﷽
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾
خوطب النبي ﷺ أولًا [¬١] تشريفًا وتكريمًا، ثم خاطب الأمة تبعًا فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن ثواب بن سعيد الهباري، حدثنا أسباط بن محمد، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس؛ قال: طلق رسول الله ﷺ حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة.
ورواه ابن جرير (^١)، عن ابن بشار، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة فذكره مرسلًا. وقد ورد من غير وجه أن رسول الله ﷺ طلّق حفصة ثم راجعها.
وقال البخاري (^٢): حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث [حدثني] [¬٢] عقيل، عن ابن شهاب، أخبرني سالم، أن عبد الله بن عمر أخبره أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمرُ لرسول الله ﷺ، فتغيظ رسول الله ﷺ [] [¬٣] ثم قال له:
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٨/ ١٣٢).
(٢) - صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: سورة الطلاق، حديث (٤٩٠٨) (٨/ ٦٥٣) وأطرافه في (٥٢٥١ - ٥٢٥٢، ٥٢٥٣، ٥٢٥٨، ٥٢٦٤، ٥٣٣٢، ٥٣٣٣، ٧١٦٠). ومسلم في كتاب: الطلاق، حديث (١٤٧١) (١٠/ ٨٨) وما بعدها، وأحمد (٦/ ٤١١) (٢٧٤٢٨) من حديث فاطمة بنت قيس ﵂. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ت: و. [¬٣]- في ز، خ: فيه.
[ ١٤ / ٢٦ ]
" [ليراجها، لم يمسكها، [¬١] حتى تطهر، لم تَحيض فتطهرَ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها، فتلك العدة التي أمر الله ﷿".
هكذا رواه البخاري هاهنا، وقد رواه في مواضع من كتابه، ومسلم، ولفظه: "فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء". ورواه أصحاب الكتب والمسانيد من طرق متعددة وألفاظ كثيرة، ومواضع استقصائها كتب الأحكام.
وأمَسُّ لفظ يورَد هاهنا ما رواه مسلم (^٣) في صحيحه، من طريق ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن -مولى عَزّة- يسأل ابن عمر، وأبو الزبير [يسمع، ذلك [¬٢]: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا [¬٣]؟ فقال: طَلَّق ابن عُمر امرأتهُ حائضًا على عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر رسول الله ﷺ، [¬٤]؛ [فقال: إن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهي حائض؟] [¬٥]، فقال رسول اللَّه ﷺ: "ليراجعها". فَرَدها، وقال: "إذا طهرت فليطلق أو يمسك". قال ابن عمر: وقرأ النبي ﷺ: "يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قُبُل عدتهن".
وقال الأعمش عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله في قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قال: الطهر من غير جماع. وروي عن ابن عمر، وعطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، وميمون بن مهران، ومقاتل بن حيان مثل ذلك، وهو رواية عن عكرمة، والضحاك.
وقال عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ﴾ قال: لا يطلقها [¬٦] وهي حائض ولا في طهر قد جامعها [¬٧] فيه، ولكن: تتركها حتى إذا حاضت وطهرت طلقها تطليقة.
وقال عكرمة: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، العدة: الطهر، والقرء الحيضة، أن يطقها حبلى مستبينًا حملها، ولا يطلقها وقد طاف عليها، ولا يدرى حبلى هي أم لا.
_________________
(١) صحيح مسلم في كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، حديث (٤٤/ ١٤٨٠) (١٠/ ١٤٥) والقصة بطولها في الموضع السابق (١٤٨٠) (١٠/ ١٣٤) وما بعدها. [¬١]- في ز، خ: "راجعها ثم أمسكها". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من خ. [¬٦]- في ز: تطلقها: [¬٧]- في ز: جامعتها.
[ ١٤ / ٢٧ ]
ومن هاهنا أخذ الفقهاء أحكام الطلاق وقسموه إلى طلاق سنة وطلاق بدعة، فطلاق السنة أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، أو حاملًا قد استبان حملها. والبدْعي: هو أن يطلقها في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، ولا يدري أحملت أم لا؟ وطلاق ثالث لا سنة فيه ولا بدعة، وهو طلاق الصغيرة والآيسة وغير المدخول بها، وتحرير الكلام في ذلك وما يتعلق به مستقصى في كتب الفروع [¬١]، والله ﷾ أعلم.
وقوله: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾، أي: احفظوها واعرفوا ابتداءها وانتهاءها، لئلا تطول العدة على المرأة فتمتنع من الأزواج. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾، أي: في ذلك.
وقوله: ﴿[] [¬٢] لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ أي: في مدة العدة لها حق السكنى على الزوج ما دامت معتدة منه، فليس للرجل أن يخرجها، ولا يجوز لها أيضًا الخروج؛ لأنها [معتقلة لحق] [¬٣] الزوج أيضًا.
وقوله: ﴿إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: لا يخرجن من بيوتهن إلا أن ترتكب المرأة فاحشة مبينة، فتخرج من المنزل، والفاحشة المبينة تشمل [¬٤] الزنا، كما قاله ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو قلابة، وأبو صالح، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني، والسدي، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم. وتشمل ما إذا نشزت المرأة أو بَذَت على اهل الرجل وآذتهم في الكلام والفعال، كما قاله أبيّ بن كعب، وابن عباس وعكرمة وغيرهم.
وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، [أي: شرائعه ومحارمه، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾] [¬٥]، أي: يخرج عنها ويتجاوزها إلى غيرها ولا يأتمر بها، ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، أي: بفعل ذلك.
وقوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، أي: إنما أبقينا المطلقة في منزل الزوج في مدة العدة، لعل الزوج يندم على طلاقها، ويخلق الله في قلبه رَجْعَتَهَا، فيكون ذلك أيسر وأسهل.
قال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن فاطمة بنت قيس في قوله: ﴿لَا تَدْرِي] [¬٦] لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾، قالت: هي الرجعة، وكذا قال الشعبي، وعطاء، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، والثوري. ومن هاهنا ذهب من ذهب من السلف ومن
_________________
(١) [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز: "و". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "متعلقة بحق". [¬٤]- في ز، خ: كمثل. [¬٥]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.
