﷽
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَال أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾
يقول تعالى منكرًا على المشركين في تساؤلهم عن يوم القيامة إنكارًا لوقوعها: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) [عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾، أي: عن أي شيء يتساءلون؟] [¬١] عن أمر القيامة، وهو النبأ العظيم، يعني: الخبر الهائل المفظع الباهر. قال قتادة، وابن زيد: النبأ العظيم: البعث بعد الموت. وقال مجاهد: هو القرآن. والأظهر الأول لقوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾، يعني الناس فيه على قولين مؤمن به وكافر. ثم قال تعالى متوعدًا لمنكري القيامة: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾، وهذا تهديدٌ شديد ووعيد أكيد. ثم شرع تعالى يُبِّين قدرته العظيمة على خلق الأشياء [¬٢]، الغريبة والأمور العجيبة، الدالة على قدرته على ما يشاء من أمر المعاد وغيره، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾؟ أي: ممهدة للخلانق ذَلُولًا لهم، قارّةً ساكنة ثابتة، ﴿وَالْجِبَال أَوْتَادًا﴾، أي: جعلها لها أوتادًا أرساها [¬٣] بها وثبتها وقَرَّرها حتى سكنت ولم تضطرب بمن عليها. ثم قال: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾، يعني: ذكرًا وأنثى يستمتع كل منهما بالآخر، ويحصل التناسل بذلك، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ [¬٤] لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾، أي: قَطعًا للحركة لتحصل [¬٥] الراحة من كثرة الترداد والسعي. في [المعايش في عرض] [¬٦] النهار. وقد
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز، خ. [¬٢]- في ز: الإنسان. [¬٣]- في ز: رعاها. [¬٤]- في ز: جمل. [¬٥]- في ز: فتحصل. [¬٦]- في ز، خ: أرض.
[ ١٤ / ٢٢٧ ]
تقدم مثل هذه الآية في "سورة الفرقان".
﴿وَجَعَلْنَا [¬١] اللَّيلَ لِبَاسًا﴾، أي: يغشى الناس ظلامه وسواده، كما قال: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾، وقال الشاعر:
فلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أو حِينَ نَصّبَتْ … لَهُ مِن خَذَا آذانِها وَهْوَ جَانِحُ
وقال قتادة في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيلَ لِبَاسًا﴾، أي: سكنًا.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾، أي: جعلناه مشرقًا مُنِيرًا مضيئًا، ليتمكن الناس من التصرف فيه والذهاب والمجيء للمعاش والتكسب والتجارات، وغير ذلك.
وقوله: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾، يعني: السنوات السبع، في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها، وتزيينها بالكواكب الثوابت [¬٢] والسيارات؛ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾، يعني: الشمس المنيرة على جميع العالم التي يتوهج ضوؤها لأهل الأرض كلهم.
وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال العوفي عن ابن عباس: ﴿الْمُعْصِرَاتِ﴾: الريح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا أبو داود الحَفَري، عن سفيان، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾، قال: الرياح، وكذا قال عكرمة، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل، والكلبي، وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن. إنها الرياح. ومعنى هذا القول أنها تستدر المطر من السحاب. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾، أي: من السحاب. وكذا قال عكرمة أيضًا، وأبو العالية، والضحاك، والحسن، والربيع بن أنس، والثوري. واختاره ابن جرير.
وقال الفراء: هي السحاب التي تتَحلَّب بالمطر [ولم تُمطر] [¬٣] بعدُ، كما يقال [¬٤]: امرأة معصر: إذا دنا حيضها ولم تحض.
وعن الحسن وقتادة: ﴿مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ يعني السماوات. وهذا قول غريب.
والأظهر أن المراد بالمعصرات: السحاب، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيفَ يَشَاءُ وَ[¬٥] يَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾، أي: من بينه.
_________________
(١) [¬١]- سقط من ز. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- في ز، خ: يوم المطر. [¬٤]- في ز: قال. [¬٥]- في ز: ثم.
[ ١٤ / ٢٢٨ ]
وقوله: ﴿مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال مجاهد وقتادة، والربيع بن أنس: ﴿ثَجَّاجًا﴾: منصبًّا، وقال الثوري: متتابعًا. وقال ابن زيد: كثيرًا.
