي الشهادات، باب: القرعة في المشكلات حديث (٢٦٨٧)، وفي كتاب التعبير، باب: رؤيا النساء حديث (٧٠٠٤) بلفظ: "ما أدرى ما يفعل به". =
[ ١٣ / ١٠ ]
وقوله: ﴿فَآمَنَ﴾ أي: هذا الذي شهد [¬١] بصدقه من بني إسرائيل لمعرفته بحقيته.
﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ أنتم عن اتباعه.
وقال مسروق: فآمن هذا الشاهد بنبيه وكتابه، وكفرتم أنتم بنبيكم وكتابكم ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. وهذا الشاهد اسم جنس يعم عبد الله بن سَلَام وغيرَه، فإن هذه الآية مكية نزلت قبل إسلام عبد الله بن سلام، وهذه كقوله: ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾.
قال مسروق، والشعبي: ليس بعبد الله بن سلام، هذه الآية مكية، وإسلام عبد الله بن سلام كان بالمدينة. رواه عنهما ابن جرير وابن أبي حاتم، واختاره ابن جرير (^٤).
وقال مالك، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: ما سمعت رسول الله، ﷺ يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: "إنه من أهل الجنة". إلا لعبد الله بن سلام، قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ (^٥).
_________________
(١) - أمَّا الرواية عن مسروق فرواها ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ٩) أن داود بن أبي هند سئل عن قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾. . … الآية. قال داود: قال عامر: قال مسروق: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام، ما نزلت إلا بمكة، وما أسلم عبد الله إلا بالمدينة، ولكنها خصومة خاصم محمد ﷺ بها قومه. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٧) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم. وأمَّا الرواية عن الشعبي: فرواها ابن جرير (٢٦/ ٩) من طريق داود بن أبي هند، عن الشعبي قال: إن ناسًا يزعمون أن الشاهد على مثله عبد الله بن سلام وأنا أعلم بذلك، وإنما أسلم عبد الله بالمدينة وقد أخبرني مسروق أن آل (حم)، إنما أنزلت بمكة وإنما كان محاجة رسول الله ﷺ لقومه. وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور (٧/ ٦) عن الشعبي أنه قال: "ما نزلت في عبد الله بن سلام ﵁ شيء من القرآن" وعزاه لابن المنذر.
(٢) - رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب: مناقب عبد الله بن سلام ﵁، حديث (٣٨١٢)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: من فضائل عبد الله بن سلام، ﵁، حديث (٢٤٨٣) (١٤٧)، والنسائي في فضائل الصحابة حديث (١٤٨)، وأحمد في مسنده (١/ ١٦٩، ١٧٧) من طريق مالك عن أبي النضر به. = [¬١]- في ز، خ: "جاء".
[ ١٣ / ١١ ]
رواه البخاري ومسلم والنسائي، من حديث مالك، به. و[¬١] كذا قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وعكرمة، ويوسف بن عبد الله بن سلام، وهلال بن يَسَاف [¬٢]، والسدي، والثوري، ومالك بن أنس، وابن زيد أنهم كلهم قالوا: إنه عبد الله بن سلام.
وقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ أي: قالوا عن المؤمنين بالقرآن: لو كان القرآن خيرًا ما سبقنا [¬٣] هؤلاء إليه. يعنون بلالًا وعمارًا وصُهَيبًا [¬٤] وخبابًا وأشباههم وأقرانهم من المستضعفين والعبيد والإِماء، وما ذاك إلا لأنهم عند أنفسهم يعتقدون أن لهم عند الله وجاهة وله بهم عناية.
وقد غلطوا في ذلك غلطًا فاحشًا، وأخطئوا خطأ بينًا، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا﴾ أي: يتعجبون: كيف اهتدى هؤلاء دوننا؟ ولهذا قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾ وأما أهل السنة والجماعة فيقولون [¬٥] في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة، لأنه لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها.
وقوله: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ أي: كذب. ﴿قَدِيمٌ﴾ أي: مأثور عن الأقدمين، فينتقصون [¬٦] القرآن وأهله، وهذا هو الكبر الذي قال رسول الله ﷺ: "بَطَر الحق، وغَمْص [¬٧] الناس" (^٦).
ثم قال: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾، وهو التوراة ﴿إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ﴾، يعني القرآن ﴿مُصَدِّقٌ﴾ أي: لما قبله من الكتب ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: فصيحًا بينًا واضحًا، ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: مشتمل على النّذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين.
_________________
(١) = وقوله: (قال: وفيه نزلت: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ القائل هو مالك، كما رجحه الحافظ في فتح الباري (٧/ ١٣٠) وهذا الزيادة موجودة عند البخاري وحده ولم يذكرها مسلم ولا أحمد والنسائي.
(٢) - تقدم تخريجه في تفسير سورة لقمان عند الآية (١٩). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز: "يسار"، في خ: "بشار". [¬٣]- في ز: "سبقونا". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في خ: "فتنغصوا". [¬٧]- في ت: "وغمط".
[ ١٣ / ١٢ ]
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ تقدم تفسيرها في سور (حم السجدة).
وقوله: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ﴾ أي: فيما يستقبلون، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، على ما خلفوا، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: الأعمال سبب لنيل الرحمة لهم وسُبُوغها [¬١] عليهم.
﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾
لما ذكر تعالى في الآية الأولى التوحيدَ له وإخلاص العبادة والاستقامة إليه - عطف بالوصية بالوالدين، كما هو مقرون في غير ما آية من القرآن، كقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾ وقال: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة. وقال هاهنا: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ﴾ أي: أمرناه بالإحسان إليهما والحنو عليهما.
وقال [¬٢] أبو داود الطيالسي (^٧): حدثنا شعبة، أخبرني سماك بن حرب قال [¬٣]: سمعت مُصْعب بن سعد يحدث عن سعد قال: قالت أم سعد لسعد [¬٤]: أليس قد أمر الله بطاعة الوالدين، فلا آكل طعامًا، ولا أشرب شرابًا حتى [¬٥] تكفر بالله. فامتنعتْ من الطعام والشراب، حتى جعلوا يفتحون [فاها بالعصا] [¬٦]، ونزلت هذه الآية ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ
_________________
(١) - مسند الطيالسي (٢٠٨) وقد تقدم تخريجه في سورة النساء (٤٤٧). [¬١]- في ز، خ: "وشياعها". [¬٢]- في ت: وقال: [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ت: "فلها بالعصما".
[ ١٣ / ١٣ ]
بِوَالِدَيهِ حُسْنًا﴾. الآية.
ورواه مسلم وأهل السنن إلَّا ابن ماجة من حديث شعبة بإسناده نحوه [¬١] وأطول منه.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ أي: قاست بسببه في حال حمله مشقة وتعبًا، من وِحَام وغشيان وثقل وكرب، إلى غير ذلك مما تنال الحوامل من التعب والمشقة، ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي: بمشقة أيضًا من الطلق وشدته، ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ﴾.
وقد استدل علي ﵁ بهذه الآية مع [¬٢] التي في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾، [وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾] [¬٣]، على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وهو استنباط قوى صحيح. ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة ﵃.
قال محمد بن إسحاق بن يسار (^٨): عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن بَعجَةَ [¬٤] بن عبد الله الجهني قال: تزوج رجل منا امرأة من جُهَينة، فولدت له لتمام ستة أشهر، فانطلق زوجها إلى عثمان فذكر ذلك له، فبعث إليها، فلما قامت لتلبس ثيابها بكت أختها، فقالت: ما يبكيك؟! فوالله ما التبس لي أحد من خلق الله غيره قط، فيقضي الله فيّ ما شاء، فلما أُتيَ بها عثمان أمر برجمها، فبلغ ذلك عليًّا فأتاه، فقال له: ما تصنع؟ قال: ولدتْ تمامًا لستة أشهر، وهل يكون ذلك؟ فقال له: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. وقال: ﴿حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾. فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، قال: فقال عثمان: والله ما [¬٥] فطنت لهذا، عليّ بالمرأة. فوجدوها قد فُرِغَ منها، قال: فقال بَعْجَةُ: فوالله ما الغراب بالغراب، ولا البيضة بالبيضة بأشبه منه بأبيه [] [¬٦]. فلما رآه أبوه قال: ابني! والله لا أشك فيه. قال: وأبلاه الله بهذه القرحة قرحة الأكلة [¬٧] فما [¬٨] زالت تأكله حتى مات. رواه ابن أبي حاتم،
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ رقم ١٨٥٦٦) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩) وزاد نسبته لابن المنذر، ورجال إسناده ثقات، إلَّا ابن إسحاق فإنه صدوق، لكنه يدلس وقد عنعن هنا فلا تقبل روايته وقد تقدم الخبر من طريق أخرى في تفسير سورة الزخرف الآية (٨١). [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ت: "على". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "معمر". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "على". [¬٧]- في خ: "الأكلمة". [¬٨]- في ز، خ: "ما".
[ ١٣ / ١٤ ]
وقد أوردناه من وجه آخر عند قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المَغْرَاء [¬١]، حدثنا علي بن مُسْهِر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر، كفاه من الرضاع أحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لسبعة أشهر كافاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعته لستة أشهر فحولين كاملين، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾.
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي: قوي وشب وارتجل ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ أي: تناهى عقله وكمل فهمه وحلمه. ويقال: إنه لا يتغير غالبًا عما يكون عليه ابن [¬٢] الأربعين.
قال أبو بكر بن عياش (^١٠): عن الأعمش، عن القاسم بن عبد الرحمن قال [¬٣]: قلت لمسروق: متى يؤخذ الرجل بذنوبه؟ قال: إذا بَلَغْتَ الأربعين، فَخُذْ حذرك.
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^١١): حدثنا عُبَيد [¬٤] الله القواريري، حدثنا عزرة بن قيس الأزدي - وكان قد بلغ مائة سنة - حدثنا أبو الحسن السلولي عنه وزادني قال: قال [¬٥] محمد بن عمرو بن عثمان، عن عثمان، عن النبي ﷺ قال: "العبد المسلم إذا بلغ أربعين سنة، خفف الله حسابه، وإذا بلغ ستين سنة رزقه الله الإنابة إليه، وإذا بلغ سبعين سنة أحبَّه أهل السماء، وإذا بلغ ثمانين سنة ثبت الله حسناته ومحا سيئاته، وإذا بلغ تسعين سنة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشَفَّعه الله في أهل
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠ / حديث ١٨٥٦٧) وإسناده حسن ورجاله ثقات، غير فروة بن أبي المغراء، فإنه صدوق روى له البخاري والترمذي. والأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩)، وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد.
(٢) - ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٩) وعزاه لابن أبي حاتم.
(٣) - في إسناده عزرة بن قيس الأزدي وهو ضعيف، ضعفه ابن معين، وقال البخاري: لا يتابع على حديثه ترجمته في الميزان (٣ / الترجمة ٥٦١٦) والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٨) وقال: "رواه أبو يعلى في الكبير وفيه عزرة بن قيس الأزدي وهو ضعيف". وأيضًا محمد بن عمرو بن عثمان لم أجد له ترجمة، وعمرو بن عثمان بن عفان لم أجد في الرواة عنه ابنه محمد ولم يذكر أحد ممن ترجمه أن له ابنًا يسمى محمد ولم أجده كذلك في الرواة عن عثمان ولعله يكون محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان وهو صدوق، روى له ابن ماجة لكن ليست له رواية عن عثمان ﵁ ولا يصح أن يكون سمع منه. [¬١]- في ز، خ: "الفداء". [¬٢]- في ز، خ: "بين". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "عبد". [¬٥]- سقط من: خ.
[ ١٣ / ١٥ ]
بيته، وكتب في السماء: أسير الله في أرضه".
وقد روي هذا من غير هذا الوجه، وهو في مسند الإمام أحمد.
وقد قال الحجاج بن عبد الله الحكمي [¬١] أحد أمراء بني أمية بدمشق: تركت المعاصي والذنوب [] [¬٢] أربعين سنة حياء من الناس، ثم تركنها حياء من الله ﷿.
وما أحسن قول الشاعر:
صَبَا مَا صَبَا حَتَّى عَلَا الشَّيْبُ رَأْسَهُ … فَلَمَّا عَلَاهُ قَال لِلْبَاطِلِ: ابطُلِ
﴿قَال رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ أي: ألهمني ﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ أي: في المستقبل، ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ أي: نسلي وعَقبي، ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. وهذا فيه إرشاد لمن بلغ الأربعين يجدد التوبة والإِنابة إلى الله ﷿ ويعزم [¬٣] عليها.
وقد روى أبو داود في سننه (^١٢)، عن ابن مسعود ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم أن يقولوا في التشهد: "اللهم، ألِّف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سُبُل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجَنِّبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها قابليها، وأتممها علينا [إنك أنت التواب الرحيم] [¬٤]. قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: هؤلاء المتصفون بما ذكرنا، التائبون إلى الله المنيبون إليه، المستدركون ما فات بالتوبة والاستغفار، هم الذين يتقبل عنهم أحسن ما عملوا، ويتجاوز عن سيئاتهم] [¬٥] فيغفر لهم الكثير من الزلل، ويتقبل منهم اليسير من العمل، ﴿فِي
_________________
(١) - سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب: التشهد حديث (٩٦٩) من طريق شريك القاضي، عن جامع - يعني ابن شداد - عن أبي وائل، عن ابن مسمود كذا وقع في سنن أبي داود "ابن شداد" وهو خطأ والصواب "ابن إلى راشد" كذا قال المزى في تحفة الأشراف (٧ / حديث ٩٢٣٩) وهو حديث ضعيف من هذه الطريق فإن في إسناده شريكًا القاضي وهو ضعيف. والحديث رواه ابن حبان في صحيحه (٩٩٦) من طريق شريك، عن جامع بن شداد، عن أبي وائل، عن ابن مسعود. ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٢٦٥)، والطبراني في الكبير (١٠٤٢٦) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٤/ ١١٠) من طريق شريك عن جامع بن أبي راشد به. وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وله شاهد من حديث = [¬١]- في ز، خ: "الحليمي". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في: ز، خ "الله". [¬٣]- في خ: "ويقوم". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ١٦ ]
أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ أي: هم في جملة أصحاب الجنة، وهذا حكمهم عند الله كما وَعَد الله من تاب إليه وأناب، ولهذا قال: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
قال ابن جرير (^١٣): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن الحكم بن أبان، عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ، عن الروح الأمين - عليه [¬١] السلام - قال: "يؤتى بحسنات العبد وسيئاته، فيقتص بعضها ببعض، فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة". قال: فدخلتُ على يزداد [¬٢] فَحُدِّث بمثل هذا الحديث [¬٣] قال: قلت: فإن ذهبت الحسنة؟ قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ (*) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيُتَجَاوَزُ (**) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.
وهكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن محمد بن عبد الأعلى الصنعاني، عن المعتمر بن سليمان، وإسناده مثله. وزاد: عن الروح الأمين. قال: "قال الرب ﷻ: يؤتى بحسنات العبد وسيئاته … " فذكره، وهو حديث غريب، وإسنادٌ جيد لا بأس به.
