﷽
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَي بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَال نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣) إِنْ تَتُوبَا إِلَي اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤) عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾
اختُلف في سبب نزول صدر هذه السورة، فقيل: نزلت في شأن مارية، وكان رسول الله ﷺ قد حرمها، فنزل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآية. قال أبو عبد الرحمن النسائي (^١): أخبرنا إبراهيم بن يونس بن محمد، حدثنا أبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حَرّمها، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى آخر الآية.
وقال ابن جرير (^٢): حدثني ابن عبد الرحيم البرقي، حدثنا ابن أبي مريم، حدثنا أبو غسان، حدثني زيد بن أسلم: أن رسول الله ﷺ أصاب أم إبراهيم في بيت بعض نسائه، فقالت: أي رسول الله، في بيتي وعلى فراشي؟! فجعلها عليه حرامًا.
_________________
(١) صحيح، أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، حديث (١١٦٠٧) (٦/ ٤٩٥). وأخرجه الحاكم (٣/ ٤٩٣) وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وصححه الحافظ في الفتح (٩/ ٣٧٦). وزاد السيوطي في الدر نسبته على ابن مردويه.
(٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٥).
[ ١٤ / ٤٧ ]
فقالت: أي رسول الله، كيف يَحْرُم عليك الحلال [¬١]؟ فحلف لها بالله لا يصيبها. فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. قال زيد: فقوله: "أنت عليَّ حرام" لغوٌ. وهكذا روي عبد الرحمن بن زيد، عن أبيه.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يونس، أخبرنا ابن وهب، عن مالك، عن زيد بن أسلم قال: قال لها: "أنت عليّ حرام ووالله لا أطؤك". وقال سفيان الثوري (^٣) وابن عُليَّة [¬٢] (^٤)، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق قال: آلى رسول الله ﷺ وحَرّم فعُوتبَ في التحريم، وأمر بالكفارة في اليمين. رواه ابن جرير. وكذا روي عن قتادة، وغيره، عن الشعبي، نفسُه. وكذا قال غير واحد من السلف، منهم الضحاك، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، وروي العوفي عن ابن عباس القصة مطولة.
وقال ابن جرير (^٥): حدثنا سعيد بن يحيى، حدثنا أبي، حدثنا محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب: من المرأتان؟ قال: عائشة وحفصة. وكان بدء الحديث في شأن أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي ﷺ في بيت حفصة في نوبتها، فَوَجدت حفصة، فقالت: يا نبي الله، لقد جئت إليّ شيئًا ما جئت إلى أحد من أزواجك في يومي، وفي دوري، وعلى فراشي. قال: "ألا ترضين أن أحرّمها فلا أقربها؟ " قالت: بلى. فحرّمها، وقال: "لا تذكري ذلك لأحد". فذكرته لعائشة، فأظهره الله عليه، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ … الآيات، فبلغنا: أن رسول الله ﷺ كفر يمينه، وأصاب [¬٣] جاريته.
وقال الهيثم بن كليب في مسنده: حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر قال: قال النبي ﷺ لحفصة: "لا تخبري أحدًا، وإن أم إبراهيم، عليّ حرام". فقالت: أتحرم ما أحل الله لك؟ قال: "فوالله لا أقربها". قال: فلم يقربها حتى أخبرت عائشة. قال: فأنزل الله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾.
وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد اختاره الحافظ
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٦).
(٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٦).
(٣) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٨). [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: عيينة. [¬٣]- في ز: واحتاب.
[ ١٤ / ٤٨ ]
الضياء المقدسي في كتابه المستخرج.
وقال ابن جرير (^٦): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، حدثنا هشام الدستوائي قال: كتب إلي يحيي يحدّث عن يعلى [¬١] بن حكيم، عن سعيد بن جبير: أن ابن عباس كان يقول في الحرام: يمين تكفرها، وقال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، يعني: أن رسول الله حرم جاريته فقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيمَانِكُمْ﴾، فكفر يمينه، فصير الحرام يمينًا.
ورواه البخاري (^٧) عن معاذ بن فضالة، عن هشَام -هو الدستوائي-، عن يحيى -هو ابن أبي كثير-، عن ابن حكيم -وهو يَعلى-، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الحرام: يمين تُكَفر. قال ابن عباس: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
ورواه مسلم (^٨) من حديث هشام الدّستوائي به، وقال النسائي (^٩): أخبرنا عبد الله بن عبد الصمد بن عليّ، حدثنا مخلد -هو ابن يزيد-، حدثنا سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حَرَامًا؟ قال: كذبتَ ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ عليك [¬٢] أغلظ الكفارات، عتق رقبة.
تفرد به النسائي من هذا الوجه بهذا اللفظ. وقال الطبراني (^١٠): حدثنا محمد بن زكرّيا، حدثنا عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال: حرم رسول الله ﷺ سُرّيَّته.
ومن هاهنا ذهب من ذهب من الفقهاء ممن قال بوجوب الكفارة علي من حَرّم جاريته أو زوجته، أو طعامًا أو شرابًا، أو ملبسًا، أو شيئًا من المباحات. وهو مذهب الإِمام أحمد
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٧).
(٢) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة التحريم (١)، حديث (٤٩١١) (٨/ ٦٥٦).
(٣) صحيح مسلم، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق (١٨/ ١٤٧٣) (١٠/ ١٠٦).
(٤) سنن النسائي (٦/ ١٥١) كتاب: الطلاق، باب: تأويل قوله- ﷿: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.
(٥) المعجم الكبير (١١/ ٨٦) (١١١٣٠). قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٢٩): رواه البزار بإسنادين والطبراني، ورجال البزار رجال الصحيح غير بشر بن آدم الأصغر وهو ثقة. [¬١]- في ز: يحيى. [¬٢]- في ز: "و". سقط من خ.
[ ١٤ / ٤٩ ]
وطائفة. وذهب الشافعي إلى أنه لا تجب الكفارة فيما عدا الزوجة والجارية، إذا حَرّم عينيهما أو أطلق التحريم فيهما في قوله، فأما إن نوى بالتحريم طلاقَ الزوجة أو عتق الأمة، نفذ فيهما.
وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو عبد الله الظهراني، أخبرنا حفص بن عمر العدني، أخبرنا الحكم بن أبان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ في المرأة التي وهبت نفسها للنبي ﷺ. وهذا قول غريب والصحيح. أن ذلك كان في تحريمه العسل كما قال البخاري (^١١) عند هذه الآية:
حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يشرب عسلًا عند زينب بنت جَحش، ويمكث عندها، فتواطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها، فلتقل [¬١] له: أكلت مغافير؟ إني أجد منك ريح مغافير قال: "لا، ولكني كنت أشرب عسلًا عند زينب بنت جحش فلن أعود له، وقد حلفت، لا تخبري بذلك أحدًا [¬٢] "، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ هكذا أورد هذا الحديث هاهنا بهذا اللفظ، وقال في كتاب الإيمان والنذور (^١٢): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا الحجاج، عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنه سمع عُبَيد بن عمير يقول: سمعتُ عائشة تزعم: أن رسول الله ﷺ كان يمكث عند زينب بنت جَحش ويشرب عندها عَسَلًا، فتواصيتُ [¬٣] أنا وحفصة أن أيتُنا دخل عليها النبي ﷺ فَلْتقُلْ: إني أجد منك ريح مغافير؛ أكلت مغافير؟ فدخل على إحداهما النبي ﷺ فقالت ذلك له، فقال: "لا، بل شربت عسلًا عند زينب بنت جَحش، ولن أعود له"، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ لعائشة وحفصة ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ لقوله: "بل شربت عسلًا". وقال إبراهيم ابن موسى، عن هشام: "ولن أعود له، وقد حلفت، فلا تخبري [¬٤] بذلك أحدًا".
وهكذا رواه في كتاب الطلاق (^١٣) بهذا الإسناد ولفظه قريب منه. ثم قال: المغافير: "شبيه بالصمغ، يكون في الرمت فيه حلاوة، أغفر الرّمث. إذا ظهر فيه. واحدها مُغفور، ويقال:
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: (٦٦ - ١)، حديث (٤٩١٢) (٨/ ٦٥٦) وأطرافه في: [٥٢١٦، ٥٢٦٧، ٥٢٦٨، ٥٤٣١، ٥٥٩٩، ٥٦١٤، ٥٦٨٢، ٦٦٩١، ٦٩٧٢].
(٢) صحيح البخاري، كتاب: الإيمان والنذور، باب: إذا حرم طعامًا، حديث (٦٦٩١) (١١/ ٥٧٤).
(٣) صحيح البخاري، كتاب: الطلاق، باب: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، حديث (٥٢٦٧). [¬١]- في ت: فلنقل. [¬٢]- في ز، خ: واحدًا. [¬٣]- في خ: فتواطأت. [¬٤]- في ز، خ: تخبرين.
[ ١٤ / ٥٠ ]
مغاثير [¬١] ". وهكذا قال الجوهري، قال: "وقد يكون المغفور أيضًا للعُشر والثُّمام والسَّلَم والطلح" قال: والرمّث، بالكسر: مرعى من مراعي الإِبل، وهو من الحَمْض. قال: والعرفط: شجر من العضاه ينضَح المغفُور منه [¬٢].
وقد روي مسلم (^١٤) هذا الحديث في كتاب "الطلاق" من صحيحه، عن محمد بن حاتم، عن حجاج بن محمد، عن ابن [¬٣] جريج، أخبرني عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن عائشة، به. ولفظه كما أورده البخاري في الإيمان والنذور.
ثم قال البخاري (^١٥) في كتاب الطلاق: حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا عليّ بن مُسهر، عن هشام بن عُروة، عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحَلوى والعَسل، وكان إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن. فدخل على حفصة بنت عمر فاحتبس أكثر ما كان يحتبس، فَغرْتُ فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عُكَّة عَسَل، فسقت النبي ﷺ منه شربة، فقلت: أما والله لنحتالن له. فقلت لسودة بنت زَمْعَة: إنه سيدنو منك، فإذا دنا منك فقوله: أكلت مغَافير؟، فإنه سيقول لك: لا. فقولي له: ما هذه الريح التي أجد؟ فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقوله: جَرَسَتْ نحلُه العُرفُطَ. وسأقول ذلك، وقولي أنت له يا صفية ذلك [¬٤]، قالت: تقول سودة: فوالله [¬٥] ما هو إلا أن قام على الباب، فأردت أن أناديه بما أمرتني فرقًا منك، فلما دنا منها قالت له سودة: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: "لا". قالت: فما هذه الريح التي أجد منك؟ قال "سقتني حفصة شَربة عسل". قالت: جَرَسَت نَحْلُه العرفطَ. فلما دار إليّ قلت نحو ذلك، فلما دار إلى صفية قالت له مثل ذلك، فلما دار إلى حفصة قالت له: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: "لا حاجة لي فيه".
قالت تقول سودة: والله لقد حَرَمْنَاه. قلت لها: اسكتي.
هذا لفظ البخاري. وقد رواه مسلم (^١٦) عن سُويد بن سَعيد، عن عليّ بن مسهر [¬٦]، به.
_________________
(١) صحيح مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، حديث (٢٠/ ١٤٧٤) (١٠/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٢) صحيح البخاري في كتاب: الطلاق، باب: ﴿لم تحرم ما أحل الله لك﴾، حديث (٥٢٦٨) (٩/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٣) صحيح مسلم في كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، حديث (٢١ م / ١٤٧٤) (١٠/ ١١٢). [¬١]- في ت: مغافير. والمثبت من ز. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز ذاك. [¬٥]- في ز: والله. [¬٦]- في خ: بهز.
[ ١٤ / ٥١ ]
وعن أبي كريب وهارون بن عبد الله والحسن بن بشر (^١٧)، ثلاثتهم عن أبي أسامة حماد بن أسامة، عن هشام بن عروة، به. وعنده: قالت: وكان رسول الله ﷺ يشتد عليه أن يوجد منه الريح -يعني: الريح الخبيثة- ولهذا قلن له: أكلت مغافير، لأن ريحها فيه شيء. فلما قال: "بل شربت عسلًا". قلن: جَرَست نحلُه العرفطَ. أي: رَعَت نحلُه شَجَر العرفط الذي صَمغه المغافير، فلهذا ظهر ريحه في العسل الذي شربته.