قال ابن جرير: ولا يعرف في كلام العرب في صفة الكثرة: الثج، وإنما الثج: الصب المتتابع ومنه قول النبي ﷺ: "أفضلُ الحجّ العجّ والثجّ" (^١). يعني: صَبّ دماء البُدْن. هكذا قال: قلت: وفي حديث المستحاضة (^٢) حين قال لها رسول الله ﷺ: "أنعتُ لك الكُرسُفَ" -يعني: أن تحتشي بالقطن- قالت: يا رسول الله، هو أكثر من ذلك، إنما أثج ثجًّا. وهذا فيه دلالة على استعمال الثج في الصبّ المتتابع الكثير، والله أعلم.
وقوله: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، أي: لنخرج بهذا الماء الكثير الطب النافع المبُارَك ﴿حَبًّا﴾ يدخر للأناسي والأنعام، ﴿وَنَبَاتًا﴾، أي: خضرا يؤكل رطبًا، ﴿وَجَنَّاتٍ﴾، أي: بساتين وحدائقَ من ثمرات متنوعة، وألوان مختلفة، وطعوم وروائح متفاوتة، وإن كان ذلك في بقعة واحدة من [¬١] الأرض مجتمعًا؛ ولهذا قال: ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ قال ابن عباس، وغيره: ﴿أَلْفَافًا﴾: مجتمعة. وهذه كقوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاورَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ … الآية.
﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا
_________________
(١) أخرجه الترمذي في كتاب: الحج، باب: ما جاء في فضل التلبية والنحر، حديث (٨٢٧) (٣/ ١٧٥)، والدارمي (٢/ ٣١) كتاب المناسك، باب: أي الحج أفضل. وصححه ابن خزيمة (٤/ ١٧٥) (٢٦٣١). والحاكم (١/ ٤٥٠ - ٤٥١) كلهم من حديث أبي بكر الصديق ﵁. وصححه الألباني في الصحيحة (١٥٠٠) بشواهده.
(٢) أخرجه أحمد (٦/ ٤٣٩) (٢٧٥٨١). وأبو داود في كتاب: الطهارة، باب: من قال: إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، حديث (٢٨٧) (١/ ٧٦ - ٧٧). والترمذي في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في المستحاضة، حديث (١٢٨) (١/ ١٤٨ - ١٥٠). وابن ماجة في كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها، حديث (٦٢٧) (١/ ٢٠٥ - ٢٠٦). كلهم من حديث حمنة بنت جحش ﵂ قال الترمذي: حسن صحيح. وقال: وسألت محمدًا عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن صحيح. ا هـ. وحسنه الألباني في الإرواء (١٨٨). [¬١]- في ز: في.
[ ١٤ / ٢٢٩ ]
شَرَابًا (٢٤) إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وفَاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ كِتَابًا (٢٩) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا (٣٠)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن يوم الفصل، وهو يوم القيامة، أنه مؤقت بأجل معدود، لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله ﷿ -كما قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾؛ قال مجاهد: زمَرًا زمرًا [¬١]. قال ابن جرير: يعني تأتي كل أمة مع رسولها، كقوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾.
وقال [¬٢] البخاري (^٣): ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، حدثنا محمد، حدثنا أبو [¬٣] معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين النفختين أربعون". قالوا: أربعون يومًا؟ قال: "أبيتُ". قالوا: أربعون شهرًا؟ قال: "أبيتُ". قالوا: أربعون سنة؟ قال: "أييتُ". قال: "ثم يُنزلُ الله من السماء ماءً فينبُتُونَ كما ينبتُ البقلُ، ليس من الإِنسان شيءٌ إلا يَبَلَى، إلا عظمًا واحدًا، وهو عَجْبُ الذنَب، و[¬٤] منه يُرَكبُ الخلقُ يوم القيامة". ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾، أي: طرقًا ومسالك لنزول الملائكة، ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ كقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، وكقوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.
وقال هاهنا: ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾، أي: يخيل إلى الناظر أنها شيءٌ، وليست بشيء، وبعد هذا تَذهب بالكلية، فلا عين ولا أثر، كما قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾، وقال: (﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ [¬٥] الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ زمرًا، حديث (٤٩٣٥) (٨/ ٦٨٩ - ٦٩٠). [¬١]- سقط من ت. [¬٢]- في ز: وقوله. [¬٣]- في ز: ابن. [¬٤]- سقط من ز. [¬٥]- في ز: تسير.
