قد تقدم في صحيح مسلم (^١)، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يومَ الجمعة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾.
وقال عبد الله بن وهب، أخبرنا ابن زيد، أن رسول الله ﷺ قرأ هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾، وقد أنزلت عليه وعنده رجل أسود، فلما بلغ صفة الجنان، زفر زفرة فخرجت نفسه. فقال رسول الله ﷺ: "أخرج نفس صاحبكم -أو قال: أخيكم- الشوقُ إلى الجنة". مرسل غريب.
﷽
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الإنسان أنه أوجده بعد أن لم يكن شيئًا يذكر، لحقارته، وضعفه، فقال: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا﴾.
ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، أي: أخلاط. والمشج والمشيج: الشيء الخَليط، بعضه في بعض.
قال ابن عباس في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾، يعني: ماء الرجل وماء المرأة إذا اجتمعا واختلطا، ثم ينتقل بعدُ من طور إلى طور، وحال إلى حال، ولون إلى لون. وهكذا قال عكرمة، ومجاهد، والحسن، والربيع بن أنس: الأمشاج هو اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
وقوله: ﴿نَبْتَلِيهِ﴾، أي: نختبره، كقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، أي: جعلنا له سمعًا وبصرًا يتمكن بهما من الطاعة والمعصية.
وقوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾، أي: بيناه له ووضحناه وبصرناه به، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾. وكقوله: ﴿وَهَدَينَاهُ النَّجْدَينِ﴾، أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول عكرمة، وعطية، وابن زيد، ومجاهد - في المشهور عنه -
_________________
(١) تقدم تخريجه في أول سورة السجدة.
[ ١٤ / ٢٠٦ ]
والجمهور.
ورُوي عن مجاهد، وأبي صالح، والضحاك، والسدي أنهم قالوا في قوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾: يعني خروجه من الرحم. وهذا قول غريب، والصحيح المشهور الأول.
وقوله: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ منصوب على الحال من "الهاء" في قوله: ﴿إِنَّا هَدَينَاهُ السَّبِيلَ﴾: تقديره فهو في ذلك إما شقى وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم (^٢)، عن أبي مالك الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه فموبقها أو معتقها". وتقدم في "سورة الروم"، عند قوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا﴾ من رواية جابر بن عبد الله؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يُعرب عنه لسانه [فإذا أعرب عنه لسانه] [¬١]، فإما شاكرًا وإما كفورًا" (^٣).
وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا أبو عامر، حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد، عن المقبري، عن أبي هُرَيرة عن النبي ﷺ؛ قال: "ما من خارجٍ يخرج إلا ببابه رايتان: رايةُ بيد مَلَك، وراية بيد شَيطان، فإن خرج لما يُحِبّ الله اتبعَه الملك برايته، فلم يزل تحت راية الملك حتى يرجع إلى بيته. وإن خرج لما يُسخِط الله اتبعه الشيطان برايته، فلم يزل تحت راية الشيطان، حتى يرجع إلى بيته".
وقال الإِمام أحمد (^٥): حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن خُثَيم، عن عبد الرحمن بن سابط، عن جابر بن عبد الله؛ أن النبي ﷺ قال لكعب بن عُجْرة: "أعاذك الله من إمارة السفهاء". قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: "أمراء يكونون من بعدي، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، فمن صَدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يَرِدُون على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يُعنِهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم، وسيردون على حوضي، يا كعب بن عُجرة: الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قُربان -أو قال: برهان. يا كعب بن عُجرةَ: إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب: الناس غَاديان، فمبتاعُ [¬٢] نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها".
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب: الطهارة، باب: فضل الوضوء، حديث (١/ ٢٢٣) (٣/ ١٢٥ - ١٢٦).
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة الروم آية: ٣٠.
(٣) المسند (٨٢٦٩)، وصححه أحمد شاكر.
(٤) المسند (٣/ ٣٢١) (١٤٤٨٣). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: فبائع.
[ ١٤ / ٢٠٧ ]
ورواه عن عَفّان (^٦)، عن وُهَيب، عن عبد الله بن عثمان بن خثَيم به.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾
يخبر تعالى عما أرصده للكافرين من خَلقه به من السلاسل والأغلال والسعير، وهو اللَّهيب والحريق في نار جهنم، كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾.