قال الجوهري: جرست النحل العرفط تجرس [¬١]،: إذا أكلته ومنه قيل للنحل: جوارس، قال الشاعر:
* تَظَلّ عَلَى الثَّمرَاء مِنها جَوَارسُ*
وقال: الجَرْس والجِرْس: الصوت الخفي. ويقال: سمعت جرس [الطير: إذا سمعت صوت مناقيرها على شيء تأكله، وفي الحديث: "فيسمعون جَرْس] [¬٢] طير الجنة". قال الأصمعي: كنت في مجلس شُعبة قال: "فيسمعون جَرْش طير الجنة" بالشين، فقلت: "جرس" فنظر إليّ وقال [¬٣]: خذوها عنه، فإنه أعلم بهذا منا.
والغرض أن هذا السياق فيه [¬٤]: أن حفصة هي الساقية للعسل، وهو من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن خالته عائشة. وفي طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة: أن زينب بنت جحش هي التي سقت العسل، وأن عائشة وحفصة تواطأتا [¬٥] وتظاهرتا عليه، فالله أعلم. وقد يقال: إنهما واقعتان، ولا بُعدَ في ذلك، إلا أن كونَهما سببًا لنزول هذه الآية فيه نظر، والله أعلم.
ومما يدل علي أن عائشة وحفصة ﵄ هما المتظاهرتان الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١٨) في مسنده حيث قال: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عُبَيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس قال: لم أزل حريصًا علي أن أسأل عمر عن المرأتين من [¬٦] أزواج النبي ﷺ اللتين قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، حتى حج عمر وحججت معه، فلما كان ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة، فتبرّز ثم، أتاني، فسكبت على يديه فتوضأ، فقلت: لها أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النبي ﷺ اللتان قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ
_________________
(١) صحيح مسلم في الموضع السابق (٢١/ ١٤٧٤) (١٠/ ١٠٩ - ١١٢).
(٢) المسند (١/ ٣٣ - ٣٤) (٢٢٢). [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٣]- في ت: وقال: والمثبت من. [¬٤]- سقط من خ. [¬٥]- في ز: تواصّتا. [¬٦]- في ز، خ: في.
[ ١٤ / ٥٢ ]
قُلُوبُكُمَا﴾؟ فقال عمر: واعجبًا لك يا ابن عباس -قال الزهري: كره والله ما سأله [¬١] عنه ولم يكتمه- قال: هي حفصة وعائشة. قال: ثم أخذ يسوق الحديث قال: كنا مَعشر قريش قومًا نغلبُ النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تَغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: وكان منزلي في دار بني [¬٢] أمية بن زيد بالعَوَالي، قال [¬٣]: فغضِبَت يومًا [¬٤] عليّ امرأتي فإذا [¬٥] هي تراجعني، فأنكرت أن تُراجِعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ؟! قالت: نعم. قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلي الليل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخَسر، أفتأمنُ إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت؟! لا تراجعي رسول الله ولا تسأليه شيئًا، وسليني من مالي ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسمُ وأحب إلى رسول الله ﷺ منك -يريد عائشة- قال: وكان لي جار من الأنصار، وكنا نتناوب النزول إلى رسول الله ﷺ ينزل يومًا وأنزل يومًا، فيأتيني بخبر الوحى وغيره، وآتيه بمثل ذلك. قال: وكنا نتحدث أن غَسّان تُنعِل الخيل لتغزونا، فنزل صاحبي يومًا ثم أتى عشاءً، فضرب بابي ثم ناداني، فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم! فقلت: وما ذاك؟ أجاءت غسان؟ قال: لا، بل أعظم من ذلك وأطول! طلَّق رسول الله ﷺ نساءه. فقلت: قد خابت حفصةُ وخَسِرت، قد كنت أظن هذا كائنًا. حتى إذا صليتُ الصبح شددتُ علي ثيابي ثم نزلت، فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلقَكن رسول الله ﷺ؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في هذه المشْرَبة. فأتيت غلامًا له أسود فقلت: استأذن لعمر. فدخل الغلام ثم خرج إليّ فقال: ذكرتك له فصمت. فانطلقت حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست عنده [¬٦] قليلًا، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثم خرج فقال: [] [¬٧] ذكرتك له فصمت. فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم غلبني ما أجد فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فذخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت. فوليت مدبرًا، فإذا الغلام يدعوني فقال: ادخل، قد أذن لك. فدخلتُ فسلمتُ على رسول الله ﷺ؛ فإذا هو متكئ على رمال حصير.
قال الإمام أحمد: وحدثَناه يعقوب في حديث صالح قال [¬٨]: رُمَال حصير قد أثر في جنبه، فقلت: أطلّقت يا رسول الله نسائك؟ فرفع رأسه إليّ [وقال: "لا"] [¬٩]، فقلت:
_________________
(١) [¬١]- في ت: سألته. والمثبت من ز، خ. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- سقط من خ. [¬٥]- في ز، خ: فلما. [¬٦]- سقط من ت، ز. [¬٧]- في ت: فقد. [¬٨]- سقط من ت. [¬٩]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.
[ ١٤ / ٥٣ ]
الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش قومًا نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة وجدنا قومًا تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، فغضبت عليّ امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر [¬١]، أفتأمنُ إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت. فتبسم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، فَدخَلت [¬٢] علي حفصة فقلت: لا يغرّنّك أن كانت جارتُك هي أوسَم -أو [¬٣]: أحب- إلى رسول الله ﷺ منك [¬٤]. فتبسم أخرى.
فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: "نعم". فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت في البيت شيئًا يرد البصر إلا أهَبَةٌ ثلاثة فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسَّع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله. فاستوى جالسًا وقال: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا؟. فقلت: استغفر لي يا رسول الله. وكان أقسم أن لا يدخل عليهن شهرًا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله ﷿.
وقد رواه البخاري (^١٩) ومسلم والترمذي والنسائي، من طرق، عن الزهري به.
