﷽
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (٥) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (٦) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾
قد تقدم غير مرة أن المقسم عليه متى كان منتفيًا، جاز الإتيان بـ"لا" قبل القسم لتأكيد النفي. والمقسوم عليه هاهنا هو إثبات العاد، والردّ على ما يزعمه الجهلة من العباد من عدم بَعث الأجساد، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ قال الحسن: أقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا. هكذا حكاه ابن أبي حاتم. وقد حكى ابن جرير، عن الحسن والأعرج أنهما قرأا: ﴿لأُقْسِمُ﴾ [¬١] وهذا يوجه قول الحسن؛ لأنه أثبت القسم بيوم القيامة، ونفى القسم بالنفس اللوامة. والصحيح أنه أقسم بهما جميعًا، كما قاله قتادة، ﵀، وهو المروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، واختاره ابن جرير. فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة؛ فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إنّ المؤمن - والله - ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُمًا قُدُمًا ما يعاتب نفسه.
وقال جويبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، عن إسرائيل، عن سماك؛ أنه سأل عكرمة عن قوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: يلوم على الخير
_________________
(١) [¬١]- في حاشية ز، وحاشية خ: "لعله: ﴿وَلأُقْسِمُ بِالنَّفْسِ﴾ على أحد الوجهين عن ابن كثير.
[ ١٤ / ١٩٢ ]
والشر: لو فعلت كذا وكذا.
ورواه ابن جرير (١)، عن أبي كُرَيب، عن وكيع عن إسرائيل به.
وقال ابن جرير (^٢): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جبير في: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾، قال: تلوم على الخير والشر.
ثم رواه من وجه آخر (^٣) عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك، فقال: هي النفس اللئوم.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: المذمومة [¬١]. وقال قتادة: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾: الفاجرة.
قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة بالمعنى، والأشبة بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر، وتندم على ما فات.
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ - قال سعيد بن جُبَير والعَوفي، عن ابن عباس: أن نجعله خفًّا أو حافرًا [¬٢].
وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جرير. ووجَّهه ابنُ جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا.
والظاهر من الآية أن قوله ﴿قَادِرِينَ﴾ حال من قوله: ﴿نَجْمَعَ﴾، أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فنجعل بنانه - وهي أطراف أصابعه - مستوية. وهذا معنى قول ابن قتيبة، والزجاج.
وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ - قال سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قُدُمًا.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ يعني الأمل [¬٣]، يقول الإنسان. أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٩/ ١٧٤).
(٢) تفسير الطبري في الموضع السابق. [¬١]- في ز: مذمومة. [¬٢]- في ز: حايفًا. [¬٣]- في ز: الإبل.
[ ١٤ / ١٩٣ ]
وقال مجاهد: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾: يمضى أمامه راكبًا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى [¬١] ابنُ آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قُدُمًا قُدُمًا، إلا من عصمه الله.
وروي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يُعجِّل الذنوبَ ويُسوِّف التوبة. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذِّب بيوم الحساب.
وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد، ولهذا قال بعده: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾، أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وقال تعالى هاهنا: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ - قال أبو عمرو بن العلاء: (بَرق) -بكسر الراء- أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيهِمْ طَرْفُهُمْ﴾، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء، من شدة الرعب.
وقرأ آخرون: (بَرَق) بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة، وتخشعُ وتحار وتذل من شدّة الأهوال، ومن عِظم ما يشاهده يوم القيامة من الأمور.
وقوله: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾، أي: ذهب ضوؤه، ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾. قال مجاهد: كُورا. وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾.
وقول: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَينَ الْمَفَرُّ﴾، أي: إذا عانى ابنُ آدمَ هذه الأهوال يوم القيامة حينئذ [يريد أن] [¬٢] يفر ويقول: أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (١١) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾.
قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف: أي لا نجاة.
وهذه كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾، أي: ليس لكم مكان تتنكرون [¬٣] فيه، [وكذا قال هاهنا: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾، أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه] [¬٤]
_________________
(١) [¬١]- في ز: لا يكف. وفي خ: لا يكفي. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: تعتصمون. [¬٤]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ١٩٤ ]
ولهذا قال: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾، أي: المرجع والمصير.