ولما ذكر ما أعدّه لهؤلاء الأشقياء من السعير قال بعده: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾، وقد علم ما في الكافور من التبريد والرائحة الطيبة، مع ما يضاف إلى ذلك من اللذاذة في الجنة.
قال الحسن: برد الكافور في طيب الزنجبيل؛ ولهذا قال: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي: هذا الذي مُزج لهؤلاء الأبرار من الكافور هو عين يشرب بها المقربون من عباد الله صِرفًا بلا مزج وَيُرْوونَ [¬١] بها؛ ولهذا [¬٢] ضمن يشرَب "يروى" حتى عداه بالباء، ونصب ﴿عَينًا﴾ على التمييز.
قال بعضهم: هذا الشراب في طيبه كالكافور. وقال بعضهم: هو من عين كافور. وقال بعضهم: يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿يَشْرَبُ﴾. حكى هذه الأقوال الثلاثة ابن جرير.
وقوله: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾، أي [¬٣]: يتصرفون فيها حيث شاءوا وأين شاءوا، من قصورهم ودورهم ومجالسهم ومحالهم. والتفجير هو الإنباع، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ
_________________
(١) المسند (٣/ ٣٩٩) (١٥٣٢٤). [¬١]- في ز: ويسون. [¬٢]- في ز: هذا. [¬٣]- سقط من ز.
[ ١٤ / ٢٠٨ ]
نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾. وقال: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا [¬١] نَهَرًا﴾. قال مجاهد: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ يقودونها حيث شاءوا. وكذا قال عكرمة، وقتادة: وقال الثوري: يصرفونها حيث شاءوا.
وقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر.
قال الإمام مالك (^٧)، عن طلحة بن عبد الملك الأيلي، عن القاسم بن مالك، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ؛ قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومق نذر أن يَعصي الله فلا يَعصِه". رواه البخاري، من حديث مالك.
ويتركون المحرمات التي نهاهم عنها خيفة من سوء الحساب يوم المعاد، وهو اليوم الذي شره مستطير، أي: منتشر عام على الناس إلا من رَحِمَ الله.
قال ابن عباس: فاشيًا. وقال قتادة: استطار - والله - شرّ ذلك اليوم حتى مَلأ السماوات والأرض. قال ابن جرير: ومنه قولهم: استطار الصَدع في الزجاجة واستطال. ومنه قول الأعشى:
فَبَانَتْ [¬٢] وَقَد أسْأرت في الفُؤا … د صَدْعًا على نَأيها مُستَطيرًا
يعني: ممتدًّا فاشيًا.
وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾، قيل: على حب الله تعالى. وجعلوا الضمير عائدًا إلى الله ﷿ لدلالة السياق [¬٣] عليه. والأظهر أن الضمير عائد على الطعام، أي: ويطعمون الطعام في حال محبتهم وشهوتهم له. قاله مجاهد، ومقاتل، واختاره ابن جرير، [كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾.
وكقرله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾] [¬٤].
وروى البيهقي (^٨)، من طريق الأعمش، عن نافع؛ قال: مرض ابن عمر فاشتهى عنبًا أول ما
_________________
(١) " الموطأ" كتاب: النذور والأيمان، باب: ما لا يجوز من النذور في معصية الله، حديث (٨) (١/ ٣٧٩). والبخاري في كتاب: الأيمان والنذر، باب: النذر في الطاعة، حديث (٦٦٩٦) (١١/ ٥٨١). وطرفه في [٦٧٠٠].
(٢) أخرجه البيهقي في السنن (٤/ ١٨٥) باب الزكاة، باب: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ = [¬١]- في ز: خلالها. [¬٢]- في ز: فباتت. [¬٣]- في ز: الضمير. [¬٤]- هذه العبارة مكانها في ز، خ بعد الفقرة القادمة.
[ ١٤ / ٢٠٩ ]
جاء العنب فأرسلت صفية - يعني امرأته - فاشترت عنقودًا بدرهم، فاتبع الرسولَ السائل [¬١]، فلما دخل به قال [¬٢] السائل: السائل. فقال ابن عمر أعطوه إياه. فأعطوه إياه. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت عنقودًا فاتبع الرسول السائلُ: فلما دخل قال السائل: السائل. فقال ابن عمر: أعطوه إياه. فأعطوه إياه. فأرسلت صفية إلى السائل فقالت: والله إن عُدتَ لا تصيبُ منه خيرًا أبدًا. ثم أرسلت بدرهم آخر فاشترت به.
