﷽
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾
هذه آدابٌ أدّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول ﷺ من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي: لا تتسرعوا [¬١] في الأشياء بين يديه، أي قبله، بل كونوا تبعًا له في جميع الأمور، حتى يدخل في عموم هذا الأدب الشرعي حديثُ معاذ (^١)، قال له النبي ﷺ حين بعثه إلى اليمن: "بم تحكم؟ " قال: بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: بسنة رسول الله. قال: "فإن لم تجد؟ ". قال: أجتهد رأيي. فضرب
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٣٠، ٢٤٢) برقم (٢٢١٠٥، ٢٢١٩٩). وأبو داود في كتاب الأقضية (٣/ ٣٠٣). والترمذي في كتاب الأحكام برقم (١٣٢٨) (٥/ ٨)، والبيهقي في السنن (١٠/ ١١٤). وأبو داود الطيالسي في مسنده -كما في منحة المعبود (١/ ٢٨٦) - وابن سعد في الطبقات (٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥)، (٣/ ٤٣٨). والعقيلي في الضعفاء الكبير (١/ ٢١٥) في ترجمة الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة الثقفي. كلهم من طريق شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو، عن أصحاب معاذ، عن معاذ. وأخرجه أبو داود (٣٥٩٢)، والترمذي (١٣٢٧)، وأحمد (٥/ ٢٣٦) برقم (٢٢١٦٠) من طريق شعبة ولم يذكرا معاذًا. قال البخاري في تاريخه الكبير (٢/ ٢٧٧): الحارث بن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة الثقفي، عن أصحاب معاذ، عن معاذ، روى عنه أبو عون ولا يصح، ولا يعرف إلا بهذا الإسناد، وهو مرسل. وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل. وعلى هذا ففيه ثلاث علل كما ذكر ذلك الحافظ العراقي ونقل ذلك الألباني في الضعيفة برقم (٨٨١) وهي: الأولى: الإرسال. الثانية: جهالة الحارث. الثالثة: جهالة أصحاب معاذ. [¬١]- في ت: لا تسرعوا.
[ ١٣ / ١٣٦ ]
في صدره وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، لما يرضي رسول الله". وقد رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدي الله ورسوله.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة (^٢).
وقال العوفي عنه: نهى أن يتكلموا وبين يدي كلامه (^٣).
وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله ﷺ بشيء حتى يقضي الله على لسانه (^٤).
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله في [¬١] شرائع دينكم (^٥).
وقال سفيان الثوري: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بقول ولا فعل (^٦).
وقال الحسن البصري: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، قال: لا تدعوا قبل الإِمام.
_________________
(١) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٦)، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية كما في الدر المنثور للسيوطي (٦/ ٨٥) من طريق علي أبي طلحة، عن ابن عباس. قال العلائي في جامع التحصيل: علي بن أبي طلحة؛ قال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس. وقال أبو حاتم: علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مرسل؛ إنما يروى عن مجاهد والقاسم بن محمد.
(٢) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٦) قال: حدثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباس. ومحمد بن سعد لينه الخطيب كما في المغني في الضعفاء (٢/ ٥٨٤). وعطية بن سعد العوفي، قال في التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًّا مدلسًا وبقية الإسناد مجاهيل. والحديث ذكره السيوطي في الدر (٦/ ٨٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﵁.
(٣) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٦). والبيهقي في شعب الإيمان (٢/ ١٩٥) (١٥١٦) كلاهما من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد. وزاد السيوطي في الدر نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه (٦/ ٨٦).
(٤) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٧) بنحوه.
(٥) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٧) بنحوه. [¬١]- في ت: من.
[ ١٣ / ١٣٧ ]
وقال قتادة: ذكر لنا أن ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا كذا. وكذا لو صنع كذا، فكره الله ذلك وتقدم فيه (^٧).
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ أي: لأقوالكم، ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتكم.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾: هذا أدب ثانٍ أدَّب الله به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي ﷺ وقد روي [أنها نزلت] [¬١] في الشيخين أبي بكر وعمر ﵄.
وقال البخاري (^٨): حدثنا بَسْرَة بن صفوان اللخمي، حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة؛ قال: كاد الخيّران أن يَهْلكا، أبو بكر وعمر ﵄ رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر - قال نافع: لا أحفظ اسمه - فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلا خلافي. قال: ما أردتُ خلافك [¬٢]. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمعُ رسولَ الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه [¬٣]، ولم يذكر ذلك عن أبيه؛ يعني أبا بكر ﵁. انفرد له دون مسلم.
ثم قال البخاري (^٩): حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا حجاج، عن ابن جرَيج، حدثني ابن أبي مليكة؛ أن عبد الله بن الزبير أخبره؛ أنه قَدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد. وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلى -أو: إلا- خلافي. فقال عمر: ما أردتُ خلافَك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
_________________
(١) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٦ - ١١٧).
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، في تفسير سورة الحجرات، باب: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ برقم (٤٨٤٥) (٨/ ٥٩٠).
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون﴾ برقم (٤٨٤٧) (٨/ ٥٩٢). [¬١]- في ز: أنه أنزلت. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: يستفهم.
[ ١٣ / ١٣٨ ]
تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، حتى انقضت الآية، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية.
وهكذا رواه هاهنا منفردًا به أيضًا.
وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده (^١٠): حدثنا الفضل بن سهل [¬١]، حدثنا إسحاق بن منصور، حدثنا حصين بن عُمَر، عن مُخارق، عن طارق بن شهاب، عن أبي بكر الصديق قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، قلت: يا رسول الله، والله؛ لا أكلمك إلا كأخي السّرار.
حصين بن عمر هذا - وإن كان ضعيفًا - لكن قد رويناه من حديث عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، بنحو ذلك، والله أعلم.
وقال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا أزهر بن سعد، أخبرنا ابن عون، أنبأني موسى بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله؛ أنا أعلم لك علْمه. فأتاه فوجده في بيته مُنَكِّسًا رأسه، فقال له: ما شأنك؟ فقال: شرّ، كان يَرْفَعُ صوته فوق صوت النبي ﷺ، فقد حبط عمله، فهو من أهل النار. فأتى الرجل النبي ﷺ فأخبره أنه قال كذا وكذا. قال موسى: فرجع إليه المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة". تفرد به البخاري من هذا الوجه (^١١).
وقال الإِمام أحمد (^١٢): حدثنا هاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾: وكان ثابت بن قيس بن الشماس رفيع الصوت فقال: أنا
_________________
(١) - أخرجه البزار (٢/ ١٠٦ مختصر زوائد مسند البزار) برقم (١٥٠٥) من طريق حصين بن عمر، وحصين هذا متروك كما في التقريب. والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١١)، وقال: رواه البزار، وفيه حصين بن عمر الأحمسي، وهو متروك، وقد وثقه العجلي، وبقيه رجاله رجال الصحيح.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، في تفسير سورة الحجرات، باب: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ برقم (٤٨٤٦) (٨/ ٥٩٠).
(٣) - رجاله رجال الشيخين؛ غير هاشم بن القاسم فمن رجال مسلم. والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٣٧) برقم (١٢٤٢١). [¬١]-
[ ١٣ / ١٣٩ ]
الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ، حبط عملي، أنا من أهل النار، وجلس في أهله حزينًا ففقده رسول الله ﷺ، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ ما لك؟ قال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ وأجهر له بالقول، حبلى عملي، أنا من أهل النار. فأتوا النبي ﷺ، فأخبروه بما قال .. فقال: "لا، بل هو من أهل الجنة". قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تُعوّدون أقرانكم. فقاتلهم حتى قُتل.
وقال مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البُناني، عن أنس بن مالك، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ .. إلى آخر الآية جلس ثابت في بيته، قال: أنا من أهل النار، واحتبس عن النبي ﷺ، فقال النبي ﷺ لسعد بن معاذ: "يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ أشتكى؟ " فقال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعد فذكر له قولَ رسول الله ﷺ، فقال ثابت: أنْزلَت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ؛ فقال رسول الله ﷺ: "بل هو [¬١] من أهل الجنة" (^١٣).
ثم رواه مسلم عن أحمد بن سعيد الدارمي، عن حَيَّان بن هلال، عن سليمان بن المغيرة، به قال: ولم يذكر سعدَ بن معاذ. وعن [قطن بن نُسير] [¬٢] عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس، بنحوه. وقال: ليس فيه ذكر سعد بن معاذ (^١٤).
حدثنا هُرَيم بن عبد الأعلى الأسدي، حدثنا المعتمر [¬٣] بن سليمان، سمعت أبي يذكر [عن ثابت] [¬٤] عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية … واقتص [¬٥] الحديث، ولم يذكر سعدَ بن معاذ وزاد: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجلٌ من أهل الجنة (^١٥).
_________________
(١) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: ومخافة المؤمن أن يحبط عمله، حديث (١٨٧/ ١١٩) (٢/ ١٧٥ - ١٧٦).
(٢) - أخرجه مسلم في الموضع السابق (١٨٨ م / ١١٩) (٢/ ١٧٦).
(٣) - أخرجه مسلم (١٨٨/ ١١٩) (٢/ ١٧٧). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: مطر بن بشير. [¬٣]- في ز: زهير. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز: فاقتص.
[ ١٣ / ١٤٠ ]
فهذه الطرق الثلاث مُعَلّلة لرواية حماد بن سلمة فيما تفرد به من ذكر سعد بن معاذ. والصحيح أن حال نزول هذه الآية لم يكن سعد بن معاذ موجودًا، لأنه كان قد مات بعد بني قريظة بأيام قلائل [سنة خمس] [¬١]، وهذه الآية نزلت في وفد بني تميم، والوفود إنما تواتروا في سنة تسع من الهجرة، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا أبو ثابت بن ثابت بن قيس بن شَمَّاس، حدثني عمي إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾، قال: قعد ثابت بن قيس في الطريق يبكي، قال: فمر به عاصم بن عدي من بني العجلان فقال: ما يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوف أن تكون نزلت فيّ وأنا صَيِّتٌ رفيع الصوت. قال: فمضى عاصم بن عدي إلى رسول الله ﷺ قال: وغلبه البكاء، فأتى امرأته جميلة ابنة [¬٢] عبد الله بن أبي بن سلول فقال لها: إذا دخلت بين فَرَسي فشدّي عَليّ الضبَّة بمسمار، فضربته بمسمار حتى إذا خرج عطفه، وقال: لا أخرج حتى يتوفاني الله ﷿ أو يرضى عني رسول الله ﷺ. قال: وأتى عاصم رسولَ الله ﷺ فأخبره خبره، فقال: "اذهب فادعه لي". فجاء عاصم إلى المكان فلم يجده، فجاء إلى أهله فوجده في بيت الفَرَس، فقال له: إن رسول الله ﷺ يدعوك. فقال: اكسر الضبة. قال: فخرجا فأتيا النبي ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: "ما يبكيك، يا ثابت؟ " فقال: أنا صيّت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾. فقال له النبي ﷺ: "أما ترضى أن تَعيش حَميدًا، وتقتل شهيدًا، وتدخل الجنة؟ " فقال: رضيت ببشرى [¬٣] الله ورسوله ﷺ، ولا أرفع صوتي أبدًا على صوت رسول الله ﷺ. قال: وأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية (^١٦).
