﷽
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَه النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾
هذه الصفات [¬١] من صفات الرب ﷿ الربوبية، والملك، والإلهية. فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه، فجميع الأشياء مخلوقة [¬٢] له. مملوكة عبيد له، فأمر المستعيذ أن ينعوذ بالمتصف بهذه الصفات، من شر الوسواس الخناس، وهو الشيطان الموكل بالإنسان، فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يُزَيّن له الفواحش، ولا يألوه جهدًا في الخبال. والمعصوم من عَصَم الله.
وقد ثبت في الصحيح أنه أمر [ﷺ قال]: "ما منكم [¬٣] من أحد إلا قد وُكل به قرينهُ". قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" (^٥٤).
وثبت في الصحيح (^٥٥)، عن أنس في قصة زيارة صفية للنبيّ ﷺ وهو معتكف، وخروجه معها ليلًا ليردها إلى منزلها، فلقيه رجلان من الأنصار، فلما رأيا رسول الله ﷺ أسرعا، فقال رسول الله: "على رسلكما، إنها صفية بنت حُيي".
فقالا: سبحان الله! كما رسول الله. فقال: "إن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا. أو قال: شرًّا".
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي (^٥٦): حدثنا محمَّد بن بحر، حدثنا عدي بن أبي عمارة،
_________________
(١) - صحيح مسلم رقم (٢٨١٤) كتاب صفات المنافقين.
(٢) - صحيح البخاري رقم (٦٢١٩) كتاب الأدب. ومسلم رقم (٢١٧٥) كتاب السلام.
(٣) - مسند أبي يعلى في مسنده (٧/ ٢٢٨، ٢٧٩) رقم (٤٣٠١). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ١٥٢) ثم قال: رواه أبو يعلى وفيه عدي بن أبي عمارة وهو ضعيف. ا هـ. قلت: وفيه أيضًا زيادة النميري ضعيف. [¬١]- في خ: ثلاث صفة. [¬٢]- سقط من خ. [¬٣]- بعده في ز: له.
[ ١٤ / ٥٢٩ ]
حدثنا زياد النّميري، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإن ذكر خَنَس، وإن نسي التقم قلبه، فذلك الوسواس الخناس". غريب.
وقال الإمام أحمد (^٥٧): حدثنا محمَّد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عاصم، سمعت أبا تميمة [¬١] يُحدّث عن رَديف رسول الله ﷺ قال: عثر بالنبي ﷺ حمارُه، فقلت: تَعس الشيطان! فقال النبي ﷺ: "لا تقل: تعس الشيطان، فإنك إذا قلت: تعس الشيطان، تعاظم، وقال: بقوتي صرعته. وإذا قلت: باسم الله، تصاغر حتى يصير مثل الذباب".
تفرد به أحمد، إسناده جيد قوي، وفيه دلالة على أن القلب متى ذكر الله تصاغر الشيطان وغُلِب، وإن لم يذكر الله تعاظم وغلب.
وقال الإِمام أحمد (^٥٨): حدثنا أبو بكر الحنفي، حدثنا الضحاك بن عثمان، عن سَعيد المقبري، عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أحدكم إذا كان في المسجد، جاءه الشيطان فأبَس [¬٢] (^٥٩) به كما يُبَسُّ [¬٣] الرجل بدابته، فإذا سكن له زنقه (^٦٠) - أو: ألجمه"- قال أبو هُرَيرة: وأنتم ترون ذلك، أما المزنوق فتراه مائلًا -كذا- لا يذكر الله، وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله ﷿. تفرد به أحمد.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، قال الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خَنَس. وكذا قال مجاهد، وقتادة.
وقال المعتمر بن سليمان، عن أنس: ذُكرَ لي أن الشيطان، أو الوسواس ينفث في قلب [ابن آدم] [¬٤] عند الحزن وعند الفرخ، فإذا ذكر الله خنس.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَسْوَاسِ﴾، قال: هو الشيطان يأمر، فإذا أطيع خنس.
_________________
(١) - المسند (٥/ ٥٩). وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٣٤، ١٣٥) وقال: رواه أحمد بأسانيد. ورجالها كلها رجال الصحيح.
(٢) - المسند (٢/ ٣٣٠). وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.
(٣) - أبس به: أي قُهر وغلب.
(٤) - زنقه: أي ضيق عليه. [¬١]- في خ: تميم. [¬٢]- في خ: فأنس. [¬٣]- في خ: ينس. [¬٤]- في خ: الإنسان.