وقال ابن أبي حاتم (^١٤): حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن معبد [¬٤]، حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي [¬٥]، حدثنا أبو عوانة، عن [أبي بشر] [¬٦] جعفر بن أبي وَحْشية، عن
_________________
(١) = ابن جريج، عن جامع. ثم رواه من طريق عبد المجيد عبد العزيز بن أبي رواد، ثنا ابن جريج، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن عبد الله مثل رواية شريك وعبد المجيد صدوق لكنه يخطيء كما قال الحافظ في "التقريب" وابن جريج ثقة لكنه يدلس ولم يصرح هنا بالسماع، ورواه الطبراني في الأوسط (٥٧٦٩) من طريق الوليد بن القاسم، عن داود بن يزيد الأزدي، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه كان، يدعو بهذه الدعوات في أول قوله وبها يختم: "اللهم أصلح ذات بيننا … " فذكره نحوه، وداود بن يزيد الأزدي هو عم عبد الله بن إدريس وهو ضعيف. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٦٧٩) ونسبه للطبراني في الكبير والأوسط وقال: وإسناده الكبير جيد.
(٢) - تقدم تخريجه في سورة السجدة الآية / ١٧.
(٣) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ١٨٥٧١) وإسناده حسن رجاله ثقات إلَّا أن عمرو بن عاصم صدوق في حفظه شيء كما قال الحافظ في "التقريب". [¬١]- في ز، خ: "عليها". [¬٢]- في خ: "مزداد". [¬٣]- سقط من: خ. (*) في ز، خ: نتقبل، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. (**) في ز، خ: نتجاوز، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. [¬٤]- سقط من: خ. [¬٥]- في ت: "الكلائي". [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ابن بشر".
[ ١٣ / ١٧ ]
يوسف بن [¬١] سعد، عن محمد بن حاطب قال: ونزل في داري حيث ظهر عليٌّ على أهل البصرة، فقال لي يومًا: لقد شهدتُ أمير المؤمنين علما وعنده عمار وصعصعة والأشتر ومحمد بن أبي بكر، فذكروا عثمان فنالوا منه، وكان [علي ﵁] [¬٢] على السرير ومعه عود في يده، فقال قائل منهم: إن عندكم من يفصل بينكم. فسألوه، فقال علي: كان عثمان من الذين قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ (*) عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيُتَجَاوَزُ (**) عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾. قال: والله عثمان وأصحاب عثمان - قالها ثلاثًا - قال يوسف: فقلت لمحمد بن حاطب: آلله لسمعت هذا من عليّ؟ قال: آلله لسمعت هذا من علي ﵁.
﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾
لما ذكر تعالى حال الداعين للوالدين البارّين بهما ومالهم عنده من الفوز والنجاة، عطف بحال الأشقياء العاقين للوالدين فقال: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ وهذا عام في كل من قال هذا، ومن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر فقوله ضعيف، لأن عبد الرحمن بن أبي بكر أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه.
وروى، العوفي، عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن لأبي بكر الصديق. وفي صحة هذا نظر، والله أعلم.
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "أبو". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. (*) في ز، خ: يُتقبل، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. (**) في ز، خ: يُتجاوز، وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وابن عامر.
[ ١٣ / ١٨ ]
وقال ابن جريج [¬١]، عن مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي بكر. [وهذا أيضًا] [¬٢] قاله ابن جريج. وقال آخرون: عبد الرحمن بن أبي بكر [وهذا أيضًا قاله] [¬٣] السدي. وإنما هذا عام في كل من عق والديه وكذب بالحق، فقال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾: عقهما.
وقال ابن أبي حاتم (^١٥): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يحيى بن أبي زائدة، عن إسماعيل بن أبي خالد، أخبرني عبد [الله بن] [¬٤] المديني قال: إني لفي المسجد حين خطب مَرْوان فقال: "إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًّا حسنًا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعُمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أهرقلية؟! إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده، ولا أحد من أهل بيته، وما [¬٥] جعلها معاوية [في ولده] [¬٦] إلا رحمة وكرامة لولده. فقال مروان: ألست الذي قال لوالديه: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾؟ فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعن رسولُ الله ﷺ أباك. قال: وسمعتهما عائشة فقالت: يا مروان؛ أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا؟ كذبتَ، ما فيه نزلت، ولكن نزلت في فلان بن فلان. ثم انتحب مروان، ثم نزل عن المنبر حتى أتى باب حجرتها، فجعل يكلمها [¬٧] حتى [¬٨] انصرف.
وقد رواه البخاري بإسناد آخر ولفظ آخر، فقال (^١٦): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن مَاهَكَ قال: كان مَرْوانُ على الحجاز، استعمله معاوية بن أبي سفيان، فخطب فجعل [¬٩] يذكر بن يزيدَ بن معاوية لكي [¬١٠] يبايع له
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ١٨٥٧٢) وإسناده حسن رجاله ثقات إلَّا أن عبد الله البهي مولى مصعب بن الزبير ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٣، ٤٧) وقال ابن سعد في الطبقات (٦/ ٢٩٩): كان ثقة معروفًا قليل الحديث وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: "كما في تهذيب التهذيب ٦/ ٩٠): لا يحتج بالبهي وهو مضطرب الحديث. وقال ابن حجر في "التقريب": صدوق يخطيء. ورواه البزار (١٦٢٤ - كشف) من طريق إسماعيل بن عبد الله البهي نحوه، وذكره الهيثمي في المجمع (٥/ ٢٤١) وقال: "رواه البزار بإسناد حسن، وزاد السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١١) نسبته لابن المنذر وعزاه أيضًا ابن حجر في فتح الباري (٨/ ٥٧٧) لأبي يعلى من هذه الطريق وللخبر طريق أخرى عند البخاري وغيرها عند النسائي وسيأتي تخريجهما (انظر الحديث التالي والذي يليه).
(٢) - رواه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ …﴾ الآية حديث (٤٨٢٧)، وانظر السابق. [¬١]- في خ: "جرير". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "وقاله". [¬٤]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز، خ. [¬٥]- في ت: "ولا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: "كلما". [¬٨]- في خ: "جئ". [¬٩]- في ت: "وجعل". [¬١٠]- في ز، خ: "بل".
[ ١٣ / ١٩ ]
بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئًا، فقال: خذوه. فدخل بيت عائشة ﵂ فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾. فقالت عائشة مِن وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إلا أن الله أنزل عُذْري.
(طريق أخرى) قال النسائي (^١٧): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أمية بن خالد، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد قال: لما بايع معاوية لابنه، قال مروان: سنة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: سنة هرقل وقيصر. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا …﴾ الآية. فبلغ ذلك عائشة فقالت: كذب مروان! والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان، ومروانُ في صلبه، فمروان فَضَضٌ [¬١] (*) من لعنة الله.
وقوله: ﴿أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ﴾ أي: أبعث ﴿وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ أي: قد مضى الناس فلم يرجع منهم مخبر، ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ﴾. أي: يسألان الله فيه أن يهديه ويقولان لولدهما: ﴿وَيلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ أي: دخلوا في زمرة أشباههم وأضرابهم من الكافرين الخاسرين أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
[وقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ بعد قوله ﴿وَالَّذِي قَال﴾ دليل على ما ذكرناه من أنه جنس يعم كل من كان كذلك] [¬٢].
_________________
(١) - رواه النسائي في "الكبرى" كتاب التفسير، باب: قوله: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ حديث (١١٤٩١) وهو في تفسيره رقم (٥١١) والحديث رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤٨١) وصححه على شرط الشيخين وتعقبه الذهبي فقال: محمد لم يسمع من عائشة، وزاد ابن حجر نسبته في الفتح (٨/ ٥٧٦) للإسماعيلي. وزاد السيوطي نسبته في الدر المنثور (٦/ ١١) لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه ومحمد بن زياد هو القرشي الجمحي ثقة ثبت، ذكر المزى في ترجمته في "التهذيب" أنه روى عن عائشة ولم أجد من نص على عدم سماعه من عائشة ﵂ غير الذهبي ﵀ في تلخيصه للمستدرك. (*) أي قطعة وطائفة منها. [¬١]- في ز: "نفيض"، خ: "يقتض". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.
[ ١٣ / ٢٠ ]
وقال الحسن، وقتادة: هو الكافر الفاجر العاق لوالديه، المكذب بالبعث.
وقد روى الحافظ ابن عساكر (^١٨) في ترجمة سهل بن داود، من طريق هشام بن عمار: حدثنا حماد بن عبد الرحمن، حدثنا خالد بن [¬١] الزبرقان الحلبي [¬٢]، عن سليمان [¬٣] بن حبيب المحاربي، عن أبي أمامة الباهلي، عن النبي ﷺ قال: "أربعة لعنهم الله من فوق عرشه، وأمَّنت عليهم الملائكة: مضل المساكين". قال خالد: الذي يهوي بيده إلى المسكين [¬٤] فيقول: هلم أعطيك، فإذا جاءه قال: ليس معي شيء. "والذي يقول للمكفوف [¬٥]: اتق [¬٦] الدابة [¬٧] وليس بين يديه شيء، والرجل يسأل عن دار القوم فيدلونه على غيرها. والذي يضرب الوالدين حتى يستغيثا". غريب جدًّا.
وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ أي: لكل عذاب بحسب عمله، ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: لا يظلمهم مثقال ذرة فما دونها [قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: درجات النار تذهب سفالًا ودرجات الجنة تذهب علوًّا] [¬٨].
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا. وقد تَورّعَ عمر بن الخطاب ﵁ عن كثير من طيبات المآكل والمشارب، وتنزه عنها، ويقول: أخاف أن أكون
_________________
(١) - رواه الطبراني في الكبير (٧٤٨٩) من طريق هشام بن عمَّار بنفس إسناد ابن عساكر إلى النبي ﷺ بلفظ: "أربعة لعنهم الله فوق عرشه وأمنت عليهم ملائكته الذي يحصن نفسه عن النساء ولا يتزوج ولا يتسرى لأن لا ولد له ولد، والرجل يتشبه بالنساء وقد خلقه الله ذكرًا، والمرأة تتشبه بالرجال وقد خلقها الله ﷿ أنثى، ومضلل المساكين". قال خالد بن الزبرقان يعني: الذي يهزأ بهم يقول للمسكين هل أعطيك فإذا جاءه الرجل قال: ليس معي شيء ويقول للمكفوف: اتق البئر، اتق الدابة. وليس بين يديه شيء. والرجل يسأل عن دار القوم فيرشده إلى غيرها. وإسناده ضعيف حمَّاد بن عبد الرحمن هو الكلبي ضعيف قال أبو زرعة الرازي: يروى أحاديث مناكير. وقال أبو حاتم: شيخ مجهول، منكر الحديث، ضعيف الحديث كذا في الجرح والتعديل (٣/ ١٤٣) وضعفه الحافظ في "التقريب" وشيخه خالد بن الزبرقان قال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٣/ ٣٣٢): منكر الحديث وترجم له الذهبي في الميزان (٢/ ١٥٣) ونقل فيه قول أبي حاتم. والحديث من هذه الطريق أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٤/ ٢٥٤) وقال: (رواه الطبراني في الكبير من طريق حماد بن عبد الرحمن الكلبي (تحرف في المطبوع من المجمع إلى العكى) عن خالد بن الزبرقان وكلاهما ضعيف". = [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "العدني"، خ: "العديني". [¬٣]- في ز، خ: "سليم". [¬٤]- في ز، خ: "المسلمين". [¬٥]- في خ: "للماعون". [¬٦]- بياض في: ز، خ: "ابن". [¬٧]- بياض في: ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.
[ ١٣ / ٢١ ]
كالذين قال الله تعالى لهم وَقرَّعهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾.
وقال أبو مِجْلَز: ليتفقَّدَنّ [¬١] أقوامٌ حَسَنات كانت لهم في [¬٢] الدنيا، فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾.
وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾، فجوزوا من جنس عملهم، فكما نَعَّموا أنفسهم واستكبروا عن اتباع الحق، وتعاطوا الفسق والمعاصي، جازاهم الله بعذاب الهون،. وهو الإِهانة والخزي والآلام الموجعة، والحسرات المتتابعة، والمنازل في الدركات المفظعة [¬٣]، أجارنا الله من ذلك كله [¬٤]!
﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢) قَال إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾
يقول تعالى مسليًا لنبيه في تكذيب من كذبه من قومه: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ - وهو
_________________
(١) = ورواه الطبراني في الكبير (٧٨٢٧) من طريق آخر عن القاسم عن أبي أمامة نحوه، وفي إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو متروك، وبه أعل الهيثمي الحديث في مجمع الزوائد (٤/ ١٠٦) وقال المنذري في الترغيب والترهيب (٣/ ٢٩): "رواه الطبراني من طريق علي بن يزيد الألهاني وفي الحديث غرابة". والحديث من الطريق الأولى ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (١/ ٤١٣) وقال: قال أبي هذا حديث منكر بهذا الإسناد. [¬١]- في خ: "ليتفقدون". [¬٢]- في ز، خ: "من". [¬٣]- في خ: "المقطعة". [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٢٢ ]
هود ﵇ بعثه الله إلى عاد الأولى، وكانوا يسكنون الأحقاف - جمع حِقْف وهو: الجبل من الرمل - قاله ابن زيد.
وقال عكرمة: الأحقاف: الجبل والغار.
وقال علي بن أبي طالب ﵁: الأحقاف: واد بحضرموت، يدعى بَرَهوت، تُلقى [¬١] فيه أرواح الكفار.
وقال قتادة: ذُكر لنا أن عادًا كانوا حيًّا باليمن، أهل رمل [] [¬٢]، مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشِّحْر [¬٣].
قال ابن ماجة (^١٩): " باب إذا دعا فليبدأ بنفسه": حدثنا [الحسن بن علي الخلال] [¬٤] حدثنا زيد بن الحباب حدثنا [عن أبي إسحاق] [¬٥] عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "يرحمنا الله، وأخا عاد".
وقوله: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ [¬٦] مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ يعني: وقد أرسل الله إلى مَن حَول بلادهم من القرى مرسلين ومنذرين، كقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَينَ يَدَيهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾، وكقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا [¬٧] فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَينِ أَيدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾
_________________
(١) - رواه ابن ماجة في "السنن" كتاب الدعاء، باب: إذا دعا أحدكم فليبدأ بنفسه حديث (٣٨٥٢) كما نقله المصنف هنا. وإسناده ضعيف فإن زيد بن الحباب وإن وثقه ابن معين وغيره إلَّا أنه قال فيه: كان يقلب حديث الثوري. ولذلك قال الحافظ في "التقريب": صدوق يخطيء في حديث الثوري. وأبو إسحاق هو السبيعي ثقة لكنه مدلس ولم يصرح هنا بالسماع والحديث ضعفه الألباني في "ضعيف الجامع" (٦٤٤٤) وضعيف سنن ابن ماجة (٨٤٠) أما قول البوصيري في "الزوائد" (٣/ ٢٠٤): "هذا إسناد صحيح" ففيه ما فيه، والله أعلم. وقد روى الحديث من وجه آخر عند ابن أبي شيبة في مصفه (١٠/ ٢٢٠) (٩٢٧٧) من طريق سفيان عن إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم به مرسلًا، وهو إسناد مرسل. وإبراهيم بن مهاجر هو البجلي قال الحافظ في "التقريب": صدوق لين الحفظ. [¬١]- في ز، خ: "يُلْقى". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "وذكرات". [¬٣]- في خ: "الشجرة". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "الحسين بن علي ثنا أبي". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ثنا على إسحاق". [¬٦]- في ز، خ: "القرون". [¬٧]- في ز، خ: "تولوا".