_________________
(١) - في إسناده إسماعيل بن محمد بن ثابت بن قيس بن الشماس؛ ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٢/ ١٩٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وأبو ثابت من ولد ثابت بن قيس بن شماس ذكره ابن أبي حاتم أيضًا في الجرح والتعديل (٩/ ٣٥١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا وبقية رجاله ثقات. والحديث أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٨). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: ابن. [¬٣]- في ز: بشير.
[ ١٣ / ١٤١ ]
وقد ذكر هذه القصة غير واحد من التابعين كذلك، فقد نهى الله ﷿ عن رفع الأصوات بحضرة رسول الله ﷺ، وقد روينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه سمع صَوتَ رجلين في مسجد رسول الله ﷺ قد ارتفعت أصواتهما، فجاء فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: مِن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا.
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره، كما كان يكره في حياته، لأنه محترم حيًّا وفي قبره صلوات الله وسلامه عليه دائمًا. ثم نهى عن الجهر له بالقول كما يجهر الرجل لمخاطبه ممن عداه، بل يخاطب بسكينة ووقار وتعظيم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾، كما قال: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾.
وقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، أي: إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط الله عمل من أغضبه وهو لا يدرى، كما جاء في الصحيح: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يُلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط. الله لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماوات والأرض" (^١٧).
ثم ندب الله ﷿ إلى خفض الصوت عنده، وحَثّ على ذلك وأرشد إليه ورغَّب فيه، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ أي: أخلصها لها وجَعَلَها أهلًا ومحلًا، ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.
و[قد] [¬١] قال الإِمام أحمد في كتاب الزهد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد قال: كُتب إلى عمر: يا أمير المؤمنين، رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر ﵁: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (^١٨).
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب: حفظ اللسان، برقم (٦٤٧٨) (١١/ ٣٠٨).
(٢) - إسناده صحيح إلى مجاهد. [¬١]- سقط من ز.
[ ١٣ / ١٤٢ ]
صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيهِمْ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾
ثم إنه تعالى ذَمّ الذين، ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه، كما يصنع أجلاف الأعراب، فقال: ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾.
ثم أرشد إلى الأدب في ذلك فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، أي: لكان لهم في ذلك الخيرَةُ والمصلحة في الدنيا والآخرة.
ثم قال داعيًا لهم [¬١] إلى التوبة والإِنابة: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وقد ذُكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي فيما أورده غير واحد، قال الإِمام أحمد:
حدثنا عفان، حدثنا وُهَيب، حدثنا موسى بن عقبة، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع بن حابس أنه نادى رسول الله ﷺ [من وراء الحجرات] [¬٢] فقال: يا محمد؛ يا محمد - وفي رواية: يا رسول الله - فلم يجبه. فقال: يا رسول الله؛ إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال [¬٣]: "ذاك الله ﷿" (^١٩).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو عمار [¬٤] الحسين بن حريث المروزي، حدثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا محمد؛ إن حمدي زين وذمي شين. فقال: "ذاك الله ﷿" (^٢٠).
وهكذا ذكره الحسن البصري، وقتادة مرسلًا.
_________________
(١) - صحيح لغيره، أخرجه أحمد (٣/ ٤٨٨)، والطبراني (١/ ٣٠٠) (٨٧٨). كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن الأقرع بن حابس به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١١١): رواه أحمد والطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح؛ إن كان أبو سلمة سمع من الأقرع وإلا فهو مرسل كإسناد أحمد الآخر. ويشهد له حديث البراء بن عازب الآتي بعده.
(٢) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١١٢١). والترمذي في كتاب التفسير، باب: ومن سورة الحجرات، برقم (٣٢٦٣) (٩/ ١٩)، والنسائي في الكبرى، في كتاب التفسير باب: قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ برقم (١١٥١٥) (٦/ ٤٦٦). وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (٢/ ٢٩٦) كلهم من طريق الحسين بن واقد عن أبي إسحاق عن البراء به. والحسين ثقة له أوهام، وأبو إسحاق ثقة اختلط بأخرة. والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (٢٦٠٥). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: قال. [¬٤]- في ز: عار. كذا.
[ ١٣ / ١٤٣ ]
وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة؛ قال: كان بشْر بن غالب ولَبِيد بن عطارد -أو بشر بن عطارد ولبيد بن غالب- وهما عند الحجاج جالسان - فقال بشر بن غالب للبيد بن عُطارد: نزلت في قومك بني تميم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾، قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: أما إنه لو علم بآخر الآية أجابه: ﴿يمنون عليك أن أسلموا﴾، قالوا: أسلمنا، ولم يقاتلك [¬١] بنو أسد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن علي الباهلي، حدثنا المعتمر بن سليمان: سمعت داود الطفاوي [¬٢] يحدّث عن أبي مسلم البجلي، عن زيد بن أرقم؛ قال: اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبيًّا فنحن أسعد [الناس به] [¬٣]، وإن يك مَلِكًا نَعشْ بجناحه. قال: فأتيت رسول الله ﷺ فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد؛ يا محمد؛ فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾. قال: فأخذ رسول الله ﷺ [بأذني فَمَدّها فجعل] [¬٤] يقول: "لقد صدق الله قولك يا زيد؛ لقد صدق الله قولك يا زيد" (^٢١).
ورواه ابن جرير، عن الحسن بن عرفة، عن المعتمر بن سليمان، به (^٢٢).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾
يأمر تعالى بالتثبت في خبر [¬٥] الفاسق ليُحتَاطَ له، لئلا يحكم بقوله فيكون - في نفس الأمر - كاذبًا أو مخطئًا فيكون الحاكم بقوله قد اقتفى وراءه. وقد نهى الله عن اتباع سبيل
_________________
(١) - داود الطفاوي، وهو داود بن راشد بن بحر الطفاوي: لين الحديث. وأبو مسلم البجلي، قال الحافظ في التقريب: مقبول.
(٢) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١٢١). [¬١]- في ز: يناطك. بلا نقط في ز. [¬٢]- في ز: الطائي. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز: أمر.
[ ١٣ / ١٤٤ ]
المفسدين، ومن هاهنا امتنع طوائف من العلماء من قبول [¬١] رواية مجهول الحال لاحتمال فسقه في نفس الأمر، وقبلها آخرون لأنا إنما أمرنا بالتثبت عند خبر الفاسق، وهذا ليس بمحقق الفسق لأنه مجهول الحال. وقد قررنا هذه المسألة في كتاب العلم من شرح البخاري، ولله الحمد والمنة.
وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق. وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإِمام أحمد في مسنده من رواية ملك [¬٢] بني المصطلق؛ وهو الحارث بن ضِرَار [] [¬٣]، والد جُوَيرية [¬٤] بنت الحارث أم المؤمنين ﵂، قال الإِمام أحمد:
حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي، يقول: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإِسلام، فدخلت فيه وأقررت به. ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله؛ أرجع إليهم [¬٥] فأدعوهم إلى الإِسلام وأداء الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته. ويُرسل إليّ رسول الله رسولًا لإِبّان [¬٦] كذا وكذا ليأتيك ما جمعتُ من الزكاة. فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإِبَّان [¬٧] الذي أراد رسولُ الله ﷺ أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخْطَة من الله ورسوله، فدعا بسَرَوات قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وَقّت لي وقتًا - يرسل إليّ رسوله ليقبض [¬٨] ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخُلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سَخطة كانت [¬٩]، فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ، وبعث رسولُ الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فَرق -[أي: خاف] [¬١٠]- فرجع فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي. فضَرَب رسول الله ﷺ البعث إلى
_________________
(١) [¬١]- في ز: قول. [¬٢]- في ز: مالك. [¬٣]- في ز: بن أبي ضرار. [¬٤]- في ز: ميمونة. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز: لاتيان. كذا. [¬٧]- في ز: الاتيان. كذا. [¬٨]- في ز: فيقبض. [¬٩]- سقط من ز. [¬١٠]- سقط من ز.
[ ١٣ / ١٤٥ ]
الحارث، وأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث وفَصَل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال لهم: إلى من بُعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ كان [¬١] بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله. قال: لا، والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته بَتَّةً ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله ﷺ قال: "منعت الزكاة وأردت قتلَ رسولي؟ ". قال: لا. والذي بعثك بالحق ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسولُ رسول الله ﷺ، خشيت أن يكون كانت سخطة من الله ورسوله. قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى قوله: ﴿حكيم﴾ (^٢٣).
ورواه ابن أبي حاتم، عن المنذر [¬٢] بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق، به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق، به، غير أنه سماه الحارث بن سرار، والصواب: الحارث بن ضرار، كما تقدم (^٢٤).
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا جعفر بن عون، عن موسى بن عُبيدة، عن ثابت مولى أم سلمة، عن أم سلمة قالت: بعث رسول الله ﷺ رجلًا في صدقات بني المصطلق بعد الوقيعة، فسمع بذلك القوم، فتلقوه يعظمون أمر رسول الله ﷺ، قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت [¬٣]: فرجع إلى رسول الله فقال: إن بني المصطلق قد منعوني صدقاتهم. فغَضب رسول الله ﷺ والمسلمون، قالت: فبلغ القومَ رجوعُه، فأتوا رسول الله ﷺ، فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سَخَط الله وسَخَط رسوله، بعثت إلينا رجلًا مُصَدِّقًا فسررنا بذلك، وقَرت به أعيننا. ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون ذلك غضبًا من الله ومن رسوله، فلم يزالوا يكلمونه حتى جاء بلال فأذن بصلاة العصر، قالت: ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (^٢٥).
_________________
(١) - دينار الكوفي، قال عنه الحافظ في التقريب مقبول. والحديث أخرجه أحمد (٤/ ٢٧٩) برقم (١٨٥١٠)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣١٠ - ٣١١) برقم (٣٣٩٥). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١١٢): رواه أحمد والطبراني - إلا أنه قال: الحارث بن سرار بدل ضرار، ورجال أحمد ثقات.
(٢) - ينظر تخريج الحديث السابق.
(٣) - موسى بن عبيدة: ضعيف كما في التقريب. وثابت مولى أم سلمة، ذكره ابن أبي حاتم في = [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: البدر. [¬٣]- في ز: قال.
[ ١٣ / ١٤٦ ]
وروى ابن جرير أيضًا من طريق العَوفي، عن ابن عباس في هذه الآية؛ قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أتاهم الخبر فَرحُوا وخرجوا يتلقون رسولَ رسولِ الله ﷺ وإنه لما حُدّث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع الوليد إلى رسول الله ﷺ؛ فقال: يا رسول الله؛ إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. فغضب رسول الله ﷺ من ذلك غضبًا شديدًا، فبينا هو يحدث نفسه أن يغزوهم إذ أتاه الوفد فقالوا: يا رسول الله، إنا [¬١] حُدّثنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن ما رَدّة كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غَضَبه وغضب رسوله. وإن النبي ﷺ استغشهم وهَمّ بهم، فأنزل الله عذرهم في الكتاب، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا …﴾ إلى آخر الآية (^٢٦).
وقال مجاهد وقتادة: أرسل رسول الله الوليد بين عقبة إلى بني المصطق ليُصَدّقهم، فتلقوه بالصدقة، فرجع فقال: إن بني المصطق قد جمعت لك لتقاتلك - زاد قتادة: وإنهم قد ارتدوا عن الإِسلام - فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إليهم، وأمره أن يتثبت ولا يعجل. فانطلق حتى أتاهم ليلًا، فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدًا أنهم مستمسكون بالإِسلام، وسمعوا أذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فأنزل الله هذه الآية. قال قتادة: فكان رسول الله ﷺ يقول: "التبيّن [¬٢] من الله، والعجلة من الشيطان" (^٢٧).
