قال الإمام أحمد (^١): حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قرة؛ قال [¬١]: سمعت عبد الله بن مغفل يقول: قرأ رسول الله ﷺ عام الفتح [في مسيره] [¬٢] سورة الفتح علي راحلته فرجع فيها. قال معاوية: لولا أني أكره أن يجتمع الناس علينا لحكيت لكم [¬٣] قراءته. أخرجاه من حديث شعبة به.
﷽
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾
نزلت هذه السورة الكريمة لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، حين صدّه المشركون عن الوصول إلي المسجد الحرام ليقضي عمرته فيه، وحالوا بينه وبين ذلك، ثم مالوا إلي المصالحة والمهادنة، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتي من قابل، فأجابهم إلي ذلك علي تكرّه من جماعة من الصحابة، منهم عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في موضعه من تفسير هذه السورة إن شاء الله. فلما نحر هديه حيث أحصر ورجع، أنزل الله ﷿ هذه السورة فيما كان من أمره وأمرهم، وجعل ذلك الصلح فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة، وما آل الأمر إليه، كما رُوِيَ عن ابن مسعود ﵁ وغيره [¬٤] أنه قال: إنكم تعدون الفتح فتحَ مكة، ونحن نعد الفتحَ صلحَ الحديبية.
وقال الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر؛ قال: ما كنا نعدّ الفتح إلا يوم الحديبية.
وقال البخاري (^٢): حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
_________________
(١) - المسند (٥/ ٥٤)، وأخرجه أحمد أيضًا في (٤/ ٨٥، ٥٥، ٥٦)، والبخاري في المغازي، باب أين ركز النبي ﷺ الراية يوم الفتح؟ حديث (٤٢٨١)، وأطرافه في (٤٨٣٥، ٥٠٣٤، ٥٠٤٧، ٧٥٤٠)، ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها، حديث (٧٩٤) من طريق شعبة به.
(٢) - صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٥٠)، والحديث في المسند أيضًا (٤/ ٢٩٠، ٣٠١) من طريق إسرائيل به. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز، خ: أي. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: أو غيره.
[ ١٣ / ٨٤ ]
البراء؛ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعدّ الفتح بيعةَ الرضوان يوم الحديبية، كنا معَ رسول الله ﷺ أربع عَشرةَ مائة، والحديبيةُ [بئر، فنزحناها فلم نَتْرُكْ [¬١]] [¬٢] فيها قطرة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاها فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم تمضمض ودعا، ثم صَبَّه فيها، فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدَرَتنَا ما شئنا نحن وركائبنا.
وقال الإمام أحمد (^٣): حدثنا أبو [¬٣] نوح، حدثنا مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب؛ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، قال [¬٤]: فسألته عن شيء -ثلاث مرات- فلم يرد علي، قال: فقلت لنفسي: ثكلتك أمك يا بن الخطاب نَزَرْتَ رسول الله ﷺ ثلاث مرات فلم يرد عليك [¬٥]؟ قال: فركبت راحلتي فتقدمت مخافة أن يكون نزل [¬٦] فيّ شيء، قال: فإذا أنا بمناد ينادي [¬٧]: يا عمر، [أين عمر] [¬٨]؟. قال: فرجعت وأنا أظن أنه نزل فيّ شيء، قال: فقال النبي ﷺ: "نزلت علي الليلة [¬٩] سورة هي أحب إليّ من الدنيا وما فيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾.
ورواه البخاري، والترمذي، والنسائي، من طرق عن مالك ﵀.
وقال علي بن المديني: هذا إسناد مديني لم نجده إلا عندهم.
وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس بن مالك ﵁ قال: نزلت على النبي ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ مَرجِعَه من الحديبية. قال النبي ﷺ: "لقد أنزلت
_________________
(١) - المسند (١/ ٣١) (٢٠٩)، وأخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية حديث (٤١٧٧)، وأطرافه في (٤٨٣٣، ٥٠١٢)، والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة الفتح، حديث (٣٢٦٤)، والنسائي في التفسير (٥١٩) من طريق مالك به.
(٢) - المسند (٣/ ١٩٧)، وأخرجه الترمذي في تفسير القرآن، باب: "ومن سورة الفتح"، = [¬١]- في ز: نقول. [¬٢]- ما بين المعكوفتين في خ: "هي قبر حساها فلم تقول". [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز: ما. وسقط من خ. [¬٥]- في خ: على. [¬٦]- سقط من ز، خ. [¬٧]- سقط من ز، خ. [¬٨]- سقط من ز، خ. [¬٩]- في حاشية ز: البارحة. وعليها علامة "خـ" وتعني: نسخة.
