قال النسائي (^١): أخبرنا إسماعيل بن مسعود، حدثنا خالد -يعني ابن الحارث- عن ابن أبي ذئب قال [¬١]: أخبرني الحارث بن عبد الرحمن عن [¬٢] سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا بالصافات. تفرد به النسائي.
﷽
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾
قال سفيان الثوري (^٢): عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله بن
_________________
(١) - " السنن الصغرى"، كتاب الإمامة، باب: الرخصة للإمام في التطويل (٢/ ٩٥) وفي "التفسير" من الكبرى (٦/ ١١٤٣٢)، وإسناده حسن، رجاله كلهم ثقات؛ حاشا الحارث بن عبد الرحمن -خال ابن أبي ذئب- وهو صدوق كما في التقريب، ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٣/ ١٦٠٦) من طريق بشر بن معاذ العقدي، نا خالد بن الحارث به، ورواه علي بن الجعد في مسنده (٢ / رقم ٢٨٦٠) - ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٣١٩٤) - ثنا ابن أبي ذئب به، ورواه أحمد (٢/ ٢٦، ١٥٧، ٤٠) وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٥٤٤٥، ٥٥٥٣) ومن طريقه الثاني ابن حبان في صحيحه (٥/ ١٨١٧) - وابن خزيمة أيضًا والبيهقي في السنن الكبرى (٣/ ١١٨) كلهم من طريق -مفرقًا- (وكيع وحَمَّاد بن الخياط ويزيد بن هارون، وعثمان بن عمر، وشبابة بن سوار) عن ابن أبي ذئب به، وفي رواية يزيد بن هارون، وإن كان لَيَؤمُّنَا بالصافات في صلاة الفجر، ويزيد ثقة ثبت، وهكذا رواه أصحاب ابن أبي ذئب بهذا الإسناد، ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (رقم ١٨١٦) ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري أو غيره، عن سالم به -شك أبو داود- ورواية الجماعة بغير الشك أولى، والحديث قصر في عزوه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٠٩) فلم يعزه لغير النسائي والبيهقي!!.
(٢) - رواه الفريابي - كما في الدر المنثور (٥/ ٥١٠) - ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٩٠٤١) عن سفيان الثوري به، وأورده الهيثمي في المجمع (٧/ ١٠١) وأعله بشيخ الطبراني: عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو متابع، فقد رواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٢٩) من طريق أحمد بن حازم الغفاري، ثنا قبيصة بن عقبة، أنبأنا سفيان به وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، ولا تضره عنعنة الأعمش حيث رواه شعبة عنه، عن أبي الضحى، به. كما عند ابن جرير (٢٣/ ٣٣) وشعبة كفانا تدليس الأعمش ولله الحمد. وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٤٧) = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "بن".
[ ١٢ / ٥ ]
مسعود ﵁ أنه قال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ وهي الملائكة، [﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ هي الملائكة] [¬١]، ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ هي الملائكة.
وكذا قال ابن عباس (^٣) ومسروق، وسعيد بن جبير وعكرمة، ومجاهد والسدي، وقتادة والربيع بن أنس. قال قتادة: الملائكة صفوف في السماء.
وقال مسلم (^٤): حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي، عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: "فُضِّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجُعلت لنا تُرْبَتها طهورًا إذا لم نجد الماء".
وقد روى مسلم أيضًا، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة (^٥)، من حديث الأعمش، عن المُسَيب بن رافع، عن تميم [¬٢] بن طَرفَة، عن جابر بن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا تَصفّون كما تصف الملائكة عند رَبّهم؟ ". قلنا: وكيف تصفّ الملائكة عند ربهم؟ قال: "يُتمون الصفوفَ المتقدمة ويَتَراصون في الصف".
وقال السدي وغيره: معنى قوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾: أنها تزجر السحاب زجرًا [¬٣].
وقال الربيع بن أنس: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ ما زجر الله عنه في القرآن. وكذا رَوَى مالك، عن زيد بن أسلم. ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ قال السدي: الملائكة يجيئون بالكتاب والقرآن من عند الله إلى الناس. وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾.
وقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِد﴾ هذا هو المقسم عليه: أنه تعالى لا إله إلا هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَ﴾ أي: من المخلوقات ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ أي: هو المالك [¬٤]
_________________
(١) = عن معمر، عن الأعمش به. والخبر زاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) - رواه أبو الشيخ في العظمة (٣/ ٥١١) بإسناد ضعيف إليه، وذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٠) وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٣) - صحيح مسلم، فاتحة كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٤) (٥٢٢).
(٤) - رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب: الأمر بالسكون في الصلاة … (١١٩) (٤٣٠) وأبو داود، كتاب الصلاة، باب: تسوية الصفوف (٦٦١)، والنسائي، كتاب الصلاة، باب: حث الإمام على رَصِّ الصفوف والمقاربة بينها (٢/ ٩٢)، وابن ماجة، كتاب الصلاة والسنة فيها، باب: إقامة الصفوف (٩٩٢) من طرق عن الأعمش به. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- سقط من: خ، ز. [¬٣]- سقط من: خ، ز. [¬٤]- سقط من: خ.
[ ١٢ / ٦ ]
المتصرف في الخلق بتسخيره بما فيه من [¬١] كواكب ثوابت وسيارات، تبدو من المشرق، وتغرب من المغرب. واكتفى بذكر المشارق عن المغارب لدلالتها عليهما [¬٢]، وقد صرح بذلك في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ وقال في الآية الأخرى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ﴾ يعني: في الشتاء والصيف، للشمس والقمر.
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ (٧) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾
يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ قرئ بالإِضافة وبالبدل، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يَثْقُب ضوؤها جرمَ السماء الشفاف فتضيء لأهل الأرض، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾.
وقوله هاهنا: ﴿وَحِفْظًا [¬٣]﴾ تقديره: وحَفظناها حفظًا ﴿مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ﴾ يعني: المتمرد العاتي إذا أراد أن يسترق السمع، أتاه شهاب ثاقب فأحرقه؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ أي: لئلا يصلوا [¬٤] إلى الملأ الأعلى، وهي السموات ومن فيها من الملائكة، إذا تكلموا بما يوحيه الله مما يقوله من شرعه وقدره، كما تقدم بيان ذلك في الأحاديث التي أوردناها عند قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَال رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
ولهذا قال: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ أي: يُرمَون ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ أي: من كل جهة يقصدون السماء منها ﴿دُحُورًا﴾ أي: رجمًا يدحرون به ويرجمون [¬٥]، ويمنعون من الوصول إلى ذلك ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: في الدار الآخرة لهم عذاب دائم موجع مستمر، كما قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾.
وقوله: ﴿إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ أي: إلا من اختطف من الشياطين الخطفة، وهي الكلمة يسمعها من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في ز: "عليها". [¬٣]- في ز: "وحفظناها". [¬٤]- في ز، خ: "يصلون". [¬٥]- في ت: "ويزجرون".
[ ١٢ / ٧ ]
الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها بقدر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما تقدم في الحديث؛ ولهذا قال: ﴿إلا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي: مستنير.
قال ابن جرير (^٦): حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: كانت للشياطين مقاعد في السماء، فكانوا يستمعون الوحي، قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا تُرْمى [¬١]، قال: فإذا سمعوا الوحى نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة [¬٢] تسعًا، قال: فلما بعث رسول الله ﷺ جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب فلم يُخْطئه حتى يُحرقَه، قال: فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هو إلا من أمر حدث، قال: فَبَثَّ جنوده فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي بين جبلي نخلة -قال وكيع: يعني بطن نخلة- قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه فقال: هذا الذي حدث.
وستأتي الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارًا عن الجن أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾.
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَ
_________________
(١) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٣٦) ورواه أيضًا (٢٣/ ٣٦، ٣٧) وأحمد (١/ ٢٧٤) والترمذي، كتاب التفسير (٣٣٢٤) والنسائي في التفسير من الكبرى (٦/ ١١٦٢٦) والطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ١٢٤٣١) من طرق عن إسرائيل به، وهذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات من رجال الشيخين، ولا تضر عنعنة أبي إسحاق هنا، لأن إسرائيل من أوثق الناس فيه، كما قال أبو حاتم وغيره، وتابع إسرائيل فيه أبوه يونس بن أبي إسحاق. رواه من هذا الوجه البيهقي في الدلائل (٢/ ٢٣٩، ٢٤٠). ورواه أحمد أيضًا (١/ ٣٢٣) ثنا وكيع، عن إسرائيل عن سماك، عن سعيد بن جبير به. وهذا إسناد حسن لكلام في سماك، والخبر أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٤٣٣) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه وأبي نعيم في الدلائل وانظر ما تقدم (سورة سبإ / آية ٢٣). [¬١]- في خ: "ترى". [¬٢]- في خ، ز: "الآية".
[ ١٢ / ٨ ]
آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾
يقول تعالى: فسل هؤلاء [¬١] المنكرين للبعث: أيما أشد خلقًا هم أم السماوات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوفات العظيمة؟ وقرأ ابن مسعود: (أم من عددنا)، فإنهم يُقرّون أن هذه الخلوقات أشد خلقًا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث، وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا؟ كما [¬٢] قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.
قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك: هو الجيّد [¬٣] الذي يلتزق بعضه ببعض.
وقال ابن عباس (^٧)، وعكرمة: هو اللزج وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد.
وقوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: بل عجبت -يا محمد- من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها، وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك.
قال قتادة: عجب محمد ﷺ وسخر ضلال بني آدم.
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ أي: دلالة واضحة على ذلك ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ قال مجاهد، وقتادة: يستهزئون.
﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أي: إنْ هذا الذي جئت به إلا سحر مبين ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ يستبعدون ذلك ويكذبون به ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعدما تصيرون ترابًا وعظامًا ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة. كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾.
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ثم قال: ﴿فَإِنَّمَا
_________________
(١) - رواه عنه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٤٢، ٤٣) بأسانيد قابلة للصحة وانظر الدر المنثور (٥/ ٥١٢). [¬١]- سقط من: خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "الجسد".
[ ١٢ / ٩ ]
هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: إنما هو أمر واحد من الله ﷿ يدعوهم دعوة واحدة [¬١] أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة.
﴿وَقَالُوا يَاوَيلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾
يخبر تعالى عن قِيلِ الكفار يوم القيامة: إنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة نَدمُوا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم، ﴿وَقَالُوا يَاوَيلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تُمَيز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾، قال النعمان بن بشير ﵁: يعني بأزواجهم: أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والسدي، وأبو صالح، وأبو العالية، وزيد بن أسلم.
وقال سفيان الثوري (^٨): عن سماك، عن النعمان بن بشير، عن عمر بن الخطاب ﵁: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: إخوانهم.
وقال شريك (^٩) عن سماك [¬٢] عن النعمان قال: سمعت عمر يقول: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ قال: أشباههم. قال: يجيء صاحب الربا مع أصحاب الربا، وصاحب الزّنا مع أصحاب الزّنا، وصاحب [¬٣] الخمر مع أصحاب الخمر.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٤٦) ثنا ابن بشار، ثنا عبد الرحمن، ثنا سفيان به، غير أنه قال: "ضرباءهم" ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٤٣٠) من طريق عبيد الله بن موسى، أنبأ إسرائيل، ثنا سماك بن حرب به، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ورواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ١٤٨) عن إسرائيل به، ليس فيه عمر، ولفظه: "أمثالهم الذين مِثلهم" وانظر ما بعده:
(٢) - لم أهتد له من هذا الوجه، وشريك هو ابن عبد الله القاضي سيئ الحفظ غير أنه متابع كما في السابق، وقد أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٣) بنحو هذا اللفظ وزاد نسبته إلى الفريابي وابن أبي شيبة وابن منيع في مسنده وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث -وهو غير موجود في الجزء المطبوع من البعث- فلعله عندهم أو أحدهم من هذا الوجه والله أعلم. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "شريك". [¬٣]- في ز، خ: "أصحاب".
[ ١٢ / ١٠ ]
وقال خصيف (^١٠) عن مقسم عن ابن عباس: أزواجهم: نساءهم وهذا غريب، والمعروف عنه الأول، كما رواه مجاهد: سعيد بن جبير عنه: أزواجهم: قُرَناءهم.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من الأصنام والأنداد، وتحشر [¬١] معهم في أماكنهم.
و[¬٢] قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ أي: أرشدوهم إلى طريق جهنم. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَ[بُكْمًا وَصُمًّا] [¬٣] مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.
وقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ أي: قفوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في الدار الدنيا، كما قال الضحاك (^١١)، عن ابن عباس: يعني: احبسوهم إنهم محاسبون.
وقال ابن أبي حاتم (^١٢): حدثنا أبي، حدثنا النّفيلي، حدثنا المعتمر بن سليمان قال [¬٤]: سمعت ليثًا يُحدّث عن بشر، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "أيما داع دعا إلى شيء كان موقوفًا معه إلى يوم القيامة، لا يغادره ولا يفارقه، وإن دعا رجل رجلًا". ثم قرأ: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾.
_________________
(١) - خُصَيف هو ابن عبد الرحمن الجزري فيه ضعف، وقد ورد تفسيره عن ابن عباس كالجادة وهو الأصح سندًا وهذا غريب كما قال المصنف، وانظر تفسير ابن جرير (٢٣/ ٤٦، ٤٧) والدر المنثور (٥/ ٥١٤).
(٢) - والضحاك لم يسمع من ابن عباس، والأثر أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٤) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم.
