﷽
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعَالى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يخبر قومه: إن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له فقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، أي: إلى السداد والنجاح، ﴿فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادتها هاهنا.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾: قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾، أي: فعلُه وأمره وقدرته. وقال الضحاك عن ابن عباس: جد الله: آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه. وروي عن مجاهد وعكرمة: جلال ربنا. وقال قتادة: تعالى جلاله وعظمته وأمره. وقال السدي: تعالى أمر ربنا. وعن أبي الدرداء ومجاهد أيضًا وابن جريج: تعالى ذكره. وقال سعيد بن جبير: ﴿تعالى جد ربنا﴾ أي: تعالى ربنا.
فأما ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن [¬١] عطاء، عن ابن عباس قال: الجد أب، ولو علمت الجن أن في الإِنس [¬٢] جدًّا [¬٣] ما قالوا: ﴿تعالى جَدّ ربنا﴾.
فهذا إسناد جيد، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام، ولعله قد سقط شيء، والله أعلم.
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: ابن. [¬٢]- في ز: الأرض. [¬٣]- في ز: جد.
[ ١٤ / ١٤٧ ]
وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، أي. تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد [أي: قالت] [¬١] الجن: تنزه الرب تعالى جلاله وعظمته حين أسلموا وآمنوا بالقرآن، عن اتخاذ الصاحبة والولد.
ثم قالوا: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾، قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة، والسدي: ﴿سفيهنا﴾ يعنون إبليس ﴿شططا﴾، قال السدي: عن أبي [¬٢] مالك ﴿شططًا﴾، أي: جورًا. وقال ابن زيد: ظلمًا كبيرًا [¬٣].
ويحتمل أن يكون المراد بقولهم ﴿سفيهنا﴾: اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدًا، ولهذا قالوا: ﴿وأنه كان يقول سفيهنا﴾، أي: قبل إسلامه ﴿على الله شططًا﴾، أي: باطلًا وزورًا؛ ولهذا قالوا: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، أي: ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالئون على الكذب على الله في نسبة الصاحبة والولد إليه، فلما سمعنا هذا القرآنَ وآمنا به، علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: كنا نرى أن لنا فضلًا على الإنس، لأنهم كانوا يعوذون بنا، أي: إذا نزلوا واديًا أو مكانا موحشًا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان، أن يصيبهم بشيء [¬٤] يسوؤهم، كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإِنس يعوذون بهم من خوفهم منهم ﴿زادوهم رهقًا﴾، أي: خوفًا وإرهابًا وذعرًا، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذًا بهم، كما قال قتادة: ﴿فزادوهم رهقًا﴾، أي: إثمًا، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة.
وقال الثوري: عن منصور، عن إبراهيم: ﴿فزادوهم رهقًا﴾، أي: ازدادت الجن عليهم جرأة. وقال السدي: كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول: أعوذ بسيد هذا البوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي، قال: فإذا عاذ بهم من دون الله، رهقتهم الجن الأذى عند ذلك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد [] [¬٥] يحيى بن سعيد القطان، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي، حدثنا الزبير بن الخريت [¬٦]، عن عكرمة قال: كان الجن يَفْرَقُون من الإِنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد، وكان الأنس إذا نزلوا واديًا هرب الجن، فيقول سيد القوم: نعوذ [بسيد أهل] [¬٧] هذا الوادي. فقال الجن: نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم. فدنوا من
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز: ابن. [¬٣]- في خ: كثيرًا. [¬٤]- في ز: شيء. [¬٥]- في ز، خ: ابن. [¬٦]- في ز، خ: حرب. [¬٧]- في ز، خ: بأهل.
[ ١٤ / ١٤٨ ]
الإِنس فأصابوهم بالخَبَل والجنون، فذلك قول الله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.
وقال أبو العالية، والربيع، وزيد بن أسلم: ﴿رهقًا﴾، أي: خوفًا. وقال العوفي: عن ابن عباس: ﴿فزادوهم رهقا﴾، أي: إثمًا. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: زاد الكفار طغيانًا.