ثم قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾، أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، [صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾] [¬١].
وهكذا قال هاهنا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا﴾. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾، يقول: سمعهُ وبصرهُ [ويداه ورجلاه] [¬٢] وجوارحُه. وقال قتادة: شاهد على نفسه. وفي رواية قال: إذا شئت والله رأيته بصيرًا بعيوب الناس وذنوبهم، غافلًا عن ذنوبه [¬٣]، وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبًا: يا بن آدم، تُبصر القَذَاة في عين أخيك، وتترك الجِذْل [¬٤] في عينك لا تبصره.
وقال مجاهد: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: حجته. وكذا قال ابن [¬٥] زيد، والحسن البصري، وغيرهم. واختاره ابن جرير.
وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، يقول: لو ألقى ثيابه [¬٦].
وقال الضحاك: ولو أرخى ستوره، وأهل اليمن يسمون الستر: المعذار [¬٧].
والصحيح قول مجاهد وأصحابه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾، هي: الاعتذار، ألم تسمع أنه قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾، وقال: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾، ﴿[فَأَلْقَوُا السَّلَمَ] [¬٨] مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: ويديه ورجليه. [¬٣]- في ز: ذنبه. [¬٤]- في ز: الجدح. وفي خ: الجذع. [¬٥]- في ز: أبو. [¬٦]- في ز: بهتانه. [¬٧]- في ز: العذار. [¬٨]- سقط من خ.
[ ١٤ / ١٩٥ ]
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩) كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾
هذا تعليم من الله ﷿ لرسوله ﷺ في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه ويسابقُ [¬١] المَكَ في قراءته، فأمره الله ﷿ إذا جاءه الملك بالوحي أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه.
فالحالة الأولى: جمعه في صدره، والثانية: تلاوته، والثالثة: تفسيره وإيضاح معناه.
ولهذا قال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، أي: بالقرآن، كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ﴾، أي: في صدرك، ﴿وَقُرْآنَهُ﴾، أي: أن [¬٢] تقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾، أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله ﷿ ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، أي: فاستمع له ثم اقرأه كما أقرأك، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾، أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا.
وقال الإمام أحمد (^٤): حدثنا عبد الرحمن، عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، فكان [¬٣] يحرك شفتيه، قال: فقال لي ابن عباس: أنا أحرك شفتي كما كان رسول الله ﷺ يحرك شفتيه.
وقال لي سعيد: وأنا أحرك شفتي كما رأيت ابن عباس يحرك شفتيه، فأنزل الله ﷿: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، قال: جمعه في صدرك، ثم تقرؤه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فاستمع [¬٤] له وأنصت، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾. فكان بعد ذلك
_________________
(١) المسند (١/ ٣٤٣) (٣١٩١). [¬١]- في ز: ويسارق. وفي خ: ويساوق. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز: وكان. [¬٤]- في ز: فاسمع.
[ ١٤ / ١٩٦ ]
إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه.
وقد رواه البخاري ومسلم (^٥)، من غير وجه، عن موسى بن أبي عائشة به.
ولفظ البخاري: فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعد [¬١] الله ﷿.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى التيمي، حدثنا موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة، وكان إذا نزل عليه عُرف في تحريكه شفتيه، يتلقى أوله ويحرك شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾.
وهكذا قال الشعبي، والحسن البصري، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد: إن هذه الآية نزلت في ذلك.
وقد روى ابن جرير (^٦) من طريق العَوفي، عن ابن عباس: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾، قال: كان لا يفتر من القراءة مخافة أن ينساه، فقال الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَينَا﴾ [أن نجمعه لك] [¬٢] ﴿وَقُرْآنَهُ﴾، أن نقرئك فلا تنسى.
وقال ابن عباس وعطية العوفي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾: تبين [¬٣] حلاله وحرامه. وكذا قال قتادة.
