﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾
الحاقةُ من أسماء يوم القيامة؛ لأنَّ فيها يَتَحقَّقُ الوَعدُ والوَعيد؛ ولهذا عَظّم تعالى أمرَها فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾.
ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾، وهي الصيحة التي [أسكتتهم] [¬١]، والزلزلة التي [أسكنتهم] [¬٢]. هكذا قال قتادة: الطاغية الصيحة. [وهو اختيار ابن جرير] [¬٣]. وقال مجاهد: الطاغية: الذنوب. وكذا قال الرَّبيع بن أنس، وابن زيد: إنَّها الطغيان، وقرأ ابن زيد: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾. وقال السدي: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ [] [¬٤] يعني: عاقر الناقة.
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾، أي: باردة. قال قتادة، والربيع، والسدي، والثوري: ﴿عَاتِيَةٍ﴾، أي: شديدة الهبوب. قال قتادة: عتت عليهم حتى نَقَّبت عن أفئدتهم. وقال الضَّحَّاك: ﴿صَرْصَرٍ﴾: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾: عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة. وقال [علي وغيره: عتت] [¬٥] على الخزنة فخرجت بغير حساب.
﴿سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ﴾ أي: سلطها عليهم ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ أي: كوامل متتابعات مشائيم. قال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والثوري، وغيرهم:
_________________
(١) [¬١]- ز، خ: أسكنتهم. [¬٢]- في ز، خ: أسكتتهم. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: قال. [¬٥]- سقط من خ.
[ ١٤ / ١١١ ]
﴿حُسُومًا﴾ متتابعات. وعن عكرمة، والربيع بن خثيم: مشائيم عليهم، كقوله: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قال الربيع: كان أولها الجمعة. وقال غيره: الأربعاء. ويقال: إنها التي تسميها الناس: الأعجاز، كأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ﴾ ". وقيل: لأنها تكون في عجز الشتاء، ويقال: أيام العجوز؛ لأن من قوم عادٍ دخلت سربًا فقتلها الريح في اليوم الثامن. حكاه البغوي والله أعلم. قال ابن عباس: ﴿خَاويَةٍ﴾: خربة. وقال غيره: بالية. أي جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتًا على أم رأسه، فينشدخ رأسه، وتبقى جثته، كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان، وقد ثبت في الصحيحين: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي، ثنا بن فضيل عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ "ما فتح الله على عادٍ من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم، فمرت بأهل البادية بين السماء والأرض، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة من عادٍ من الريح وما فيها قالوا: هذا عارض ممطرنا. فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة". وقال الثوري: عن ليث، عن مجاهد: الريح لها جناحان وذنب.
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي هل تحس منهم من أحدٍ من بقاياهم أو ممن ينتسب إليهم؟ بل بادوا عن آخرهم، ولم يجعل الله لهم خلفًا.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرئ بكسر القاف. أي: ومن عنده ممن في زمانه من أتباعه من كفار القبط. وقرأ آخرون بفتحها أي: ومن قبله من الأمم المشبهين له. وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ وهم الأمم المكذبة بالرسل.
﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي بالفعلة الخاطئة وهي التكذيب بما أنزل الله.
[قال الربيع: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾، أي: بالمعصية. وقال مجامد: بالخطايا؛ ولهذا قال: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾: وهذا جنس، أي: كُلٌ كذَّبَ رسول الله إليهم، كما قال: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ فحق وعيد، ومن كذب رسول الله فقد كذب بالجميع، كما قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾، ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾، أي: عظيمة شديدة أليمة.
قال مجاهد: ﴿رَابِيَةً﴾ شديد. وقال السدي: مهلكة، ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾، أي: زاد على الحد بإذن الله، وارتفع على الوجود، قال ابن عباس وغيره: ﴿طَغَى الْمَاءُ﴾. كثر، وذلك بسبب دعوة نوح ﵇ على قومه حين كذبوه وخالفوه، فعبدوا غير الله، فاستجاب الله له وعَمَّ أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة،
[ ١٤ / ١١٢ ]
فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته.
قال ابن جرير (^١): حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران، عن أبي سنان سعيد بن سنان، عن غير واحد، عن علي بن أبي طالب؛ قال: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك. فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الخزان فخرج، فذلك قول الله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي [¬١]، ملك، إلا يوم عاد، فإنه أذن لها دون الخزان، فخرجت، فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾: عتت على الخزان.