وأخرجه الشيخان (^٢٠) من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عُبيد بن حُنَين، عن ابن عباس، قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية، فما أستطيع أن أسأله هيبةً له، حتى خرج حاجًّا فخرجت معه، فلما رجعنا وكنا ببعض الطريق، عدل إلى الآرَاك لحاجة له، قال: فوقفت حتى فرغ، ثم سرت معه، فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان [¬٥] اللتان تظاهرتا على [¬٦] النبي ﷺ؟.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب: المظالم، باب: (٢٥)، حديث (٢٤٦٨) (٥/ ١١٦) وأطرافه في [٨٩، ٤٩١٣، ٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣]. ومسلم في كتاب: الطلاق، باب: في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن، حديث (٣٤/ ١٤٧٩) (١٢٨/ ١٠ - ١٣١). والترمذي في كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التحريم، حديث (٣٣١٥) (٩/ ٥٥ - ٥٨). والنسائي (٤/ ١٣٧ - ١٣٨).
(٢) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: تبتغي مرضاة أزواجك …، حديث (٤٩١٣) (٨/ ٦٥٧ - ٦٥٨). وأطرافه في [٤٩١٤، ٤٩١٥، ٥٢١٨، ٥٨٤٣، ٧٢٥٦، ٧٢٦٣]. ومسلم في كتاب: الطلاق، حديث (٣١، ٣٢، ٣٣/ ١٤٧٩) (١٠/ ١٢٢) وما بعدها. [¬١]- في ز، خ: وخسرت. [¬٢]- في خ: قد دخلت. [¬٣]- في ز: و. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- سقط من ت، ز. [¬٦]- في ز: من.
[ ١٤ / ٥٤ ]
هذا لفظ البخاري، ولمسلم: من المرأتان اللتان قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ﴾؟ قال: عائشة وحفصة. ثم ساق الحديث بطوله، ومنهم من اختصره.
وقال مسلم (^٢١) أيضًا: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، عن سماك بن الوليد -أبي زميل-، حدثني عبد الله بن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل نبي الله ﷺ نساءه، دخلت المسجد فإذا الناس يَنكُتُون بالحصي، ويقولون: طلق رسول الله ﷺ نساءه! وذلك قبل أن يؤمرَ بالحجاب. فقلت: لأعلمن ذلك اليوم … فذكر الحديث في دخوله على عائشة وحفصة، ووعظه إياهما، إلى أن قال: فدخلت فإذا أنا برباح غلام رسول الله ﷺ على أسكُفّة المشربة، فناديت فقلت: يا رباح، استأذن لي على رسول الله ﷺ … فذكر نحو ما تقدم، إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله، ما يَشُقّ عليك من أمر النساء، فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك، وقلما تكلمتُ -وأحمد الله- بكلام إلا رجوتُ أن يكون الله يصدق قولي، ونزلت هذه الآية، آية التخيير: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. فقلت: أطلقتهن؟ قال: "لا" … فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي: لم يطلق نساءه، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَو الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
وكذا قال سعيد بن جبير، وعكرمة، ومقاتل بن حيان، والضحاك، وغيرهم ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾: أبو بكر وعمر، زاد الحسن البصري وعثمان: وقال [ليث بن أبي] [¬١] سليم، عن مجاهد: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: عليّ بن أبي طالب.
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن أبي [¬٢] عمر حدثنا محمد بن جعفر بن محمد [بن علي] [¬٣] بن الحسين قال: أخبرني رجل ثقة يرفعه إلى عليّ قال: قال رسول الله ﷺ: قوله: ﴿وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: "هو علي بن أبي طالب". إسناده ضعيف، وهو منكر جدًّا.
_________________
(١) صحيح مسلم، الموضع السابق (٣٠/ ١٤٧٩) (١٠/ ١١٨ - ١٢١). [¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في ز. وسقط من خ. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٥٥ ]
وقال البخاري (^٢٢): حدثنا عمرو بن عون، حدثنا هُشيم، عن حُميد، عن أنس، قال: قال عمر: اجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾ فنزلت هذه الآية وقد تقدم أنه وافق القرآن في أماكنَ، منها في نزول الحجاب، ومنها في أسارى بدر، ومنها قوله: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (^٢٣).
وقال ابن أبي حاتم: [حدثنا أبي] [¬١] حدثنا الأنصاري، حدثنا حُمَيد، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: بلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي ﷺ فاستقريتهن أقول: لتكفن عن رسول الله أو ليبدلَنّه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على آخر أمهات المؤمنين، فقالت: يا عمر، أما لي برسول الله ما يعظ نساءه، حتى تعظهن؟!
فأمسكت، فأنزل الله ﷿: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.
وهذه المرأة التي ردته عما كان فيه من وعظ النساء: هي أم سلمة، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري (^٢٤).
وقال الطبراني (^٢٥): حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني، حدثنا إسماعيل البجلي، حدثنا أبو عوانة، عن أبي سنان، عن الضحاك، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾، قال: دخلت حفصة على النبي ﷺ في بيتها وهو يَطَأ مارية، فقال لها رسول الله ﷺ: "لا تخبري عائشة حتى أبشرك [¬٢] ببشارة، فإن أباك يَلي الأمرَ من بعد أبي بكر إذا أنا مت". فذهبت حفصة فأخبَرتْ عائشة، فقالت عائشة لرسول الله ﷺ: من أنبأك هذا؟ قال: ﴿نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. فقالت عائشة: لا انظر إلك حتى تحرم مارية. فحرمها، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيرًا مِنْكُنَّ﴾، حديث (٤٩١٦) (٨/ ٦٦٠).
(٢) صحيح البخاري، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في القبلة حديث (٤٠٢) (١/ ٥٠٤). وأطرافه في [٤٤٨٣، ٤٧٩٠، ٤٩١٦].
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
(٤) المعجم الكبير (١٢/ ١١٧) (١٢٦٤٠). قال الهيثمي (٥/ ١٨١): وفيه إسماعيل بن عمرو البجلي، وهو ضعيف، وقد وثقه ابن حبان، والضحاك بن مزاحم لم يسمع من ابن عباس، وبقية رجاله ثقات. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. والمثبت من ز. [¬٢]- في ز، خ: أنزل.