وقوله: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ [¬٤] الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ [¬٥] الْآخِرَةَ﴾، أي: إنّما يحملهم على التكذيب بيوم القيامة ومخالفة ما أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ من الوحي الحق والقرآن العظيم - أنهم إنما همتهم إلى الدار الدنيا العاجلة، وهم لاهون متشاغلون عن الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، من النضارة، أي: حسنة بَهِيَّة مشرقة مسرورة،
_________________
(١) - صحيح البخاري، باب: بدء الوحي، باب: (٤)، حديث (٥) (١/ ٢٩). وأطرافه في [٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤]. ومسلم في باب: الصلاة، باب: الاستماع للقراءة، حديث (١٤٧، ١٤٨/ ٤٤٨).
(٢) تفسير الطبري (٢٩/ ١٨٨). [¬١]- في ز: وعد. [¬٢]- في ز، خ: جمعه. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: يحبون. [¬٥]- في ز: ويذرون.
[ ١٤ / ١٩٧ ]
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، أي: تراه عيانًا، كما رواه البخاري (^٧) ﵀ في صحيحه: "إنكم سترون ربكم عيانًا".
وقد ثبت رؤية المؤمنين لله ﷿ في الدار الآخرة في [¬١] الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها؛ لحديث أبي سعيد وأبي هريرة - وهما في الصحيحين (^٨) -: أن ناسًا قالوا: يا رسول الله؛ هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا. قال: "فإنكم تَرَون ربكم كذلك". وفي الصحيحين (^٩) عن جرير قال: نظر رسول الله ﷺ إلى القمر ليلة البدر؛ فقال: "إنكم تَرَون ردكم كما تَرَون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تُغلَبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا".
وفي الصحيحين (^١٠) عن أبي موسى؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى الله إلّا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن".
وفي أفراد مسلم (^١١)، عن صهيب، عن النبي ﷺ؛ قال: "إذا دخل أهلُ الجنة الجنة؛ قال: يقول الله تعالى: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تُبَيّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة". ثم تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
_________________
(١) صحيح البخاري باب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث (٧٤٣٥) (١٣/ ٤١٩).
(٢) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث (٧٤٣٧، ٧٤٣٨) (١٣/ ٤١٩ - ٤٢٠). ومسلم في كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، حديث (٢٩٩/ ١٨٢) (٣/ ٢٢ - ٣١).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: فضل صلاة العصر، حديث (٥٥٤) (٢/ ٣٣). وأطرافه في [٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٣٤٣، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦]. ومسلم في كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما، حديث (٢١١، ٢١٢/ ٦٣٣) (٥/ ١٨٧ - ١٨٨).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب: التوحيد في الموضع السابق، حديث (٧٤٤٤) (١٣/ ٤٢٣)، وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم ﷾ حديث (٢٩٦/ ١٨٠).
(٥) أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم ﷾ حديث (٢٩٧، ٢٩٨/ ١٨١) (٣/ ٢١ - ٢٢). [¬١] سقط من ز.
[ ١٤ / ١٩٨ ]
وفي أفراد، مسلم (^١٢)، عن جابر في حديثه: "إن الله يَتَجلّى للمؤمنين يضحك" يعني في عرصات القيامة ففي هذه الأحاديث أن المؤمنين ينظرون إلى ربهم ﷿ في العرصات، وفي روضات الجنات.
وقال الإمام أحمد (^١٣): حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبد الملك بن أبجر، حدثنا [ثُوير] [¬١] بن أبي [فاختة] [¬٢]، عن ابن عمر؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أدنى أهل الجنة منزالة لينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر إلى أزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين".
ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، عن شبابة، عن إسرائيل، عن ثوير قال: "سمعت ابن عمر … ". فذكره، قال: "رواه عبد الملك بن أبجر، عن ثُوَير، عن مجاهد، عن ابن عمر، قوله". وكذلك رواه الثوري، عن ثُوَير، عن مجاهد، عن ابن عمر، ولم يرفعه. ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح والحسان والمسانيد والسنن، ولكن ذكرنا ذلك مفرقًا في مواضعَ من [¬٣] هذا التفسير، وبالله التوفيق.
وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهُداة الأنام.