[ ١٣ / ٢٣ ]
أي: قال لهم هود ذلك، فأجابه قومه قائلين: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ أي: لتصدنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، استعجلوا عذاب الله وعقوبته، استبعادًا منهم وقوعه، كقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ﴿قَال [¬١] إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: الله أعلم بكم إن كنتم مستحقين لتعجيل العذاب فيفعل ذلك بكم، وما أنا فمن شأني أن أبلغكم ما أرسلت به، ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أي: لا تعقلون ولا تفهمون.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ أي: لما رأوا العذاب مستقبلهم، اعتقدوا أنه عارض ممطر [¬٢]، ففرحوا واستبشروا، وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر، قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: هو العذاب الذي قلتم: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
﴿تُدَمِّرُ﴾ أي: تخرب. ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ من بلادهم مما [من شأنه الخراب] [¬٣].
﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ أي: بإذن الله لها في ذلك، كقوله: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيءٍ أَتَتْ عَلَيهِ إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ أي: كالشيء البالي؛ ولهذا قال: ﴿فَأَصْبَحُوا [لَا يُرَى] [¬٤] إلا مَسَاكِنُهُمْ﴾ أي: قد بادوا كلهم عن آخرهم ولم تبق لهم باقية، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: هذا حكمنا فيمن كذب رسلنا، وخالف أمرنا.
وقد ورد حديث في قصتهم، وهو غريبٌ جدًّا من غرائب [¬٥] الحديث وأفراده. قال الإمام أحمد (^٢٠):
حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو [¬٦] المنذر سلام بن سليمان النحوي قال: حدثنا عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن الحارث البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن [¬٧] الحضرمي إلى رسول الله ﷺ، فمررت بالرَّبذَة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت لي: يا عبد الله، إن لي إلى رسول الله ﷺ حاجةً، فهل أنت مبلِّغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت بها المدينة، فإذا المسجد غاصٌّ بأهله، وإذا راية
_________________
(١) - تقدم في الأعراف (١٢٢)، وهو في المسند (١٦٠٠٠) (٣/ ٤٨٢). [¬١]- في ز، خ: "قال". [¬٢]- في خ: "مطر". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "مر به الجواب". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ترى". [¬٥]- في ز، خ: "غريب". [¬٦]- في ز، خ: "ابن". [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٢٤ ]
سوداء تخفق، وإذا بلال مُتقَلِّدُ السيف بين يدي رسول الله ﷺ، فقلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجْهًا. قال: فجلست، فدخل منزله -أو قال: رحله- فاستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت. [فسلمت، فقال: "هل كان بينكم وبين تميم شيء؟ " قلت: نعم، وكانت لنا الدَّبَرَة (*) عليهم، ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، وها هي بالباب. فأذن لها فدخلَتْ] [¬١]، فقلت: يا رسول الله، إن رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزًا فاجعل الدهناء. فحَمِيت العجوز واستوفزت، وقالت: [يا رسول الله] [¬٢]، فإلى [¬٣] أين يضطرُ [¬٤] مُضَرُك؟ قال: قلت: إن مثلي ما قال الأول: "معْزَى [¬٥] حَمَلت حَتْفها"، حَمَلْتُ هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصمًا، أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عادٍ. قال: "هيه، وما وافد عاد؟ " - وهو أعلم بالحديث منه، ولكن يستطعمه - قلت: إن عادًا قُحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له: قَيل، فمر بمعاوية بن بكر، فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان - يقال لهما: "الجرادتان" - فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مَهْرة فقال: اللهم؛ انك تعلم أني لم أجئ إلى مريض فأداويَه، ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم؛ اسق عادًا ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: "اختر"، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنُودي منها: "خذها رمادًا رِمْدَدًا [¬٦]، لا تُبقي من عاد أحدًا". قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من الريح إلا كقدر ما يجري في خاتمي هذا، حتى هلكوا - قال أبو وائل: وصدق - وكانت المرأة والرجل إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا: "لا تكن كوافد عاد".
و[¬٧] رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة كما تقدم في سورة "الأعراف".
وقال الإِمام أحمد (^٢١): حدثنا هارون بن معروف، أخبرنا ابن وهب، أخبرنا عمرو: أن أبا النضر حدثه عن سليمان بن يَسَار [¬٨]، عن عائشة أنها قالت: ما رأيت رسول الله
_________________
(١) (*) الدبرة: الغلبة والنصر.
(٢) - المسند (٦/ ٦٦) وفيه حدثنا هارون بن معروف ومعاوية بن عمرو قالا: حدثنا ابن وهب … الحديث ورواه البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، باب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا. .﴾ الآية حديث (٤٨٢٨)، (٨٨٢٩) وفي كتاب الأدب، باب: التبسم والضحك حديث (٦٠٩٢) مختصرًا، ومسلم في صلاة الاستسقاء، باب: التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر حديث (١٦) (٨٩٩) من طرق عن ابن وهب به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين من: ز. [¬٣]- في ز، "قال"، سقط من: خ. [¬٤]- في خ: "مضطرفه". [¬٥]- في خ: "بعرى". [¬٦]- في خ: "ومددا". [¬٧]- سقط من: ز. [¬٨]- في ز: "بشار".
[ ١٣ / ٢٥ ]
ﷺ مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لَهوَاته (*)، إنما كان يتبسم. قالت: وكان إذا رأى غيمًا -أو ريحًا- عُرف ذلك في وجهه، قالت: يا رسول الله، الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عُرِفَت في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة، ما يُؤْمنُني أن يكون فيه عذاب، قد عُذِّب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض ممطرنا". وأخرجاه من حديث ابن وهب.
(طريق أخرى) قال أحمد (^٢٢): حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ناشئًا (**) في أفق من آفاق [¬١] السماء، ترك عمله وإن كان في صلاته، ثم يقول: "اللهم، إني أعوذ بك من شر ما فيه". فإن كشفه الله حمد الله، وإن أمطرت قال: "اللهم، صَيِّبًا (* * *) نافعًا".
(طريق أخرى) قال مسلم في صحيحه (^٢٣): حدثنا أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب،
_________________
(١) (*) جمع لَهَاة، وهي اللَّحمات في أقصى سقف الفم.
(٢) - المسند (٦/ ١٩٠) ورواه في (٦/ ١٣٧ - ١٣٨) من طريق وكيع. وأبو داود في الأدب، باب: ما يقول إذا هاجت الريح حديث (٥٠٩٩) من طريق عبد الرحمن. ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة (٩١٥) من طريق يحيى. والبخاري في الأدب المفرد (٦٨٦) من طريق خلاد كلهم (وكيع، وعبد الرحمن، ويحيى، وخلاد) عن سفيان الثوري، عن المقدام بن شريح به، ورواه النسائي (٣/ ١٦٤) وابن حبان في صحيحه (٩٩٤) من طريق مسعر عن المقدام بن شريح به مختصرًا. ورواه ابن أبي شيبة (١٠/ ٢١٨) ومن طريقه ابن ماجة في الدعاء - والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٩١٤) عن يزيد بن المقدام بن شريح، عن أبيه له. ورواه ابن حبان في صحيحه (١٠٠٦) وأحمد في المسند (٦/ ٢٢٢) من طريق شريك، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا رأى في السماء غبارًا أو ريحًا تعوذ بالله من شره فإذا أمطرت قال: "اللهم صيِّبًا نافعًا" وفي إسناده شريك وهو ابن عبد الله القاضي ضعيف. والراوى عنه عند ابن حبان هو يحيى بن طلحة اليربوعي وهو لين الحديث، وعند أحمد: حجاج بن أرطأه، وهو ضعيف مدلس. لكن يشهد له الطرق السابقة غير قوله: "غبار" فإنه منكر كما قال أبو عبد الرحمن العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني في - السلسلة الصحيحة (٢٧٥٧). (**) الناشئ: السحاب الذي لم يتكامل اجتماعه واصحابه. ومنه نشأ الصبي ينشأ نشأُ فهو ناشئ، إذا كبر وشب ولم يتكامل. (* * *) أي مطرًا منهمرًا متدفقًا.
(٣) - رواه مسلم في "صحيحه" كتاب صلاة الاستسقاء، باب: التعوذ عند رؤية الريح والغيم، والفرح بالمطر حديث (١٥) (٨٩٩) ورواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" رقم (٩٤٠) قال أخبرنا: أحمد = [¬١]- في ز، خ: "أفق".
[ ١٣ / ٢٦ ]
سمعت ابن جريج يُحدِّث عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عَصَفت الريح قال: "اللهم، إني أسألك خيرها، وخير ما فيها، وخير ما أُرسِلَت به، وأعوذ بك من شرها، وشر ما فيها، وشر ما أرسِلَتْ به". قالت: وإذا تَخَيَّلت [¬١] (*) السماء تغير لونه، وخرج ودخل، وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت [¬٢] سري عنه، فعرفت ذلك عائشة فسألته فقال: "لعله يا عائشة -كما قال قوم عاد: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾.
وقد ذكرنا قصة هلاك عاد في سورتي [¬٣] "الأعراف" و"هود"، بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقال الطبراني (^٢٤): حدثنا عبدان بن أحمد، حدثنا إسماعيل بن زكريا الكوفي، حدثنا أبو مالك بن مسلم الملائي، عن مجاهد وسعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "ما فتح على عاد من الريح إلا مثل موضع الخاتم، ثم أرسلت عليهم البَدْو [¬٤] إلى الحضر فلما رآها أهل الضر قالوا: هذا عارض ممطرنا مستقبل أوديتنا. وكان أهل البوادي فيها، فأُلقي أهل البادية على أهل الحاضرة حتى هلكوا. قال: عتت على خزانها حتى خرجت من خلال الأبواب".
﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا
_________________
(١) = ابن عمرو بن السرح، أخبرنا ابن وهب، فذكره ورواه برقم (٩٤١) من طريق عثمان بن عمر، عن ابن جريج به. (*) تخيلت السماء: تهيأت للمطر، فأغامت، ورعدت وبرقت.
(٢) - المعجم الكبير للطبراني (١٢٤١٦) وفي إسناده أبو مالك الجنبي، وهو عمرو بن هاشم ضعيف. ضعفه البخاري في التاريخ (٦ / الترجمة ٢٧٠٢) فقال: فيه نظر. وقال أبو حاتم في الجرح والتعديل (٦ / الترجمة ١٤٧٨): لين الحديث يكتب حديثه. وقال الحافظ في "التقريب": لين الحديث. وشيخه مسلم الملائي هو مسلم بن كيسان الضبي الملائي روى له الترمذي وابن ماجة وهو ضعيف كما قال الحافظ في "التقريب". والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٦) وقال: رواه الطبراني وفيه مسلم الملائي وهو ضعيف". وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٥) وزاد نسبته إلى أبي الشيخ وابن مردويه وروى الطبراني (١٣٥٥٣) نحوه عن ابن عمر، وفي إسناده مسلم الملائي أيضًا وهو ضعيف كما تقدم ومن هذا الطريق ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١٦) وأعله بمسلم الملائي وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا وأبي يعلى وأبي الشيخ وابن مردويه. [¬١]- في ز، خ: "تجلت". [¬٢]- في ز، خ: "مطر". [¬٣]- في خ: "سورة". [¬٤]- في ز: "البدر"، خ: "النذر".
[ ١٣ / ٢٧ ]
أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨).
قول تعالى: ولقد مكنا الأمم السالفة [¬١] في الدنيا من الأموال والأولاد، وأعطيناهم منها ما لم نعطكم مثله ولا قريبًا منه، ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: وأحاط بهم العذاب والنكال الذي كانوا يكذبون به ويستبعدون وقوعه، أي: فاحذروا أيها المخاطبون أن تكونوا مثلهم، فيصيبَكم مثلُ ما أصابهم من العذاب في الدنيا والآخرة.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ يعني: أهل مكة، قد أهلك الله [¬٢] الأمم المكذبة بالرسل مما حولها كعاد، و[¬٣] كانوا بالأحقاف لحضرموت عند اليمن، وثمود وكانت منازلهم بينهم وبين الشام، وكذلك سبأ وهم أهل اليمن، ومدين وكانت في طريقهم وممرهم إلى غزة، وكذلك بحيرة قوم لوط، كانو يمرون بها أيضًا.
وقوله: ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ أي: بيَّناها وَوَضَّحناها ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ أي: فهلا نصروهم عند احتياجهم إليهم، ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ﴾ أي: بل [¬٤] ذهبوا عنهم أحوجَ ما كانوا إليهم، ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ﴾ أي: كذبهم، ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: وافتراؤهم في اتخاذهم إياهم آلهة، وقد خابوا وخسروا في عبادتهم لها، واعتمادهم عليها.
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "السابقة". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٢٨ ]
بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾
قال الإِمام أحمد (^٢٥): حدثنا سفيان، حدثنا عمرو: سمعت عكرمة، عن الزبير: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾، قال: بنخلة، ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال سفيان: اللِّبَد: بعضهم على بعض، كاللبد بعضه على بعض. تفرد به أحمد، وسيأتي من رواية ابن جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس: أنهم سبعة من جن نَصِيبين.
وقال الإِمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة (خ). وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه "دلائل النبوة": أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل [] [¬١] القاضي، أخبرنا مسدد، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيلَ بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض
_________________
(١) - المسند (١/ ١٦٧) وفيه: حدثنا سفيان قال عمرو: وسمعت عكرمة ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ﴾، وقرئ على سفيان: عن الزبير ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال: بنخلة ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة … الحديث، فذكره ابن كثير هنا عن الزبير وذكر فيه الآية كاملة. أما الهيثمي ﵀ فقد ذكر الحديث في مجمع الزوائد (٧/ ١٣٢) فقال: "عن عكرمة وغيره ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ قال بنخلة … رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح". كذا وقع في "مجمع الزوائد" فلعل كلمة (الزبير) تحرفت على الناسخ إلى (غيره) والحديث منقطع فإن عكرمة لم يسمع من الزبير، قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على المسند الحديث (١٤٣٥): إني أرجح أن عكرمة لم يسمع من الزبير؛ لأن مولاه إنما أهداه لابن عباس حين ولي البصرة من قبل علي بن أبي طالب سنة ٥٣٦ … وذلك بعد وقعة الجمل ومقتل الزبير يقينًا" والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٦) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن مردويه. [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "بن".
[ ١٣ / ٢٩ ]
ومغاربها [وانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها] [¬١] يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين [¬٢] توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدًا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحاده صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا - والله - الذي حال بينكم وبين خبر السماء. فهنالك حين رَجَعُوا إلى قومهم قالوا: يا قومنا، ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. وأنزل الله على نبيه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾. وإنما أوحي إليه قول الجن (^٢٦).
رواه البخاري عن مسدد بنحوه، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فَرُّوخ، عن أبي عوانة، به. ورواه الترمذي والنسائي في التفسير، من حديث أبي عوانة.