[ ١٤ / ٥٦ ]
إسناده فيه نظر، وقد تبين مما أوردناه تفسير هذه الآيات الكريمات.
ومعنى قوله: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ﴾ ظاهر.
وقوله ﴿سَائِحَاتٍ﴾، أي: صائمات، قاله أبو هريرة، وعائشة، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو مالك، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة والضحاك، والربيع بن أنس، والسُدّي، وغيرهم، وتقدم فيه حديث مرفوع عند قوله ﴿السائحون﴾ من سورة "براءة"، ولفظه: "سياحةُ هذه الأمة الصيامُ" (^٢٦) وقال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: ﴿سَائِحَاتٍ﴾، أي: مهاجرات: وتلا عبد الرحمن: ﴿السائحون﴾، أي المهاجرون، والقول الأول أولى، والله أعلم.
وقوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، أي: منهن ثيبات، ومنهن أبكارًا، ليكون ذلك أشهى إلى النفوس، فإن التنوع يبسط النفسَ، ولهذا قال: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.
وقال أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أبو بكر بن صدقة، حدثنا محمد بن محمد [] [¬١] بن مرزوق، حدثنا عبد الله بن أمية [¬٢]، حدثنا عبد القدوس، عن صالح بن حَيّان، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾، قال: وعد الله نبيه ﷺ في هذه الآية أن يزوجه، فالثيب آسية امرأة فرعون، وبالأبكار مريم بنت عمران.
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة "مريم ﵍" (^٢٧)، من طريق سُوَيد بن سعيد [¬٣]: حدثنا محمد بن صالح بن عمر، عن الضحاك ومجاهد، عن ابن عمر قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ بموت خديجة فقال: إن الله يقرئها السلام، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب، بعيد من اللهب، لا نصب فيه ولا صخب، من لؤلؤة [جوفاء] [¬٤] بين بيت مريم بنت عمران وبيت آسية بنت مزاحم.
ومن حديث أبي بكر الهذلي (^٢٨)، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه
_________________
(١) راجع تفسير سورة التوبة، آية: (١٠٢).
(٢) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٥٤٣ - مخطوط).
(٣) أخرجه ابن عساكر في الموضع السابق. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "بن محمد". [¬٢]- في ز: أبي. [¬٣]- في خ: سعد. [¬٤]- بياض في ز، خ.
[ ١٤ / ٥٧ ]
وسلم دخل على خديجة وهي في الموت، فقال: "يا خديجة، إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام". فقالت: يا رسول الله، وهل تزوجت قبلي؟! قال:! لا، ولكن الله زوجني مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وكلثم أخت موسى". ضعيف أيضًا.
وقال أبو يعلى (^٣٠): حدثنا إبراهيم بن [¬١] عرعرة. حدثنا عبد النور بن عبد الله، حدثنا يوسف [¬٢] بن شعيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: "أعلمت أن الله زوجني في الجنة مريم بنت عمران، وكلثم أخت موسى، وآسية امرأة فرعون؟ " فقلت: هنيئًا لك يا رسول الله.
وهذا أيضًا ضعيف، وروي مرسلًا عن ابن أبي داود [¬٣].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾
قال سفيان الثوري: عن منصور، عن رجل، عن علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، يقول: أدبوهم، علموهم.
وقال عليّ بن أبي طلحة: عن ابن عباس: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، يقول اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي [¬٤] الله، ومُروا أهليكم بالذكر، ينجيكم الله من النار.
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في الموضع السابق من طريق أبي يعلى بهذا الإسناد. [¬١]- في ز، خ: عن. [¬٢]- في ز، خ: يونس. وكذا في تاريخ دمشق لابن عساكر. [¬٣]- في ز: رواد. [¬٤]- في خ: معصية.
[ ١٤ / ٥٨ ]
وقال مجاهد: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ قال: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله.
وقال قتادة: يأمرهم بطاعة الله، وينهاهم عن معصية الله، وأن يقوم عليهم بأمر الله ويأمرهم به ويساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية، قَدَعتَهم [¬١] عنها وزجرتهم عنها.
وهكذا قال الضحاك ومقاتل: حق على المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله [¬٢] عنه.
وفي معنى هذه الآية الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد (^٣١)، وأبو داود، والترمذي، من حديث عبد الملك بن الربيع بن سَبرَة، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها". هذا لفظ أبي داود، قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وروى أبو داود (^٣٢)، من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ مثل ذلك.
قال الفقهاء: وهكذا في الصوم؛ ليكون ذلك تمرينًا له على العبادة، لكي يبلغ وهو مستمر على العبادة والطاعة ومجانبة المعصية وترك المنكر، والله الموفق.
وقوله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقودها: أي حطبها الذي يلقى فيها جُثث بني آدم، ﴿وَالْحِجَارَةُ﴾ قيل: المراد بذلك الأصنام التي كانت تعبد لقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
وقال ابن مسعود، ومجاهد، وأبو جعفر الباقر، والسدي: هي حجارة من كبريت. زاد مجاهد: أنتن من الجيفة، [وروى ذلك ابن أبي حاتم ﵀، ثم قال: حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحمن بن سنان المنقري] [¬٣] حدثنا عبد العزيز -يعني: ابن أبي رَوَّاد- قال: بلغني أن
_________________
(١) المسند (٣/ ٤٠٤) (١٥٣٧٧). وأبو داود في كتاب: الصلاة، باب: متى يؤمر الغلام بالصلاة، حديث (٤٩٤) (١/ ١٣٣). والترمذي في كتاب: الصلاة، باب: ما جاء متى يؤمر الصبي بالصلاة، حديث (٤٠٧) (٢/ ٧٤). قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وتبعه الألباني في هذا الحكم في صحيح سنن أبي داود (٤٦٥).