(٣) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٤) وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٨٦) عن مسدد، والترمذي في الجامع، كتاب تفسير القرآن (٣٢٢٨) ثنا أحمد بن عبدة الضبي. وإسحاق بن راهويه- ومن طريقه الحاكم (٢/ ٤٣٠) - وابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٤٨) ثنا يعقوب بن إبراهيم أربعتهم (مسدد وأحمد وإسحاق ويعقوب) ثنا معتمر بن سليمان به، وأبهم يعقوب في روايته اسم شيخ الليث فقال: عن رجل- وقد رواه الدارمي في سننه (١/ ٥٢٢) من طريق عبد السلام بن حرب، عن ليث به. وقال الترمذي: حديث غريب- يعني: ضعيف. وعلته ليث وهو ابن أبي سليم، فإنه اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك كما في التقريب. وشيخه مجهول، وقد تقدمت ترجمته عند (آية رقم ٩٢) من سورة الحجر، وقد اضطرب في تسميته ليث، فلم ينسبه هنا، بينما رواه ابن أبي شيبة- وعنه ابن أبي عاصم في السنة (١ / رقم ١١٢) وابن ماجة في المقدمة (٢٠٨) - ثنا أبو معاوية، عن ليث، عن بشر بن نهيك، = [¬١]- في ت: "يحشر". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "وصُمًّا وبكمًا". [¬٤]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ١١ ]
ورواه الترمذي من حديث ليث بن أبي سليم. ورواه ابن جرير، عن يعقوب بن إبراهيم، عن معتمر، عن ليث، عن رجل، عن أنس مرفوعًا.
وقال عبد الله بن المبارك (^١٣): سمعت عثمان بن زَائدَةَ يقول: إن أول ما يُسأل عنه الرجل جلساؤه، ثم يقال لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ أي: كما زعمتم أنكم جميع منتصر، ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: منقادون [¬١] لأمر الله، لا يخالفونه ولا يحيدون عنه.
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَينَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَينَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾
يذكر تعالى أن الكفار يتلاومون في عرصات القيامة، كما يتخاصمون في دَرَكات النار،
_________________
(١) = عن أبي هريرة مرفوعًا به، دون ذكر الآية، وبشر بن نَهيك تابعي معروف، غير أن ليثًا ضعيف، وقد عُدَّ ذلك من تخاليطه، ثم إنه لا يعرف لليث رواية عن بشير، ولذلك لم يحسن المنذري حينما أورده في الترغيب (١/ ٩٢) وقال: رواه ابن ماجة، ورواية ثقات!!. وقد رواه الحاكم أيضًا، ثنا عمر بن جعفر البصري، ثنا الحسن بن أحمد التستري، ثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه عن أنس مرفوعًا به. وقال الحاكم: هكذا حدَّث به الحسن بن أحمد التستري، عن عبيد الله بن معاذ عنه، ولو جاز لنا قبوله منه، لكنا نصححه على شرط الشيخين، ولكن نقول أن صوابه. ثم أسند طريق إسحاق بن راهويه المتقدمة، والحسن بن أحمد هذا ترجم له الذهبي في الميزان فقال: روى خبرًا موضوعًا عن إسماعيل بن إسحاق القاضي بسند كالشمس متنه. .. وقال الخطيب: الحسن بن أحمد صاحب مناكير، وفي اللسان لابن حجر عن الدارقطني قال: الحسن ضعيف جدًّا، كان يتهم بوضع الحديث. والحديث زاد نسبته السيوطي إلى ابن منذر وابن مرداويه.
(٢) - أورده السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٤) ولم يعزه لغير ابن أبي حاتم. [¬١]- في ز، خ: "ينقادون".
[ ١٢ / ١٢ ]
﴿فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَينَ الْعِبَادِ﴾ وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَال الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهكذا قالوا لهم هاهنا: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾، قال الضحاك عن ابن عباس (^١٤): يقولون: كنتم تقهروننا بالقدرة منكم علينا، لأنا كنا أذلاء وكنتم أعزاء.
وقال مجاهد: يعني: عن الحق. الكفار تقوله للشياطين.
وقال قتادة: قالت الإِنس للجن: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِين﴾ قال: من قبل الخير، فتنهونا عنه وتبطئونا عنه. وقال السدي: تأتوننا من قبل الحق تزينون لنا الباطل وتصدونا عن الحق. وقال الحسن في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ إي والله يأتيه عند كل [¬١] خير يريده فيصده عنه.
وقال ابن زيد: معناه تحولون بيننا وبين الخير، ورددتمونا عن الإسلام والإيمان والعمل بالخير الذي أمرنا به [¬٢]. وقال يزيد الرّشْك: من قبل "لا إله إلا الله". وقال خُصيف: يعنون من قبل ميامنهم.
وقال عكرمة: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ قال: من حيث نأمنكم.
وقوله: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، تقول القادة من الجن والإنس للأتباع: ما الأمر كما تزعمون، بل كانت قلوبكم منكرة للإِيمان، قابلة للكفر والعصيان [¬٣] ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: من حجة على صحة ما دعوناكم إليه، ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ أي: بل كان فيكم طغيان ومجاوزة للحق؛ فلهذا استجبتم لنا وتركتم الحق الذي جاءتكم به الأنبياء، وأقاموا لكم الحجج على صحة ما جاءوكم به، فخالفتموهم.
﴿فَحَقَّ عَلَينَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَينَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوينَ﴾، يقول الكبراء للمستضعفين: حقت علينا كلمة الله أنا من الأشقياء الذائقين العذاب يوم القيامة،
_________________
(١) - سنده فيه انقطاع بين الضحاك وابن عباس وانظر الدر المنثور (٥/ ٥١٥). [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ١٣ ]
﴿فَأَغْوَينَاكُمْ﴾ أي: دعوناكم إلى الضلالة، ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوينَ﴾ أي: دعوناكم إلى ما نحن فيه فاستجبتم لنا. قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: الجميع في النار، كل بحسبه، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أي: [في الدار الدنيا [¬١] ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي: يستكبرون أن يقولوها، كما يقولها المؤمنون.
قال ابن أبي حاتم (^١٥): حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب، حدثنا عمي، حدثنا الليث، عن ابن مُسافر -يعني عبد الرحمن بن خالد- عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله" وأنزل الله في كتابه -وذكر قومًا استكبروا- فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ".
وقال ابن أبي حاتم أيضًا (^١٦): حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، حدثنا حَمَّاد، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي العلاء قال: يؤتى باليهود يوم القيامة فيقال لهم: ما كنتم
_________________
(١) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٦) ورواه الدارقطني في العلل (٩/ ١٥٥ / س ١٦٨٧) ثنا النيسابوري ثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب أبو عبيد الله به، وأورده المصنف أيضًا في (سورة الفتح / آية ٢٦) من طريق ابن أبي حاتم، ثنا أحمد بن منصور الرمادي، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث به. ورواه ابن جرير في تفسيره (٢٦/ ١٠٣، ١٠٤) والبيهقي في الأسماء والصفات (١ / رقم ١٩٦) من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، وابن حبان في صحيحه (١ / رقم ٢١٨) من طريق شعيب بن أبي حمزة، كلاهما (يحيى وشعيب) عن ابن شهاب به وقوله: وأنزل الله في كتابه -وذكر قومًا استكبروا- فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وفيه زيادة بعده أيضًا ذكرها المصنف في (سورة الفتح) وهي: وقال الله جل ثناؤه ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، فاستكبروا عنها، واستكبر عنها المشركون يوم الحديبية فكاتبهم رسول الله ﷺ على قضية المدة. قال ابن كثير: والظاهر أن هذه الزيادة مدرجة من كلام الزهري والله أعلم. لكن رواه البيهقي (رقم ١٩٥) من طريق إسحاق بن يحيى الكلبي، ثنا الزهري، حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ أخبره عن النبي ﷺ قال: أنزل الله تعالى في كتابه فذكر قومًا استكبروا وهذا ظاهره الرفع، لكن إسحاق بن يحيى وإن كان صدوقًا- فقد خالف الثقات في ذلك لا سيما وقد رواه البخاري، كتاب الجهاد (٢٩٤٦)، ومسلم كتاب الإيمان (٣٣) (٢١) والنسائي (٦/ ٤، ٧، ٧٨) من طريقين عن ابن شهاب به، دون ذكر هذه الزيادة، وانظر العلل لأبي الحسن الدارقطني (١ / س ٣)، (٩ / س ١٦٨٧).
(٢) - إسناده صحيح إلى أبي العلاء، وهو يزيد بن عبد الله الشخير، وحماد هو ابن سلمة، وقد روى عن الجريري قبل اختلاطه .. راجع الكواكب النيرات [ص ١٨٣]- وأبو نضرة هو المنذر بن مالك بن قطعة الجدي. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١٢ / ١٤ ]
تعبدون؟ فيقولون: الله وعُزَيرًا. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالنصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله والمسيح. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال. ثم يؤتى بالمشركين فيقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله"، فيستكبرون. ثم يقال لهم: "لا إله إلا الله" فيستكبرون. فيقال لهم: خذوا ذات الشمال، قال أبو نضرة: فينطلقون أسرع من الطير، قال أبو العلاء: ثم يؤتى بالمسلمين فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنا نعبد الله. فيقال لهم: هل تعرفونه إذا رأيتموه؟ فيقولون: نعم. فيقال لهم: فكيف تعرفونه ولم تروه؟ قالوا: نعلم أنه لا عِدْلَ له قال: فيتعرف لهم ﵎ وينجي الله المؤمنين ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ أي: أنحن نترك عبادة آلهتنا وآلهة آبائنا عن قول الشاعر المجنون، يعنون رسول الله ﷺ! قال الله تعالى تكذيبًا لهم، وَرَدًّا عليهم: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ﴾، يعني رسول الله ﷺ جاء بالحق في جميع شرْعة الله له من الإخبار والطلب، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: صدّقهم فيما أخبروا [¬١] عنه من الصفات الحميدة، والمناهج السديدة، وأخبر عن الله في شرعه وأمره كما أخبروا، ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ …﴾ الآية.
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤) يُطَافُ عَلَيهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيضٌ مَكْنُونٌ﴾
يقول تعالى مخاطبًا للناس: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ثم استثنى من ذلك عبادَه المخلصين، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ ولهذا قال هاهنا: ﴿إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: ليسوا يذوقون العذاب الأليم، ولا يناقشون في الحساب، بل
_________________
(١) [¬١]- في ت: "أخبروه".
[ ١٢ / ١٥ ]
يتجاوز عن سيئاتهم، إن كان لهم سيئات، ويجزون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، إلى ما يشاء الله من التضعيف.
وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾، قال قتادة، والسدي: يعني الجنة. ثم فسره بقوله تعالى: ﴿فواكه﴾ أي: متنوعة ﴿وهم مكرمون﴾ أي: يخدمون ويرفهون وينعمون، ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، قال مجاهد: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض.
وقال ابن أبي حاتم (^١٧): حدثنا يحيى بن عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا إبراهيم بن بشر، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي، عن سعيد [¬١] بن شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فتلا هذه الآية: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾: "ينظر بعضهم إلي بعض". حديث غريب.
وقوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ فنزه الله خمر الآخرة عن الآفات التي في خمر الدنيا من صداع الرأس ووجع البطن -وهو الغول- وذهابها بالعقل جملة، فقال هاهنا: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: بخمر من أنهار جارية، لا يخافون انقطاعها ولا فراغها.
_________________
(١) - إسناده مسلسل بالمجاهيل. وتقدم عند المصنف (سورة الحجر / آية ٤٧) كما هنا، وقد رواه البخاري في التاريخ الكبير (٣/ ٣٨٦) وفي الصغير (١/ ٢٥٠) ثنا حسان بن حسان به. وهو جزء من حديث المؤاخاة الطويل وقد قال البخاري: هذا إسناد مجهول لا يتابع عليه، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض، رواه بعضهم عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى، عن النبي ﷺ ولا أصل له. وزيد بن أبي أوفى أخو عبد الله بن أبي أوفى صحابي لا يعرف إلا في هذا الحديث، ورجاله من إبراهيم بن بشر إلى سعيد بن شرحبيل جهلهم أبو حاتم كما في الجرح والتعديل (٤/ ٣٣). ويحيى بن معين في هذا الإسناد هو المدني مجهول، وهو غير يحيى بن معين أبي زكريا البغدادي إمام الجرح والتعديل. وأفاد محقق التاريخ الكبير أن هذا الاسم محرف، وصوابه: يحيى بن معن وهو محتمل بل يحتمل التحريف في الاسم كله، فقد رواه عبد الله بن محمد البغوي (؟؟) - ومن طريقه ابن عدي في الكامل (٥/ ١٩٨٤، ١٩٨٥) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٤١٢ / مخطوط) ومن طريق ابن عدي أبو الفرج بن الجوزي في العلل المتناهية (١ / رقم ٣٤٤). وابن جرير كما في السير لأبي عبد الله الذهبي (١/ ١٤١، ١٤٢) من طريق حسين بن محمد الزراع نا عبد المؤمن بن عباد نا يزيد بن معن عن عبد الله شرحبيل، عن زيد بن أبي أوفى به، قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ قال أبو حاتم الرازي: عبد المؤمن ضعيف، فقد رواه نصر بن علي، عن ابن شرحبيل، عن رجل، عن يزيد، ولعل ذلك الرجل غير ثقة فقد أسقطه عبد المؤمن، ومن طريق نصر بن علي عن عبد المؤمن عن يزيد بن معن عن عبد الله بن شرحبيل عن رجل من قريش عن زيد بن أبي أوفى به رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني = [¬١]- في ز، خ: "سعد".
[ ١٢ / ١٦ ]
قال مالك، عن زيد بن أسلم: خمر جارية بيضاء. أي: لونها مشرق حسن بهِيّ لا كخمر الدنيا في منظرها البشع الرديء، من حمرة أو سواد أو اصفرار أو كدورة إلى غير ذلك مما ينفر الطبع السليم.
وقوله: ﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: طعمها طيب كلونها، وطيب الطعم دليل على طيب الريح، بخلاف خمر الدنيا في جميع ذلك.
وقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ يعني: لا تؤثر فيهم غولًا وهو وجع البطن. قاله مجاهد، وقتادة، وابن زيد كما تفعله خمر الدنيا من القُولَنْج ونحوه لكثرة مائيتها.
وقيل: المراد بالغول هاهنا صُدَاع الرأس. ورُوي هكذا عن ابن عباس (^١٨).
و[] [¬١] قتادة: هو صداع الرأس ووجع البطن. وعنه وعن السدي: لا تغتال عقولهم. كما قال الشاعر:
فما زالت الكأس تغتالنا … وتذهب بالأول الأولِ
وقال سعيد بن جبير: لا مكروه فيها ولا أذى. والصحيح قول مجاهد: إنه وَجعُ البطن.
وقوله: ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾، قال مجاهد: لا تذهب عقولهم. وكذا قال ابن عباس، ومحمد بن كعب، والحسن، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني، والسدي، وغيرهم.
وقال الضحاك (^١٩): عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر، والصداع، والقيء، والبول. فذكر الله خمر الجنة فنزهها [¬٢] عن هذه الخصال، كما ذكر في سورة الصافات.
_________________
(١) = (٥/ ٢٧٠٧) والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٥١٤٦) والحسن بن سفيان. كما في السير، والإصابة لابن حجر (٤/ ٤٠) -وابن عساكر، وقد رواه ابن مردويه- ومن طريقه ابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ٢٧٨). وعلقه الذهبي في السير من طريق موسى بن صهيب، عن يحيى بن زكريا -كذا وقع- عن عبد الله بن شرحبيل، عن رجل، عن زيد به. وهذا مسلسل بالمجاهيل أيضًا. قال الذهبي: هو منكر جدًّا، وزيد لا يعرف إلا في هذا الحديث الموضوع … وقال ابن عبد البر في الاستيعاب (٤/ ٤١ هامش الإصابة): زيد بن أبي أوفى الأسلمي، له صحبة يَعدُّ في أهل المدينة … روى حديث المؤاخاة بتهامة، إلا أن في إسناده ضعفًا، وقال ابن السكن -كما في الإصابة-: روى حديثه من ثلاث طرق، ليس فيها ما يصح وبالله التوفيق.
(٢) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٥٥) والبيهقي في البعث والنشور (رقم ٣٢٢) وفي سنده انقطاع وزاد نسبته السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) - الضحاك لم يسمع من ابن عباس كما قال شعبة وغيره. راجع جامع التحصيل [ص ١٩٩]- والخبر عزاه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٧) إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه. [¬١]- في ت: قال: [¬٢]- في ز، خ: "فنزعها".
[ ١٢ / ١٧ ]
وقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ أي: عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن. كذا قال ابن عباس (^٢٠)، ومجاهد، وزيد بن أسلم، وقتادة، والسدي، وغيرهم.
وقوله: ﴿عِينٌ﴾ أي: حسان الأعين. وقيل: ضخام الأعين. وهو يرجع إلى الأول، وهي النَّجلاء العيناء، فوصف عيونهن بالحسن والعفة، كقول زليخا في يوسف حين جمَّلته وأخرجته على تلك النسوة، فأعظمنه وأكبرنه، وظنن [¬١] أنه مَلك من الملائكة لحسنه وبهاء منظره: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي: هو مع هذا الجمال عفيف تقي نقي، وهكذا الحور العين ﴿خيرات حسان﴾ ولهذا قال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾.
وقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ بترافة وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان.
قال علي بن أبي طلحة (^٢١)، عن ابن عباس ﵄: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [¬٢] يقول: اللؤلؤ المكنون، ويُنْشَدْ [¬٣] هاهنا بيت أبي دَهْبَل الشاعر في قصيدة له:
وَهْيَ زَهْرَاءُ مثْلُ لُؤلُؤةِ الغَوَّ … اصِ ميّزَتْ [¬٤] مِن جوهر مكْنُون
وقال الحسن: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يعني: محصون لم تمسه الأيدى.
وقال السدي: البيضُ في عشه مكنون.
وقال سعيد بن جبير: ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يعني: بطن البيض.
وقال عطاء الخراساني: هو السحاء الذي يكون بين قشرته العليا ولباب البيض [¬٥].
وقال السدي: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ يقول: بياض البيضُ حين يُنزع قشره. واختاره ابن جرير لقوله [¬٦]: ﴿مَكْنُونٌ﴾ قال: والقشرة العليا يمسها جناح الطير والعش وتنالها [¬٧] الأيدي بخلاف داخلها، والله أعلم.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٥٦) والبيهقي في البعث والنشور (رقم ٣٤١) وسنده فيه انقطاع وزاد عزوه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٧) إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) - علي بن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس. وانظر التخريج السابق. [¬١]- في ز: "ظنين". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز: "وينشد". [¬٤]- في خ: "ميزان". [¬٥]- في خ، ز: "البيضة". [¬٦]- في ز: "كقوله". [¬٧]- في خ: "ومالها".
[ ١٢ / ١٨ ]
وقال ابن جرير (^٢٢): حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، حدثنا محمد بن الفرج الصَّدَفي الدمياطى، عن عمرو [¬١] بني هاشم، عن ابن أبي كريمة، عن هشام، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة ﵂ قلتُ: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾. قال: "رقتهن كرقة الجلدة التي رأيتها في داخل البيضة، التي تلي القشر، وهي الغِرقِي [¬٢] ".
وقال ابن أبي حاتم (^٢٣): حدثنا أبي، حدثنا أبو غسَّان النهدي، حدثنا عبد السلام بن حرب، عن ليث، عن الربيع بن أنس، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا
_________________
(١) - منكر. تفسير ابن جرير (٢٣/ ٥٨) ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣ / رقم ٨٧٠) وفي الأوسط (٣/ ٣١١٤) - ومن طريقه سيورده المصنف عند آية (٣٧) من سورة الواقعة- والعقيلي في الضعفاء (٢/ ١٣٨ / ترجمة سليمان بن أبي كريمة) وابن عدي في الكامل (٣/ ١١١١) كلهم من طريق بكر بن سهل، ثنا عمرو بن هشام به مطولًا. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن هشام بن حسان إلا سليمان بن أبي كريمة، تفرد به عمرو بن هاشم، وهو حسن الحدث غير أن شيخه ضعفه أبو حاتم واستنكر له ابن عدي هذا الحديث بعينه وقال: أحاديثه منكرة مسندة في التفسير وغيره. وقال العقيلي: يحدث بمناكير، ولا يتابع على كثير من حديثه، ولا يتابع على هذا الحدث ولا يعرف إلا به، وبه أعله الهيثمي في المجمع (٧/ ١٢٢)، (١٠، ٤٢٠، ٤٢١) وسكت عنه المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٥٣٦، ٥٣٧)!! وذكره السيوطي في الدر المنثور (٦/ ٢١١) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.
(٢) - ورواه الترمذي، كتاب المناقب، باب: فضل النبي ﷺ (٣٦١٠) ثنا الحسين بن يزيد الكوفي، ثنا عبد السلام بن حرب له، دون قوله: يطوف علي ورواه الدارمي (١ / رقم ٤٩) وابن أبي الدنيا -كما في النهاية للمصنف (٢/ ١٩٠، ١٩١) والبيهقي في الدلائل (٥/ ٤٨٣) والبغوي في الأنوار في شمائل النبي المختار (١ / رقم ٦٧) وفي شرح السنة (١٣/ ٣٦٢٤) من طريق سعيد بن سليمان -تحرف سليمان عند الدارمي إلى سفيان- ثنا منصور بين أبي الأسود، نا الليث به. وقال الترمذي: حديث حسن غريب. وقال البغوي: حديث غريب يعني: ضعيف. وهو أشبه؛ إذ إن ليث هو ابن أبي سليم، وهو صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك كذا في التقرب- وقد اختلط عليه فيه فرواه (عبد السلام بن حرب ومنصور بن أبي الأسود) عنه بالإسناد المتقدم، ورواه حبان بن علي العنزي عنه عن عبيد الله بن زحر، عن الربيع به، فزاد فيه: عبيد الله، رواه من هذا الوجه أبو يعلى في المعجم (١ / رقم ١٦٠) - ومن طريقه البيهقي (٥/ ٤٨٤) وابن زحر متكلم فيه وحبان بن علي ضعيف لكن الحمل فيه على ليث، حيث رواه محمد بن فضيل عنه بمثل رواية حبان، ذكر رواية ابن فضيل المزي في تحفة الأشراف (١ / رقم ٨٣١) والحديث أورده السيوطي في الدر المنثور (٦/ ١٤٩) وعزاه إلى الترمذي وابن مردويه ورمز لضعفه في الجامع الصغير وأقره المناوي في فيض القدير (٣/ ٤٠) - لكنه أغرب حيث اكتفي بإعلاله بشيخ الترمذي وهو متابع. وتبعهما الألباني فسود به حديث رقم (١٤٠٦) من ضعيف الجامع وبالله التوفيق. [¬١]- في خ: "عمر". [¬٢]- في ز: "العزفي".
[ ١٢ / ١٩ ]
مُبشّرهم إذا حزنوا، وأنا شفيعهم إذا حُبسوا [¬١]. لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ﷿ ولا فخر، يطوف عليّ ألف خادم كأنهن البيض المكنون -أو: اللؤلؤ المكنون".
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَال قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَال هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَال تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إلا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾
يخبر تعالى عن أهل الجنة أنه أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، أي: عن أحوالهم، وكيف كانوا في الدنيا، وماذا كانوا يعانون فيها؟ وذلك من حديثهم على شرابهم، واجتماعهم في تنادمهم وعشرتهم في مجالسهم، وهم جلوس على السّرُر، والخدم بين أيديهم، يسعون ويجيئون بكل خير عظيم، من مآكل ومشارب وملابس، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال مجاهد: يعني: شيطانًا.
وقال العوفي (^٢٤)، عن ابن عباس: هو الرجل المشرك يكون له صاحب من أهل الإيمان في الدنيا، ولا تنافي بين كلام مجاهد وابن عباس، فإن الشيطان يكون من الجن فيوسوس في النفس، ويكون من الإِنس فيقول كلامًا تسمعه الأذنان، وكلاهما متعاديان [¬٢]، قال الله تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وكل منهما يوسوس، كما قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾؛ ولهذا ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ أي: أأنت تُصدّق بالبعث والنشور والحساب والجزاء؟! يعني يقول ذلك على وجه التعجب والتكذيب والاستبعاد، والكفر والعناد، ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، قال مجاهد، والسدي: لمحاسبون. وقال ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي: لمجزيون بأعمالنا. وكلاهما صحيح.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٥٩) بإسناد مسلسل بالضعفاء، أولهم عطية العوفي. [¬١]- في ز: "جلسوا". [¬٢]- في خ: "متقاربان".
[ ١٢ / ٢٠ ]
قال: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾، أي: مشرفون. يقول المؤمن لأصحابه وجلسائه من أهل الجنة. ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وخُليد العَصَري، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني: يعني في وسط الجحيم.
وقال الحسن البصري: في وسط الجحيم كأنه شهاب يتقد [¬١].
وقال قتادة: ذُكرَ لنا أنه اطلع فرأى جماجم القوم تغلى. وذكرَ لنا أن كعب الأحبار قال: في الجنة كُوى إذا أراد أحد من أهلها أن ينظر إلى عدوه في النار اطلع فيها، فازداد شكرًا. ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ يقول المؤمن مخاطبًا للكافر: والله إن كدت لتُهلكني لو أطعتك، ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ أي: ولولا فضل الله عليّ لكنت مثلكَ في سواء الجحيم حيث أنت، محضر معك في العذاب، ولكنه تفضل عليَّ [¬٢] ورحمني فهداني للإِيمان، وأرشدني إلى توحيده، ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾.
وقوله: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ هذا من كلام المؤمن مُغْبطًا نفسه بما أعطاه الله من الخلد في الجنة والإقامة في دار الكرامة، لا موت فيها ولا عذاب، ولهذا قال: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
قال ابن أبي حاتم (^٢٥): حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عُمر العدَني، حدثنا الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: [قال ابن عباس ﵄ في قول الله ﵎ لأهل الجنة: ﴿كلوا واشربوا هنيئًا بما كنتم تعملون﴾] [¬٣] قال ابن عباس- ﵄: قوله ﴿هنيئًا﴾ أي: لا يموتون فيها. فعندها قالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
[وقال الحسن البصري: علموا أن كل نعيم فإن الموت يقطعه، فقالوا: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾،] [¬٤] قيل: لا. قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقوله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [قال قتادة] [¬٥]: هذا من كلام أهل الجنة.
_________________
(١) - حفص بن عمر العدني، ضعيف وشيخه صدوق له أوهام كما في التقريب- والخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥٢١) ولم يعزه لغير عبد بن حميد. [¬١]- في خ، ز: "يقد". [¬٢]- سقط من: م. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين بياض في: خ، ز.
[ ١٢ / ٢١ ]
وقال ابن جرير (^٢٦): هو من كلام الله تعالى، ومعناه: لمثل هذا النعيم وهذا الفوز فليعمل العاملون في الدنيا، ليصيروا إليه في الآخرة.
وقد ذكروا قصة رجلين كانا شريكين في بني إسرائيل، تدخل في ضمن عموم هذه الآية الكريمة.