[ ١٣ / ٨٥ ]
عليّ آية أحب إليّ مما على الأرض"، ثم قرأها عليهم النبي ﷺ فقالوا: هنيئًا [¬١] مريئًا يا نبي الله؛ لقد [¬٢] بين الله ﷿ ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فنزلت [¬٣] عليه: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾ حتى بلغ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أخرجاه في الصحيحين من رواية قتادة به.
وقال الإمام أحمد (^٥): حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا مجمع بن يعقوب؛ قال [¬٤]: سمعت أبي يحدث، عن عمه عبد الرحمن بن يزيد الأنصاري، عن عمه مجمع بن جارية [¬٥] الأنصاري -وكان أحد القراء الذين قرءوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا عنها إذا الناس يُنفِرُونَ [¬٦] الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ قالوا: أوحي إلى رسول الله ﷺ، فخرجنا مع الناس نوجفُ [¬٧]، فإذا رسول الله ﷺ على راحلته عند [¬٨] كراع الغَميم، فاجتمع الناس عليه فقرأ عليهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: أي رسولَ الله؛ وَفَتحٌ هو؟ قال: "إي والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح". فقسمت [¬٩] خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله ﷺ عل [¬١٠] ثمانية عشر سهمًا، [وكان الجيش] [¬١١] ألفًا وخمسمائة [منهم ثلاثمائة] [¬١٢] فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهمًا. ورواه أبو داود [في الجهاد] [¬١٣] عن محمد بن [عيسى عن مُجَمّع] [¬١٤] بن يعقوب به [¬١٥].
_________________
(١) = حديث (٣٢٦٣) عن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق به. وأخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٧٢) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، حديث (١٧٨٦) من طريق قتادة عن أنس به نحوه.
(٢) - المسند (٣/ ٤٢٠)، وأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب: فيمن أسهم له سهمًا، حديث (٢٧٣٦)، وفي كتاب الخراج والإمارة والفئ، باب: ما جاء في حكم أرض خيبر، حديث (٣٠١٥) من حديث مجمع بن يعقوب به. [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: فأنزلت. وسقط من خ. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في ز: حارثة. [¬٦]- في- ز، خ: يتفرقون. [¬٧]- في ز: فوجف. [¬٨]- سقط من خ. [¬٩]- في ز، خ: فسمت. [¬١٠]- سقط من ز، خ. [¬١١]- في ز، خ: "وجاءوا جيش". [¬١٢]- سقط من ت. [¬١٣]- بياض في ز. [¬١٤]- في ز، خ: عبد الله عن محمد. [¬١٥]- سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ٨٦ ]
وقال ابن جرير (^٦): حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، حدثنا أبو بحر [¬١]، حدثنا شعبة [¬٢]، حدثنا جامع بن شداد، عن عبد الرحمن بن أبي علقمة، قال: سمعت عبد الله بن مسعود، يقول: لما أقبلنا من الحديبية أعرسنا فنمنا، فلم نستيقظ إلا بالشمس قد طلعت، فاستيقظنا ورسول الله ﷺ نائم.
قال: فقلنا: "امضوا". فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: "افعلوا كما [¬٣] كنتم تفعلون، [وكذلك] [¬٤] من نام أو نسي". قال: وفقدنا ناقة رسول الله ﷺ، فطلبناها فوجدناها قد تعلق خطامُها بشجرة، فأتيته بها فركبها، فبينا نحن [¬٥] نسير إذ أتاه الوحي، قال: وكان إذا إتاه اشتد عليه، فلما سُري عنه أخبرنا أنه أنزل عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
وقد رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي من غير وجه عن جامع بن شداد به.
وقال الإمام أحمد (^٧): حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن زياد بن علاقة؛ قال: سمعتُ المغيرةَ بن شعبة، يقول: كان النبي، ﷺ، يصلي [¬٦] حتى تَرِم [¬٧] قدماه، فقيل له: أليس قد غفَر الله لك ما تقدم من ذنبك ومما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ ".
أخرجاه، وبقية الجماعة إلا أبا داود، من حديث زياد به.
وقال الإمام أحمد (^٨): حدثنا هارون بن معروف، حدثنا ابن وهب، حدثني أبو صخر،
_________________
(١) - تفسير الطبري (٢٦/ ٦٩).