[ ١٤ / ٥٣٠ ]
وقوله: ﴿الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، هل يختص هذا ببني آدم -كما هو الظاهر- أو يعمّ بني آدم والجن؟ فيه قولان، ويكونون قد دخلوا في لفظ الناس تغليبًا.
وقال ابن جرير: وقد استعمل فيهم ﴿بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فلا بدع في إطلاق الناس عليهم.
وقوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، هل هو تفصيل لقوله ﴿الَّذِي يُوَسْوسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، ثم بينهم فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وهذا يقوي القول الثاني.
وقيل: قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، تفسير للذي يُوسوس في صدور الناس من شياطين الإنس والجن، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾، وكما قال الإمام أحمد (^٦١):
حدثنا وكيع، حدثنا المسعودي، حدثنا أبو عُمر الدمشقي، حدثنا عبيد بن الخشخاش، عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فجلست، فقال: "يا أبا ذر، هل صليت؟ ". قلت: لا. قال: "قم فصل". قال: فقمت فصليت، ثم جلست فقال: "يا أبا ذر، تعوذ بالله من شر [¬١] شياطين الإنس والجن".
قال [¬٢]: قلت: يا رسول الله، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". قال: قلت: يا رسول الله، الصلاة؟ قال: "خير موضوع، من شاء أقل، ومن شاء أكثر". قلت: يا رسول الله. فالصوم؟ قال: "فرض مجزئ [¬٣]، وعند الله مزيد [¬٤] ".
قلت: يا رسول الله، فالصدقة؟ قال: "أضعاف مضاعفة". قلت: يا رسول الله، فأيها [¬٥] أفضل؟ فقال [¬٦]: "جُهد من مُقل، أو سرّ إلى فقير". قلت: كما رسول الله، أي الأنبياء كان أول؟ قال: "آدم". قلت: يا رسول الله، ونبي [¬٧] كان؟ قال: "نعم، نبي مكلم [¬٨] ". قلت: يا رسول الله، كم المرسلون؟ قال: "ثلاثمائة وبضعة عشر، جمًّا غفيرًا". وقال مرة؟: "خمسة عشر" - قلت: يا رسول الله، أيما أنزل عليك أعظم؟ قال: "آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ورواه النسائي (^٦٢)، من حديث أبي عمر الدمشقي، به. وقد أخرج هذا الحديث مطولًا جدًّا
_________________
(١) - المسند (٥/ ١٧٨) وأخرجه أيضًا (٥/ ١٧٩) من طريق يزيد عن المسعودي به.
(٢) - سنن النسائي مقتصرًا على ذكر الاستعاذة فقط (٨/ ٣١٦) كتاب الاستعاذة. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في خ: يجزئ. [¬٤]- في ز، خ: يزيد. [¬٥]- في خ: أيها. [¬٦]- في ت: قال. [¬٧]- في ز: ومتى. [¬٨]- في ز: تكلم.
[ ١٤ / ٥٣١ ]
أبو حاتم بن حبان في صحيحه (^٦٣)، بطريق آخر، ولفظ آخر مطول جدًّا، فالله أعلم.
وقال الإمام أحمد (^٦٤): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن ذَرّ بن عبد الله الهَمْداني، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إني أحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أتكلم به. قال: فقال النبي ﷺ: "الله أكبر الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة".
ورواه أبو داود والنسائي (^٦٥)، من حديث منصور - زاد النسائي: والأعمش - كلاهما عن ذر، به.
آخر التفسير، ولله الحمد والمنة
_________________
(١) - الإحسان (٢/ ٧٦) رقم (٣٦١٠). وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦ - ١٦٨). وفيه إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني الدمشقي. قال أبو حاتم: كذّاب كما في الجرح والتعديل (٢/ ١٤٢٩) وقال ابن الجوزي: قال أبو زهرة: كذاب كما في ميزان الاعتدال (١/ ٧٣٩) وقال الذهبي عنه أيضًا: إبراهيم بن هشام: أحد المتروكين الذين مشاهم ابن حبان فلم يصب. الميزان (٤/ ٣٧٨).
(٢) - المسند (١/ ٢٣٥).
(٣) - سنن أبي داود رقم (٥١١٢) كتاب الأدب. والنسائي في اليوم والليلة رقم (٦٦٨، ٦٦٩).
[ ١٤ / ٥٣٢ ]