قال النسائي (^١): أخبرنا عبد الوهاب بن الحكم، أخبرني يحيى بن سعيد، عن سليمان، عن [¬١] محارب بن دثار وأبي صالح، عن جابر؛ قال: صلى معاذ صلاة، فجاء رجل فصلى معه فطول، فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذًا [¬٢] فقال: منافق. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فسأل [¬٣] الفتى، فقال: يا رسول اللَّه؛ [جئت أصلي معه فطول] [¬٤] عليَّ، فانصرفت وصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناضحي. فقال رسول الله ﷺ: "أفتان [¬٥] يا معاذ؟ أين أنت من ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - و﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و﴿الْفَجْرِ﴾ - و﴿اللَّيلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ".
بِسم الله الرحمان الرحيم
﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ (٤) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥) أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (١٠) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (١٤)﴾
أما الفجر فمعروف، وهو الصبح. قاله علي وابن عباس [¬٦]، ومجاهد، وعكرمة، والسدي.
وعن مسروق، ومجاهد، ومحمد بن كعب: المراد به فجر يوم النحر خاصة، وهو خاتمة الليالي العشر.
وقيل المراد بذلك الصلاة التي تفعل عندهم، كما قاله عكرمة.
_________________
(١) أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: و"الشفع"، حديث (١١٦٧٣) (٦/ ٥١٥). [¬١]- في ز، خ: ابن. [¬٢]- في ز: معاذ. [¬٣]- في ز، خ: قال: [¬٤]- في ز: "حيث أصلي معه يطول". [¬٥]- في ز: أفتانا. [¬٦]- بياض في ز، خ.
[ ١٤ / ٣٣٧ ]
وقيل: المراد به جميع النهار. وهو رواية عن ابن عباس.
والليالي العشر: المراد بها عشر ذي الحجة. كما قاله ابن عباس وابن الزبير، ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف. وقد ثبت في صحيح البخاري (^٢)، عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن [] [¬١] من هذه الأيام" -يعني: عشر ذي الحجة- قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلًا خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء". وقيل: المراد بذلك العشر الأول من المحرم، حكاه أبو جعفر بن جرير ولم يعزه إلى أحد.
وقد روى أبو كدينة، عن قابوس بن أبي ظبيان، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، قال: هو العشر الأول من رمضان.
والصحيح القول الأول؛ قال الإمام أحمد (^٣):
حدثنا زيد [¬٢] بن الحباب، حدثنا عياش بن عقبة، حدثني خير بن نعيم [¬٣]، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "إن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر".
ورواه النسائي عن محمد بن رافع وعبدة بن عبد الله، كل منهما عن زيد بن الحباب، به.
ورواه ابن جرير (^٤) وابن أبي حاتم، من حديث زيد بن الحباب به. [وهذا إسناد رجاله لا بأس بهم وعندي أن المتن في رفعه نكارة، والله أعلم] [¬٤].
وقوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ قد تقدم في هذا الحديث أن الوتر يوم عرفة، لكونه التاسع، وأن الشفع يوم النحر لكونه العاشر. وقاله ابن عباس، وعكرمة، والضحاك أيضًا.
(قول ثان)، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثني عقبة بن خالد، عن واصل بن السائب قال: سألت عطاء عن قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قلت [¬٥]: صلاتنا
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: العيدين، باب: فضل العمل في أيام التشريق، حديث (٩٦٩) (٢/ ٢ / ٤٥٧) ولفظه "ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه … " الحديث. وقد بين ابن حجر في شرحه الروايات الواردة في ذلك وأزال الإشكال الوارد في هذه الرواية فليراجع فإن فيه فوائد جمة.
(٢) المسند (٣/ ٣٢٧) (١٤٥٥٣). والنسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، سورة الفجر، حديث (١١٦٧١، ١١٦٧٢) (٦/ ٥١٤).
(٣) تفسير الطبري (٣٠/ ١٦٩) طرفًا منه. [¬١]- في ز، خ: العمل. [¬٢]- في خ: يزيد. [¬٣]- في ز: أحيم. [¬٤]- ما بين المعكوفين سقط من ت. [¬٥]- في ز: قال:
[ ١٤ / ٣٣٨ ]
وترنا هذا؟ قال: لا، ولكن الشفع يوم عرفة والوتر ليلة الأضحى.
(قول ثالث)، و[¬١] قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عامر بن إبراهيم الأصبهاني، حدثني أبي، عن النعمان -يعني ابن عبد السلام- عن أبي سعيد بن عوف، حدثني بمكة قال: سمعت عبد الله بن الزبير يخطب الناس، فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الشفع والوتر. فقال: الشفع قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَينِ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾، والوتر قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾.
