﷽
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾
كان سبب نزول صدر هذه السورة [¬١] الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن حاطبًا هذا كان رجلًا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضًا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم، بل كان حليفًا لعثمان. فلما عزم رسول الله ﷺ على فتح مكة لما نقض أهلها العهد، فأمر النبي ﷺ المسلمين [بالتجهز لعدوهم] [¬٢]، وقال: "اللَّهم عَمِّ عليهم خبرنا" (^١). فعمد حاطب هذا فكتب كتابًا، وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة، يعلمهم بما عزم عليه رسول الله ﷺ ليتخذ بذلك عندهم يدًا، فأطلع الله رسوله على ذلك، استجابة لدعائه. فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها، وهذا بين في الحديث المتفق على صحته؛ قال الإِمام أحمد (^٢):
_________________
(١) - أخرجه الطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٤٣٥) رقم (١٠٥٢) في قصة طويلة من حديث ميمونة، وفي الصغير (٢/ ٧٣ - ٧٥). وقال الهيثمي في المجمع (٦/ ١٦٧): رواه الطبراني في الصغير والكبير، وفيه يحيى بن سليمان بن نضلة وهو ضعيف. والقصة أوردها ابن هشام في السيرة من طريق ابن إسحاق في ذكر الأسباب الموجبة المسير إلى مكة (٤/ ٨٥٢ وما بعدها).
(٢) - أخرجه أحمد (١/ ٧٩ - ٨٠) (٦٠٠). [¬١]- في ز، خ: "الآية". [¬٢]- في ت: "بالتجهيز لغزوهم".
[ ١٣ / ٥٠٦ ]
حدثنا سفيان، عن عَمْرو [¬١]، أخبرني حَسَن بن محمد بن عليّ، أخبرني عُبيد [¬٢] الله ابن أبي رافع، وقال مرة: إن عبيد الله بن أبي رافع أخبره: أنه سمع عليًّا ﵁ يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد، فقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها"، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، قلنا: أخرجي الكتاب. قالت: ما معي كتاب. قلنا لتخرجن الكتاب أو، لنْلقين الثياب. قال: فأخرجت الكتاب من عقاصها، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله ﷺ. فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "يا حاطب؛ ما هذا؟ " قال: لا تعجل عليَّ، إني كنت امرأ مُلصَقًا في قريش، ولم أكن من أنفسهم، وكان من كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرًا ولا ارتدادًا عن ديني ولا رضي [¬٣] بالكفر بعد الإِسلام. فقال رسول الله ﷺ: "إنه صَدَقكم" فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: "إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لَعَلَّ [¬٤] الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم".
وكذا أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة (^٣) من عير وجه عن سفيان بن عيينة، به.
وزاد البخاري (^٤) في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب: الجاسوس، حديث (٣٠٠٧) (٦/ ١٤٣)، وأطرافه في [٣٨١١، ٣٩٨٣، ٤٢٧٤، ٤٨٩٠: ٦٢٥٩، ٦٩٣٩]. ومسلم في باب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر ﵃ وقصة حاطب بن أبي بلتعة، حديث (١٦/ ٢٤٩٤) (١٦/ ٨٠ - ٨٢). وأبو داود في كتاب: الجهاد، باب: في حكم الجاسوس إذا كان مسلمًا، حديث (٢٦٥٠) (٣/ ٤٧ - ٤٨). والترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الممتحنة، حديث (٣٣٠٢) (٩/ ٤٣ - ٤٤). والنسائي في الكبرى في كتاب: تفسير القرآن، باب: قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، - حديث (١١٥٨٥) (٦/ ٤٨٧).
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب المغازي، باب: غزوة الفتح، حديث (٤٢٧٤) (٧/ ٥١٩). [¬١]- في ز، خ: "عمه و". [¬٢]- في ز، خ: "عبد". [¬٣]- في ز، خ: "أرضى". [¬٤]- في ز، خ: "أن".
[ ١٣ / ٥٠٧ ]
و[¬١] قال في كتاب التفسير (^٥): قال عمرو: ونزلت فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال: لا أدري الآية في الحديث أو قال عمرو. قال البخاري (^٦): قال عليّ -يعني: ابن المديني-: قيل لسفيان: في هذا نزلت: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾؟ فقال سفيان: هذا في حديث الناس، حفطته من عمرو، ما تركت منه حرفًا، وما أرى أحدًا حفظه غيري. وقد أخرجاه في الصحيحين (^٧) من حديث حُصَين بن عبد [¬٢] الرحمن، عن سعد بن عُبَيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ، قال: بعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرْثد، والزبير بن العوام، وكلنا فارس، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب إلى المشركين". فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله ﷺ، فقلنا: الكتابُ؟ فقالت: ما معي كتاب. فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابًا، فقلنا: ما كذب رسول الله ﷺ! لتخرجن الكتاب أو لنجردنك. فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة [¬٣] بكساء فأخرجته. فانطلقنا بها إلى رسول الله ﷺ فقال عمر: يا رسول الله؟ قد خان الله ورسوله والمؤمنين فدعني فَلأضرِبْ عنقه. فقال: "ما حملك على ما صنعت؟ " قال: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله، أردت أن تكون لي عند القوم يَدٌ [¬٤] يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلا له هنالك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله. فقال: "صَدَق، لا تقولوا له إلا خيرًا". فقال عمر: إنه قد [¬٥] خان الله ورسوله والمؤمنين، فدعني فَلأضربْ عنقه. فقال: "أليس [] [¬٦]، من أهل بدر؟ فقال: "لعل الله قد اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة"، أو: "قد غفرت لكم" فدمعَت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. هذا لفظ البخاري في "المغازي" في غزوة بدر، وقد روي من وجه آخر عن علي، قال ابن أبي حاتم (^٨):
_________________
(١) - أخرجه البخاري برقم (٤٨٩٠)، باب: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾.
(٢) - أخرجه البخاري رقم (٨/ ٦٣٤).
(٣) - أخرجه البخاري في باب المغازي، باب: فضل من شهد بدرًا، حديث (٣٩٨٣) (٤/ ٣٠٧ - ٣٠٥)، ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أهل بدر، حديث (١٦١/ ٢٤٩٤ م) (١٦/ ٨٣).
(٤) - ينظر الحديث التالي. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- مكررة في: ز. [¬٣]- في ز، خ: "محتجرة". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- ما بين المعكوفتين في ز: "أنه".
[ ١٣ / ٥٠٨ ]
حدثنا عليّ بن الحسن [¬١] الهسنجاني، حدثنا عبيد [¬٢]، بن يعيش، حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي، عن أبي سنان -هو: سعيد بن سنان- عن عمرو بن مُرَّة الجَمَلي، عن أبي [] [¬٣]، البختري الطائي، عن الحارث، عن علي، قال: لما أراد النبي ﷺ أن، يأتي مكة، أسر إلى أناس من أصحابه أنه يريد مكة، فيهم حاطب بن أبي بلتعة، وأفشى في الناس أنه يريد خيبر قال: فكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة: أن رسول الله ﷺ يريدكم. فأخْبِر رسول الله ﷺ، قال: فبعثني رسول الله ﷺ وأبا مَرْثد، وليس منا رجل إلا وعنده فرس، فقال: "ائتوا روضة خاخ، فإنكم ستلقون بها امرأة معها كتاب، فخذوه منها". فانطلقنا حتى رأيناها بالمكان الذي ذَكَر رسول الله ﷺ فقلنا لها: هات الكتاب. فقالت: ما معي كتاب. فوضعنا متاعها، وفتشناها فلم نجده في متاعها، فقال أبو مرثد: لعله أن لا يكون معها. فقلت: ما كذب رسول الله ﷺ ولا كذبنا. فقلنا لها: لتخرجِنَّه أو لنُعرينَّك. فقالت: أما تتقون الله؟! ألستم مسلمين؟! فقلنا: لتخرجنه أو لنعرينك، قال عمرو بن مرة: فأخرجته من حُجزتها، وقال حبيب بن أبي ثابت: أخرجته من قُبُلها. فأتينا به رسول الله ﷺ فإذا الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة، فقام عمر فقال: يا رسول الله، خان الله ورسوله، فَأذَن لي فلأضرب عنقه. فقال رسول الله: "أليس قد شهد بدرًا؟ " قالوا: بلى. قال عمر: بلى، ولكنه قد نكث وظاهر أعداءك عليك. فقال رسول الله ﷺ: "فلعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، إني بما تعلمون بصير". ففاضت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. فأرسل رسول الله - صلى الله غليه وسلم - إلي حاطب فقال: "يا حاطب، ما حملك على ما صنعت؟ ". فقال: يا رسول الله، إني كنت امرأ مُلصَقًا في قريش، وكان لي بها مال وأهل، ولم يكن من أصحابك أحد إلا وله بمكة من يمنع أهله وماله، فكتبت إليهم بذلك ووالله -يا رسول الله- إني لمؤمن بالله ورسوله. فقال رسول الله ﷺ: "صدق حاطب، فلا تقولوا، لحاطبا إلا خيرًا" - قال حبيب بن أبي ثابت: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ.﴾ الآية.
هكذا رواه ابن جرير (^٩) عن ابن حميد عن مهران عن أبي سنان سعيد بن سنان بإسناد [¬٤]
_________________
(١) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٥٩). وفي إسناده مهران، وهو ابن أبي عمر العطار: صدوق له أوهام سيئ الحفظ، لكن تابعة عند أبي حاتم إسحاق بن سليمان الرازي وهم ثقة، إلا أن مدار الحديث على سعيد = [¬١]- في ز: "الحسين". [¬٢]- في ز، خ: "عبد". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز: "إسحاق،، وهي زيادة مقحمة". [¬٤]- في ت: "إسناد".