وقال الإِمام أحمد أيضًا (^٢٧): حدثنا أبو أحمد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان الجن يستمعون الوحي، فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرًا، فيكون ما سمعوا حقًّا وما زادوا باطلًا، وكانت النجوم لا يُرمى بها قبل ذلك، فلما بُعث رسول الله ﷺ كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رُمي بشهاب يُحرِقُ ما أصاب، فَشَكَوا ذلك إلى إبليس فقال: ما هذا إلا من أمر قد حَدَث، فبثَّ جنوده، فإذا بالنبي ﷺ يصلي بين جبلي نخلة، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما، من حديث إسرائيل به.
وقال الترمذي: حسن صحيح. وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وكذا رواه العوفي، عن ابن عباس أيضًا بمثل هذا السياق بطوله. وهكذا قال الحسن البصري: إنه ﵇ ما شعر بأمرهم حتى أنزل الله عليه بخبرهم.
_________________
(١) - رواه أحمد في مسنده (١/ ٢٥٢) ورواه البخاري في "صحيحه" في الأذان، باب: الجهر بقراءة صلاة الفجر حديث (٧٧٣) وفي التفسير، حديث (٤٩٢١)، ومسلم في "صحيحه" في الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصحيح، والقراءة على الجن حديث (٤٤٩) (١٤٩) والترمذي في "جامعه" كتاب التفسير، باب: ومن سورة الجن حديث (٣٣٢٣)، والنسائي في تفسيره رقم (٦٤٤) من طرق عن أبي عوانة به.
(٢) - المسند (١/ ٢٧٤) (٢٤٨٢) ورواه الترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الجن حديث (٣٣٢٤) والنسائي في التفسير رقم (٦٤٦) من طريق إسرائيل به، ورواه أحمد (١/ ٣٢٣) (٢٩٧٩) من طريق إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "الذي".
[ ١٣ / ٣٠ ]
وذكر محمد بن إسحاق (^٢٨)، عن يزيد بن رومان، عن محمد بن كعب القُرَظي قصَّةَ خروج رسول الله ﷺ إلى الطائف ودعائه إياهم إلى الله ﷿ وإبائهم عليه. فذكر القصة بطولها، واورد ذلك الدعاء الحسن: "اللهم، إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي … " إلى آخره. قال: فلما انصرف عنهم بات بنخلة، فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعته [¬١] الجن من أهل نَصيبين.
وهذا صحيح، ولكن قوله: "إن الجن كان استماعهم تلك الليلة". فيه نظر، لأن الجن كان استماعهم في ابتداء الإِيحاء، كما دل عليه حديث ابن عباس المذكور، وخروجه ﵇ إلى الطائف كان بعد موت عمه، وذلك قبل الهجرة بسنة أو سنتين، كما قرره ابن إسحاق وغيره.
وقال أبو بكر بن أبي شَيْبَةَ (^٢٩): حدثنا أبو أحمد الزَّبيريّ، حدثنا سفيان، عن عاصم، عن زرّ، عن عبد الله بن مسعود قال: هبطوا على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة، فلما سمعوه قالوا: أنصتوا. قال: صه. وكانوا تسعة أحدهم زوبعة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ إلى ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
فهذا مع الأول من رواية ابن عباس يقتضي أن رسول الله ﷺ لم يشعر بحضورهم في هذه المرة، وإنما استمعوا قراءته، ثم رجعوا إلى قومهم، ثم بعد ذلك وفدوا إليه أرسالًا (*) قومًا بعد قوم، وفوجًا بعد فوج، كما ستأتي [¬٢] بذلك الأخبار في موضعه [¬٣]
_________________
(١) - رواه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤٤ - ٤٤٥) وإسناده مرسل فإن محمد بن كعب القرظي من ثقات التابعين ولد سنة أربعين على ما رجحه الحافظ في "التقريب" والحديث رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٦/ ٣٨) من حديث عبد الله بن جعفر. وقال الهيثمي: فيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات. ولم أقف على إسناده في المطبوع من معجم الطبراني الكبير بسبب فقد الجزء الذي يحتوي على مرويات المبادلة من الصحابة عدا ابن مسعود وابن عباس، وجزء من حديث ابن عمر ﵃.
(٢) - رواه ابن أبي شيبة، ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٥٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٢٨) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وفي إسناده أبو أحمد الزبيري وهو محمد بن عبد الله بن الزبير الأسلمي ثقة ثبت؛ إلَّا أن الإمام أحمد قال: كان كثير الخطأ في حديث سفيان. كذا في "التهذيب" (٢٥/ ٤٧٩) والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٦) وزاد نسبته إلى ابن منيع وابن مردويه وأبي نعيم في "دلائل النبوة". (*) يقال: جاء القوم أرسالًا، أي جماعات متتابعين. [¬١]- في ت: "فاستمعه". [¬٢]- في ت: "سيأتي". [¬٣]- في ت: "موضعها".
[ ١٣ / ٣١ ]
والآثار، مما سنوردها هاهنا إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
فأما ما رواه البخاري ومسلم جميعًا (^٣٠)، عن أبي قدامة عبيد الله بن سعيد السَّرخسي، عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن مسعر بن كدام، عن مَعن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقًا: من آذَنَ النبي ﷺ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك -يعني ابن مسعود- أنه آذنته [¬١] بهم شجرة - فيحتمل أن يكون هذا في المرة الأولى، ويكون إثباتًا مقدَّمًا على نفي ابن عباس، ويحتمل أن يكون هذا في بعض المرات المتأخرات، والله أعلم. ويحتمل أن يكون في الأولى ولكن لم يشعر بهم حال استماعهم حتى آذنته بهم الشجرة [¬٢]، أي: أعلمته باستماعهم، والله أعلم.
قال الحافظ البيهقي (^٣١): وهذا الذي حكاه ابن عباس ﵄ [¬٣]- إنما هو في أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله صلى الذ عليه وسلم وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله ﷿ -كما رواه عبد الله بن مسعود ﵁.
[ذكر الرواية عنه بذلك]
قال الإِمام أحمد (^٣٢): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا داود، عن الشعبي - وابن أبي زائدة، أخبرنا داود، عن الشعبي، عن [¬٤] علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: هل صَحِب رسول الله ﷺ ليلة الجن منكم أحد؟ فقال: ما صحبه منا أحد،
_________________
(١) - رواه البخاري في "صحيحه" كتاب مناقب الأنصار، باب: ذكر الجن. وقوله الله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ حديث (٣٨٥٩)، ومسلم في "صحيحه" كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن حديث (١٥٣/ ٤٥٠) من طريق عبيد الله بن سعيد به. ورواه الحميدي كما في المنتخب من مسنده رقم (١٢٣) قال: حدثنا سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة قال: قال لي مسروق: أخبرني أبوك أن شجرة أنذرت النبي ﷺ بالجن.
(٢) - انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٢٧) مع قليل من التصرف.
(٣) - المسند (١/ ٤٣٦) (٤١٤٩) ومن طريقه رواه البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٢٩) ورواه مسلم في "صحيحه" كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن حديث (١٥٠/ ٤٥٥) والترمذي في باب تفسير القرآن، باب: "ومن سورة الأحقاف" حديث (٣٢٥٨) من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن داود بن أبي هند به نحوه. ورواه النسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (٩٤٦٣) وهو في التفسير برقم (٦٤٣) وابن خزيمة في صحيحه (٨٢) من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن داود به. ورواه مسلم أيضًا في نفس الموضع حديث (١٥١/ ٤٥٠) من طريق عبد الله بن إدريس، عن = [¬١]- في خ: "آذن". [¬٢]- مكانها بياض في: ز، سقط من: خ. [¬٣]- في ز، خ: "عنه". [¬٤]- بعده في خ: "أبي".
[ ١٣ / ٣٢ ]
ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة، فقلنا: اغتيل؟ استُطير (*)؟ ما فعل؟ قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح -أو قال: في السحر- إذا نحن به يجيء من قِبَل حراء، فقلنا: يا رسول الله - فذكروا له الذي كانوا فيه - فقال: "إنه أتاني داعي الجن [¬١] فأتيتهم فقرأت عليهم". قال: فانطلق، فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم - قال: وقال الشعبي: سألوه الزاد - قال عابر: سألوه [ليلتئذٍ الزاد] [¬٢]، وكانوا من جن الجزيرة، فقال: "كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان عليه [¬٣] لحمًا، وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم" قال: "فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن". وهكذا رواه مسلم في صحيحه، عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل ابن عُلَية، به نحوه.
وقال مسلم أيضًا (^٣٣): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا داود - و[¬٤] هو ابن أبي هند - عن عامر قال: سألتُ علقمةَ: هل كان ابن مسعود ﵁ شَهِدَ مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألتُ ابنَ مسعود، فقلت: هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه [¬٥] فالتمسناه في الأودية والشعاب، فقلنا [¬٦]: استطير؟ اغتيل؟ قال: فبتنا بشرِّ ليلة بات بها قوم، فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال: فقلنا: يا رسول الله؛ فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فقال: "أتاني داعي الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد فقال: "كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحمًا، وكل بَعْرَة أو روثة علف لدوابكم". قال رسول الله ﷺ: "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم".
_________________
(١) = داود بنفس الإسناد مرفوعًا إلى قوله: وآثار نيرانهم. ولم يذكر ما بعده. ورواه أبو داود في الطهارة، باب: الوضوء بالنبيذ حديث (٨٥) من طريق وهيب، عن داود، عن عامر، عن علقمة قال: قلت لعبد الله بن مسعود: من كان منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ فقال: ما كان معه منا أحد. (*) أي: ذهبَ به بسرعة، كأن الطير حملته، أو اغتاله أحد.
(٢) - " صحيح مسلم" كتاب الصلاة، باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن حديث (١٥٠/ ٤٥٠) ورواه ابن خزيمة في صحيحه رقم (٨٢) قال: حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى … فذكر الحديث. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: بمكة. والمثبت من المسند. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "فقدناه". [¬٦]- في خ: "فقال".
[ ١٣ / ٣٣ ]
(طريق أخرى عن ابن مسعود) قال أبو جعفر بن جرير (^٣٤): حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني عمي، حدثني يونس، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله أن [¬١] ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بت الليلة أقرأ على الجن رُبعًا [¬٢] بالحَجُون".
(طريق أخرى فيها [¬٣] أنه كان معه ليلة الجن، قال ابن جرير (^٣٥) ﵀: حدثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا عمي [¬٤] عبد الله بن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي عثمان بن سَنَّة الخزاعي، - وكان من أهل الشام -: أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه وهو بمكة: "من أحب منكم أن يحضر أمر الجن الليلة فليفعل". فلم يحضر منهم أحد غيري، قال: فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة خط لي [¬٥] برجله خطأ، ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآن فغشيته أسودةٌ (*) كثيرة حالت بيني وبينه، حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين، حتى بقي منهم رهط، ففرغ [¬٦]
_________________
(١) - تفسير ابن جرير الطبري (٢٦/ ٣٣) ورواه أحمد في مسنده (١/ ٤١٦) (٣٩٥٤) قال: حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري به، ووقع فيه (رفقاء بالحجون) ورواه أبو الشيخ في "العظمة" (١١٠٤) من طريق عقيل، عن ابن شهاب به، ووقع عنده (رفقا) بدون همزة والحديث إسناده منقطع كما قال العلامة أحمد شاكر؛ فإن عبيد الله لم يدرك عم أبيه عبد الله بن مسعود ﵁. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٦ - ١٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد.
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٦/ ٣٢) ورواه المزى في "تهذيب الكمال" ترجمة أبي عثمان بن سنة من طريق حرملة بن يحيى قال: أخبرنا عبد الله بن وهب … فذكره مثل رواية ابن جرير ورواه النسائي في "المجتبي" كتاب الطهارة، باب: النهي عن الاستطابة بالعظم (١/ ٣٧ - ٣٨) وفي "السنن الكبرى" كتاب الطهارة، باب: نهى النبي ﷺ عن الاستطابة بالعظم والروث حديث (٣٨) قال: أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: أنبأنا ابن وهب فذكره بسنده مختصرًا: أن رسول الله ﷺ نهى أن يستطيب أحدكم بعظم أو روث. وأبو عثمان بن سنة بفتح السين وتشديد النون ترجم له ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٩/ ٤٠٨) وقال: سئل أبو زرعة عنه اسمه فقال: لا أعرف اسمه. قلت: ذكر المزى في ترجمته من "التهذيب" أن الزهري قال: حدثني أبو عثمان بن سنة الحزاعي ثم الكعبي وكان من أهل دمشق وكان ممن بعلي بن أبي طالب في الذين خرجوا إليه من أهل الشام فكان يخصهم بمجلسه في حديثه دون أهل العراق فذكر عنه حديثًا. فحسبه أن الزهري روى عنه وهو من هو في الإتقان والحفظ وقال فيه الحافظ في "التقريب": مقبول. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم (٣٨). (*) - جمع قلة لسواد، وهو الشخص. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في خ: "رفعا". [¬٣]- في ز، خ: "فيه". [¬٤]- بعده في خ: "عن". [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "فزع".
[ ١٣ / ٣٤ ]
رسول الله ﷺ مع الفجر، فانطلق فتبرّز، ثم أتاني فقال: "ما فعل الرهط؟ ". فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأعطاهم عظما وروثًا زادًا، ثم نهى [¬١] أن يستطيب أحد بروث أو عظم.
ورواه ابن جرير (^٣٦) عن [محمد بن] [¬٢] عبد الله بن عبد الحكم، عن أبي زرعة وهب الله بن راشد، عن يونس بن يزيد الأيلي، به. ورواه البيهقي (^٣٧) في "الدلائل" من حديث عبد الله بن صالح كاتب الليث، عن الليث، عن يونس، له.
وقد روى إسحاق ابن راهويه، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن مسعود، فذكر نحو ما تقدم.
ورواه الحافظ أبو نعيم، من طريق موسى بن عبيدة [¬٣]، عن سعيد بن الحارث، عن أبي المعلى، عن ابن مسعود، فذكر نحوه أيضًا.
[(طريق أخرى) قال أبو نعيم (^٣٨): حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢٦/ ٣٢).
(٢) - دلائل النبوة (٢/ ٢٣٠).
(٣) - وهو عند الإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٣٩) ورجال إسناده ثقات. أبو تميمة: هو الهجيمى اسمه طريف بن مجالد، من ثقاث التابعين والبكالي هو عمرو (البكالي) بكسر الموحدة وتخفيف الكاف عده بعضهم في الصحابة. ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (٦/ ٣١٣)، والجرح والتعديل (٦/ ٢٧٠) والثقات لابن حبان (٣/ ٢٧٨) وذكره ابن الأثير في أسد الغابة (٤/ ١٩٩) وقال: له صحبة ونقل عن أبي نعيم أنه سماه: "عمرو بن سفيان البكالي" وانظر ترجمته في "تعجيل المنفعة" أيضًا (٢ / الترجمة ٨٠٧). والحديث رواه الترمذي في "سننه" كتاب الأمثال، باب: ما جاء في مثل الله لعباده حديث (٢٨٦١) قال: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن جعفر بن ميمون، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود فذكر نحو رواية المسند. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأبو تميمة هو الهجيمي واسمه طريف بن مجالد، وأبو عثمان النهدي اسمه عبد الرحمن بن مل، وسليمان التيمي قد روى هذا الحديث عنه معتمر … " فلأبي تميمة في هذا الحديث شيخان هما أبو عثمان النهدي وأبو عثمان البكالي، والحديث رواه أيضًا الدارمي في المقدمة (١٢) باب صفة النبي في الكتب قبل مبعثه. من طريق أبي أسامة، عن جعفر بن ميمون التيمي عن أبي عثمان النهدي مرسلًا ولم يذكر فيه (أبا تميمة) أيضًا، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٤) وقال: رواه الترمذي باختصار - ورواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير عمرو البكالي وذكره العجلي في ثقات التابعين وابن حبان وغيره في الصحابة. [¬١]- في خ: "نبئ". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "عبيد".