وقال ابن جريج [¬٢]: أخبرني محمد بن المرتفع أنه سمع ابن الزبير يقول: الشفع أوسط أيام التشريق، والوتر آخر أيام التشريق.
وفي الصحيحين (^٥) من رواية أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ: "إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر".
(قول رابع)، قال الحسن البصري، وزيد بن أسلم: الخلق كلهم شفع، ووتر، أقسم تعالى بخلقه. وهو رواية عن مجاهد، والمشهور عنه الأول.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: الله وتر واحد، وأنتم شفع. ويقال: الشفع صلاة الغداة، والوتر: صلاة المغرب.
(قول خامس)، قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبيد [¬٣] الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: الشفع الزوج، والوتر: الله ﷿.
وقال أبو عبد [¬٤] الله عن مجاهد: الله الوتر، وخلقه الشفع، الذكر [¬٥] والأنثى.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: كل شيء خلقه الله شفع، السماء والأرض، والبر والبحر، والجن والإِنس، والشمس والقمر، ونحو هذا. ونحا مجاهد في هذا ما ذكروه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيءٍ خَلَقْنَا زَوْجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: لتعلموا أن خالق الأزواج واحد.
(قول سادس)، قال قتادة، عن الحسن: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾: هو العدد، منه شفع ومنه
_________________
(١) تقدم تخريجه في تفسير سورة الفاتحة. [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز، خ: جرير. [¬٣]- في ز، خ: عبد. [¬٤]- في ز: عبيد. [¬٥]- في ز: والذكر.
[ ١٤ / ٣٣٩ ]
وتر.
(قول سابع) في الآية الكريمة رواه ابن أبي حاتم وابن جرير من طريق ابن جريج ثم قال ابن جرير (^٦): وروي عن النبي ﷺ خبر يؤيد القول الذي ذكرنا عن أبي [¬١] الزبير: حدثني عبد الله بن أبي زياد القطواني [¬٢]، حدثنا زيد بن الحباب، أخبرني عياش بن عقبة، حدثني خير [¬٣] بن نعيم، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "الشفع اليومان، والوتر اليوم الثالث".
هكذا أورد [¬٤] هذا الخبر بهذا اللفظ، وهو مخالف لما تقدم من اللفظ في رواية أحمد والنسائي وابن أبي حاتم، وما رواه هو أيضًا، والله أعلم.
قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وغيرهما: هي الصلاة، منها شفع كالرباعية والثنائية، ومنها وتر كالمغرب، فإنها ثلاث، وهي وتر النهار. وكذلك صلاة الوتر في آخر التهجد من [¬٥] الليل.
وقد قال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن عمران بن حصين: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾، قال: هي الصلاة المكتوبة، منها شفع ومنها وتر، وهذا منقطع وموقوف، ولفظه خاص بالمكتوبة. وقد روي متصلًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولفظه عام، قال الإمام أحمد (^٧):
حدثنا أبو داود هو الطيالسي، حدثنا همام، عن قتادة، عن عمران بي عصام [¬٦]؛ أن شيخًا حدثه من أهل البصرة، عن عمران بن حصين؛ أن رسول الله ﷺ سئل عن الشفع والوتر؛ فقال: "هي الصلاة، بعضها شفع، وبعضها وتر".
هكذا وقع في المسند، وكذا رواه ابن جرير (^٨) عن بندار، عن عفان وعن أبي كريب، عن عبيد الله بن موسى، كلاهما [¬٧] عن همام -وهو ابن يحيى- عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن شيخ، عن عمران بن حصين.
_________________
(١) تفسير الطبري (٣٠/ ١٧٢).
(٢) المسند (٤/ ٤٣٧) (١٩٩٧٣).
(٣) تفسير الطبري (٣٠/ ١٧٢). [¬١]- في خ: ابن. [¬٢]- في ز، خ: القطناني. [¬٣]- في ز، خ: حر. وفي المطبوع من الطبري: جبير. [¬٤]- في ت: ورد. [¬٥]- في ز: في. [¬٦]- في ز: عاصم. [¬٧]- في ت: كليهما.
[ ١٤ / ٣٤٠ ]
وكذا رواه أبو عيسى الترمذي (^٩)، عن عمرو بن علي، عن ابن مهدي وأبي داود، كلاهما [¬١] عن همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن رجل من أهل البصرة، عن عمران بن حصين، به. ثم قال: غريب، لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس [] [¬٢] أيضًا عن قتادة.
وقد روي عن عمران بن عصام، عن عمران نفسه، والله أعلم.