ومن تأول [¬٤] ذلك بأن المراد: (إلى [¬٥] مفرد الآلاء، وهي النعم، كما قال الثوري، عن منصور، عن مجاهد: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فقال: تنتظر الثواب من ربها.
رواه ابن جرير (^١٤) من غير وجه عن مجاهد.
وكذا قال أبو صالح أيضًا فقد [¬٦] أبعد هذا القائل النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه. وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؟ قال الشافعي؛ ﵀: ما حَجَب الفجار إلا وقد عَلِم أن الأبرار يرونه، ﷿. ثم قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. قال
_________________
(١) صحيح مسلم في كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، حديث (٣١٤/ ١٩٠) (٣/ ٥٧ - ٥٨).
(٢) المسند (٢/ ١٣) (٤٦٢٣). والترمذي في تفسير القرآن، باب: ومن سورة القيامة، حديث (٣٣٢٧) (٩/ ٦١٧) وضعفه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٣) تفسير الطبري (٢٩/ ١٩٢). [¬١]- في ز، خ: يزيد. [¬٢]- في خ: باحتة. وفي ز لا نقط. [¬٣]- في ز: في. [¬٤]- في ز: تأمل. [¬٥]- في ز: بإلى. [¬٦]- في ز: وقد.
[ ١٤ / ١٩٩ ]
ابن جرير (^١٥): حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري، حدثنا آدم، حدثنا المبارك، عن الحسن: " ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾، قال: حسنة، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، قال: تنظر إلى الخالق، وحُق [¬١] لها أن تَنضُر وهي تنظر إلى الخالق.
وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾: هذه وجوه الفجار تكون يوم القيامة باسرة، قال قتادة: كالحة. وقال السدى: تغير ألوانها. وقال ابن زيد ﴿بَاسِرَةٌ﴾، أي: عابسة.
﴿تَظُنُّ﴾، أي: تستيقن ﴿أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾، قال مجاهد: داهية [¬٢]. وقال قتادة: شر. وقال السدي: تستيقن أنها هالكة. وقال ابن زيد: تظن أن ستدخل النار. وهذا المقام كقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾. وكقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، وكقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ إلى قوله: ﴿وُجُوهٌ [¬٣] يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾، في أشباه ذلك من الآيات والسياقات.
﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (٢٨) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (٣٠) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾
يخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال - ثبتنا الله هناك بالقول الثابت - فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، إن جعلنا ﴿كَلَّا﴾ رادعة فمعناها: لست يا بن آدم تكذب هناك بما أخبرت به، بل صار ذلك عندك عيانًا. وإن جعلناها بمعنى (حقًّا) فظاهر، أي: حقًّا إذا بلغت التراقي، أي: انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك. والتراقي: جمع
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٩/ ١٩٢). [¬١]- في ز، خ: وعن. [¬٢]- في خ: ذاهبة. [¬٣]- في ز: ووجوه.
[ ١٤ / ٢٠٠ ]
ترقوة، وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق، كقوله: ﴿فَلَوْلَا [¬١] إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
وهكذا قال هاهنا: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، ونذكر هاهنا حديث بُسْر بن جِحَاش [¬٢] (^١٦) الذي تقدم في سورة "يس". والتراقى: جمع ترقوة، وهي قريبة من الحلقوم.
﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ؟﴾ قال: عكرمة، عن ابن عباس: أي مَن راق يرقي؟ وكذا قال أبو قلابة ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾، أي: من طبيب شاف. وكذا قال قتادة، والضحاك، وابن زيد.
وقال ابن أبي حاتم (^١٧): حدثنا أبي، حدثنا نصر بن علي، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي، حدثنا عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس: ﴿وَقِيلَ: مَنْ رَاقٍ﴾، قال: قيل: من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة.
وبهذا الإسناد (^١٨)، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، [قال: التفت عليه الدنيا والآخرة.
وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾،] [¬٣] يقول: آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، فتلتقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله.
وقال عكرمة: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾. الأمر العظيم بالأمر العظيم. وقال مجاهد: بلاء ببلاء. وقال الحسن البصري في قوله: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾: هما ساقاك إذا التفتا. وفي رواية عنه: ماتت [¬٤] رجلاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما جوالًا. وكذا قال السدي، عن أبي مالك. وفي رواية عن الحسن: هو لفهما في الكفن. وقال الضحاك: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾، اجتمع عليه أمران: الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه.