[ ١٤ / ٢٨ ]
تابعهم، كالإمام أحمد بن حنبل ﵀ إلي أنه لا تجب السكنى للمبتوتة، وكذا المتوفى عنها زوجها، واعتمدوا أيضًا علي حديث فاطمة بنت قيس الفهرية، حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، وكان غائبًا عنها باليمن، فأرسل إليها بذلك، فأرسل إليها وكيله بشعير -نفقة- فَتَسَخَّطته فقال: والله ليس لك علينا نفقة. فأتت رسول الله ﷺ؛ فقال: "ليس لك عليه نفقة" (^٤). ولمسلم (^٥): " ولا سكنى"، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: "تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك" … الحديث.
وقد رواه الإمام أحمد (^٦) من طريق أخرى؛ بلفظ آخر فقال: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا مجالد، حدثنا عامر؛ قال: قدمت المدينة فأتيت فاطمة بنت قيس، فحدثتني أن زوجها طلقها على عهد رسول الله ﷺ؛ فبعثه رسول الله ﷺ في سَربة، قالت: فقال لي أخوه: اخرجي من الدار- فقلت: إن لي نفقة وسكنى حتى يحل الأجل. قال: لا. [قالت] [¬١]: فأتيت رسول الله ﷺ؛ فقلت: إن فلانًا طلقني، وإن أخاه أخرجني ومنعني السكني والنفقة. [فأرسل إليه] [¬٢] فقال: "مالك ولابنة آل قيس [¬٣]؟ "، قال: يا رسول الله، إن أخي طلقها ثلاثًا جميعًا. قالت: فقال رسول الله ﷺ: "انظري يا بنت آل قيس، إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة، فإذا لم يكن له عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى، اخرجي فانزلي على فلانة". ثم قال: "إنه يُتحدَّث إليها، انزلي على ابن أم مكتوم، فإنه أعمى لا يراك" … وذكر تمام الحديث.
وقال أبو القاسم الطبراني (^٧): حدثنا أحمد بن عبد الله البزار التسْتَريّ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدثنا بكر بن بكار، حدثنا سعيد بن يزيد البَجلي، حدثنا عامر الشعبي؛ أنه دخل على فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس القرشي، وزوجها أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، فقالت: إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليّ وهو منطلق في جيش إلى اليمن بطلاقي، فسألت أولياءه النفقة عليّ والسكنى، فقالوا: ما أرسل إلينا في ذلك شيئًا، ولا أوصانا به. فانطلقت إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله؛ إن أبا عمرو بن حفص أرسل إليّ بطلاقي، فطلبت السكنى والنفقة عليّ، فقال أولياؤه: لم يرسل إلينا في
_________________
(١) - مسلم في الطلاق حديث (١٤٨٠) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس به.
(٢) - مسلم في الطلاق حديث (١٤٨٠) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة بنت قيس به.
(٣) المسند (٦/ ٣٧٣) (٢٧٢١٢).
(٤) المعجم الكبير (٢٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣) (٩٤٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٣]- في خ: قريش.
[ ١٤ / ٢٩ ]
ذلك بشيء [¬١]. فقال رسول الله ﷺ: "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة، فإذا كانت لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فلا نفقة لها ولا سكنى".
وكذا رواه النسائي (^٨)، عن أحمد بن يحيى الصوفي، عن أبي نعيم الفضل بن دُكَين، عن سعيد بن يزيد -وهو الأحمسي البَجَلي الكوفي- قال أبو حاتم الرازي: هو شيخ يروى عنه.
﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا (٣)﴾
يقول تعالى: فإذا بلغت المعتدات ﴿أَجَلَهُنَّ﴾، أي: شارفن [¬٢] على انقضاء العدة وقاربن ذلك، ولكن لم تفرغ العدة بالكلية، فحينئذ إما أن يعزم الزوج على إمساكها، وهو رجعتها إلى عصمة نكاحه، والاستمرار بها على ما كانت عليه عنده ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾، أي: محسنًا إليها في صحبتها، وإما أن يعزم على مفارقتها، ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: من غير مقابحة ولا مشاتمة ولا تعنيف، بل يطلقها على وجه جميل وسبيل حسن.
وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أي: على الرجعة إذا عَزَمتم عليها، كما رواه أبو داود وابن ماجة (^٩)، عن عمران بن حُصين، أنه سُئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد علي طلاقها ولا على رجعتها؟ فقال: طَلَّقتَ لغير سنة، ورجعتَ لغير سنة، أشهدْ على طلاقها وعلى رجعتها، ولا تَعُدْ.
وقال ابن جريج: كان عطاء يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ قال: لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدَا عدل، كما قال الله ﷿ إلا أن يكون من
_________________
(١) سنن النسائي (٦/ ١٤٤) كتاب: الطلاق، باب: الرخصة في ذلك.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: الرجل يراجع ولا يشهد، حديث (٢١٨٦) (٢/ ٢٥٧). وابن ماجة في كتاب: الطلاق، باب: الرجعة، حديث (٢٠٢٥) (١/ ٦٥٢). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (١٩١٥). [¬١]- في ز، خ: شيء. [¬٢]- في ز: سافرن.
[ ١٤ / ٣٠ ]
عذر.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي: هذا الذي أمرناكم به من الإِشهاد وإقامة الشهادة، إنما يأتمر به من يؤمن بالله وأنه شرع هذا، ويخاف عقاب الله في الدار الآخرة.
ومن هاهنا ذهب الشافعي -في أحد قوليه- إلى وجوب الإِشهاد في الرجعة، كما يجب عنده [¬١] في ابتداء النكاح. وقد قال بهذا طائفة من العلماء، ومن قال بهذا يقول: إن الرجعة لا تصح إلا بالقول ليقع الإِشهاد عليها.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، أي: ومن يتق الله فيما أمره [¬٢] به وتَرَك ما نهاه عنه، يجعل له من أمره مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، أي: من جهة لا تخطر بباله.