قلت: ورواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام، عن قتادة، عن عمران بن عصام الضبعي، -شيخ من أهل البصرة- عن عمران ابن حصين، عن النبي ﷺ … فذكره، هكذا رأيته في تفسيره، فجعل الشيخ البصري هو عمران بن عصام.
وهكذا رواه ابن جرير (^١٠): حدثنا نصر بن علي، حدثني أبي، حدثني خالد بن قيس، عن قتادة، عن عمران بن عصام، عن عمران بن حصين، عن النبي ﷺ في الشفع والوتر قال: "هي الصلاة، منها شفع، ومنها وتر".
فأسقط ذكر الشيخ المبهم، وتفرد به عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري، إمام مسجد بني ضبيعة، وهو والد أبي جمرة [¬٣] نصر بن عمران الضبعي. روى عنه قتادة، وابنه أبو جمرة [¬٤]، والمثنى [¬٥] بن سعيد، وأبو التياح يزيد بن حميد. وذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وذكره خليفة بن خياط في التابعين من أهل البصرة، وكان شريفًا نبيلًا [¬٦] حظيًّا عند الحجاج بن يوسف، ثم قتله يوم الزاوية سنة ثلاث وثمانين لخروجه مع ابن الأشعث، وليس له عند الترمذي سوى هذا الحديث الواحد. وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله أعلم.
ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر.
وقوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: أي إذا ذهب.
وقال عبد الله بن الزبير: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ [¬٧]﴾ حتى يذهب بعضه بعضًا.
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الفجر، حديث (٣٣٣٩) (٩/ ٧٠).
(٢) تفسير الطبري (٣٠/ ١٧٢). [¬١]- في ت: كليهما. [¬٢]- في ز: بن قيس. كذا. [¬٣]- في ز، خ: حمزة. [¬٤]- في ز، خ: حمزة. [¬٥]- في ز: وأنس. [¬٦]- سقط من ز، خ. [¬٧]- في ز: يسري. وكذلك في كل موضع تذكر فيه بعد ذلك.
[ ١٤ / ٣٤١ ]
وقال مجاهد، وأبو العالية، وقتادة، ومالك، عن زيد بن أسلم وابن زيد: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾: إذا سار.
وهذا يمكن [¬١] حمله على ما قال ابن عباس، أي: ذهب. ويحتمل أن يكون المراد إذا سار، أي: أقبل. وقد يقال: أن هذا أنسب، لأنه في مقابلة قوله: ﴿وَالْفَجْرِ﴾، فإن الفجر هو إقبال النهار وإدبار الليل، فإذا حمل قوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْرِ﴾، على (قباله كان قسمًا بإقبال الليل وإدبار النهار. وبالعكس، كقوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾. وكذا قال الضحاك: ﴿إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يجري.
وقال عكرمة: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْر﴾، يعني: ليلة جمع [¬٢]. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عصام، حدثنا أبو عامر، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو قال: سمعت محمد بن كعب القرظي، يقول في قوله: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَسْر﴾، قال: اسر يا سار [¬٣] ولا تبيتن إلا بجَمْع.
وقوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾، أي: لذي عقل ولب وحجًّا [¬٤]، وإنما سمى العقل حجْرًا لأنه يمنع الإنسان من [¬٥] تعاطى ما لا يليق به من الأفعال والأقوال، ومنه جر البيت لأنه يمنع الطائف من اللصوق بجداره الشامي. ومنه حجر اليمامة، وحَجَرَ الحاكم على فلان: إذا منعه التصرف، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، كل هذا من قبيل واحد، ومعنى متقارب، وهذا القسم هو بأوقات العبادة، وبنفس العبادة من حج وصلاة وغير ذلك من أنواع القرب التي يتقرب بها المتقون المطيعون له، الخائفون منه، المتواضعون [¬٦] لديه، الخاشعون لوجهه الكريم.
ولما ذكر هؤلاء وعبادتهم وطاعتهم قال بعده: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ؟﴾، وهؤلاء كانوا متمردين عتاة جبارين، خارجين عن طاعته مكذبين لرسله، جاحدين لكتبه، فذكر تعالى كيف أهلكهم ودمرهم، وجعلهم أحاديث وعِبَرًا: فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: وهؤلاء عاد الأولى، وهم أولاد عاد بن إرم بن عوص بن سام بن نوح، قاله ابن إسحاق، وهم الذين بعث الله [¬٧] فيهم رسوله هودًا ﵇ فكذبوه وخالفوه، فأنجاه الله من بين أظهرهم، ومن آمن معه منهم، وأهلكهم بريح صرصر
_________________
(١) [¬١]- في ز: ممكن. [¬٢]- في ز: أجمع. [¬٣]- في ز: ساري. [¬٤]- في خ: وحجار. [¬٥]- في ز: عن. [¬٦]- في خ: الخاضعون. [¬٧]- سقط من ز.