[ ١٣ / ٥٠٩ ]
مثله. وقد ذكر ذلك أصحاب المغازي والسير، فقال محمد بن إسحاق بن يَسَار في السيرة (^١٠): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا قال: لما أجمع رسول الله ﷺ المسير [¬١] إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ﷺ من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه إلى امرأة - زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة، وزعم غيره أنها. سارة، مولاة لبني عبد المطلب - وجعل لها جُعلًا على أن تبلغة قُريشًا فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به، وأتى رسول الله ﷺ الخبر من السماء بما صنع حاطب، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام فقال: "أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم". فخرجا حتى أدركاها بالخُلَيفة - خليفة بني [¬٢] أبي أحمد - فاستنزلاها بالخليفة، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئًا فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله وما كذبنا ولتخرجني لنا هذا الكتاب أو لنكشفنَّك. فلما رأت الجدّ منه قالت: أعرض. فأعرض، فحلت قرون رأسها، فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه، فأتى به رسول الله ﷺ فدعا رسول الله حاطبًا فقال: "يا حاطب؟ ما حملك على هذا؟ ". فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غَيرت ولا بَدّلت، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولَدٌ وأهل فصانعتهم عليهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فَلأضربْ عنقه، فإن الرجل قد نافق. فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك يا عمر! لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم. فأنزل الله ﷿ في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ
_________________
(١) = ابن سنان؛ قال أحمد: ليس بالقوي. وقال مرة: كان رجلًا صالحًا، ولم يكن يقيم الحديث. وقال النسائي: ليس به بأس، ووثقه الدارقطني ومن قبله ابن معين. وقال ابن عدي: له أفراد، وأرجو أنه بن لا يتعمد الكذب "ميزان الاعتدال" (٢/ ٣٣٣). وقال ابن حجر في التقريب: "صدوق له أوهام. والحارث هو ابن عبد الله الأعور كذبه الشعبي في رواية، ورمي بالرفض وفي حديثه ضعف.
(٢) - السيرة النبوية لابن هشام (٤/ ٨٥٨ - ٨٥٩). ورواته ثقات وابن إسحاق صرح بالتحديث إلا أنه مرسل. [¬١]- في ز: "السير". [¬٢]- في ز: "ابن".
[ ١٣ / ٥١٠ ]
وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ. …﴾. إلى آخر القصة.
وروى معمر (^١١)، عن الزهري، عن عروة نحو ذلك. وهكذا ذكر مقاتل بن حيان: أن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي بلتعة: أنه بعث سارة مولاة بني هاشم، وأنه أعطاها عشرة دراهم، وأن رسول الله ﷺ بعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ﵄ فأدركها بالجحفة … وذكر تمام القصة كنحو ما تقدم. وعن السدي قريب منه. وهكذا قال العوفي، عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، وغير واحد: إن هذه الآيات نزلت في حاطب بن أبي [¬١] بلتعة.
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾. يعني: المشركين والكفار الذين هم محاربون لله ولرسوله والمؤمنين [¬٢] الذين شرع الله عداوتهم ومصارمتهم [¬٣]، ونهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾. وقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ] [¬٤] إلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ولهذا قَبل رسول الله ﷺ عُذْرَ: حاطب لما ذكر أنه إنما فعل ذلك مصانعة لقريش، لأجل ما كان له عندهم من الأموال والأولاد.
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد (^١٢).
حدثنا مصعب بن سلام، حدثنا الأجلح، عن قيس بن أبي مسلم، عن ربعي بن حراش [¬٥]، سمعت حُذيفة يقول: ضَرَب لنا رسول الله ﷺ أمثالًا:
_________________
(١) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٦٠) وانظر السابق.
(٢) - أخرجه أحمد (٥/ ٤٠٧) (٢٣٥٦٩). وفي إسناده قيس بن أبي مسلم ذكره البخاري في التاريخ (٧/ ١٥٤ - ١٥٥) ولم يذكر فيه جرحًا، لا تعديلًا وذكره ابن حبان، وابن خلفون في الثقات كما في التعجيل. والحديث ذكره الهيثمي في "المجمع" (٥/ ٢٣٥) وقال: رواه أحمد وفيه الأجلح (في = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "والمؤمنين". [¬٣]- في ز، خ: "ومضاربتهم". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "خراش".
[ ١٣ / ٥١١ ]
واحدًا وثلاثة، وخمسة وسبعة، وتسعة، وأحد عشر - قال: فضرب لنا منها مثلًا وترك سائرها، قال: "إن قومًا كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعداء، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فَعَمَدوا إلى عَدوهم فاستعملوهم وسلّطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه".
وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾: هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم، لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده، ولهذا قال: ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي: لم يكن لكم [¬١] عندهم ذنب إلا إيمانكم [¬٢] بالله رب العالمين، كقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾. وكقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا﴾.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾، أي: إن كنتم كذلك فلا تتخذوهم أولياء، إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي باغين لمرضاتي عنكم فلا توالوا أعدائي وأعداءكم، وقد أخرجوكم من دياركم وأموالكم حَنَقًا عليكم وسخطًا لدينكم.
وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أي: تفعلون ذلك وأنا العالم بالسرائر والضمائر والظواهر ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيكُمْ أَيدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا [¬٣] فيكم من أذى ينالونكم به بالمقال والفعال، ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، أي: ويحرصون على أن لا تنالوا خيرًا، فهم عداوتهم لكم كامنة وظاهرة، فكيف توالون مثل هؤلاء؟ وهذا تهييج على عداوتهم أيضًا.
وقوله: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: قراباتكم [¬٤] لا تنفعكم عند الله إذا أراد الله بكم سوءًا، ونفعهم لا يصل إليكم إذا أرضيتموهم بما يسخط الله، ومن وافق أهله على الكفر ليرضيهم فقد خاب وخَسِر وضَل عمله، ولا ينفعه عند الله قرابته من أحد، ولو كان قريبًا إلى نبي من الأنبياء، قال الإِمام أحمد (^١٣):
_________________
(١) = المطبوع الأحلج ولعله تصحيف) الكندي وهو ثقة وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات.
(٢) - أخرجه أحمد (٣/ ٢٦٨) (١٣٨٦٢). [¬١]- في ز، خ: "لهم". [¬٢]- في ز، خ: "إيمانهم". [¬٣]- في ز، خ: "أبقوا". [¬٤]- في ت: "قرابتكم".
[ ١٣ / ٥١٢ ]
حدثنا عفان، حدثنا حمَّاد عن ثابت [¬١] عن أنس أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ أين أبي؟ قال: "في النار" فلما قَفَّى [¬٢] دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار". ورواه مسلم (^١٤) وأبو داود من حديث حماد بن سلمة به.
﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ رَبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ (٤) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾
يقول تعالى لعباده المؤمنين الذين أمرهم بمصارمة الكافرين وعداوتهم ومجانبتهم والتبري منهم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، أي: وأتباعه الذين آمنوا معه، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ [¬٣] إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾، أي: تبرأنا منكم ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ أي: بدينكم وطريقتكم [¬٤]، ﴿وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾، يعني: وقد شُرعت العداوة والبغضاء من الآن بيننا وبينكم، ما دمتم على كفركم فنحن أبدًّا نتبرأ منكم ونبغضكم، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، أي: إلى أن تُوحدوا الله فتعبدوه وحده لا شريك له، وتخلعوا ما تعبدون معه من الأنداد والأوثان.
و[¬٥] قوله تعالى: ﴿إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ أي: لكم في إبراهيم وقومه
_________________
(١) - مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، حديث (٣٤٧/ ٢٠٣) (٣/ ٩٧). وأبو داود في كتاب السنة، باب: في ذراري المشركين، حديث (٤٧١٨) (٤/ ٢٣٠). قال النووي: ومعنى قفى: ولى قفاه منصرفًا. [¬١]- في ز، خ: "أبيه". [¬٢]- في ز، خ: "بقى". [¬٣]- في ز، خ: "أمر مبهم". [¬٤]- في ز، خ: "وطريقكم". [¬٥]- سقط من: ت.
[ ١٣ / ٥١٣ ]
أسوة حسنة تتأسون بها، إلا في استغفار إبراهيم لأبيه فإنه إنما كان عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، وذلك أن بعض المؤمنين كانوا يدعون لآبائهم الذين ماتوا على الشرك ويستغفرون لهم ويقولون إن إبراهيم كان يستغفر لأبيه فأنزل الله ﷿ ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ ". وقال تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿قَدْ كَانَتْ [¬١] لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ [إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ] [¬٢]﴾ - إلى قوله تعالى- ﴿إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ﴾. أي: ليس لكم في ذلك أسوة. أي في الاستغفار للمشركين هكذا قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومقاتل [بن حيان] [¬٣] والضحاك وغير واحد.
ثم قال تعالى مخبرًا عن قول إبراهيم والذين معه حين فارقوا قومهم وتبرءوا منهم فلجئوا إلى الله وتضرعوا إليه فقالوا ﴿رَبَّنَا عَلَيكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيكَ أَنَبْنَا وَإِلَيكَ الْمَصِيرُ﴾ [أي توكلنا عليك في جميع الأمور وسلمنا أمورنا إليك وفوضناها إليك، وإليم المصير:] [¬٤] أي المعاد في الدار الآخرة ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال مجاهد: معناه لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا، وكذا قال الضحاك.