وقال ابن أبي حاتم (^١): حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم بن مالك -يعني المزني [¬١]- عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كَردم بن أبي السائب الأنصاري قال: خرجت مع أبي من المدينة في حاجة، وذلك أول ما ذكر رسول الله ﷺ بمكة، فآوانا المبيت إلى راعي غنم. فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حَملا من الغنم، فوثب الراعي فقال: يا عامر الوادي، جارك. فنادى مناد [لا نراه، يقول:] [¬٢] يا سرحان، أرسله. فأتى الحمل يشتد، حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة. وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾.
ثم قال: ورُوي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، نحوه. وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل -وهو ولد الشاة- كان جنيًّا حتى رُهب الإِنسي ويخاف منه، ثم رَدّه عليه لما استجار به، ليضله ويهينه، ويخرجه عن دينه، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾ أي: لن يبعث الله [] [¬٣] بعد هذه المدة رسولا. قاله الكلبي، وابن جرير.
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾
يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا ﷺ، وأنزل عليه القرآن، وكان من [¬٤] حفظه له أن السماء مُلِئَت حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت
_________________
(١) ضعيف، أخرجه العقيلي في "الضعفاء الكبير" (١/ ١٠١) في ترجمة إسحاق بن الحارث الكوفي. والطبراني (١٩/ ١٩١ - ١٩٢) (٤٣٠). وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٦٦٤ - ١٦٦٦) (١١٠٥). كلهم من طريق القاسم بن مالك، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، عن كردم في أبي السائب= [¬١]- في ز، خ: المدني. [¬٢]- في خ: يقول وهو لا يراه. [¬٣]- في ز: أحدًا أي لن يبعث. [¬٤]- في ز، خ: في.
[ ١٤ / ١٤٩ ]
الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك، لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الآمر ويختلط ولا يدرى من الصادق، و[¬١] هذا من لطف الله بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز؛ ولهذا قالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [أي: من يوم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مرصدًا] [¬٢] له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه، ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾، أي: ما ندري [¬٣] هذا الأمر الذي قد حدث في السماء، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض، أم أراد بهم ربهم رشدًا؟ وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل، والخير أضافوه إلى الله ﷿.
وقد ورد في الصحيح (^٢): " والشر ليس إليك". وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك، ولكن ليس بكثير به. في الأحيان بعد الأحيان، كما في حديث [ابن عباس] [¬٤] (^٣): ينما نحن جلوس مع رسول الله ﷺ إذا رمي بنجم فاستنار، فقال: "ما كنتم تقولون في هذا؟ " فقلنا: كنا نقول: يولد عظّم، يموت عظّم. فقال: "ليس كذلك، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء … ". وذكر تمام الحديث.
وقد أوردناه في "سورة سبأ" بتمامه. وهذا هو السبب الذي حَمَلهم على تطلب السبب في ذلك، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فوجدوا رسول الله ﷺ يقرأ بأصحابه في الصلاة فعرفوا أن هذا هو الذي حُفظت من أجله السماء، فآمن من آمن منهم، وتمرد في طغيانه من بقى، كما تقدم في [¬٥] حديث ابن عباس في ذلك، عند قوله في "سورة الأحقاف": ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ …﴾. الآية.
ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر، وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها، هال ذلك الإنس والجن، وانزعجوا له وارتاعوا لذلك، وظنوا أن ذلك لخراب العالم، كما قال السدي: لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر، وكانت الشياطين قبل
_________________
(١) = فذكره، قال ابن عدي: إسحاق بن الحارث الكوفي، قال البخاري يتكلمون فيه، وفيه نظر. قال: وضعف أحمدُ عبدَ الرحمن بن إسحاق. ا هـ. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٣٢): وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي وهو ضعيف.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين، حديث (٢٠١/ ٧٧١) (٦/ ٨٢ - ٨٦).