(٢) - المسند (٤/ ٢٥٥)، وأخرجه في (٤/ ٢٥١، ٢٥٥)، والبخاري في التهجد، باب: قيام النبي ﷺ، حديث (١١٣٠)، وطرفاه في (٤٨٣٦، ٦٤٧١)، ومسلم في صفات المنافقين، حديث (٢٨١٩)، والترمذي في الصلاة، باب: ما جاء في الاجتهاد في الصلاة، حديث (٤١٢)، والنسائي في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب: الاختلاف على عائشة في إحياء الليل (٣/ ٢١٩)، وفي الكبرى (١٣٢٥، ١١٥٠١)، وابن ماجة حديث في إقامة الصلاة، باب: ما جاء في طول القيام في الصلوات حديث (١٤١٩) وابن خزيمة (١١٨٢، ١١٨٣) من طرق عن زياد بن علاقة به.
(٣) - المسند (٦/ ١١٥)، وأخرجه مسلم في صفات المنافقين حديث (٢٨٢٠) عن هارون= [¬١]- بياض في ز، خ. [¬٢]- بياض في ز، خ. [¬٣]- في خ: ما. [¬٤]- في ز: "فكذلك يفعل". وفي خ: "فكذلك يفعل". [¬٥]- سقط من ز، خ. [¬٦]- سقط من ز. [¬٧]- في ز، خ: تورم.
[ ١٣ / ٨٧ ]
عن ابن قسيط، عن عروة [بن] [¬١] الزبير، عن عائشة؛ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا صلى قام حتى تتَفطر رجلاه، فقالت له عائشة: يا رسول الله، أتصنع [¬٢] هذا وقد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "يا عائشة؛ أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ ".
أخرجه مسلم في الصحيح من رواية عبد الله بن وهب به.
وقال ابن أبي حاتم (^٩): حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عون الخراز -وكان ثقة بمكة- حدثنا محمد [¬٣] بن بشر، حدثنا مسعر، [عن قتادة] [¬٤]، عن أنس، قال: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه -أو قال: ساقاه- فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنْبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا". غريب من هذا الوجه.
فقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ أي: بيّنًا ظاهرًا، والمراد به صلح الحديبية، فإنه حصل بسببه خير جزيل، وآمن الناس واجتمع بعضهم ببعض [¬٥]، وتكلم المؤمن مع الكافر، وانتشر العلم النافع والإِيمان.
وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾: هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه- التي لا يشاركه فيها [¬٦] غيره. وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غَفَر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله ﷺ، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- في جميع أموره علي الطاعة والبر والاستقامة التي لم ينلها بَشَرٌ سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين، وهو أكمل البشر علي الإِطلاق، وسيدهم في الدنيا والآخرة.
_________________
(١) = ابن معروف، وهارون بن سعيد الأيلي، عن ابن وهب به. وأخرجه البخاري في التفسير، باب: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ …﴾ حديث (٤٨٣٧) من طريق أبي الأسود، عن عروة به بنحوه وفيه زيادة في آخره.
(٢) - أخرجه أبو يعلى في مسند و(٢٩٠٠) والطبراني في الأوسط (٥٧٣٧) عن عبد الله بن عون الخراز به. وأخرجه ابن عدي في الكامل (٣/ ٢٤٥) من طريق محمد بن بشر به. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٢٧٤): رواه أبو يعلى والبزار والطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح). [¬١]- في ز: "عن ابن". وفي خ: "عن أبي". [¬٢]- في ز، خ؛ أتفعل. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- سقط من خ. [¬٥]- في ز: بعضًا. [¬٦]- سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ٨٨ ]
ولما كان أطوع خلق الله لله، وأكثرهم تعظيمًا لأوامره ونواهيه قال حين بركت به الناقة: "حبسها حابس الفيل". ثم قال: "والذي نفسي بيده، لا يسألوني اليوم شيئًا يعظمون به حُرمات الله إلا أجبتهم إليها" (^١٠).
فلما أطاع الله في ذلك وأجاب إلى الصلح، قال الله له: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيكَ﴾ أي: في الدنيا والآخرة ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم، ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أي: بسبب خضوعك لأمر الله يرفعُك الله وينصرك على أعدائك. كما جاء في الحديث الصحيح (^١١): " وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله". وعن عمر بن الخطاب أنه قال: ما عاقبت-[أي: في الدنيا والآخرة] [¬١]- أحدًا عصى الله تعالى فيكَ بمثل أن تطيعَ الله فيه.
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾
يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي: جعل الطمأنينة. قاله ابن عباس، وعنه: الرحمة.