وفي الصحيح (^٩): " أفضل الصدقة أن تَصَدّقَ وأنت صحيح، شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر"، أي: في حال محبتك للمال وحرصك عليه وحاجتك إليه ولهذا قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ أما المسكين واليتيم فقد تقدم بيانهما وصفتهما. وأما الأسير فقال سعيد بن جبير، والحسن، والضحاك: الأسير: من أهل القبلة.
وقال ابن عباس (^١٠): كان أسراؤهم يومئذ مشركين. ويشهد لهذا أن رسول الله ﷺ أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء.
وهكذا قال سعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة.
وقد وصى رسول الله ﷺ بالإحسان إلى الأرقاء في غير ما حديث، حتى إنه كان آخر ما أوصى أن جعل يقول: "الصلاةَ وما ملكت أيمانكم" (^١١).
وقال عكرمة: هم العبيد - واختاره ابن جرير - لعموم الآية للمسلم والمشرك.
وقال مجاهد: هو المحبوس. أي: يطعمون لهؤلاء الطعام وهم يشتهونه ويحبونه، قائلين بلسان الحال: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾، أي: رجاءَ ثواب الله ورضاه، ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾، أي: لا نطلب منكم مجازاة تكافئونا بها ولا أن تشكرونا [¬٣] عند الناس.
_________________
(١) = عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة الشحيح الصحيح، حديث (١٤١٩) (٣/ ٢٨٤ - ٢٨٥). ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، حديث (٩٢، ٩٣/ ١٠٣٢) (٧/ ١٧٣ - ١٧٤). كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁ به.
(٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٩٣/ ٢٢) (٩٧٧) والصغير (١/ ١٤٦) من حديث أبي عزيز بن عمير أخي مصعب بن عمير فذكر قصة في معنى ذلك. قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٨٩): رواه الطبراني في الصغير والكبير وإسناده حسن.
(٤) تقدم تخريجه في تفسير سورة الحاقة، آية: (٣٤) برقم (٢٠). [¬١]- في ز، خ: سائل. [¬٢]- في ز: فقال. [¬٣]- في ز: تشكروا منا.
[ ١٤ / ٢١٠ ]
قال مجاهد وسعيد بن جبير: أما والله ما قالوه بألسنتهم، ولكن علم الله به من قلوبهم، فأثنى عليهم به ليرغب في ذلك راغب.
﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، أي: إنما نفعل هذا لعل الله أن يرحمنا ويتلقانا بلطفه، في اليوم العبوس القمطرير. قال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿عَبُوسًا﴾: ضيقًا، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: طويلًا. وقال عكرمة وغيره، عنه، في قوله: ﴿يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، أي [¬١]: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عَرَق مثل القَطرَان.
وقال مجاهد: ﴿عَبُوسًا﴾، العابس الشفتين ﴿قَمْطَرِيرًا﴾، قال: تقبيض الوجه بالبُسُور.
وقال سعيد بن جبير، وقتادة: تعبس فيه الوجوه من الهول، ﴿قَمْطَرِيرًا﴾: تقليص الجيين وما بين العينين، من الهول.
وقال ابن زيد: العبوس: الشر. والقمطرير: الشديد.
وأوضح العبارات وأجلاها وأحلاها، وأعلاها وأولاها - قولُ ابن عباس ﵁.
قال ابن جرير: والقمطرير هو: الشديد؛ يقال: هو يوم قمطرير ويوم قُمَاطِر، ويوم عَصِيب وعَصَبْصَب، وقد اقمطرّ اليومُ يقمطرّ اقمطرارًا، وذلك أشد الأيام وأطولها [¬٢] في البلاء والشدة، ومنه قول بعضهم.
بَني عَمّنا هل تَذكُرونَ بَلاءَنَا … عَلَيكم إذَا ما كَانَ يَومُ قُمَاطرُ
قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾، وهذا من باب التجانس البليغ، ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾، أي: آمنهم مما خافوا منه، ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، أي: في وجوههم، ﴿وَسُرُورًا﴾، أي: في قلوبهم. قاله الحسن البصري، وقتادة، وأبو العالية، والربيع بن أنس.