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾، أي: المرجع والمآب، وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات، فيقول الله ﷿: ردّوا عبدي إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى. كما ورد في حديث البراء الطويل.
_________________
(١) - تقدم في سورة يس، آية: (٧٧)، وفي سورة النحل، آية: (٤) أن النبي ﷺ بصق يومًا في كفه فوضع عليه أصبعه، ثم قال ﷺ "قال الله تعالى: بني آدم تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه … الحديث.
(٢) أخرجه الطبري (٢٩/ ١٩٥) من طريق عمرو بن مالك به نحوه.
(٣) أخرجه الطبري من طريق عمرو بن مالك (٢٩/ ١٩٥). [¬١]- في ز: كلا. [¬٢]- في ز، خ: حجاج. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- في ز: ما ثبت.
[ ١٤ / ٢٠١ ]
وقد قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.
وقوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾: هذا إخبار عن الكافر الذي كان في الدار الدنيا مكذبًا للحق بقلبه، متوليا عن العمل بقالبه، فلا خير فيه باطنًا ولا ظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾، أي: جَذلًا أشرًا بَطرًا كسلانًا، لا همة له ولا عمل، كما قال: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ [¬١]﴾.
وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾، أي: يرجع، ﴿بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾. وقال الضحاك، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾: يختال. وقال قتادة، وزيد ابن أسلم: يتبختر.
قال الله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. وهذا تهديد ووعيد أكيد منه تعالى للكافر به المتبختر في مشيته، أي: يحق لك أن تمشي هكذا وقد كفرت بخالقك وبارئك، كما يقال في مثل هذا على سبيل التهكم والتهديد.
كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. وكقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾. وكقوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾. وكقوله: ﴿اعْمَلُوا [¬٢] مَا شِئْتُمْ﴾. إلى غير ذلك.
وقد قال ابن أبي حاتم (^١٩): حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا عبد الرحمن -يعني: ابن مهدي، عن إسرائيل، عن موسى بن أبي عائشة؛ قال: سألت سعيد بن جبير، قلت: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾؟ قال: قال النبي ﷺ لأبي جهل، ثم نزل به القرآن.
وقال أبو عبد الرحمن النسائي (^٢٠): حدثنا [يعقوب بن إبراهيم] [¬٣]، حدثنا أبو النعمان، حدثنا أبو عوانة (ح) وحدثنا أبو داود: حدثنا محمد بن سليمان، حدثنا أبو عوانة، عن
_________________
(١) أخرجه الطبري (٢٩/ ٢٠٠) من طريق موسى بن أبي عائشة بنحوه.
(٢) أخرجه النسائي في الكبرى في كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، حديث (١١٦٣٨) (٤/ ٥٠٦). [¬١]- في ز: فاكهين. [¬٢]- في ز: اعملوا. [¬٣]- عند النسائي: إبراهيم بن يعقوب.
[ ١٤ / ٢٠٢ ]
موسى ابن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير؛ قال: قلت لابن عباس: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾؟ قال: قاله رسول الله ﷺ ثم أنزله الله ﷿.
قال ابن أبي حاتم (^٢١): وحدثنا أبي، حدثنا، هشام بن خالد، حدثنا شعيب بن إسحاق، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾، وعيد على إثر وعيد، كما تسمعون [] [¬١]، وزعموا أن عدو الله أبا جهل أخذ نَبيّ الله بمجامع ثيابه، ثم قال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾. فقال عدو الله أبو [¬٢] جهل: أتوعدني يا [¬٣] محمد؟ والله لا تستطيع أنت ولا ربك شيئًا، وإنّي لأعز من مشى بين جبليها.
وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، قال السدي: يعني لا يبعث.
وقال مجاهد، والشافعي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني لا يؤمر ولا ينهى.
والظاهر أن الآية تعم الحالين، [أي: ليس يترك في هذه الدنيا مهملًا لا يؤمر ولا ينهى] [¬٤]، ولا يترك في قبره سدى لا يبعث، بل هو مأمور منهي في الدنيا، محشور إلى الله في دار الآخرة.