_________________
(١) - جزء من حديث المسور بن مخرمة، ومروان في قصة الحديبية، أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب: الشروط في الجهاد، حديث (٢٧٣١، ٢٧٣٢).
(٢) - جزء من حديث أبي هريرة تقدم تخريجه في تفسر سورة الإسراء وأوله: "ما نقص مال من صدقة". [¬١]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ٨٩ ]
وقال قتادة: الوقار في قلوب المؤمنين. وهم الصحابة يوم الحديبية، الذين استجابوا لله ولرسوله، وانقادوا لحكم الله ورسوله، فلما اطمأنت قلوبهم بذلك، واستقرت، زادهم ايمانًا مع إيمانهم.
وقد استدل به البخاري وغيره من الأئمة على تفاضل الإيمان في القلوب.
ثم ذكر تعالى أنه لو شاء لانتصر من الكافرين فقال: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ولو أرسل عليهم مَلكًا واحدًا لأباد خَضْراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ثم قال تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، قد تقدم حديث أنس (^١٢): قالوا: هنيئًا لك يا رسول الله؛ هذا لك فما لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا، ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: خطاياهم وذنوبهم، فلا يعاقبهم [¬١] عليها، بل يعفو ويصفح ويغفر، ويستر ويرحم ويشكر، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. كقوله: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ وقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أي: يتهمون الله في حكمه، ويظنون بالرسول وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال: ﴿عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أي: أبعدهم من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
ثم قال مؤكدًا لقدرته علي الانتقام من الأعداء أعداء الإِسلام من الكفرة والمنافقين: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾
_________________
(١) - تقدم تخريجه برقم (٤). [¬١]- في ز: يقابلهم.
[ ١٣ / ٩٠ ]
يقول تعالى لنبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه- ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ أي: علي الخلق، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ أي: للمؤمنين، ﴿وَنَذِيرًا﴾ أي: للكافرنى. وقد تقدم تفسيرها في "سورة الأحزاب".
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: يعظموه. ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾، من التوقير وهو الاحترام والإِجلال والإِعظام ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ أي: يسبحون الله ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ أي: أول النهار وآخره.
ثم قال تعالى لرسوله، ﷺ، تشريفًا له وتعظيمًا وتكريمًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾، كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾ أي: هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويري مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع [¬١] بواسطة رسوله ﷺ، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا الفضل بن يحيى الأنباري، حدثنا علي بن بكار، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من سل سيفه في سبيل الله، فقد بايع الله".
وحدثنا أبي (^١٣)، حدثنا يحيى بن المغيرة، أخبرنا جرير، عن عبد الله بن عثمان بن خُثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ قال: قال رسول الله ﷺ في الحَجَر: "والله ليبعثنه [¬٢] الله يوم القيامة له عينان ينظر بهما، ولسان ينطق به، ويشهد علي من استلمه بالحق، فمن استلمه فقد بايع الله"، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾.
ولهذا قال هاهنا: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود وَبَالُ ذلك
_________________
(١) - أخرجه الترمذي في الحج، باب: ما جاء في الحجر الأسود، حديث (٩٦١) من طريق جرير، عن ابن خثيم به. وأخرجه أحمد (١/ ٢٤٧، ٢٦٦، ٢٩١، ٣٠٧، ٣٧١،)، والدارمي (١٨٤٦)، وابن ماجة (٢٩٤٤)، وابن خزيمة (٢٧٣٥، ٢٧٣٥) من طرق عن ابن خثيم به. [¬١]- في ز، خ: البايع. [¬٢]- في ت: ليبعثه.
[ ١٣ / ٩١ ]
على الناكث، والله غني عنه، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثوابًا جزيلًا. وهذه البيعة هي بيعة الرضوان وكانت تحت شجرة سمر بالحديبية، وكان الصحابة الذين بايعوا رسول الله ﷺ يومئذ قيل: ألف [¬١] وثلثمائة. وقيل: أربعمائة [¬٢]. وقيل: وخمسمائة. والأوسط أصح.
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
قال البخاري (^١٤): حدثنا قتيبة، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن جابر؛ قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة. ورواه مسلم من حديث سفيان بن عيينة به. وأخرجاه (^١٥) أيضًا من حديث الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر؛ قال: كنا يومئذ ألفًا وأربعمائة، ووضع يده في ذلك الماء فنبع الماء [¬٣] من بين أصابعه، حتى رَوَوْا كلهم.