[ ١٣ / ٣٥ ]
أحمد بن حنبل، حدثني أبي قال: حدثنا عفان [وعارم] [¬١] قالا: حدثنا معتمر قال: قال أبي: حدثني أبو تميمة، عن عمرو - ولعله قد يكون قال: البكالي - يحدثه عمرو، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: استبعثني (*) رسول الله ﷺ فانطلقنا حتى أتينا مكان كذا وكذا، فخط لي خِطَّةً [¬٢] فقال: "كن بين ظهري هذه لا تخرج منها؛ فإنك إن خرجت منها هلكت" … فذكر الحديث بطوله وفيه غرابة شديدة] [¬٣].
(طريق أخرى) قال ابن جرير (^٣٩): وحدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن يحيى بن أبي محمير، عن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي: أنه قال لابن مسعود: حُدِّثتُ [¬٤] أنك كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ قال: أجل. قال: فكيف كان؟ فذكر الحديث كله، وذكر أن النبي ﷺ خط عليه خطًّا، وقال: "لا تبرح منها" … فذكر مثل العَجَاجة (**) السوداء غشيت رسولَ الله ﷺ، فذُعر ثلاث مرات، حتى إذا كان قريبًا من الصبح، أتاني النبي ﷺ [فقال: "أنمت؟ " [¬٥] فقلت: لا والله، ولقد هممت مرارًا أن أستغيث بالناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، تقول: "اجلسوا" فقال: "لو خرجت لم آمن أن يخطفك بعضهم".
ثم قال: "هل رأيت شيئًا؟ " فقلت: نعم، رأيت رجالًا سودًا [مستشعرين (* * *) ثيابًا بياضًا] [¬٦]. قال: "أولئك جن نَصيبين، سألوني المتاع - والمتاع: الزاد -[فمتعتهم
_________________
(١) (*) من الباعث، وهو إثارة المبارك، أو الجالس.
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٦/ ٣٢) وعبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي روى عنه قتادة وجعفر بن إياس وفيه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٥/ ١١٧) فلم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥١) وبقية رجاله ثقات. (**) العجاجة واحدة العجاج، وهو الغبار أو الدخان. (* * *) استشعر الثوب: لبسه شعارًا، والشعار: هو ما يلي الجسد من الثياب؛ لأنه يلي شعره. [¬١]- في ت: عكرمة. [¬٢]- في ت: خطَّأ. والمثبت من المسند، والخطة: ما يختطه الإنسان لنفسه من الأرض ونحوها. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "حديث". [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "مستنفرين ثيابًا بيضًا".
[ ١٣ / ٣٦ ]
بكل] [¬١] عظم حائل (*)، أو بعْرَة، أو روثة". فقلت: يا رسول الله، وما يغني ذلك عنهم؟ فقَال: "إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمة يوم أكل، ولا روثًا إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت، فلا يستنقين أحدٌ منكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة".
(طريق أخرى) قال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٤٠): أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي وأبو نصر بن قتادة قالا: أخبرنا أبو محمد يحيى بن منصور القاضي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، حدثنا روح بن صلاح، حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود قال: استتبعني [¬٢] رسولُ الله ﷺ فقال: "إن نفرًا من الجن - خمسةَ عشَرَ بني إخوة وبني عم - يأتونني [¬٣] الليلة، فأقرأ عليهم القرآن". فانطلقتُ معه إلى المكان الذي أراد، فخط لي خطًّا، وأجلسني فيه، وقال لي: "لا تخرج من هذا". فبتُ فيه حتى أتاني رسول الله ﷺ مع السحر في يده عظم حائل وروثة [حُمَمة (**) فقال لي: "إذا ذهبت إلى الخلاء فلا تستنج بشيء من هؤلاء".
قال: فلما أصبحت قلت: لأعلمن] [¬٤] علمي [¬٥] حيث كان رسول الله ﷺ. قال: فذهبت فرأيت موضع مبرك ستين بعيرًا.
(طريق أخرى) قال البيهقي (^٤١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدثنا العباس بن محمد الدُّوري [¬٦]، حدثنا عثمان بن عمر، عن المستمر بن الريان، عن أبي الجوزاء [¬٧]، عن عبد الله بن مسعود قال: انطقلت مع رسول الله صلى الله
_________________
(١) (*) أي متغيِّر قد غيَّره البِلَى.
(٢) - دلائل النبوة (٢/ ٢٣١) وفي إسناده روح بن صلاح المصري المعروف بسيابة، ضعفه ابن عدي لكن وثقه الحاكم، وذكره ابن حبان في الثقات. له ترجمة في الميزان (٢/ ٢٤٨)، وفي اللسان (٢/ ٥٣٩) وشيخه موسى بن علي بن رياح من رجال "التهذيب" قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ. فالإسناد حسن في ظاهره، والله أعلم. (**) - أي: متفحمة.
(٣) - رواه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢) ورجاله ثقات. عثمان بن عمر هو عثمان بني عمر بن فارس العبدي ثقة، روى له الجماعة وشيخه المستمر بن الريان، روى له مسلم وغيره، وهو ثقة، وأبو الجوزاء هو أوس بن عبد الله الربعي، روى له الجماعة ونقل ابن عدي في الكامل (١/ ٤٠٢) عن البخاري أنه قال: في إسناده نظر. وقال ابن عدي: أبو الجوزاء روى عن الصحالة: ابن عباس، = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز: "فمنعتهم كل". [¬٢]- في خ: "استبقني". [¬٣]- في ز، خ: "بايتوني". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "علم". [¬٦]- في ز، خ: "المدورى". [¬٧]- في ز، خ: "الموزاء".
[ ١٣ / ٣٧ ]
عليه وسلم ليلة الجن، حتى أتى الحَجُون. فخط لي خِطًّا، ثم تقدم إليهم فازدحموا عليه، فقال سيّد لهم، يقال له "وَرْدان": أنا أرَحّلُهم عنك. فقال: إني لن يجيرني من الله أحد.
(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٤٢): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا سفيان، عن أبي فزارة العبسي، حدثنا أبو زيد - مولى عمرو بن حريث - عن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن قال لي النبي ﷺ: "أمعك ماء؟ ". قلت: ليس معي ماء، ولكن معي إداوة فيها نبيذ. فقال النبي ﷺ: "تمرة طيبة، وماء طهور". فتوضأ [¬١]. ورواه أبو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث أبي [¬٢] زيد به [¬٣].
(طريق أخرى) قال أحمد (^٤٣): حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لَهيعة، عن قيس بن الحجاج، عن حَنَش [¬٤] الصَّنعاني، عن ابن عباس، عن عبد الله بن مسعود أنه كان مع رسول الله ﷺ ليلة الجن، فقال رسول الله: "يا عبد الله، أمعك ماء؟ " قال: معي نبيذ في إداوة. فقال: "اصبب عليَّ". فتوضأ، فقال النبي ﷺ: "يا عبد الله، شراب وطهور". تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقد أورده الدارقطني من طريق آخر [¬٥] عن ابن مسعود.
_________________
(١) = وعائشة، وابن مسعود وغيرهم وأرجو أنه لا بأس به، ولا يصحح رواته عنهم أنه سمع منهم، ويقول البخاري: في إسناده نظر أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا لأنه ضعيف عنده، وأحاديثه مستقيمة مستغنية عن أن أذكر منها شيئًا في هذا الموضع". ويتضح من كلام ابن عدي هذا أن روايته عن عائشة وابن مسعود مرسلة ولذلك قال الحافظ في: "التقريب": "يرسل كثيرًا، ثقة". وعلى ذلك فهذا الحديث إسناده منقطع بين أبي الجوزاء وابن مسعود والله أعلم.
(٢) - المسند (١/ ٤٤٩) وفيه عن ابن مسعود قال: لما كان ليلة الجن تخلف منهم رجلان، وقالا: نشهد الفجر معك يا رسول الله فقال لي النبي ﷺ: "أمعك ماء؟ " الحديث ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٦٩٣).
(٣) - المسند (١/ ٣٩٨) وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، ورواه الطبراني في الكبير (٩٩٦١) والبزار في "مسنده" (١٤٣٧) والدارقطني في "سننه" (١/ ٧٦) من طريق يحيى بن كثير، ثنا ابن لهيعة له. وقال البزار: هذا الحديث لا يثبت لابن لهيعة، لأن ابن لهيعة كانت قد احترقت كتبه فكان يقرأ من كتب غيره فصار في أحاديثه أحاديث مناكير، وهذا منها،. وقال الدارقطني أيضًا عقب هذا الحديث: ابن لهيعة لا يحتج بحدثه. = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "ابن". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في خ: "حسن". [¬٥]- في ت: "آخر".
[ ١٣ / ٣٨ ]
(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٤٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرني أبي، عن ميناء، عن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فلما انصرف تنفس، فقلت: ما شأنك؟ فقال لي [¬١]: "نُعيَت إليَّ نفسي يا بن مسعود". هكذا رأيته في المسند مختصرًا [¬٢]، وقد رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه "دلائل النبوة" فقال: حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب، حدثنا إسحاق بن إبراهيم.
وحدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن أبيه، عن ميناء، عن [¬٣] ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن، فتنفس، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: "نُعيت إليَّ نفسي يا بن مسعود". قلت: استخلف. قال: "مَن؟ " قلت: [أبا بكر] [¬٤]. فسكت ثم مضى ساعة فتنفس [¬٥]، فقلت: ما شأنك بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: "نُعِيَت إليَّ نفسي يا بن مسعود". قلت: استخلف. قال: "من؟ " قلت: عمر. فسكت ثم مضى ساعة، ثم تنفس فقلت: ما شأنك؟ قال: "نُعيَتْ إليَّ نفسي". قلت: فاستخلف. قال ﷺ: "من؟ " قلت: علي بن أبي طالب. قال ﷺ: "أما والذي نفسي بيده، لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أكتعين (*) ".
_________________
(١) = والحديث رواه ابن ماجة في "سننه"، كتاب الطهارة، باب: الوضوء بالنبيذ حديث (٣٨٥)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٩٤) من طريق أبي لهيعة بنفس الإسناد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال لابن مسعود ليلة الجن: "معك ماء؟، … الحديث فجعل الحديث من مسند ابن عباس وقد أورد الألباني هذا الحديث في "ضعيف سنن ابن ماجة" برقم (٨٥)، وانظر أيضًا مصباح الزجاجة (١/ ١٦٠).
(٢) - المسند (١/ ٤٤٩) (٤٢٩٤) ورواه عبد الرزاق في مصنفه (٢٠٦٤٦) بالإسناد المذكور مطولًا ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبراني في الكبير (٩٩٧٠) بنفس لفظ (المُصَنِّف) وعن الطبراني رواه أبو نعيم في "دلائل النبوة" كما ذكر ابن كثير هنا، وهو "حديث موضوع" في إسناده ميناء بن أبي ميناء، كذبه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٨ / الترجمة ١٨١١) وقال أبو زرعة: ليس بالقوي وضعفه الترمذي وغيره، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٨٨) وقال: رواه الطبراني وفيه ميناء وهو كذاب. وللحديث إسناد آخر عند الطبراني (٩٩٦٩) من طريق أبي عبد الله الجدلي، عن عبد الله بن مسعود وفي إسناده يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف. كذا قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣١٨). (*) صيغة من صيغ التوكيد. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- بياض في ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "أبو بكر". [¬٥]- في ز، خ: "ثم تنفس".
[ ١٣ / ٣٩ ]
وهو حديث غريب جدًّا وأحْرِ به أن لا يكون محفوظًا، وبتقدير صحته فالظاهر أن هذا بعد وفودهم إليه بالمدينة على ما سنورده، فإن في ذلك الوقت في آخر الأمر لما فتحت مكة، ودخل الناس والجان أيضًا [¬١] في دين الله أفواجًا، نزلت سورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾. وهي السورة التي نعيت نفسه الكريمة فيها إليه كما قد نص على ذلك ابن عباس، ووافقه عمر بن الخطاب عليه. وقد ورد في ذلك حديث سنورده عند تفسيرها، والله أعلم.
وقد رواه أبو نعيم أيضًا (^٤٥) عن الطبراني [¬٢]، عن محمد بن عبد الله الحضرمي [¬٣]، عن علي بن الحسين بن أبي بردة، عن يحيى بن سعيد [¬٤] الأسلمي، عن حرب بن صبيح، عن سعيد بن مسلمة، عن أبي مُرَّة الصنعاني، عن أبي عبد الله الجدلي، عن ابن مسعود، فذكره وذكر فيه قصة الاستخلاف، وهذا إسناد غريب، وسياق عجيب.
(طريق أخرى) قال الإِمام أحمد (^٤٦): حدثنا أبو سعيد، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي رافع، عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ خط حوله، فكان يجيء أحدهم مثل سواد النخل، وقال لي: "لا تبرح مكانك فأقرأهم كتاب الله". فلما رأى الزُّطَّ [¬٥] قال: "كأنهم هؤلاء". وقال النبي ﷺ: "أمعك ماء؟ ". قلت: لا. قال: "أمعك نبيذًا". قلت: نعم. فتوضأ به.
_________________
(١) - رواه الطبراني في معجمه الكبير (٦٩٦٩) عنه، ورواه أبو نعيم في "الدلائل" كما ذكر ابن كثير ﵀ هنا وإسناده ضعيف فإن يحيى بن يعلى الأسلمي "ضعيف" روى ابن عدي في الكامل (٧/ ٢٦٨٨) عن ابن معين قال: ليست بشيء. وقال البخاري في التاريخ الصغير (٢/ ٢٥٤): مضطرب الحديث، وضعفه أبو حاتم في الجرح والتعديل (٩ / الترجمة ٨٢٠). والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٣١٧ - ٣١٨) وعزاه للطبراني ثم قال: فيه يحيى بن يعلى الأسلمي وهو ضعيف". وانظر الحديث السابق.
(٢) - المسند (١/ ٤٥٥) (٤٣٥٣) ورواه الدارقطني (١/ ٧٧) من طريق محمد بن عباد المكي، نا أبو سعيد مولى بني هاشم نا حماد بن سلمة به. وقال الدارقطني عقبة: علي بن زيد ضعيف وأبو رافع لم يثبت سماعه من ابن مسعود وليس هذا الحديث في مصنفات حماد بن سلمة وقد رواه أيضًا عبد العزيز بن أبي رزمة وليس هو بقوي". ثم ذكر الدارقطني الحديث من طريق عبد العزيز بن أبي رزمة عن حماد به، وقد صحح العلامة أحمد شاكر = [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- بياض في ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "الحضري". [¬٤]- بياض في ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "المزعا".