قال أبو جعفر بن جرير (^٢٧): حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد، حدثنا عتاب ابن بشير، عن [¬١] خُصيف، عن فرات بن ثعلبة البهْرَاني [¬٢] في قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ قال: إن رجلين كانا شريكين، فاجتمع لهما ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما له حرفة، والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة، ما أراني إلا مفارقك ومقاسمك. فقاسمه وفارقه، ثم إن الرجل اشترى دارًا بألف دينار كانت لملك مات، فدعا صاحبه فأراه فقال: كيف ترى هذه الدار؟ ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها! فلما خرج قال: اللهم؛ إن صاحبي ابتاع هذه الدار بألف دينار، وإني أسألك دارًا من دور الجنة. فتصدق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث. ثم إنه تزوج بامرأة بألف دينار، فدعاه وصَنع له طعامًا، فلما أتاه قال: إني تزوجت امرأة بألف دينار. [قال: ما أحسن هذا! فلما انصرف قال: يارب، إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار] [¬٣]، وإني أسألك امرأة من الحور العين. فتصدق بألف دينار، ثم إنه مكث ما شاء الله أن يمكث. ثم اشترى بستانين [¬٤] بألفي دينار، ثم دعاه فأراه فقال: إني ابتعت هذين البستانين. فقال: ما أحسن هذا! فلما خرج قال: يارب؛ إن صاحبي قد اشترى بستانين بألفي دينار، وأنا أسألك بستانين في الجنة. فتصدق بألفي دينار، ثم إن الملَك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق، فأدخله دارًا تعجبه، وإذا امرأة تَطَّلعُ يضيء ما تحتها من حسنها، ثم أدخله بستانين وشيئًا الله به عليم، فقال عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا قال: فإنه ذاك ولك هذا المنزل
_________________
(١) - التفسير (٢٣/ ٦٢).
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٥٩) وفي إسناده انقطاع بن خُصَيف وفرات، فقد ترجم ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٧/ ٧٩) لفرات فقال: ابن ثعلية البهراني شامي، روى عن النبي ﷺ أدخله أبي في مسند الوحدان، وأدخله أبو زرعة في مسند الشاميين، ولم يذكر فيما هوى عن النبي ﷺ لقيًا ولا سماعًا روى عن أبي عامر، روى عنه سليم بن عامر، وضمرة والمهاصر بن حبيب. وروى عبد الكريم الجزري وحضيف عنه مرسلًا. وانظر أيضًا التاريخ الكبير لأبي عبد الله البخاري (٧/ ١٢٨، ١٢٩) وهذا الخبر ذكره السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٩) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور. [¬١]- في خ: "بن". [¬٢]- في خ، ز: "البصرائي". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٤]- في ز: "بساتين".
[ ١٢ / ٢٢ ]
والبستانان [¬١] والمرأة. قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصَّدِّقين؟ قيل له: فإنه في الجحيم. قال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم. فقال عند ذلك: ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ الآيات.
قال ابن جرير: وهذا يقوي قراءة من قرأ: ﴿أئنك لمن المصّدّقين﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٢٨): حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عُمَر بن عبد الرحمن الأبَّار- أنا أبو حفص؛ قال: سألتُ إسماعيلَ السدّي عن هذه الآية: ﴿قال قائل منهم إني كان لي قرين * يقول: أئنك لمن المصدقين﴾؟ قال: فقال لي: ما ذَكَّرك هذا؟ قلت: قرأته آنفًا فأحببت أن أسألك عنه؟ فقال: أمَّا فاحفظْ: كان شريكان في بني إسرائيل، أحدهما مؤمن والآخر كافر، فافترقا على ستة آلاف دينار، كل واحد منهما ثلاثة آلاف دينار، فمكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضَرَبْتَ به شيئًا؟ أتجرتَ به في شيء؟ فقال له المؤمن: لا، فما صنعت أنت؟ فقال: اشتريت به أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا. قال: فقال له المؤمن: أوَ فعلت؟ قال: نعم. قال: فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللَّهم؛ إن [¬٢] فلانًا -يعني شريكه الكافر- اشترى أرضًا ونخلًا وثمارًا وأنهارًا بألف دينار، ثم يموت غدًا ويتركها، اللهم؛ إني اشتريت منك بهذه الألف دينار أرضًا ونخلًا وثمارًا [¬٣] وأنهارًا في الجنة. قال: ثم أصبح فقسمها في المساكين. قال: ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت [¬٤] في شيء؟ أتجرت به في شيء؟ قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: كانت ضيعتي قد اشتد عليّ مؤنتها، فاشتريت رقيقًا بألف دينار، يقومون بي فيها، ويعملون لي فيها. فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. قال: فرجع المؤمن [حتى إذا] [¬٥] كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلي، فلما انصرف أخذ ألف دينار فوضعها بين يديه، ثم قال: اللهم؛ إن فلانًا -يعني: شريكه الكافر- اشترى رقيقًا من رقيق الدنيا بألف دينار، يموت غدًا ويتركهم، أو يموتون فيتركونه، اللَّهم؛ وإني أشتري منك بهذه الألف الدينار رقيقًا في الجنة. ثم أصبح فقسمها في المساكين.
_________________
(١) - ولم يعزه السيوطي في الدر المنثور (٥/ ٥١٩) لغير أبي حاتم ورجاله ثقات غير أبي حفص هذا فلم أعرفه، وأخشى أن تكون كلمة أنا أبو حفص مقحمة، فإني لم أجد في الرواة عن السدي من يكنى بذلك، وكنية عمرو بن عبد الرحمن الأبار أبو حفص، فيحتمل أن يكون أنا بين عمرو وأبي حفص مقحمة، والذي جعلني لم أجزم بذلك أنهم لم يذكروا رواية لـ عمر بن عبد الرحمن عن إسماعيل السدي، فالله أعلم. [¬١]- في ز: "البستانين". [¬٢]- سقط من: ز. [¬٣]- سقط من: ز. [¬٤]- في ز: "ضربت". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في خ: "فلما".
[ ١٢ / ٢٣ ]
قال: ثم مكثا ما شاء الله أن يمكثا، ثم التقيا فقال الكافر للمؤمن: ما صنعت في مالك؟ أضربت به في شيء؟. أتجرت به في شيء؟. قال: لا، فما صنعت أنت؟ قال: أمري كله قد تم إلا شيئًا واحدًا، فلانة قد مات عنها زوجها، فأصدقتها ألف دينار، فجاءتني بها ومثلها معها. فقال له المؤمن: أو فعلت؟ قال: نعم. فرجع المؤمن حتى إذا كان الليل صلى ما شاء الله أن يصلى، فلما انصرف أخذ الألف الدينار الباقية فوضعها بين يديه، وقال: اللَّهم؛ إن فلانًا -يعني شريكه الكافر- تزوج زوجة من أزواج الدنيا فيموت غدًا فيتركها، أو تموت غدًا فتتركه، اللهم؛ [إني] [¬١] أخطب إليك بهذه الألف الدينار حَورَاء عيناء في الجنة. ثم أصبح فقسمها بين المساكين. قال: فبقى المؤمن ليس عنده شيء.
قال: فلبس قميصًا من قطن، وكساء من صوف، ثم أخذ مَرًّا فجعله على رقبته، يعمل الشيء ويحفر الشيء بقوته. قال: فجاءه رجل فقال: يا عبد اللَّه؛ أتؤاجرني نفسك مشاهرة، شهرًا بشهر، تقوم على دواب لي تعلفها وتكنس سَرقِينها؟ قال: نعم. قال: فآجره نفسه مشاهرة، شهرًا بشهر، يقوم على دوابه. قال: فكان صاحب الدواب يغدو كل يوم ينظر إلى دوابه، فإذا رأى منها دابة ضامرة، أخذ برأسه فوجأ عنقه، ثم يقول له: سرقت شعير هذه البارحة؟ فلما رأى المؤمن هذه الشدة قال: لآتين شريكي الكافر، فَلأعملن في أرضه فيطعمني هذه الكسرة يومًا بيوم، ويكسوني هذين الثوبين إذا بليا.
قال: فانطلق يريده فلما انتهى إلى بابه وهو مُمْس، فإذا قصر مَشيد في السماء، وإذا حوله البوابون، فقال لهم: استأذنوا لي على صاحب هذا القصر، فإنكم إذا فعلتم سَرّه ذلك. فقالوا له: انطلق إن كنت صادقًا فنَم في ناحية، فإذا أصبحت فَتَعَرّضْ له. قال: فانطلق المؤمن، فألقى نصف كسائه تحته، ونصفه فوقه، ثم نام.
فلما أصبح أتى شريكه فتعرّض له، فخرج [¬٢] شريكه الكافر وهو راكب، فلما رآه عَرَفه فوقف عليه وسلم علية وصافحه، ثم قال له: ألم تأخذ من المال مثل ما أخذت؟! قال: بلى، وهذه حالي وهذه حالك. قال: أخبرني ما صنعت في مالك؟! قال: لا تسألني عنه. قال: فما جاء بك؟ قال: جئت أعمل في أرضك هذه، فتطعمني هذه الكسرة [يومًا بيوم] [¬٣]، وتكسوني هذين الثوبين إذا بليا. قال: لا، ولكن أصنع بك ما هو خير من هذا، ولكن لا ترى مني خيرًا حتى تخبرني ما صنعت في مالك؟! [قال: أقرضته] [¬٤] قال: من؟ قال: الملَيءَ الوفي. قال: من؟ قال: اللَّه ربي. قال وهو مصافحه، فانتزع يده من يده، ثم [¬٥] قال: ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ -
_________________
(١) [¬١]- سقط من: ز. [¬٢]- في خ: "فلما خرج". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٥]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ٢٤ ]
قال السدي: محاسبون- قال: فانطلق الكافر وتركه. قال: فلما رآه المؤمن ليس يلوي عليه، رجع وتركه، يعيش المؤمن في شدة من الزمان، ويعيش الكافر في رخاء من الزمان. قال: فإذا كان يوم القيامة وأدخل الله المؤمن الجنة يمر فإذا هو بأرض ونخل وثمار وأنهار، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هذا لك. فيقول: يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم [يمر فإذا هو] [¬١] برقيق لا تحصى عدتهم، فيقول: لمن هذا؟ فيقال: هؤلاء لك. فيقول: يا سبحان الله؛ أو بلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال ثم يمر فإذا هو بقبة [من ياقوتة] [¬٢] حمراء مجوفة، فيها حوراء عيناء، فيقول: لمن هذه؟ فيقال: هذه لك. فيقول: يا سبحان الله! أوبلغ من فضل عملي أن أثاب بمثل هذا؟! قال: ثم يذكر المؤمن شريكه الكافر فيقول [¬٣]: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾، قال: فالجنة عالية، والنار هاوية، قال: فيريه الله شريكه في وسط الجحيم، من [¬٤] بين أهل النار، فإذا رآه المؤمن عرفه، فيقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾: بمثل ما منّ عليه. قال: فيتذكر المؤمن ما مَرّ [¬٥] عليه في الدنيا من الشدة، فلا يذكر مما [¬٦] مر عليه في الدنيا [من الشدة] [¬٧]، أشد عليه من الموت.
﴿أَذَلِكَ خَيرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾
يقول الله تعالى: أهذا [¬٨] الذي ذكره من نعيم الجنة وما فيها من مآكل ومشارب ومناكح وغير ذلك من الملاذ- خيرٌ ضيافةً وعطاءً ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؟ أي: التي في جهنم.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز: "يقول". [¬٤]- سقط من: ز. [¬٥]- في ز: "مُنَّ". [¬٦]- في ز: "ما". [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٨]- في ز: "هذا".
[ ١٢ / ٢٥ ]
وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك شجرة واحدة معينة، كما قاله [¬١] بعضهم من أنَّها شجرة تمتد فروعها إلى جميع محالّ جهنم، كما أن شجرة طوبى ما من دار في الجنَّة إلا وفيها منها غصن.
وقد يحتمل أن يكون المراد بذلك جنس شجر، يقال له: الزقرم، كقوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَينَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾، يعني: الزيتونة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ قال قَتَادة: ذُكرت شجرة الزقوم، فافتتن بها أهل الضلالة، وقالوا: صاحبكم ينبئكم أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ غُذيت من النار، ومنها خلقت. وقال مجاهد: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾، قال أَبو جهل - لعنه الله -: إنما الزقرم التمر والزبد أتزقمه [¬٢].
قلت: ومعنى الآية: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقرم اختبارًا نختبر [¬٣] به الناسَ، مَن يُصَدق منهم ممن يكذب، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَينَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إلا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي: أصل منبتها في قرار النار، ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ تبشيع وتكريه لذكرها.
قال وَهْب بن منبه: شعور الشياطين قائمة إلى السماء وإنما شبهها برءوس الشياطين وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين؛ لأنه قد استقر في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر.
وقيل: المراد بذلك ضرب من الحيات رءوسها بشعة المنظر وقيل [¬٤]: جنس من النبات، طلعه في غاية الفحاشة.
وفي هذين الاحتمالين نظر، وقد ذكرهما ابن جرير، والأول أقوى وأولى، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾، ذكر تعالى أنهم يأكلون من هذه الشجرة التي لا أبشع منها، ولا أقبح من منظرها، مع ما هي عليه من سوء الطعم والريح والطبع، فإنهم ليضطرون إلى الأكل منها؛ لأنهم لا يجدون إلَّا إياها، وما في معناها، كما قال: ﴿لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾.
_________________
(١) [¬١]- في ز: "قاله". [¬٢]- في ز: "أثر فمه". [¬٣]- في ز: "تخبر". [¬٤]- في ز: "بقل".
[ ١٢ / ٢٦ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٢٩) ﵀: حدَّثنا أبي، حدثنا عمرو بن مرزوق، حدَّثنا شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس ﵄: أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية، وقال [¬١]: "اتقوا الله حق تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم قُطرَت في بحار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟ ".
ورواه التِّرمِذي والنَّسائي وابن ماجة، من حديث شعبة، وقال التِّرمِذي: حسن صحيح.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾، قال ابن عبَّاس: يعني: شرب الحميم على الزقوم.
وقال في رواية عنه: ﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ مزجًا من حميم.
و[¬٢] قال غيره: يعني: يمزج لهم الحميم بصديد وغساق مما يسيل من فروجهم وعيونهم.