[ ١٤ / ٣٤٢ ]
عاتية، ﴿سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاويَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾. وقد ذكر الله قصتهم في القرآن في غير ما موضع؛ ليعتبر بمصرعهم المؤمنون.
فقوله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾: عطف بيان، زيادة تعريف بهم.
وقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لأنهم كانوا يسكنون ييوت الشعر التي ترفع بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس في زمانهم خلقة وأقواهم بطشًا؛ ولهذا ذكرهم هود [¬١] بتلك النعمة، وأرشدهم إلى أن يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَال بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾ [الأعراف: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا [¬٢] عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. وقال هاهنا: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم، لقوتهم وشدتهم وعظم تركيبهم.
قال مجاهد: ارم: أمة قديمة. يعني عادًا الأولى، كما قال قتادة بن دعامة، والسدي: أن إرم بيت يملكه [¬٣] عاد. وهذا قول حسن جيد قوي.
وقال مجاهد وقتادة والكلبي في قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ كانوا أهل عمود لا يقيمون.
وقال العوفي، عن ابن عباس: إنما قيل لهم: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ لطولهم.
واختار الأول ابن جرير، ورد الثاني فأصاب.
وقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾: أعاد ابن زيد الضميرَ على العماد، لارتفاعها، وقال: بنوا عُمُدًا بالأحقاف لم يخلق مثلها في البلاد. وأما قتادة وابن جرير فأعاد الضمير على القبيلة، أي: لم يخلق مثل تلك القبيلة في البلاد، يعني في زمانهم. وهذا القول هو الصواب، وقول ابن زيد ومن ذهب مذهبه - ضعيف، لأنه لو كان أراد ذلك لقال: التي لم يعمل مثلها في البلاد، وإنما قال: ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^١١): حدثنا أبي، حدثنا أبو صالح كاتب الليث، حدثني معاوية بن صالح، عمن حدثه عن المقدام، عن النبي ﷺ أنه ذكر: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فقال: "كان الرجل منهم يأتي على الصخرة فيحملها على الحي فيهلكهم".
_________________
(١) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٨٣) وزاد نسبته إلى ابن مردويه. [¬١]- سقط من ز، [¬٢]- في ز: وأما. كذا. [¬٣]- في ت: مملكة.
[ ١٤ / ٣٤٣ ]
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو الطاهر، حدثنا أنس بن عياض، عن ثور بن زيد الديلي. قال: قرأت كتابًا -قد سمى حيث قرأه-: أنا شداد بن عاد، وأنا الذي رفعت العماد، وأنا الذي شددت بذراعي نظر واحد، وأنا الذي كنزت كنزًا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد ﷺ.
قلت: فعلى كل قول سواء كانت العماد أبنية بنوها، أو أعمدة بيوتهم للبدو، أو سلاحًا يقاتلون به، أو طول الواحد منهم فهم قبيلة وأمة من الأمم، وهم المذكورون في القرآن في غير ما موضع، المقرونون بثمود كما هاهنا، والله أعلم.
ومن زعم أن المراد بقوله: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ مدينة إما دمشق، كما روي عن سعيد بن المسيب وعكرمة -أو إسكندرية كما روي عن القُرَظي -أو غيرهما- ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، إن جعل ذلك بدلًا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الأخبار عن إهلاك القبيلة المسماة بعاد، وما أحل الله بهم من بأسه الذي لا يرد، لا أن المراد الأخبار عن مدينة أو إقليم.
وإنما نبهت على ذلك [¬١] لئلا يغتر بكثير مما ذكره جماعة من المفسرين عند هذه الآية، من ذكر مدينة يقال لها: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، مبنية بلبن الذهب والفضة، قصورها ودورها وبساتينها، وأن حصباءها لآلئ وجواهر، وترابها بنادق المسك، وأنهارها سارحة، وثمارها ساقطة، ودورها لا أنيس بها، وسورها وأبوابها تصفر، ليس بها داع ولا مجيب. وأنها تنتقل فتارة تكون بأرض الشام، وتارة باليمن، وتارة بالعراق، وتارة بغير ذلك من البلاد فإن هذا كله من خرافات الإسرائيليين، من وضع بعض زنادقتهم، ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس أن تصدقهم في جميع ذلك.