[ ١٤ / ٢٣٠ ]
وقوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾، أي: مرصدة مُعَدّة ﴿لِلطَّاغِينَ﴾، وهم: المَرَدة العصاة المخالفون [¬١] للرسل، ﴿مَآبًا﴾، أي: مرجعًا ومنقلبًا ومصيرًا ونُزُلًا. وقال [¬٢] الحسن، وقتادة في قوله: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾: يعني: أنه لا يدخل أحد [¬٣] الجنة حتى يجتاز بالنار، فإن كان معه جواز نجا وإلا احتبس. وقال سفيان الثوري: عليها ثلاث قناطر.
وقوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، أي: ماكثين فيها أحقابًا، وهي جمع "حُقب"، وهو: المدة من الزمان وقد اختلفوا في مقداره، فقال ابن جرير (^٤)، عن ابن حميد، عن مهران، عن سفيان الثوري، عن عَمَّار الدّهنيّ، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهَجَري: ما تجدونَ الحُقْبَ في كتاب الله المنزل؟ قال: نجده ثمانين سنة، كل سنة اثنا عشر شهرًا، كل شهر ثلاثون يومًا، كل يوم ألف سنة.
وهكذا رُوي عن أبي هُرَيرة (^٥)، وعبد الله بن عَمرو (^٦)، وابن عباس (^٧)، وسعيد بن جُبَير، وعَمرو بن ميمون، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والضحاك. وعن الحسن (^٨)، والسّدِّي أيضًا: سبعون سنة كذلك. وعن عبد الله بن عمرو: الحُقبُ أربعون سنة، كل يوم منها كألف سنة مما تعدون. رواهما ابن أبي حاتم.
وقال بشير بنُ كعب: ذُكر لي أن الحُقب الواحد ثلاثمائة سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم ألف سنة. رواه ابن جرير (^٩) وابن أبي حاتم.
ثم قال ابن أبي حاتم (^١٠): ذكر عن عُمَر بن علي بن أبي بكر الأسْفَذْنِيّ، حدثنا مروان بن معاوية الفَزَاري، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، قال: فالحقب شهر، الشهر ثلاثون يومًا، والسنة
_________________
(١) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١)، وهناد في الزهد (٢٢٠) من طريق سفيان به.
(٢) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١). وهناد في الزهد (٢١٩) كلاهما من حديث أبي هريرة بنحوه. وزاد السيوطي (٦/ ٥٠٢) نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣) ذكره السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر (٦/ ٥٠٣).
(٤) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١).
(٥) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١ - ١٢).
(٦) تفسير الطبري (٣٠/ ١١).
(٧) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٠٢)، والطبراني وابن مردويه بسند ضعيف وزاد نسبته إلى ابن عمر العدني في مسنده، وعزاه الهيثمي (٧/ ١٣٦) للطبراني مختصرًا وقال: فيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف. [¬١]- في ز: المخالفين. [¬٢]- في ز: وقوله. [¬٣]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٢٣١ ]
اثنا عشر شهرًا، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون، فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة: وهذا حديثُ منكر جدًّا، والقاسم والراوي عنه وهو جعفر بن الزبير كلاهما متروك.
وقال البزار (^١١): حدثنا محمد بن مِردَاس، حدثنا سليمان بن [¬١] مسلم أبو المُعلى قال: سألت سليمان التيمي: هل يخرج من النار أحد؟ فقال: حدثني نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "والله لا يخرج من النار أحد حتى يمكث فيها أحقابًا". قال: والحُقْب: بضع وثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يومًا مما تعدون".
ثم قال: سليمان بن مسلم بصري مشهور.
وقال السدي: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: سبعمائة حُقب، كل حُقب سبعون سنة، كل سنة ثلاثماثة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون.
وقد قال مقاتل بن حيان: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾.