[ ١٣ / ٤٠ ]
(طريق أخرى مرسلة) قال ابن أبي حاتم (^٤٧): حدثنا أبو [¬١] عبد الله الطهراني، أخبرنا حفص بن عمر العَدَني [¬٢]، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة في قوله تعالى [¬٣]: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، قال: هم اثنا عشر ألفًا جاءوا من جزيرة الموصل، فقال النبي ﷺ لابن مسعود: "أنظرني حتى آتيك"، وخط عليه [خِطّةً] [¬٤]، وقال: "لا تبرح حتى آتيك". فلما خشيهم ابنُ مسعود كاد أن يذهب، فذكر قولَ رسول الله ﷺ فلم يرح، فقال له النبي ﷺ: "لو ذهبتَ ما التقينا إلى يوم القيامة".
(طريق أخرى مرسلة أيضًا) قال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، قال: ذُكر لنا أنهم صُرفوا إليه [¬٥] من نينوَى، وأن نبي الله ﷺ قال: "إني أمرت أن أقرأ على الجن، فأيكم يتبعني؟ ". فأطرقوا، ثم استتبعهم فأطرقوا، ثم استتبعهم الثالثة فقال رجل: يا رسول الله؛ إن ذاك لذو ندبة (*) فأتبعه ابن مسعود أخو هذيل، قال: فدخل النبي ﷺ شعبًا يقال له "شعب الحَجُون"، وخط عليه، وخط على ابن مسعود ليثبته بذلك، قال: فجعلت أهال (**) وأرى [¬٦] أمثال النسور تمشي في رفوفها، وسمعت لغطًا [¬٧] (* * *) شديدًا حتى خفت
_________________
(١) = هذا الإسناد في تعليقه على المسند فقال بعد نقل كلام الدارقطني: وهو تعليل متهافت، فإن علي بن زيد قد رجحنا توثيقه، وأبو رافع الصائغ: تابعي مخضرم، أدرك الجاهلية، وهو ثقة مشهور، روى عن كبار الصحابة الخلفاء الأربعة فمن بعدهم فلا يلتفت إلى التشكيك في سماعه من ابن مسعود .. وأما أن الحديث ليس في مصنفات حماد بن سلمة فهذا من أعجب تعليل سمعناه وأضعفه! ". وهذا الكلام يسلم للعلامة أحمد شاكر فيه عدا توثيقه لعلي بن زيد فإنه قد ضعفه أحمد وابن معين والعجلي والجوزجاني والنسائي والدارقطني وغيرهم. وانظر الكلام على هذا الحديث في "نصب الراية" (١/ ١٤١ - ١٤٧).
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٦) وفي إسناده (حفص بن عمر السعدني) قال أبو حاتم: لين الحديث وقال النسائي: ليس بثقة وقال ابن عدي: عامة حديثه غير محفوظ وأخاف أن يكون ضعيفًا كما ذكره النسائي. وانظر ترجمته في "تهذيب الكمال" (٧ / ت ١٤٠٥) وشيخه الحكم بن أبان قال عنه الحافظ في "التقريب): صدوق عابد له أوهام. ومع هذا فالحديث مرسل، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧) الجزء الموقوف على عكرمة وعزاه لابن أبي حاتم وحده. (*) في ابن جرير: بدئة. (**) أهال: أخاف. وفعله: هال يهول هولًا، إذا خاف ورُعِبِ. (* * *) اللَّغِط: الصياح، والجَلَبَة. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "العبدي". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ت: خطأ. [¬٥]- سقط من: خ. [¬٦]- في ز، خ: "ورأى". [¬٧]- في ز: "لفظا".
[ ١٣ / ٤١ ]
على نبي الله ﷺ ثم تلا القرآن، فلما رجع رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله، ما اللغط [¬١] الذي سمعت؟ قال: "اختصموا في قتل، فقضي بينهم بالحق" (^٤٨). رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
فهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصدًا، فتلا عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله ﷿ وشرع الله لهم على لسانه ما هم محتاجون إليه في ذلك الوقت.
وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم، كما قاله ابن عباس ﵄.
ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود، وأما ابن مسعود فإنه لم يكن مع رسول الله ﷺ حال مخاطبته للجن ودعائه إياهم، وإنما كان بعيدًا منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه، ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي.
وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإِمام أحمد، وهي عند مسلم. ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى والله أعلم.
كما روى ابن أبي حاتم في تفسير ﴿قَلْ أُوْحِيَّ﴾ من حديث ابن جريج قال: قال عبد العزيز بن عُمَر: أما الجن الذين لقوه بنخلة فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة فجن نصيبين. وتأوله البيهقي على أنه يقول: "فبتنا بشر ليلة بات بها قوم". على غير ابن مسعود ممن [¬٢] لم يعلم بخروجه ﷺ إلى الجن، وهو محتمل على بُعْد، والله أعلم.
وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي (^٤٩): أخبرنا أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب، أخبرنا أبو بكر الإِسماعيلي، أخبرنا الحسن بن سفيان، حدثني سُوَيد بن سعيد، حدثنا عمرو بن يحيى، عن جده سعيد بن عمرو قال: كان أبو هريرة يَتْبَع رسول الله ﷺ بإداوة لوضوئه وحاجته، فأدركه يومًا فقال: "من هذا؟ " قال: أنا أبو هريرة. قال: "ائتني بأحجار أستنجي [¬٣] بها، ولا تأتني بعظم ولا رَوْثَة". فأتيته بأحجار في
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢٦/ ٣١)، وإسناده صحيح لكنه مرسل.
(٢) - رواه البيهقي في (دلائل النبوة) (٢/ ٢٣٣) ورواه في السنن الكبرى (١/ ١٠٧ - ١٠٨) قال: = [¬١]- في ز: "اللفظ". [¬٢]- في خ: "فمن". [¬٣]- في ت: "أستنج".
[ ١٣ / ٤٢ ]
ثوبي، فوضعتها إلى جنبه حتى إذا فرغ وقام اتبعته، فقلت: يا رسول الله، ما بال العظم والروثة؟ قال: "أتاني وَفدُ جن نصيبين، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة [¬١] إلا وجدوا طعامًا". أخرجه البخاري في صحيحه، عن موسى بن إسماعيل، عن عمرو بن يحيى، بإسناده قريبًا منه. فهذا يدل مع ما تقدم على أنهم وفدوا عليه بعد ذلك، وسنذكر ما يدل على تكرار ذلك.
وقد رُوِيَ عن ابن عباس غير ما ذكر عنه أولًا من وجه جيد فقال ابن جرير (^٥٠): حدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الحميد الحمَّاني، حدثنا النضر بن عربي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ … الآية، قال [¬٢] كانوا سبعة نفر من أهل نصيبين، فجعلهم رسول الله ﷺ رُسُلًا إلى قومهم، فهذا يدل على أنه قد روى القصتين.
_________________
(١) = أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ أن أبو بكر محمد بن عبد الله (الأسلمي) فذكره وفيه "أبغني أحجارًا أستنفص بها" والحديث رواه البخاري في (صحيحه) في الوضوء، باب الاستنجاء بالحجارة، حديث (١٥٥) وفي كتاب مناقب الأنصار، باب: إسلام سعد بن أبي وقاص ﵁، من طريقين عن عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو المكي عن جده به.
(٢) - تفسير ابن جرير الطبري (٢٦/ ٣٠ - ٣١) ورواه الطبراني في الكبير (١١٦٦٠) قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي أبو كريب .. فذكره بسنده ومتنه، وإسناده لا بأس به، فإن عبد الحميد الحماني صدوق وإن كان له أوهام كما قال ابن حجر في "التقريب" وشيخه النضر أبو عمر، هو النضر بن عربي الباهلي وثقه أحمد وابن معين وأبو زرعة. وقال أبو حاتم والنسائي وابن عدي: لا بأس به، ولم يضعفه غير ابن سعد، وجرحه فيه غير مفسر، وقد قال ابن حجر في "التقريب": لا بأس به. والحديث ذكره الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠٩) وقال: فيه النضر أبو عمر، وهو متروك وقد تبين ما في كلام الهيثمي ﵀ هذا. والحديث رواه الطبراني في الأوسط (٦) من طريق عفير بن معوان، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: صرفت الجن إلى رسول الله ﷺ مرتين، وكان أشراف الحسن بـ "نصيبين". ورواه البزار كما في مجمع الزوائد (٧/ ١٠٩) من طريق عفير بن معوان وفيه "كانت أشراف الجن بالموصل" وقال الهيثمي (فيهما - إسنادي الطبراني والبزار - عفير بن معوان وهو متروك). وللحديث طريق آخر عند الطبراني في (الأوسط) كما في (مجمع الزوائد): أن الجن الذين أتوا رسول الله ﷺ أتوه وهو بنخلة). وفي إسناده جابر الجحفي وهو ضعيف وقد أخرجه من هذه الطريق ابن جرير في "تفسيره" (٢٦/ ٣٣) وزاد السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٦) نسبته لابن المنذر وأبي نعيم في "الدلائل". [¬١]- في ت: "بروثة". [¬٢]- سقط: من ت.
[ ١٣ / ٤٣ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٥١): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا سويد بن عبد العزيز، حدثنا رجل سماه، عن ابن جريج، عن مجاهد: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ … الآية. قال: كانوا سبعة نفر، ثلاثة من أهل حران، وأربعة من أهل نَصيببن، وكانت أسماؤهم حيي وحسي ومسي، وشاصر، وناصر، والأزد [¬١]، وإبيان، والأحقم.
وذكر [أبو حَمْزَة] [¬٢] الثمالي أن هذا الحي من الجن كان يقال لهم: بنو الشيصبان، وكانوا أكثر [] [¬٣] الجن عددًا وأشرفهم [¬٤] نسبًا، وهم كانوا عامة جنود إبليس.
وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن زر [¬٥]، عن ابن مسعود. كانوا تسعة، أحدهم ذوبعة [¬٦]، أتوه من أصل نخلة (^٥٢).
وتقدم عنه أنهم كانوا خمسة عشر، وفي رواية: أنهم كانوا على ستين راحلة. وتقدم عنه أن اسم سيدهم وردان. وقيل: كانوا ثلاثمائة، وتقدم عن عكرمة أنهم كانوا اثني عشر ألفًا، فلعل هذا الاختلاف دليل على تكرر وفادتهم عليه صلوات الله وسلامه عليه، ومما يدل على ذلك ما قاله البخاري في صحيحه (^٥٣):
حدثنا يحيى بن سليمان، حدثني ابن وهب، حدثني عمر -هو ابن محمد- أن سالمًا حدثه، عن عبد الله بن عمر قال: ما سمعت عمر يقول لشيء قط [¬٧]: إني [لأظنه كذا] [¬٨] إلا كان كما يظن، بينما عمر بن الخطاب جالس، إذ مَرَّ به رجل جميل، فقال: لقد أخطأ [¬٩] ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية، أو لقد كان كاهنهم - عَلَيّ بالرجل، فَدُعي له [¬١٠] فقال له ذلك، فقال: ما رأيت كاليوم استُقبِلَ به رجل مسلم.
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٧) وفي إسناده سويد بن عبد العزيز وهو "ضعيف" كما قال الحافظ في "التقريب"، وشيخه مجهول، وابن جريح مدلس معروف بالتدليس. والخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.
(٢) - تقدم تخريجه رقم (٣٠).
(٣) - صحيح البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب: إسلام عمر بن الخطاب ﵁، حديث (٣٨٦٦). [¬١]- في ت: "والأرد". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ابن حزَّة". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في خ: "من". [¬٤]- في ز، خ: "وأبر لهم". [¬٥]- في ت: "ذر". [¬٦]- في ت: "ذوبعة". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "لأظن لكذا". [¬٩]- في خ: "أخذ". [¬١٠]- في ز، خ: "به".
[ ١٣ / ٤٤ ]
قال: فإني أعزم عليك إلا ما أخبرتني. قال: كنت كاهنَهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك [¬١] به جِنِّيَّتُك. قال: بينما أنا يومًا في السوق جاءتني أعرف فيها الفزع، فقالت:
ألم تر الجن وإبلاسها (¬*) … ويأسها من بعد إنكاسها (¬**)
ولحوقها بالقلاص وأحلاسها (¬***).
قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم، إذ جاء رجل بعجل فذبحه، فصرخ كه صارخ، لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه، يقول: يا جَليح، أمرٌ نَجِيح، رجل فصيح يقول: "لا إله إلا الله". فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا؟ ثم نادى: يا جَليِح؛ أمر نَجِيح، رجل فصيح، يقول: "لا إله إلا الله". فقمت، فما نَشِبنا (¬****) أن قيل: هذا نبي. هذا سياق البخاري، وقد رواه البيهقي من حديث ابن وهب، بنحوه، ثم قال: وظاهر هذه الرواية يُوهم [¬٢] أن عمر بنفسه سمع الصارخ يصرخ من العجل الذي ذُبِح، وكذلك هو صريح و[¬٣] في رواية ضعيفة عن عمر [في إسلامه] [¬٤]، وسائر الروايات تدل على أن هذا الكاهن هو الذي أخبر كذلك عن رؤيته [¬٥] وسماعه. والله أعلم (^٥٤).
وهذا الذي قاله البيهقي هو المتجه، وهذا الرجل هو سواد بن قارب، وقد ذكرت [¬٦] هذا مُستقصى في "سيرة عمر" ﵁ فمن أراده فليأخذه من ثَمَّ، ولله الحمد.
قال البيهقي (^٥٥): حديث سواد بن قارب، ويشبه أن يكون هذا: هو [¬٧] الكاهن الذي لم
_________________
(١) (¬*) الإبلاس: اليأس. (¬**) الإنكاس: الانقلاب. قال ابن فارس: معناه أنها يئست من استراق السمع بعد أن كانت قد ألقته. (¬***) القلاص: جمع الجمع لقلوص، وهي الفتية من الإبل. والأحلاس جمع حِلس، وهو ما يوضع على ظهور الإبل تحت الرحل. وهذا القسيم الأخير غير موزون. (¬****) أي لم تتعلق بشيء، من الأشياء حتى سمعنا أن النبي ﷺ قد خرج. يريد أن ذلك كان بقرب مبعث النبي ﷺ.
(٢) - انظر (دلائل النبوة) للإمام البيهقي (٢/ ٢٤٥).
(٣) - انظر (دلائل النبوة) (٢/ ٢٤٨) والحديث رواه البيهقي كما نقله المصنف، وإسناده ضعيف؛ أبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي ثقة؛ لكنه يدلس وقد عنعن، والحد يث له طريق آخر، رواه الحسن بن سفيان وأبو يعلى كما في "الإصابة" (٤/ ٢٩٥) الطبراني في الكبير (٦٤٧٥) والحاكم في = [¬١]- في ز: "حدثتك". [¬٢]- في ز، خ: "توهم". [¬٣]- في ز، خ: "صريحًا". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "ويته". [¬٦]- في خ: "ذكر".
[ ١٣ / ٤٥ ]
يذكر اسمه في الحديث الصحيح.