(٣) تقدم تخريجه في تفسير سورة سبأ آية: ٢٣. [¬١]- في ز، خ: وكان. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: تدرون. [¬٤]- في ز، خ: العباس. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١٤ / ١٥٠ ]
محمد ﷺ قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر، فلما بعث الله محمدًا نبيًّا، رُجموا ليلة من الليالي، فنزع لذلك أهل الطائف، فقالوا: هلك أهل السماء؛ لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويُسَيبون مواشيهم، فقال لهم عبد ياليل بن عمرو بن عمير: ويحكم بها معشر أهل الطائف، أمسكوا عن أموالكم، وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة -يعني محمدًا ﷺ وإن أنتم لم تروها فقد هلك أهل السماء. فنظروا فرأوها، فكفوا عن أموالهم. وفزعت الشياطين في تلك الليلة، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم، فقال: أئتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها. فأتوه فشئم فقال: صاحبكم بمكة. فبعث سبعة نفر من جن نصيبين، فقوموا مكة فوجدوا رصعول الله ﷺ قائما يصلي في المسجد الحرام يقرأ [¬١] القرآن، فدنوا [¬٢] منه حرصًا على القرآن حتى كادت كَلاكِلهم تصيبه، ثم أسلموا. فأنزل الله تعالى أمرهم على نبيه ﷺ، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من [¬٣] كتاب السيرة المطول، والله أعلم، ولله الحمد والمنة.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥) وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الجن: إنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [أي: غير ذلك] [¬٤] ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾، أي: طرائق متحددة مختلفة وآراء متفرقة.
قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ أي: منا المؤمن ومنا الكافر.
وقال أحمد بن سليمان النَّجاد في أماليه: حدثنا أسلم بن سَهل بحشل حدثنا علي بن
_________________
(١) [¬١]- في ز: يقرأن. [¬٢]- في خ: فقدموا. [¬٣]- في ز، خ: في. [¬٤]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ١٥١ ]
الحسن [¬١] بن سليمان -وهو أبو الشعثاء الحضرمي، شيخ مسلم-، حدثنا أبو معاوية قال: سمعتُ الأعمش يقول: تروح إلينا جني، فقلت له: ما أحب الطعام إليكم؟ فقال: الأرز. قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدًا. فقلت: فيكم من هذه الأهواء التي فينا؟ قال: نعم. قلت: فما الرافضة فيكم؟ قال: شرنا. عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي فقال: هذا إسناد صحيح إلى الأعمش.
وذكر الحافظ ابن عساكر (^٤) في ترجمة العباس بن [¬٢] أحمد الدمشقي قال: سمعتُ بعض الجنّ، [وأنا في منزلي] [¬٣] بالليل ينشد:
قُلوبٌ بَرَاها الحبّ حَتى تعلَّقت … مَذَاهبُها في كُلّ غَرب وشَارقِ
تَهيم بحب الله، والله رَبُّها … مُعَلَّقة بالله دُونَ الخَلائقِ
وقوله: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾، أي: نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا، وأنا لا نعجزه في الأرض، ولو أمعنا في الهرب، فإنه علينا قادر، لا يعجزه أحد منا.
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾: يفتخرون بذلك، وهو مفخرٌ لهم، وشرفٌ رفيعٌ، وصفةٌ حسنةٌ.
وقولهم: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾، قال ابن عباس، وقتادة، وغيرهما: فلا يخاف أن يُنقَص من حسناته، أو يحمل عليه غير [¬٤] سيئاته، كما قال تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾، أي: منا المسلم ومنا القاسط، وهو: الجائر عن الحق الناكب عنه، بخلاف المقسط فإنه العادل، ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾، أي: طلبوا [¬٥] لأنفسهم النجاة. ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ أي: وقودًا تُسعر بهم.
وقوله: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾: اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين:
أحدِهما: وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها،
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٨/ ٨٨٧ مخطوط). [¬١]- في ز، خ: الحسين. [¬٢]- في ز: أن. [¬٣]- في ز، خ: زارنا في منزل. [¬٤]- في ز: عن. [¬٥]- في ز: ظنوا.
[ ١٤ / ١٥٢ ]
﴿لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾، أي: كثيرًا. والمراد بذلك سَعَة الرزق، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾، وكقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾. وعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، أي: لنختبرهم، كما قال مالك: عن زيد بن أسلم: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾: لنبتليهم، مَن يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية؟
ذكر من قال بهذا القول
قال العوفي عن ابن عباس: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: يعني بالاستقامة: الطاعة. وقال مجاهد: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، قال: الإسلام. وكذا قال سعيد بن جُبير، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والسدي، ومحمد بن كعب القرظي.