_________________
(١) - ورواه ابن أبي حاتم في تفسيره أيضًا (٢ / رقم / ١٠٩٨ / دار طيبة) ثنا أَبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا عثمان بن عمر، ثنا شعبة به. ورواه أحمد في المسند (١/ ٣٠٠، ٣٣٨) والتِّرمِذي في الجامع كتاب صفة جهنم (٢٥٨٥) والنسائي في: التفسير من الكبرى (٦/ ١١٠٧٠) وابن ماجة، كتاب الزهد (٤٣٢٥) والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ١٠٦٨١) وفي المعجم الصغير (٢/ ٥١) وغيرهم من طرق عن شعبة به، وقال التِّرمِذي: حديث حسن صحيح ونقل السيوطي في الدر المنثور (٢/ ١٠٦) تصحيح أحمد له وصححه أَبو حاتم ابن حبان (١٦/ ٧٤٧٠ / إحسان) وأَبو الأشبال أحمد شاكر في حاشيته على السند (٤ / رقم ٢٧٣٥) والحاكم (٢/ ٢٩٤، ٤٥١) على شرط الشيخين ووافقه الذهبي مع أنهما لم يخرجا شيئًا من رواية الأعمَش عن مجاهد، عن ابن عبَّاس. وقال الطبراني: لم يروه عن الأعمَش إلَّا شعبة، وهو ثقة حافظ متقن؛ غير أن الأعمَش مدلس وقد عنعن، لكن صح عن شعبة أنَّه قال: كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمَش وأبي إسحاق، وقَتَادة. وقال الحافظ ابن حجر ﵀ في مراتب المدلسين [ص ١٠٤] وهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنَّها إذا جاءت من طريق شعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة، غير أن أبا عبيدة الآجري روى عن أبي داود السجستاني قال: عند شعبة عن الأعمَش نحو من خمس مئة، وشعبة قد أخطأ على الأعمَش في أكثر من عشرة أحاديث … وكان شعبة يصحب الأعمَش وهو شاب - التهذيب، هذا مع قول أبي حاتم الرازي كما في العلل لابنه (٢ / رقم ٢١١٩): أن الأعمَش قليل السماع من مجاهد، وعامة ما يروي عن مجاهد مدلس يجعل في القلب شيئًا من تصحيح هذا الحديث، لا سيما وأن هذا الحديث قد رواه أحمد (١/ ٣٣٨) من طريق فضيل بن عياض، وابن أبي شيبة في المصنف (٨/ ٩٦) وأسد بن موسى في الزهد (رقم ٣٦) والبيهقي في البعث والنشور (رقم ٥٤٤) من طريق يحيى بن عيسى الرملي، كلاهما (فضيل ويحيى) عن الأعمَش عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عبَّاس به موقوفًا دون ذكر الآية. وأَبو يحيى هو القنات لين الحديث كما في التقريب - فمن المحتمل أن يكون هذا الوجه هو الصواب في هذا الخبر، وأن الأعمَش دلس في هذا الحديث، وشعبة سمعه منه تدليسه، فحدث به، فعُدَّ من أخطائه على الأعمش التي أشار لها أَبو داود. والعلم عند الله تعالى. وقد وجدت أبا عبد الرحمن الألباني وضع = [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ٢٧ ]
وقال ابن أبي حاتم (^٣٠): حدَّثنا أبي، حدَّثنا حيوة بن شريح الحضرمي، حدَّثنا بقية بن الوليد، عن صفوان بن عمرو، أخبرني عبيد الله بن بشر [¬١]، عن أبي أمامة الباهلي ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه كان يقول: "يقرب -يعني: إلى أهل النار- ماء فيتكرهه [¬٢] فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى تخرج من دبره".
وقال ابن أبي حاتم (^٣١): حدَّثنا أبي، حدَّثنا عمرو بن رافع، حدَّثنا يعقوب بن عبد الله، عن جعفر، وهارون بن عنترة، عن سعيد بن جبير قال: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزقوم، فأكلوا منها فاختلست جلود وجوههم، فلو أن مارًّا يمر بهم يعرفهم لعرف وجوههم فيها، ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل -وهو الذي قد انتهى حره-
_________________
(١) = هذا الحديث في ضعيف التِّرمِذي وابن ماجة (٤٨١، ٩٤٤) ونأمل أن نقف على كلامه في علة تضعيفه والله الموفق.
(٢) - ضعيف: وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ١٣٠) وقد رواه ابن جرير في تفسيره (١٦/ ٢٠٦٣٣ / شاكر) حدثني محمد بن خلف العسقلاني، ثنا حيوة بن شريح به. ورواه عبد الله بن المبارك في مسنده (رقم ١٢٩) وفي "الزهد" (رقم ٣١٤ / زوائد نعيم بن حمَّاد) نا صفوان بن عمرو به، غير أن الرواة عن ابن المبارك اختلفوا في تسمية شيخ صفوان فقال بعضهم: "عبد الله بن بسر" وقال بعضهم: "عبيد الله بن بسر" رواه من هذه الطرق أحمد في "المسند" (٥/ ٢٦٥) وفي كتاب "الزهد" (ص ٢٧) ومن طريق المسند نقله المصنف في تفسير (سورة إبراهيم الآية ١٦) - والتِّرمِذي، كتاب: صفة جهنم (٢٥٨٣) والنَّسائي في التفسير من "الكبرى" (٦/ ١١٢٦٣)، وابن أبي الدنيا في "صفة النار" (رقم ٧٣) وابن جرير (١٦/ ٢٠٦٣١، ٢٠٦٣٢) والطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ٧٤٦٠) - وعنه وعن غيره أَبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١٨٢) - والحاكم (٢/ ٥١٣) - وعنه البيهقي في "البعث والنشور" (رقم ٥٤٩) - والبغوي في "شرح السنة" (١٥/ ٤٤٠٥) وقال الترمذي: "هذا حديث غريب، وهكذا قال محمد بن إسماعيل - البخاري - عن عبيد الله بن بُسر، ولا نعرف عبيد الله بن بُسر إلَّا في هذا الحديث وقد روى صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بُسر صاحب النبي ﷺ غير هذا الحديث. . وعبيد الله بن بُسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو هذا الحديث رجلُ آخر ليس بصاحبي. وقال أَبو نعيم: "تفرد به صفوان عن عبد الله بن بسر، وقيل: عبيد الله بن بسر -وهو محرف هناك فليصحح- وهو اليحصبي الحمصي يكنى أبا سعيد، ورواة بقية بن الوليد، عن صفوان مثله. وروى صفوان عن عبد الله بن بسر المازني، وله صحبة، وعن عبيد الله بن بسر، ولذلك اشتبه على بعض الناس وهذا هو عبيد الله بن بسر وهو مجهول كما قال الذهبي في "الميزان" وابن حجر ﵀ في "التقريب" غير أن الذهبي رجح أن يكون هو "عبد الله بن بسر الجراني التابعي" - وهذا "ضعيف" أيضًا كما في "التقريب" - ومع هذا فقد أقر الحاكم في تصحيحه لهذا الحديث على شرط مسلم!! والحديث زاد نسبته السيوطي إلى أبي يعلى وابن المنذر وابن مردويه.
(٣) - إسناده حسن إلى سعيد بن جبير. وجعفر هو ابن أبي وحشية. [¬١]- في خ، ز: "بشير". [¬٢]- في ز: "فتتكرهه".
[ ١٢ / ٢٨ ]
فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حَرّه لحومُ وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، ويصهر ما في بطونهم، فيمشون تسيل [¬١] أمعاؤهم وتسَّاقط [¬٢] جلودهم، ثم يضربون بمقامع من حديد، فيسقط كل عضو على حياله، يدعون بالثبور.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ أي: ثم إن مَرَدَّهم بعد هذا الفصل لإِلى نار تتأجج، وجحيم تتوقد، وسعير تتوهج، فتارة في هذا وتارة في هذا، كما قال تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ هكذا تلا قَتَادة هذه الآية، عند هذه الآية وهو تفسير حسن قوى، وقال السدي في قراءة عبد الله: "ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم" وكان عبد الله يقول: والذي نفسي بيده لا ينتصف نهار [¬٣] يوم القيامة حتَّى يقيلَ أهل الجنَّة في الجنَّة، وأهل النار في النار، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾.
وروى الثَّوري (^٣٢)، عن ميسرة، عن المنهاج بن عمرو، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتَّى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء. قال سفيان: أراه، ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم.
قلت: على هذا التفسير تكون "ثم" عاطفة [لخبر على خبر] [¬٤].
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ أي: إنما جازيناهم بذلك لأنهم وجدوا آباءهم على الضلالة فاتبعوهم فيها بمجرد ذلك، من غير دليل ولا برهان؟ ولهذا قال: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾، قال مجاهد [¬٥]: شبيهة بالهرولة. وقال سعيد بن جبير: يَسْفَهُون.
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾
_________________
(١) - رواه ابن أبي حاتم -كما في "الدر المنثور" (٥/ ١٢٢، ٥٢٣) - ومن طريقه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٠٢) - ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان الثَّوري به. وقال الحاكم: "حديث صحيح على شرط مسلم" ووافقه الذهبي!! ورجاله ثقات غير أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه إلَّا أحرفًا يسيرة. ومسلم لم يرو بهذا الإسناد شيئًا. وزاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن المبارك في "الزهد" وروى ابن جرير (٥/ ١٩) بإسناد صحيح إلى إبراهيم بن يزيد النخعي في قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ قال: كانوا يرون أنَّه يرون أنه فرغ من حساب الناس - يوم القيامة من نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنَّة، وهؤلاء في النار وقد صحح جماعة من الأئمة مراسيل إبراهيم النخعي انظر ترجمته في "التهذيب". [¬١]- سقط من: خ، ز. [¬٢]- في ت: "تتساقط". [¬٣]- في ت: "النهار". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "بخير على خير". [¬٥]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٢٩ ]
يخبر تعالى عن الأمم الماضية [¬١] أن أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهة أخرى، وذكر تعالى أنَّه أرسل فيهم منذرين، ينذرون بأس [¬٢] الله، ويحذرونهم سطوته ونقمته، ممن كفر به وعبد غيره، وأنهم تمادوا على مُخَالفَةُ رسلهم وتكذيبهم، فأهلك المكذبين ودَمَّرهم، ونجى المؤمنين ونصرهم وظفَّرهم؛ ولهذا قال: ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)
لما ذكر تعالى عن أكثر الأولين أنهم ضلوا عن سبيل النجاة شرع يبين ذلك مفصلًا، فذكر نوحًا ﵇ وما لقي من قومه من التكذيب، وأنه لم يؤمن منهم إلَّا القليل مع طول المدة، لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلما طال عليه ذلك واشتد عليه تكذيبهم، وكلما دعاهم ازدادوا نَفْرَة، فدعا ربه أني مغلوب فانتصر، فغضب الله لغضبه عليهم؛ ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ أي: فلنعم المجيبون له، ﴿وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾، وهو التكذيب والأذى، ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عبَّاس (^٣٣) يقول: لم تبق إلَّا ذرية نوح ﵇ وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قَتَادة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: الناس كلهم من ذرية نوح.
وقد روى التِّرمِذي (*)، وابن جرير، وابن أبي حاتم (^٣٤)، من حديث سعيد بن بشير، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سمُرَة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: "سام، وحام، ويافث".
وقال الإِمام أحمد (^٣٥): حدَّثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قَتَادة، عن الحسن، عن سمُرة: أن نَبي الله ﷺ قال: "سام أَبو العرب، وحام أَبو الحبش، ويافث أَبو
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٦٨) وفي سنده انقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عبَّاس. (*) لم يروه الترمذي من طريق سعيد بن بشير [انظر التخريج].
(٢) - انظر الآتي.
(٣) - إسناده ضعيف. "المسند" (٥/ ٩) وفي هذا الموضع "وحدثنا حُسين، ثنا شيبان" ورواه أيضًا = [¬١]- في ز: "الماضين". [¬٢]- في خ: "بأمر".
[ ١٢ / ٣٠ ]
الروم".
ورواه التِّرمِذي عن بشر بن معاذ العَقَدي، عن يزيد بن زُرَيع، عن سعيد - وهو ابن أبي عروبة [¬١]-[عن قَتَادة به] [¬٢].
[قال الحافظ أَبو عمر بن عبد، البر: وقد روي عن عمران [¬٣] بن حصين، عن النبي ﷺ مثله (^٣٦).
والمراد بالروم ها هنا: هم الروم الأُوَل، وهم اليونان المنتسبون إلى رومي بن ليطي بن يونان بن يافث بن نوح ﵇.