قال الإِمام أحمد (^١٠): حدثنا يزيد، أخبرنا كهمس بن الحسن، حدثنا أبو السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله ﷺ يتلو عَليَّ هذه الآية ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، حتى فرغ من الآية، ثم قال: "يا أبا ذر؛ لو أن الناس كلهم أخذوا بها كفتهم". قال: فجعل يتلوها ويُرددها عليَّ حتى نَعَست، ثم قال: "يا أبا ذر؛ كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ ". قال [¬٣]: قلت: إلى السعة والدّعَة أنطلق، فأكون حمامة من حمام مكة. قال: "كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ " قال: قلت: إلى السعة والدّعة، إلى الشام والأرض المقدسة. قال: "وكيف تصنع إن أُخرجتَ من الشام؟ ". قلت: إذًا -والذي بعثك بالحق- أضع سيفي على عاتقي. قال: "أوخير من ذلك؟ ". قلت: أوخير من ذلك؟! قَال: "تسمع وتطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي [¬٤]، حدثنا يعلى بن عبيد، حدثنا زكريا، عن عامر، عن شُتَير [¬٥] بن شَكل؛ قال: سمعت عبد الله بن مسعود؛ يقول: إن أجمع آية في القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، وإن أكثر آية في القرآن فرجًا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
_________________
(١) المسند (٥/ ١٧٨ - ١٧٩) (٢١٦٣٤) قال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٢٢٦): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا السليل: ضريب بن نفير لم يدرك أبا ذر. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ز: أمر. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: الريادي. وفي خ: الدياري. [¬٥]- في ز: شتيل.
[ ١٤ / ٣١ ]
وفي المسند (^١١) حدثني مهدي بن جعفر، حدثنا الوليد بن مسلم، عن الحكم بن مصعب، عن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "من أكثر من الاستغفار جعل الله له [¬١] من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب".
وقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، يقول: ينجيه من كل كرب في الدنيا والآخرة، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ وقال الربيع بن خثيم: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ أي: من كل شيء ضاق علي الناس، [وقال عكرمة: من طلق كما أمره الله جعل له مخرجًا، وكذا روي عن ابن عباس، والضحاك] [¬٢].
وقال ابن مسعود، ومسروق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، يعلم أن الله إن شاء منع، وإن شاء أعطى ﴿مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، أي: من حيث لا يدري.
وقال قتادة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، أي: من شبهات الأمور والكرب عند الموت، ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، [ومن] [¬٣] حيث لا يرجو أو لا يأمل.
وقال السدي: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ يطلق للسنة ويراجع للسنة، وزعم أن رجلًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقال له: عوف بن مالك الأشجعي، كان له ابن، وأن المشركين أسروه، فكان فيهم، وكان أبوه يأتي رسول الله ﷺ فيشكو إليه مكان ابنه وحاله التي هو بها وحاجته، فكان [¬٤] رسول الله ﷺ يأمره بالصبر، ويقول له [¬٥]: "إن الله سيجعل لك فرجًا". فلم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا أن انفلت ابنه من أيدي العدو، فمر يغنم من أغنام العدو، فاستاقها فجاء بها إلي أبيه، وجاء معه [بغني] [¬٦] قد أصابه من الغنم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ رواه ابن جرير (^١٢)، وروي أيضًا من طريق سالم بن أبي الجعد (^١٣) مرسلًا نحوه.
وقال الإِمام أحمد (^١٤): حدثنا وكيع، حدثنا سفيان، عن [¬٧] عبد الله عيسى، عن
_________________
(١) المسند (١/ ٢٤٨) (٢٢٣٤) وانظر ما تقدم (سورة هود / آية ٥٢).
(٢) تفسير الطبري (٣٨/ ١٣٨).
(٣) التفسير (٢٨/ ١٣٨ - ١٣٩).
(٤) المسند (٥/ ٢٧٧) (٢٢٤٨٧). [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: من. [¬٤]- في ز: وكان. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: بن.
[ ١٤ / ٣٢ ]
عبد الله بن أبي الجعد، عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: "إن العبد لَيُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبُه، ولا يرد القدَر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر". [من حديث سفيان -وهو الثوري- به] [¬١].
وقال محمد بن إسحاق (^١٥): جاء مالك الأشجعي إلي رسول الله ﷺ فقال له: أسر ابني عوف. فقال له رسول الله ﷺ: "أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله". وكانوا قد شدوه بالقدّ فسقط القِدُّ عنه فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا [¬٢] شدوه فصاح بهم، فاتبع أولها آخرها، فلم يفجَأ أبويه إلا وهو ينادي بالباب، فقال أبوه: عَوفٌ ورب الكعبة. فقالت أمه: وا سوأتاه، وعوف [كيف يقدم] [¬٣] لما هو فيه من القد، فاستبقا الباب والخادم فإذا عوف قد ملأ الفناء إبلًا، فقص عل أبيه أمره وأمر الإِبل، فقال أبوه: قفا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله عنها. فأتي رسول الله ﷺ فأخبره بخبر عوف وخبر الإِبل، فقال له رسول الله ﷺ: "اصنع بها ما أحببت، وما كنت صانعًا بمالك". ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم (^١٦): حدثنا عليّ بن الحسين، حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق [¬٤]، حدثنا إبراهيم بن الأشعث، حدثنا الفضيل بن عياض عن هشام بن الحسن عن عمران بن حُصَين، قال: قال رسول الله ﷺ: "من انقطع إلي الله كفاه الله كل مَئُونة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلي الدنيا وَكَله إليها".
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ قال الإمام أحمد (^١٧): حدثنا يونس، حدثنا ليث، حدثنا قيس بن الحجاج، عن حَنَش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس، أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال له [¬٥] رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) ذكره المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٤٣٦) (٢٣٥٢) ثم قال: رواه آدم بن أبي إياس في تفسيره، ومحمد بن إسحاق لم يدرك مالكًا.