(٢) سنن أبي داود، الموضع السابق برقم (٤٩٥). [¬١]- في الطبراني (٢٨/ ١٦٦): ردعتهم. وأصل القدع الكف والمنع، كما في النهاية (٤/ ٢٤). [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٥٩ ]
رسول الله ﷺ تلا هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وعنده بعض أصحابه، وفيهم شيخ، فقال الشيخ: يا رسول الله، حجارة جهنم كحجارة الدنيا؟ فقال النبي ﷺ: "والذي نفسي بيده، لَصَخرة من صخر جهنم أعظمُ من جبال الدنيا كلها". قال: فوقع الشيخُ مغشيًّا عليه، فوضع النبي ﷺ يده على فؤاده [فإذا هُوَ حَيّ] [¬١] فناداه، قال [¬٢]: "يا شيخ، قل: لا إله إلا الله". فقالها، فبشره بالجنة، قال: فقال أصحابه: يا رسول الله، أمن بيننا؟ قال "نعم، يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾. هذا حديث مرسل غريب.
وقوله ﴿عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾، أي: طباعهم غليظة، قد نُزعت من قلوبهم الرحمة بالكافرين بالله، ﴿شِدَادٌ﴾ أي تركيبهم في غاية الشدة والكثافة والمنظر المزعج.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، عن عكرمة أنه قال: إذا وصل أول أهل النار إلى النار، وجَدوا [¬٣] على الباب أربعمائة ألف من خَزنة جهنم، سود وجوههم، كالحة أنيابهم قد نزع الله من قلوبهم الرحمة ليس في قلب واحد منهم مثقال ذَرّة من الرحمة، لو طُيّر الطير من منكب أحدهم لطار شهرين قبل أن يبلغ منكبه الآخر، ثم يجدون على الباب التسعة عشر، عرض صدر أحدهم سبعون خريفًا، ثم يهوون من باب إلى باب خمسمائة سنة، ثم يجدون على كل باب منها مثل ما وجدوا على الباب الأول، حتى ينتهوا إلى آخرها.
وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾، أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله [¬٤] ليس بهم عجز عنه، وهؤلاء هم الزبانية -عياذًا بالله منهم-. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: يقال للكفرة يوم القيامة: لا تعتذروا فإنه لا يقبل منكم، وإنما تجزون اليوم بأعمالكم.
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، أي: توبة صادقة جازمة، تمحو ما قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه، وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات.
قال ابن جرير (^٣٣): حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد، حدثنا شعبة، عن سمَاك بن حَرب،
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٨/ ١٦٧). [¬١]- في ز: "فإذاه". [¬٢]- في ز: فقال. [¬٣]- في ز: ووجدوا. [¬٤]- في خ: ذلك.
[ ١٤ / ٦٠ ]
سمعت النعمان بن بشير يخطب: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، قال: يذنب الذنب ثم لا رجع فيه.
وقال الثوري: عن سماك، عن النعمان، عن عمر قال: التوبة النصوح: أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، أو لا يريد أن يعود فيه.
وقال أبو الأحوص وغيره: عن سماك، عن النعمان: سُئِل عمر عن التوبة النصوح، فقال: أن يتوب الرجل من العمل السّيء، ثم لا يعود إليه أبدًا.
وقال الأعمش: عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله: ﴿تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، قال: يتوب ثم لا يعود، وقد روي هذا مرفوعًا، فقال الإِمام أحمد (^٣٤): حدثنا علي بن عاصم، عن إبراهيم الهَجَري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "التوبة من الذنب أن يتوب منه، ثم لا يعود فيه" تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهَجَري، وهو ضعيف، والموقوف أصح، والله أعلم.
ولهذا قال العلماء [¬١]: التوبة النصوح: هو أن يُقلعَ عن الذنب في الحاضر، ويندم على ما سلف منه في الماضي، ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل، ثم إن كان الحق لآدمي ردّه إليه بطريقه.
قال الإمام أحمد (^٣٥): حدثنا سفيان، عن عبد الكريم، أخبرني زياد بن أبي مريم، عن عبد الله بن مَعَقل قال: دخلت مع أبي عَلى عبد الله بن مسعود فقال: أنت سمعت [] [¬٢] النبي ﷺ يقول: "الندم توب؟ " قال: نعم. وقال مَرّة: نعم سمعته يقول: "الندم توبة".
ورواه ابن ماجة، عن هشام بن عَمار، عن سفيان بن عُيينة، عن عبد الكريم -وهو ابن مالك الجزَريّ- به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني الولد بن بكير -أبو خباب [¬٣] عن عبد الله بن محمد العدَوي [¬٤]، عن أبي سنان البصري، عن أبي قلابة، عن زرّ بن حُبَيش، عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر [¬٥] هذه الأمة عند اقتراب الساعة، منها:
_________________
(١) المسند (١/ ٤٤٦). قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢٠٣): رواه أحمد وإسناده ضعيف.
(٢) المسند (١/ ٣٧٦). وابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر التوبة، حديث (٤٢٥٢) (٢/ ١٤٢٠). قال البوصيري في "الزوائد": (٣/ ٣٠٨): هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات. [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: من. [¬٣]- في ز: هباب. بلا نقط. [¬٤]- في ز، خ: العبدي. [¬٥]- سقط من خ.
[ ١٤ / ٦١ ]
نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. ومنها نكاح الرجل الرجل، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. ومنها نكاح المرأة المرأة، وذلك مما حرم الله ورسوله، ويمقت الله عليه ورسوله. وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا، حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا. قال زر: فقلت لأبيّ بن كعب: فما التوبة النصوح؟ فقال: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ فقال: "هو الندم على الذنب حينَ يَفرُط منك، فتستغفرُ الله بندامتك منه [¬١] عند الحاضر، ثم لا تعود إليه أبدًا".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا عباد بن عمرو [¬٢]، حدثنا أبو عمرو بن العلاء، سمعت الحسن يقول التوبة النصوح: أن تُبَغِض الذنب كما أحببته، وتستغفر منه إذا ذكرته.
فأما إذا جَزَم بالتوبة وصمم عليها فإنها تَجُبّ ما قبلها من الخطيئات، كما ثبت في الصحيح (^٣٦): " الإسلام يجُب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها".
وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرارُ على ذلك إلى الممات، كما تقدم في الحديث وفي الأثر: "لا يعود فيه أبدًا"، أو يكفي العزم على أن لا يعود في تكفير الماضي، بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارًّا في تكفير ما تقدم، لعموم قوله ﵇: "التوبة تجب ما قبلها"؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح (^٣٧) أيضًا: "من أحسنَ في الإسلام لم يؤاخَذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر" فإذا كان هذَا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة، فالتوبة بطريق الأولى، والله أعلم.
وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
_________________
(١) صحيح مسلم، كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، حديث (١٩٢ - ١٢١) (٢/ ١٧٩ - ١٨١) من حديث عمرو بن العاص بلفظ: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؛ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ ".
(٢) صحيح مسلم في كتاب: الإيمان، باب: هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية، حديث (١٢٠) (٢/ ١٧٨). قال الإمام النووي: وأما معنى الحديث فالصحيح فيه ما قاله جماعة من المحققين: أن المراد بالإحسان في الإسلام هنا: الدخول في الإسلام كالظاهر والباطن جميعًا، وأن يكون مسلمًا حقيقيًّا، فهذا يغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن العزيز والحديث الصحيح: الإسلام يهد ما قبله، وبإجماع المسلمين والمراد بالإساءة عدم الدخول في الإسلام لقلبه؛ بل يكون منقادًا في الظاهر مظهرًا للشهادتين غير معتقد الإسلام بقلبه فهذا منافق باق على كفره بإجماع المسلمين؛ فيؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارها؛ لأنه مستمر على كفره، وهذا معروف في استعمال الشرع، يقولون: حسن إسلام فلان إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص، وساء إسلامه أو لم يحسن إسلامه إذا لم يكن كذلك. والله أعلم. ا هـ. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ز: عمر.
[ ١٤ / ٦٢ ]
الْأَنْهَارُ﴾، "وعسى" من الله موجبة، ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، أي: ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ﴾ كما تقدم في سورة الحديد ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾: قال مجاهد، والضحاك، والحسن البصري، وغيرهم: [هذا يقوله] [¬١] المؤمنون حين يرون يوم القيامة نورَ المنافقين قد طفئ.
وقال محمد بن نصر المروزي: حدثنا محمد بن مقاتل المروزي، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة، وأول من يؤذن له برفع رأسه، فأنظر بين يَدَي فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم، وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم"، فقال رجل: يا رسول الله؛ وكيف تعرف أمتك من بين الأم؟ قال: "غر محجلون من آثار الطهور، ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم، وأعرفهم أنهم يؤتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم" (^٣٨).
وقال الإمام أحمد (^٣٩): حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني، حدثنا ابن المبارك، عن يحيى بن حسان، عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف النبي ﷺ عام الفتح، فسمعته يقول: "اللهم لا تخزني يوم القيامة".
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ بجهاد الكفار والمنافقين، هؤلاء بالسلاح
_________________
(١) مسند أحمد (٥/ ١٩٩) (٢١٨٢٨) من طريق ابن لهيعة بهدا الإسناد من حديث أبي الدرداء ﵁. قال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢٩٠): رواه أحمد وفي إسناده ابن لهيعة، وهو حديث حسن في المتابعات.
(٢) المسند (٤/ ٢٣٤) (١٨١١١) قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ١١٢): رواه أحمد ورجاله ثقات. [¬١]- ما بين المعكوفتين بياض في ز.
[ ١٤ / ٦٣ ]
والقتال، وهؤلاء بإقامة الحدود عليهم، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ﴾، أي: في الدنيا، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾، أي: في الآخرة.
ثم قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أي: في مخالطتهم المسلمين ومعاشرتهم لهم، أن ذلك لا يجدي عنهم شيئًا ولا ينفعهم عند الله، إن لم يكن الإيمان حاصلًا في قلوبهم، ثم ذكر المثل فقال: ﴿امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَينِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَينِ﴾، أي: نبيين رسولين عندهما في صحبتهما ليلًا ونهارًا، يؤاكلانهما ويضاجعاتهما ويعاشرانهما أشد العشرة والاختلاط، ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا صدقاهما في الرسالة، فلم يُجْد ذلك كلّ شيئًا، ولا دفع عنهما محذورًا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي لكفرهما [¬١]، ﴿وَقِيلَ﴾ أي: للمرأتين ﴿ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.
وليس المراد ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء معصوماتٌ عن الوقوع في الفاحشة، لحرمة الأنبياء، كما قدمنا في سورة النور.
قال سفيان الثوري (^٤٠) عن موسى بن أبي عائشة، عن سليمان بن قتة: سمعتُ ابن عباس يقولُ في هذه الآية: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ما زنتا، أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل قومها على أضيافه.
وقال العَوفي (^٤١): عن ابن عباس قال: كانت خيانتهما أنهما كانتا على عَورتيهما، فكانت امرأة نُوح تَطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدًا أخبرت به أهل المدينة ممن يعمل السوء.
وهكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وغيرهم.
وقد استدل بهذه الآية الكريمة بعضُ العلماء علي ضعف الحديث الذي يأثره كثير من الناس: "من أكل مع مغفور له غفر له" (^٤٢). وهذا الحديث لا أصل له، وإنما [¬٢] يروى هذا عن بعض الصالحين أنه رأى النبي ﷺ في المنام فقال: يا رسول الله؛ أنت قلت: من أكل مع مغفور له [غفر له] [¬٣]؟ قال: لا، ولكني الآن أقوله.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٨/ ١٦٩ - ١٧٠).
(٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٧٠).
(٣) موضوع، انظر الأسرار المرفوعة (٣٣١، ٤٩٦) والمقاصد الحسنة للسخاوي. وقال الألباني في الضعيفة (٣١٥): كذب لا أصل له. ونقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه قال: هذا ليس له إسناد عند= [¬١]- في ز: بكفرهما. [¬٢]- في خ: ولا. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٦٤ ]
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾
وهذا مَثَلٌ ضربه الله للمؤمنين أنهم لا تضرهم مخالطة الكافرين إذا كانوا محتاجين إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾.
قال قتادة: كان فرعون أعتى أهل الأرض وأكفره [¬١].
فوالله ما ضر امرأته كُفر زوجها حين [¬٢] أطاعت ربها لتعلموا أن الله حَكَمٌ عدل، لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنبه.