وقال قتادة: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ يقول: لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا.
وقال مجاهد: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، أي: طريقة الحق. وكذا قال الضحاك، واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾، أي: لنبتليهم به. وقال مقاتل [¬١]: نزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين.
والقول الثاني: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾: الضلالة ﴿لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾، أي: لأوسعنا عليهم في الرزق استدراجًا، كما قال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. وكقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وهذا قول أبي مِجْلز لاحق بن حُميد، فإنه قال في قوله: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾، أي: طريقة الضلالة. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وحكاه البغوي عن الربيع بن أنس، وزيد بن أسلم، والكلبي، وابن كيسان. وله [¬٢] اتجاه، ويتأيد بقوله: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ [¬٣] عَذَابًا صَعَدًا﴾، أي: عذابًا شاقًّا [¬٤] شديدًا موجعًا مؤلمًا. قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد: ﴿عَذَابًا صَعَدًا﴾ أي: مشقة لا راحة معها. وعن ابن عباس: جبل في جهنم، وعن سعيد بن جبير: بئر [¬٥] فيها.
_________________
(١) [¬١]- في خ: مجاهد. [¬٢]- في ز: لا. [¬٣]- في ز: نسلكه. [¬٤]- في ز: مشقا. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١٤ / ١٥٣ ]
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إلا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده أن يُوحِّدوه في محال عبادته، ولا يدْعى معه أحد ولا يشرك به، كما قال قتادة في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، قال: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعَهم، أشركوا بالله، فأمر الله نبيه ﷺ أن يوحدوه وحده.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر علي بن الحسين: حدثنا إسماعيل ابن بنت السدي، أخبرنا رجل سماه، عن السدي، عن أبي مالك -أو: أبي صالح-، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، قال: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام، ومسجد إليا: بيت المقدس. وقال الأعمش: قالت الجن: يا رسول الله، ائذن لنا نشهد معك الصلوات في مسجدك، فأنزل الله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، يقول: صلوا، و[¬١] لا تخالطوا الناس.
وقال ابن جرير (^٥): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن محمود [¬٢]، عن سعيد بن جبير: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ قال: قالت الجن لنبي الله ﷺ: كيف لنا أن نأتي المسجد [ونحن ناءون؟ وكيف نشهد الصلاة] [¬٣] ونحن ناءون عنك؟ فنزلت: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
وقال سفيان عن خُصيف عن عكرمة: نزلت في المساجد كلها.
_________________
(١) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٧). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: محمول. [¬٣]- سقط من خ.
[ ١٤ / ١٥٤ ]
[قال سعيد بن جبير: نزلت في أعضاء السجود، أي: هي لله فلا تسجدوا بها لغيره. وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح، من رواية عبد الله بن طاووس عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (^٦): " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة -أشار بيده إلى أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين".] [¬١]
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال العوفي (^٧): عن ابن عباس يقول: لما سمعوا النبي ﷺ يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لَما سمعوه يتلو القرآن، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾، يستمعون القرآن.
هذا قوله [¬٢]، وهو مروي عن الزبير بن العوام ﵁.
وقال ابن جرير (^٨): حدثني محمَّد بن معمر، حدثنا [أبو مسلم] [¬٣]، عن أبي عوانة، على أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال الجن لقومهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده، قال: عجبوا من طواعية أصحابه له، قال: فقالوا لقومهم: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾. وهذا قول ثان، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضًا. وقال الحسن (^٩): [لما قام] [¬٤] رسول الله ﷺ يقول: "لا إله إلا الله"، ويدعو الناس إلى ربهم، كادت العرب تَلبُد عليه جميعًا. وقال قتادة (^١٠) في قوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيهِ لِبَدًا﴾، قال: تَلَبَّدت [¬٥] الإنس والجنّ على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيَه ويظهره على من ناوأه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الأذان، باب: السجود على الأنف، حديث (٨١٢) (٢/ ٢٩٧)، ومسلم في كتاب: الصلاة، باب: أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب …، حديث (٢٣٠/ ٤٩٠) (٤/ ٢٧٦).