وذكر الثعلبي وغيره أن رجلًا من الأعراب -وهو عبد الله بن قلابة- في زمان معاوية ذهب في طلب أباعر له شردت، فبينما هو يتيه في ابتغائها، إذ اطلع على مدينة عظيمة لها سرر وأبواب، فدخلها فوجد فيها قريبًا مما ذكرناه من صفات المدينة الذهبية التي تقدم ذكرها، وأنه رجع فأخبر الناس، فذهبوا معه إلى المكان الذي قال فلم يروا شيئًا.
وقذ ذكر ابن أبي حاتم قصة ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ هاهنا مطولة جدًّا، فهذه الحكاية ليس يصح إسنادها، ولو صح إلى ذلك الأعرابي فقد كون اختلق ذلك، أو أنه أصابه نوع من الهَوَس والخبال، فاعتقد أن ذلك له حقيقة في الخارج، وليس كذلك، وهذا مما يقطع بعدم صحته، وهذا قريب مما يخبر به كثير من الجهلة والطامعين والمتحيلين، من وجود مطالب تحت الأرض، فيها قناطير الذهب والفضة، وألوان الجواهر واليواقيت واللآلئ والإكسير الكبير، لكن
_________________
(١) [¬١]- في ز: هذا.
[ ١٤ / ٣٤٤ ]
عليها موانع تمنع من الوصول إليها والأخذ منها، فيحتالون على أموال الأغنياء والضعفة والسفهاء، فيأكلونها بالباطل في صرفها في بخاخير وعقاقير ونحو ذلك من الهذيانات، ويَطْنزُون بهم. والذي يجزم به أن في الأرض دفائن جاهلية وإسلامية وكنوزًا كثيرة، من ظفر بشيء منها أمكنه تحوطه، فأما [¬١] على الصفة التي زعموها فكذب وافتراء وبهت، ولم يصح في ذلك شيء مما يقولونه إلا عن نقلهم أو نقل من أخذ عنهم، والله ﷾ الهادي للصواب.
وقول ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إِرَمَ﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها، فلذلك [¬٢] لم تصرف- فيه نظر؛ لأن المراد من السياق إنما هو الأخبار عن القبيلة؛ ولهذا قال بعده: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾، يعني يقطعون الصخر بالوادي [¬٣]. قال ابن عباس: ينحتونها ويخرقونها. وكذا قال مجاهد وقتادة، والضحاك وابن زيد، ومنه يقال "مُجتابي النّمار" إذا خرقوها، واجتاب الثوب: إذا [فتحه. و] [¬٤] منه الجيب أيضًا. وقال الله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾.
وأنشد ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا قول الشاعر:
ألا كُلّ شيء -ما خَلَا الله- بائد … كَما بَاد حيّ من شنيف ومارد
هم ضربوا في كل صماء صعدة … بأيد شداد أيدات السواعد
وقال ابن إسحاق: كانوا عربًا، وكان منزلهم بوادي القرى. وقد ذكرنا [قصة عاد] [¬٥] مستقصاة في سورة الأعراف، بما أغنى عن إعادته.
وقوله: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾، قال العوفي، عن ابن عباس: الأوتاد: الجنود الذين يشدون له أمره. ويقال: كان فرعون يوتد أيديهم وأرجلهم في أوتاد من حديد يعلقهم بها. وكذا قال مجاهد: كان يوتد الناس بالأوتاد، وهكذا قال سعيد بن جبير والحسن والسدي. قال السدي: كان يربط الرجل، [] [¬٦] كل قائمة من قوائمه في وتد، ثم يرسل عليه صخرة عظيمة فتشدخه.
وقال قتادة: بلغنا أنه كانت له مطال وملاعب، يُلْعَب له تحتها، من أوتاد وحبال.
وقال ثابت البناني، عن أبي رافع: قيل لفرعون ذي الأوتاد، لأنه ضرب لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- في ز: فكذلك. [¬٣]- في ز: بالواد. [¬٤]- في ز: فتحت. [¬٥]- في ز: قصته. [¬٦]- في ز: في.
[ ١٤ / ٣٤٥ ]
وقوله: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾، أي: تمردوا وعتوا وعاثوا في الأرض بالإفساد والأذية للناس، ﴿فَصَبَّ عَلَيهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾، أي: أنزل عليهم رجزًا من السماء، وأحل بهم عقوبة لا يردها عن القوم المجرمين.
وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ قال ابن عباس: يسمع ويرى.
يعني: يرصد خلقه فيما يعملون، ويجازي كلًّا بسعيه في الدنيا والأخرى، وسيعرض الخلائق كلهم عليه، فيحكم فيهم بعدله، ويقابل كلًّا بما يستحقه. وهو المنزه عن الظلم والجور.