(٢) أخرجه الطبراني في الأوسط (٣/ ٣٤٦) (٣٣٥٩) من طريق محمد بن علي بن الحسن بهذا الإسناد. قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٣٠٦ - ٣٠٧): وفيه إبراهيم بن الأشعث صاحب الفضيل وهو ضعيف، وقد ذكره ابن حبان في الثقات وقال: يغرب ويخطئ ويخالف. وبقيه رجاله ثقات، ا هـ.
(٣) المسند (١/ ٢٩٣) (٢٦٦٩). والترمذي في كتاب: صفة القيامة، باب: ولكن يا حنظلة = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: سفيان. [¬٥]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٣٣ ]
وسلم: "يا غلام، إني معلمك كلمات: احفظ الله [يحفظك، احفظ الله] [¬١] تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمه لو اجتمعوا على أن ينفعوك، لم ينفعوك إلا بشيء [قد كتبه الله لك] [¬٢]، ولو اجتمعوا علي أن يضروك، لم يضروك إلا بشيء [قد كتبه الله عليك] [¬٣]، رفعت الأقلام، وجفت الصحف". وقد رواه الترمذي من حديث الليث بن سعد، وابن لهيعة به [¬٤]، وقال: "حسن صحيح".
وقال الإمام أحمد (^١٨): حدثنا وكيع، حدثنا بشير بن سلمان، عن سيار أبي الحكم، عن طارق بن شهاب، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ: "من نزل به حاجة فأنزلها بالناس كان قَمنًا أن لا تُسَهَّلَ حاجته، ومن أنزلها بالله أتاه الله برزق عاجل، أو بموت آجل".
ثم رواه (^١٩) عن عبد الرزاق، عن سفيان، عن بشير، عن سيار أبي حمزة، ثم قال: وهو الصواب، وسيار أبو الحكم لم يحدث عن طارق.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، أي: منفذ قضاياه وأحكامه في خلقه بما يريده ويشاؤه، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدْرًا﴾، كقوله: ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾.
﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾
يقول تعالى مبينًا لعدة الآيسة -وهي التي قد انقطع عنها الحيض لكبرها-: إنها ثلاثة
_________________
(١) = ساعة وساعة، حديث (٢٥١٨) (٩/ ٢٠٣ - ٢٠٤). وحسَّن ابن رجب طريق الترمذي في جامع العلوم والحكم (١٧٤). وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه علي المسند وكذا الألباني في صحيح الترمذي.
(٢) المسند (١/ ٤٤٢) (٤٢١٩) وقَمَنٌ وقَمِنٌ وقَمِين: أي خليق وجدير. كذا في النهاية (٤/ ١١١).
(٣) المسند (١/ ٤٤٢) (٤٢٢٠). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "كتبه الله عليك". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "كتبه الله لك". [¬٤]- سقط من ز.
[ ١٤ / ٣٤ ]
أشهر، عوضًا عن الثلاثة قروء في حق من تحيض، كما دلت على ذلك آية "البقرة"، وكذا الصغار اللائي لم يبلغن سن [¬١] الحيض: إن عدتهن كعدة الآيسة ثلاثة أشهر؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
وقوله: ﴿إن ارتبتم﴾ فيه قولان:
أحدهما- وهو قول طائفة من السلف، كمجاهد، والزهري، وابن زيد -أي: إن رأين دمًا وشككتم في كونه حيضًا أو استحاضة، وارتبتم فيه.
والقول الثاني: إن ارتبتم في حكم عدتهن، ولم تعرفوه فهو ثلاثة أشهر. وهذا مروي عن سعيد بن جبير، و[هو] [¬٢] اختيار ابن جرير، وهو أظهر في المعنى، وَاحتَجّ عليه بما رواه (^٢٠) عن أبي كريب وأبي السائب؛ قالا: حدثنا ابن إدريس، أخبرنا مطرف، عن عمرو بن سالم؛ قال: قال أبيّ بن كعب: يا رسول الله، إن عِدَدًا من عدد النساء لم تذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأولات الأحمال. قال: فأنزل الله ﷿: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
ورواه ابن أبي حاتم بأبسط من هذا السياق؛ فقال: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن مُطَرِّف، عن عمر بن سالم، عن أبي بن كعب؛ قال: قلت لرسول الله ﷺ: إن ناسًا من أهل المدينة لما أنزلت هذه الآية التي في "البقرة" في عدة النساء؛ قالوا: لقد بقي من عدة النساء عدَدٌ لم يُذكَرْنَ في القرآن: الصغار والكبار اللائي قد انقطع عنهن الحيض وذوات الحمل. قال: فأنزلت التي في النساء القصري: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ [فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ] [¬٣]﴾.
وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يقول تعالى: ومن كانت حاملًا فعدتها بوضعه، ولو كان بعد الطلاق أو الموت [بفُواق ناقة] [¬٤]، في قول جمهور العلماء من السلف والخلف، كما هو نص هذه الآية الكريمة، [و] [¬٥] كما وردت به السنة النبوية. وقد رُوي عن علي، وابن عباس ﵃ أنهما ذهبا في المتوفى عنها زوجها أنها تعتد بأبعد الأجلين من الوضع أو الأشهر، عملًا بهذه الآية الكريمة والتي في سورة البقرة، وقد قال
_________________
(١) أخرجه الطبري (٢٨/ ١٤١). [¬١]- في ز: من. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "إلى قد يئست ثلاثة أشهر". [¬٤]- في خ: بفراق. [¬٥]- سقط من ز.
[ ١٤ / ٣٥ ]
البخاري (^٢١):
حدثنا سعد [¬١] بن حفص، حدثنا شيبان، عن يحيي؛ قال: أخبرني أبو سلمة؛ قال: جاء رجل إلي ابن عباس -وأبو [¬٢] هريرة جالس- فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة. فقال ابن عباس: آخر الأجلين. قلت أنا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي -يعني أبا سلمة- فأرسل ابن عباس غلامه كريبًا [إلى أم سلمة] [¬٣] يسألها، فقالت: قُتِل زوج سُبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، فخطبت، فأنكحها رسول الله ﷺ، وكان أبو السنابل فيمن خطبها.