وقال قتادة: لا تظهرهم علينا فيفتتنوا بذلك يرون أنهم إنما ظهروا علينا لحق هم عليه واختاره ابن جرير.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس لا تسلطهم علينا فيفتنونا.
وقوله تعالى: ﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي واستر ذنوبنا عن غيرك واعف عنها فيما بينا وبينك ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ [¬٥]: الذي لا يضام من لاذ بجنابك ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أقوالك وأفعالك وشرعك وقدرك.
ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وهذا تأكيد لما تقدم ومستثنى منه ما تقدم أيضًا لأن هذه الأسوة المثبتة [¬٦] هاهنا هي الأولى بعينها. وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾. تهييج إلى ذلك [لكل مؤمن] [¬٧] بالله والمعاد، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ أي: عما أمر الله به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ
_________________
(١) [¬١]- في ز: "كان". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٥]- سقط من: ز، خ. [¬٦]- في ز، خ: "المبنية". [¬٧]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "كل مقر".
[ ١٣ / ٥١٤ ]
الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ وقال عدي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الغني الذي قد كمل في غناه وهو الله هذه صفته لا تنبغي إلا له ليس له كفء وليس كمثله شيء سبحان الله الواحد القهار، والحميد المستحمد إلى خلقه أي هو المحمود في جميع أقواله وأفعاله لا إله [¬١] غيره ولا رب سواه.
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾
يقول تعالى لعباده المؤمنين بعد أن أمرهم بعداوة الكافرين: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أي: محبة بعد البِغضَة، ومودة بعد النفرة، وألفة بعد الفرقة. ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾، أي: على ما يشاء من الجمع بين الأشياء المتنافرة والمتباينة والمختلفة، فيؤلف بين القلوب بعد العداوة والقَساوة، فتصبح مجتمعة متفقة، كما قال تعالى ممتنًا على الأنصار: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا …﴾ الآية. وكذا قال لهم النبي ﷺ: "ألم أجدكم ضلالًا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ " (^١٥). وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي الحديث "أحبِبْ حَبيبَكَ هونًا مَا، فعسى أن يكونَ بغيضَكَ يومًا ما. وأبغِض بغَيضك هونًا ما، فعسى أن يكون حبيبك يومًا ما" (^١٦).
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف، حديث (٤٣٣٠) (٨/ ٤٧) وطرفه في [٧٢٤٥]. ومسلم في باب الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم وتصبر من قوى إيمانه، حديث (١٣٩/ ١٠٦١) (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١). كلاهما من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم.
(٢) - أخرجه الترمذي في باب البر. والصلة، باب: ما جاء في المداراة، حديث (١٩٩٨) = [¬١]- في ز، خ: "رب".
[ ١٣ / ٥١٥ ]
[وقال الشاعر:] [¬١]
وقَد يجمعُ الله الشتِيتَين بعدما … يظنان كل الظنِّ أن لا تلاقيا
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أي: يغفر للكافرين كفرهم إذا تابوا منه وأنابوا إلى ربهم وأسلموا له، وهو الغفور الرحيم بكل من تاب إليه، من أيّ ذنب كان.
وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية نزلت في أبي سفيان صخر بن حرب، فإن رسول الله ﷺ تزوج ابنته، فكانت هذه مودة ما بينه وبينه.
وفي هذا الذي قاله مقاتل نظر، فإن رسول الله تزوج بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل الفتح، وأبو سفيان إنما أسلم ليلة الفتح بلا خلاف. واحسن من هذا ما رواه ابن أبي حاتم (^١٧) حيث قال:
قُرئ على محمد بن عَزيز: حدثني سلامة، حدثني عقيل، حدثني ابن شهاب: أن رسول الله ﷺ استعمل أبا سفيان بن حرب على بعض اليمن، فلما قبض رسول الله ﷺ أقبل فلقي ذا الخمار مرتدًّا، فقاتله، فكان أول من قاتل في الردة وجاهد عن الدين - قال ابن شهاب: وهو ممَّن [¬٢] أنزل الله فيه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَينَكُمْ وَبَينَ الَّذِينَ عَادَيتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
وفي صحيح مسلم (^١٨)، عن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله، ثلاث
_________________
(١) = (٦/ ٢٠٩ - ٢١٠) وغيره من طريق سويد بن عمرو الكلبي، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - أراه رفعه -. قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه. وقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا؛ رواه الحسن بن أبي جعفر بإسناده عن علي عن النبي ﷺ والصحيح عن علي موقوف قوله. ا هـ. قال الألباني في "غاية المرام" (٤٧٢): واستغراب الترمذي له لا وجه له، ولذلك قال المناوي: وقد استدرك الحافظ العراقي على الترمذي دعواه غرابته وضعفه؛ فقال: قلت: رجاله رجال مسلم، لكن الراوي تردد في رفعه. انتهى. والمصنف -يعني السيوطي- رمز لحسنه. والتردد الذي ذكره في رفعه لم أره في شيء من طرقه عن أبي هريرة ثم بدا لي أنه كثير إلى قوله "أراه رفعه" والله أعلم. ا هـ كلام الشيخ الألباني. وقد ورد الحديث من طرق أخرى ضعيفة في العلل المتناهية (١٢٢٥) وابن عدي في الكامل وغيرهما وراجع غاية المرام للشيخ الألباني إن أردت زيادة فائدة.
(٢) - في إسناده إرسال ظاهر.
(٣) - أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي سفيان بن حرب، = [¬١]- ما بين المعكوفتين سقط من: ت. [¬٢]- في ت: "من".
[ ١٣ / ٥١٦ ]
أعطيهنّ [¬١] قال: "نعم" قال: تُؤمّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: "نعم". قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك قال: "نعم" [] [¬٢]. قال: وعندي أحسن العرب وأجمله [¬٣]، أمّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها … الحديث، وقد تقدم الكلام عليه.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي: لا ينهاكم عن الإِحسان إلى الكفرة الله الذين لا يقاتلونكم في الدين، كالنساء والضعفة منهم، ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾، أي: تحسنوا إليهم ﴿وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ﴾، أي: تعدلوا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
قال الإمام أحمد (^١٩): حدثنا أبو معاوية، حدثنا هشام بن عروة، عن فاطمة بنت
_________________
(١) = حديث (١٦٨/ ٢٥٠١) (١٦/ ٩٠) بنحو هذا اللفظ. قال الإمام النووي في شرحه لهذا الحديث: واعلم أن هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإشكال ووجه الإشكال أن أيضًا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة وهذا مشهور لا خلاف فيه وكان النبي ﷺ قد تزوج أم حبيبة قبل ذلك بزمان طويل. قال أبو عبيدة وخليفة بن خياط وابن البرقي والجمهور: تزوجها سنة ست وقيل سنة سبع. قال القاضي عياض: واختلفوا أين تزوجها فقيل بالمدينة بعد قدومها من الحبشة. وقال الجمهور: بأرض الحبشة. قال: واختلفوا فيمن عقد له عليها هناك. فقيل عثمان وقيل خالد بن سعيد بن العاصي بإذنها وقيل النجاشي: لأنه كان أمير الموضع وسلطانه. قال القاضي: والذي في مسلم هنا أنه زوجها أبو سفيان غريب جدًّا وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهور، ولم يزد القاضي على هذا. وقال ابن حزم: هذا الحديث وهم من بعض الرواة لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة قبل الفتح بدهر، وهي بأرض الحبشة وأبوها كافر وفي رواية عن ابن حزم أيضًا أنه قال: موضوع. قال: والآفة فيه من: عكرمة بن عمار الراوي عن أبي زميل. وأنكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح ﵀. هذا على ابن حزم، وبالغ في الشناعة عليه. قال: وهذا القول من جسارته فإنه كان هجومًا على تخطئه الأئمة الكبار وإطلاق اللسان فيهم. قال: ولا نعلم أحدًا من أئمة الحديث نسب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وغيرهما. وكان مستجاب الدعوة قال: وما توهمه ابن حزم من منافاة هذا الحديث لتقدم زواجها غلط منه وغفلة، لأنه سأله تجديد عقد النكاح تطيبًا لقلبه، لأنه كان ربما يرى عليها غضاصة من رياسته ونسبة أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد وقد خفى أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه وطالت صحبته. هذا كلام أبي عمرو ﵀. وليس في الحديث أن النبي ﷺ جدد العقد ولا قال أبي سفيان أنه يحتاج إلى تجديده فلعله ﷺ أراد بقوله أن مقصودك يحصل وإن لم يكن بحقيقة عقد. والله أعلم.
(٢) - لم أجده من هذا الطريق عند أحمد، وقد أخرجه من، طرق أخرى (٦/ ٣٤٤، ٣٤٧، ٣٥٥) = [¬١]- في ز، خ: "أعطيتهن". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "وقد تقدم الكلام عليه". [¬٣]- في ز، خ: "وأكمله".
[ ١٣ / ٥١٧ ]
المنذر، عن أسماء - هي بنت أبي بكر ﵄ قالت: قَدمَت أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا، فأتيتُ النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن امي قدمت وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: "نعم، صلي أمك". أخرجاه (^٢٠).
وقال الإِمام أحمد (^٢١): حدثنا عارم، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مصعب بن ثابت، حدثنا عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: قدمت قتيلة على ابنتها أسماء بنة أبي بكر بهدايا: [صِنَاب وأقط] [¬١] وسمن، وهي مشركة، فأبت أسماء أن تقبل هديتها، وتدخلها بيتها فسألت عائشة النبي ﷺ فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ.﴾. إلى آخر الآية، فأمرها أن تقبل هديتها، وأن تدخلها بيتها.