وقد ذكر ابن أبي حاتم هاهنا حديئًا غريبًا جدًّا -وفي إسناده نظر و[¬١] في صحته- فقال: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا يونس الحذاء، عن أبي حمزة البيساني، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "يا معاذ، إن المؤمن لدى الحق أسير. يا معاذ، إن المؤمن لا يسكن روعه، ولا يأمن اضطرابه حتى يُخَلّف جسر جهنم خلف ظهره. يا معاذ، إن المؤمن قيده القرآن عن كثير من شهواته، وعن أن يهلك فيها هو بإذن الله ﷿ فالقرآن دليله، والخوف محجته، والشوق مطيته، والصلاة كهفه، والصوم جنته، والصدقة فكاكه، والصدق أميره، والحياء وزيره، وربه ﷿ من وراء ذلك كله بالمرصاد".
قال ابن أبي حاتم: [يونس الحذاء وأبو حمزة مجهولان، وأبو حمزة عن معاذ مرسل. ولو كان عن أبي حمزة لكان حسنًا. أي: لو كان من كلامه لكان حسنًا. ثم قال ابن أبي حاتم] [¬٢]:
حدثنا أبي، حدثنأ صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو، عن أيفع بن عبد الكلاعي، أنه سمعه وهو يعظ الناس يقول: إن لجهنم سبع قناطر -قال: والصراط عليهن، قال:- فيحبس الخلائق عند القنطرة الأولى، فيقول: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، قال: فيحاسبون على الصلاة ويُسألون عنها، قال: فيهلك فيها من هلك، وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثانية حُوسبوا على الأمانة كيف أدوها، وكيف خانوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، فإذا بلغوا القنطرة الثالثة سُئلوا عن الرحم كيف وَصَلوها وكيف قطعوها؟ قال: فيهلك من هلك وينجو من نجا، قال: والرحم يومئذ متدلية [¬٣] إلى الهُويّ في جهنم تقول: اللهم من وصلني فَصِلْه، ومن قطعني فاقطعه، قال: وهي التي يقول الله ﷿: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [هكذا أورد هذا الأثر ولم يذكر تمامه] [¬٤].
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- ما بين المعكوفين سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز: متدل. [¬٤]- سقط من ت.
[ ١٤ / ٣٤٦ ]
وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (١٦) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾
يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك من الله إكرام له وليس كذلك، بل هو ابتلاء وامتحان. كما قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾. وكذلك في الجانب الآخر إذا ابتلاه وامتحنه [¬١] وضَيّق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك من الله إهانة له. قال الله: ﴿كَلَّا﴾، أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله يعطي المال [من يحب ومن لا يحب، وضيق على من يحب ومن لا يحب] [¬٢]، وإنما المدار في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين، إذا كان غنيًّا بأن يشكر الله على ذلك، وإذا كان فقيرًا بأن يصبر.
وقوله: ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، فيه أمر بالإكرام له، كما جاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن المبارك (^١٢)، عن سعيد بن أبي [¬٣] أيوب، عن يحيى بن أبي [¬٤] سليمان، عن زيد [¬٥] بن أبي عتاب [¬٦]، عن أبي هُرَيرة، عن النبي ﷺ: "خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يُسَاء إليه -ثم قال بإصبعه أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا".
وقال أبو داود (^١٣): حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا عبد العزيز -يعني: ابن
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد (ص ٢٣٠) (٦٥٤). وأخرجه ابن ماجة (٣٦٧٩) مختصرًا. قال البوصيري في "الزوائد" (٣/ ١٦٥): هذا إسناد ضعيف؛ يحيى بن سليمان -أبو صالح- قال فيه البخاري: منكر. وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات.
(٢) سنن أبي داود كتاب: الأدب، باب: في من ضم اليتيم، حديث (٥١٥٠) (٤/ ٣٣٨). وأخرجه البخاري في كتاب: الطلاق، باب: اللعان، حديث (٥٣٠٤) (٩/ ٤٣٩) وطرفه في [٦٠٠٥]. [¬١]- في ز: فامتحنه. [¬٢]- في خ: "لمن يحب ولا يحب". [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز، خ: يزيد. [¬٦]- في ز، خ: غياث.
[ ١٤ / ٣٤٧ ]
أبي حازم [¬١]- حدثني أبي، عن سهل -يعني: ابن سعيد [¬٢]- أن رسول الله ﷺ قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة". وقرن بن إصبعيه [¬٣]: الوسطى والتي تلي الإِبهام.
﴿وَلَا تَحَاضُّونَ [¬٤] عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾، يعني: لا يأمرون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، ويحث بعضهم على بعض في ذلك، ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ يعني: الميراث ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾، أي: من أي جهة حصل لهم، من حلال أو حرام، ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا﴾، أي: كثيرًا- زاد بعضهم: فاحشًا.
﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾
يخبر تعالى عما يقع يوم القيامة من الأهوال العظيمة، فقال: ﴿كَلَّا﴾، أي: حقا ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾، أي: وطئت ومهدت وسويت الأرض والجبال، وقام الخلائق من قبورهم لربهم، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، يعني لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعد ما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد ﷺ بعد ما يسألون أولي العزم [من الرسل] [¬٥] واحدًا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها". فيذهب فيشفع عند الله في أن يأتي لفصل القضاء فيشفعه [¬٦] الله في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود، كما تقدم بيانه في سورة "سبحان". فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.
وقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾، قال الإِمام مسلم بن الحجاج (^١٤) في صحيحه: حدثنا
_________________
(١) صحيح مسلم في باب: الجنة، باب: في شدة حر نار جنهم، حديث (٢٩/ ٢٨٤٢) (١٧/ ٢٦١). [¬١]- في ز، خ: حاتم. [¬٢]- في ز، خ: سعد. [¬٣]- في ز: أصابعه. [¬٤]- في ز: تحضون. [¬٥]- سقط من ز. [¬٦]- في ز، خ: فيستغفر.
[ ١٤ / ٣٤٨ ]
عمر بن حفص بن غيَاث، حدثنا أبي، عن العلاء بن خالد [¬١] الكاهلي، عن شقيق، عن عبد الله -هو ابن مسعود- قال: قال رسول الله ﷺ: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف [زمام، مع كل زمام سبعون ألف] [¬٢] مَلَك يجرونها" وهكذا رواه الترمذي (^١٥) عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن عُمَر بن حفص، به [¬٣]. ورواه أيضًا (^١٦) عن عبد بن حُمَيد عن أبي عامر، عن سفيان الثوري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق بن سلمة -وهو أبو وائل- عن عبد الله بن مسعود، قوله ولم يرفعه. وكذا رواه ابنُ جرير (^١٧)، عن الحسن بن عرفة، عن مَروان بن معاوية الفزاري، عن العلاء بن خالد، عن شقيق، عن عبد الله، قوله.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾، أي: عملَه وما كان أسلفه في قديم دهره وحديثه، ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾، أي: وكيف تنفعه الذكرى؟ يقول: ﴿يَاليتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾، يعني: يندم على ما كان سلف منه من المعاصي -إن كان عاصيًا- ويود لو كان ازداد من الطاعات-[إن كان طائعًا] [¬٤]-كما قال الإمام أحمد بن حنبل (^١٨):
حدثنا علي بن إسحاق، حدثنا عبد الله -يعني: ابن المبارك- حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن محمد بن أبي عَميرَة [¬٥]-وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: "لو أن عبدًا خر على وجهه من يوم ولد إلى أن يموت هَرمًا [¬٦] في طاعة الله، لَحَقِره يوم القيامة، ولودّ أده يُرَدّ إلى الدنيا كيما [¬٧] يزداد مَن الأجر والثواب".
[وقد رواه أيضًا] [¬٨] [بَحِيرُ بن سَعد (^١٩)] [¬٩] عن خالد بن معدان، عن عتبة بن عبد [¬١٠]
_________________
(١) سنن الترمذي، كتاب: صفة جنهم، باب: ما جاء في صفة النار، حديث (٢٥٧٦) (٧/ ٢٤٧).
(٢) سنن الترمذي في الموضع السابق.
(٣) والطبري (٣٠/ ١٨٨).
(٤) المسند (٤/ ١٨٥) (١٧٧٠١). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٢٨): رواه أحمد موقوفًا ورجاله رجال الصحيح.
(٥) المسند (٤/ ١٨٥) (١٧٧٠٠). قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٢٨): رواه أحمد وإسناده جيد. [¬١]- في ز: مخلد. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- سقط من ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: عمرة. [¬٦]- سقط من ز، خ. [¬٧]- في ز، خ: كما. [¬٨]- في ت: ورواه. [¬٩]- بياض في ز، خ. [¬١٠]- في ز، خ: عبيد.
[ ١٤ / ٣٤٩ ]
عن رسول الله ﷺ.
قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾، أي: ليس أحد [¬١] أشد عذابًا من تعذيب الله من عصاه، ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾، أي: وليس أحد أشد قبضًا ووثقًا من الزبانية لمن كفر بربهم ﷿ هذا في حق المجرمين من الخلائق والظالمين، فأما النفس الزكية المطمئنة وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق فيقال لها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، أي: إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في [¬٢] جنته، ﴿رَاضِيَةً﴾، أي: في نفسها ﴿مَرْضِيَّةً﴾، أي: قد رضيت عن الله ورضي عنها وأرضاها، ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾، أي: في جملتهم، ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. وهذا يقال لها عند الاحتضار، وفي يوم القيامة أيضًا، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره وعند قيامه من قبره، وكذلك هاهنا.