هكذا أورد البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرًا، وقد رواه هو ومسلم، وأصحاب الكتب مطولًا من وجوه أخر. وقال الإمام أحمد (^٢٢):
حدثنا حماد بن أسامة، أخبرنا هشام، عن أبيه، عن المسْور بن مَخْرَمَة؛ أن سُبَيعَة الأسلمية تُوُفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تمكث إلا ليالي حتى وضعت، فلما تَعَلَّت من نفاسها خطبت، فاستأذنت رسول الله ﷺ في النكاح، فأذن لها أن تُنْكَح، فنُكحت. ورواه البخاري (^٢٣) في صحيحه، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة من طرق عنها، كما قال مسلم بن الحجاج:
حدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب، حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة؛ أن أباه كتب إلي عمر بن عبد الله بن الأرقم الزهري يأمره أن يدخل على سُبَيعة بنت الحارث الأسلمية، فيسألها عن حديثها، وعمَّا قال لها رسول الله صلى
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.﴾، حديث (٤٩٠٥) (٨/ ٦٥٣)،
(٢) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢٧) (١٨٩٧١).
(٣) صحيح البخاري، كتاب: الطلاق، باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.﴾، حديث (٥٣٢٠) (٩/ ٤٧٠). وأخرجه مسلم في كتاب: الطلاق، باب: انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها، حديث (٥٦/ ١٤٨٤) (١٠/ ١٥٣ - ١٥٥) من طريق أبي الطاهر الآتي. وأبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في عدة الحامل، حديث (٢٣٠٦) (٢/ ٢٩٣) من طريق ابن وهب بنحو حديث مسلم. وأخرجه النسائي (٦/ ١٩٦ - ١٩٧) من حديث محمد بن سيرين، وأخرجه (٦/ ١٩٠) هو. وابن ماجة في كتاب: الطلاق، باب: الحامل المتوفى عنها زوجها، إذا وضعت حلت للأزواج، حديث (٢٠٢٩) (١/ ٦٥٤). [¬١]- في ز، خ: سعيد. [¬٢]- في ز: وأبي. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٣٦ ]
الله عليه وسلم حين استفتته. فكتب عُمر بن عبد الله يخبره أن سبيعة [أخبرته] [¬١]؛ أنها كانت تحت سَعد [¬٢] بن خَولة -وكان ممن شهد بدرًا- فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تَنشَب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تَعَلَّت من نفاسها تجمّلت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بَعكك فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك تَرجين النكاح، إنك والله ما أنت بناكح حتى تَمرّ عليك أربعة أشهر وعشرٌ [¬٣]. قالت سُبَيعة: فلما قال لي ذلك جَمعتُ عليّ ثيابي حين أمسيتُ فأتيتُ رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللْت حين وضعتُ حملي، وأمرني بالتزوج [¬٤] إن بدا لي.
هذا لفظ مسلم، ورواه البخاري (^٢٤) مختصرًا، ثم قال البخاري (^٢٥) بعد رواية الحديث الأول عند هذه الآية:
وقال سليمان بن حرب، وأبو النعمان: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد، هو ابن سيرين، قال: كنت في حلقة فيها عبد الرحمن بن أبي ليلى، ﵀، وكان أصحابه يعظمونه، فذكر آخر الأجلين، فحدّثتُ بحديث سُبَيعة بنت الحارث عن عبد الله بن عتبة، قال: [فَضَمَّزَلي] [¬٥] بعض أصحابه، قال محمد: ففطنت له فقلت: إني لجريءٌ أن أكذب على عبد الله وهو في ناحية الكوفة؛ قال: فاستحيا [و] [¬٦] قال: لكن عَمّه لم يقل ذلك، فلقيت أبا عطية مالك بن عامر فسألته، فذهب يحدثني بحديث سبيعة، فقلت: هل سمعت عن عبد الله فيها شيئًا؟ فقال: كنا عند عبد الله فقال: أتجعلون عليها التغليظ، ولا تجعلون عليها الرخصة؟ نزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
[ورواه ابن جرير (^٢٦)، من طريق سفيان بن عيينة وإسماعيل بن علية، عن أيوب به مختصرًا] [¬٧].
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب: الطلاق، باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ …﴾، حديث (٥٣١٩) (٩/ ٤٧٠).
(٢) صحيح البخاري، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ …﴾، حديث (٤٩١٠) (٨/ ٦٥٤).
(٣) تفسير الطبري (٢٨/ ١٤٢، ١٤٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: سعيد. [¬٣]- في ز: وعشرًا. [¬٤]- في ز، خ: بالتزويج. [¬٥]- في ز: فضمر لي. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- ما بين المعكوفتين سقط من ت.
[ ١٤ / ٣٧ ]
ورواه النسائي (^٢٧) في التفسير، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن [¬١]، عون، عن محمد بن سيرين، فذكره.
وقال ابن جرير (^٢٨): حدثني زكريا بن يحيى بن أبان المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا محمد بن جعفر، حدثني ابن شَبْرَمة الكوفي، عن إبراهيم، عن علقمة [¬٢] بن قيس أن عبد الله بن مسعود؛ قال: من شاء لاعنتُه، ما نزلت ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها. قال: وإذا وضعت المتوفى عنها زوجها فقد حلت. يريد بآية المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. وقد رواه النسائي من حديث سعيد بن أبي مريم به، ثم قال ابن جرير (^٢٩):
حدثنا أحمد بن منيع، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي؛ قال [¬٣]: ذُكرَ عند ابن مسعود آخر الأجلين، فقال: من شاء قاسمته بالله أن هذه الآية التي في النساء القصرى نزلت بعد الأربعة الأشهر [¬٤] والعشر، ثم قال: أجل الحامل أن تضع ما في بطنها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحي، عن مسروق؛ قال: بلغ ابن مسعود أن عليًّا ﵁ يقول: آخر الأجلين. فقال: من شاء لاعنته، إن التي في النساء القصري نزلت بعد البقرة: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
ورواه أبو داود وابن ماجة (^٣٠) من حديث أبي معاوية عن الأعمش.