وهذا مختصر من سياق آخر حين ذكر قصة عطشهم يوم الحديبية، وأن رسول الله ﷺ أعطاهم سهمًا من كنانته فوضعوه في بئر الحديبية، فجاشت بالماء، حتى كفتهم، فقيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: كنا ألفًا وأربعمائة، ولو كنا مائة ألف لكفانا. وفي رواية في [¬٤] الصحيحين (^١٦) عن جاير أنهم كانوا خمس عشرة مائة.
وروى البخاري (^١٧) من حديث قتادة قلت لسعيد بن المسيب: كم كان الذين شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مائة.
[قلت: فإن جابر بن عبد الله ﵄ قال: كانوا أربع عشرة مائة. قال ﵀: وَهِمَ، هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة. قال البيهقي: هذه الرواية تدل على أنه كان في القديم يقول: خمس عشرة مائة، ثم ذكر الوهم فقال: أربع عشرة مائة] [¬٥].
_________________
(١) - صحيح البخاري في التفسير، باب: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، حديث (٤٨٤٠)، وأخرجه مسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٦) (٧١) من طرق عن سفيان به وعنده زيادة مرفوعة.
(٢) - أخرجه البخاري في الأشربة، باب: شرب البركة والماء المبارك حديث (٥٦٣٩)، ومسلم في كتاب الإمارة، حديث (١٨٥٦) (٧٤) من طريق الأعمش به.
(٣) - صحيح البخاري في الأشربة، باب: شرب البركة والماء المبارك، حديث (٥٦٣٩) ومسلم في الإمارة حديث (١٨٥٦) (٧٢) من حديث عمرو بن مرة عن سالم عن جابر.
(٤) - هذا نص رواية البيهقي في الدلائل (٤/ ٩٧) من طريق قرة بن خالد عن قتادة به. وأخرجه= [¬١]- في ز: ألفا. [¬٢]- في خ: وأربعمائة. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- سقط من ت، خ. [¬٥]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ.
[ ١٣ / ٩٢ ]
وروى العوفي [¬١] عن ابن عباس؛ أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وخمسة وعشرين.
والمشهور الذي رواه غير واحد عنه أربع عشرة مائة، وهذا هو الذي رواه البيهقي (^١٨)، عن الحاكم، عن الأصم، عن العباس الدوري، عن يحيى بن معين [¬٢]، عن شَبَابة بن سوار، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة. وكذلك هو في رواية سلمة بن الأكوع (^١٩)، ومعقل بن يسار (^٢٠)، والبراء بن عازب (^٢١). وبه يقول غير واحد من أصحاب المغازي والسير. وقد أخرج صاحبا الصحيح (^٢٢) من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، قال [¬٣]: سمعت عبد الله بن أبي أوفى؛ يقول: كان أصحاب الشجرة ألفًا وأربعمائة [¬٤]، وكانت أسْلَمُ يومئذ ثُمْنَ المهاجرين.
وروى محمد بن إسحاق في السيرة (^٢٣)، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المشور [ابن مخرمة] [¬٥] ومَرْوان بن الحكم أنهما حدثاه؛ قالا: خرج رسول الله ﷺ عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالًا، وساق معه الهدي سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، كل بدنة عن عشرة نفر. وكان جابر بن عبد الله -فيما بلغني عنه- يقول: كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة كذا قال ابن إسحاق، وهو [معدود من أوهامه [¬٦]] [¬٧]، فإن المحفوظ في الصحيحين أنهم كانوا بضع عشرة مائة.
_________________
(١) = البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٥٣) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة به نحوه.
(٢) - أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٩٨).
(٣) - أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد، والسير، حديث (١٨٠٧) من حديث إياس بن مسلمة عن أبيه.
(٤) - أخرجه أحمد (٥/ ٢٥)، ومسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٨) من حديث الحكم بن عبد الله الأعرج عن معقل بن يسار.
(٥) - تقدم في رقم (٢).
(٦) - أخرجه البخاري في المغازي، باب: غزوة الحديبية، حديث (٤١٥٥) ومسلم في الإمارة، حديث (١٨٥٧) قال البخاري: قال عبيد الله بن معاذ، وقال مسلم: حدثنا عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به.
(٧) - سيرة ابن هشام (٣/ ٢٦٥)، وأخرجه أحمد (٤/ ٣٢٣)، وابن خزيمة في صحيحه (٢٩٠٦) من طريق ابن إسحاق به. [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في خ: الغيرة. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز: وثلثمائة. [¬٥]- سقط من ز، خ. [¬٦]- في ز: رواته. [¬٧]- ما بين المعكوفين في خ: "معذور ومن رواية".
[ ١٣ / ٩٣ ]