وكذا ذكر غير واحد من السلف، منهم: ابن أبي ليلى، ويزيد [¬٣] بن رومان، والضحاك، ومقاتل بن حَيَّان، وغيرهم في هذه الآية: أنها نزلت في الوليد بن عقبة، والله أعلم.
_________________
(١) = الجرح والتعديل (٢/ ٤٦١) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والحديث أخرجه الطبري (٢٦/ ١٢٣).
(٢) - وأخرجه الطبري (١٦/ ١٢٣ - ١٢٤) من طريق محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه عن ابن عباس. وقد تقدم الكلام على هذا الإسناد.
(٣) - وأخرجه الطبري (٢٦/ ١٢٤) والمرفوع منه ضعفه الألباني في ضعيف الجامع وعزاه إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن أبي الدنيا في ذم الغضب. وللحديث شاهد من حديث أنس أن النبي ﷺ قال: "التأني من الرحمن والعجلة من الشيطان، أخرجه أبو يعلى (٧/ ٢٤٨) برقم (١٥٠١). والبيهقي (١٠/ ١٠٤). كلاهما من طريق سعد بن سنان عن أنس، وهو ضعيف. [¬١]- في ز: إنما. [¬٢]- في ز: التبيين. [¬٣]- في ز: زيد.
[ ١٣ / ١٤٧ ]
وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ أي: اعلموا أن بين أظهركم رسولَ الله فعظّموه ووقروه، وتأدبوا معه، وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم، وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتمّ من رأيكم لأنفسكم، كما قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾.
ثم بَيَّن أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدّى ذلك إلى عنتكم وحَرَجكم، كما قال تعالى: ﴿وَلَو اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَينَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: حببه إلى نفوسكم وحَسّنه في قلوبكم.
قال الإِمام أحمد (^٢٨): حدثنا بهز، حدثنا علي بن مسعدة، حدثنا قتادة، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "الإسلام علانية، والإِيمان في القلب". قال: ثم يشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، ثم يقول: "التقوى هاهنا التقوى هاهنا".
﴿وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ [وَالْعِصْيَانَ﴾ أي: وبَغَّض إليكم الكفر والفسوق وهي] [¬١] الذنوب الكبار والعصيان، وهي جميع المعاصي. وهذا تدريج لكمال النعمة.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الراشدون الذين قد آتاهم الله رشدهم.
قال الإِمام أحمد (^٢٩): حدثنا مروان بن معاوية الفَزَاري، حدثنا عبد الواحد بن أيمن [¬٢]
_________________
(١) - إسناده ضعيف؛ لعنعنة قتادة، وفيه أيضًا علي بن مسعدة؛ ضعفه أبو داود وقال النسائي ليس بالقول وقال البخاري فيه نظر، ووثقه الطيالسي وقال يحيى بن معين: صالح، وضعف به الألباني هذا الحديث. والحديث أخرجه أحمد (٣/ ١٣٥) (١٢٤٠٣)، وأبو يعلى (٥/ ٣٠١ - ٣٠٢) (٢٩٢٣)، والعقيلي (٣/ ٢٥٠) في ترجمة علي بن مسعدة. كلهم من طريق علي كان مسعدة عن قتادة عن أنس. قال الهيثمي في المجمع (١/ ٥٧): رواه أحمد وأبو يعلى بتمامه والبزار باختصار، ورجاله رجال الصحيح، ما خلا علي بن مسعدة وقد وثقه ابن حبان، وأبو داود، وأبو حاتم، وابن معين، وضعفه آخرون. ا هـ.
(٢) - أخرجه أحمد (٣/ ٤٢٤)، والنسائي في الكبرى في كتاب عمل اليوم والليلة، باب: الاستنصار عند اللقاء، حديث (١٠٤٤٥) (٦/ ١٥٦)، والطبراني (٥/ ٤٧) (٤٥٤٩)، والحاكم (١/ ٥٠٦ - ٥٠٧)، وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٢٧). = [¬١]- ما بين المعكوفين في ز: وهو. [¬٢]- في ز: أنس.
[ ١٣ / ١٤٨ ]
المكي، عن أبي [¬١] رفاعة الزّرَقي، عن أبيه قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون، قال رسول الله ﷺ: "استووا حتى أثني على ربي ﷿". فصاروا خلفه صفوفا، فقال: "اللَّهم، لك الحمد [¬٢] كله. اللهم، لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هاديَ لمن أضللتَ، ولا مُضِلّ لمن هَدَيتَ، ولا مُعطِيَ لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مباعد لما قربت. اللَّهم؛ ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللَّهم؛ إلى أسألك النعيم المقيم الذي لا يَحول ولا يَزُول. اللَّهم؛ إلى أسألك النعيم يوم العَيلة، والأمن يوم الخوف. اللهم، إني [¬٣] عائذ بك من شر ما أعطيتنا، ومن شر ما منعتنا. اللهم؛ حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشداين. اللَّهم، توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللَّهم، قاتل الكفرة الذين يكذبون رسللك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجْزَك وعذابك. اللَّهم، قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب، إلَهَ الحق".
ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب، عن مَروان بن معاوية، عن عبد الواحد بن أيمن، عن عُبيد بن رفاعة، عن أبيه، به (^٣٠).
وفي الحديث المرفوع: "من سرته حسنته وساءته سيئتة فهو مؤمن" (^٣١).
ثم قال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي: هذا العطاء الذي منحكموه هو فضل منه عليكم ونعمة من لدنه.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية، حكيم في
_________________
(١) = كلهم من طريق عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة -في الحلية بن دفيعة- ولعله تصحيف - عن أبيه به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي؛ بأنهما لم يخرجا لعبيد، وهو ثقة، والحديث مع نظافة إسناده منكر أخاف ألا يكون موضوعًا رواه عن خلاد بن أبي سبرة. قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة (٢٧٥): ولم أعرف لقوله وجهًا. قال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٢٥): رواه أحمد والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) - ينظر تخريج الحديث السابق.
(٣) - أخرجه أحمد (١/ ٢٦) قال: ثنا جرير - وهو ابن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة، قال: خطب عمر الناس بالجابية … فذكر حَديثًا طويلًا وفي آخره "ومن كان منكم تسره حسنته. " إلخ، ورجاله كلهم ثقات. = [¬١]- في ت: ابن. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز.
[ ١٣ / ١٤٩ ]
أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.
﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾
يقول تعالى آمرًا بالإِصلاح لكن المسلمين الباغين بعضهم على بعض: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ فسماهم مؤمنين مع الاقتتال. وبهذا استدل البخاري وغيره على أنه لا يخرج من الإِيمان بالمعصية وإن عظمت، لا [¬١] كما يقوله الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة ونحوهم. وهَكذا ثبت في صحيح البخاري من حديث الحسن، عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ خطب يومًا ومعه على المنبر الحسن بن علي، فجعل ينظر إليه مرة وإلى الناس أخرى ويقول: "إن ابني هذا سَيّد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (^٣٢). فكان كما قال صلوات الله وسلامه عليه، أصلح الله به بين أهل الشام وأهل العراق بعد الحروب الطويلة والواقعات [¬٢] المهولة.
وقوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: حتى ترجع إلى أمر الله وتسمع للحق وتطيعه، كما ثبت في الصحيح عن أنس، أن رسول الله ﷺ؛ قال: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قلت: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذاك نصرك
_________________
(١) = والحديث أخرجه الترمذي، في كتاب الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة، حديث (٢١٦٦) (٦/ ٣٣٣)، والحاكم (١/ ١١٤)، والطيالسي (ص ٧)، والحميدي (١/ ١٩، ٢٠) (٣٢). قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وصحح الشيخ أحمد شاكر إسناد هذا الحديث في تعليقه على المسند.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، باب: قول النبي ﷺ للحسن بن علي ﵄: "إن ابني هذا سيد … " حديث (٢٧٠٤) (٥/ ٣٠٦ - ٣٠٧). [¬١]- في ز: إلا. [¬٢]- في ز: والوقعات.
[ ١٣ / ١٥٠ ]
إياه" (^٣٣).
قال [¬١] الإِمام أحمد: حدثنا عارم، حدثنا معتمر؛ قال [¬٢]: سمعت أبي يحدث أن أنسًا قال: قيل للنبي ﷺ: لو أتيت عبد الله بن أبيّ؟ فانطلق إليه نبي الله ﷺ ليركب حمارًا، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سَبخَةٌ، فلما انطلق إليه النبي ﷺ قال: "إليك عني، فوالله لقد آذاني ويح حمارك. فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله أطيب ريحًا منك. قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنه أنزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا﴾ " (^٣٤).
ورواه البخاري في "الصلح" عن مسدد (^٣٥)، ومسلم (^٣٦) في المغازي عن محمَّد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر بن سليمان، عن أنس، به نحوه.
وذكر سعيد بن جبير؛ أن الأوس والخزرج كان بينهما قتال بالسعف والنعال، فأنزل الله هذه الآية، فأمر بالصلح بينهما.
وقال السدي: كان رجل من الأنصار يقال له "عمران"، كانت له امرأة تدعى أم زيد، وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها، وجعلها في عُلّيَّة له لا يدخل عليها أحد من أهلها، وإن المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها [وأنزلوها لينطلقوا] [¬٣] بها، وإن الرجل قد كان خرج، فاستعان أهل الرجل، فجاء بنو عمه ليحولوا [¬٤] بين المرأة وبين أهلها، فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت فيهم هذه الآية. فبعث إليهم رسول الله ﷺ وأصلح بينهم، وفاءوا إلى أمر الله.
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب: المظالم، كتاب: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا حديث (٢٤٤٣) (٥/ ٩٨)، وأطرافه في (٢٤٤٤، ٦٩٥٢).
(٢) - أخرجه أحمد (٣/ ١٥٧) برقم (١٢٦٢٨).
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب: الصلح، كتاب: ما جاء في الإصلاح بين الناس، حديث (٢٦٩١) (٥/ ٢٩٧).
(٤) - أخرجه مسلم في كتاب: الجهاد والسير، باب: في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين، حديث (١١٧/ ١٧٩٩) (١٢/ ٢٢٠ - ٢٢١). [¬١]- في ت: وقال: [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: وأهلوها ينطلبوا. [¬٤]- في ز: ليموموا. كذا.
[ ١٣ / ١٥١ ]
وقوله: ﴿فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَينَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ أي: اعدلوا لكنهم فيما كان أصاب بعضهم لبعض، بالقسط، وهو العدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا محمَّد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الله بن عمرو؛ أن رسول الله ﷺ؛ قال: "إن المقسطين في الدنيا على منابر من لؤلؤ بين يدي الرحمن، بما أقسطوا في الدنيا" (^٣٧).
ورواه النسائي عن محمَّد بن المثنى عن عبد الأعلى به (^٣٨). وهذا إسناد جيد قوي رجاله على شرط الصحيح.
وحدثنا محمَّد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عمرو بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: "المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور على يمين العريش، الذين يعدلون في حكمهم وأهاليهم وما وَلُوا".
ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به (^٣٩).
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ أي: الجميع إخوة في الدين، كما قال رسول الله ﷺ: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" (^٤٠).