ولهذا قال تعالى ممتنًّا على الناس: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾، وهي السفينة الجارية على وجه الماء ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً﴾ عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى [¬٢] عليه، أي: وأبقينا [¬٣] لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار، كما قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ [¬٤] تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا [¬٥] لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ وقال قتادة: أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، والأول أظهر؛ ولهذا قال: ﴿[و] [¬٦] وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ أي: وتفهم [¬٧] هذه النعمة وتذكرها [¬٨] أذن واعية.
قال ابن عباس: حافظة سامعة. وقال قتادة: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: عقلت [¬٩] عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله. وقال الضحاك: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾: سمعنها أذن ووعت أي: من له سمع صحيح وعقل رجيح، وهذا عام في من فهم ووعى.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة الدمشقي، حدثنا العباس بن الوليد [بن صبح] [¬١٠] الدمشقي، حدثنا زيد بن يحيى، حدثنا علي بن حوشب، سمعت مكحولا؛ يقول: لما نزلت [¬١١] على رسول الله ﷺ: ﴿﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾﴾، قال رسول الله: "سألت ربي أن يجعلها أذُنَ عَلِيِّ". فكان عَليّ يقول: ما سمعت من رسول الله ﷺ شيئًا قط فنسيته.
_________________
(١) أسنده الطبري (٢٩/ ٥٤) من حديث سعيد بن جبير بنحوه. [¬١]- في ز، خ: يد. [¬٢]- في ز، خ: المعين. [¬٣]- في ز، خ: وأنبتنا. [¬٤]- في ز: و. [¬٥]- في ز: وجعلنا. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ز: ويفهم. [¬٨]- في ز: ويتذكرها. [¬٩]- في ز، خ: تحفظت. [¬١٠]- في ز، خ: عن صبيح. [¬١١]- في ت: نزل.
[ ١٤ / ١١٣ ]
وهكذا رواه ابن جرير (^٢) عن علي بن سهل عن الوليد بن مسلم عن علي بن حوشب عن مكحول به، وهو حديث مرسل.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا جعفر بن محمد بن عامر، حدثنا بشر بن آدم، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد -يعني: والد أبي أحمد الزبير، حدثني صالح بن الهيثم [¬١]، سمعت بريدة الأسلمي؟ يقول: قال رسول الله ﷺ لعليّ: "إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك، [وأن أعلمك وأن تعي، وحُقَّ لك أن تعي] [¬٢]. قال: فنزلت هذه الآية: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾.
ورواه ابن جرير (^٣) عن محمد بن خلف عن بشر بن آدم به. ثم رواه ابن جرير (^٤) من طريق آخر عن أبي [¬٣] داود الأعمى، عن بُرَيدة به. ولا يصحُّ أيضًا.
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾
يقول [تعالى مخبرًا] [¬٤] عن أهوال يوم القيامة، وأول ذلك نفخة الفزع، ثم يعقبها نفخة الصعق حين يُصعَق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور، وهي هذه [¬٥] النفخة. وقد أكدها ها هنا بأنها واحدة؟ لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع، ولا يحتاج إلى تكرار وجميد.
وقال الربيع: هي النفخة الأخيرة. والظاهر ما قلناه، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: فمدت مَدّ الأديم العُكاظي، وتَبَدَّلت الأرض غير الأرض،
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٩/ ٥٥).
(٢) ، (^٤) تفسير الطبري (٢٩/ ٥٦). [¬١]- في ز، خ: هشيم. وفي الطبري: عبد الله بن رستم. [¬٢]- في خ: [وأن أملك درائعي، وحولك أربعي]. وفي ز: [وأن أعلمك، وأن أملك دار تعي، وحولك أربعي]. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ١١٤ ]
﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾، أي: قامت القيامة: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾، قال سماك: عن شيخ من بني أسد، عن عليّ؛ قال: تنشق السماء من المجرة [¬١]. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن جريج: هي كقوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ وقال ابن عباس: متخرقة والعرش بحذائها ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، الملك: اسما جنس، أي: الملائكة على أرجاء السماء.
قال ابن عباس: على ما لم يَهِ [¬٢] منها [أي: حافتها] [¬٣]. وكذا قال سعيد بن جبير، والأوزاعي. وقال الضحاك: أطرافها. وقال الحسن البصري: أبوابها. وقال الربيع بن أنس في قوله: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾، يقول: على ما استدقّ من السماء، ينظرون إلى أهل الأرض.
وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة. ويحتمل أن يكون المراد بهذا [العرشِ العرش] [¬٤] العظيم، أو: العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب. وفي حديث عبد الله بن عَمِيرة [¬٥]، عن الأحنف بن قيس، عن العباس بن عبد المُطب، في ذكر حَمَلة العرش أنهم ثمانية أوعال (^٥).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد [يحيى] [¬٦] بن سعيد، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني أبو السمح البصري، حدثنا أبو قبيل حيي بن هانئ، أنه سمع عبد الله بن عمرو؛ يقول: حملة العرش ثمانية [¬٧]، ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي؛ قال: كتب إليَّ أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري: حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "أذن لي أن أحدثكم عن
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى (١٢/ ٧٤) (٦٧١٢)، والحاكم (٢/ ٥٠٠) وصححه على شرط مسلم. وابن أبي شيبة في العرش (٢٨)، وابن خزيمة في التوحيد (١٠٩). وذكره السيوطي في الدر (٦/ ٤٨٠ - ٤٠٩) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وابن المنذر وابن مردويه والخطيب في تالي التلخيص. [¬١]- في ز، خ: المحد. والعبارة فيها تقديم وتأخير في ز، خ. [¬٢]- في ز: يهي. [¬٣]- في ز: وقال. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في خ: عمرة ز. [¬٦]- في ز، خ: ابن نمر. [¬٧]- سقط من خ.
[ ١٤ / ١١٥ ]
ملك من حملة العرش، بُعدُ ما بين شحمة أذنه وعنقه مَخفق [¬١] الطير سبعمائة عام".
وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات. وقد رواه أبو داود (^٦) في "كتاب السنة" من سُنَنه: حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله ﷺ، قال: "أذنَ لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حَمَلة العرش؛ أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام". هذا لفظ أبي داود.
وقال ابن أبي حاتم (^٧): حدثنا أبو زرعة، حدثنا يحيى بن المغيرة، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: ثمانية صفوف من الملائكة. قال: ورُوي عن الشعبي، والضحاك، وابن جريج، مثل ذلك. وكذا روى السُّدي عن أبي [¬٢] مالك، عن ابن عباس: ثمانية صفوف. وكذا روى العوفي [¬٣] عنه.
وقال الضحاك عن ابن عباس: الكروبيون ثمانية أجزاء، كل جنس منهم بقدر الإنس والجن والشياطين والملائكة.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾، أي: تعرضون على عالم السر والنجوى، الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر، ولهذا قال: ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
وقد قال ابن أبي الدنيا: أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن بُرْقان، عن ثايت بن الحجاج، قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن تُوزنَوا، فإنه أخف عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتَزَيِّنُوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
وقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا وكيع، حدثنا علي بن علي بن رفاعة، عن الحسن، عن أبي موسى، قال: قال رسول الله ﷺ: "يعرض الناس يوم القيامة ثلاث
_________________
(١) سنن أبي داود في كتاب: السنة، باب: في الجهمية، حديث (٤٧٢٧) (٤/ ٢٣٢). وصححه الألباني في الصحيحة (١٥١).
(٢) رواه ابن جرير عن ابن عباس (٢٩/ ٥٨) بنحوه.
(٣) المسند (٤/ ٤١٤) (١٩٧٦٩). [¬١]- في خ: يخفق. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: المعري.
[ ١٤ / ١١٦ ]
عرضات، فأما عرضتان فجدالٌ [¬١] ومعاذيرُ [¬٢]، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف [في الأيدي] [¬٣]، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله". ورواه ابن ماجة (^٩) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع به. وقد رواه الترمذي (^١٠) عن أبي [¬٤] كريب، عن وكيع، عن علي بن علي، عن الحسن، عن أبي هريرة، به.
وقد روى ابنُ جرير (^١١) عن مجاهد بن موسى، عن يزيد، عن [سلمان بن حَيّان] [¬٥]، عن مروان الأصغر، عن أبي وائل، عن عبد الله؛ قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: [عرضتان، معاذير] [¬٦] وخصومات، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي. ورواه سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة مرسلًا مثله.
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾
يخبر تعالى عن سعادة من أوتي كتابه يوم القيامة بيمينه، وفرحه بذلك، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، أي: خذوا اقرءوا كتابيه؛ لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة؛ لأنه مِمَّنْ بَذل الله سيئاته حسنات.