وقال عبد الله بن الإِمام أحمد (^٣١): حدثني محمد بن أبي بكر المقدّمي، أخبرنا عبد الوهاب
_________________
(١) سنن النسائي الكبرى في التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، حديث (١١٠٤٣) (٦/ ٣٠٣).
(٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٤٢). والنسائي (٦/ ١٩٧).
(٣) تفسير (٢٨/ ١٤٣).
(٤) أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، باب: في عدة الحامل، حديث (٢٣٠٧) (٢/ ٢٩٣). وابن ماجة في كتاب: الطلاق، باب: الحامل إذا توفي عنها زوجها، إذا وضعت حلت للأزواج، حديث (٢٠٣٠) (١/ ٦٥٤). وقد تقدم من طريق ابن سيرين عند البخاري نحوه برقم (٣٢).
(٥) أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (٥/ ١١٦) (٢١١٨٥). قال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٥) = [¬١]- في ز: أبي. [¬٢]- في خ: عن إبراهيم. [¬٣]- في خ: قال قال. [¬٤]- في ز: أشهر.
[ ١٤ / ٣٨ ]
الثقفي، حدثني المثني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بن كعب؛ قال: قلت للنبي ﷺ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾: المطلقة ثلاثًا أو المتوفى عنها زوجها [¬١]؟ فقال: هي المطلقة ثلاثًا والمتوفي عنها.
هذا حديث غريب جدًّا، بل منكر؛ لأن في إسناده المثنى بن الصباح، وهو متروك الحديث بِمرة، ولكن رواه ابن أبي حاتم بسند آخر، فقال:
حدثنا محمد بن داود السمناني، حدثنا عمرو بن خالد -يعني الحراني- حدثنا ابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن السيب، عن أبيّ بن كعب؛ أنه لما نزلت هذه الآية قال لرسول الله ﷺ: لا أدري أمشتركة أم مبهمة؟ قال رسول الله ﷺ: "آية آية؟ " قال: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، المتوفى عنها والمطلقة؟ قال: "نعم".
وكذا رواه ابن جرير (^٣٢)، عن أبي كريب، عن موسى بن داود، عن ابن لهيعة به. ثم رواه عن أبي كريب أيضًا، عن مالك بن إسماعيل، عن ابن عيينة، في عبد الكريم بن أبي المخارق؛ أنه حدث عن أبي بن كعب؛ قال: سألت رسول الله ﷺ عن: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قال: "أجَل كل حامل أن تضع ما في بطنها".
عبد الكريم هذا ضعيف ولم يدرك أبيًّا.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، أي: يسهل له أمره، وييسره عليه، ويجعل له فرجًا قريبًا ومخرجًا عاجلًا.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيكُمْ﴾، أي: حكمه وشرعه أنزله إليكم بواسطة رسوله ﷺ، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾، أي: يذهب عنه المحذور، ويجزل له الثواب على العمل اليسير.
﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ
_________________
(١) = رواه عبد الله بن أحمد، وفيه المثنى بن الصباح؛ وثقه ابن معين وضعفه الجمهور.
(٢) - تفسير الطبري (٢٨/ ١٤٣). [¬١]- سقط من ت، ز.
[ ١٤ / ٣٩ ]
وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾
يقول تعالى آمرًا عباده إذا طلَّق أحدُهم المرأة أن يُسكنها في منزل حتى تنقضي عدتها، فقال: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾، أي: عندكم، ﴿من وجدكم﴾، قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني: سَعَتكم حتى قال قتادة: وإن لم تجد إلا جنب بيتك فأسكنها فيه.
وقوله: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾، قال مقاتل بن حيان: يعني يضاجرها لتفتدي منه بمالها أو تخرج من مسكنه.
وقال الثوري: عن منصور، عن أبي الضحى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيهِنَّ﴾، قال: يطلقها فإذا بقي يومان راجعها.
وقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، قال كثير من العلماء منهم ابن عباس، وطائفة من السلف، وجماعات من الخلف: هذه في البائن، إن كانت حاملًا أنفق عليها حتى تضع حملها. قالوا: بدليل أن الرجعية تجب نفقتها سواء كانت حاملًا أو حائلًا.
وقال آخرون: بل السياق كله في الرجعيات، وإنما نص على الإِنفاق [علي الحامل] [¬١] وإن كانت رجعية؛ لأن الحمل تطول مدته غالبًا، فاحتيج إلى النص علي وجوب الإِنفاق إلى الوضع، لئلا يتوهم أنه [¬٢] إنما تجب النفقة بمقدار مدة العدة.
واختلف العلماء: هل النفقة لها بواسطة الحمل، أو للحمل وحده؟ علي قولين منصوصين عن الشافعي وغيره، ويتفرع عليها [¬٣] مسائل مذكورة في علم الفروع.
وقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ﴾، أي: إذا وضعن حملهن وهن طوالق، فقد بنّ بانقضاء عدتهنّ، ولها حينئذ أن ترضع الولد، ولها أن تمتنع منه، ولكن بعد أن تغذيه باللَّبَأ -وهو باكورة اللبن الذي لا قوام للولد غالبًا إلا به- فإن أرضعت استحقت أجرة مثلها، ولها أن تعاقد [أباه أو] [¬٤] وليه على ما يتفقان عليه من أجرة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾.
_________________
(١) [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: عليهما. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز: "إياه أي".
[ ١٤ / ٤٠ ]
وقوله: ﴿وَأْتَمِرُوا بَينَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾، أي: ولتكن أموركم فيما بينكم بالمعروف، من غير إضرار ولا مضارة [¬١] كما قال في سورة البقرة: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾، أي: وإن اختلف الرجل والمرأة، فطلبت المرأة في أجرة الرضاع كثيرًا ولم يجبها الرجل إلى ذلك، أو بذل الرجل قليلًا ولم توافقه عليه فليسترضع [¬٢] له غيرَها. فلو رَضيت الأم بما استؤجرت عليه الأجنبية فهي أحق بولدها.
وقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾، أي: لينفق علي المولود والده، أو وليه، بحسب قدرته: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا مَا آتَاهَا﴾، كقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾.