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٢/ ١٥٩)، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الجنة، باب: ما ذكر في الجنة وما فيها مما أعد لأهلها، حديث (٨٣) (٨/ ٨١) ومن طريقه الحاكم (٤/ ٨٨). وصححه ووافقه الذهبي. كلهم يرونه من طريق عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو ﵁ به. والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند. وللحديث طريق آخر عن عبد الله بن عمرو عند مسلم في كتاب الإمارة، باب: فضيلة الإمام العادل، حديث (١٨/ ١٨٢٧) (١٢/ ٢٩١) بلفظ "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿ وكلتا يديه يمين؛ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا".
(٢) - أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب القضاء، باب: ذكر الاختلاف على الزهري في هذا الحديث، حديث (٥٩١٧) (٣/ ٤٦٠) بنحو رواية مسلم السالفة في الحديث السابق.
(٣) - أخرجه مسلم (١٨/ ١٨٢٧)، والنسائي (٨/ ٢٢١) كلاهما من طريق سفيان بن عيينة بالإسناد السابق.
(٤) - متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، =
[ ١٣ / ١٥٢ ]
وفي الصحيح: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (^٤١).
وفي الصحيح أيضًا: "إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين، ولك بمثله" (^٤٢).
والأحاديث في هذا كثيرة، وفي الصحيح: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (^٤٣).
وفي الصحيح أيضًا: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا - وشبك بين أصابعه" (^٤٤).
وقال أحمد: حدثنا أحمد بن الحجاج، حدثنا عبد الله، أخبرنا مصعب بن [¬١] ثابت، حدثني أبو [حازم؛ قال] [¬٢]: سمعت سهل بن سعد الساعدي يُحدِّث عن رسول الله ﷺ؛ قال: "إن المؤمن من أهل الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد، يألم المؤمن لأهل الإِيمان كما يألم الجسد لما في الرأس" تفرد (^٤٥)، ولا بأس بإسناده.
_________________
(١) = حديث (٢٤٤٢) (٥/ ٩٧) وطرفه في (٦٩٥١)، ومسلم في البر والصلة، قال: "تحريم الظلم"، حديث (٥٨/ ٢٥٨٠) (١٦/ ٢٠٣).
(٢) - أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، حديث (٣٨/ ٢٦٩٩) (١٧/ ٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) - أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، كتاب: فضل الدعاء للمسلمين يظهر الغيب، حديث (٨٥، ٨٦/ ٣٧٣٢) (١٧/ ٧٧، ٧٨) عن أبي الدرداء ﵁، (٨٧/ ٣٧٣٣) (١٧/ ٧٨ - ٧٩) من حديث أم الدرداء ﵂.
(٤) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، كتاب: رحمة الناس والبهائم، حديث (٦٠١١). ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، كتاب: "تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث (٦٦ و٦٧/ ٢٥٨٦) (١٦/ ٢١٠، ٢١١). كلاهما من حديث النعمان بن بشير ﵁.
(٥) - أخرجه البخاري في كتاب الصلاة، باب: تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، حديث (٤٨١) (١/ ٥٦٥) وطرفاه في (٢٤٤٦، ٦٠٢٦). ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، كتاب: تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، حديث (٦٥/ ٢٥٨٥) (١٦/ ٢١٠). كلاهما من حدث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٦) - رجاله رجال الصحيح عدا مصعب بن ثابت لين الحدث كما في التقريب. والحديث أخرجه أحمد (٥/ ٣٤٠)، والطبراني في الكبير (٦/ ١٣١) (٥٧٤٣) كلاهما من طريق أحمد بن الحجاج بهذا الإسناد. [¬١]- في ز: عن. [¬٢]- ما بين المعكوفين في ز: حاتم.
[ ١٣ / ١٥٣ ]
وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُمْ﴾، يعني: الفئتين المقتتلتين، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: في جميع أموركم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وهذا تحقيق منه تعالى للرحمة لمن اتقاه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾
ينهى تعالى عن السخرية بالناس، وهو احتقارهم [¬١] والاستهزاء بهم، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "الكبر بَطر الحق وغمص الناس" (^٤٦) ويروى "وغمط الناس". والمراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم، وهذا حرام، فإنه قد يكون المحتقر أعظم قدرًا عند الله وأحب إليه من الساخر منه المحتقر له، ولهذا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ﴾، فنص على نهي الرِّجال وعطف بنهي النساء.
وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا تلمزوا الناس. والهماز اللماز من الرجال مذموم ملعون، كما قال: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فالهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاعنًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي [¬٢]: اللمز بالمقال، ولهذا قال هاهنا: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، كما قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضًا.
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وقتادة، ومقاتل بن حيان: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي [¬٣]: لا يطعنُ [¬٤] بعضكم على بعض.
وقوله: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخصَ
_________________
(١) = وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٠) وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح وهو وهم.
(٢) - أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، كتاب: تحريم الكبر وبيانه، حديث (١٤٧/ ٩١) (٢/ ١١٧ - ١١٨) بلفظ "وغمط". وأخرجه الترمذي في كتاب "البر والصلة" باب: ما جاء في الكبر، حديث (٢٠٠٠) (٦/ ٢١١) بلفظ "وغمص". [¬١]- في ز: استحقارهم. [¬٢]- في ز: وهو. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: يطفر. كذا.
[ ١٣ / ١٥٤ ]
سماعُها.
قال الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي؛ قال [¬١]: حدثني أبو جَبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سَلمة: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دُعِيَ أحدٌ منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله، إنه يغضب من هذا. فنزلت: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ (^٤٧).
ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل عن وهيب عن داود، به (^٤٨).
وقوله: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أي: بئس الصفةُ والاسم الفسوقُ وهو: التنابز بالألقاب، كما كان أهل الجاهلية يتناعتون [¬٢] بعد ما دخلتم في الإِسلام وعَقَلتموه.
﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ أي: من هذا ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾
قوله تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو النهمة والتخون [¬٣] للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فليجتنب كثير منه احتياطًا، وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك [¬٤] المسلم إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملًا.
وقال أبو عبد الله بن ماجه: حدثنا أبو القاسم بن أبي ضَمْرة نصر بن محمَّد بن سليمان الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي قيس النصري [¬٥]، حدثنا عبد الله بن عمر، قال: رأيت النبي ﷺ يطوف بالكَعبة ويقول: "ما أطيبك وأطيب
_________________
(١) - إسناده صحيح، أخرجه أحمد (٤/ ٦٩) برقم (١٦٦٩٧).
(٢) - أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الألقاب، حديث (٤٩٦٢) (٤/ ٢٩٠ - ٢٩١). وانظر السابق. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: يتعانون. [¬٣]- في ز: والتمرن. كذا. بلا نقط. [¬٤]- في ز: أصل. [¬٥]- في ز: النضري.
[ ١٣ / ١٥٥ ]
ريحك! ما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمَّد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمةً منك، مال ودمه، وأن يظن به إلا خيرًا" (^٤٩). تفرد به ابن ماجه [من هذا الوجه] [¬١].
وقال مالك: عن أبي [¬٢] الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إياكم والظنّ، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا [ولا تحسسوا] [¬٣] ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا" (^٥٠).
رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود [عن العتبي] [¬٤]، عن مالك به (^٥١).
وقال سفيان بن عُيَينَة، عن الزهريّ، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخوانًا. ولا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام".
رواه مسلم والترمذي -وصححه- من حديث سفيان بن عيينة به (^٥٢).
وقال الطبراني: حدثنا محمَّد بن عبد الله القرمطي العدوي، حدثنا بكر بن عبد الوهاب
_________________
(١) - إسناده ضعيف؛ لضعف نصر بن محمَّد بن أبي سليمان بن أبي ضمرة. أخرجه ابن ماجه في كتاب: الفتن، باب: حرمة دم المؤمن وماله، حديث (٣٩٣٢) (٢/ ١٢٩٧)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (٥٠٠٨).
(٢) - أخرجه مالك في كتاب حسن الخلق، باب: ما جاء في المهاجرة، حديث (١٥) (٢/ ٦٩٢ - ٦٩٣).
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾، حديث (٦٠٦٦) (١٠/ ٤٨٤). ومسلم في كتاب البر والصلة، باب: تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوهما، حديث (٢٨/ ٢٥٦٣) (١٦/ ١٧٩). وأبو داود في كتاب الأدب، باب: في الظن، حديث (٤٩١٧) (٤/ ٢٨٠) كلهم من طريق مالك، لكن رواه عن مالك عند أبي داود عبد الله بن مسلمة.
(٤) - أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، حديث (٢٣/ ٢٥٥٩) (١٦/ ١٧٥). والترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في الحسد، حديث (١٩٣٦) (٦/ ١٧٨)، وقال: حسن صحيح. = [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: ابن. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: وغيره والعنسي ثلاثتهم.
[ ١٣ / ١٥٦ ]
المدني، حدثنا إسماعيل بن قيس الأنصاري، حدثني عبد الرحمن بن محمَّد بن أبي الرجال، عن أبيه، عن جده حارثة بن النعمان؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاث لازمات لأمتي: الطيرة، والحسد، وسوء الظن". فقال رجل: ما يذهبهن يا رسول الله ممن هُنّ فيه؟ قال: "إذا حَسَدت فاستغفر الله، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا تَطَيّرت فَأمض [¬١] " (^٥٣).
وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد قال: أتي ابن مسعود ﵁ برجل، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا، فقال عبد الله: إنا قد نُهِينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به سماه ابن أبي حاتم في رواه الوليد بن عقبة بن أبي معيط (^٥٤).
قال [¬٢] الإِمام أحمد: حدثنا هاشم، حدثنا ليث، عن إبراهيم بن نشيط [¬٣] الخَوْلاني، عن كعب بن علقمة، عن أبي الهيثم، عن دخين [¬٤] كاتب عقبة، قال: قلت لعقبة: إن لنا جيرانًا يشربون الخمر، وأنا داع لهم الشُّرطَ فيأخذونهم. قال: لا تفعل، ولكن عظهم وتهددهم. قال: ففعل فلم ينتهوا. قال: فجاءه دُخَين [¬٥] فقال: إني قد [¬٦] نهيتهم فلم ينتهوا، وإني داع لهم الشرط فتأخذهم. فقال له عقبة: ويحك لا تفعل، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من ستر عورة مؤمن فكأنما استحيا موءودة من قبرها" (^٥٥) ورواه أبو داود والنسائي من حديث الليث بن سعد به نحوه (^٥٦).
_________________
(١) = والحديث أخرجه البخاري (٦٠٦٧)، ومسلم (٢٣/ ٢٥٥٩) كلاهما من طريق مالك عن الزهريّ عن أنس بنحوه.
(٢) - أخرجه الطبراني (٣/ ٢٥٨) برقم (٣٢٢٧). قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٨١): رواه الطبراني وفيه: إسماعيل بن قيس الأنصاري وهو ضعيف.
(٣) - إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: النهي عن التجسس، حديث (٤٨٩٠) (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣). وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (٤٠٩٠).
(٤) - إسناده ضعيف؛ من أجل أبي الهيثم؛ قال ابن حجر في التهذيب (٢/ ٦٨١): مقبول، أي عند المتابعة وإلا فلين. والحديث أخرجه أحمد (٤/ ١٥٣) (١٧٤٤٤)، وانظر التالي.
(٥) - إسناده ضعيف كسابقه، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الستر عن المسلم، حديث (٤٨٩٢) (٤/ ٢٧٣). والنسائي في الكبرى في كتاب: الرجم، باب: الترغيب في ستر العورة، حديث (٧٢٨٣) (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٨). وضعفه الألباني في الضعيفة برقم (١٢٦٥). [¬١]- في ز: فأغض. [¬٢]- في ز: وقال. [¬٣]- في ز: مشيط. [¬٤]- في ز: دحين. [¬٥]- في ز: دحين. [¬٦]- سقط من ز.