ثم روى من حديث إسماعيل بن عياش (^٣٧)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، وولد كل واحد من هذه الثلاثة ثلاثة، فولد سامُ العربَ وفارسَ والروم، وولد يافثُ التركَ والصقالبةَ ويأجوج ومأجوج، وولد حامُ القبطَ
_________________
(١) = (٥/ ١٠) ثنا روح من كتابه قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة ومن طريق سعيد رواه أيضًا التِّرمِذي (٣٢٣١، ٣٩٣١) وابن سعد في "الطبقات" (١/ ٣٦) والطبراني في "المعجم الكبير" (٧/ ٦٨٧٢) ورواه الخطيب البغدادي في "المتفق والمفترق" (٢ / رقم ٥٠٠) من طريق شعبة، ثلاثتهم (شيبان وسعيد وشعبة) عن قتادة به وقال التِّرمِذي: "حسن غريب" وإسناده رجاله ثقات رجال الشيخين غير أن الحسن مدلس وعنعنه، وأما عنعنة قَتَادة فقد كفانا "شعبة" مؤونتها، ثم إن ابن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة، وقد رواه سعيد بن بشير عن قتادة به؛ غير أنَّه ذكره بلفظ (عن النبي ﷺ في قوله ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ قال: "سام وحام ويافث") رواه من هذا الوجه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٤٣) وفي "التاريخ" (١/ ١٩٢، ٢٠٩) والروياني في مسنده (٢ / رقم ٧٩٣) وأَبو نعيم في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٥٦) ورواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٩١٩) والطبراني (٧/ ٦٨٧٢، ٦٨٧٣) من طريق سعيد بن بشير وخليد بن دعلج بلفظ: "ولد نوح سام ويافث وحام" وسعيد بن بشير وخليد ضعيفان، فالمعتمد عن قَتَادة رواية شعبة وغيره منه، وللحديث طريق آخر عن سمرة رواه الطبراني (٧/ ٧٠٣٣) لكن إسناده ضعيف، والحديث زاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (/ ٥٢٤) إلى أبي يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٢) - كسابقه، رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٨ / رقم ٣٠٩) من طريق عبد الأعلى، ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن الحسن، عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب أن النبي ﷺ قال: … الحديث، ورواه الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٤٦) من طريق عبد الأعلى به، غير أنَّه جعله "عن الحسن، عن عمران، عن سمرة، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٩٨): "رجاله موثقون" وهذا أشبه، انظر السابق.
(٣) - رواه ابن جرير في "التاريخ" (١/ ٢١٠) وابن عياش ضعيف في غير أهل بلده، وهذه منها، غير = [¬١]- في خ، ز: "البر". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٣]- في ز: "عمر".
[ ١٢ / ٣١ ]
والسودان والبربر. ورُوي عن وَهْب بن منبه نحو هذا، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ قال ابن عبَّاس: يذكر بخير وقال مجاهد: يعني لسان صدق للأنبياء كلهم.
وقال حمَّادة والسدى: [أبقى الله عليه الثناء الحسن في الآخرين.
قال الضحاك: السلام والثناء الحسن.
وقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالمِينَ﴾، مفسر لما] [¬١] أبقى عليه من الذكر الجميل والثناء الحسن: أنَّه يسلم عليه في جميع الطوائف والأمم.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نجزي من أحسن من العباد في طاعة الله، نجعل له لسانَ صدق يذكر به بعده بحسب مرتبته في ذلك.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: المصدقين الموحدين الموقنين، ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم، فلم تبْقَ منهم عين تطرف، ولا ذكر لهم ولا عين ولا أثر، ولا يعرفون إلا بهذه الصفة القبيحة.
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٨٧)﴾
_________________
(١) = أنَّه توبع، تابعه معاوية بن صالح - وهو صدوق له أوهام عن يحيى به، رواه من هذا الوجه ابن سعد في "الطبقات" (١/ ٣٦) والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٦٣) هكذا من قول سعيد بن المسيب وأسنده بعض الضعفاء، كما في "كشف الأستار" (١ / رقم ٢١٨) وكذا "مختصر الزوائد" لابن حجر ﵀ (١ / رقم ١٣٤)، ورواه ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١٠٧) وابن عدي في "الكامل" (٧/ ٢٧٢٥)، والدارقطني في "الأفراد" (؟؟). كما في حاشية "العلل" له (٧ / س ١٣٥٤) من طريق محمد بن - يزيد بن سنان به، وقال الدارقطني: "تفرد به محمد بن - يزيد بن سنان، عن أبيه، عنه" يحيى بن سعيد ومحمد بن يزيد ليس بالقوي، وأَبوه ضعيف. ورواه سيمان بن أرقم - وهو ضعيف أيضًا - عن الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب به، استنكره من هذا الوجه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ١١٠) لابن أرقم، وضعف ابن حجر ﵀ في "الفتح" (١٣/ ١٠٧) سند حديث أبي هريرة بالكلية، فالخبر إذن صوابه أنَّه من قول سعيد بن المسيب وانظر "الدر المنثور" (/ ٥٢٤، ٥٢٥) وبالله التوفيق. [¬١]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٣٢ ]
قال علي بن أبي طلحة (^٣٨) عن ابن عبَّاس: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ يقول: من أهل دينه وقال مجاهد: على منهاجه وسنته.
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، قال ابن عبَّاس: يعني [¬١] شهادة أن لا إله إلَّا الله.
وقال ابن أبي حاتم (^٣٩): حدَّثنا أَبو سعيد الأشج، حدَّثنا أَبو أسامة، عن عوف: قلت لمحمد بن سيرين: ما القلب السليم؟ قال: يعلم أن الله حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وقال الحسن: سليم من الشرك. وقال عروة لا يكون لعانًا.
وقوله: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أنكر عليهم عبادة الأصنام والأنداد؛ ولهذا قال: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ﴾، قال قَتَادة: ما ظنكم به أنَّه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟!
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦) قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾
إنما قال إبراهيم ﵊ لقومه ذلك، ليقيم في البلد إذا ذهبوا إلى عيدهم، فإنه كان قد أزفَ خروجُهم إلى عيد لهم، فأحب أن يختلي بآلهتهم ليكسرها، فقال لهم كلامًا هو حق في نفس الأمر، فَهِمُوا منه أنَّه سقيم على مقتضى ما يعتقدونه، ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾، قال كعادة: والعرب تقول لمن تفكر: نظر في النجوم. يعني قَتَادة أنَّه نظر في السماء متفكرًا فيما يلهيهم به، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف.
_________________
(١) - فيه انقطاع بين علي بن أبي طلحة وابن عبَّاس. والخبر رواه ابن جرير (٢٣/ ٦٩) وابن أبي حاتم - كما في "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٥).
(٢) - إسناده صحيح إلى محمد بن سيرين، وعوف بن أبي جميلة الأعرابي. [¬١]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٣٣ ]
فأما الحديث الذي رواه ابن جرير هاهنا (^٤٠) حدَّثنا أَبو كريب، حدَّثنا أَبو أسامة، حدثني هشام، عن محمد، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لم يكذب إبراهيم ﵊ غير ثلاث كذباب: ثنتين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله في سارة: هي أختي".
فهو حديث مخرج في الصحاح والسنن من طرق، ولكن ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يذم فاعله -حاشا وكلا ولما [¬١]- وإنَّما أطلق الكذب على هذا تجوزًا، وإنَّما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث (^٤١): " إن [في] [¬٢] المعاريض لمندوحة عن الكذب".
وقال ابن أبي حاتم (^٤٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا ابن أبي عمر، حدَّثنا سفيان، عن علي بن زيد بن جدْعان، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال: "ما منها كلمة إلَّا ما حَلّ بها عن دين الله تعالى، ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقال للملك حين أراد المرأة: هي أختي".
قال سفيان في قوله: ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني: طعين. وكانوا يفرون من المطعون، فأراد أن يخلو بآلهتهم. وكذا قال العوفي، عن ابن عبَّاس: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾، فقالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج. فقال: إني مطعون، فتركوه مخافة الطاعون.
وقال قَتَادة عن سعيد بن المسيب: رأى نجمًا طلع فقال: ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾ كابد [¬٣] نبي الله عن دينها ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
_________________
(١) - صحيح، تفسير ابن جرير (٢٣/ ٧١) ورواه البزار -كما في "قصص الأنبياء" للمصنف و"الفتح" لابن حجر ﵀ (٦/ ٣٩١) - وأَبو داود، كتاب الطلاق (٢٢١٢) والنَّسائي في "الكبرى" (٥/ ٨٣٧٤)، وأبو يعلى (١٠/ ٩، ٦٠٣) - ومن طريقه ابن عساكر (٢/ ٣٢١ / مخطوط) - وابن حبان (١٣/ ٥٧٣٧) من طريق هشام بن حسان به، ورواه البخاري، كتاب البيوع (٢٢١٧) - وانظر أطرافه ثمة - ومسلم في الفضائل (٢٣٧١) وغيرهم عن أبي هريرة به.
(٢) - بوب به البخاري باب رقم (١١٦) من كتاب "الأدب" داخل صحيحه، دون أن ينسبه لأحد، وقد رُوِيَ مرفوعًا إلى النبي ﷺ من حديث عمران بن حصين وعلي بن أبي طالب، ولا يصح، وقد صح موقوفًا على عمران وعمر بن الخطاب، انظر "فتح الباري" للحافظ ابن حجر ﵀ (١٠/ ٥٩٤) و"الضعيفة" لأبي عبد الرحمن الألباني (٣/ ١٠٩٤).
(٣) - إسناده ضعيف. ورواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٣٢٠ / مخطوط) من طريق الحسين بن إسماعيل نا أَبو حاتم الرازي نا عثمان بن مطيع بن إبراهيم نا سفيان به، ورواه التِّرمِذي، كتاب: = [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٣]- في خ: "دايد".
[ ١٢ / ٣٤ ]
وقال آخرون: ﴿فَقَال إِنِّي سَقِيمٌ﴾ بالنسبة إلى ما يستقبل، يعني مرض الموت.
وقيل: أراد ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مريض القلب من عبادتكم الأوثان من دون الله ﷿.
وقال الحسن البصري: خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم، فأرادوه على الخروج، فاضطجع على ظهره وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وجعل ينظر في السماء، فلما خرجوا أقبل إلى آلهتهم فكسرها. رواه ابن أبي حاتم (^٤٣).
ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي: إلى عيدهم، ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: ذهب إليها بعد أن خرجوا، في سرعة واختفاء، ﴿فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، وذلك أنهم كانوا قد وضعوا بين أيديها طعامًا قربانًا لتُبَرّك لهم فيه.
قال السدي: دخل إبراهيم ﵇ إلى بيت الآلهة، فإذا هم في بهو عظيم، وإذا مستقبل باب البهو صنم عظيم، إلى جنبه أصغر منه، بعضها إلى جنب بعض، كل صنم يليه أصغر منه، حتَّى بلغوا باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعامًا وضعوه بين أيدي الآلهة، وقالوا: إذا كان حين نرجع وقد بَرّكَت الآلهة في طعامنَا أكلنا، فلما نظر إبراهيم ﵇ إلى ما بين أيديهم من الطعام قال: ﴿فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾؟.
وقوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ قال الفراء: معناه مال عليهم ضربًا باليمين. وقال قتادة والجوهرى: فأقبل عليهم ضربًا باليمين.
وإنَّما ضربهم باليمين لأنها أشد وأنكى؛ ولهذا تركهم جذاذًا إلَّا كبيرًا لهم لعلهم إليه يرجعون، كما تقدم في "سورة الأنبياء" تفسير ذلك.
وقوله هاهنا: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ﴾ قال مجاهد: وغير واحد أي: يسرعون، وهذه القصة هاهنا مختصرة، وفي "سورة الأنبياء" مبسوطة، فإنهم لما رجعوا ما عرفوا من أول وهلة من فعل ذلك حتَّى كشفوا واستعلموا، فعرفوا أن إبراهيم ﵇ هو الذي فعل ذلك. فلما جاءوا ليعاتبوه أخذ في تأنيبهم وعَيْبهم، فقال: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾؟! أي: أتعبدون [¬١] من دون الله من الأصنام ما أنتم تنحتونها وتجعلونها بأيديكم؟! ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، يحتمل أن تكون "ما" مصدرية، فيكون تقدير الكلام: [والله خلقكم وعَملكم. ويحتمل أن تكون بمعنى "الذي"، تقديره] [¬٢]: والله خلقكم والذي
_________________
(١) = تفسير القرآن (٣١٤٨)، وأَبو يعلى في مسنده (٢/ ١٠٤٠) - ومن طريق ابن عساكر أيضًا عن سفيان به مطولًا ومختصرًا وصححه الترمذي!! مع أن ابن جدعان ضعفه الجمهور لكن يشهد له حديث أبي هريرة السابق.
(٢) - وعزاه له السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٦) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر. [¬١]- في ز، خ: "تعبدون". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٣٥ ]
تعملونه. وكلا القولين متلازم، والأول أظهر؛ لما رواه البخاري في كتاب "أفعال العباد" (^٤٤)، عن علي بن المديني؛ عن مروان [¬١] بن معاوية، عن أبي مالك، عن رِبْعِيّ بن حِرَاش [¬٢]، عن حذيفة مرفوعًا قال [¬٣]: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته". وقرأ بعضهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فعند ذلك لما قامت عليهم الحجة عدلوا إني أخذه باليد والقهر، فقالوا: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾. وكان من أمرهم ما تقدم بيانه في "سورة الأنبياء"، ونجاه الله من النار وأظهره عليهم، وأعلى حجته ونصرها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾.
﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ
_________________
(١) - صحيح، رقم (١١٧) ومن طريق البخاري رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٢/ ٣٠، ٣١) ورواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٣١) - وعنه البيهقي في "الأسماء والصفات" (٢ / رقم ٨٢٥) - وفي "شعب الإيمان" (١ / رقم ١٩٠) من طريق علي بن المديني به. دون ذكر الآية ورواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٣٥٨) والبزار في مسنده (٧/ ٢٨٣٧ / البحر الزخار) ونقله ابن حجر ﵀ في "مختصر زوائد البزار" (٢/ ١٦٠٣) وابن منده في "التوحيد" (١/ ١١٥) - واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٣/ ٩٤٣) والبيهقي في "الأسماء والصفات" (١ / رقم ٣٧) وفي "الاعتقاد" (٣٧٧) من طرق عن مروان بن معاوية به. وصحح إسناده ابن حجر ﵀ غير أن البزار أعله فقال: "هذا الكلام لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلَّا من هذا الوجه بهذا الإسناد، ورواه غير مروان موقوفًا كذا قال: وتابع مروان على رفعه.
(٢) الفضيل بن سليمان عن أبي مالك به، رواه من هذا الوجه ابن أبي عاصم (١/ ٥٧٣) وابن عدي في "الكامل" (٦/ ٢٠٤٦) والحاكم (١/ ٣١، ٣٢) وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي وأقرهما أَبو عبد الرحمن الألباني في "الصحيحة" (١/ ١٦٣٧) وهو كما قالوا فقد روى مسلم حديث رقم (٥٢) (١٠٠٥) بهذا الإسناد وأغرب ابن عدي فقال: "لا أعلم يرويه عن أبي مالك غير فصيل بهذا الإسناد!!