وقال خالد بن معدان: هذه الآية. وقوله: ﴿إلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ في أهل التوحيد. رواهما ابن جرير. ثم قال: ويحتمل أن يكون قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ متعلقا بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ ثم يحدث الله لهم بعد ذلك عذابًا من شكل آخر ونوع آخر. ثم قال: والصحيح أنها لا انقضاء لها، كما قال قتادة والربيع بن أنس. وقد قال قبل ذلك:
حدثني محمد بن عبد الرحيم البَرقي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، عن زهير، عن سالم: سمعت الحسن يسأل عن قوله: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، قال: أما الأحقاب فليس لها عِدة إلا الخلود في النار، ولكن ذكروا أن الحُقب سبعون سنة، كل يوم منها [¬٢] كألف سنة مما تعدون.
وقال سعيد عن قتادة: قال الله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾، وهو: ما لا انقطاع له، وكلما مضى حُقب جاء حقب بعده، وذكر لنا أن الحُقبَ ثمانون سنة.
[وقال الربيع بن أنس: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: لا يعلم عدة هذه الأحقاب إلا الله، ولكن الحقب الواحد ثمانون سنة] [¬٣]، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم كألف سنة مما تعدون.
_________________
(١) أخرجه البزار في كتاب: صفة جهنم، باب: متى يخرج من النار من دخلها، حديث (٣٥٠٣) (٤/ ١٨٦ - كشف). وقال الهيثمي في "المجمع" (١/ ٣٩٨٠): رواه البزار وفيه سليمان بن مسلم الخشاب وهو ضعيف جدًّا. ا هـ. [¬١]- في خ: أبو. [¬٢]- سقط من ز. [¬٣]- سقط من ز، خ.
[ ١٤ / ٢٣٢ ]
رواهما أيضًا ابن جرير (^١٢).
وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾، أي: لا يجدون في جَهنَّم بردًا لقلوبهم، ولا شرابًا طيبًا يتغذون به؛ ولهذا قال: ﴿إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾. قال أبو العالية: استثنى من البرد الحميم ومن الشراب الغساق. وكذا قال الربيع بن أنس.
فأما الحميم: فهو الحار الذي قد انتهى حره وحُموه. والغَسَّاق: هو ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجروحهم، فهو بارد لا يستطاع من برده ولا يواجه من نتنه. وقد قدمنا الكلام على الغساق في سورة "ص" بما أغنى عن إعادته، أجارنا الله من ذلك بمنه وكرمه.
قال ابن جرير: وقيل: المراد بقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا﴾، يعني: النوم، كما قال الكندي:
بَرَدَت مَرَاشفها عَلَيَّ فصدّني … عنها وَعَن قُبلاتها البرد
يعني بالبرد: النعاس والنوم. هكذا ذكره ولم يَعزه إلى أحد.
وقد رواه ابن أبي حاتم، من طريق السدي، عن مرة الطيب. ونقله عن مجاهد أيضًا. وحكاه البغوي عن أبي عُبَيدة والكسائي أيضًا. وقوله: ﴿جَزَاءً وفَاقًا﴾، أي: هذا الذي صاروا إليه من هذه الحقوبة وَفق أعمالهم الفاسدة التي كانوا يعملونها في الدنيا. قاله مجاهد، وقتادة، وغير واحد.
ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾، أي: لم يكونوا يعتقدون أن ثَم دارًا يجازون فيها ويحاسبون، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾، أي: وكانوا يكذبون بحجج الله ودلائه على خلقه التي أنزلها على رسله، فيقابلونها بالتكذيب والمعاندة.
وقوله: ﴿كِذَّابًا﴾، أي: تكذيبًا، وهو مصدر من مخير الفعل. قالوا: وقد سُمع أعرابي يستفتي الفَرّاءَ على المروة: الحلقُ أحبّ إليك أو القِصَّار؟ وأنشد بعضهم:
لَقَد طال ما ثَبَّطْتني عَن صَحَابتي … وعن حوَج قضاؤها [¬١] من شفَائيا
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيءٍ أَحْصَينَاهُ كِتَابًا﴾، أي: وقد عَلِمنا أعمال العباد كلهم، وكتبناها عليهم، وسنجزيهم على ذلك، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.
وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾، أي: يقال لأهل النار: ذوقوا ما أنتم فيه،
_________________
(١) تقدم تخريجه برقم (٨). [¬١]- في ز: قصارها.
[ ١٤ / ٢٣٣ ]
فلن نزيدكم إلا عذابًا من جنسه وآخر من شكله أزواج.