[ ١٣ / ١٥٧ ]
وقال سفيان الثوري، عن ثور، عن راشد بن سعد، عن معاوية؛ قال: سمعت النبي ﷺ، يقول: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم، أو: كدت أن تفسدهم". فقال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ نفعه الله بها. رواه أبو داود منفردا [¬١] به من حديث الثوري، به (^٥٧).
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا سعيد بن عَمْرو الحضرمي، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن جبير بن نفير، وكَثِير بن مرة، وعمرو بن الأسود، والمقدام بن معد يكرب، وأبي أمامة، عن النبي ﷺ، قال: "إن الأمير [¬٢] إذا ابتغى الريبة [¬٣] في الناس، أفسدهم" (^٥٨).
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ أي: على بعضكم بعضًا. والتجسس غالبًا يطلق في الشر، ومنه الجاسوس. وأما التحسس فيكون غالبًا في الخير، كما قال تعالى إخبارًا عن يعقوب أنه قال: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾، وقد يستعمل كل منهما في الشر، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا" (^٥٩).
وقال الأوزاعي: التجسس: البحث عن الشيء. والتحسس: الاستماع إلى حديث القوم وهم له كارهون، [أن يستمع على أدبارهم] [¬٤]. والتدابر: الصَّرْم. رواه ابن أبي حاتم [عنه] [¬٥].
وقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾: فيه نهي عن الغيبة، وقد فسرها الشارع كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود: حدثنا القعنبي، حدثنا عبد العزيز بن محمَّد، عن
_________________
(١) - إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في النهي عن التجسس حديث (٤٨٨٨) (٤/ ٢٧٢). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٤٠٨٨).
(٢) - أخرجه أبو داود في الموضع السابق برقم (٤٨٨٩)، وفيه سعيد بن عمرو الحضرمي، قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول: أي عند المتابعة وإلا فلين. لكن يشهد له الحديث الذي قبله. والحديث صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (٤٠٨٩) بما قبله.
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: ما ينهي عن التحاسد والتدابر"، حديث (٦٠٦٤) (١٠/ ٤٨١). ومسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم الظن والتجسس، حديث (٢٨/ ٢٥٦٣) (١٦/ ١٧٩). كلاهما من حديث أبي هريرة ﵁. [¬١]- في ز: متفردًا. [¬٢]- في ز: الأمر. [¬٣]- في ز: القرينة. [¬٤]- في ت: أو يتسمع على أبوابهم. [¬٥]- سقط من ت.
[ ١٣ / ١٥٨ ]
العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ قال: قيل: يا رسول الله، ما الغيبة؟ قال: "ذكرك أخاك بما يكره". قيل: أفرأيت أن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فية ما قول فقد بَهَتَّه" (^٦٠).
ورواه الترمذي عن قتيبة عن الدراوردي، به (^٦١). وقال: "حسن صحيح". ورواه ابن جرير عن بندار عن غندر عن شعبة عن العلاء (^٦٢). وهكذا قال ابن عمر، ومسروق، وقتادة، وأبو إسحاق، ومعاوية بن قرة.
وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن سفيان [¬١] حدثني علي بن الأقمر [¬٢]، عن أبي حذيفة، عن عائشة، قالت: قلت [¬٣] للنبي ﷺ: حسبك من صفية كذا وكذا! -قال غير مسدد: تعني قصيرة- فقال: "لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لَمَزَجَتْه". قالت: وحكيت له إنسانًا فقال ﷺ: "ما أحب أني حكيت إنسانًا وإن لي كذا وكذا" (^٦٣).
ورواه الترمذي من حديث يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن علي بن الأقمر، عن أبي حذيفة سلمة بن صُهَيبة الأرحبي، عن عائشة به. وقال: "حسن صحيح" (^٦٤).
وقال ابن جرير: حدثني ابن أبي الشوارب: حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا سليمان الشيباني، حدثنا حسان بن الخارق أن امرأة دخلت على عائشة، فلما قامت لتخرج أشارت عائشة بيدها إلى النبي ﷺ أي: إنها قصيرة - فقال النبي صلى الله عليه
_________________
(١) - صحيح، أخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٧٤) (٤/ ٢٦٩). والحديث بنحوه عند مسلم في كتاب البر والصلة، باب: تحريم الغيبة، حديث (٧٠/ ٢٥٨٩) (١٦/ ٢١٤) من طريق إسماعيل عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا.
(٢) - أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة، باب: ما جاء في الغيبة، حديث (١٩٣٥) (٦/ ١٧٨). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) - أخرجه الطبري (٢٦/ ١٣٦).
(٤) - إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٧٥) (٤/ ٢٦٩)
(٥) - إسناده صحيح، وأخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: تحريم الغيبة، حديث (٢٤٠٥) (٧/ ١٩٢ - ١٩٤). [¬١]- في ز: بياض. [¬٢]- في ز: الأحمر. [¬٣]- سقط من ز.
[ ١٣ / ١٥٩ ]
وسلم: "اغتبتيها" (^٦٥).
والغيبة محرمة بالإِجماع، ولا يستثنى من ذلك إلا ما رَجحت مصلحته، كما في الجرح والتعديل والنصيحة، كقوله ﷺ لما استأذن عليه ذلك الرجل الفاجر: "ائذنوا لي، بئس أخو العشيرة" (^٦٦). وكقوله لفاطمة بنت قيس وقد خطبها معاوية وأبو الجهم: "أما معاوية فصُعلوك، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه" (^٦٧). وكذا ما جَرَى مجرى ذلك. ثم بقيتها على التحريم الشديد، وقد ورد فيها الزجر الأكيد، ولهذا شبهها تعالى بأكل اللحم من الإِنسان الميت، كما قال تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أي: كما تكرهون هذا طبعًا [¬١]، فاكرهوا ذاك شرعًا، فإن عقوبته أشد من هذا. وهذا من التنفير عنها والتحذير منها، كما قال ﵇ في العائد في هبته: "كالكلب يقيء ثم يرجع في قيئه" (^٦٨)، وقد قال: "ليس لنا مثل السوء" (^٦٩). وثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من غير وجه أنه ﵇ قال في خطبة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا" (^٧٠).
_________________
(١) - أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٦/ ١٣٦) وفيه حسان بن مخارق ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٣/ ٢٣٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلا، وبقية رجاله ثقات.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب: ما جوز من اغتياب أهل الفساد والريب، حديث (٦٠٥٤) (١٠/ ٤٧١)، ومسلم في كتاب: البر والصلة، كتاب: مداراة من يتقى فحشه، حديث (٧٣/ ٢٥٩١) (١٦/ ٢١٧). كلاهما من حديث عائشة ﵂.
(٣) - أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، حديث (٣٦/ ١٤٨٠) (١٠/ ١٣٤ - ١٣٨)، (٤٧، ٤٨/ ١٤٨٠) (١٠/ ١٤٧، ١٤٨).
(٤) - أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، حديث (٢٦٢٢) (٥/ ٢٣٥)، ومسلم في كتاب "الهبات"، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، حديث (٥/ ١٦٢٢ وما بعده) (١١/ ٩٢ - ٩٤). كلاهما من حديث ابن عباس.
(٥) - أخرجه البخاري وهو جزء من الحديث السابق.
(٦) - متفق عليه من حديث أبي بكرة ﵁ أخرجه البخاري في كتاب: العلم، باب: قول النبي ﷺ "رب مبلغ أوعى من سامع" حديث (٦٧) (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، وأطرافه في [١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٦، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧]. ومسلم في كتاب: القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، حديث (٢٩، ٣٠/ ١٦٧٩) (١١/ ٢٤١ - ٢٤٧). [¬١]- سقط من ز.
[ ١٣ / ١٦٠ ]
وقال أبو داود: حدثنا واصل بن عبد الأعلى، حدثنا أسباط بن محمَّد، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "كل المسلم على المسلم حرام: ماله وعرضه ودمه، حسب امرِئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (^٧١).
ورواه الترمذي عن عُبَيد بن أسباط بن محمَّد، عن أبيه، به (^٧٢). وقال: "حسن غريب".
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا الأسود بن عامر، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن سعيد بن عبد الله بن جُرَيج [¬١]، عن أبي بَرْزَةَ الأسلمي؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإِيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته". تفرد به أبو داود (^٧٣).
وقد روي من حديث البراء بن عازب، فقال الحافظ أبو يعلى في مسنده: حدثنا إبراهيم بن دينار، حدثنا مصعب بن سلام، عن حمزة بن حبيب [¬٢] الزيات، عن أبي إسحاق [] [¬٣] السبيعي، عن البراء بن عازب؛ قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في بيوتها -أو قال: في خدورها [¬٤]- فقال: "يا معشر من آمن بلسانه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عروة أخيه يتبع الله عورة، ومن يتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته (^٧٤).
_________________
(١) - إسناده صحيح، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٨٢) (٤/ ٢٧٠).
(٢) - والترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: "ما جاء في شفقة المسلم على المسلم، حديث (١٩٢٨) (٦/ ١٧٤). والحديث بنحوه عند مسلم في كتاب: البر، كتاب: تحريم ظلم المسلم وخذله، حديث (٣٢/ ٢٥٦٤) (١٦/ ١٨٢).
(٣) - إسناده حسن، سعيد بن عبد الله بن جريج صدوق ربما وهم. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب الأدب يأتي: في الغيبة، حديث (٤٨٨٠) وذكره الألباني في صحيح أبي داود، وقال: حسن صحيح.
(٤) - أخرجه أبو يعلى (٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨) برقم (١٦٧٥)، وهو شاهد لما قبله. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٩٦)، رواه أبو يعلى ورجاله ثقات. [¬١]- في ز: خديج. [¬٢]- في ز: حنيف. [¬٣]- في ز: الزيات. [¬٤]- في ز: خدرها.
[ ١٣ / ١٦١ ]
(طريق أخرى)، عن ابن عمر، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإِسماعيلي: أخبرنا عبد الله بن ناجية، حدثنا يحيى بن أكثم، حدثنا الفضل بن موسى الشيباني، عن الحسين بن واقد، عن [أوفى بن دلهم] [¬١]، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ؛ قال: "يا معشر من آمن بلسانه ولم يُفْضِ الإِيمانُ إلى قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله". قال: ونظر ابن عمر يومًا إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، ولَلْمؤمن أعظمُ حرمة عند الله منك.
قال أبو داود: وحدثنا حيوة بن شريح، حدثنا بقية، عن ابن [¬٢] ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن وقاص بن ربيعة، عن المستورد أنه حدثه: أن النبي ﷺ؛ قال: "من أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كُسي ثوبًا برجل مسلم فإن الله يكسوه مثله في جهنم. ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة". تفرد به أبو داود (^٧٥).
وحدثنا ابن مصفى، حدثنا بقية وأبو المغيرة، قالا [¬٣]: حدثنا صفوان، حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير، عن أنس بن مالك؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، قلت: من هؤلاء يا جبريل [¬٤]؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم".
تفرد به أبو داود (^٧٦)، وهكذا رواه الإمام أحمد، عن أبي المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الشامي به (^٧٧).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا أبو عبد الصمد عبد
_________________
(١) - أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٨١) وفيه مكحول وقد أطلق الذهبي أنه كان يدلس، وبقية بن الوليد مدلس أيضًا وقد عنعنا، إلا أن الشيخ الألباني صححه بطرقه في السلسلة الصحيحة برقم (٩٣٤).