أخبرنا أبو القاسم الحسن بن [محمد بن] [¬١] حبيب المفسر من أصل سماعه، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصبهاني قراءة عليه، حدثنا أبو جعفر [¬٢] أحمد بن موسى الحمَّار الكوفي بالكوفة [¬٣]، حدثنا زياد بن يزيد بن بادويه أبو كر القصري، حدثنا محمد بن النواس الكوفي، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس على منبر رسول الله ﷺ إذ قال: يا [¬٤] أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السنة، فلما كانت السنة المقبلة قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين، وما سواد بن قارب؟ قال: فقال له عمر: إن سواد بن قارب كان بَدْءُ اسلامه شيئًا عجييًا، قال: فبينا نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب، قال: فقال له عمر: يا سواد، حدِّثْنا
_________________
(١) = المستدرك (٨/ ٦٠٣ - ٦١٠) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٥٢) وأبو نعيم في الدلائل (ص:٧٣) من طريق علي بن منصور الأنباري، عن عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن محمد بن كعب القرظي قال: بينما عمر بن الخطاب ﵁ قاعد في المسجد إذ مر رجل في مؤخر المسجد فقال رجل: يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار؟ قال: لا، فمن هو؟ قال: سواد بن قارب وهو رجل من أهل اليمن … الحديث، وسكت عليه الحاكم فتعقبه الذهبي في تلخيص المستدرك لقوله: "الإسناد منقطع". وللحديث طريق ثالث: رواه البخاري في التاريخ (٢/ ٢٠٤) والطبراني في الكبير (٦٤٧٦)، والبغوي كما في "الإصابة" (٤/ ٢٩٤) والبيهقي في الدلائل (٢/ ٢٥٣) من طريق عباد بن عبد الصمد قال: سمعت سواد بن قارب الأزدي يقول: فذكر القصة. وطريق رابع: رواه ابن أبي خيثمة والروياني كما في الإصابة (٤/ ٢٩٣) وذكره ابن الأثير في "أسد الغابة" (٢/ ٢٨٥) عن أبي جعفر الباقر قال: دخل رجل يقال له: سواد بن قارب الدوسي على عمر … الحديث. وهو مرسل فإن أبا جعفر الباقر لم يدرك جده عليًّا فكيف يدرك عمر قال ابن أبي حاتم في المراسيل (ص ١٨٥ - ١٨٦): سمعت أبا زرعة يقول: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ لم يدرك هو ولا أبوه عليًّا ﵁. وقال الترمذي في "الجامع" عقب الحديث (١٥١٩): أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين لم يدرك علي بن أبي طالب. وطريق خامس: رواه ابن شاهين كما في الإصابة (٤/ ٢٩٤) من طريق الفضل بن عيسى القرشي، عن العلاء بن ديزل عن أنس بن مالك قال: دخل رجل من دوس يقال له: سواد بن قارب على النبي ﷺ فذكر القصة لطولها، وإسناده ضعيف جدًّا (العلاء بن ديزل) متروك قال الذهبي في الميزان (٤/ ١٩): تالف وقال الحافظ في "التقريب": متروك ورموا أبو الوليد بالكذب. وطريق سادس: رواه الحسن بن سفيان كما في "الإصابة" من طريق الحسن بن عمارة عن عبد الله بن [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٢]- في ز، خ: "حنيف". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من ت.
[ ١٣ / ٤٦ ]
ببدء [¬١] إسلامك، كيف كان؟ قال سواد: فإني كنت نازلًا بالهند، وكان [¬٢] لي رَئِيٌّ (*) من الجن، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم، إذ جاءني في منامي ذلك قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤي بن غالب، ثم أنشأ يقول:
عجبتُ للجنِّ [¬٣] وأنجاسها [¬٤] … وَشدِّها العِيسَ [¬٥] بأحلاسها
تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … مَا مُؤمنُو الجِنّ كأرْجَاسِها
فانهض إلى الصفوة من هاشم … واسمُ بعينيك إلى راسها
قال: ثم أنبهني فأفزعني، وقال: يا [¬٦] سواد بن قارب، إن الله بعث نبيًّا [¬٧]." فانهض إليه تَهْتَد وتَرشُد. فلما كان من الليلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم أنشأ، يقول كذلك:
عَجِبْتُ للْجِنّ وَتَطْلابها … وشدها العيس بأقتابها
تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … لَيس قداماها [¬٨] كَأَذنَابِها
فَانْهَض إلى الصَّفْوَة مِن هَاشِم … واسمُ بعينيك إلى نَابِها
فلما كان في الليلة الثالثة أتاني فأنبهني ثم قال:
عجبت للجن وتخبارها … وشدها العيس بأكوارها
تَهْوي إلى مَكَّةَ تَبْغي الهُدَى … لَيس ذَوُو الشرِّ كأخيارهَا
فَانْهَض إلَى الصَّفْوَة منْ هَاشِم … ما مُؤمنُو الجِنّ كَكُفَّارها
قال [] [¬٩]: فلما سمعته تكرر ليلة بعد ليلة، وقع في قلبي حب الإِسلام من أمر رسول الله ﷺ ما شاء الله، قال: فانطلقت إلى رحلي فشددته على راحلتي [¬١٠]، فما حللت نشعةً ولا عقدت أخرى حتى أتيت رسول الله ﷺ، فإذا هو بالمدينة -يعني مكة- والناس عليه كعُرْف الفرس، فلما رآني النبي ﷺ قال: ""مرحبًا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك". قال:
_________________
(١) = عبد الرحمن قال: دخل سواد بن قارب على عمر فذكر الحديث بطوله. والحسن بن عمارة متروك كما في "التقريب". (*) الرِّئِيُّ: الجني يعرض للإنسان ويطلعه على ما يزعم من الغيب أو يلهمه الشعر. [¬١]- في ز، خ: "ببدو". [¬٢]- في ز، خ: "فكان". [¬٣]- في خ: "من الجن". [¬٤]- في ز، في: "ألحاسها". [¬٥]- في ت: "العين". [¬٦]- سقط من: ز. [¬٧]- في ز، خ: "نبينا". [¬٨]- في ت: "قدامها". [¬٩]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "قلت". [¬١٠]- في ز، خ: "راحلته".
[ ١٣ / ٤٧ ]
قلت: يا رسول الله، قد قلت شعرًا، فاسمعه مني. قال سواد: فقلت:
أَتانِي رَئِيٌّ بعد لَيلٍ وهَجْعَةٍ … وَلم يَكُ فِيما قَدْ بَلَوتُ بِكَاذبِ
ثَلاثُ لَيَال قَولُه كُلَّ لَيلَة: … أتاك رسولٌ من لُؤيّ بن غَالبَ
فَشَمَّرتُ عَنْ سَاقي الإزَارَ ووسطت … بي الزِّعلب الوَجْنَاءُ [¬١] عند السَّبَاسب
فأشهد أن الله لا شيء غيرُه … وأنَّك مأمونٌ على كلِّ غائبِ
وأنكَ أدنى المرسلينَ شفاعةً … إلى الله يا بنَ الأكرمينَ الأطايبِ
فَمُرنَا بمَا يَأتِيكَ يا خَيرَ مرسل [¬٢] … وإن كان فيما جاء شيب الذوائب
وكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعةٍ … سِوَاكَ بمغن عن سَوَاد بن قَارب
قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال لي: "أفلحت يا سواد": فقال له عمر: هل يأتيك رَئيّك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوضُ كتابُ الله من الجن. ثم أسنده البيهقي من وجهين آخرين.
ومما يدل على وفادتهم إليه ﵇ بعد ما هاجر إلى المدينة الحديث الذي رواه الحافظ أبو نعيم في كتاب "دلائل النبوة":
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا محمد بن عبدة [¬٣] المصيصي، حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية بن سلام، عن زيد بن أسلم: أنه سمع أبا سلام يقول: حَدَّثَني من حَدَّثه عَمرو بن غيلان الثقفي قال: أتيت عبد الله بن مسعود فقلت له: حُدِّثت أنك كنتَ مع رسول الله ﷺ ليلة وفد الجن؟ قال: أجل. قلت: حدثني كيف كان شأنه؟ فقال: أن أهل الصفة (*) أخَذَ كل رجلٍ منهم رجلٌ يُعَشيه، وتُركت فلم يأخذني أحد منهم، فمر بي رسول الله ﷺ فقال: "من هذا؟ " فقلت: أنا ابن مسعود. فقال: "ما أخذك أحد يعشِّيك؟ ". فقلت: لا، قال: "فانطلق لعلِّي أجد لك شيئًا". قال [¬٤]: فانطلقنا حتى أتى حُجرة أم سلمة فتركني ودخل إلى أهله، ثم خرجت الجارية فقالت: يا بن مسعود، إن رسول الله لم يجد لك عشاءً، فارجع إلى مضجعك. قال: فرجعت إلى المسجد، فجمعت حصباء المسجد فتوسدته، والتففت بثوبي، فلم ألبث إلا قليلًا حتى جاءت الجارية، فقالت: أجب رسول الله. فاتبعتها وأنا أرجو العَشاء، حتى إذا [¬٥] بلغت مقامي، خرج رسول الله ﷺ وفي يده
_________________
(١) (*) هم فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. [¬١]- في ز: "الرجا". [¬٢]- في خ: "من مشى". [¬٣]- في ز، خ: "عبيد". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٤٨ ]
عَسِيب (*) من نخل فعرض [¬١] به على صدري فقال [¬٢]: "أتنطلق أنت معي حيث انطلقت؟ ". قلت: ما شاء الله. فأعادها علي ثلاث مرات، كل ذلك أقول: ما شاء الله، فانطلق وانطلقت معه، حتى أتينا بقيع الغَرْقد، فخط بعصاه خِطَّة [¬٣]، ثم قال: "اجلس فيها، ولا تبرح حتى آتيك". ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه خلال النخل، حتى إذا كان من حيث لا أراه ثارت العَجَاجة السوداء، فَفَرقْتُ (**) فقلت: ألحق برسول الله ﷺ، فإني أظن أن هوازن مَكَروا برسول الله ﷺ ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت، فاستغيث الناس. فذكرت أن رسول الله ﷺ أوصاني: أن لا أبرح مكاني الذي أنا فيه، فسمعت رسول الله ﷺ يقرعهم بعصاه ويقول: "اجلسوا". فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا وذهبوا، فأتاني رسول الله ﷺ فقال: "أنمت بعدي؟ " فقلت: لا، ولقد فزعت الفزعة الأولى، حتى رأيت أن آتي البيوت فأستغيثَ الناس حتى سمعتك تقرعهم بعصاك، وكنت أظنها هوازن، مكروا برسول الله ﷺ ليقتلوه. فقال: "لو أنك خرجت من هذه الحلقة ما آمنهم عليك أن يختطفك بعضهم، فهل رأيت من شيء منهم؟ ". فقلت: رأيت رجالًا سودًا مستشعرين [¬٤] بثياب بيض. فقال رسول الله ﷺ: "أولئك وفد جن نَصيبين، أتوني [¬٥] فسألوني الزاد [¬٦] والمتاع، فمتعتهم بكل [¬٧] عظمًا حائل أو روثة أو بعرة". قلت: وما يغني عنهم ذلك؟ قال: "إنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان علية يوم أُكل، ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها الذي كان فيها يوم أُكلت، فلا يستنقي أحد منكم بعظم ولا بعرة".
وهذا إسناد غريب جدًّا، ولكن فيه رجل مبهم لم يسم. وقد روى الحافظ أبو نعيم من حديث بقية بن الوليد، حدثني [نمير بن زيد القنبر، حدثنا أبي، حدثنا قحافة بن ربيعة حدثني الزبير] [¬٨] بن العوام قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف، قال: "أيكم يتبعني إلى وفد الجبن الليلة؟ ". فأسكت القوم ثلاثًا، فمر بي فأخذ بيدي، فجعلت أمشي معه حتى حبست عنا جبال المدينة كلها، وأفضينا إلى أرض براز فإذا برجال طوال كأنهم الرماح، [مستشعرين بثيابهم من بين
_________________
(١) (*) جريدة من النخل، وهي الشعفة مما لا ينبت عليه الخوص. (**) فرق: خاف. [¬١]- في ز، خ: "فقبض". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ت: "خطًّا". [¬٤]- في. ز، خ: "مستنفرين". [¬٥] سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "المزاد". [¬٧]- في ز: "كل". [¬٨]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ.
[ ١٣ / ٤٩ ]
أرجلهم، فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة] [¬١] … ثم ذكر نحو حديث ابن مسعود المتقدم، وهذا حديث غريب، والله أعلم.
ومما يتعلق بوفود الجن ما رواه الحافظ أبو نعيم (^٥٦): حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أبو الطيب أحمد بن روح، حدثنا يعقوب الدورقي، حدثنا الوليد بن بكير التميمي، حدثنا حصين بن عمر، أخبرني عبيد المكتب، عن إبراهيم قال: خرج نفر من أصحاب عبد الله يريدون الحج، حتى إذا كانوا في بعض الطريق إذا هم بحية تنثني على الطريق أبيضَ، ينفح منه ركح المسك، فقلت لأصحابي: امضوا، فلست ببارح حتى أنظر إلى ما يصير إليه أمر هذه الحية.
قال: فما لبثت أن ماتت، فعمدت إلى خرقة بيضاء فلففتها فيها ثم نحيتها عن الطريق فدفنتها، وأدركت أصحابي في المتعشى. قال: فوالله إنا لقعود إذ أقبل أربع نسوة من قبل المغرب، فقالت واحدة منهن: أيكم دفن عمرًا؟ قلنا: ومن عَمْرو؟، قالت: أيكم دفن الحية؟ قال: قلت: أنا. قالت: أما والله لقد دفنت صوَّامًا قوَّامًا، يأمر بما أنزل الله، ولقد آمن بنبيكم، وسمع صفته من السماء قبل أن يبعث بأربعمائة عام. قال الرجل: فحمدنا الله ثم قضينا حجتنا ثم مررت بعمر بن الخطاب في المدينة فأنبأته بأمر الحية، فقال: صدقت، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد آمن بي قبل أن أبعث بأربعمائة سنة".
وهذا حديث غريب جدًّا والله أعلم.
قال أبو نعيم: وقد روى الثوري، عن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن رجل من ثقيف، بنحوه (^٥٧). وروى عبد الله بن أحمد والطهراني، عن صفوان بن المعطل -هو الذي نزل ودفن تلك الحية من بين الصحابة- وأنهم قالوا: أما [¬٢] إنه آخر التسعة موتًا الذين أتوا رسول
_________________
(١) - " دلائل النبوة" لأبي نعيم (ص ٣٠٦ - ٣٠٧) وقد رواه أبو محمد بن حيان في كتاب "العظمة" رقم (١٠٩٩) وإسناده ضعيف؛ فإن في إسناده حصين بن عمرو وهو متروك. كما قال الحافظ في "التقريب".
(٢) - هذه الرواية التي ذكرها أبو نعيم روى نحوها الحكيم الترمذي في (نوادره) كما في (الإصابة) (٢/ ٥٢٧ - ترجمة عمرو بن جابر الجنبي)، من طريق سفيان، عن أبي إسحاق، عن ثابت بن قطبة الثقفي قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إنا كنا في سفر فمررنا بحية مقتولة في دمها فواريناها … القصة وفي إسناده أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: خ.
[ ١٣ / ٥٠ ]
الله ﷺ يستمعون القرآن (^٥٨).