وهكذا رواه ابن جرير (^٢٢) وابن أبي حاتم، من حديث مصعب بن ثابت، به.
وفي رواية لأحمد وابن جرير (^٢٣): " قُتَيلة بنت عبد [¬٢] العزى بن عبد [¬٣] أسعد، من بني مالك بن حسل".
وزاد ابن أبي حاتم: "في المدة التي كانت بين قريش، ورسول الله ﷺ".
وقال أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار (^٢٤): حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو قتادة العدوي، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة وأسماء أنهما قالتا: قَدِمَتْ علينا أُمُّنا المدينة، وهي مشركة، في الهدنة التي كانت بين قريش وبين رسول الله ﷺ فقلنا:
_________________
(١) = عن هشام بن عروة عن أبيه عن أسماء به مرفوعًا مثله ونحوه.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب: الهبة، باب: الهدية للمشركين، حديث (٢٦٢٠) (٥/ ٣٣٣)، وأطرافه في [٣١٨٣، ٥٩٧٨، ٥٩٧٩]. ومسلم في كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين، حديث (٤٩، ٥٠/ ١٠٠٣) (٧/ ١٢٣، ١٢٤) كلاهما من طريق هشام بن عروة أيضًا.
(٣) - أخرجه أحمد (٤/ ٤) وفي إسناده مصعب بن ثابت وهو: لين الحديث، وانظر السابق.
(٤) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٦٩) من طريق مصعب.
(٥) - يراجع الموضع السابق.
(٦) - أخرجه البزار في مسنده (٢/ ٢٤١ - زوائد) (١٧٨٤). قال ابن حجر: إسناده ضعيف. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٤٨): رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف. ا هـ. [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ضباب وقرط". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٥١٨ ]
يا رسول الله؛ أن أمنا قدمت علينا المدينة [¬١] راغبةً، أفنصلها. قال: "نعم، فَصِلاها".
ثم قال: وهذا الحديث لا نعلمه [¬٢] يروى عن الزهري عن عروة عن عائشة إلا من هذا الوجه.
قلت: وهو منكر بهذا السياق، لأن أم عائشة هي أم رومان، وكانت مسملة مهاجرة، وأم أسماء غيرها، كما هو مصرح باسمها في هذه الأحاديث المتقدمة، والله أعلم.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾: تقدم تقدير ذلك في "سورة الحجرات". وأورد الحديث الصحيح: "المقسطون على منابر من نور عن يمين العرش: الذين [يعدلون في حكمهم] [¬٣]، وأهاليهم، وما وَلُوا" (^٢٥).
وقوله ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ أي: إنما ينهاكم عن موالاة هؤلاء الذي ناصبوكم بالعداوة، فقاتلوكم وأخرجوكم، وعاونوا على إخراجكم، ينهاكم الله عن موالاتهم ويأمركم بمعاداتهم ثم أكد الوعيد على موالاتهم فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾
تقدم في "سورة الفتح" ذكر صلح الحديبية الذي وقع بين رسول الله - صلى الله عليه
_________________
(١) - تقدم تخريجه في تفسير سورة الحجرات، آية: (٩) وهو حديث صحيح. [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- في ز: "نعلم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين مكررة في: ز.
[ ١٣ / ٥١٩ ]
وسلم - وبين كفار قريش، فكان فيه: "على أن لا يأتيك منا رجل [¬١]- وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا". وفي رواية: "على أنه لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا". وهذا قول عروة، والضحاك، وعبد الرحمن بن زيد، والزهري، ومقاتل، والسدي، فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن الله ﷿ أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن عَلِموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن.
وقد ذكرنا في ترجمة عبد الله بن أبي [¬٢] أحمد بن جحش، من المسند الكبير (^٢٦)، من طريق أبي بكر بن أبي عاصم، عن محمد بن يحيى الذهلي، عن يعقوب بن محمد، عن عبد العزيز بن عمران، عن مُجمَع بن يعقوب، عن [حسين بن السائب بن أبي لُبابة] [¬٣]، عن عبد الله بن أبي أحمد قال: هاجرت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعيط في الهجرة، فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول الله ﷺ فكلماه فيها أن يردها إليهما، فنقض الله العهد بينه وبين المشركين في النساء خاصة، ومنعهن أن يُرْدَدْنَ [¬٤] ابن المشركين، وأنزل الله آية الامتحان.
قال ابن جرير (^٢٧): حدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير، عن قيس بن الربيع، عن الأغر بن الصباح، عن خليفة بن حُصَين، عن أبي نصر الأسدي قال: سُئِل ابنُ عباس: كيف كان امتحانُ رسول الله ﷺ النساء؟ قال: كان يمتحنهن: بالله ما خَرجت من بُغض زوج؟ وبالله ما خَرجت رَغبةً عن أرض ابن أرض؟ وبالله ما خرجت التماس دنيا؟ وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ولرسوله.
ثم رواه من وجه آخر، عن الأغر بن الصباح، به (^٢٨).
وكذا رواه البزار (^٢٩) من طريقه، وذكر فيه [¬٥] أن الذي كان يحلفهن عن أمر رسول
_________________
(١) - في إسناده عبد العزيز بن عمران متروك، احترقت كتبه فحدث من حفظ فاشتد غلطه.
(٢) - أخرجه الطبري (٦٧/ ٢٨). وفي إسناده أبو نصر وهو مجهول. وانظر التالي.
(٣) - أخرجه الطبري (٢٨ - ٦٧) من طريق الحسن بن عطية عن قيس عن الأغر، وانظر التالي.
(٤) - أخرجه البزار (٢ - ١١٢ - زوائد) (١٥١٧) قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا = [¬١]- في ز، خ: "أحد". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- في ز، خ: "حنين بن أبي لبانة". [¬٤]- في ز، خ: "ابانة". [¬٥]- في ز، خ: "يردون".
[ ١٣ / ٥٢٠ ]
الله ﷺ له عمر بن الخطاب.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: كان امتحانهن أن يشهدن أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله. وقال مجاهد: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾: فاسألوهن: ما جاء بهن؟ فإن كان جاء بهن غضبٌ على أزواجهن أو سَخطة أو غيره، ولم يؤمن فأرجعوهن إلى أزواجهن.
وقال عكرمة: قال لها: ما جاء بك إلا حب الله، ورسوله؟ وما جاء بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك؟ فذلك قوله ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾.
وقال قتادة: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله: ما أخرجكن النشوز؟ وما أخرجكن إلا حب الإِسلام وأهله وحِرص عليه؟ فإذا ألق ذلك قُبِل ذلك منهن.
وقوله: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾: فيه دلالة على أن الإِيمان يمكن الاطلاع عليه يقينًا.
وقوله: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾: هذه الآية هي التي حَرَّمَت المسلمات على المشركين، وقد كان جائزًا في أعداء الإِسلام أن يتزوج المشرك المؤمنة، ولهذا كان أبو [¬١] العاص بن الربيع زوج ابنة النبي - صلى الله، عليه وسلم - زينب ﵂ وقد كانت مسلمة وهو على دين، قومه، فلما رآها في الأسارى هم بدر بعثت امرأته زينب في فدائه بقلادة لها كانت لأمها خديجة، فلما رآها رسول الله ﷺ رَقّ لها رقَّةً شديدة وقال للمسلمين: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها فافعلوا" ففعلوا [¬٢] "، فأطلقه رسول الله ﷺ على أن يبعث ابنته إليه، فوفى له بذلك وصدقه فيما وعده، وبعثها إلى رسول الله ﷺ مع زيد بن حارثة ﵁ فأقامت بالمدينة من بعد وقعة بدر، وكانت سنة اثنتين [¬٣] إلى أن أسلم زوجها أبو العاص بن الربيع سنة ثمان [فردها عليها] [¬٤] بالنكاح الأول، ولم يحدث لها صداقًا (^٣٠).
_________________
(١) = بهذا الإسناد، ولا روى عن أبي نصر إلا خليفة. قلت -أي ابن حجر-: أعله الشيخ بقيس، وقد ذكر البخاري أن أبا نصر لم يسمع من ابن عباس؛ فهي العلة. قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٢٦): رواه البزار وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة، والثورى وضعفه غيرهما وبقية رجاله ثقات.
(٢) - أخرجه أحمد (٦/ ٢٧٦) (٢٦٤٧٢)، وأبو داود في كتاب الجهاد، باب: في فداء الأسير بالمال، حديث (٢٦٩٢) (٣/ ٦٢)، والحاكم (٣/ ٢٣). كلهم من طريق ابن إسحاق عن يحيى بن عباد عن = [¬١]- في ز، خ: "منه". [¬٢]- سقط من ت. [¬٣]- في ز، خ: "اثنين". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٥٢١ ]
كما قال الإِمام أحمد (^٣١):
حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، حدثنا ابن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ رد ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع، وكانت هجرتها قبل إسلامه بست سنين على النكاح الأول، ولم يحدث شهادة ولا صَدَاقًا.
ورواه أبو داود والترمذي وابن ماجة. ومنهم من يقول: "بعد سنتين". وهو صحيح، لأن إسلامه كان بعد تحريم المسلمات على المشركين بسنتين.
وقال الترمذي (^٣٢): " ليس إسناده بأس، ولا نعرف وجه هذا الحديث، و[¬١] لعله جاء من حفظ داود بن الحصين … وسمعت عبد بن حميد يقول: سمعت زيد [¬٢] بن هارون يذكر عن ابن إسحاق هذا الحديث، وحديثَ الحجاج -يعني ابن أرطأة- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ رد ابنته على أبي العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد فقال يزيد: حديث ابن عباس أجودُ إسنادًا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب.