(٢) - إسناده حسن، من أجل ابن مصفى فإنه صدوق له أوهام، وقد شرح بالتحديث، وأبو المغيرة تابع بقية، وعبد الرحمن بن جبير تابع راشد بن سعد. والحديث أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: في الغيبة، حديث (٤٨٧٨) (٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠).
(٣) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٢٤) برقم (١٣٣٦٤). [¬١]- في ز: أول بن وهم. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ت: جبرائيل.
[ ١٣ / ١٦٢ ]
العزيز بن عبد الصمد العمي، حدثنا أبو هارون العَبْديّ، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قلنا: يا رسول الله، حَدثنا ما رأيت ليلةَ أسريَ بك؟ … قال: "ثم انطلق بي إلى خلق من خلق الله كثير، رجال ونساء مُوَكَّل بهم رجال يعمدون إلى عُرْض جَنب أحدهم فَيَحْدُون منه الحُذْوَة من مثل النعل ثم يضعونه في فيّ أحدهم، فيقال له: كل كما أكلت. وهو يجد من أكله الموت -يا محمَّد- لو [¬١] يجد الموت وهو يكره عليه. فقلت: يا جبريل [¬٢] من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون اللمازون أصحاب النميمة. فيقال: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ وهو يكره على أكل لحمه … (^٧٨).
هكذا أورد هذا الحديث، وقد سقناه بطوله في أول تفسير "سورة سبحان" ولله الحمد.
وقال أبو داود الطيالسي في مسنده: حدثنا الربيع، عن يزيد، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ أمر الناس أن يصوموا يومًا ولا يُفطِرَن أحد حتى آذن له. فصام الناس فلما أمسوا [¬٣] جعل الرجل يجيء إلى رسول الله ﷺ فيقول: ظللت [¬٤] منذ اليوم صائمًا، فائذن لي فأفطرَ. فيأذن له، ويجيء الرجل فيقول ذلك، فيأذن له، حتى جاء رجل فقال: يا رسول الله، إن فتاتين من أهلك ظلتا منذ اليوم صائمتين، فائذن لهما فَلْيفطرا. فأعرض عنه، ثم أعاد، فقال رسول الله ﷺ: "ما صامتا، وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس؟! اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن يستقيئا". ففعلتا، فقاءت كل واحدة منهما عَلَقة علقَةً [¬٥] فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال رسول الله ﷺ: "لو ماتتا وهما فيهما لأكلتهما النار" (^٧٩).
إسناد ضعيف، ومتن غريب. وقد رواه الحافظ البيهقي من حديث يزيد بن هارون: حدثنا سليمان التيمي؛ قال: سمعت رجلًا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد مولى رسول الله أن امرأتين صامتا على عهد رسول الله ﷺ وأن رجلًا أتى رسول الله فقال: يا رسول الله، إن هاهنا امرأتين صامتا، وإنهما كادتا تموتان من
_________________
(١) - إسناده ضعيف، أبو هارون العبدي متروك ومنهم من كذبه.
(٢) - إسناده ضعيف، يزيد وهو بن أبان الرقاشي زاهد ضعيف. وأخرجه الطيالسي في مسنده (ص ٢٨٢) برقم (٢١٠٧). [¬١]- في ز: وهو. [¬٢]- في ت: جبرائيل. [¬٣]- في ز: أمنوا. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١٣ / ١٦٣ ]
العطش -أرَاهُ قال: بالهاجرة- فأعرض عنه -أو: سكت عنه- فقال: يا نبي الله؛ إنهما -والله- قد ماتتا أو كادتا تموتان. فقال: "ادعهما". فجاءتا، قال: فجيء بقدح -أو عُسّ- فقال لإِحداهما: "قيئي". فقاءت من قيح ودم وصديد، حتى قاءت نصف القدح. ثم قال للأخرى: قيئي. فقاءت قيحًا ودمًا وصديدًا ولحمًا ودمًا عَبيطا وغيره حتى ملأت الفدح. فقال: "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى [¬١] الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس" (^٨٠).
وهكذا قد رواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، وابن أبي عدي كليهما [¬٢] عن سليمان بن طرخان [¬٣] التيمي به مثله أو نحوه (^٨١).
ثم رواه أيضًا من حديث مسدد، عن يحيى القطان، عن عثمان بن غياث، حدثني رجل أظنه في حلقة أبي عثمان، عن سعد مولى رسول الله ﷺ؛ أنهم أمروا بصيام، فجاء رجل في نصف النهار فقال: يا رسول الله؛ فلانة وفلانة قد بلغتا الجهد. فأعرض عنه مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: "ادعهما". فجاء بعُسٍّ -أو: قَدَح- فقال لأحداهما: "قيئي". فقاءت لحْمًا ودَمًا عبيطًا وقيحًا، وقال للأخرى مثل ذلك، فقال: "إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، أتت إحداهما للأخرى فلم تزالا تأكلان لحوم الناس حتى امتلأت أجوافهما قيحًا" (^٨٢).
قال البيهقي: كذا قال عن سعد، والأول -وهو عبيد- أصح.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد، حدثنا أبي أبو عاصم، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير عن ابن عَمّ لأبي هريرة أن ماعزًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني قد زنيت. فأعرض عنه -قالها أربعا- فلما كان في الخامسة قال: "زنيت؟ ". قال: نعم. قال: "وتدري ما الزنا"؟ قال: نعم، أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالًا. قال: "ما تريد إلى هذا
_________________
(١) - إسناده ضعيف؛ لجهالة الرجل الذي يحدث في مجلس أبي عثمان. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٨٦، ١٨٧).
(٢) - وأحمد (٥/ ٤٣١) برقم (٢٣٧٦٥). قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١٧٤): رواه أحمد كله ورواه أبو يعلى نحوه (٣/ ١٤٦ - ١٤٧) وفيه رجل لم يسم.
(٣) - وأخرجه أحمد (٥/ ٤٣١) برقم (٢٣٧٦٧)، (٥/ ٤٣٢) برقم (٢٣٧٧٤) من طريقين آخرين إلا أن مدار الحديث على هذا الرجل المجهول. [¬١]- في ز: على. [¬٢]- في ز: كلاهما. [¬٣]- في ز: طوعان.
[ ١٣ / ١٦٤ ]
القول"؟ قال: أريد أن تطهرني. قال: فقال رسول الله ﷺ: "أدخلتَ ذلك منك في ذلك منها كما يغيب الميل في المكحلة والعصا [¬١]، في البئر؟ ". قال: نعم، يا رسول الله. قال: فأمر برجمه فرُجِمَ، فسمع النبي ﷺ رجلين يقول أحدهما لصاحبه: ألم تر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجِم رجم الكلب. ثم سار النبي ﷺ حتى مَرّ بجيفة حمار فقال: "أين فلان وفلان؟ انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار". قالا: غفر الله لك يا رسول الله، وهل يؤكل هذا؟ قال: فما نلتما من أخيكما آنفًا أشد أكلًا منه". والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها" (^٨٣).
وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثني أبي، حدثنا واصل مولى ابن عيينة حدثني خالد بن عرفطة، عن طلحة بن نافع، عن جابر بن عبد الله؛ قال: كنا مع النبي ﷺ فارتفعت ريح جيفة منتنة، فقال رسول الله ﷺ: "أتدرون ما هذه الريح؟ هذه ريح الذين يغتابون المؤمنين [¬٢] " (^٨٤).
طريق أخرى، قال عَبْد بن حُمَيد في مسنده: حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفُضَيل بن عياض، عن سليمان، عن [¬٣] أبي سفيان -وهو طلحة بن نافع- عن جابر؛ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فهاجت ريح منتنة، فقال النبي ﷺ: "إن نفرًا من المنافقين اغتابوا ناسًا من المسلمين، فلذلك بعثت هذه الريح". وربما قال: "فلذلك هاجت هذه الريح" (^٨٥).
_________________
(١) - إسناده ضعيف، من أجل عبد الرحمن بن الصامت، وهو ابن عم أبي هريرة ﵁ قال عنه الحافظ في التقريب: مقبول، أي عند المتابعة وإلا فلين. والحديث أخرجه من طريق ابن جريج أيضًا: أبو داود في كتاب "الحدود" باب: رجم ماعز بن مالك، حديث (٤٤٢٨) (٤/ ١٤٨). والنسائي في الكبرى في: الرجم، باب: ذكر استقصاء الإمام على المعترف عنده بالزنا، حديث (٧١٦٤)، (٧١٦٥) (٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧). وابن حبان (٤٣٩٩) (١٠/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، والدارقطني (٣/ ١٩٦، ١٩٧) في كتاب الحدود (٣٣٩)، والبيهقي (٨/ ٢٧٧) في كتاب الحدود، باب: من قال: لا يقام عليه الحد حتى يعترف أربع مرات. والحديث ذكره الزيلعي في "نصب الراية" (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، وأعله بعبد الرحمن هذا، وقال: قال البخاري: وعبد الرحمن بن الصامت لا أراه محفوظًا. وضعفه الألباني في الإرواء برقم (٢٣٥٤).
(٢) أخرجه أحمد (٣/ ٣٥٠) برقم (١٤٨٢٧). وفيه خالد بن عرفطة وهو: مجهول، لكنه لم يتفرد به بل قاله أبو سفيان كما في الحديث التالي.
(٣) - حديث حسن. = [¬١]- في ت: والرشاء. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: بن.
[ ١٣ / ١٦٥ ]
وقال السدي في قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا﴾: زعم أن سلمان [¬١] الفارسي كان مع رجلين من أصحاب النبي ﷺ [في سفر] [¬٢] يخدمهما ويخف لهما، وينال من طعامهما، وأن سلمان لما سار الناس ذات يوم وبقي سلمان نائمًا، لم يسر معهم، فجعل صاحباه يكلمانه [¬٣] فلم يجداه، فضربا الخباء فقالا: ما يريد سلمان -أو [¬٤]: هذا العبد- شيئًا غير هذا: أن يجيء إلى طعام مقدور، وخباء مضروب! فلما جاء سلمان أرسلاه إلى رسول الله ﷺ يطلب لهما إدامًا، فانطلق فأتى رسول الله ومعه قَدَح له، فقال: يا رسول الله، بعثني أصحابي لتؤدمهم إن كان عندك؟ قال: "ما يصنع أصحابك بالأدم؟ قد ائتدموا". فرجع سلمان يخبرهما بقول رسول الله ﷺ فانطلقا حتى أتيا رسول الله ﷺ فقالا: لا، والذي بعثك بالحق ما أصبنا طعامًا منذ نزلنا. قال: "إنكما قد ائتدمتما بسلمان بقولكما". قال: ونزلت: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا﴾، إنّه كان نائمًا (^٨٦).
وروى الحافظ الضياء المقدسي [¬٥] في كتابه "المختارة" [¬٦] من طريق حَبَّان [¬٧] بن هلال، عن حماد [¬٨] بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك؛ قال: كانت العرب تخدم بعضها بعضًا في الأسفار، وكان مع أبي بكر وعمر رجل يخدمهما، فناما فاستيقظا ولم يهيئ لهما طعامًا، فقالا: إن هذا لنئوم [¬٩]؛ فأيقظاه فقالا له: ائت رسول الله فقل له أن أبا بكر وعمر يقرئانك السلام، ويستأدمانك. فقال: "إنهما قد ائتدما". فجاءا فقالا: يا رسول الله، بأي شيء ائتدمنا؟ فقال: "بلحم أخيكما، والذي نفسي بيده إني لأرى لحمه بين ثناياكما". فقالا: استغفر لنا يا رسول الله. فقال: "مرَاه فليستغفر لكما".