وهذه كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ وذلك أن القلب إذا سر استنار الوجه، قال كعب بن مالك في حديثه الطويل: "وكان رسول الله ﷺ إذا سُرّ، استنار وجهه حتى كأنه قطعة [¬٣] قَمَر] (^١٢).
وقالت عائشةُ: "دخل عَلَيّ رسول الله ﷺ مسرورًا تَبرُقُ أسَاريرُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في باب: المناقب، باب: صفة النبي ﷺ حديث (٣٥٥٦) (٦/ ٥٦٥). ومسلم في كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، حديث (٥٣/ ٢٧٦٩) (١٧/ ١٤٧). [¬١]- في ز: قال.: [¬٢]- في ز: أطوله. [¬٣]- في ز: فلقة.
[ ١٤ / ٢١١ ]
وَجْهه … " (^١٣) الحديث.
وقوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب صبرهم أعطاهم ونَولهم وبَوأهم ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، أي: منزلًا رحبًا، وعيشًا رَغَدًا، ولباسًا حَسَنًا.
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الدّارَاني قال: قرئ على أبي [¬١] سليمان الداراني سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، فلما بلغ القاري إلى قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، قال: بما [¬٢] صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد:
كَم قَتِيل بشَهوةٍ وأسير … أفّ مِنْ مُشتهى خِلَاف الجمِيل
شَهوَات الإنْسان تورثه الذّلْ … وَتُلقيه في البَلَاء الطويل
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذَا رَأَيتَ ثَمَّ رَأَيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾
يخبر تعالى عن أهل الجنة وما هم فيه من النعيم المقيم، وما أسبغ عليهم من الفضل العَمِيم فقال: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾. وقد تقدم الكلام على ذلك في "سورة الصافات" وذكر الخلاف في الاتكاء: هل هو الاضطجاع، أو التمرفق، أو التربع، أو التمكن في الجلوس؟ وأن الأرائك هي السرر تحت الحجال.
وقوله: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾، أي: ليس عندهم حَر مزعج، ولا برد مؤلم، بل هي مزاج واحد دائم سرمَدي، ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في الموضع السابق برقم (٣٥٥٥). وأطرافه في [٣٧٣١، ٦٧٧٠، ٦٧٧١]. ومسلم في كتاب: الرضاع، باب: العمل بإلحاق القائف الولد، حديث (٣٨/ ١٤٥٩) (١٠/ ٥٩ - ٦٠). [¬١]- في ز: ابن. [¬٢]- في ز: لما.
[ ١٤ / ٢١٢ ]
﴿وَدَانِيَةً عَلَيهِمْ ظِلَالُهَا﴾، أي: قريبة إليهم أغصانها، ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾، أي: متى تعاطاه دنا القطْفُ إليه وتدلى من أعلى غصنه، كأنه سامع طائع، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَينِ دَانٍ﴾. وقال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.
قال مجاهد: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾: إن قام ارتفعت بقَدْره [¬١]، وإن قعد تَدَلتْ له [¬٢] حتى ينالها، وإن اضطجع تَدَلت له [¬٣] حتى ينالها، فذلك قوله: ﴿تَذْلِيلًا﴾.
وقال قتادة: لا يرد أيديَهم عنها شوك ولا بُعدُ.
وقال مجاهد: أرض الجنة من وَرق، وترابها المسك، وأصول شجرها من ذهب وفضة، وأفنانها من اللؤلؤ وَالرطب [¬٤] والزبرجد والياقوت، والوَرَق والثمر بين ذلك. فمن أكل منها قائمًا لم يؤذه، ومن أكل منها قاعدًا لم يؤذه، ومن أكل منها مضطجعًا لم يؤذه.
وقوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾، أي: يطوف عليهم الخدمُ بأواني الطعام، وهي من [¬٥] فضة، وأكواب الشراب وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم.
وقوله [¬٦]: ﴿كَانَتْ [¬٧] قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾، فالأول منصوب بخبر كان؛ أي [¬٨]: كانت قوارير. والثاني منصوب إما على البدلية، أو تمييز؛ لأنه أنَّه بقوله: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾.
قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج. فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا.