قلت: وقد رَوَى حديث الحجاج بن أرطأة، عن عمرو بن شعيب الإمامُ أحمدُ (^٣٣) والترمذي وابن ماجة. وضعفه الإمام أحمد وغير واحد، والله أعلم.
_________________
(١) = أبيه عن عائشة ﵂ به. وإسناده حسن وابن إسحاق صرح بالتحديث عند أحمد. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٢٣٤١).
(٢) - أخرجه أحمد (١/ ٢٦١) (٢٣٦٦). وأبو داود في كتاب الطلاق، باب: إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها، حديث (٢٢٤٥) (٢/ ٢٧٢). والترمذي في كتاب النكاح، باب: ما جاء في الزوجين المشركين يسلم أحدهما، حديث (١١٤٣) (٤/ ١٠٩). وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، حديث (٢٠٠٩) (١/ ٦٤٧). كلهم من طرق عن ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ﵁ به. وداود بن حصين، قال ابن حجر في التقريب: ثقة إلا في عكرمة. وقال علي بن المديني: ما روى عن عكرمة فمنكر. تهذيب التهذيب (٣/ ١٥٧). وصححه الألباني في الإرواء (١٩٢١) بشواهده.
(٣) - ذكره الترمذي بعد حديث (١١٤٤). والحجاج بن أرطاة كثير الخطأ والتدليس.
(٤) - أخرجه أحمد (٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨). والترمذي في آخر حديث (١١٤٤) في الموضع السابق. = [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ت: "زيد".
[ ١٣ / ٥٢٢ ]
وأجاب الجمهور عن حديث ابن عباس بأن ذلك كان قضية عين يحتمل أنه لم تنقض عِدَتُها منه؛ لأن الذي عليه الأكثرون أنها متى انقضت العدة ولم يسلم؛ انفسخ نِكاحُها منه.
وقال آخرون: بل إذا انقضت العدّة هي بالخيار، إن شاءت أقامت على النكاح واستمرت، وإن شاءت فسخته وذهبت فتزوجت، وحملوا عليه حديث ابن عباس، والله أعلم.
وقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾؛ يعني: أزواجَ المهاجرات من المشركين، ادفعوا إليهم الذي غرموه عليهن [¬١] من الأصدقة. قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والزهري، وغير واحد.
وقوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾: يعني إذا أعطيتموهن أصدقتهن فانكحوهن، أي: تزوجوهن بشرطه من انقضاء العدة والولي وغير ذلك.
وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾: تحريم من الله ﷿ على عباده المؤمنين نكاحَ المشركات، والاستمرار معهن.
وفي الصحيح (^٣٤)، عن الزهري، عن عروة، عن المسور و[¬٢] مَرْوان بن الحكم: أن رسول الله ﷺ لما عاهد كفار قريش يوم الحديبية جاء نساءٌ من المؤمنات، فأنزل الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. فطق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين، تزوج إحداهما معاوية بن أبي سفيان، والأخرى صفوانُ بن أمية.
_________________
(١) = وابن ماجة في كتاب النكاح، باب: الزوجين يسلم أحدهما قبل الآخر، حديث (٢١٠) (١/ ٦٤٧). كلهم من طريق الحجاج عن عمرو بن شعيب. قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف أو قال: واه. ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزمي، والعرزمي لا يساوى حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي روي أن النبي ﷺ أقرهما على النكاح الأول.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد، حديث (٢٧٣١، ٢٧٣٢) (٥/ ٣٢٩ - ٣٣٣) في حديث طويل. [¬١]- في ز، خ: "عليهم". [¬٢]- في ز، خ: "بن".
[ ١٣ / ٥٢٣ ]
وقال ابن ثَور (^٣٥)، عن معمر، عن الزهري: أنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو بأسفل الحديبية، حين صالحهم على أنه من أتاه منهم رده إليهم، فلما جاء النساء نزلت هذه الآدة، وأمره أن يرد الصداق إلى أزواجهن، وحكم على المشركين مثل ذلك إذا جاءتهم امرأة من المسلمين أن هدوا الصداق إلى زوجها، وقال: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾. وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال: وإنما حكم الله بينهم بذلك، لأجل ما كان بينهم وبينهم [¬١] من العهد.
وقال محمد بن إسحاق (^٣٦)، عن الزهري: طلق عمر يومئذ قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية - وأمَّ كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية، وهي أم عبيد الله، فتزوجها أبو جهم بن حذيفة بن غانم، رجل من قومه، وهما على شركهما. وطلق طلحةُ بن عبيد الله أروى بنتَ ربيعة [¬٢] بن الحارث بن عبد المطلب، فتزوجها بعده خالد بن سعيد بن العاص.
وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا﴾، أي: وطالبوا بما أنفقتم على أزواجكم اللاتي يذهبن إلى الكفار، إن ذهبن، وليطالبوا بما أنفقوا على أزواجهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَينَكُمْ﴾، أي: في الصلح واستثناء النساء منه، والأمر بهذا كله هو حكم الله حكم به [¬٣] خلقه، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في ذلك.
ثم قال: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ - قال مجاهد، وقتادة: هذا في الكفار الذين ليس لهم عهد، إذا فرت [¬٤] إليهم امرأة ولم يدفعوا إلى زوجها شيئًا، فإذا جاءت منهم امرأة لا يدفع إلى زوجها شيء، حتى يدفع إلى زوج الذاهبة إليهم مثل نفقته عليها.
وقال ابن جرير (^٣٧): حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن الزهري قال: أقر المؤمنون بحكم الله، فأدوا ما أمروا به من نفقات المشركين التي أنفقوا على
_________________
(١) - أخرجه الطبري (٧٠/ ٢٨) وهو مرسل.
(٢) - ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٣/ ٧٩٠ - ٧٩١) من طريق ابن إسحاق.
(٣) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٧٥) هكذا مرسلًا. [¬١]- سقط من: ت. [¬٢]- في ز، خ: "النضر". [¬٣]- سقط من: ز، خ. [¬٤]- في ز، خ: "قرب".
[ ١٣ / ٥٢٤ ]
نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا بحكم الله فيما فرض عليهم من أداء نفقات المسلمين، فقال الله للمؤمنين به: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾. فلو أنها ذهبت بعد هذه الآية امرأةٌ من أزواج المؤمنين إلى المشركين، رَدَّ المؤمنون إلى زوجها النفقة التي أنفق عليها من العَقِب اللاتي بأيديهم، الذي [¬١] أمروا أن يردوه على المشركين من نفقاتهم التي أنفقوا على أزواجهم اللاتي آمن وهاجرنَ، ثم ردوا إلى المشركين فضلًا [إن كان بقي لهم] [¬٢]. والعقب: ما كان [بأيدي المؤمنين] [¬٣] من صداق نساء [¬٤] الكفار حين [¬٥] آمنّ وهاجرنَ.
وقال العوفي، عن ابن عباس في هذه الآية: يعني إن لحقت [¬٦] امرأة رجل من المهاجرين بالكفار، أمر له رسول الله ﷺ أنه يعطى من الغنيمة مثل ما أنفق.
وهكذا قال مجاهد: ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾: أصبتم غنيمة من قريش أو غيرهم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾، يعني: مهر مثلها. وهكذا قال مسروق، وإبراهيم، وقتادة، ومقاتل، والضحاك، وسفيان بن حسين، والزهري أيضًا.
وهذا لا ينافي الأول؛ لأنه إن أمكن، الأول فهو أولي، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار. وهذا أوسع، وهو اختيار ابن جرير، ولله الحمد والمنة.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)
قال البخاري (^٣٨): حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي ابن شهاب، في عمه قال: أخبرني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته: أن رسول الله ﷺ كان يمتحن من هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية:
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسر، باب ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾، حديث (٤٨٩١) (٨/ ٦٣٦). [¬١]- في ز، خ: "الذين". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "منزلهم". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز:، خ "على". [¬٤]- سقط من: ز، خ. [¬٥]- في ز، خ: "من". [¬٦]- في ز، خ: "تجنب".
[ ١٣ / ٥٢٥ ]
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ - قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله ﷺ: "قد بايعتك". كلامًا، ولا والله ما مست يده يد امرأة قَطٌّ في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: "قد بايعتك على ذلك". هذا لفظ البخاري. وقال الإِمام أحمد (^٣٩):
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رُقَيقة [¬١] قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نساء لنبايعه، فأخذ علينا ما في القرآن: أن لا نشرك بالله شيئًا … الآية. وقال: "فيما استطعتن وأطقتن". قلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: "إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة". هذا إسناد صحيح، وقد رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة، من حديث سفيان بن عيينة - والنسائي أيضًا من حديث الثوري - ومالك بن أنس كلهم، عن محمد بن المنكدر به. وقال الترمذي: "حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث محمد بن المنكدر".
وقد رواه أحمد أيضًا (^٤٠) من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة، به. وزاد: "ولم يصالح منا امرأة".
وكذا رواه ابن جرير (^٤١) من طريق موسى بن عقبة عن محمد ابن المنكدر به.
ورواه ابن أبي حاتم (^٤٢) من حديث أبي جعفر الرازي، عن محمد بن المنكدر [¬٢] حدثتني أميمة بنت رقيقة - وكانت أخت خديجة خالة فاطمة، من فيها إلى فيَّ … فذكره.