قال [¬٣] ابن جرير (^٣٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا حكام، عن أبي سنان؛ قال: سأل عمر بن الخطاب عن أبي [¬٤] عبيدة، فقيل: إنه يلبس الغليظ من الثياب، ويأكل أخشن المام. فبعث إليه بألف دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها إذا هو أخذها: فما لبث أن لبس اللين من الثياب، وأكل أطيب الطعام، فجاء الرسول فأخبره، فقال: ﵀، تأول هذه الآية: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني (^٣٤) في معجمه الكبير: حدثنا هاشم بن مرثد الطبراني، حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش، أخبرني أبي أخبرني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن [¬٥] أبي مالك الأشعري -واسمه الحارث- قال: قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة نفر، كان لأحدهم عشرة دنانير، فتصدق منها بدينار. وكان لآخر عشر أواق، فتصدق منها بأوقية [¬٦]. وكان لآخر مائة أوقية، فتصدق منها بعشر أواق". فقال رسول الله ﷺ: "هم في الأجر [¬٧] سواء كلٌّ تصدق بعشر ماله، قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ هذا حديث غريب من هذا الوجه.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٨/ ١٤٩).
(٢) المعجم الكبير (٣/ ٣٣١) (٣٤٣٩). قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ١١٤)، وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش وفيه ضعف. [¬١]- في ز: مضاررة. [¬٢]- في ز: فلترضع. [¬٣]- في ت: روي. [¬٤]- سقط من خ. [¬٥]- في ز: بن. [¬٦]- في ز: "بوقية. [¬٧]- في ز: الآخرة.
[ ١٤ / ٤١ ]
وقوله: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾: وعدٌ منه تعالى، ووعده حق، وهو لا يخلفه، وهذه كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) [¬١]﴾.
وقد روي الإمام أحمد (^٣٥) حديثًا يحسن أن نذكره هاهنا، فقال: حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد بن بهرام، حدثنا شهر بن حوشب؛ قال: قال أبو هريرة: بنا رجل وامرأة له في السلف الخالي لا يقدران على شيء، فجاء الرجل من سفره، فدخل على امرأته جائعًا قد أصاب مَشغَبةٌ [¬٢] شديدة فقال لامرأته: عندك شيء؟ قالت: نعم، أبشر أتاك [¬٣] رزق الله. فاستحثها، فقال: ويحك، ابتغي إن كان عندك شيء. قالت: نعم، هُنَيهة [¬٤]- ترجو رحمة الله - حتى إذا طال عليه الطوى [¬٥] قال: ويحك؟ قومي فابتغي إن كان عندك شيء فأتيني به، فإني قد بلغت وجَهِدتُ. فقالت: نعم، الآن يُنضج التنور فلا تعجل. فلما أن سكت عنها ساعة وتحيّنت أن يقول لها، قالت من عند نفسها: لو قمتُ فنظرت إلى تَنوري؟ فقامَتْ فنظرت إلى تَنورها ملآن جُنوبَ الغنم، [ورَحييها تطحَنان] [¬٦]. فقامت إلى الرحي فنفَضتها، واستخرجت ما في تنورها من جنوب الغنم.
قال أبو هريرة: فوالذي نفس أبي القاسم بيده هو قول محمد ﷺ: "لو أخذت ما في رَحْييها [¬٧] ولم تنفضها لطحنتها إلى يوم القيامة".
وقال في موضع آخر (^٣٦): حدثنا أبو عامر، حدثنا أبو بكر، عن هشام، عن [¬٨] محمد -هو ابن سيرين- عن أبي هريرة؛ قال: دخل رجل علي أهله، فلما رأي ما بهم من الحاجة خرج إلى البَرية، فلما رأت امرأته قامت إلي الرحي فرضعتها، وإلي التنور فسَجَرته، ثم قالت: اللهم ارزقنا. فنظرت، فإذا الجفنة قد امتلأت، قال [¬٩]: وذهبت إلي التنور فوجدته ممتلئًا، قال: فرجع الزوج، قال: أصبتم بعدي شيئًا؟ قالت امرأته: نعم، من ربنا. قام إلي الرحي، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ: "أما إنه لو لم ترفعها، لم تزل تدور إلي يوم القيامة".
_________________
(١) المسند (٢/ ٤٢١). قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٢٦٠): رواه أحمد ورجاله وثقوا.
(٢) المسند (٢/ ٥١٣). قال الهيثمي (١٠/ ٢٦٠): رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط بنحوه، ورجالهم رجال الصحيح غير شيخ البزار وشيخ الطبراني وهما ثقتان. [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز. [¬٢]- في ت: "مصبغة"، وفي ز: "مسبغة"، والمثبت من المسند. [¬٣]- في ز: أنالي. [¬٤]- في خ: هنية. [¬٥] في ز: الطول. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "ورحبتها يطحنان". [¬٧]- في ز: رحيها. [¬٨]- في ز: بن. [¬٩] في ز: قالت.
[ ١٤ / ٤٢ ]
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَي النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾
يقول تعالى متوعدًا لمن خالف أمره، وكذب رسله، وسلك غير ما شرعه، ومخبرًا عما حل بالأمم السالفة بسبب ذلك، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا [وَرُسُلِهِ] [¬١]﴾، أي: تمردت وطغَت واستكبرت عن اتباع أمر الله ومتابعة رسله، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾، أي: منكرًا فظيعًا.
﴿فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا﴾، أي: غبّ مخالفتها، وندموا حيث لا ينفع الندم، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، أي: في الدار الآخرة، مع ما عَجَّل لهم في الدنيا.
ثم قال بعد ما قَص من خبر هؤلاء: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، أي: الأفهام المستقيمة، لا تكونوا مثلهم فيصيبكم ما أصابهم يا أولي الألباب، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: صدقوا بالله ورسله، ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا﴾، يعني القرآن. كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [¬٢]﴾ وقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قال بعضهم: ﴿رَسُولًا﴾ منصوب على أنه بدل اشتمال وملابسة؛ لأن الرسول هو الذي بلغ الذكر.