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا الحكم [¬١٠] بن موسى، حدثنا محمَّد بن مسلم، عن
_________________
(١) = أخرجه عبد بن حميد كما في "المنتخب" (ص ٣١٥) برقم (١٠٢٨). وقد تابع فيه أبو سفيان وهو: طلحة بن نافع خالد بن عرفطة وهو صدوق، غير أنه من طريق إبراهيم بن الأشعث البخاري، إلا أن إبراهيم لم يتفرد به بل تابعه مسدد عند البخاري في الأدب المفرد (٧٣٣). والحديث حسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد، وفي غاية المرام وقم (٤٢٩).
(٢) - أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره كما في الدر المنثور للسيوطي (٦/ ١٠٢). [¬١]- في ز: سليمان. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: يكلماه. [¬٤]- في ز: أن. [¬٥]- في ز: الذي. [¬٦]- في ز: المختار. [¬٧]- في ز: حسان. [¬٨]- بياض في ز. [¬٩]- في ز: "ليواتيهم يوم بينكم". [¬١٠]- في ز: الحاكم.
[ ١٣ / ١٦٦ ]
محمَّد بن إسحاق، عن عمه موسى بن يسار، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكل من لحم أخيه في الدنيا، قرب له لحمه في الآخرة، ليقال له: كله ميتًا كما أكلته حيًّا". قال: "فيأكله ويَكْلَح ويصيح" (^٨٧) غريب جدًّا.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي: فيما أمركم به ونهاكم عنه، فراقبوه في ذلك واخشوا منه، ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾، أي: تواب على من تاب إليه، رحيم بمن رجع إليه، واعتمد عليه.
قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يقلع عن ذلك، ويعزم على أن لا يعود. وهل يشترط الندم على ما فات؟ فيه نزاع، وأن يتحلل من الذي اغتابه. وقال آخرون: لا يشترط أن يتحللَّه فإنه إذا أعلمه بذلك ربما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه، فطريقه إذًا أن يثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها، وأن يرد عنه الغيبة بحسبه وطاقته، فتكون تلك بتلك، كما قال الإِمام أحمد:
حدثنا أحمد بن الحجاج، أخبرنا [¬١]ـ عبد الله، أخبرنا [يحيى بن] [¬٢] أيوب، عن عبد الله بن سليمان؛ أن إسماعيل بن يحيى المعافري أخبره أن سهل بن معاذ بن أنس الجهني أخبره، عن أبيه، عن النبي ﷺ؛ قال: "من حمى مؤمنًا من منافق يعيبه [¬٣]، بعث الله إليه [¬٤] ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم. ومن رمى مؤمنًا بشيء يريد شينه [¬٥]، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما [¬٦] قال" (^٨٨).
وكذا رواه أبو داود من حديث عبد الله -وهو ابن المبارك- به بنحوه (^٨٩).
_________________
(١) - وإسناده ضعيف؛ لعنعنة ابن إسحاق وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (٢/ ١٨٢) (١٦٥٦) من طريق محمَّد بن مسلمة بهذا الإسناد. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٩٥): رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن إسحاق وهو مدلس.
(٢) - إسناده ضعيف، من أجل إسماعيل بن يحيى المعافري فإنه مجهول كما في التقريب. والحديث أخرجه أحمد (٣/ ٤٤١) برقم (١٥٦٩١).
(٣) - سنن أبي داود كتاب: الأدب، باب: من رد عن مسلم غيبة، حديث (٤٨٨٣) (٤/ ٢٧٠ - ٢٧١). وحسنه الألباني في صحيح أبي داود برقم (٤٠٨٦). [¬١]- في ز: حدثنا. [¬٢]- بياض في ز. [¬٣]- في ز: يغتبه. [¬٤]- بياض في ز. [¬٥]- في ز: سبته. [¬٦]- في ز: بما.
[ ١٣ / ١٦٧ ]
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا إسحاق بن الصباح، حدثنا ابن أبي مريم، أخبرنا الليث: حدثني يحيى بن سليم أنه سمع إسماعيل بن بَشِير؛ يقول: سمعت جابر بن عبد الله، وأبا طلحة بن سهل الأنصاري؛ يقولان: قال رسول الله ﷺ: "ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تُنتَهك ليه حُرمته ويُنْتَقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في مواطن يحب فيها نصرته. وما من امرئ ينصر امرَءًا [¬١] مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، [وينتهك فيه من حرمته] [¬٢]، إلا نصره الله في مواطن يحب فيها نصرته". تفرد به أبو داود (^٩٠).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا للناس أنه خلقهم من نفس واحدة، وجعل منها زوجها، وهما آدم وحواء، وجعلهم شعوبًا وهي أعم من القبائل، وبعد [¬٣] القبائل مراتب أخر كالفصائل والعشائر [والعمائر والأفخاذ] [¬٤] وغير ذلك.
وقيل: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل. وقد لخصت هذا في مقدمة مفردة جمعتها من كتاب "الإِنباه" [¬٥] لأبي عمر بن عبد البر، ومن كتاب " القَصْد والأمم، في معرفة أنساب العرب والعجم". فجميع الناس في الشرف بالنسبة الطينية [¬٦] إلى آدم وحواء سواء، وإنما يتفاضلون بالأمور الدينية، وهي طاعة الله ومتابعة رسوله ﷺ؛ ولهذا قال تعالى بعد النهي عن الغيبَة واحتقار بعض الناس بعضًا، منبهًا على تساويهم في البشرية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ أي: ليحصل التعارفُ بينهم، كل يرجع إلى قبيلته.
_________________
(١) - إسناده ضعيف. أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب، باب: من رد عن مؤمن غيبة، حديث (٤٨٨٤) (٤/ ٢٧١). وفيه إسماعيل بن بشير، وهو مولى بني مَغَالة، والراوي عنه يحيى بن سليم -وهو ابن زيد- كلاهما مجهولان. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: ويعرفه. [¬٤]- في ز: والعماء والاتخاذ. [¬٥]- في ز: الأشباه. [¬٦]- في ز: اللطيفة.
[ ١٣ / ١٦٨ ]
وقال مجاهد في قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ كما قال فلان بن فلان من كذا وكذا. أي: من قبيلة كذا وكذا.
وقال سفيان الثوري: كانت حمير ينتسبون إلى مخاليفها [¬١] وكانت عرب الحجاز ينتسبون إلى قبائلها.
وقد قال أبو عيسى الترمذي: حدثنا أحمد بن [¬٢] محمَّد، حدلنا عبد الله بن المبارك عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن يزيد [¬٣] مولى المنبعث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "تَعَلَّموا من أنسابكم ما تصلون به [¬٤] أرحامكم، فإن صلة الرحم مَحَبَّةٌ في الأهل، مَثْرَاة في المال، مَنْسَأة في الأثر". ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه (^٩١).
وقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ أي: إنما تتفاضلون عند الله بالتقوى لا بالأحساب. وقد وردت الأحاديث بذلك عن رسول الله ﷺ:
قال البخاري ﵀: حدثنا محمَّد بن سلام، حدثنا عبدة، عن عبيد الله، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة؛ قال: سئل رسول الله ﷺ: أيّ الناس أكرم؟ قال: "أكرمهم عند الله أتقاهم". قالوا: ليس عن هذا نسألك. [قال: "فأكرم الناس يوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله". قالوا: ليس عن هذا نسألك!] [¬٥]. قال: "فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم. قال: "فخياركم في الجاهلية خياركم في الإِسلام إذا فقهوا" (^٩٢).
_________________
(١) - أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة باب: ما جاء في تعليم النسب، حديث (١٩٨٠) (٦/ ٣٠٠). وفيه عبد الملك بن عيسى الثقفي، قال فيه الحافظ: مقبول -أي عند المتابعة. وضعف الترمذي هذا الحديث قوله: غريب. ولعجز الحديث شاهد في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ: "من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه". أخرجه البخاري في كتاب: الأدب، باب: من بسط له في الرزق بصلة الرحم، حديث (٥٩٨٥) (١٠/ ٤١٥).
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾ [يوسف: ٧]، حديث (٤٦٨٩) (٨/ ٣٦٢). [¬١]- في ز: محاليفها. [¬٢]- في ز: حدثنا. [¬٣]- في ز: زيد. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز.
[ ١٣ / ١٦٩ ]
وقد رواه البخاري في غير موضع من طرق عن عَبْدَة [¬١] بن سليمان (^٩٣). ورواه النسائي في التفسير من حديث عُبيَد الله -وهو ابن عُمَر العُمَري- به (^٩٤).
(حديث آخر)، قال مسلم ﵀: حدثنا عَمُرو [¬٢] الناقد، حدثنا كثير بن هشام، حدثنا جعفر بن بُرْقان، عن يزيد بن الأصَمّ، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إن قلوبكم وأعمالكم" (^٩٥). ورواه ابن ماجه عن أحمد بن سنان عن كثير بن هشام به (^٩٦).
(حديث آخر)، وقال الإِمام أحمد: حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن بكر، عن أي [ذر؛ قال] [¬٣]: إن النبي ﷺ قال [] [¬٤]: "انظر، فإنك لست بخير من أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بتقوى" (^٩٧). تفرد به أحمد.
(حديث آخر)، وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أبو عُبَيدة عبد الوارث بن إبراهيم العسكري، حدثنا عبد الرحمن بن عمرو بن جَبَلة، حدثنا عُبيد بن حُنَين الطائي، سمعت محمَّد بن حَبيب بن خَرَاش العَصري [¬٥] يحدث عن أبيه؛ أنه سمع رسول الله ﷺ؛ يقول: "المسلمون إخوة، لا يفضل لأحد على أحد إلا بالتقوى" (^٩٨).
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء، كتاب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، حديث (٢٣٥٣) (٦/ ٣٨٧) قال: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عبيد الله، قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة .. فذكره. وأطرافه في [٣٣٧٤، ٣٣٨٣، ٣٤٩٠].
(٢) - وأخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، تفسير سورة يوسف، كتاب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾، حديث (١١٢٤٩) (٦/ ٣٦٧).
(٣) - أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة، باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ..، حديث (٣٤/ ٢٥٦٤).
(٤) - وابن ماجه في كتاب "الزهد"، باب: القناعة، حديث (٤١٤٣) (٢/ ١٣٨٨).
(٥) - مرسل. أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٨) وقم (٢١٤٨٧). قال في جامع التحصيل (١٥٠): بكر بن عبد الله المزني عن أبي ذر، قال أبو حاتم: هو مرسل. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٨٧): رواه أحمد ورجاله ثقات، إلا أن بكر بن عبد الله المزني لم يسمع من أبي ذر.
(٦) - ضعيف جدًّا. [¬١]- في ز: عبيدة. [¬٢]- في ز: عمر. [¬٣]- في ز: ذكر. [¬٤]- في ت: له. [¬٥]- في ز: المعصري.
[ ١٣ / ١٧٠ ]
(حديث آخر)، قال أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا أحمد بن يحيى الكوفي، حدثنا الحسن بن الحسين، حدثنا قيس -يعني ابن الربيع- عن شبيب بن غرقدة، عن المستظل بن حُصين، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "كلكم بنو آدم، وآدم خلق من تراب، ولَيَنْتَهِينَّ قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونُنّ أهونَ على الله من الجِعْلان" (^٩٩). ثم قال: لا نعرفه عن حذيفة إلا من هذا الوجه.