قال عبد الرحمن بن زيد: معنى ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾، أي: ها اقرءوا كتابيه، و"ؤم" زائدة. كذا قال، والظاهر أنها بمعنى [¬٧]: هاكم.
_________________
(١) سنن ابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر البعث، حديث (٤٢٧٧) (٢/ ١٤٠). قال الترمذي: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي موسى. وفي الزوائد: رجال الإسناد ثقات؛ إلا أنه منقطع، والحسن لم يسمع من أبي موسى، قاله علي بن المديني وأبو حاتم وأبو زرعة. ا هـ. انظر التالي.
(٢) سنن الترمذي، كتاب صفة القيامة، باب: ما جاء في العرض، حديث (٢٤٢٧) (٧/ ١٤١). قال الترمذي: ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة.
(٣) أخرجه الطبري (٢٩/ ٥٩). [¬١]- في ز: وجداي. [¬٢]- في ز، خ: ومقادير. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في خ: ابن. [¬٥]- في ز، خ: وسليم بن حبان. [¬٦]- في ز: معادية. [¬٧]- في ز: هي.
[ ١٤ / ١١٧ ]
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مطر الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان؛ قال: المؤمن يعطى كتابه في ستر من الله، فيقرأ سيئاته، فكلما قرأ سيئةً تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها، فيرجع إليه لونه. ثم ينظر فإذا سيئاته قد بُدلت حسنات، قال: فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.
وحدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة، حدثنا روح بن عبادة [¬١]، حدثنا موسى بن عبيدة، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن حنظة - غسيل الملائكة - قال: إن الله يوقف [¬٢] عبده يوم القيامة فيبدي سيئاته في ظهر صحيفته [¬٣]، فيقول له: أنت عملت هذا. فيقول: نعم، أي رب. فيقول له: إني لم أفضحك به، وإني قد غفرت لك. فيقول عند ذلك: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، حين نجا من فَضْحة يوم القيامة.
وقد تقدم في الصحيح (^١٢) حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى، فقال: سمعت النبي ﷺ؛ يقول: "يدني الله العبد يوم القيامة، فيقرره بذنوبه كلها، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يُعطى كتاب حسناته بيمينه. وأما الكافر والمنافق ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾، أي: قد كنت موقنًا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة، كما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، أي [¬٤]: مرضية، ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، أي: رفيعة قصورها، حسان حورها، نعيمة دورها، دائم حبورها.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو عُتبَةَ الحسن بن علي بن مسلم السَّكُوني [¬٥]، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يحيىسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلام الأسود؛ قال: سمعت أبا أمامةَ؟ قال: سأل رجلٌ رسول الله ﷺ: هل يتزاور أهل الجنة؟ قال: "نعم، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى، فيحيونهم [¬٦] ويسلمون عليهم، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين، تقصر بهم
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة هود، آية: ١٨. [¬١]- في ز، خ: عباد. [¬٢]- في ز، خ: يقف. [¬٣]- في ز، خ: فضيحة. [¬٤]- في ز: يعني. [¬٥]- في ز، خ: السكري. [¬٦]- في خ: فيجيئونهم.
[ ١٤ / ١١٨ ]
أعمالهم". وقد ثبت في الصحيح (^١٣): " إن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض".
وقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، قال البراء بن عازب: أي قريبة، يتناولها، أحدهم، وهو نائم على سريره. وكذا قال غير واحد. قال الطبراني (^١٤): عن عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عطاء بن يسار، عن سلمان الفارسي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يدخل الجنة أحد إلا بجواز: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هذا كتاب من الله لفلان بن فلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية".
وكذا رواه الضياء في "صفة الجنة" من طريق سعدان بن سعيد، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان، عن رسول الله ﷺ؛ قال: "يعطي المؤمن جَوَازًا على الصراط: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان، أدخلوه جنة عالية، قطوفها دانية".
وقوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ أي: يقال لهم ذلك تفضلًا عليهم، وامتنًانا وإنعامًا وإحسانًا، والا فقد ثبت في الصحيح (^١٥)، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "اعملوا وسدِّدوا وقَارِبُوا، واعلموا أن أحدًا منكم لن يدخله عملُه الجنةَ". قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَني الله برحمة منه وفضل".