وقال ابن جرير: الصواب أن الرسول ترجمة عن الذكر يعني تفسيرًا له؛ ولهذا قال: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾، أي: في حال كونها بينة واضحة جلية ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [. أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإِيمان والعلم. وقد سمى
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.
[ ١٤ / ٤٣ ]
الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا؛ لما يحصل به من الهدي، كما سماه روحًا؛ لما يحصل به من حياة القلوب، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [¬١].
وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾. قد تقدم تفسير مثل هذا غير مَرّة، بما أغنى عن إعادته.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن قدرته التامة وسلطانه العظيم، ليكون ذلك باعثًا على تعظيم ما شرع من الدين القويم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، كقوله إخبارًا عن نوح: إنه قال لقومه: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾. وقال تعالى: ﴿تسبح له السماوات السبع [والأرض ومن فيهن] [¬٢]﴾.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، أي: سبعًا أيضًا، كما ثبت في الصحيحين (^٣٧): " من ظلم قيدَ شِبر من الأرضِ طوّقه من سبع أرضين"، وفي صحيح البخاري (^٣٨): " خُسِف به إلى سبع أرضين"، وقد ذَكرتُ طرقه وألفاظه وعزوه في أول "البداية والنهاية" عند ذكر خلق الأرض وللَّه الحمد والمنة.
ومن حمل ذلك علي سبعة أقاليم، فقد أبعد النّجعة، وأغرق في النزع [¬٣]، وخالف القرآن والحديث بلا مستند. وقد تقدم في "سورة الحديد" عند قوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ذكر الأرضين السبع، وبعد ما بينهن، وكثافة كل واحدة منهن [خمسمائة عام] [¬٤]. وهكذا قال ابن مسعود وغيره، وكذا الحديث الآخر: "ما السماوات السبع وما
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: الظالم، باب: إثم من ظلم شيئًا من الأرض، حديث (٢٤٥٣) (٥/ ١٠٣)، وطرفه في (٣١٩٥). ومسلم في كتاب: البيوع، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها، حديث (١٤٢/ ١٦١٢)، (١١/ ٧١) كلاهما من حديث عائشة ﵂ وفي الصحيحين في نفس الموضع عن غيرها من الصحابة.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين، حديث (٣١٩٦) (٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣). [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من ز، خ. [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من ز. [¬٣]- في ز: الشرع. [¬٤]- ما بين المعكوفتين مكرر في ز.
[ ١٤ / ٤٤ ]
فيهن وما بينهن والأرضون [¬١] السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة" (^٣٩).
وقال ابن جرير (^٤٠): حدثنا عمرو بن عليّ، حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم بن مُهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم [¬٢] تكذيبكم بها.
وحدثنا ابن حميد (^٤١)، حدثنا يعقوب بن عبد الله بن سعد القُمّي [¬٣] الأشعري، عن جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي، عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن عباس: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ. . .﴾ الآية، فقال ابن عباس: ما يؤمنك إن أخبرتك بها فتكفر.
وقال ابن جرير (^٤٢): حدثنا عمرو بن عليّ، ومحمد بن المثنى؛ قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال عمرو: قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق. وقال ابن المثنى في حديثه: في كل سماء إبراهيم.
وقد روى البيهقي (^٤٣) في كتاب "الأسماء والصفات" هذا الأثر عن ابن عباس بأبسط من هذا، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وحدثنا أحمد بن يعقوب، حدثنا عبيد بن غنام النخعي، أخبرنا عليّ بن حكيم، حدثنا شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس أنه قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: سبع أرضين، في كل أرض نبي كنبيكم، وأدم كآم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسي كعيسي.
_________________
(١) أورده المصنف في البداية والنهاية (١/ ١٤ - ١٥) وعزاه إلى ابن مردوية من طريق الطبراني بنحو ذلك من حديث أبي ذر. وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٥٨٧) (٢٢٠) من حديث أبي ذر أيضًا بنحو حديث إلى مردويه.
(٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٣).
(٣) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٣).
(٤) تفسير الطبري (٢٨/ ١٥٣).
(٥) الأسماء والصفات (٢/ ٢٦٧) (٨٣١). [¬١]- في ز: والأرضين. [¬٢]- في ز: وكفرتم. [¬٣]- في: اللّمي.
[ ١٤ / ٤٥ ]
ثم رواه البيهقي من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن ابن عباس في قول الله ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، قال: في كل أرض نحو إبراهيم ﵇.
ثم قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عباس صحيح وهو شاذ بمرة، لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعًا، والله أعلم.
قال الإِمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتابه "التفكر [¬١] والاعتبار": حدثني إسحاق بن حاتم المدائني، حدثنا يحيى بن سليمان، عن عثمان بن أبي دهرش؛ قال: بلغني أن رسول الله ﷺ انتهى إلى أصحابه وهم سكوت لا يتكلمون، فقال: "ما لكم لا تتكلمون؟ " فقالوا: نتفكر في خلق الله ﷿. قال: "فكذلك فافعلوا، تفكروا في خلقه ولا تفكروا فيه، فإن بهذا المغرب أرضًا بيضاء، نورها ساحتها -أبي قال: ساحتها نورها- مسيرة الشمس أربعين يومًا، بها [خلقٌ من خلقِ] [¬٢] الله لم يعصُوا الله طَرفة عين قطّ". قالوا: فأين الشيطان عنهم؟ قال: "ما يدرون خلق الشيطان أم لم يخلق". قالوا: أمن ولد آدم؟ قال: "ما يدرون خلق آدم أم لم يخلق".
وهذا حديث مرسل، وهو منكر جدًّا، وعثمان بن أبي دهرش ذكره ابن أبي حاتم في كتابه فقال: روي عن رجل من آل الحكم بن أبي العاص، وعنه سفيان بن عيينة، ويحيى بن سليم الطائفي، وابن المبارك، سمعت أبي يقول ذلك.
[آخر [تفسير سورة] [¬٣] الطلاق].
* * *
_________________
(١) [¬١]- في ز، خ: التفكير. [¬٢]- في ت: "خلق". [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من ز.
[ ١٤ / ٤٦ ]