قال ابن المبارك، عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير فضة. رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾، أي: على قدر ربهم، لا تزيد عنه ولا تنقص [¬٩]، بل هي مُعَدة لذلك، مقدرة بحسب ري صاحبها. هذا معنى قول ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، وقتادة، وابن أبزى، وعبد الله بن عُبيد بن عمير، وقتادة، والشعبي، وابن زيد.
_________________
(١) [¬١]- في ز: بقدر. [¬٢]- في ز: تذللت. [¬٣]- في ز: تذللت. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز، خ: وهذه. [¬٧]- سقط من ز. [¬٨]- سقط من ز. [¬٩]- في ز: ينقص منه.
[ ١٤ / ٢١٣ ]
وقاله ابن جرير وغير واحد. وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾، قدرت للكف.
وهكذا قال الربيع بن أنس. وقال الضحاك على قدر أكُفّ الخُدام. وهذا لا ينافي القول الأول، فإنها مقدرة في القَدْر والري [¬١].
وقوله: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ أي: ويسقون -يعني الأبرار أيضًا- في هذه الأكواب ﴿كَأْسًا﴾، أي: خمرًا، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾، فتارة يمزَج لهم الشراب بالكافور وهو بارد، وتارة بالزنجبيل وهو حار، ليعتدل الأمر، وهؤلاء يمزج لهم من هذا تارة ومن هذا تارة.
وأما المقربون فإنهم يشربون من كل منهما صِرفًا، كما قاله قتادة وغير واحد. وقد تقدم قوله: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، وقال ها هنا: ﴿عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ أي: الزنجبيل عين في الجنة تسمى سلسبيلا.
قال عكرمة: اسم عين في الجنة. وقال مجاهد: سميت بذلك لسلاسة سيلها وحِدّة جَريها.
وقال قتادة: ﴿عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾: عين سَلِسَة مُستَقِيد ماؤها.
وحكى ابنُ جرير عن بعضهم أنها سميت بذلك لسلاستها في الحلق. واختار هو أنها تَعُم ذلك كله، وهو كما قال:
وقوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾، أي: يطوف على أهل الجنة للخدْمَة ولدان من ولدان الجنة ﴿مُخَلَّدُونَ﴾، أي: على حالة واحدة مُخَلَّدون عليها، لا يتغيرون عنها، لا تزيد أعمارهم عن تلك السنن. ومن فسرهم بأنهم مُخَرّصُونَ في آذانهم الأقرطة، فإنما عبر عن المعنى بذلك؛ لأن الصغير هو الذي يليق له ذلك دون الكبير.
وقوله: ﴿إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾، أي: إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحُسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورًا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.
قال قتادة، عن أبي أورب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه.
_________________
(١) [¬١]- في ز: والذي.
[ ١٤ / ٢١٤ ]
وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ﴾، أي: وإذا رأيت يا محمَّد ﴿ثَمَّ﴾، أي: هناك، يعني في الجنة ونعيمها وَسَعَتها وارتفاعها وما فيها من الحَبرَة والسرور، ﴿رَأَيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾، أي: مملكة لله هُناك عظيمةً وسلطانًا باهرًا.
وثبت في الصحيح (^١٤) أن الله تعالى يقول لآخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولا إليها: إن لك مثلَ الدنيا وعشرة أمثالها.
وقد قَدمنا في الحديث المَروي من طريق ثُوَير بن أبي فاختة، عن ابن عمر (^١٥) قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن [¬١] ينظر في ملكة مسيرة ألفي سنة ينظر إلى [¬٢] أقصاه كما ينظر إلى [¬٣] أدناه" باذا كان هذا عطاؤه تعالى لأدنى من يكون في الجنة، فما ظنك بما هو أعلى منزلة، وأحظى عنده تعالى.
وقد روى الطبراني (^١٦) ها هنا حديثًا غَريبا جدًّا فقال: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمَّد بن عمار الموصلي، حدثنا عقبة [¬٤] بن سالم، عن أيوب بن عتبة، عن عطاء، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله: "سل واستفهم". فقال: يا رسول الله، فُضّلْتُم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنت به وعملتُ بمثل ما عملتَ به، إني لكائن معكَ في الجنة؟ قال: "نعم والذي نفسي بيده إنه لَيُرَى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام" ثم قال رسول الله ﷺ: فمن قال: لا إله إلا الله، كان له بها عَهد عند الله، ومن قال: سبحان الله وبحمده، كتب له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة". فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليأتى يوم القيامة بالعمل لو وُضِعَ على جبل لأثقله، فتقوم النعمة -أو: نعَم الله فتكاد تستنفد ذلك كله، إلا أن يَتَغَمده الله برحمته" ونزلت هذه السورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ فقال الحبشي: وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة؟ قال: "نعم". فاستبكى حتى فاضت نفسه. قال ابن عمر: فَلَقد رأيت رسول الله ﷺ يُدليه في
_________________
(١) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣١١/ ١٨٨) (٣/ ٥٣ - ٥٤). من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) تقدم تخريجه في تفسير سورة القيامة، آية: ٢٣، برقم (١٣).