وقال ابن جرير (^٤٣): حدثنا إسماعيل بن حفص الأبلي، حدثنا محمد بن جعفر، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تُعَذّب في الشمس، فإذا انصرف عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة.
ثم رواه (^٤٤) عن [محمد بن عبيد] [¬٣] المحاربي، عن أسباط بن محمد، عن سليمان التيمي به.
ثم قال ابن جرير (^٤٥): حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيّة، عن هشام الدّستوائي، حدثنا القاسم بن أبي بزة قال: كانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى وهارون. فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة
_________________
(١) = أهل العلم، ولا هو في شيء من كتب المسلمين، إنما يروونه عن سنان وليس معناه صحيحًا على الإطلاق، فقد يأكل مع المسلمين الكفار والمنافقون. ا هـ.
(٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٧١).
(٣) تفسير الطبري في المرضع السابق.
(٤) تفسير الطبري، الموضع السابق. [¬١]- في ش، خ: وأبعده. [¬٢]- في ز، خ: حتى. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "عبيد بن محمد".
[ ١٤ / ٦٥ ]
تجدونها، فإن مضت على قولها فألقوها عليها، وإن رجعت عن قولها فهي امرأته فلما أتوها رفعت [¬١] بصرها إلى السماء فأبصرت بيتها [¬٢] في الجنة، فمضت على قولها، وانتزع الله [¬٣] روحها وألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح.
فقولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قال العلماء: اختارت الجار قبل الدار. وقد ورد شيء من ذلك [¬٤] في حديث مرفوع: ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾، أي: خلصني منه، فإني أبرأ [إليك] [¬٥] من عمله، ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وهذه المرأة هي آسية بنت مزاحم ﵂.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان إيمانُ امرأة فرعونَ من قبل إيمان امرأة خازن فرعون: وذلك أنها جلست تمشط ابنة فرعون، فوقع المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله. فقالت لها ابنة فرعون: ولك رب غير أبي؟ قالت: [نعم] [¬٦] ربي ورب أبيك ورب كل شيء الله. فلطمتها بنتُ فرعونَ وضربتها، وأخبرت أباها، فأرسل إليها فرعون فقال: تعبدين ربًّا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك ورب كل شيء الله، إياه أعبد. فعذبها فرعون وأوتد لها أوتادًا، فشد رجليها ويديها وأرسل عليها الحيات، وكانت كذلك، فأتى عليها يومًا فقال لها: ما أنت منتهية؟ فقالت له: ربي وربك وربُ كل شيء الله. فقال لها: إني ذابح ابنك في فيك إن لم تفعلي. فقالت له: اقض ما أنت قاض. فذبح ابنها في فيها، وإن روح ابنها بشرها فقال لها: أبشري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا، فصبرت.
ثم أتى [عليها] [¬٧] فرعون يومًا آخر فقال لها مثل ذلك، فقالت له مثل ذلك، فذبح ابنها الآخر [¬٨] في فيها، فبشرها روحه أيضًا، وقال لها: اصبري يا أمه، فإن لك عند الله من الثواب كذا وكذا. قال: وسمعت امرأة فرعون كلام روح [¬٩] ابنها الأكبر ثم الأصغر فآمنت امرأةُ فرعونَ، وقبض اللَّه روح امرأة خازن فرعون، وكشف الغطاء عن ثوبها ومنزلتها وكرامتها في الجنة لامرأة فرعون حتى رأت فازدادت إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، فاطلع فرعونُ على إيمانها، فقال للملإ: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم؟ فأثنوا عليها، فقال لهم: إنها تعبد غيري. فقالوا له: اقتلها. فأوتد لها أوتادًا، فشد يديها ورجليها، فدعت آسية ربها فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ فوافق ذلك أن حضرها فرعون، فضحكت حين رأت بيتها في الجنة فقال فرعون: ألا تعجبون من جنونها، إنا نعذبها وهي تضحك، فقبض الله روحها-
_________________
(١) [¬١]- في ز: وقع. [¬٢]- في ز، خ: بيتًا. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز: هذا. [¬٥]- سقط من ت. [¬٦]- سقط من ت. [¬٧]- سقط من ت. [¬٨]- سقط من ز. [¬٩]- سقط من خ.
[ ١٤ / ٦٦ ]
﵂. وقوله ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، أي [حفظته و] [¬١]، صانته.
[و] [¬٢] الإحصان: هو العفاف والحرية، ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾، أي: بواسطة الملك، وهو جبريل، فإن الله بعثه إليها [¬٣] فتمثل لها في صورة بشر سَوي، وأمره الله تعالى أن ينفخ بفيه في جيب [¬٤] درعها، فنزلت النفخة فولجت في فرجها، فكان منه الحمل بعيسى ﵇؛ ولهذا قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾، أي: بقدره وشرعه، ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾. قال الإمام أحمد (^٤٦): حدثنا يونس، حدثنا داود بن أبي الفرات، عن علباء، عن عكرمة، عن ابن عَباس قال: خط رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، وقال: "أتدرون ما هذا؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال رسول الله ﷺ: "أْفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون".
وثبت في الصحيحين (^٤٧) من حديث شعبة، عن عمرو بن مُرّة، عن مُرّة الهَمْداني، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
وقد ذكرنا طرق هذه الأحاديث وألفاظها، والكلام عليها في قصة عيسى ابن مريم ﵉ في كتابنا "البداية والنهاية"، ولله الحمد والمنة، وذكرنا ما ورد من الحديث من أنها تكون هي وآسية بنت مزاحم من أزواجه ﵇ في الجنة عند قوله: ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾.
آخر تفسير سورة التحريم، ولله الحمد [والمنة] [¬٥].
* * *
_________________
(١) المسند (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٨) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢٢٦): رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني ورجالهم رجال الصحيح. ا هـ.
(٢) صحيح البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾، حديث (٣٤١١) (٦/ ٤٤٦). وأطرافه في [٣٤٣٣، ٣٧٦٩، ٥٤١٨]. ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل خديجة أم المزمنين - رضي الله تعالى عنها - حديث (٧٠/ ٢٤٣١) (١٥/ ٢٨٥). [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز: جنب. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١٤ / ٦٧ ]