(٣) وتابعهما أَبو خالد الأحمر سليمان بن حيان ويسين الزيات ويحيى بن زكريا - مفرقًا - عن أبي مالك به. رواه من هذه الوجوه "المحاملي" في "أماليه" (٣٢٥) واللالكائي (٩٤٢) وأَبو بكر القطيعي في "جزء الألف دينار" (٢١٧) وأَبو نعيم في "أخبار أصبهان" (١/ ٢٢٠) - وقد رواه البخاري (١١٨، ١١٩) من طريق (أبي معاوية ووكيع) عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة موقوفًا به وهذه لا تقدح في صحة الرواية الموصولة؛ لأن ربعي بن حراش ثقة فاضل وأثبت من شفيق بن سلمة. وبالله التوفيق. [¬١]- في خ، ز: "هارون". [¬٢]- في ز: "خِرَاش". [¬٣]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ٣٦ ]
صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن خليله إبراهيم: إنه بعد ما نصره الله على قومه وأيس من إيمانهم بعد ما شاهدوا من الآيات العظيمة، هاجر من بين أظهرهم، وقال: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني: أولادًا مطعين عوَضًا من قومه وعشيرته الذين فارقهم، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾، وهذا الغلام هو إسماعيل ﵇ فإنه أولُ ولد بُشِّرَ به إبراهيم ﵇ وهو أكبر من إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل وُلد ولإِبراهيم ﵇ ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعُمر إبراهيم تسع وتسعون سنة، وعندهم أن الله تعالى أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده، وفي نسخة: بكره، فأقحموا هاهنا كذبًا وبهتانًا "إسحاق"، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنَّما أقحموا "إسحاق" لأنه أَبوهم، وإسماعيل أَبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك وحَرَّفوا "وحيدك"، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإن إسماعيل كان ذهب به وبأمه إلى جنب مكة، وهذا تأويل وتحريف باطل، فإنه لا يقال: "وحيد". إلَّا لمن ليس له غيره، وأيضًا فإن أول ولد [له معزة] [¬١] ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمر بذبحه أبلغ في الابتلاء والاختبار [¬٢]. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحُكي ذلك عن طائفة من السلف، حتَّى نقل عن بعض الصحابة أيضًا، وليس ذلك في كتاب ولا سنة، وما أظن ذلك تُلُقّي إلَّا عن أخبار [¬٣] أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلمًا [من غير] [¬٤] حجة، وهذا كتاب الله شاهد ومرشد إلى أنَّه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام الحليم، وذكر أنَّه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي: يولد له في حياتهما ولد يسمى يعقوب، فيكون
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين في خ: "يعتبره"، وفي ز: "معتبرة". [¬٢]- في ز، خ: "اختبارًا". [¬٣]- في ت: "أحبار". [¬٤]- ما بين المعكوفتين في خ: "بن عمير".
[ ١٢ / ٣٧ ]
من ذريته عقب [¬١] ونسل، وقد قدمنا هناك أنَّه لا يجوز بعد هذا أن يؤمر بذبحه وهو صغير، لأن الله قد وعدها بأنه سيعقب، ويكون له نسل، فكيف يمكن بعد هذا أن يؤمر بذبحه صغيرًا، وإسماعيل وصف هاهنا بالحليم، لأنه مناسب [¬٢] لهذا المقام.
وقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي: كبر وترعرع وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه، وقد كان إبراهيم ﵇ يذهب في كل وقت يتفقد ولده وأم ولده ببلاد "فاران" وينظر في أمرهما، وقد ذكر أنَّه كان يركب على البراق سريعًا إلى هناك، فالله أعلم.
وعن ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء الخراساني، وزيد بن أسلم، وغيرهم: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، بمعنى: شب وارتحل [¬٣] وأطاق ما يفعله أَبوه من السعي والعمل، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، [قال عبيد بن عمير (^٤٥): رؤيا الأنبياء وحي، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾] [¬٤].
وقد قال ابن أبي حاتم (^٤٦): حدَّثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدَّثنا [¬٥] أَبو عبد الملك الكرندي، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن إسرائيل بن يونس، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن
_________________
(١) - أخرجه البخاري، كتاب: الوضوء، باب: التخفيف في الوضوء (١٣٨)، كتاب: الأذان، باب: وضوء الصبيان (٨٥٩) بسنده عن عبيد بن عمير قوله، وقال الحافظ في "الفتح" (١/ ٢٣٩) قوله: "رؤيا الأنبياء وحي" رواه مسلم مرفوعًا وسيأتي في التوحيد - (٧٥١٧) - من رواية شريك عن أَنس "وهو غير موجود في مسلم بهذا اللفظ، ولعل الحافظ أراد معناه فانظر (١٢٥) (٧٣٨) من صحيح مسلم وانظر ما بعده.
(٢) - إسناده ضعيف مرفوعًا، وصح موقوفًا. وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٢٨) - ورواية سماك عن عكرمة مضطربة كما قال ابن المديني وغيره، وراويه عن ابن عيينة (أَبو عبد الملك الكرندي) لم أهتد لترجمته ويحتمل أن يكون أحد الهلكى المجهولين حيث رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٤٦٣) وابن جرير في تفسيره (١٥/ ١٨٧٧٨١ / شاكر) من طريق أبي أحمد الزيبري وابن جرير أيضًا (١٥/ ١٨٧٧٩ / شاكر) من طريق أبي أسامة، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢/ ١٢٣٠٢) من طريق محمد بن يوسف الفريابي، والحاكم (٢/ ٤٣١) من طريق محمد بن جعثم الصنعاني (٤/ ٣٩٦) من طريق قبيصة بن عقبة، خمستهم (أَبو أحمد وأَبو أسامة والفريابي والصنعاني وقبيصة عن سفيان الثَّوري، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس به موقوفًا. وصححه الحاكم في الموضع الأول على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وفي حاشية "المطالب العالية" (٣/ ٢٨٢٤) قال البوصيري: "رواته ثقات"!! وسماك: صدوق، وإنما روى له البخاري تعليقًا، وقد استدرك ذلك الحاكم في الموضع الثاني، واكتفى بتصحيحه على شرط مسلم وأعله الهيثمي في "المجمع" = [¬١]- في ز، خ: "عاقبة". [¬٢]- في ز، خ: "يناسب". [¬٣]- في ز، خ: "ارتجل". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز. [¬٥]- سقط من: ز.
[ ١٢ / ٣٨ ]
عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ: "رؤيا الأنبياء في المنام وحي". ليس هو في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه.
وإنَّما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله وطاعة أبيه ﴿قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي، ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله ﷿. وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: فلما تشهدا وذكرا الله تعالى؛ إبراهيم على الذبح والولد على شهادة الموت، وقيل ﴿أَسْلَمَا﴾ استسلما وانقادا؛ إبراهيم امتثل أمْرَ الله، وإسماعيل طاعة الله وأبيه. قاله مجاهد، وعكرمة، والسدي، وقَتَادة، وابن إسحاق، وغيرهم.
ومعنى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ أي: صرعه على وجههه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه.
قال ابن عبَّاس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: أكبه على وجهه.
وقال الإِمام أحمد (^٤٧): حدَّثنا سُرَيج [¬١] ويونس قالا: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن أبي عاصم الغَنَوَيّ، عن أبي الطفيل، عن ابن عبَّاس أنَّه قال: لما أمر إبراهيم بالمناسك عَرَض له الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتَّى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات، و[¬٢] ثُمَّ تَلَّه للجبين، وعلى إسماعيل قميص أبيض، فقال له: يا أبت؛ إنه [¬٣] ليس
_________________
(١) = (٧/ ١٧٩) بشيخ الطبراني وهو متابع والخبر زاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ٦) إلى ابن المنذر وأبي الشيخ وابن مردويه، وعزاه الحافظ في "المطالب العالية" إلى أحمد بن منيع. وانظر ما قبله.
(٢) - " المسند" (١/ ٢٩٧، ٢٩٨) (رقم ٢٧٠٧ / شاكر) ورواه أبو داود، كتاب: المناسك (١٨٨٥) - ومن طريقه رواه البيهقي في "السنن الكبرى" (٥/ ١٥٤، ١٥٥) وابن جرير (٢٣/ ٨٠) والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠/ ١٠٦٢٨) - ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (٣٤/ ١٠٤٩ / ترجمة أبي عاصم الغنوي) - والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/ ١٧٩) والبيهقي في "الكبرى" و"الشعب" (٣/ ٤٠٧٧) وفي "دلائل النبوة" (٤/ ٣٢٦، ٣٢٧) من طرق عن حمَّاد بن سلمة به مطولًا وذكره الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٦٢): "رواه أحمد والطبراني في "الكبير" ورجاله ثقات" وقال في (٨/ ٢٠٤): "رواه أحمد ورجاله = [¬١]- في ز، خ: "شريح". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١٢ / ٣٩ ]
لي ثوب تكفنني فيه غيره، فاخلعه حتَّى تكفِّنَني [¬١] فيه، فعالجه ليخلعه، فنُوديَ من خلفه: ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، فالتفت إبراهيم فإذا بكبش أبيض أقرن أعين، قال ابن عبَّاس: لقد رأيتنا نبيع ذلك الضرب [¬٢] من الكباش.
وذكر تمام الحديث في "المناسك" بطوله. ثم رواه أحمد (^٤٨) بطوله عن يونس، عن حمَّاد بن سلمة، عن عطاء بن [¬٣] السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس، فذكر نحوه إلَّا أنَّه قال [¬٤]: "إسحاق". فعن ابن عبَّاس في تسمية الذبيح روايتان، والأظهر عنه إسماعيل لما سيأتي بيانه.
وقال محمد بن إسحاق (^٤٩): عن الحسن بن دينار، عن قتادة، عن جعفر بن إياس، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: خرج عليه كبش من الجنَّة قد رعى قبل ذلك أربعين خريفًا، فأرسل إبراهيم ابنه واتبع الكبش، فأخرجه إلى الجمرة الأولى، فرماه بسبع حصيات فأفلَتَه عندها، فجاء الجمرة الوسطى فأخرجه عندها، فرماه بسبع حصيات ثم أفلته، [فأدركه عند] [¬٥] الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات فأخرجه عندها. ثم أخذه، فأتى به المنحر من منى فذبحه، فوالذي نفسُ ابن عبَّاس بيده لقد كان أولَ الإِسلام، وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة قد حَشَّ [¬٦] يعني: يبس.
_________________
(١) = رجال الصحيح غير أبي عاصم الغنوي وهو ثقة غير أن أبا حاتم قال: "لا أعلم روى عنه غير حمَّاد بن سلمة، ولا أعرفه، ولا أعرف اسمه" لكن وثقه ابن معين، ومع هذا قصَّر ابن حجر ﵀ في "التقريب" فوسمه بأنه: "مقبول"!! وأصل الحديث عند مسلم كتاب: الحج (٢٣٧) (١٢٦٤) من طريق الجريري عن أبي الطفيل به بجزء من الحديث المطول والمشار إليه، وانظر ما بعده.
(٢) - رواه أحمد في "المسند" (١/ ٣٠٦، ٣٠٧) (٢٧٩٥ / شاكر) ورواه الطبراني (١١/ ١٢٢٩٢) من طريق سريج بن النعمان، ثنا حمَّاد بن سلمة به. وابن خزيمة في صحيحه (٤/ ٢٩٦٧). والطبراني (١١/ ١٢٢٩١) - وعنه البيهقي في "السنن الكبرى" (٥/ ١٥٣) - من طريق أبي حمزة والطبراني (١١/ ١٢٢٩٣) من طريق شعيب بن صفوان: كلاهما (أَبو حمزة وشعيب) عن عطاء بن السائب به. وقال البيهقي: "تفرد به هكذا عطاء بن السائب" هو مختلط وبه أعل الخبر الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٢٦٢، ٢٦٣)، (٨/ ٢٠٤) غير أن حمَّاد بن سلمة روى عنه قبل الاختلاط كما قال ابن معين وأَبو داود وغيرهما ثم إنه قد صح من طرق أخرى عن ابن عبَّاس أنَّه كان هي أن الذبيح هو "إسحاق" فعنه روايتان في ذلك، وهذا ينفي شبهة اختلاط عطاء هنا.
(٣) - ومن طريق ابن إسحاق رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٨٧) والحسن بن دينار كذبه أَبو حاتم وأَبو خثيمة وتركه وكيع وأحمد بن حنبل، وقال ابن عدي، أجمع من تكلم في الرجال على ضعفه - انظر ترجمته في "اللسان" لابن حجر ﵀ ثم إن فيه انقطاعًا بن جعفر بن إياس وابن عباس. [¬١]- في ز، خ: "تكفِّني". [¬٢]- في ت: "لضرب". [¬٣]- في ز: "عن". [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين بياض في خ، ز. [¬٦]- سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٤٠ ]
وقال عبد الرزاق (^٥٠): أخبرنا معمر، عن الزُّهْريّ، أخبرنا القاسم قال: اجتمع أبو هريرة وكعب، فجعل أبو هريرة يحدث عن النبي ﷺ، وجعل كعب يحدث عن الكُتُب، فقال أبر هروة: قال النبي ﷺ: "إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني قد خَبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة". فقال له كعب: أنت سمعتَ هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم. قال: فداك أبي وأمي -أو: فداه أبي وأمي - أفلا أخبرك عن إبراهيم ﵇؟ إنه لما أري ذَبْح ابنه إسحاق قال الشيطان: إن لم أفتن هؤلاء عند هذه لم أفتنهم أبدًا. فخرج إبراهيم بابنه ليذبحه، فذهب الشيطان فدخل على سارة، فقال: أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: غدا به لبعض حاجته. قال: لم يغد به لحاجة، وإنَّما ذهب به ليذبحه. قالت: وَلِمَ يذبحه؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قالت: فقد أحسن أن يطيع ربه. فذهب الشيطان في أثرهما فقال للغلام: أين يذهب بك أبوك؟ قال: لبعض حاجته. قال: إنه لا يذهب بك لحاجة، ولكنه يذهب بك ليذبحك. قال: ولم يذبحني؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك. قال: فوالله لئن كان الله أمره بذلك ليفعلن. قال: فيئس منه فلحق بإبراهيم، فقال [¬١]: أين غدوت بابنك [¬٢]؟ قال: لحاجة. قال: فإنك لم تغد به لحاجة، وإنَّما غدوت به لتذبحه. قال: وَلم أذبَحه؟ قال: تزعم أن ربك أمرك بذلك. قال: فوالله لئن كان الله أمرني بذلك لأفعلن. قال: فتركه ويئس أن يطاع.