وروى أبو نعيم (^٥٩) من حديث الليث بن سعد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن عمه عن معاذ بن عبيد [¬١] الله بن معمر قال: كنت جالسًا عند عثمان بن عفان فجاء رجل فقال: يا أمير المؤمنين؛ إني كنت بفلاة من الأرض، فذكر أنه رأى ثعبانين [¬٢] اقتتلا ثم قتل أحدهما الآخر، قال: فذهبت إلى المعترك، فوجدت حيات كثيرة مقتولة، وإذا ينفح من بعضها ريح المسك، فجعلت أشمها واحدة واحدة، حتى وجدت ذلك من [¬٣] حية صفراء دقيقة [¬٤]، فلففتها في عمامتي ودفنتها. فبينا أنا أمشي إذ ناداني مناد: يا عبد الله؛ لقد هديت! هذان [¬٥] حيان من الجن بنو أشعيبان وبنو أقيش التقوا، فكان من القتل [¬٦] ما رأيت، واستشهد الذي دفنته، وكان من الذين سمعوا الوحي من رسول الله ﷺ. قال: فقال عثمان لذلك الرجل: إن كنت صادقًا فقد رأت عجبًا، وإن كنت كاذبًا فعليك كذبك.
فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: طائفة من الجن ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ أي: استمعوا وهذا أدب منهم.
_________________
(١) - رواه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٥/ ٣١٢) وقد تحرف في المطبوع من المسند فجعل من رواية أحمد وهو خطأ - والطبراني في الكبير (٨/ ٦٣) رقم (٧٣٤٥) والحاكم في المستدرك (٣/ ٥١٩) والبارودي، وابن مردوية في "التفسير" كما في الإصابة (٢/ ٥٢٧) من طريق مسلم بن قتيبة عمرو بن نبهان عن سلام أبي عيسى، عن صفوان بن المعطل قال: خرجنا حجاجًا فلما كنا بالعرج إذا نحن بحية تضطرب فلم تلبث أن ماتت … فذكر القصة وسمى الجنبي "عمرو بن جابر" وإسناده ضعيف عمرو بن نبهان العبدي متروك كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٥).
(٢) - دلائل النبوة (ص ٣٠٥) لكن الذي في المطبوع من الدلائل قال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد قال: حدثنا مطلب بن شعيب قال: حدثنا عبد الله بن صالح قال: حدثني عبد العزيز سلمة الماجشون عن معاذ بن عبد الله بن معمر قال: كنت جالسًا عند عثمان … الحديث. وليس في الإسناد ذكر "عم عبد العزيز الماجشون" وقد روى هذا الحديث أبو الشيخ ابن حيان في العظمة رقم (١١٠٠) من طريق يحيى بن كثير قال: حدثني الليث عن عبد العزيز الماجشون عن عمه معاذ بن عبد الله بن معمر قال: كنت عند عثمان فذكره. ورواه ابن أبي الدنيا في "آكام المرجان" (ص: ٤٣) من طريق آخر عن عبد العزيز به نحوه، ومعاذ بن عبيد الله بن معمر ذكره البخاري في التاريخ (٧ / ت ١٥٦٠) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل = [¬١]- في ز، خ: "عبد". [¬٢]- في ز: "ثعبانات". [¬٣]- في خ: "في". [¬٤]- في ت: "رقيقة". [¬٥]- في ز: "هذا". [¬٦]- في ت: "القتلى".
[ ١٣ / ٥١ ]
وقد قال الحافظ البيهقي (^٦٠): حدثنا الإِمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان، أخبرنا أبو الحسن محمد بن عبد الله الدقاق، حدثنا محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، حدثنا هشام بن عمار الدمشقي، حدثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قرأ رسول الله ﷺ "سورة الرحمن" حتى ختمها، ثم قال: "ما لي أراكم سكوتًا لَلْجنّ كانوا أحسن منكم ردًّا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. إلا قالوا: ولا بشيء من آلائك أو نعمك - ربنا - نكذب، فلك الحمد. ورواه الترمذي. في التفسير، عن أبي مسلم عبد الرحمن بن واقد، عن الوليد بن مسلم، به.
قال: "خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن …، فذكره، ثم قال الترمذي: غرب لا نعرفه إلا من حديث الوليد، عن زهير. كذا قال: وقد رواه [¬١] البيهقي من حديث مروان بن محمد الطاطري عن زهير بن محمد به مثله.
وقوله: ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أي: فرغ. كقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيتُمُ الصَّلَاةَ﴾. ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾ ﴿فَإِذَا قَضَيتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾.
﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أي: رجعوا إلى قومهم فأنذروهم ما سمعوه من رسول الله ﷺ، كقوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
وقد استُدِلَّ بهذه الآية على أنه في الجن نُذُرٌ، وليس فيهم رسل. ولا شك أن الجن لم
_________________
(١) = (٨ / ت ١١٢٠) ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٤٢٢) ومثل هذا يحسن حديثه خصوصًا أنه قد روى عنه عبد الله بن أبي مليكة كما ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يتفرد كالرواية عنه عم الماجشون. "وعم عبد العزيز الماجشون" هو يعقوب بن أبي سلمة الماجشون وهو صدوق كما في "التقريب".
(٢) - دلائل النبوة (٢/ ٢٣٢) ورواه الترمذي في "سننه" كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة الرحمن حديث (٣٢٩١) قال: حدثنا عبد الرحمن بن واقد أبو مسلم السعدي حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد به. وقال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمد. قال ابن حنبل: كان زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يروي عنه بالعراق كأنه رجل آخر قلبوا اسمه يعني لما يروون عنه من المناكير، وسمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة". = [¬١]- في ت: "روى".
[ ١٣ / ٥٢ ]
يبعث الله منهم رسولًا لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. وقال عن إبراهيم الخليل: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته، فأما قوله تعالى في الأنعام: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾، فالمراد من مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإِنس، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، أي: أحدهما. ثم إنه تعالى فسر [¬١] إنذار الجن لقومهم فقال مخبرًا عنهم: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾، ولم يذكروا عيسى لأن عيسى ﵇ أنزل عليه الإِنجيل فيه مواعظ وترقيقات وقليل من التحليل والتحريم، وهو في الحقيقة كالمتمم لشريعة التوراة، فالعمدة هو التوراة، فلهذا قالوا: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾. وهكذا قال ورقة بن نوفل، حين أخبره النبي ﷺ بقصة نزول جبريل عليه أول مرة، فقال: بَخٍ بَخٍ هذا الناموس الذي كان يأتي موسى، يا ليتني أكون فيها جذعًا.
﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة قبله على الأنبياء. وقولهم: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: في الاعتقاد والإِخبار، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، في الأعمال، فإن القرآن يشتمل [¬٢] على شيئين: خبر، و[¬٣] طلب، فخبره صدق، وطلبه عدل، كما قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾. فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق: هو العمل الصالح. وهكذا قالت الجن: ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ في الاعتقادات، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: في العمليات.
﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾، فيه دلالة على أنه تعالى أرسل محمدًا صلوات الله وسلامه عليه إلى الثقلين الإنس والجن حيث دعاهم إلى الله، وقرأ عليهم السورة التي فيها خطاب القومين [¬٤]، وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم، وهي سورة الرحمن، ولهذا قال: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾.
وقوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ قيل: إن "من" هاهنا زائدة، وفيه نظر، لأن
_________________
(١) = ومن هذا الوجه رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٧٣) وصححه على شرط الشيخين وافقه الذهبي! وهو وهم منهما رحمهما الله. لكن الحديث صحيحه الألباني في السلسة الصحيحة (٢١٥٠) بشواهد وسيورد ابن كثير ﵀ الحديث مرة أخرى في تفسير الرحمن. [¬١]- في ز: "قدر"، خ: "قرر". [¬٢]- في خ: "مشتمل". [¬٣]- في ز، خ: "أو". [¬٤]- في ت: "الفريقين".
[ ١٣ / ٥٣ ]
زيادتها في الإِثبات [¬١] قليل. وقيل: إنها على بابها للتبعيض، ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: ويقيكم من عذابه الأليم.
وقد استدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الجن المؤمنين لا يدخلون الجنة، وإنما جزاء صالحيهم أن يجاروا من عذاب النار يوم القيامة، ولهذا قالوا هذا في هذا المقام، وهو مقام تبجح [¬٢] ومبالغة، فلو كان لهم جزاء على الإِيمان أعلى من هذا لأوشك أن يذكروه.
قال ابن أبي حاتم (^٦١): حدثنا أبي قال: حُدِّثت عن جرير، عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: لا يدخل مؤمنو الجن الجنة، لأنهم من ذرية إبليس، ولا تدخل ذرية إبليس الجنة.
والحق أن مُؤمنَهم كمؤمن [¬٣] الإنس يدخلون الجنة، كما هو مذهب جماعة من السلف، وقد استدل بعضهم لهذا بقوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ وفي هذا الاستدلال نظر. وأحسن منه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. فقد امتن تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي [¬٤] أبلغ من الإِنس، فقالوا: "ولا بِشَيءٍ [¬٥] من آلائك ربنا نكذب، فلك الحمد".
فلم يكن تعالى ليمتنّ عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضًا فإنه إذا كان يجازى كافرهم بالنار - وهو مقام عدل - فَلأنْ يجازى [¬٦] مؤمنهم بالجنة - وهو مقام فَضل- بطريق الأولى والأحرى.
ومما يدل أيضًا على ذلك عمومُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾، وما أشبه ذلك من الآيات. وقد أفردت هذه المسألة في جزء على حدة، ولله الحمد والمنة.
وهذه الجنة لا يزال فيها فضل حتى ينشيء الله لها خلقًا، أفلا يسكنها من آمن به وعمل له صالحًا؟ وما ذكروه هاهنا من الجزاء على الإِيمان من تكفير الذنوب والإِجارة من العذاب الأليم، هو يستلزم دخول الجنة، لأنه ليس في الآخرة إلا الجنة أو النار، فمن أجير من النار
_________________
(١) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٧) (١٨٥١٨) وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف كما تقدم مرارًا. [¬١]- في ز، خ: "الآيات". [¬٢]- في ز، خ: "تنح". [¬٣]- في ت: "كمؤمني". [¬٤]- في ز: "بياض"، سقط من: خ. [¬٥]- في ز، خ: "شيء". [¬٦]- في ز، خ: "يجزى".
[ ١٣ / ٥٤ ]
دخل الجنة لا محالة.
ولم يرد معنا نص صريح ولا ظاهر عن الشارع أن مؤمني [¬١] الجن لا يدخلون الجنة وإن أجيروا من النار، ولو صح لقلنا به، والله أعلم.
وهذا نوح ﵇ يقول لقومه: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى] [¬٢]﴾. ولا خلاف أن مؤمني قومه في الجنة، فكذلك هؤلاء.
وقد حُكي فيهم أقوال غريبة فعن عُمَر بن عبد العزيز: أنهم لا يدخلون بُحْبُوحَةَ [¬٣] (*) الجنة وإنما يكونون في رَبَضِها (**) وحولها وفي أرجلائها [¬٤]. ومن الناس من زعم أنهم في الجنة يراهم بنو آدم ولا يرون هم بني آدم عكس ما كانوا عليه في الدار الدنيا. ومن الناس من قال: يأكلون في الجنة ولا يشربون، وإنما يلهمون التسبيح والتحميد والتقديس، عِوَضًا عن الطعام والشراب كالملائكة، لأنهم من جنسهم. وكل هذه الأقوال فيها نظر، ولا دليل عليها.
ثم قال مخبرًا عنهم: (﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: بل قدرة الله شاملة له ومحيطة به، ﴿وَلَيسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ﴾ أي: لا يجيرهم منه أحد ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا مقامُ تهديد وترهيب، فَدَعَوا [¬٥] قومهم بالترغيب والترهيب، ولهذا نجع في كثير منهم، وجاءوا إلى رسول الله ﷺ وفودًا وفودًا، كما تقدم بيانه [ولله الحمد والمنة] [¬٦].
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ
_________________
(١) (*) أي وسطها. وبحوبحة الدار: وسطها. يقال: تبحبح إذا تمكَّن وتوَّسَط المنزل والمقام. (**) رَبَض الجنة: ما حولها خارجًا عنها، تشبيهًا بالأبنية التي تكون حول المدن وتحت القلاع. [¬١]- في ز، خ: "مؤمنوا". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ، ز: "ويجركم من عذاب أليم". [¬٣]- في ز، خ: "بحبحة". [¬٤]- في خ: "رحابها". [¬٥]- في ز، خ: "يدعوا". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.
[ ١٣ / ٥٥ ]
مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾
يقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أي: هؤلاء المنكرون للبعث يوم القيامة، المستبعدون لقيام الأجساد يوم المعاد ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ أي: ولم يَكْرثهُ [¬١] (*) خَلْقُهن، بل قال لها: "كوني" فكانت، بلا ممانعة ولا مخالفة، بل طائعة مجيبة خائفة وَجلة، أفليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ كما قال في الآية الأخرى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ولهذا قال: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ ثم قال متهددًا ومتوعدًا لمن كفر به: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾ أي: يقال لهم: أما هذا حق؟ أفسحر هذا؟ أم أنتم لا تبصرون؟ ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ أي: لا يسعهم إلا الاعتراف ﴿قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾.
ثم قال تعالى آمرًا رسوله بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه، ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: [على تكذيب] [¬٢]. قومهم، وقد اختلفوا في تعداد أولي العزم على أقوال، وأشهرها أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وخاتم الأنبياء كلهم محمد، ﷺ و[¬٣] قد نص الله على [¬٤] أسمائهم من بين الأنبياء في آيتين من سُورَتَي "الأحزاب" و"الشورى" وقد يحتمل أن يكون المراد بأولي العزم جميع الرُّسُل، وتكون "من" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ لبيان الجنس، والله أعلم. وقد قال ابن أبي حاتم (^٦٢):
حدثنا محمد بين الحجاج الحضرمي، حدثنا السري [¬٥] بن حَيان، حدثنا عباد بن عباد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت لي عائشة: ظل رسول الله
_________________
(١) (*) كرثه الأمر وغيره: اشتد عليه وبلغ منه المشقة.
(٢) - تفسير ابن أبي حاتم (١٠/ ٣٢٩٧) (١٨٥٨٣) وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف قال الحافظ في "التقريب": ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره. والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٧ - ١٨) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم. [¬١]- في خ: "يكده". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "بتكذيب". [¬٣]- سقط من ت. [¬٤]- في ز، خ: "في". [¬٥]- في ز، خ: "السُّدِّي".
[ ١٣ / ٥٦ ]
ﷺ صائمًا ثم طواه، ثم ظل صائمًا ثم طواه، ثم ظل صائمًا. قال: "يا عائشة، إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها والصبر عن [¬١] محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم، فقال: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾. وإني - والله - لأصبرن كما صبروا جهدي، ولا قوة إلا بالله".
﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ أي: لا تستعجل لهم حلول العقوبة بهم. كقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ وكقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا﴾. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ كقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾، وكقوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَينَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾.
وقوله: ﴿بَلَاغٌ﴾. قال ابن جرير: يحتمل معنيين، أحدهما: أن يكون تقديره: وذلك لبثَ بلاغ.
والآخر: أن يكون تقديره: هذا القرآن بلاغ.
وقوله: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: لا يهلك على الله إلا هالك، وهذا من عدله تعالى أنه لا يعذب إلا من يستحق العذاب.
[آخر تفسير سورة الأحقاف].
* * *
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: "على".
[ ١٣ / ٥٧ ]