قال قتادة، عن أبي أيوب الأزدي، عن عبد الله بن عمرو قال: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾. قال: فهم في مزيد من العذاب أبدًا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن محمد بن مصعب الصوري، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا [¬١] جَسر بن فرقد، عن الحسن قال: سألت أبا برزة الأسلمي عن أشد آية في كتاب الله على أهل النار. قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ قرأ: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا﴾، فعَال: "هلك القوم بمعاصيهم الله ﷿" (^١٣).
جسر بن فرقد ضعيف الحديث بالكلية.
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (٣٥) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن السعداء وما أعد لهم تعالى من الكرامة والنعيم المقيم، فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾. قال ابن عباس والضحاك: متنزهًا. وقال مجاهد، وقتادة: فازوا فنجوا من النار. والأظهر هاهنا قول ابن عباس؛ لأنه قال بعده: ﴿حَدَائِقَ﴾، وهي البساتين من النخيل وغيرها ﴿وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾، أي: وحورًا كواعب. قال ابن عباس ومجاهد، وغير واحد: ﴿وَكَوَاعِبَ﴾، أي: نواهد، يعنون أن [ثُدُيَّهن نواهد] [¬٢] لم يتدلين لأنهن أبكار عرب أتراب، أي: في سن واحدة، كما تقدم بيانه في سورة الواقعة.
قال ابن أبي حاتم (^١٤): حدثنا عبد الله بن أحمد بن عبد الرحمن الدشتَكي، حدثني أبي، عن أبي سفيان عبد الرحمن بن عبد الله بن تيم، حدثنا عطية بن سليمان أبو الغيث، عن أبي عبد الرحمن القاسم بن أبي القاسم الدمشقي، عن أبي أمامة، أنه سمعه يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: "إن قُمُص أهل الجنة لتبدو من رضوان الله، وإن السحابة لتمر بهم فتناديهم: يا أهل الجنة، ماذا تريدون أن أمطركم؟ حتى إنها لتمطرهم الكواعب الأتراب".
وقوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ - قال ابن عباس: مملوءة متتابعة. وقال عكرمة: صافية.
_________________
(١) أخرجه الطبري (٣٠/ ١١).
(٢) أخرجه البيهقي في "البعث والنشور" (ص ٣١٨) حديث (٥٧٩). وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٣٦): رواه الطبراني وفيه شعيب بن بيان وهو ضعيف. [¬١]- سقط من خ. [¬٢]- في ز، خ: "بدنهن كواعب".
[ ١٤ / ٢٣٤ ]
وقال مجاهد، والحسن، وقتادة، وابن زيد: ﴿دِهَاقًا﴾: الملأى المترعة. وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: هي المتتابعة.
وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾، كقوله: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾، أي: ليس فيها كلام لاغ عار عن الفائدة، ولا إثم كذب، بل هي دار السلام، وكل كلام فيها سالم من النقص.
وقوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: هذا الذي ذكرناه جازاهم الله به وأعطاهموه، بفضله ومَنِّه وإحسانه ورحمته، ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾، أي: كافيًا وافرًا شاملًا كثيرًا، تقول العرب: أعطاني فأحسبني، أي: كفاني. ومنه: حسبي الله، أي: الله كافي.
﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا (٣٨) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾
يخبر تعالى عن عظمته وجلاله، وأنه رب السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وأنه الرحمن الذي شملت رحمته كل شيء.
وقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾، أي: لا يقدر أحد على ابتداء مخاطبته إلا بإذنه، كقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ﴾.
وقول: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾: اختلف المفسرون في المراد بالروح ها هنا، ما هو؟ على أقوال:
أحدها: رواه العوفي، عن ابن عباس: أنهم أرواح بني آدم.
الثاني: هم بنو آدم. قاله الحسن وقتادة [] [¬١]: هذا مما كان ابن عباس يكتمه.
الثالث: أنهم خَلق من خَلق الله، على صُوَر بني آدم، وليسوا بملائكة ولا ببشر، وهم يأكلون ويشربون. قاله ابن عباس، ومجاهد، وأبو صالح، والأعمش.
_________________
(١) [¬١]- في خ: وقال قتادة.