والمقصود هنا إثبات المعاد، والرد على من أنكره من أهل الزيغ والجهل والعناد؛ ولهذا قال مستدلًّا على الإعادة بالبداءة فقال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾؟ أي: أما كان الإنسان نطفة ضعيفة من ماء مهين، يمنى يراق من الأصلاب في الأرحام. ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾، أي: فصار علقة، ثم مضغة، ثم شُكّل ونفخ فيه الروح، فصار خلقًا آخر سَويًّا سليم الأعضاء، ذكرًا أو أنثى بإذن الله وتقديره؛ ولهذا قال: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
ثم قال: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾، أي: أما هذا الذي أنشأ هذا الخلق السوي من هذه النطفة الضعيفة بقادر على أن يعيده كما بدأه؟ وتناولُ القدرة للإعادة إما بطريق الأولى بالنسبة إلى البداءة، وإما مساوية على القولين في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾. والأول أشهر كما تقدم في "سورة الروم" بيانه وتقريره، والله أعلم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن [¬٥] الصباح، حدثنا شبابة، عن شعبة، عن
_________________
(١) ذكره السيوطي بنحوه في الدر المنثور (٦/ ٤٧٨) وعزاه إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة به. [¬١]- في خ: وتزعمون. [¬٢]- في ز: أبا. [¬٣]- سقط من ز. [¬٤]- سقط من خ. [¬٥]- بياض في ز، خ.
[ ١٤ / ٢٠٣ ]
موسى بن أبي عائشة، عن آخر: أنه كان فوق سطح يقرأ ويرفع صوته بالقرآن، فإذا قرأ: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾ قال: سبحانك اللَّهم؛ فبلى [¬١]. فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك.
وقال أبو داود ﵀ (^٢٢): حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، قال: كان رجل يصلي فوق بيته، فكان إذا قرأ: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾. قال: سبحانك، فبلى. فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله ﷺ.
تفرد به أبو داود، ولم يسم هذا الصحابي، ولا يضر ذلك.
وقال أبو داود (^٢٣) أيضًا: حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، حدثني إسماعيل بن أمية: سمعت أعرابيًّا يقول: سمعت أبا هُرَيرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ منكم بالتين والزيتون فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ؟﴾ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فانتهى إلى: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾ فليقل: بلى. ومن قرأ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فبلغ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ؟﴾ فليقل: آمنا بالله".
ورواه أحمد، عن سفيان بن عيينة.
ورواه الترمذي عن ابن أبي [¬٢] عمر، عن سفيان بن عيينة.
وقد رواه شعبة، عن إسماعيل بن أمية؛ قال: قلت له: من حدثك؟ قال رجل صدق، عن أبي هريرة.
وقال ابن جرير (^٢٤): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾؟: ذُكِرَ لنا أن رسول الله ﷺ كان إذا قرأها قال: "سبحانك، وبلى [¬٣] ".
_________________
(١) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء في الصلاة، حديث (٨٨٤) (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٧٨٦).
(٢) سنن أبي داود في كتاب: الصلاة، باب: مقدار الركوع والسجود، حديث (٨٨٧) (١/ ٢٣٤). والمسند (٢/ ٢٤٩) (٧٣٨٥). وسنن الترمذي في باب: التفسير، باب: ومن سورة التين، حديث (٣٣٤٤) (٩/ ٧٧ - ٧٨). وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (١٨٨).
(٣) تفسير الطبري (٢٩/ ٢٠١). [¬١]- في ز، خ: فبكى. [¬٢]- سقط من ز، خ. [¬٣]- سقط من خ.
[ ١٤ / ٢٠٤ ]
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطي، حدثنا أبو أحمد الزبيري [¬١]، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أنه مرَّ بهذه الآية: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى؟﴾، قال: سبحانك، فبلى [¬٢].
[آخر تفسير سورة القيامة، ولله الحمد والمنة]
* * *
_________________
(١) [¬١]- في ز: الزهري. [¬٢]- في خ: فبكى.
[ ١٤ / ٢٠٥ ]