وقال الإِمام أحمد (^٤٣): حدثنا يعقوب، حدثني أبي، عن ابن إسحاق، حدثني سليط
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٧) (٢٧١٢١). والترمذي في باب السير، باب: ما جاء في بيعة النساء، حديث (١٥٩٧) (٥/ ٣٢٢). والنسائي (٧/ ١٤٩) كتاب: البيعة، باب: بيعة النساء. وابن ماجة في كتاب الجهاد، باب: بيعة النساء، حديث (٢٨٧٤) (٢/ ٩٥٩). والنسائي في الكبرى في كتاب السير، باب: بيعة النساء، حديث (٨٧١٣) (٥/ ٢١٨)، وفي التفسير (١٥٨٩) من طريق مالك.
(٢) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٥٧) (٢٧١١٩).
(٣) - الطبري (٨٠/ ٢٨).
(٤) - في إسناده أبو جعفر الرازي، هو: صدوق سيء الحفظ.
(٥) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٧٩ - ٣٨٠) (٢٧٢٤٤). وفي إسناده سليط بن أيوب، قال الحافظ: مقبول. وأمه ذكرها ابن حجر في "التعجيل" (ص ٣٦٥) فيمن روى عن سلمى بنت قيس ولم أجد = [¬١]- في ز، خ: "رقية". [¬٢]- في ز، خ: "بعده "و".
[ ١٣ / ٥٢٦ ]
ابن أيوب بن الحكم بن سُلَيم، عن أمه سلمى بنت قيس - وكانت إحدى خالات رسول الله ﷺ قد صلت معه القبلتين، وكانت إحدى نساء بني عدي بن النجار - قالت: جئت رسول الله ﷺ نبايعه في نسوة من الأنصار، فلما شرط علينا: ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا،، لا نعصيه في معروف- قال: "ولا تغشُشْنَ أزواجكن". قالت: فبايعناه، ثم انصرفنا، فقلت لامرأة منهن: ارجعي فسلي رسول الله ﷺ: ما غش أزواجنا؟ قال: فسألته فقال [¬١]: "تأخذ ماله، فتحابي به غيره".
وقال الإِمام أحمد (^٤٤): حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، حدثني أبي، عن أمه عائشة بنت قُدامة -يعني ابن مظعون- قالت: أنا مع أمي رائطة [بنت سفيان] [¬٢] الخزاعية، والنبي ﷺ يبايع النسوة ويقول: "أبايعكنّ على أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين ولا تلقتلن أولادكن، ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، ولا تعصينني في معروف". [قالت: فأطرقن. فقال لهن النبي ﷺ:] [¬٣] "قلن نعم فيما استطعتن". [فكنَّ يلقن] [¬٤] وأقول معهن، وأمي [تلقنني: قولي] [¬٥]-أي بنية؛ نعم [فيما استطعتُ] [¬٦] فكنت أقول كما يقلن.
وقال البخاري (^٤٥): حدثنا أبو [¬٧] معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايَعنا، رسولَ الله ﷺ فقرأ علينا:
_________________
(١) = فيها جرحًا ولا تعديلًا إلا ما كان من توثيق الهيثمي في المجمع (٦/ ٤١) بعد أن عزا الحديث لأحمد وأبي يعلى والطبراني، فقال: رجاله ثقات. والحديث في مسند أبي يعلى (٧٠٧٠). والطبراني (٢٤/ ٢٩٦) (٧٥١، ٧٥٢).
(٢) - أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٥) (٢٧١٧٤). وفي إسناده عبد الرحمن بن عثمان بن محمد بن إبراهيم، قال أبو حاتم الرازي: يهولني كثرة ما يسند. وذكر الذهبي في الميزان أن أبا حاتم ضعفه. وقال البخاري: حديثه في الكوفيين. وذكره ابن حبان في الثقات في الطبقة الثالثة. ا هـ. كذا في "تعجيل المنفعة" (٢٥٤). قال الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٤١): رواه أحمد والطبراني. فيه عبد الرحمن بن عثمان بن إبراهيم وهو ضعيف.
(٣) - أخرجه البخاري في باب: التفسير، باب ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، حديث (٤٨٩٢) (٨/ ٦٣٧). [¬١]- في ز، خ "قال". [¬٢]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٣]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٤]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "لكن فقلن". [¬٥]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "تقول". [¬٦]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ. [¬٧]- سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٥٢٧ ]
﴿[أَنْ لَا يُشْرِكْنَ] [¬١] بِاللَّهِ شَيئًا﴾، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة، يدها فقالت [¬٢]: أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها. فما قال لها رسول الله ﷺ شيئًا، فانطلقت ورجعت فبايعها.
ورواه مسلم (^٤٦). وفي رواية: "فما وفَّى منهن امرأة غيرها، وغير أم سليم بنة ملحان".
وللبخاري (^٤٧) عن أم عطية قالت: أخذ علينا رسول الله ﷺ عند [¬٣] البيعة أن لا ننوح، فما وَفَت منا امرأة غير خمس نسوة: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سَبرة امرأة معاذ، وامرأتان -أو: ابنة أبي سَبرة، وامرأة معاذ، وامرأة أخرى.
وقد كان رسول الله ﷺ يتعاهدُ النساءَ بهذه البيعة يومَ العيد، كما قال البخاري (^٤٨):
حدثنا محمد بن عبد الرحيم، حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب، أخبرني ابن جُريج أن الحسن بن مسلم أخبره، عن طاوس، عن ابن عباس قال: شهدت الصلاة يوم الفطر مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم يصليها قبل الخطبة ثم يخطب بعدُ، فنزل نبي الله ﷺ فكأني أنظر إليه حين يُجَلِّس الرجال بيده، ثم أقبل يَشقَهم حتى أتى النساء، مع بلال فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾. حتى فرغ من الآية كلها. ثم قال حين فرغ: "أنتن على ذلك"؟ فقالت امرأة واحدة: لم يجبه غيرها: نعم يا
_________________
(١) - أخرجه مسلم في كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة، حديث (٣١، ٣٢/ ٩٣٦) (٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧)، لكن في رواية مسلم فما وفت منا امرأة إلا خمس: أم سليم، وأم العلاء، وابنة أبي سبرة امرأة معاذ، أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ، وهو عند البخاري بنحوه (٧٢١٥). فعلى هذا يكون المجموع أربع نسوة، ولعل الخامسة هي أم عطية ﵃ أجمعين. قال النووي في شرح قولها: فما وفت منا امرأة إلا خمس،: قال القاضي: معناه لم يف ممن بايع مع أم عطية في الوقت الذي بايعت فيه من النسوة إلا خمس، لا أنه لم يترك النياحة من المسلمات غير خمس.
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز، باب: ما ينهى من النوح والبكاء والزجر عن ذلك، حديث (١٣٠٦) (٣/ ١٧٦). وطرفاه في [٤٨٩٢، ٧٢١٥].
(٣) - أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، حديث (٤٨٩٥) (٨/ ٦٣٨). [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "ولا تشركن". [¬٢]- سقط من: ز، خ. [¬٣]- سقط من: ز.
[ ١٣ / ٥٢٨ ]
رسول الله - لا يدرى حسن من هي - قال: فتصدقن، قال: وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ [¬١] والخواتيم في ثوب بلال.
وقال الإِمام أحمد (^٤٩): حدثنا خاف بن الوليد، حدثنا [ابن عياش] [¬٢] عن سليمان بن سُليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإِسلام، فقال: "أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا، ولا تسرقي ولا تزني ولا تقتلي ولدك، ولا تأتي ببهتان تفترفه بين يديك ورجليك، ولا تنوحي، ولا تبرجي تبرج الجاهلية الأولى".
وقال الإِمام أحمد (^٥٠): حدثنا سيان، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت قال: كنا عند رسول الله ﷺ في مجلس فقال: "تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم" - قرأ الآية التي أخدت على النساء: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ - فمن وفَّى منكم فأجره على الله، [ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له] [¬٣]. ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه". أخرجاه في الصحيحين (^٥١).
وقال محمد بن إسحاق (^٥٢)، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد بن عبد الله اليَزَني، عن أبي عبد الله عبد الرحمن بن عُسَيلة الصنابحي [¬٤]، عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه
_________________
(١) - أخرجه أحمد (٢/ ١٩٦) (٦٨٥٠). وإسناده حسن للخلاف في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن عباس هنا روى عن سليمان بن سليم وهو شامي، وروايته عن الشاميين مستقيمة، وقد صححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند.
(٢) - أخرجه أحمد (٥/ ٣١٤) (٢٢٧٨١).
(٣) - البخاري في كتاب الإيمان، باب: (١٨)، حديث (١٨) (١/ ٦٤). وأطرافه في [٣٨٩٢، ٣٨٩٣، ٣٩٩٩، ٤٨٩٤، ٦٧٨٤، ٦٨٠١، ٦٨٧٣، ٧٠٥٠، ٧١٩٩، ٧٢١٣، ٧٤٦٨]. ومسلم في كتاب: الحدود، باب: الحدود كفارات لأهلها، حديث (٤١ - ٤٤/ ١٧٠٩) (١١/ ٣١٦ - ٣١٨).
(٤) - السيرة النبوية لابن هشام (٢/ ٢٩٥) وإسناده ثقات وابن إسحاق صرح بالتحديث. والحديث أصله في الصحيحين وقد تقدم قريبًا. [¬١]- في ت: "الفتح". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "عباس". [¬٣]- ما بين المعكوفتين مكررة في: ز. [¬٤]- في ز، خ: "الصالحي".