(٢) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٨).
(٣) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٨).
(٤) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٩).
(٥) أخرجه الطبري (٢٩/ ١١٨). [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز: قول. [¬٣]- في ز، خ: ابن هشام. [¬٤]- في ز: فأقام. [¬٥]- في ز، خ: يلبدون.
[ ١٤ / ١٥٥ ]
وهذا قول ثالث، وهو مَروي عن ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقول ابن زيد، واختيار ابن جرير، وهو الأظهر لقوله بعده: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾، أي: قال لهم الرسول، لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه، ليبطلوا ما جاء به من الحق، واجتمعوا على عداوته: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾، أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به وأتوكل عليه، ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾.
وقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾، أي: إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي وعبد من عباد الله ليس إليّ من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم، بل المرجع في ذلك كله إلى الله ﷿.
ثم أخبر عن نفسه أيضًا أنه لا يجيره من الله أحد، أي: لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه، ﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، [قال مجاهد، وقتادة، والسدي: لا ملجأ. وقال قتادة أيضًا: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾،] [¬١] أي: لا نصير ولا ملجأ. وفي رواية: لا وليّ ومَوْئِلَ.
وقوله تعالى: ﴿إلا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾، قال بعضهم: هو مستثنى من قوله: ﴿لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ … ﴿إلا بَلَاغًا﴾، ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾، أي: لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها عليّ، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أي: إنما أبلغكم رسالة الله فمن يعص بعد ذلك فله جزاء على ذلك نارُ جهنم خالدين فيها إذا، لا محيد لهم عنها، ولا خروج لهم منها.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا﴾، أي: حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة، فسيعلمون يومئذ من أضعف ناصرًا وأقل عددًا، هم أم المؤمنون الموحدون لله ﷿ أي: بل المشركون لا ناصر لهم بالكلية، وهم أقل عددًا من جنود الله ﷿.
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥) عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ١٥٦ ]
يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا (٢٨)
قوله تعالى آمرًا رسوله ﷺ أن يقول للناس: إنه لا علم له بوقت الساعة، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد، ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾، أي: مدة طويلة.
وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه ﵇ لا يؤلّف تحت الأرض، كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب. وقد كان ﷺ يُسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي، كان فيما سأله أن قال له [¬١]: يا محمَّد، فأخبرني عن الساعة؟ قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" (^١١). ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جَهوريّ فقال: يا محمَّد، متى الساعة؟ قال: "ويحك! إنها كائنة، فما أعددت لها؟ " قال: أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام، ولكني أحب الله ورسوله. قال: "فأنت مع من أحببت".
قال أنس: فَمَا فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث (^١٢).
وقال ابن أبي حاتم (^١٣): حدثنا أبي، حدثنا محمَّد بن مصفّى، حدثنا محمَّد بن حمير [¬٢]، حدثني أبو بكر بن أبي مريم، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي سعيد الخُدْريّ، عن النبي ﷺ قال: "يابني آدم، إن كنتم تعقلون [¬٣] فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده، إنما توعدون لآت.
_________________
(١) تقدم تخريجه في سورة الأعراف، آية ١٨٧.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: علامة الحب في الله، حديث (٦١٧١) (١٠/ ٥٥٧)، وطرفه في [٧١٥٣]. ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب: المرء مع من أحب، حديث (١٦١ - ١٦٤/ ٢٦٣٩) (١٦/ ٢٨٥ - ٢٨٨). كلاهما من حديث أنس بنحو هذا اللفظ من طريق سالم بن أبي الجعد دون قول أنس. وأخرجه الترمذي في كتاب الزهد، باب: ما جاء أن المرء مع من أحب، حديث (٢٣٨٦) (٧/ ١١٦ - ١١٧). وأحمد (٣/ ١٠٤) (١٢٠٣١)، كلاهما من طريق حميد عن أنس بنحو حديث البخاري ومسلم وفيه إِيراد قول أنس.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل (ص ٢٨ - ٢٩) حديث (٦). وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٩١). والبيهقي في "شعب" الإيمان (٧/ ٣٥٥) (١٠٥٦٤) كلهم من حديث أبي سعيد. قال أبو نعيم: غريب من حديث عطاء وأبي بكر، تفرد به محمَّد. = [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ز: جبير. [¬٣]- في ز: تعلمون.