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَاليتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيسَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين في سبيل الله .. حديث (٢٧٩٠) (٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤ - متن) وطرفه في [٧٤٢٣] من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه الطبراني (٦/ ٢٧٢) (٦١٩١). من طريق إسحاق بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق بهذا الإسناد. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٤٠١): رواه الطبراني في الكبير والأوسط. ولم يذكر شيئًا. وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم: ضعيف في حفظه.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: القصد والمداومة على العمل، حديث (٦٤٦٧، ٦٤٦٤) (١١/ ٢٩٤) ومسلم في كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل أحد الجنة بعمله، بل برحمة الله تعالى، حديث (٧٨/ ٢٨١٨) (١٧/ ٢٣٦). كلاهما من حديث عائشة ﵂.
[ ١٤ / ١١٩ ]
لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إلا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إلا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾
وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم [¬١] كتابه في العَرَصات بشماله، فحينئذ يندم غاية الندم، فيقول: ﴿يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَاليتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾.
قال الضحاك: يعني موتة لا حياة بعدها. وكذا قال محمد بن كعب، والربيع، والسدي.
وقال قتادة: تمنى الموت، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه.
﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾، أي: لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبَأسه، بل خَلص الأمر إليَّ وحدي، فلا معين لي [¬٢] ولا مجير. فعندها يقول الله ﷿: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾، أي: يأمر الزبانية أن تأخذه عُنْفًا من المحشر، فَتَغُله، أي: تضع الأغلال في عنقه، ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها، أي: تغمره فيها.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد، عن عمرو بن قيس، و[¬٣] عن المنهال بن عمرو؛ قال: إذا قال الله ﷿: خذوه، ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول هكذا فيلقي سبعين ألفًا في النار.
وروى ابن أبي الدنيا في "الأهوال": إنه يبتدره أربعمائة ألف، ولا يبقى شيء إلا دَقّه، فيقول: ما لي ولك؟ فيقول: أن الرب عليك غضبان، فكل شيء غضبان عليك.
وقال الفضيل -هو ابن عياض -: إذا قال الرب ﷿: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾، ابتدره سبعون ألف ملك، أيهم يجعل الغل في عنقه. ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ أي: اغمروه فيها.
وقوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾، قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا، وقال العَوفي عن ابن عباس، وابن جريج: بذراع الملك. وقال ابن جريج، قال ابن عباس: ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾: تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى. وقال العَوفي عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه، حتى لا يقوم [¬٤] على رجليه.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: يقو.
[ ١٤ / ١٢٠ ]
وقال الإمام أحمد (^١٦): حدثنا علي بن إسحاق، أخبرنا عبد الله، أخبرنا سعيد بن يزيد، عن أبي السمح، عن عيسى بن هلال الصَّدَفي [¬١]، عن عبد الله بن عمرو؛ قال: قال رسول الله صلى الله معحليه وسلم: "لو أن رَصَاصةً مثل هذه - وأشار إلى مثل [¬٢] جُمْجُمة - أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل. ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة، لسارت أربعين خريفًا الليلَ والنهارَ، قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها".
وأخرجه الترمذي (^١٧)، عن سُويد [بن نصر] [¬٣]، عن عبد الله بن المبارك به. وقال: هذا حديث حسن.
وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، أي: لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئًا، وللعباد بعضهم على بعض حق الإِحسان والمعاونة على البر والتقوى؛ ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض النبي ﷺ وهو يقول: "الصلاة، وما ملكت أيمانكم" (^١٨).
وقوله: ﴿فَلَيسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إلا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إلا الْخَاطِئُونَ﴾، أي: ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله، لا حميم، وهو القريب، ولا شفيع يطاع، ولا طعام له هاهنا إلا من غسلين. قال قتادة: هو شر طعام أهل النار، وقال الربيع والضحاك: هو شجرة في جهنم. وقال ابن أبي حاتم (^١٩): حدثنا أبي، حدثنا منصور بن أبي مزاحم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، عن خصيف، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: ما أدري ما الغسلين؟ ولكني أظنه الزقوم. وقال شبيب بن بشر عن عكرمة، عن ابن عباس؛ قال: الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم. وقال علي بن أبي طلحة عنه: الغسلين: صديد أهل النار.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢/ ١٩٧) (٦٨٥٦).
(٢) والترمذي في كتاب: صفة الجنة، باب: ذكر السلسة بالنار، حديث (٢٥٩١) (٧/ ٢٥٦، ٢٥٧). قال الترمذي: إسناده حسن وفي بعض النسخ قال: حسن صحيح.