[ ١٣ / ٥٢٩ ]
وسلم - على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفرض الحرب، على ألا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف. وقال [¬١]: "فإن وَفَيتُمْ فلكم الجنة". رواه ابن أبي حاتم.
وقد روى ابن جرير (^٥٣) من طريق العوفي، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أمر عمر بن الخطاب فقال: "قل لهن: إن رسول الله يبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئًا". وكانت هند بنة عتبة بن ربيعة التي شقت بطن حمزة مُنَكرة في النساء، فقالت: إني [¬٢] إن أتكلم يعرفني، وإن عرفني قتلني. وإنما تنكرت فِرقًا من رسول الله ﷺ فسكت النسوة اللاتي مع هند [¬٣]، وأبَيْنَ أن يتكلمن فقالت [¬٤] هند وهي مُنكرة: كيف يقبل من النساء شيئًا لم يقبله من الرجال؟ ففطن إليها رسول الله وقال لعمر: "قل لهن: ولا تسرقن". قالت هند: والله إني لأصيب من أبي سفيان الهَنَات، ما أدري أيحلهن لي أم لا؟ قال أبو سفيان: ما أصبت من شيء مضى أو قد بقي، فهو لك حلال. فضحك رسول الله ﷺ وعرفها، فدعاها فأخذت بيده [¬٥]، فعاذت به، فقال: "أنت هند"؟ فقالت [¬٦]: عفا الله عما سلف فصرف عنها رسول الله ﷺ فقال: "ولا تزنين"، فقالت: يا رسول الله، وهل تزني الحرة؟ قال: "لا، والله ما تزني الحرة". فقال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. قالت هند: أنت قتلتهم يوم بدر، فأنت وهم أبصر قال: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قال: منعهن أن يَنُحْنَ، وكان أهل الجاهلية يمزقن الثياب ويخدشن الوجوه، ويقطعن الشعور، ويدعون بالثبور. والثبور: الويل.
وهذا أثر غريب، وفي بعضه نكارة، والله أعلم. فإن أبا سفيان وامرأته لما أسلما لم يكن رسول الله ﷺ يخيفهما، بل أظهرا الصفاء والود له، وكذلك كان الأمر من جانبه ﵇ لهما.
وقال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية يوم الفتح، فبابع رسول الله ﷺ الرجال [¬٧] على الصفا، وعمر يبايع النساء [¬٨] تحتها عن رسول الله ﷺ فذكر بقيته كما تقدم وزاد: فلما قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ قالت هند:
_________________
(١) - أخرجه الطبري (٧٨/ ٢٨) وإسناده لا تقوم به حجة. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "أي". [¬٣]- في ز، خ: "هذا". [¬٤]- في ز، خ: "فقال". [¬٥]- في ز: "به". [¬٦]- في ت: "قالت". [¬٧]- سقط من: ز، خ. [¬٨]- سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٥٣٠ ]
ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا، فضحك عمر بن الخطاب حتى استلقى. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٤): حدثنا أبي حدثنا نصر بن علي، حدثتني غبطة بنت [عمرو]، [حدثتني عمتي، عن جدتها] [¬١]، عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه، فنظر إلى يدها فقال: "اذهبي فغيري يدك". فذهبت فغيرتهار [¬٢] [بحناء، ثم] [¬٣] جاءت فقال: "أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئًا". فبايعها وفي يدها سواران من ذهب، فقالت: ما تقول في هذين السوارين؟ فقال: "جمرتان من جمر جهنم".
فقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، أي: من جاءك منهن يبايع على هذه الشروط، فبايعها، ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، أي: أموال الناس الأجانب، فأما إذا كان الزوج مقصرًا في نفقتها، فلها أن تأمل من ماله بالمعروف، ما جرت به عادة أمثالها، وإن كان بغير علمه، عملًا بحديث هند بنت عتبة أنها قالت: "يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني، فهل علي جناح إن أخذت من ماله بغير علمه؟ فقال رسول الله ﷺ: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك" (^٥٥). أخرجاه في الصحيحين.
وقوله: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، كقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ وفي حديث سمرة (^٥٦) ذكر عقوبة الزنا: بالعذاب الأليم في نار الجحيم.
_________________
(١) - أخرجه أبو يعلى (٨/ ١٩٤ - ١٩٥) (٤٧٥٤) في طريق، نصر بن علي عن غبطة أم عمرو - عجوز من بني مجاشع عن عمتها عن جدتها عن عائشة به مطولًا. وعن طريقه المزي في تهذيب الكمال (٣٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦). وأخرجه أبو داود (٤١٦١٥) من طريق بن مسلم إبراهيم عن غبطة فذكر طرفًا منه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/ ٤٠): رواه أبي يعلى وفيه من لم أعرفهن. ا هـ. وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (٨٩٤).
(٢) - أخرجه البخاري في كتاب: البيوع، باب: من أجرى أمر الأمصار على ما يتعارفون بينهم، حديث (٢٢١١) (٥/ ٤٠٤). وأطرافه في [٢٤٦٠، ٣٨٢٥، ٥٣٥٩، ٥٣٦٤، ٥٣٧٠، ٦٦٤١، ٧١٦١، ٧١٨٠]. ومسلم في كتاب: الأقضية، باب: قضية هند، حديث (٧ - ٩/ ١٧١٤) (١٢/ ١١ - ١٤).
(٣) - وهو حديث رؤيا النبي ﷺ في آخر كتاب التعبير من صحيح البخاري، = [¬١]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "حدثني عمي عن جدي". [¬٢]- في ز، خ: "فقيرتها". [¬٣]- ما بين المعكوفتين بياض في: ز.
[ ١٣ / ٥٣١ ]
وقال الإِمام أحمد (^٥٧): حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة تبايع النبي ﷺ فأخذ عليها: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾. الآية. قال: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: أقرِّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا. قالت: فنعم إذًا. فبايعها [¬١] بالآية.
وقال ابن أبي حاتم (^٥٨): حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن فضيل، عن حصين، عن عامر -هو الشعبي- قال بايع رسول الله ﷺ النساء، وعلى يده ثوب قد وضعه على كفه، ثم قال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾. فقالت امرأة: تقتل آباءهم وتوصينا بأولادهم؟ قال: وكان بعد ذلك إذا جاءه النساء يبايعنه، جمعهن فعرض عليهن. فإذا أقررن رجعن.
وقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾: وهذا يشمل قتله بعد [¬٢] وجوده، كما كان أهل الجاهلية يقتلون أولادهم خشية الإِملاق، ويعم قتله وهو جنين، كما قد يفعله بعض الجهلة من النساء، تطرح نفسها لئلا تحبل إما لغرض فاسد أو ما أشبهه.
وقوله: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ - قال ابن عباس: يعني لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. وكذا قال مقاتل: ويؤيد هذا الحديث الذي رواه أبو داود (^٥٩):
حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو -يعني ابن الحارث- عن ابن الهاد، عن عبد الله بن يونس، عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول حين نزلت آية الملاعنة: "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جَنَّته، وأيما وجل جَحَدَ ولده وهو
_________________
(١) = في باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، حديث (٧٠٤٧)، وفيه أن النبي ﷺ رأى مثل التنور وفيه لغط وأصوات. قال: "فاطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا". وكان هذا حال من زنا في الدنيا - نسأل الله العافية.
(٢) - أخرجه أحمد (٦/ ١٥١) (٢٥٢٨٤) وإسناده صحيح.
(٣) - في إسناده انقطاع ظاهر.
(٤) - أخرجه أبو داود في كتاب: الطلاق، حديث (٢٢٦٣) (٢/ ٢٧٩). وفي إسناده عبد الله بن يونس: مجهول. وضعف الحديث الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود برقم (٤٩٧). [¬١]- في ز، خ: "يبايعها". [¬٢]- في ز، خ: "قبل".
[ ١٣ / ٥٣٢ ]
ينظر إليه، احتجب الله منه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين".
وقوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، يعني: في ما أمرتهن به من معروف، ونهيتهن عنه من منكر.
قال البخاري (^٦٠): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا أبي قال: سمعت الزبير، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: إنما هو شرط شَرَطه الله للنساء. وقال ميمون بن مهران: لم يجعل الله لنبيِّه طاعة إلا لمعروف. والمعروف طاعة. وقال ابن زيد: أمر الله بطاعة رسوله، وهو خيَرَة الله من خلقه في المعروف.
وقد [¬١] قال غيره عن ابن عباس وأتس بن مالك وسالم بن أبي [الجعد وأبي] [¬٢] صالح وغير واحد: نهاهن يومئذٍ عن النوح، وقد تقدم حديث أم عطية في ذلك أيضًا.
وقال ابن جرير (^٦١): حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة في [] [¬٣] هذه الآية: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ أخذ عليهن النياحة، ولا تحدثن [¬٤] الرجال إلا رجلًا منكن محرمًا. فقال عبد الرحمن بن عوف: يا نبي الله، إنَّ لنا أضيافًا، وإنا نغيب عن نسائنا. فقال رسول الله ﷺ: "ليس أولئك عَنَيتُ. ليس أولئك عَنَيتُ".
وقال ابن أبي حاتم (^٦٢): حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى الفراء، أخبرنا ابن أبي زائدة، حدثني مبارك، عن الحسن قال: كان فيما أخذ النبي ﷺ: "ألا يحدثن الرجال إلا أن تكون ذات محرم، فإن الرجل لا يزال يحدث المرأة حتى يَمذي [¬٥] بين فخذيه".