(حديث آخر)؛ قال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا يحيى بن زكريا القطان [¬١]، حدثنا موسى بن عُبيدة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر؛ قال: طاف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة على ناقته القَصواء يستلم الأركان بِمحْجَن في يده، فما وجد لها مُنَاخًا في المسجد حتى نزل ﷺ على أيدي الرجال، فخرج بها إن بطن المسيل فأنيخَت. ثم إن رسول الله ﷺ خَطبهم على راحلته، فحمد الله وأثنى عليه بما هو له أهل ثم قال: "يا أيها الناس؛ إن الله قد أذهب عنكم عُبَّيّة [¬٢] الجاهلية وبآبائها، فالناس رجلان: رجل بَرّ تقي كريم على الله. وفاجر شقي [¬٣] هين على الله، إن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ ". ثم قال: "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم" (^١٠٠).
وهكذا رواه عبد بن حميد عن أبي عاصم الضحاك بن مخلد عن موسى بن عبيد به. (^١٠١).
_________________
(١) = أخرجه الطبراني في "الكبير" (٤/ ٢٥) برقم (٣٥٤٧). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٨٧): رواه الطبراني وفيه عبد الحميد بن عمرو بن جبله، وهو متروك. قال ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٥/ ٢٦٧): كتبت عنه بالبصرة، وكان يكذب فضربت على حديثه.
(٢) - إسناده ضعيف. أخرجه البزار -كما في مختصر زوائد المسند (١/ ٢٢٤ - ٢٢٥) (١٧٤٦). وقال: الحسن هو العرني: ضعيف. قال الحافظ: وشيخه لين.
(٣) - إسناده ضعيف؛ من أجل موسى بن عبيدة قال عنه الحافظ في التقريب: ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار (٢/ ٥٥٢).
(٤) - وأخرجه عبد بن حميد في مسنده (ص ٢٥٣ - منتخب) (٧٩٥). ويشهد لبعض معاني الحديث ما رواه أبو داود في كتاب الأدب، باب: في التفاخر بالأحساب، حديث (٥١١٦) (٤/ ٣٣١). والترمذي في كتاب: المناقب، كتاب: فضل الشام واليمن، حديث (٣٩٥٠). = [¬١]- في ز: لفظا. [¬٢]- في ز: عتبة. [¬٣]- في ز: يتقى.
[ ١٣ / ١٧١ ]
(حديث آخر)، قال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رَبَاح، عن عقبة [¬١] بن عامر؛ أن رسول الله ﷺ، قال [¬٢]: "إن أنسابكم هذه ليست بمَسبّة على أحد، كلكم بنو آدم طَفَّ الصاع لم يملؤه، ليس لأحد على أحد فضل إلا بدين [¬٣] وتقوى وكفي بالرجل أن يكون بذيًّا [¬٤] بخيلًا فاحشًا (^١٠٢).
وقد رواه ابن جرير، عن يونس، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة به. ولفظه: "الناس لآدم وحواء، طَفّ الصاع لم يملؤه، إن الله لا يسألكم عن أحسابكم ولا عن أنسابكم يوم القيامة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (^١٠٣). وليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.
(حديث آخر)، قال الإِمام أحمد: حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا شريك، عن سماك، عن عبد الله بن عَميرة زوج دُرة بنة أبي لهب عن درة بنة أبي لهب، قالت: قام رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: با رسول الله، أي الناس خير؟ فقال ﷺ: "خير الناس أقرؤهم، وأتقاهم لله ﷿ وآمرهم بالمعروف، وأنهاههم عن المنكر، وأوصلهم للرحم" (^١٠٤).
(حديث آخر)، قال الإِمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو الأسود، عن القاسم بن محمَّد، عن عائشة؛ قالت: ما أعجب رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) = وكلاهما حسنه الألباني في صحيح السنن من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) - حسن إسناد ضعيف، لضعف ابن لهيعة. أخرجه أحمد (٤/ ١٥٨) برقم (١٧٤٩٤)، وأخرجه أيضًا (٤/ ١٤٥) برقم (١٧٣٦١). والطبراني في الكبير (١٧/ ٢٩٥) برقم (٨١٤) من طريقين عن ابن لهيعة. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٨٧): رواه أحمد والطبراني، وفيه ابن لهيعة وفيه لين، وبقية رجاله وثقوا.
(٣) - إسناده حسن؛ لأن ابن وهب لم يرو عن ابن لهيعة بعد الاختلاط. أخرجه الطبري (٢٦/ ١٤٠).
(٤) - إسناد ضعيف. أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٢)، والطبراني (٢٤/ ٢٥٧ - ٢٥٨) برقم (٦٥٧). كلاهما من طريق شريك. وفيه شريك بن عبد الله النخعي ضُعّف في الحديث. وعبد الله بن عميرة ذكره ابن حجر في التعجيل، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وزوج درة لعله دحية بن خليفة الكلبي، فقد ذكر الحافظ في الإصابة أنه تزوجها بعد مقتل زوجها = [¬١]- في ز: عيينة. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ت: بلين. [¬٤]- في ز: بدنا.
[ ١٣ / ١٧٢ ]
وسلم شيء من الدنيا، ولا أعجبه أحد قُط، إلا ذو تقى. تفرد به أحمد، ﵀ (^١٠٥).
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ أي: عليم بكم، خبير بأموركم، فيهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، ويفضل من يشاء على من يشاء، وهو الحكيم العلم الخبير في ذلك كله. وقد استدل بهذه الآية الكريمة، وهذه الأحاديث الشريفة، من ذهب من العلماء إلى أن الكفاءة في النكاح لا تشترط، ولا يشترط سوى الدين، لقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وذهب الآخرون إلى أدلة أخرى مذكوره في كتب الفقه، و[قد ذكرنا] [¬١] طرفًا من ذلك في "كتاب الأحكام"، ولله الحمد والمنة. وقد [¬٢] روى الطبراني عن عبد الرحمن أنه سمع رجلًا منع بني هاشم يقول: أنا أولى الناس برسول الله. فقال: غيرك أولى به منك ولك منه نسبه [¬٣] (^١٠٦).
﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ
_________________
(١) = ببدر كافرًا. قال ابن الأثير في "أسد الغابة" (٧/ ١٠٤): وقد روى عن شريك، عن عبد الله بن عميرة، عن رجل عن زوج درة بنت أبي عن بنت أبي جهل وهو وهم. أخرجه الثلاثة. ا هـ. قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ٢٦٦): رواه أحمد، والطبراني ورجالهما ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر.
(٢) - إسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة، أخرجه أحمد (٦/ ٩٦) برقم (٢٤٥١١). قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٨٧): رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح.
(٣) - إسناده ضعيف. أخرجه الطبراني في "الكبير" (١/ ١٣٤ - ١٣٥) برقم (٢٨٣). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨٧/ ٨): رواه الطبراني عن شيخه المقدام بن داود وهو ضعيف. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز.
[ ١٣ / ١٧٣ ]
اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾
يقول تعالى منكرًا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادّعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإِيمان في قلوبهم بعد: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾. وقد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الأيمان أخص من الإِسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵇ حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان (^١٠٧)، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.
قال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالًا ولم يعط رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ فقال النبي ﷺ: "أو مُسْلم". حتى أعادها سعد ثلاثًا، والنبي ﷺ يقول: "أوْ مسلم". ثم قال النبي ﷺ: "إني لأعطي رجالًا وأدع من هو أحب إليَّ منهم فلا أعطيه شيئًا مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم" (^١٠٨).
أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهريّ به (^١٠٩).
فقد فرق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن فَدَلّ على أن الإيمان أخص بن الإسلام. وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإِيمان من "صحيح البخاري" ولله الحمد والمنة. ودَلّ ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء،
_________________
(١) - أخرجه بطوله مسلم في الصحيح في كتاب الإيمان، باب: بيان الإسلام والإيمان والإحسان، حديث (٨) (١/ ٢١٣ - ٢٢٥).
(٢) - صحيح. أخرجه أحمد (١/ ١٧٦).
(٣) - والبخاري في كتاب: الإيمان، باب: إذا لم يكن الناس على الحقيقة، حديث (٢٧) (١/ ٧٩) وطرفه في [١٤٧٨]. ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، برقم (٢٣٦، ٢٣٧/ ١٠٥) (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
[ ١٣ / ١٧٤ ]
ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإِيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النَخْغي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري ﵀ ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين، يُظهرون الإِيمان وليسوا كذلك. وقد رُوي عن سعيد بن جُبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ أي: استسلمنا خوف القتل والسّباء. قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا [¬١] بإيمانهم على رسول الله ﷺ.
والصحيح الأول: أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإِيمان، ولم يحصُل لهم بعد، فأدّبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنّفوا وفُضِحوا، كما ذكر المنافقون [¬٢] في سورة براءة. وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإِيمان بعد.
ثم قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ [¬٣] مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ أي: لا ينقصكم ملأ أجوركم [¬٤] ﴿شَيئًا﴾، كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: لمن تاب إليه وأناب.
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: إنما المؤمنون الكُمل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: وبذلوا مهجهم [¬٥] ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ أي: في قولهم إذا قالوا: إنهم مؤمنون، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة الظاهرة.
وقال الإِمام أحمد: حدثنا يحيى بن غَيلان، حدثنا رشدين، حدثني عمرو بن الحارث، عن أبي السَّمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال [¬٦]: إن النبي ﷺ، قال: "المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: [الذين] [¬٧] آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه [¬٨] لله ﷿" (^١١٠).
_________________
(١) - إسناده ضعيف. أخرجه أحمد (٣/ ٨) برقم (١١٠٦٤) وفيه رشدين بن سعد وهو ضعيف. [¬١]- في ز: أمنوا. [¬٢]- في ز: المنافقين. [¬٣]- في ز: يالتكم. [¬٤]- في ز: أجورها. [¬٥]- في ز: مهجتهم. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- سقط من ت. [¬٨]- في ز: يذكر.
[ ١٣ / ١٧٥ ]
وقوله: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ أي أتخبرونه بما في ضمائركم، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: لا يخفي عليه من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ﴾.
ثم قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾، يعني الأعراب يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول، قوله الله ردًّا [¬١] عليهم: ﴿قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾. فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: في دعواكم ذلك، كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي". كما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أمن (^١١١).
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمَّد بن قيس، عن أبي عون، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله؛ أسلمنا وقاتلتك العرب، ولم نقاتلك، فقال رسول الله ﷺ: "إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق [¬٢] على ألسنتهم". ونزلت هذه الآية: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^١١٢).
ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمَّد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير، غير هذا الحديث.
ثم كرر الإِخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبَصَره بأعمال المخلوقات فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
أخر تفسير سورة الحجرات، ولله الحمد والمنة.
* * *
_________________
(١) = وأبو السمح -دراج- في روايته عن أبي الهيثم ضعف. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ٥٧ - ٥٨)، رواه أحمد وفيه دراج وقد وثق وضعفه غير واحد.
(٢) - متفق عليه من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، حديث (٤٣٣٠) (٨/ ٤٧). ومسلم في كتاب "الزكاة"، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوى إيمانه، برقم (١٣٩/ ١٠٦١) (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(٣) - إسناده صحيح رجاله ثقات. [¬١]- في ز: رادًّا. [¬٢]- في ت: ينطلق.
[ ١٣ / ١٧٦ ]