ثم اختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية، فروى الضحاك، عن ابن عباس: نزلت في عثمان بن عفان. وعن بُرَيدة بن الحُصَيب: نزلت في حَمزة بن عبد المطلب ﵁.
وقال العَوفيّ، عن ابن عباس: يقال للأرواح المطمئنة يوم القيامة: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾، يعني صاحبك، وهو بدنها الذي كانت تعمره في الدنيا، ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.
وروي عنه أنه كان يقرؤها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ وكذا قال عكرمة والكلبي، واختاره ابن جرير وهو غريب، والظاهر الأول؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى حكمه والوقوف [¬٣] بين يديه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الدشتكي، حدثني أبي، عن أبيه، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، قال: نزلت وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله، ما أحسن هذا. فقال: "أما [¬٤] إنه سيقال لك هذا".
ثم قال: حدثنا أبو سعيد الأشج (^٢٠)، حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن سعيد بن جبير قال: قرئت [¬٥] عند النبي ﷺ: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤) من طريق أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير. [¬١]- في ز: أحدًا. [¬٢]- في ز، خ: إلى. [¬٣]- في ز: وتويره. كذا بلا نقط. وفي خ: وموقفه. [¬٤]- سقط من خ. [¬٥]- في الأصول: قرأت.
[ ١٤ / ٣٥٠ ]
رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، فقال أبو بكر ﵁: أن هذا لحسن [¬١]. فقال له النبي ﷺ: "أما إن الملك سيقول لك هذا عند الموت".
وكذا رواه ابن جرير (^٢١) عن أبي كريب، عن ابن يمان به، وهذا مرسل حسن.
ثم قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا مَرْوان بن شجاع الجزري [¬٢]، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خَلْقه، فدخل نعشه، ثم [¬٣] لم ير خارجًا منه فلما دفن تُليت هذه الآية على شفير القبر، ما يدرى من تلاها: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾.
رواه الطبراني (^٢٢) عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، عن مروان بن شجاع عن سالم بن عجلان الأفطس، به فذكره.
وقد ذكر الحافظ محمد بن المنذر الهروي -المعروف بشكَّر- في كتاب العجائب بسنده عن قُبَاث بن رَزين أبي هاشم قال: أسرت في بلاد الروم، فجمَعنا الملك وعَرَض علينا دينه، على أن من امتنع ضربت عنقه. فارتد ثلاثة، وجاء الرابع فامتنع، فضربت عنقه، وألقي رأسه [في نهر] [¬٤] هناك، فرسب في الماء ثم طفا على وجه الماء، ونظر إلى أولئك الثلاثة فقال: يا فلان، ويا فلان، ويا فلان -يناديهم بأسمائهم- قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. ثم غاص في الماء، فكادت النصارى أن يسلموا، ووقع [¬٥] سرير الملك، ورجع أولئك الثلاثة إلى الإسلام. قال: وجاء الفداء من عند الخليفة أبي جعفر المنصور فخلصنا.
وروى الحافظ ابن عساكر (^٢٣) في ترجمة رواحة بنت أبي عمرو الأوزاعي، عن أبيها: حدثني سليمان بن حبيب المحاربي [¬٦]، حدثني أبو أمامة: أن رسول الله ﷺ قال لرجل: "قل: اللهم، إني أسألك نفسًا بك مطمئنة، تؤمن بلقائك، وترضى
_________________
(١) أخرجه الطبري (٣٠/ ١٩١) من طريق ابن يمان عن جعفر عن سعيد به.
(٢) معجم الطبراني (١٠/ ٢٩٠) (١٠٥٨١). قال الهيثمي في "المجمع" (٩/ ٢٨٨): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(٣) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٤١٩ مخطوط). [¬١]- في ت: حسن. [¬٢]- في خ: الجوزي. [¬٣]- سقط من ز، خ. [¬٤]- في ز: برنهر. كذا بلا نقط. [¬٥]- في ز: ورفع. [¬٦]- في ز، خ: المكاري.
[ ١٤ / ٣٥١ ]
بقضائك، وتقنع بعطائك.
ثم روى عن أبي سليمان (^٢٤) بن أبي [¬١] زَبْر أنه قال: حديث رواحة هذا واحد أمَّة.
آخر تفسير سورة الفجر، ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة.
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٩/ ٤١٩ - ٤٢٠ مخطوط). [¬١]- سقط من ز.
[ ١٤ / ٣٥٢ ]