وقال ابن جرير (^٦٣): حدثنا ابن حميد، حدثنا هارون، عن عمرو، عن عاصم، عن
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، حديث (٤٨٩٣) (٨/ ٦٣٧).
(٢) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٧٨ - ٧٩)، إسناده منقطع.
(٣) - في إسناده انقطاع بين الحسن والنبي ﷺ.
(٤) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٧٩) وأصله في الصحيحين وقد تقدم قريبًا، وانظر التالي. [¬١]- في ت: "و". [¬٢]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "أسعد وأبو". [¬٣]- ما بين المعكوفتين في ز، خ: "قوله". [¬٤]- في ز، خ: "يحدثن". [¬٥]- في ز، خ: "تهدى".
[ ١٣ / ٥٣٣ ]
ابن سيرين، عن أم عطية الأنصارية قالت: كان فيما اشتُرط علينا من المعروف حين بايعنا: أن لا ننوح وقالت امرأة من بني فلان: إن بني فلان أسعدوني، فلا حتى أجزيهم! فانطلقت فأسعَدَتهم، ثم جاءت فبايعت، قالت: فما وفى منهن غيرها، وغير أم سليم بنة ملحان أم أنس بن مالك.
وقد روى البخاري (^٦٤) هذا الحديث من طريق حفصة بنت سيرين، عن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂ وقد روى نحوه من وجه آخر أيضًا.
وقال ابن جرير (^٦٥): حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن فروخ القَتَّاب، حدثني مصعب بن نوح الأنصاري قال: أدركت عجوزًا لنا كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ قالت [¬١]: فأتيته لأبايعه، فأخذ علينا فيما أخذ أن لا تنحن. فقالت عجوز: يا رسول الله، إن ناسًا قد كانوا أسعدوني على مصائب أصابتني، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأنا أريد أن أسعدهم. قال: "فانطلقي فكافئيهم". فانطلقت فكافأتهم، ثم إنها أتته فبايعته، وقال: هو المعروف الذي قال الله ﷿: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾.
وقال ابن أبي حاتم (^٦٦): حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، حدثنا القعنبي، حدثنا الحجاج بن صفوان عن أسيد بن أبي أسيد البراد [¬٢]، عن امرأ ة من المبايعات قالت: كان ممَّا [¬٣] أخذ علينا رسول الله ﷺ أن لا نعصيه في معروف: أن لا نخمش وجوهًا، ولا ننشر شعرًا، ولا نشق جيبًا، [ولا ندعو ويلًا] [¬٤].
وقال ابن جرير (^٦٧): حدثنا أبو كُريب، حدثنا وكيع، عن يزيد مولى الصهباء، عن شهر بن حوشب، عن أم سلمة، عن رسول الله ﷺ في قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال: النوح.
_________________
(١) - أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب: بيعة النساء، حديث (٧٢١٥) (١٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤). وطرفاه في [١٣٠٦، ٤٨٩٢].
(٢) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٧٩). وفي إسناده مصعب بن نوح الأنصاري وهو مجهول. الجرح والتعديل (٨/ ٣٠٧).
(٣) - إسناده رجاله موثقون.
(٤) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٨٠) وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف. [¬١]- في ت: "قال". [¬٢]- في ز، خ: "البزار". [¬٣]- في ت: "فيما". [¬٤]- ما بين المعكوفتين سقط من: ز، خ.
[ ١٣ / ٥٣٤ ]
ورواه الترمذي في التفسير (^٦٨)، عن عبد بن حُميد، عن أبي نُعَيم - وابن ماجة (^٦٩)، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع - كلاهما عن يزيد بن عبد الله الشيباني مولى الصهباء، به. وقال الترمذي: "حسن غريب".
وقال ابن جرير (^٧٠): حدثنا محمد بن سنان [¬١] القزاز، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا إسحاق [بن] عثمان بن [¬٢] يعقوب، حدثني إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية، عن جدته أم عطية قالت: لما قدم رسول الله ﷺ جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب ﵁ فقام على الباب وسلم علينا، فرددن - أو: فرددنا - عليه¬ السلام، ثم قال: أنا رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكن. قالت: فقلنا: مرحبًا برسول الله، وبرسول رسول الله. فقال: تبايعن علي أن لا تشركن بالله شيئًا، ولا تسرقن ولا تزنين؟ قالت: قلنا: نعم. قالت: فمد يده من خارج الباب -أو: البيت- ومددنا أيدينا من داخل البيت،، ثم قال: اللهم اشهد. قالت وأمرنا [¬٣] في العيد أن نخرج فيه الحُيَّض والعواتق، ولا جمعة علينا، ونهانا عن اتباع الجنائز قال إسماعيل: فسألت جدتي عن قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. قالت: النياحة.
وفي الصحيحين (^٧١) من طريق الأعمش، عن عبد الله بن مُرة، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية". وفي الصحيحين (^٧٢) أيضًا عن أبي موسى
_________________
(١) - وأخرجه الترمذي في باب: ومن سورة الممتحنة، حديث (٣٣٠٤) (٩/ ٤٦).
(٢) - وابن ماجة في كتاب الجنائز، باب: في النهي عن النياحة، حديث (١٥٧٩) (١/ ٥٠٣) كلهم من طريق شهر وهو ضعيف.
(٣) - أخرجه الطبري (٢٨/ ٨٠ - ٨١). وفي إسناده محمد بن سنان القزاز: ضعيف. وإسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية؛ قال الحافظ: مقبول. وقد استدل البعض على حل المصافحة بهذا الحديث، وهو ضعيف كما ترى، وعلى فرض صحته فإنه ليس فيه دليل على ذلك القول؛ لأن الحديث ليس فيه أن يده مست يد النساء، بل إن الظاهر من نص الحديث خلاف ذلك.
(٤) - أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب: ليس منا من ضرب الخدود، حديث (١٢٩٧، ١٢٩٨) (٣/ ١٦٦)، ومسلم في باب "الإيمان"، باب: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية، حديث (١٦٥، ١٦٦/ ١٠٣) (٢/ ١٤٤).
(٥) - أخرجه البخاري في الموضع السابق، باب: ما ينهى عن الحلق عند المصيبة، حديث (١٢٩٦) (٣/ ١٦٥)، ومسلم في الموضع السابق أيضًا، حديث (١٦٧/ ١٠٤) (٢/ ١٤٥ - ١٤٧). [¬١]- في ز، خ: "يسار". [¬٢]- في ز، خ: "بن". [¬٣]- في ز، خ: "فأمرنا".
[ ١٣ / ٥٣٥ ]
أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة.
وقال الحافظ أبو يعلى (^٧٣): حدثنا هُدبة بن خالد، حدثنا أبان بن يزريد، حدثنا يحيي ابن أبي [¬١] كثير أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن [¬٢]: الفخر في [¬٣] الأحساب. والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قَطران، ودرع من جرب".
ورواه مسلم (^٧٤) في صحيحه منفردًا به من حديث أبان بن يزيد العطار به.
وعن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ لعن النائحة والمستمعة، رواه أبو داود (^٧٥).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾
ينهى ﵎ عن موالاة الكافرين في آخر هذه السورة كما نهى عنها [¬٤] في أولها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ يعني اليهود والنصارى وسائر الكفار، ممن [¬٥] غضب الله عليه ولعنه واستحق من الله الطرد والإِبعاد، فكيف توالونهم وتتخذونهم أصدقاء وأخلاء، وقد يئسوا من الآخرة. أي: من ثواب الآخرة ونعيمها في حكم الله ﷿.
وقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾، فيه قولان:
_________________
(١) - أخرجه أبو يعلى (٣/ ١٤٨) (١٥٧٧).
(٢) - ومسلم في كتاب: الجنائز، باب: التشديد في النياحة، حديث (٢٩/ ٩٣٤).
(٣) - أخرجه أبو داود في كتاب: الجنائز، باب: في النوح، حديث (٣١٢٨) (٣/ ١٩٣ - ١٩٤) وفي إسناده الحسن بن عطية، وعطية العوفي وكلاهما ضعيف. [¬١]- سقط من: ز، خ. [¬٢]- في ز، خ: "يتركوهن". [¬٣]- في ز، خ: "من". [¬٤]- في ز، خ: "عنه". [¬٥]- في ت: "من".
[ ١٣ / ٥٣٦ ]
أحدهما: كما يئس الكفار الأحياء من قراباتهم الذين في القبور أن يجتمعوا بهم بعد ذلك، لأنهم لا يعتقدون بعثًا ولا نشورًا، فقد انقطع رجاؤهم منهم فيما يعتقدونه.
قال [¬١] العوفي عن ابن عباس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ.﴾ إلى آخر السورة. يعني: من مات من الذين كفروا فقد يئس الأحياء من الذين كفروا أن يرجعوا إليهم أو يبعثهم الله ﷿.
قال الحسن البصري: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ قال: الكفار الأحياء قد يئسوا من الأموات.
وقال قتادة: كما يئس الكفار أن يرجع إليهم أصحاب القبور الذين ماتوا. وكذا قال الضحاك. رواهن ابن جرير. والقول الثاني معناه كما يئس الكفار الذين هم في القبور من كل خير.
قال الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود: ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾، قال: كما يئس هذا الكافر إذا مات وعاين ثوابه واطلع عليه وهذا قول مجاهد، وعكرمة، ومقاتل، وابن زيد، والكلبي، ومنصور. وهو اختيار ابن جرير.
[آخر تفسير سورة الممتحنة ولله الحمد].
* * *
_________________
(١) [¬١]- بياض في: ز.
[ ١٣ / ٥٣٧ ]