(٣) المعجم الكبير (١٢/ ٤٣٦ - ٤٣٧) (١٣٥٩٥). قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٤٢٣): وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف. ا هـ. [¬١]- في ز: أن. [¬٢]-[¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- عند الطبراني: عفيف.
[ ١٤ / ٢١٥ ]
حُفرَته بيده.
وقوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾، أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير، ومنه سندس، وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والأستبرق منه ما فيه بريق ولمعان، وهو مما هي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس، ﴿وَحُلُّوا أَسَاورَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاورَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾.
ولما ذكر تعالى زينةَ الظاهِر بالحرير والحلي قال بعده: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، أي: طهر بواطنهم من الحَسَد والحقد [¬١] والغل والأذى وسائر الأخلاق الردية، كما روينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: إذا انتهى أهل الجنة إلى باب الجنة وَجَدوا هنالك عينين فكأنما ألهموا ذلك فشربوا من إحداهما [فاذهب الله] [¬٢] ما في بطونهم من أذى، ثم اغتسلوا من الأخرى فَجَرت عليهم نضرةُ النعيم.
وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، أي: يقال لهم ذلك تكريمًا لهم وإحسانًا إليهم كقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾.
وكقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، أي: جزاكم الله على القليل بالكثير.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا (٢٦) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٣١)﴾
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: قال: يذهب.
[ ١٤ / ٢١٦ ]
يقول تعالى ممتنًّا على رسوله ﷺ بما نَزله [¬١] عليه من القرآن العظيم تنزيلا: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾، أي: كما أكرمتُكَ بما أنزلتُ عليك، فاصبر على قضائه وقَدَره، واعلم أنه سيدبرك بحسن تدبيره، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ أي: لا تطع الكافرين والمنافقين إن أرادوا صدّك عما أنزل إليك، بل بَلغ ما أنزل إليك من ربك، وتوكل على الله؛ فإن الله يعصمك من الناس. فالآثم هو الفاجر في أفعاله، والكفور هو الكافر بقلبه.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، أي: أولَ النهار وآخره. ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا﴾.
كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾.
وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَو انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.
ثم قال تعالى منكرًا على الكفار ومن أشبههم في حُب الدنيا والأقبال عليها والانصباب إليها، وتركِ الدار الآخرة وراء ظهررهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾، يعني يوم القيامة.
ثم قال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني خَلْقَهم.
﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا﴾، أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبدَلناهم فأعدناهم خلقًا جديدًا. وهذا استدلال بالبداءة على الرجعة.
وقال ابن [¬٢] زيد، وابن جرير: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالهُمْ تَبْدِيلًا﴾: وإذا شئنا أتينا بقوم آخرين غيرهم. [كقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾.] [¬٣]
وكقوله: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ -يعني هذه السورة ﴿تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، أي: طريقًا ومسلكًا، أي: من شاء اهتدى بالقرآن كقوله: ﴿وَمَاذَا عَلَيهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾.
ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي: لا يقدر أحد أن يهديَ نفسه، ولا
_________________
(١) [¬١]- في ز: أنزله. [¬٢]- في ز: أبو. [¬٣]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٢١٧ ]
يدخل في الإيمان [¬١] ولا يجر لنفسه نفعا، ﴿إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، [أي: عليم بمن يستحق الهداية فَيُيَسّرها له، ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغَوَاية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.] [¬٢]
ثم قال: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، أي: يهدى من يشاء ويضل من يشاء، ومن يهده فلا مضل له، ومن يضل فلا هادى له.
آخر سورة الإنسان
* * *
_________________
(١) [¬١]- في ز: إيمان. [¬٢]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٢١٨ ]