وقد رواه ابن جرير (^٥١) عن يونس، عن ابن وَهْب، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، أن [¬٣] عمرو بن أبي سفيان بن [¬٤] أسيد بن جَارية [¬٥] الثقفي أخبره، أن كعبًا قال لأبي
_________________
(١) - تفسير عبد الرزاق (٣/ ١٥٠، ١٥١) وإسناده صحيح والقاسم هو ابن محمد بن أبي بكر، وقد رواه أحمد في "المسند" (٢/ ٢٧٥) ثنا عبد الرزاق به مقتصرًا على المرفوع منه وكذا رواه من طريق عبد الرزاق مختصرًا ابن منده في "الإيمان" (٢ / رقم ٩٠٠) وقال: "رواه عبد الله بن المبارك ومحمد بن ثور وغيرهما عن معمر نحوه". وانظر ما بعده.
(٢) - تفسير ابن جرير (٢٣/ ٨٢، ٨٣) ورواه مسلم، كتاب: الإيمان (٣٣٧) (١٩٨) وابن منده في كتاب "الإيمان" (٢/ ١٩٩) من طريق حرملة بن يحيى والحاكم (٢/ ٥٥٨) من طريق محمد بن عبد الله بن الحكم كلاهما (حرملة ومحمد) ثنا عبد الله بن وَهْب به - رواية الحاكم مطولة كما بينا ورواه ابن منده أيضًا (٢/ ٨٩٧، ٨٩٨) والقضاعي في "مسند الشهاب" (٢/ ١٠٤٠) من طرق عن يونس بن يزيد به. ورواه مسلم (٣٣٦) والدارمي (٢٨٠٩) وابن منده (٨٩٦) من طريقين عن ابن شهاب الزُّهْريّ به. وقد رواه البخاري، كتاب: الدعوات (٦٣٠٤) ومسلم (١٩٨) وغيرهما من طرق عن أبي هريرة كلهم بالقسم المرفوع منه فحسب. [¬١]- في ز، خ: "قال". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في خ: "عن". [¬٤]- في خ، ز: "عن أبي". [¬٥]- في ز، خ: "حارثة".
[ ١٢ / ٤١ ]
هريرة … فذكره بطوله، وقال في آخره: وأوحى الله إلى إسحاق [أني أعطيتك] [¬١] دعوة أستجيب لك فيها. قال إسحاق: اللهم، إني أدعو أن تستجيب لي: أيُّما عَبْد لقيك من الأولين والآخرين، لا يشرك بك شيئًا، فأدخله الجنَّة.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٢): حدَّثنا أبي، حدَّثنا محمد بن الوزير الدمشقي، حدَّثنا الوليد في مسلم، حدَّثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، وبين أن أختبئ شفاعتي، فاختبأت شفاعتي، ورجوت أن تكفر الجمّ لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله لما فرج عن إسحاق كرْبَ الذبح قيل له: يا إسحاق، سَل تُعْطَهْ. فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان، اللَّهم؛ من مات لا يشرك بك شيئًا فاغفر له وأدخله الجنَّة".
هذا حديث غريب منكر، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيف الحديث، وأخشى أن يكون في الحديث زيادة مدرجة، وهي قوله: "إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق … " إلى آخره، والله أعلم. فهذا إن كان محفوظًا فالأشبه أن السياق إنما هو عن "إسماعيل"، وإنما حرفوه بإسحاق، حَسَدًا منهم كما تقدم، وإلا فالمناسك والذبائح إنما محلها بمنى [من أرض مكة، حيث كان إسماعيل لا إسحاق، فإنه إنما كان ببلاد كنعان] [¬٢] من أرض الشام.
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي: قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح.
وذكر السَّدي وغيره أنَّه أَمَرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئًا، بل حال بينها وبينه صفيحة من نحاس، ونودي إبراهيم ﵇ عند ذلك: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾.
_________________
(١) - منكر. وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣١). ورواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧/ ٦٩٩٤) ثنا محمد بن عبد الله بن عمير، ثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم به. وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن زيد بن أسلم إلَّا ابنه عبد الرحمن، تفرد به الوليد بن مسلم" وهو ثقة يُدلس ويُسوى غير أن شيخه هو المتهم بهذا الحديث، فقد استنكره ابن عدي في "الكامل" (٤/ ١٥٨٣) و"عبد الرحمن بن زيد" وقال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢٠٦): "وفيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف، وشيخ الطبراني لم أعرفه" وكذا لم أهتد لترجمته غير أنَّه منالع من رواية ابن أبي حاتم، والحديث استنكره أَبو حاتم الرازي -كما في "العلل" لابنه (٢/ ٢١٤٨) - وضعف إسناده السيوطي ورقم به أَبو عبد الرحمن الألباني حديث (٣٣٣) من "الضعيفة". [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "أن أعطيك". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ.
[ ١٢ / ٤٢ ]
وقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾.
وقد استدل بهذه الآية والقصة جماعة من علماء الأصول على صحة النسخ قبل التمكن من الفعل، خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدلالة من هذه ظاهرة، لأن الله تعالى شرع لإِبراهيم ذَبْحَ ولده، ثم نسخه عنه وصرفه إلى الفداء، وإنَّما كان المقصود من شرعه أولًا إثابة الخليل على الصبر على ذبح ولده وعزمه على ذلك، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ أي: الاختبار الواضح الجلي؟ حيث أُمِرَ بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله، منقادًا لطاعته، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ".
وقوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، قال سفيان الثَّوري (^٥٣): عن جابر الجُعْفي، عن أبي الطفيل، عن علي ﵁: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: بكبش أبيض أعين أقرن، قد ربط بسمرة، قال أبو الطفيل: وجدوه مربوطًا بَسُمَرة في ثَبِير، وقال الثَّوري أيضًا (^٥٤): عن عبد الله ابن عثمان بن خُثَيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كبش قد رعى في الجنَّة أربعين خريفًا.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٥): حدَّثنا أبي، حدَّثنا يوسف بن يعقوب الصفار، حدَّثنا داود العَطّار [¬١]، عن ابن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: الصخرة التي بمنى بأصل ثَبِير هي الصخرة التي ذبح عليها إبراهيم فداء ابنه، هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء،
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٢٣/ ٨٦) وجابر الجعفي ضعيف، والخبر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٤) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٢) - إسناده هكذا حسن غير أني لم أقف على من دون الثَّوري، وقد ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٤) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير، وهو عند الأخير في تفسيره (٢٣/ ٨٧) من طريق يحيى بن يمان، عن سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن سعيد بن جبير به. وأخشى أن يكون "عبد الله بن عيسى" - وهو ثقة "كما في التقريب" - محرفًا من "عبد الله بن عثمان" أو أن يحيى بن يمان قد أخطأ في هذا الإسناد فإنه موسوم في "التقريب" بأنه: "صدوق يخطئ كثيرًا".
(٣) - وعزاه إلى ابن أبي حاتم السيوطي في "الدر النثور" (٥/ ٥٣٤) وقد رواه الحاكم (٢/ ٥٥٩) من طريق الواقدي - وهو متروك، غير أنَّه متابع من شيخ أبي حاتم - عن داود العطار به. وإسناده حسن، وقد رواه ابن جرير في تفسيره (٢٣/ ٨٦) من طريق سفيان الثَّوري عن ابن خثيم به مختصرًا. والخبر زاد نسبته السيوطي إلى عبد بن حميد وابن المنذر. [¬١]- في ز، خ: "القطار".
[ ١٢ / ٤٣ ]
فذبحه، وهو الكبش الذي قَرَّبه ابن آدم فتقبل منه، فكان مخزونًا حتَّى فدي به إسحاق.
ورُوي أيضًا عن سعيد بن جبير أنَّه قال: كان الكبش يرتع في الجنَّة حتَّى تشقق عنه ثبير وكان عليه عِهْنٌ [¬١] أحمرٌ. وعن الحسن البصري (^٥٦)؛ أنَّه [] [¬٢] كان اسم [¬٣] كبش إبراهيم: جرير.
وقال ابن جريج: قال عبيد بن عمير: ذبحه بالمقام. وقال مجاهد: ذبحه بمنى عند المنحر. وقال هُشَيم (^٥٧): عن سيار، عن عكرمة: إن ابن عبَّاس كان أفتى الذي جعل عليه نذرًا [¬٤] أن ينحر نفسه، فأمره بمائة من الإبل. ثم قال بعد ذلك: [لو كنت أفتيته] [¬٥] بكبش لأجزأه أن يذبح كبشًا، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
_________________
(١) - رواه ابن جرير (٨٧/ ٢٣) بإسناد ضعيف إليه ونقله المصنف في قصص الأنبياء، وقال: "لا يصح عنه.
(٢) - رواه ابن جرير (٨٦/ ٢٣) حدثني يعقوب بن إبراهيم ثنا هُشَيم به. وهذا إسناد حسن من أجل سيار وهو ابن عبد الرحمن الصدفي، فإنه "صدوق" كما في "التقريب" وقد رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٨/ ١٥٩٠٥) - ومن طريقه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ١١٩٩٥) ثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة - أحسبه عن ابن عبَّاس قال: من نذر أن ينحر نفسه أو ولده فليذبح كبشًا، ثم تلا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وورواه البيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ٧٣) من طريق شعبة، عن قَتَادة وخالد الحذاء عن عكرمة به نحوه. وجزم أنَّه عن ابن عبَّاس، وهذا أصح إسنادًا، ورواه عبد الرزاق أيضًا (٨/ ١٥٩٥٤): أخبرني ابن جريج، قال: أخبرني عطاء أن رجلًا جاء ابن عبَّاس فقال: نذرت لأنحرن نفسي، فقال ابن عبَّاس ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثم تلا ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ ثم أمره بذبح كبش، وتابع عبد الرزاق، سفيان الثَّوري عن ابن جريج به، رواه الثوري في "الجامع" - ومن طريق الطبراني البيهقي، وقد رواه البيهقي أيضًا من طريق عثمان بن عمر أنبأ ابن جريج به، غير أن متنه: "أن رجلًا قال لابن عبَّاس ﵄ إني نذرت أن أنحر بني … " بدلًا من نحر نفسه، قال البيهقي: "رواية عثمان بن عمر خطأ" وقد رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ١١٤٤٣) وفي "الأوسط" (١ / رقم ٢٠٨) والبيهقي من طريقين عن عبد الملك بن شعيب نا ابن وَهْب، أخبرني اللَّيث، قال: قال يحيى بن سعيد الأنصاري: زعم ابن جريج أن عطاء بن أبي رباح حدثه أن رجلًا أتى ابن عبَّاس … الحديث وقال الطبراني: "لم يرو هذا الحديث عن يحيى بن سعيد إلَّا اللَّيث، ولا عن اللَّيث إلَّا ابن وَهْب، تفرد به: عبد الملك بن شعيب" كذا قال!! وتابعه أَبو عبيد الله أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وَهْب حدثني عمي عبد الله بن وَهْب به. رواه من هذا الوجه البيهقي والخبر ذكره الهيثمي في "المجمع" (٤/ ١٩٣) وقال: "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" ورجاله رجال الصحيح" وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٥٣٥) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه. [¬١]- في ز: "عهد". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ت. [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- سقط من: خ، ز. [¬٥]- ما بين المعكوفتين سقط من: خ، ز.
[ ١٢ / ٤٤ ]
والصحيح الذي عليه الأكثرون أنَّه فُدي بكبش. وقال الثَّوري (^٥٨): عن رجل، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَفَدَينَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ قال: وَعِل [¬١].
وقال محمد بن إسحاق (^٥٩): عن عمرو بن عبيد، عن الحسن أنَّه كان يقول: ما فُدي إسماعيل إلَّا بتيس من الأرْوَى أهبط عليه من ثبير.
وقد قال الإِمام أحمد (^٦٠): حدَّثنا سفيان، حدثني منصور، عن خاله مسافع، عن صفية بنت شيبة قالتَ: أخبرتني امرأة من بني سليم - وَلَدت عَامَّة أهل دارنا - أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة، وقال [¬٢] مَرَّة: إنها سألت عثمان: لم دعاك النبي ﷺ؟ قال: قال: "إني كنتُ رأيتُ قرني الكبش حين دخلت البيت، فنسيت أن آمرك أن تخمّرهما، فخَمِّرْهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء [¬٣] يشغل المصلي". قال سفيان: لم يزل [¬٤] قرنا الكبش معلقين [¬٥] في البيت حتَّى احترق البيت، فاحترقا.
وهذا دليل مستقل على أنَّه إسماعيل ﵇ فإن قريشًا توارثوا قرني الكبش الذي فدى به إبراهيم خلفًا عن سلف وجيلًا بعد جيل إلى أن بعث الله رسوله ﷺ.