(٣) أخرجه أحمد (٣/ ١١٧) (١٢١٨٩). والنسائي في الكبرى (٤/ ٢٥٨) في كتاب: الوفاة، باب: ذكر ما كان يقوله النبي ﷺ في مرضه، حديث (٧٠٩٤، ٧٠٩٥). وابن ماجة في كتاب: الوصايا، باب: هل أوصى رسول الله ﷺ، حديث (٢٦٩٧) (٢/ ٩٠٠ - ٩٠١)، والحاكم (٣/ ٥٧) وعزاه للصحيحين، وأقره الذهبي، ولم يعزه المزي في التحفة لهما. وصححه الألباني في الإرواء (٧/ ٢٣٧) (٢١٧٨).
(٤) ذكره السيوطي في "الدر" (٦/ ٤١٢) وزاد نسبته إلى أبي القاسم الزجاجي النحوي في أماليه. [¬١]- في ز: الصيدلي. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز، ابن سعيد. وهي سقط من خ.
[ ١٤ / ١٢١ ]
﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣)﴾
يقول تعالى مقسمًا لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم: إن القرآن كلامُه ووحيه وتنزيلُه على عبده ورسوله، الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة، فقال: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، يعني محمدًا ﷺ أضافه إليه على معنى التبليغ؛ لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل؛ ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وهذا جبريل، ﵇.
ثم قال: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ يعني محمدًا ﷺ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾، يعني أن محمدًا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيبِ بِضَنِينٍ﴾، أي: بمتهم، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيطَانٍ رَجِيمٍ﴾ وهكذا قال هاهنا ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾، فأضافه تارة إلى قول الرسول الملكي، وتارة إلى الرسول البشري؛ لأن كل منهما مبلغ [¬١] عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه؛ ولهذا قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾.
قال الإمام أحمد (^٢٠): حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان، حدثنا شُريح بن عبيد؛ قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرّض رسول الله صلى عليه وسلم قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقنى إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش. قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قال: فقلت: كاهن. قال: فقرأ ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ … إلى آخر السورة، قال: فوقع الإِسلام في قلبي كل موقع.
_________________
(١) أخرجه أحمد (١/ ١٧) (١٠٧). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٦٥): رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر. ا هـ. وضعفه أحمد شاكر في تعليقه على المسند. [¬١]- في خ: يبلغ.
[ ١٤ / ١٢٢ ]
فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب، كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة، [ولله الحمد] [¬١].
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا﴾، أي: محمد ﷺ لو كان كما يزعمون مفتريًا علينا فزاد في الرسالة أو نقص منها، أو قال شيئًا من عنده فنسبه إلينا، وليس كذلك: لعاجلناه بالعقوبة؛ ولهذا قال: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾، قيل، معناه لانتقمنا منه باليمين؛ لأنها أشد في البطش. وقيل: لأخذنا بيمنه.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، قال ابن عباس: وهو نياط القلب، وهو العرْقُ الذي القلب معلق فيه، وكذا قال عكرمة، وسعيد بن جبير، والحكم، وقتادة، والضحاك، ومسلم البَطِين، وأبو صخر حُمَيد بن زياد. وقال محمد بن كعب: هو القلب ومراقه وما يليه.
وقوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، أي: فما يقدر أحد منكم على أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئًا من ذلك، والمعنى في هذا: بل هو صادق بار راشد؛ لأن الله ﷿ مقرر له ما يبلغه عنه، مؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات.
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، يعني: القرآن، كما قال: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾ ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾، أي: مع هذا البيان والوضوح سيوجد منكم من يكذب بالقرآن.
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ - قال ابن جرير: وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة وحكاه - عن قتادة بمثله. وروى ابن أبي حاتم، من طريق السدي، عن أبي مالك: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، يقول: لَنَدَامة [¬٢]. ويحتمل عود الضمير على القرآن، أي: وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين، كما قال: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَينَهُمْ وَبَينَ مَا يَشْتَهُونَ﴾؛ ولهذا قال هاهنا: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾، أي: الخبر الصدق الحق الذي لا مرية
_________________
(١) [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ز: الندامة.
[ ١٤ / ١٢٣ ]
فيه، ولا شك، ولا ريب.
ثم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾: أي الذي أنزل هنا القرآن العظيم.
آخر سورة [¬١] الحاقة، ولله الحمد والمنة [¬٢].
* * **
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- زيادة من خ.
[ ١٤ / ١٢٤ ]