[ ١٤ / ١٥٧ ]
وقد قال أبو داود (^١٤) في آخر "كتاب الملاحم": حدثنا موسى بن سهل، حدثنا حجاج بن إبراهيم، حدثنا ابن وهب، حدثني معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن أبيه، عن أبي ثَعلبة الخُشني قال: قال رسول الله ﷺ: "لن يعجز [¬١] الله هذه الأمة [¬٢] من نصف يوم". انفرد به أبو داود.
ثم قال أبو داود (^١٥): حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان، عن شُريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص عن النبي ﷺ أنه قال: "إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم". قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة عام. انفرد به أبو داود.
وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، هذه كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾، وهكذا قال هاهنا: إنه يعلم الغيب والشهادة، وإنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما [¬٣] أطلعه تعالى عليه، ولهذا قال: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، وهذا يعم الرسول الملكي والبشري.
ثم قال: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، أي [¬٤]: يَخْتَصّه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله. ويساوقونه على ما معه من وحي الله؛ ولهذا قال: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾.
وقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله: ﴿لِيَعْلَمَ﴾: إلى من يعود؟ فقيل: إنه عائد على النبي ﷺ.
قال ابن جرير (^١٦): حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمّي [¬٥]، عن جعفر، عن سعيد بن
_________________
(١) = وقال في تخريج أحاديث الإحياء (٦/ ٢٤٨٢) (٣٩٠٥): رواه ابن أبي الدنيا في قصر الأمل والطبراني في مسند الشاميين وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب بسند ضعيف.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، باب: قيام الساعة، حديث (٤٣٤٩) (٤/ ١٢٥). وصححه الألباني في الصحيحة (١٦٤٣).
(٣) أخرجه أبو داود في الموضع السابق حديث (٤٣٥٠). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٦٥٦).
(٤) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٢٣) هذا الإسناد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، به. [¬١]- في ز: نعجز. [¬٢]- في ز: الآية. [¬٣]- في ز: بما. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في خ: القيمي.
[ ١٤ / ١٥٨ ]
جبير في قوله: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، قال: أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل، ﴿لِيَعْلَمَ﴾ محمَّد ﷺ ﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾.
ورواد ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي [¬١] به. وهكذا رواه الضحاك، والسدي، ويزيد بن أبي حبيب. وقال عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾، قال: ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله، وأن الملائكة حفظتها ودفعت [¬٢] عنها [¬٣].
وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة. واختاره ابن جرير. وقيل غير ذلك، كما رواه العَوفي عن ابن عباس (^١٧) في قوله: ﴿إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾، قال: هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان، حتى يتبين الذي [¬٤] أرسل به [¬٥] إليهم، وذلك حين يقول ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم.
وكذا قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾، قال: ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم. وفي هذا نظر.
وقال البغوي: قرأ يعقوب: ﴿لِيَعْلَمَ﴾ بالضم، أي: ليعلم الناس أن الرسل قد بَلَّغوا.
ويحتمل أن كون الضمير عائدًا إلى الله ﷿ وهو قول حكاه ابن الجوزي في "زاد المسير" ويكون المعنى في ذلك أنه يحفظ رسله بملائكته؛ ليتمكنوا من أداء رسالاته، ويحفظ ما بُيِّن إليهم من الوحي، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ويكون ذلك كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ وكقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ [¬٦] اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾، إلى أمثال ذلك، مع العلم لأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعًا لا محالة ولهذا قال بعد هذا: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيءٍ عَدَدًا﴾.
آخر تفسير سورة الجن، ولله الحمد والمنة.
* * *
_________________
(١) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٢٢). [¬١]- في خ: القيمي. [¬٢]- في ز: ودفعتها. [¬٣]- في خ: عن الله. [¬٤]- في ز، خ: الذين. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز: وليعلم.
[ ١٤ / ١٥٩ ]