[ ١٤ / ٢٣٥ ]
والرابع: هو جبريل. قاله الشعبي، وسعيد بن جبير، والضحاك. ويستشهد لهذا القول بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ وقال مقاتل بن حيان: الروح: أشرف الملائكة، وأقرب إلى الرب ﷿ وصاحب الوحي.
والخامس: أنه القرآن. قاله ابن زيد، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا …﴾ الآية.
والسادس: أنه ملك من الملائكة بقدر جميع المخلوقات؛ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾، قال: هو ملك من أعظم الملائكة خلقا.
وقال ابن جرير (^١٥): حدثني محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا رَوّاد بن الجراح، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعود قال: "الروح: في السماء الرابعة هو أعظم من السماوات ومن الجبال ومن الملائكة، يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة مَلكًا من الملائكة يجيء يوم القيامة صفًّا وحده". وهذا قول غريب جدًّا.
وقد قال الطبراني (^١٦): حدثنا محمد بن عبد الله [بن عرس] [¬١] المصري، حدثنا وهب [الله ابن روق بن هُبَيرة، حدثنا بشر بن بكر] [¬٢]، حدثنا الأوزاعي، حدثني عطاء، عن عبد الله بن عباس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن لله ملكًا لو قيل له: التقم السماوات السبع والأرضين بلقمة واحدة، لفعل؛ تسبيحه: سبحانك حيث كنت".
وهذا حديث غريب جدًّا، وفي رفعه نظر، وقد يكون موقوفًا على ابن عباس، ويكون مما تلقاه من الإسرائيليات، والله أعلم.
وتَوَقَّفَ ابن جرير فلم يقطَع بواحد [¬٣] من هذه الأقوال كلها، والأشبه -والله أعلم- أنهم بنو آدم.
وقوله: ﴿إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾، كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإِذْنِهِ﴾ كما [¬٤] ثبت في الصحيح: "ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل". وقوله: ﴿وَقَال صَوَابًا﴾، أي: حقًّا، ومن الحق: "لا إله إلا الله"، كما قاله أبو صالح، وعكرمة.
_________________
(١) تفسير الطبري (٣٠/ ٢٢).
(٢) - المعجم الكبير (١١/ ٩٥١) (١١٤٧٦). وقال الهيثمي (١/ ٨٥): رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وتفرد به وهب بن رزق، ولم أر من ذكر له ترجمة ا هـ. [¬١]- في ز، خ: عوس. [¬٢]- ما بين المعكوفين بياض في ز، خ. [¬٣]- في ز: بواحدة. [¬٤]- في ز: وكما.
[ ١٤ / ٢٣٦ ]
وقوله: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾، أي: الكائن لا محالة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ آبًا﴾، أي: مرجعًا وطريقًا يهتدي إليه ومنهجًا يمر به عليه.
وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني: يوم القيامة لتأكد وقوعه صار قريبًا، لأن كل ما هو آت آت.
﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، أي: يعرض عليه جميع أعماله، خيرها وشرها، قديمها وحديثها، كقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، وكقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.
﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: يود الكافر يومئذ أنه كان في الدار الدنيا ترابًا، ولم يكن خُلِقَ، ولا خرج إلى الوجود، وذلك [حين عاين] [¬١] عذابَ الله، ونظر إلى أعماله الفاسدة، قد سُطرت عليه بأيدي الملائكة السفَرة الكرام البَرَرة.
وقيل: إنما ورد ذلك حين يحكم الله بين الحيوانات التي كانت في الدنيا، فيفصل بينها بحكمه [¬٢] العدل الذي لا يجور، حتى إنه ليقتص للشاة الجمَّاء من القرناء. فإذا فرغ من الحكم بينها قال لها: كوني ترابًا؛ فتصير ترابًا، فعند ذلك يقول الكافر: ﴿يَاليتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾، أي: كنت حيوانا فأرجع إلى التراب. وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور (^١٧)، وورد في آثار عن أبي هريرة و[عن] [¬٣] عبد الله بن عمرو وغيرهم.
[آخر تفسير سورة "عم"].
* * *
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "البعث والنشور" (ص ٣٣٦ - ٣٤٤) (٦٠٩) وقد تقدم تخريجه مطولًا. [¬١]- في ز، خ: "جزعًا من". [¬٢]- في ز: بحكم. [¬٣]- سقط من ز.
[ ١٤ / ٢٣٧ ]